والأصولية، والاستدلال والانتصار لمذهبه الشافعي في أدق الأحكام والفروع، وكأنه يكتب للمختصين في علوم التفسير والفقه والحديث! وهو مع هذا كله يكتب التاريخ!.
ومما انفرد به الحافظ ابن كثير في السيرة؛ أنه أضاف كتابين: هما "الشمائل" و"دلائل النبوة" وكان قد أشار إلى إضافة كتابين آخرين في "الخصائص" و"الفضائل" ولكنه لم يفعل.
وقد كتب في المقدمة: "فنذكر سيرته ﷺ كما ينبغي، فتشفي الصدور والغليل، وتزيح الداء عن العليل" (١).
وقد جاء محتوى هذا القسم موزعًا على أربعة أجزاء، كما يلي:
٢ - القسم الثاني (السيرة النبوية)
• الجزء الثالث (٣): الحوادث زمن الفترة: تجديد حفر زمزم - نذر عبد المطلب - تزويج عبد المطلب ابنه عبد اللَّه من آمنة.
السيرة النبوية: المولد
السنة الأولى من الهجرة - نهاية سرية عبيدة بن الحارث
• الجزء الرابع (٤): بداية السنة الثانية من الهجرة
كتاب المغازي - ذكر ما كان من الأمور الحادثة سنة ٩ للهجرة.
• الجزء الخامس (٥): كتاب الوفود الواردين إلى رسول اللَّه ﷺ حج النبي ﷺ وفاته - زوجاته وأولاده - إماؤه - خدَّامه - كتَّاب الوحي - آثار النبي ﷺ ذكر أفراسه ومراكبه.
• الجزء السادس (٦): متعلقات السيرة:
شمائله ﷺ دلائل نبوَّته.
٣ - تاريخ الإسلام:
ويشتمل على:
أ - الخلافة الراشدة والدولة الأموية (١١ - ١٣٢ هـ).
ب - الخلافة العباسية (١٣٢ - ٦٥٦ هـ).
_________
(١) البداية والنهاية (١/ ٧).
стр. 72
ج - دولة المماليك (٦٥٦ - ٧٦٨ هـ).
وهذا القسم الثالث من "البداية والنهاية" من أوسع الأقسام زمنًا، وأعظمها حجمًا، وأغزرها مادة، مليء بالحوادث والحروب الخارجية والداخلية، والفتن الواقعة على المسلمين.
حفظ للمسلمين تاريخ ثمانية قرون، وما اشتملت عليه من ثقافات متنوعة من الحديث والأدب والشعر والحكمة، وخبرات العلماء وتجارب الأمم.
ويستوقفنا القرن الأول الذي جمع الحافظ ابن كثير مادته التاريخية من دواوين المحدثين وكتب التاريخ القديمة التي لم تصل إلينا مطبوعة، وآراء الحافظ ابن كثير وتعليقاته حاضرة وظاهرة تثري الموضوعات المتنوعة، وتظهر الحق وتكشف الخطل، وتحرك العواطف المعبرة عن مواقف أهل السنة والجماعة.
اتبع طريقة الحوليات، وذكر الحوادث على السنين، وكل سنة موزعة إلى قسمين، فيقول أولًا: ثم دخلت سنة كذا، ويذكر الحوادث والحروب الخارجية والفتن الداخلية، ثم يقول ثانيًا: من توفي فيها من الأعيان.
• ويلاحظ أن نظام الحوليات يقطع الحادثة عند انتهاء السنة، فلا يعرضها كاملة ومستوفاة في سنة وقوعها، كما أنه في العصر العباسي زاد اهتمامه بذكر الحوادث الطبيعية من الزلازل والأمراض والأوبئة والمجاعات، وغلاء الأسعار. ولم يسلم من ذكر الغرائب، واهتم بأخبار القضاة وتعيينهم وعزلهم منذ أيام السلطان الظاهر بيبرس (٦٥٨ - ٦٧٦ هـ)، وبذكر المدارس وأخبار رؤسائها ومدرسيها منذ عصر الوزير نظام الملك (٤٥٦ - ٤٨٥ هـ).
• ويذكر في الوفيات تراجم الأعلام والأعيان من العلماء والمحدثين والشعراء والأدباء والمؤرخين والأمراء والسلاطين والخلفاء، وكل من له أثر أو شهرة في المجتمع، وهو بهذا الذكر المطول أو المختصر ينصفهم ويحفظ ذكرهم وآثارهم، ولكنه من حيث الشكل يقطع التسلسل التاريخي ومجريات الحوادث والوقائع.
• يعتمد المصادر التاريخية التي سبقته أو عاصرته، ويختصر، ويصوغ الحوادث بالمعنى، ويُحيل إلى الأصل والمصدر تخلصًا من الإطالة والإملال، ويؤرخ عصره عن قرب ومشاهدة، ويقدم للأجيال بعده صورة صادقة عن القرن الثامن الذي عاش عمره فيه.
وجاء محتوى هذا القسم موزعًا على عشرة أجزاء، كما يلي:
стр. 73
٣ - القسم الثالث (تاريخ الإسلام)
• الجزء السابع (٧) سنة إحدى عشرة من الهجرة - الخلفاء الراشدون - خلافة الحسن بن علي - سنة ٤٠ هـ
• الجزء الثامن (٨) خلافة معاوية - سنة ٤١ هـ: سنة ٦٥ هـ - ترجمة مروان بن الحكم
• الجزء التاسع (٩) خلافة عبد الملك بن مروان - وفيات سنة ٦٥ هـ: وفيات سنة ١٠٠ هـ
• الجزء العاشر (١٠) دخلت سنة ١٠١ هـ: وفيات سنة ٢٠٠ هـ.
• الجزء الحادي عشر (١١) دخلت سنة ٢٠١ هـ: وفيات سنة ٣٠٠ هـ.
• الجزء الثاني عشر (١٢) دخلت سنة ٣٠١ هـ: وفيات سنة ٤٠٠ هـ.
• الجزء الثالث عشر (١٣) دخلت سنة ٤٠١ هـ: وفيات سنة ٥٠٠ هـ.
• الجزء الرابع عشر (١٤) دخلت سنة ٥٠١ هـ: وفيات سنة ٦٠٠ هـ.
• الجزء الخامس عشر (١٥) دخلت سنة ٦٠١ هـ: وفيات سنة ٧٠٠ هـ.
• الجزء السادس عشر (١٦) دخلت سنة ٧٠١ هـ: وفيات سنة ٧٦٨ هـ.
وقد شاع بين بعض الباحثين أنَّ تاريخ ابن كثير ينتهي عند سنة ٧٣٨ هـ بسبب إشارة للمؤلف في السنة نصها: "كان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة إحدى وخمسين وسبعمئة"، وهي إشارة إلى انتقائه من تاريخ شيخه علم الدين البِرْزالي الذي انتهى إلى هذه السنة، ذلك أن عمدة ابن كثير في المدة ٦٦٥ - ٧٣٨ هـ كانت على ما انتقاه من هذا التاريخ الذي ذيّل به مؤلفه على تاريخ أبي شامة وسماه "المقتفي لتاريخ أبي شامة".
والحق الذي لا مراء فيه أن ابن كثير ظل يكتب الحوادث والوفيات في تاريخه إلى شهر وفاته
стр. 74
شعبان سنة ٧٧٤ هـ، وحينما كف بصره في أخريات أيامه كان يملي على ولده عبد الرحمن، وأدلة ذلك صريحة ناصعة الدلالة من أبرزها:
١ - ظهور ذاتية المؤلف في كثير من الحوادث والتراجم لما بعد سنة ٧٣٨ هـ وتصريح المؤلف باسمه.
٢ - تصريح العلماء الذين جاؤوا بعده واستفادوا من كتابه بالنقل منه في عشرات المواضع، لاسيما المقريزي، وابن حجر، والسخاوي.
٣ - تصريح العلماء الثقات بأن ابن كثير أملى من تاريخه إلى شهر وفاته وهو شعبان من سنة ٧٧٤، قال السخاوي في حوادث سنة ٧٧٤ من كتابه "وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام": "وفي أثناء شعبانها انتهى تاريخ العماد ابن كثير، وكان من حين ضرره وضَعْفه يملي فيه على ولده عبد الرحمن"، فهذا نص قاطع لا يحتاج إلى مزيد بيان، ولا يشك عاقل بأن السخاوي كان قد اطلع على نسخة من "البداية" إلى هذا التاريخ، بدلالة نقله منه في سنتي ٧٧٣ و ٧٧٤ هـ، فضلًا عن نصوص أخرى ذكرها المؤرخون أمثال الحافظ ابن حجر وغيره.
على أنَّ الذي وصل إلينا إلى سنة ٦٦٨ هـ، وقد تلاعب في هذا القسم النساخ والتلاميذ. فأضافوا إليه أشياء من عندهم، فعسى أن نقف في قابل الأيام على نسخ أكثر دقة وإتقانًا لهذا القسم منه، لكن المحقق والمراجع بذلا جهدًا في تصفيته.
٤ - النهاية (ذكر الآخرة وأحوالها. .):
وفي هذا القسم الأخير من "البداية والنهاية" يجد ابن كثير تفسه من جديد، وتسعفه صفة الحافظ المحدث الجهبذ في ختم الكتاب بالنهاية، حيث يسرد أهم أحاديث الفتن والملاحم، وأشراط الساعة، ونهاية الدنيا، وينتقل بعدها إلى استعراض حوادث الآخرة، من النفخ في الصور مرتين، مرة لقيام الساعة ومرة للبعث والنشور، وما يجري في عرصات القيامة من أهوال، وحساب، وميزان، وصحف، وصراط، وجنة أو نار.
وما أعظمها من نهاية مكملة للدنيا موفية لها، اعتقدها الحافظ ابن كثير بكل جوارحه، ويعتقدها كل مؤمن صادق، ويشعر ببرد اليقين عندما يتحقق الوعد الحق للمؤمنين الأخيار، والوعيد الصادق للكفار الأشرار، ويتنعم الأتقياء الأنقياء في جنة اللَّه الخالدة، ويتقلب الضالون الخاطئون في نار جهنم خالدين فيها أبدًا.
وإذا رجحت شخصية ابن كثير المفسر في مبدأ الخليقة، فإن شخصية المحدث هي الراجحة والظاهرة في النهاية، حيث النصوص الحديثية متلاحقة ومتواصلة، ومع ذلك فإن العلامة ابن كثير لا تغيب عنه النصوص القرآنية، بل هو يستحضرها، ويوظفها في المشهد الأخروي المعروض،
стр. 75
وبخاصة في مشاهد يوم القيامة، وختامها بالمصير إلى الجنة وصفاتها الربانية المحببة، أو النار وصفاتها الإلهية المرعبة.
ويشير ابن كثير إلى هذا القسم الأخير في المقدمة فيقول: "ونذكر الفتن والملاحم، وأشراط الساعة، ثم البعث والنشور، وأهوال القيامة، ثم صفة ذلك، وما في ذلك اليوم، وما يقع فيه من الأمور الهائلة، ثم صفة النار، ثم صفة الجنان، وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلَّق به، وما ورد في ذلك من الكتاب والسنة، والأخبار المنقولة والمقبولة عند العلماء وورثة الأنبياء الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام" (١).
وجاء محتوى هذا القسم في الطبعة الجديدة كما يلي:
٤ - القسم الرابع (النهاية)
• الجزء السابع عشر (١٧): الفتن والملاحم - أشراط الساعة - النفخ في الصور - أهوال يوم القيامة - صفة الجنة - صفة النار.
_________
(١) البداية والنهاية (١/ ٨).
стр. 76
ثانيًا: منهج الكتاب:
إن المتتبع لكتاب "البداية والنهاية" ابتداء بمقدمة المؤلف وانتهاء بالخاتمة في الجزء السابع عشر؛ لا يجد منهجًا واحدًا قد التزمه المؤلف، سوى موضوع واحد هو "الإسرائيليات". وعذره في عدم تحديد معالم منهجه ضخامة الكتاب، وتعدد موضوعاته، وكثرة مصادره، وامتداد أزمنته وتعاقب قرونه.
- ففي القسم الأول (مبدأ الخلق وقصص الأنبياء) كان منهجه جمع الروايات من كتب التفسير والحديث، واختيار ما يتفق مع ثقافته النقدية العالية في علم مصطلح الحديث وتراجم الرجال، واستبعاد ما يتعارض مع الكتاب والسنة من الإسرائيليات وغيرها من الأخبار الضعيفة والمتهافتة.
- وفي القسم الثاني (السيرة النبوية، والخلفاء الراشدون) كان منهجه الاعتماد على رواة السيرة الأوائل، وما سجَّله ابن إسحاق والطبري وغيرهما، ولكنه بقيت شخصيته في الاختيار والنقد ظاهرة، يدرس الأسانيد، ويتكلم على الرواة جرحًا وتعديلًا، ولا يهمل المتن (١) إذا ظهرت عليه علائم الغرابة والنكارة.
- أما القسم الثالث (التاريخ الإسلامي العام) فهو مشتمل على عشرة أجزاء، ومجموعة كتب ومصادر، فلا عجب أن نجد تعددًا في المناهج واختلافًا في اللغة، وتباينًا في الاختصار والتطويل، والتقديم والتأخير.
وفي القسم الرابع (ذكر الآخرة وأحوالها) يعود حشد الروايات الحديثية، ونقدها وتمحيصها، واختيار الصحيح والحسن، وبيان الضعيف منها، وتظهر شخصية الحافظ ابن كثير محدثًا أولًا ومفسِّرًا ثانيًا، وعالمًا مستحضرًا للكتب المتقدمة في علوم التفسير والحديث.
ونستطيع بعد التفحص الدقيق لهذه الأقسام وموضوعاتها أن نستنتج النقاط المنهجية التالية مع أمثلتها:
١ - الإسرائيليات: وهذا الموضوع هو الشرط الوحيد الذي اشترطه، والمنهج الوحيد الذي رسمه (٢)، وأوضحه في المقدمة وخلال الجزء الأول والثاني من الكتاب، بل والتزم به إلى حدٍّ بعيد، فقال في المقدمة:
_________
(١) انظر البداية والنهاية (٤/ ٤٥٠) وكيف أثبت أن الكتاب بإسقاط الجزية عن اليهود مزورٌ وباطلٌ.
(٢) قال الندوي في كتابه "الإمام ابن كثير" (ص: ٣١٥): شغل ابن كثير موضوع الإسرائيليات فنسي في بيان منهجه ذكر سواها. . ".
стр. 77
"ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله، مما لا يخالف كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، وهو القسم الذي لا يُصدَّق ولا يكذَّب. . " (١).
وقال في باب ما جاء في سبع أرضين: "وهكذا الأثر المروي عن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه، حتى آدم كآدمكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، فهذا ذكره ابن جرير مختصرًا، واستقصاه البيهقي في "الأسماء والصفات"، وهو محمولٌ إنْ صحَّ نقله عنه، على أنه أخذه ابن عباس عن الإسرائيليات، واللَّه أعلم" (٢).
وقال في باب ذكر ما يتعلق بخلق السماوات: "وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت من أن الزهرة كانت امرأة فراوداها عن نفسها، فأبت إلا أن يعلِّماها الاسم الأعظم، فعلَّماها، فقالته، فرُفعت كوكبًا إلى السماء، فهذا من وضع الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار" (٣).
ورغم ذلك فإن ابن كثير ﵀ لم يسلم من إيراد بعض الإسرائيليات المحتوية على مبالغات وخرافات، وتناقض مع القرآن والسنة، وقد حمله على إيرادها شهوة الجمع، ودافع التقليد لمن سبقه من المؤلفين.
٢ - ذكر المصدر: الذي يستقي منه أخباره، وهذه أمانة علمية، وقد سمعنا من شيوخنا ﵏ أن بركة العلم في أمانة النقل وصدق العزو. فالحافظ ابن كثير يختصر بعض المعارك ويشير إليها موسعة في ابن جرير الطبري (٤)، ويرد المنتظم لابن الجوزي، ويضرح بذلك في مواضع متعدد (٥) ويرد الكامل (٦) لابن الأثير ويصرح بذلك أيضًا.
٣ - النقد: لأصحاب الكتب من الكبار، وهذا النقد يدل على شخصية مستقلة، وعقل حز، وعدم السكوت عن إظهار الحق. فنراه يُظهر رأيه في المختار الثقفي، ونقده للطبري (٧) في شأنه، وينتقد ابن خلكا (٨) بمرارة لموقفه المريب من ابن الراوندي الزنديق، كما ينتقد شيخه الذهبي (٩) في اغتراره بصاحب العقد الفريد.
_________
(١) البداية والنهاية (١/ ٨).
(٢) المصدر السابق (١/ ٣٩).
(٣) المصدر السابق (١/ ٦٣).
(٤) المصدر السابق (٧/ ٩٢).
(٥) المصدر السابق (١١/ ٣٢٥).
(٦) البداية والنهاية (١٢/ ١٥٠).
(٧) المصدر السابق (٩/ ٢٤).
(٨) المصدر السابق (١١/ ٤٠٦).
(٩) المصدر السابق (١٠/ ٢٣٦).
стр. 78
٤ - الفقه: ويدلُّ على تعدد جوانب ثقافته، ولم نتوقف عند بروز خبراته المدهشة في علوم التفسير والحديث، فهذه طبيعية في مقدمات الكتاب ونهايته، أما أن تطغى شخصية العالم الفقيه على المؤرخ، فهذا منهج خاص يستحق التسجيل، والتمثيل. وينظر في ذلك تحقيقه في من ولي تزويج أم سلمة ﵂ (١)، وتحقيقه حكم أكل لحوم الحمر الأهليه (٢)، وبيان حكم نكاح المتعه (٣).
٥ - التاريخ الحولي: والحول السنة؛ اعتبارًا بانقلابها، ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال سبحانه: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠].
وأسلوب التاريخ الحولي ظهر عند المؤخين المسلمين منذ مدة مبكرة، في المئة الثانية للهجرة، وهذا يعني أنه ظهر في أوليات التدوين التاريخي، فقد ذُكِرَ أنَّ الهيثم بن عدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ قد ألَّف تاريخًا على السنين (٤)، وألف ابن سعد كاتب الواقدي، المتوفى سنة ٢٣٠ هـ تاريخًا على السنين أيضًا (٥)، ووصل إلينا تاريخ خليفة بن خياط المتوفى سنة ٢٤٠ هـ (٦).
والتاريخ الحولي المرتب على السنين مرتبط بتاريخ الهجرة النبوية، ولذلك فإن التأثيرات الأجنبية فيه تكاد أن تكون معدومة، ومن ثم فهو مما اهتمَّ به المؤرخون المسلمون.
وكانت التواريخ الحولية الأولى، ومن أعظمها تاريخ الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ، تعنى بالحوادث التاريخية بالدرجة الأولى، وقلما أعطت أهمية كبيرة ومتميزة للتراجم. وقد ظهر تحوّل واضح منذ القرن السادس الهجري في هذا النمط من الكتب التاريخية لاسيما عند المؤرخين المحدِّثين حيث زاد اهتمامهم بذكر التراجم، ويبدو ذلك واضحًا في كتاب "المنتظم" لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ حيث أدخل تقسيمًا واضحًا بين الحوادث والوفيات، فجعل التراجم تعقب حوادث كل سنة. وقد ظلت هذه الطريقة تؤثر في أطر الصور الحولية للمؤلفات التاريخية التي جاءت بعده، ومنها كتاب البداية لابن كثير (٧).
٦ - الوفيات: ويضعها في نهاية كل سنة تحت عنوان: "من توفي في هذه السنة" وقد يطيل
_________
(١) البداية والنهاية (٤/ ٢٧٨).
(٢) المصدر السابق (٤/ ٤١٠).
(٣) المصدر السابق (٤/ ٤١٢).
(٤) ياقوت: معجم الأدباء (٦/ ٢٧٩٢) (بتحقيق العلامة إحسان عباس).
(٥) تنظر مقدمة الدكتور بشار عواد معروف لتاريخ مدينة السلام (١/ ١٠٨ - ١٠٩) ففيها تفصيل.
(٦) حققه الدكتور أكرم العمري ونشر غير مرة.
(٧) تنظر تفاصيل ذلك في كتاب الدكتور بشار عواد معروف: الذهبي ومنهجه (ص ٣٠٣) فما بعد (القاهرة ١٩٧٦ م).
стр. 79
في الترجمة، وقد يختصر، متبعًا في ذلك المصدر الذي يعتمد عليه، وقد خالف الترتيب في الجزء الأخير من تاريخه، فأصبح بدءًا من سنة (٧٣٨) يذكر الوفيات مع الحوادث.
ولئن انتقد ابن خلكان (١) بإطالة تراجم الشعراء واختصار تراجم العلماء؛ فإنه لم يسلم المحذور، وقد أطال في ترجمة الفرزدق (٢) وأبي نواس (٣)، وغيرهما من الشعراء.
٧ - قوة الشخصية وظهورها: عند نهاية كل رواية، يناقش ابن كثير ويرجح، أو يحيل إلى كتبه، وبخاصة في التفسير والأحكام والطبقات، ويستفيد من حفظه المتين وذاكرته القوية، ويسخر من الروايات الخرافية المكذوبة، فيثبت أن حديثًا (٤) من أفراد البخاري يذهب إلى الإسراء والمعراج على وفاة عمه ﷺ أبي طالب، وزوجه خديجة ﵂، وأن حديثًا (٥) مكذوبًا وموضوعًا يذكر أن القمر دخل في كم رسول اللَّه ﷺ .
* * *
_________
(١) المصدر السابق (١٠/ ١٠٨).
(٢) البداية والنهاية (١٠/ ١١٠).
(٣) المصدر السابق (١٠/ ٥٣٠).
(٤) المصدر السابق (٣/ ٣٤٩).
(٥) المصدر السابق (٣/ ٣٦٠).
стр. 80
ثالثًا: الأسلوب:
يتميز أسلوب الحافظ ابن كثير في كتاب "البداية والنهاية" عن غيره من الكتب، باختيار التعبير السهل الواضح المشوق، والبعد عن المحسنات البديعية، والزخارف اللفظية، وكل ما يتصل بالتكلف، والاحتفال بأناقة الشكل، مع الالتزام بسلامة المعنى وصحة العبارة. وهذا الاختيار للأسلوب العلمي المبسط الذي يوصل المعنى التاريخي بأوضح لفظ وأبسط تعبير، يدلُّ على سلامة الاختيار والتوفيق في تحقيقه، كما يثبت قوة المؤلف في ثقافته الأدبية وثروته اللغوية، نلمحها في البداية والنهاية أحيانًا، وتظهر في باقي كتبه -كالتفسير- بكل وضوح.
يقول ابن العماد: "يشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر" (١) ويقول الشرباصي: "تشغله الفكرة والمعاني عن التكلف في الأسلوب والمباني" (٢).
ومع التنوع الواضح في أجزاء الكتاب وأقسامه؛ تبعًا لتنوع المصادر والأمكنة والأزمنة كما أشرنا في "المنهج"، فإننا نستطيع أن نتلمس صورًا ومواقف ومشاعر لصيقة بأسلوب المؤلف وهويته، وصدق من قال: الأسلوب هو الرجل:
١ - البعد عن تكلف السجع: وإذا سجع ورادف بين الجمل والكلمات؛ فإنه لا يطيل، وأقرب مثال على ذلك خطبة "البداية والنهاية" إذ يقول: "الحمد للَّه الأول والآخر، الباطن الظاهر، الذي هو بكل شيء عليم، الأول فليس قبله شيء، الآخر فليس بعده شيء، الظاهر فليس فوقه شيء، الباطن فليس دونه شيء، الأزليّ القديم الذي لم يزل ولا زوال، يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصمَّاء، في الليلة الظلماء. . . " (٣).
وحول بدعة خلق القرآن يقول: "وهذه بدعة صلعاء، شنعاء، عمياء، صمَّاء، لا مستند لها من كتاب ولا سنة، ولا عقل صحيح، ولا نقل صريح. . بل القرآن والسنة والعقل الصحيح على خلافها" (٤).
وحين قصد صلاح الدين الأيوبي بلاد الشام سنة (٥٧٠ هـ) يقول: "وذلك حين مات سلطانها
_________
(١) شذرات الذهب (٨/ ٣٠٢).
(٢) الإمام ابن كثير؛ للندوي (ص: ٣٢٣) نقلًا عن مجلة الحج.
(٣) البداية والنهاية (١/ ٥).
(٤) المصدر السابق (١١/ ١٢٤).
стр. 81
نور الدين محمود بن زنكي، وأخيف سكانها، وتضعضعت أركانها، واختلفت حكامها، وفسد نقضها وإبرامها، قصد لجمع شملها، والإحسان إلى أهلها، وأمن سهلها وجبها، ونصرة الإسلام، ودفع الطغام. . " (١).
٢ - لا ينقل حرفيًا: وإنما يقرأ الواقعة في مصدره، ويصوغه بعباراته وألفاظه، ويضيف ما يجده مناسبًا من انتقاداته وتعليقاته. وعندما أراد بعضهم مقارنة ما في البداية والنهاية مع تاريخ الطبري أو غيره، ظنوا أن ابن كثير لم يرد إلى تاريخ الطبري مباشرة، وإنما أخذ مادته من مصدر آخر، وقد أخطأوا في ظنهم؛ لأنهم لم يتثبتوا من أسلوبه ومنهجه.
وأوضح مثال على ذلك ما كتبه في ترجمة الحلاج (٢)، وما حلَّ ببغداد بعد دخول التتار من خراب ودمار (٣)، وما كتبه من وصف دمشق وبناء مسجدها (٤).
٣ - عاطفته الصادقة: في حبِّ اللَّه تعالى، وحب رسوله ﷺ ، وحب الصحابة جميعًا ومن تبعهم بخير وإحسان، وكراهيته لأهل الكفر والزيغ والبطلان، وتأثره بما وقع للمسلمين من فتن واختلاف، مما أوقف الدعوة والفتوح، ورد أسلحة المسلمين إلى نحورهم، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. . ونجد هذه العاطفة الصادقة تظهر عند ارتداد جبلة بن الأيهم الغساني، ويصفه بأنه حيوان (٥)!، كما تبدو عاطفته عارمة عند مقتل ابن الزبير، ووصفه للحجَّاج القاتل بالمبير، ولابن الزبير المقتول بأمير المؤمنين (٦).
وينقد بحرارة استدلال الجهمية على أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، ويستشهدون بقول الأخطل:
قد استوى بشرٌ على العراق … من غير سيف ودمٍ مهراق
ويقول: ولا دليل فيه، والبيت للأخطل، وهو نصراني (٧).
ولا ريب أن الأسلوب السهل الممتنع، والخاص بالحافظ ابن كثير، والمتجلي في "البداية والنهاية"، والعاطفة الصادقة والمخلصة في الانتصار للفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة، كل ذلك جعل هذا الكتاب مباركًا ومعاصرًا في آن واحد، وكأن مؤلفه كتبه للأجيال القادمة بلغتها وأسلوبها ومشاعرها!!.
_________
(١) البداية والنهاية (١٤/ ١٣١).
(٢) المصدر السابق (١٢/ ٤٠).
(٣) المصدر السابق (١٠/ ٣٣٨).
(٤) المصدر السابق (١٠/ ٣٣٨).
(٥) البداية والنهاية (٨/ ٩٠).
(٦) المصدر السابق (٨/ ١٠٥ و ١٠٨ و ١٠٩).
(٧) المصدر السابق (٩/ ١٣٨).
стр. 82
رابعًا: الموارد والمصادر:
عني المؤرخ ابن كثير بجميع المصادر القديمة المتوافرة بين يديه في القرن الثامن الهجري، وجمع في تاريخه بين أنواع العلوم الإسلامية المتعددة، وموارده الأساس القرآن الكريم، وكتب التفاسير القديمة، وكتب الحديث، وكتب التراجم، وكتب المغازي والسِّير والتاريخ. مما يدل على تبحر وسعة اطلاع، وسلامة منهج، وقيمة أفكار وموضوعات، وقد أحسن ابن كثير ﵀ وأجاد، وأتى بالمراد، وعرَّفنا على كتب أمهات، وبعضها لم يصلنا حتى الآن.
على أننا ينبغي أن نشير إلى أن الحافظ ابن كثير كان يتتبع المصادر الأصلية المعاصرة فيختصرها، وربما يقتصر عليها في كثير من الأحيان، من نحو عنايته البالغة بالنقل من تاريخ الطبري، والمنتظم لابن الجوزي لاسيما في المدة التي عاصرها، ثم بعده على تاريخ مؤرخ العراق تاج الدين ابن الساعي المتوفى سنة ٦٧٤ هـ، وتاريخ شيخه البرزالي الذي كاد أن يقتصر عليه في المدة التي تناولها ٦٦٥ - ٧٣٨ هـ ونحو ذلك.
وكان من المعروف بين كثير من المؤرخين المسلمين عند النقل من مصدر معين أن ينقل مصادره أيضًا، فيصبح من العسير في بعض الأحيان معرفة المصادر الحقيقية التي اطلع عليها المؤلف.
ومع كل ذلك فإننا سنحاول في هذه المقدمة المختصرة المعتصرة أن نضع بين يدي القارئ أسماء هذه الموارد (١) والمصادر، وأسماء مؤلفيها، وقد فسَّمناها إلى مواضيع موحدة، ورتبناها حسب أهميتها، وورود المؤلف إليها:
أ- كتب التفسير:
١ - تفسير ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ).
٢ - تفسير ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ).
٣ - تفسير السدي الكبير (ت ١٢٧ هـ).
٤ - تفسير عبد الرزاق (ت ٢١١ هـ).
٥ - تفسير ابن مردويه (ت ٤١٠ هـ).
٦ - تفسير شجاع بن مخلد (ت ٣٥٥ هـ).
٧ - تفسير محمد بن الحسن النقاش (ت ٣١٥ هـ).
٨ - التعريف والإعلام؛ للسهيلي (ت ٥٨١ هـ).
٩ - تفسير القاضي بن سعيد البلوطي (ت ٣٥٥ هـ).
١٠ - تفسير ابن عطية (ت ٣٨٣ هـ).
١١ - تفسير أبي عيسى الروياني (ت ٣٨٤ هـ).
١٢ - تفسير القاضي الماوردي (ت ٤٥٠ هـ).
١٣ - تفسير فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ).
١٤ - تفسير القرطبي (ت ٦٧١ هـ).
_________
(١) انظر هذه الموارد مفصَّلة مع بيان أماكن ورود ابن كثير عليها في كتاب "الإمام ابن كثير" للندوي (ص: ١٦٠) وما بعدها.
стр. 83
ب- الكتب السماوية:
١ - ترجمة التوراة.
٢ - ترجمة الإنجيل.
ولم يعتمدها ابن كثير مصادرًا لأخباره، وإنما أوردها ليثبت ما طرأ عليها من تحريف وتبديل.
ج- كتب الحديث ورجاله:
١ - الموطأ، للإمام مالك (ت ١٧٩ هـ).
٢ - مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ).
٣ - صحيح الإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ).
٤ - صحيح الإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ).
٥ - المستدرك للحاكم (ت ٤٠٥ هـ).
٦ - صحيح ابن خزيمة (ت ٣١١ هـ).
٧ - سنن أبي داود (ت ٢٧٥ هـ).
٨ - سنن ابن ماجه (ت ٢٧٣ هـ).
٩ - سنن النسائي (ت ٣٠٣ هـ).
١٠ - سنن الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ).
١١ - الجامع الكبير؛ للترمذي (ت ٢٧٩ هـ).
١٢ - مسند أبي داود الطيالسي (ت ٢٠٤ هـ).
١٣ - مسند الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ).
١٤ - مسند أبي يعلى الموصلي (ت ٣٠٧ هـ).
١٥ - مصنف ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ).
١٦ - معجم الطبراني الكبير (ت ٣٦٠ هـ).
١٧ - معجم الصحابة؛ للبغوي (ت ٣١٧ هـ).
١٨ - الكامل؛ لابن عدي (ت ٣٦٥ هـ).
١٩ - أسد الغابة؛ لابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ).
٢٠ - الاستيعاب؛ لابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ).
٢١ - شرح مشكل الآثار، للطحاوي (ت ٣٢١ هـ).
٢٢ - الموضوعات؛ لابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ).
٢٣ - تهذيب الكمال؛ لأبي الحجاج المزي (ت ٧٤٢ هـ).
٢٤ - ميزان الاعتدال؛ للذهبي (ت ٧٤٨ هـ).
د- كتب السير والمغازي:
١ - سيرة ابن إسحاق (١) (ت ١٥١ هـ).
٢ - مغازي موسى بن عقبة (ت ١٤١ هـ).
٣ - سيرة ابن هشام (ت ٢١٨ هـ).
٤٠ - الروض الأُنف؛ للسهيلي (ت ٥٨١ هـ).
٥ - مغازي الواقدي (ت ٢٠٧ هـ).
٦ - مغازي محمد بن عائذ (ت ٢٣٣ هـ).
٧ - طبقات ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ).
٨ - مغازي الأموي (ت ٢٤٩ هـ).
هـ- كتب الدلائل:
١ - دلائل النبوة؛ للبيهقي (ت ٤٥٨ هـ).
٢ - دلائل النبوة، لأبي نعيم (ت ٤٣٠ هـ).
٣ - دلائل النبوة؛ لابن حامد (ت ٤٠٣ هـ).
٤ - دلائل النبوة؛ لأبي زرعة (ت ٢٦٤ هـ).
٥ - دلائلة النبوة؛ لابن شاهين (ت ٣٨٥ هـ).
٦ - المبعث؛ لهشام بن عمار (ت ٢٤٥ هـ).
_________
(١) من المرجح أن ابن كثير ﵀ رجع إلى روايات متعددة لسيرة ابن إسحاق، سواء من طريق مباشر أم بالواسطة، ولا سيما روايات: البكائي -وهي التي اختصرها ابن هشام- أو يونس بن بكير، أو سلمة بن الفضل الأبرش وغيرهم.
стр. 84
٧ - الفتن والملاحم؛ لابن عماد الخزاعي (ت ٢٤٨ هـ).
٨ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح؛ لابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ).
و- كتب التاريخ الإسلامي:
١ - تاريخ الطبري (ت ٣١٠ هـ).
٢ - تاريخ دمشق؛ لابن عساكر (ت ٥٧١ هـ).
٣ - تاريخ الإسلام؛ للذهبي (ت ٧٤٨ هـ).
٤ - سير أعلام النبلاء، للذهبي (ت ٧٤٨ هـ).
٥ - المنتظم؛ لابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ).
٦ - الكامل؛ لابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ).
٧ - مرآة الزمان، لسبط ابن الجوزي (ت ٦٥٤ هـ).
٨ - كتاب الروضتين؛ لأبي شامة (ت ٦٦٥ هـ).
٩ - البرق الشامي؛ للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧ هـ).
١٠ - الجامع المختصر؛ لابن الساعي (ت ٦٧٤ هـ).
١١ - تاريخ بغداد؛ للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ).
١٢ - وفيات الأعيان؛ لابن خلكان (ت ٦٨١ هـ).
١٣ - ذيل الروضتين؛ لأبي شامة (ت ٦٦٥ هـ).
١٤ - ذيل مرآة الزمان، لليونيني (ت ٧٢٩ هـ).
١٥ - المقتفى لتاريخ أبي شامة؛ لِلبِرزالي (ت ٧٣٩ هـ).
خامسًا: طبعات البداية والنهاية:
أ - البداية، ويهمنا الطبعات المشهورة وهي:
١ - الطبعة التي أنفقت عليها مطبعة السعادة، والمطبعة السلفية، ومكتبة الخانجي، وطُبعت في مطبعة السعادة بالقاهرة، نقلًا عن مخطوطة المدرسة الأحمدية بمدينة حلب من الجمهورية العربية السورية - عام ١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ م في ١٤ مجلدًا بدون النهاية. وهي أقدم الطبعات.
٢ - طبعة المعارف ببيروت، بالاشتراك مع مكتبة النصر بالرياض عام ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م في ١٤ جزءًا ضمن ٧ مجلدات، بدون النهاية، وأُعيدت تصويرًا سنوات متعددة.
٣ - طبعة دار هجر، مكتوب على غلافها: تحقيق الدكتور عبد اللَّه المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية في دار هجر بالقاهرة عام ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م في ٢١ مجلدًا مع النهاية. وهي مقابلة على عدد من النسخ المخطوطة.
ب- أما طبعات النهاية (الفتن والملاحم) فهي:
١ - طبعة دار الكتب الحديثة بالقاهرة - بتحقيق الدكتور طه محمد الزيني - عام ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م في جزأين.
٢ - طبعة مكتبة النصر الحديثة بالرياض، بتحقيق محمد فهيم أبو عيبة عام ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٨ م في ثلاثة أجزاء.
٣ - طبعة دار الإفتاء بالرياض، قام بنشرها الشيخ إسماعيل الأنصاري عام ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٩ م في جزأين.
стр. 85
(٤) ثبت بأجزاء كتاب "البداية والنهاية" وأسماء المحققين لها
الرقم. . . اسم المحقق. . . رقم الجزء
١ - د. محيي الدين ديب مستو. . . الأول
٢ - د. علي أبو زيد أبو زيد. . . الثاني
٣ - مأمون محمد سعيد صاغرجي. . . الثالث
٤ - محمود عبد القادر الأرناؤوط. . . الرابع
٥ - د. رياض عبد الحميد مراد. . . الخامس
٦ - د. محيي الدين ديب مستو. . . السادس
٧ - د. رياض عبد الحميد ومحمد حسان عبيد. . . السابع
٨ - أكرم عبد اللطيف البوشي. . . الثامن
٩ - محمد حسان عبيد. . . التاسع
١٠ - مأمون محمد سعيد صاغرجي. . . العاشر
١١ - ياسين محمد السواس. . . الحادي عشر
١٢ - إبراهيم عمر الزيبق. . . الثاني عشر
١٣ - صلاح محمد الخيمي ﵀. . . الثالث عشر
١٤ - د. رياض عبد الحميد مراد. . . الرابع عشر
١٥ - د. رياض عبد الحميد مراد ومحمد حسان عبيد. . . الخامس عشر
١٦ - حسن إسماعيل مروة. . . السادس عشر
١٧ - الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ﵀. . . السابع عشر
١٨ - محمود عبد القادر الأرناؤوط. . . الفهارس - الجزء الأول
١٩ - أكرم عبد اللطيف البوشي. . . الفهارس - الجزء الثاني
٢٠ - د. رياض عبد الحميد مراد. . . الفهارس - الجزء الثالث
* * *
стр. 86
(٥) وصف النسخ المخطوطة ونماذج من صورها
أولًا - النسخة الأحمدية:
ورُمز لها بحرف "أ"، وهي نسخة الأحمدية بمدينة حلب المحمية رقم (١٢١٧)، والمحفوظة الآن بمكتبة الأسد الوطنية في دمشق الفيحاء باسم "البداية والنهاية" للحافظ ابن كثير، وتقع في عشرة أجزاء:
١ - الجزء الأول: (٢٩٢) ق - قياس ٣٠ × ٢١.٥ سم في كل صفحة (٢٩) سطرًا، الرقم: ١٤٥٠٨.
٢ - الجزء الثاني: (٢٥٠) ق - قياس ٣١ × ٢١.٥ سم في كل صفحة (٢٥) سطرًا، الرقم: ١٤٥٠٨.
٣ و ٤ - الجزء الثالث والرابع: (٥٥٦) ق- قياس ٢٤.٥ × ١٥ سم في كل صفحة (٢٣) سطرًا، الرقم: ١٤٥١٠.
٥ - الجزء الخامس: (١٧٨) ق - قياس ٢٧ × ١٨ سم في كل صفحة (٢٩) سطرًا، الرقم: ١٤٥١١.
٦ - الجزء السادس: (٢٣٩) ق - قياس ٢٧ × ١٨ سم في كل صفحة (٢٥) سطرًا، الرقم: ١٤٥١٢.
٧ - الجزء السابع: (٢٢٤) ق - قياس ٢٧ × ١٨ سم في كل صفحة (٢٣) سطرًا، الرقم: ١٤٥٣.
٨ - الجزء الثامن: (٢٨٣) ق - قياس ٢٧ × ١٨ سم في كل صفحة (٢٥) سطرًا، الرقم: ١٤٥١٤.
٩ - الجزء التاسع: (٣٥٦) ق- قياس ٢٧ × ١٨ سم في كل صفحة (٢٧) سطرًا، الرقم: ١٤٥١٥.
стр. 87
١٠ - الجزء العاشر: (٢٨٣) ق- قياس ٢٩ × ٩.٥ اسم في كل صفحة (٢٧) سطرًا، ضمن مجموع، الرقم: ١٤٥١٦.
النهاية في الفتن والملاحم: (٢٨٥ - ٤٦٦) ق - من المخطوط رقم: ١٤٥١٦ ت ١ - قياس ٢٩.٥ × ١٩.٥ سم في كل صفحة (٢٦) سطرًا.
وتنتهي البداية في النسخة الأحمدية بوفيات سنة ٧٣٨ هـ.
والنسخة الأحمدية كاملة إلى سنة ٧٣٨ هـ ومصححة، كتبت العناوين ورؤوس الفقرات بالحمرة، الخط: نسخ معتاد، لم نجد اسم الناسخ، أو تاريخ النسخ.
الغلاف - مزخرف - وفي الصفحة الأولى من الجزء الأول تملكات في سنة ٨٧٤ هـ وسنة ٩٢٣ هـ، وتملكات وقراءات غير مؤرخة.
* * *
ثانيًا - نسخة برلين:
ورُمز لها بحرف "ب" وهي نسخة محفوظة فى مكتبة برلين الوطنية، تبدأ بصفحة عليها تملكات، والصفحة الثانية فيها عنوان الكتاب هكذا: الجزء الأول من البداية والنهاية، للحافظ العلامة الكبير، عماد الدين، أبي الفداء، إسماعيل بن كثير ﵀ فهرست ما في هذا المجلد. .
وعلى يمين الصفحة ثلاثة أبيات في مدح التاريخ قرأها الناسخ بخط العلامة شمس الدين السخاوي، نقلًا عن سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان، من قول القاضي الأردالي [الطويل]:
إذا علمَ الإنسانُ أخبارَ ما مضى … توهمتَه قد عاشَ من أوّلِ الدهرِ
وتحسبُه قد عاشَ أخرَ عمرِه … إذا كان قد أبقى الجميلَ مِنَ الذكرِ
قد عاشَ كلَّ الدَّهرِ مَنْ كان عالِمًا … حليمًا كريمًا واغتنم أطول العمرِ
وهي نسخة تبدأ بأوائل الجزء الأول، وتنتهي بوفيات سنة ٧٣٨ هـ، وبهامشها تعليقات، وكتبت العناوين ورؤوس الفقرات بلون مغاير، وخطها نسخي قديم، (٧٨٠) ق - قياس ٢٠ × ١٣ سم في كل صفحة (٣٠) سطرًا، كتبها محمد بن سلطان بن سعيد البعلي الحنبلي -عفا اللَّه عنه بمنه وكرمه- ولم نجد تاريخ النسخ.
* * *
стр. 88
ثالثًا - نسخة الظاهرية:
ورُمز لها بحرف "ظ"، وهي نسخة المكتبة الظاهرية سابقًا، ومحفوظة بمكتبة الأسد الوطنية، في دمشق المحمية، برقم: ٦٧٩٧.
وهي نسخة ناقصة، تحتوي على (١٥٤) ق- قياس ٣١ × ٢٠ سم في كل صفحة من (٣١) إلى (٣٣) سطرًا، ومؤطرة بالأحمر والأصفر والأسود، وكتبت السنون بالمداد الأحمر. كتبها حبيب اللَّه بن قمر الدين، وتاريخ نسخها ١١٨١ هـ، وخطها نسخي جيد. .
تبدأ بقول المؤلف: عبد اللَّه بن علي "وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبيد اللَّه بن الحسن الأعرج عن ولد جعفر بن أبي طالب" وتنتهي: قال يا هذا شققت عليَّ وضيقت عليها، ولكن اذهب فتصدَّق بها. آخر المجلد، والحمد للَّه وحده. الغلاف -مزخرف بالذهب- متأثرة بالرطوبة، مما أدَّى إلى اهتراء أطرافها، تملكها: أحمد بن إبراهيم بن نصر سنة ١٢٢٧ هـ.
* * *
رابعًا: نسخة الرباط
وهو مجلد عشر عليه الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف في الخزانة الملكية بالرباط، يبدأ من خلافة الحسن وينتهي بانتهاء الخلافة الأموية، وكان يُظن أنه مجلد من تاريخ الإسلام. وقد أفاد منه الدكتور بشار عند مراجعة هذا الكتاب.
* * *
стр. 89
صورة الصفحة الأولى من الجزء الأول نسخة (أ) الأحمدية
стр. 90
صورة الصفحة الثانية من الجزء الأول نسخة (أ) الأحمدية
стр. 91
صورة الصفحة الأخيرة من الجزء العاشر نسخة (أ) الأحمدية
стр. 92
صورة الصفحة الأخيرة من النهاية في الفتن والملاحم نسخة (أ) الأحمدية
стр. 93
صورة الصفحة الأولى من الجزء الأول نسخة (ب) برلين
стр. 94
صورة الصفحة الثانية من الجزء الأول نسخة (ب) برلين
стр. 95
صورة الصفحة الأخيرة نسخة (ب) برلين
стр. 96
صورة الصفحة رقم (٥٦) نسخة (ظ) الظاهرية
стр. 97
البداية والنهاية
«مبدأ الخليقة وقصص الأنبياء»
تأليف
الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير
[٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ]
حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه
د. محيي الدين ديب مستو
راجعه
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف
الجزء الأول
стр. 98
مقدمة
ولا حول ولا قوة إلَّا باللَّه عليه توكلت (١)
الحمدُ للَّهِ الأوَّلِ الآخِرِ، الباطنِ الظَّاهرِ، الذي هُو بكل شيءٍ عَليمٌ، الأوَّلُ فليس قَبْلَهُ شيءٌ، الآخِرُ فليس بَعْدهُ شيءٌ، الظَّاهر فليس فَوْقَهُ شيءٌ، الباطنُ فليس دونه شيء (٢)، الأزليُّ القديم الذي لم يزل موجودًا موصوفًا (٣) بصفاتِ الكمال، ولا يزال دائمًا مستمرًا باقيًا سرمديًا بلا انقضاء ولا انفصال ولا زوالٍ. يعلمُ دَبيبَ النملةِ [السوداءِ] (٤)، على الصخرة [الصمَّاء]، في الليلة الظلماء، وَعَددَ الرِّمالِ، وهو العلي الكبير المتعال، العلي العظيم الذي خلق كل شيء فقدَّره تقديرًا.
فرفع السمواتِ بغير عمدٍ، وزيَّنها بالكواكب الزَّاهرات، وجعل فيها سِراجًا وقمرًا منيرًا، وسوَّى فوقَهُنَّ سَريرًا، شَرْجَعًا (٥) عاليًا مُنيفًا، متَسعًا مقبّبًا مستديرًا، هو العرش العظيم، له قوائمُ عظامٌ، تحمله
стр. 99
الملائكة الكرامُ تحفُّه الكُرْوبيُّوْن (١) -عليهم الصلاة والسلام- ولهم زَجلٌ (٢) بالتقديس والتعظيم.
وكذا أرجاء السماوات مشحونة بالملائكة، ويفدُ منهم في كل يوم سبعون (٣) ألفًا إلى البيت المعمور بالسماء السابعة (٤)، لا يعودون إليه، آخِرَ ما عليهم في تهليل وتحميد وتكبير وصلاة وتسليم.
ووضع الأرض للأنام على تيار الماء، وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك [فيها] (٥) وقدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام قبْل خلق السماء، وأثبت فيها من كل زوجين اثنين، دلالة للألبَّاء، من جميع ما يحتاج العباد إليه في شتائهم وصيفهم، ولكل ما يحتاجون إليه ويملكون من حيوان بهيم.
وبدأ خلق الإنسان من طين، وجعل نسله من سلالة من ماءٍ مهينٍ، في قرارٍ مَكِيْن، فجعله سميعًا بصيرًا، بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا، وشرَّفه بالعلم والتعليم.
خلق بيده الكريمة آدمَ أبا البشر، فصوَّر جُثَّته، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وخلق منه زوجَه حواء أُمّ البشر، فآنس بها وحْدَتَه، وأسكنهما جنته، وأسبغ عليهما نعمته. ثم أهبطهما إلى الأرض، لما سبق في ذلك من حكمة الحكيم. وبثَّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، وقسمهم بقدره العظيم ملوكًا ورعايا (٦)، وفقراء وأغنياء، وأحرارًا وعبيدًا، وحرائر وإماءً. وأسكنهم أرجاء الأرض، طولها والعرض، وجعلهم خلائف فيها يخلف البعضُ البعض (٧)، إلى يوم الحساب والعرض على الحكيم العليم (٨). وسخر لهم الأنهار من سائر (٩) الأقطار، تشقُّ (١٠) الأقاليم إلى الأمصار، ما بين صغار وكبار، على مقدار الحاجات والأوطار، وأنبع لهم العيون والآبار، وأرسل عليهم السحاب (١١) بالأمطار، فأنبت لهم سائر صنوف الزُّروع (١٢) والثمار. وآتاهم من كل ما ساْلوه بلسان حالهم وقالهم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] فسبحان الكريم العظيم الحليم.
стр. 100
وكان من أعظم نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، بعد أن خلقهم ورزقهم ويسَّر لهم السبيل (١)، وأنطقهم، أن أرسل رُسُله إليهم، وأنزل كُتُبهُ عليهم، مبيِّنة حلاله وحرامه، وأخباره وأحكامه، وتفصيل كل شيءٍ في المبدأ والمعاد [إلى] (٢) يوم القيامة؛ فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد، والنواهي بالتعظيم، ففاز بالنعيم المقيم، وزُحْزح عن مقام المكذِّبين في الجحيم ذات الزقّوم والحميم، والعذاب الأليم.
أحمده حمدًا كثيرًا طيبًا (٣) مباركًا فيه، يملأ أرجاء السماوات والأرضين، دائمًا أبد الآبدين، ودهرَ الداهرين، إلى يوم الدِّين، في كل ساعة وآنٍ ووقت وحين، كما ينبغي لجلاله العظيم، وسلطانه القديم ووجهه الكريم.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريكَ له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا نظير له، ولا وزير ولا مشير له، ولا عديد ولا نديد (٤) ولا قسيم. وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، وحبيبه وخليله، المصطفى من خُلاصة العرب العَرْباء من الصميم، خاتم الأنبياء، وصاحب الحوض الأكبر الرَّواء، صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، وحامل اللواء الذي يبعثه اللَّه تعالى المقامَ المحمود الذي يرغب إليه فيه الخلقُ كلُّهم؛ حتى الخليل إبراهيم ﷺ وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين، وسلَّم وشرَّف وكرَّم أزكى صلاةٍ وتسليم، وأعلى تشريف وتكريم، ورضي اللَّه عن جميع أصحابه الغرِّ الكرام، السادة النجباء الأعلام، خلاصة العالم بعد الأنبياء، ما اختلط الظلام بالضياء، وما أعلن الداعي بالنداء، وما نسخ النهارُ ظلام الليل البهيم.
أما بعد:
فهذا كتابٌ أذكر فيه -بعون اللَّه وحسن توفيقه- ما يسَّرَه اللَّه تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدأ المخلوقات: من خلق العرش والكرسي والسموات والأرضين وما فيهن، وما بينهنّ من الملائكة والجان والشياطين، وكيفيَّة خلق آدم ﵇، وقصص النبيين، وما جرى مجرى ذلك إلى أيام بني إسرائيل وأيام الجاهلية، حتى تنتهي النبوّة (٥) إلى أيام نبيّنا محمد ﷺ (٦)، فنذكر سيرته كما ينبغي، فتشفي الصدور والغليل، وتزيح الداءَ عن العليل.
стр. 101
ثمَّ نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر الفِتن والملاحم وأشراطَ (١) الساعة، ثمَّ البعث والنشور وأهوال القيامة، ثمَّ صفة ذلك وما في ذلك اليوم، وما يقع فيه من الأمور الهائلة. ثمَّ صفة النَّار، ثمَّ صفة الجنان وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلق به، وما ورد في ذلك من الكتاب والسُّنَّة والآثار والأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء وورثة الأنبياء، الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.
ولسنا نذكر من الاسرائيليات إلا ما أذِن الشارع في نقله، مما لا يخالف كتابَ اللَّه تعالى وسنةَ رسوله ﷺ ، وهو القسم الذي لا يُصدَّق ولا يكذب، مما فيه بسطٌ لمختصر عِنْدَنا، أو تسميةٌ لمبهم وَرَدَ به شرعُنا مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلِّي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه (٢). وإنما العمدة والاستناد على كتاب اللَّه تعالى وسنّة رسول اللَّه ﷺ ، ما صحَّ (٣) نقلْه أو حَسُن، وما كان فيه ضعفٌ نبيِّنه، وباللَّه المستعان وعليه التُّكلان، ولا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه العزيز الحكيم العليّ العظيم.
فقد قال اللَّه تعالى في كتابه: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] وقد قصَّ اللَّه على نبيّه ﷺ خبر ما مضى من خلق المخلوقات، وذِكْر الأممِ الماضين، وكيف فعل بأوليائه، وماذا أحل باعدائه. وبيَّن ذلك رسولُ اللَّه ﷺ لأمته بيانا شافيًا، سنورد عند كل فَصْلٍ ما وَصَلَ إلينا عنه، صلواتُ اللَّه وسلامُه عليه، في ذلك تِلْوَ الآيات الواردات في ذلك، فأخبرنا بما نحتَاج إليه من ذلك، وترك ما لا فائدة فيه مما قد يتزاحم على علمه ويَتَراجم (٤) في فهمه طوائف من علماء أهل الكتاب فيما لا فائدة فيه لكثير من الناس إليه، وقد يستوعبُ (٥) نقلَه طائفة من علمائنا أيضًا، ولسنا نحذو حذوَهم ولا ننحو نحوهم، ولا نذكر منها إلا القليل على سبيل الاختصار، ونبين ما فيه منها (٦) حق مما وافق ما عندنا، وما خالفه فوقع فيه الإنكار.
فأما الحديث الذي رواه البخاري ﵀ في "صحيحه" (٧) عن [عبد اللَّه بن] عمرو بن العاص
стр. 102
﵄ (١) - أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيةً، وَحدِّثُوا عَنْ بَني إسْرَائيلَ ولا حَرَجَ، وحدِّثُوا عَنِّي ولا تكْذِبُوا عليَّ، ومنْ كذب عليَّ مُتعمدًا فَلْيتبوأْ مَقْعَدَهُ منَ النَّارِ" فهو محمول على الإسرائيليات المسكوت (٢) عنها عندنا. فليس عندنا ما يُصدِّقُها ولا [ما] (٣) يُكذِّبُها، فيجوز روايتُها للاعتبار. وهذا هو الذي نستعمله في كتابنا هذا (٤).
[فأمَّا ما شهد له شرعُنا بالصدق؛ فلا حاجة بنا إليه استغناء بما عندنا] (٥)، وما شهد له شرعُنا منها بالبطلان، فذاك مردود لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الإنْكار والإبْطال.
فإذا كان اللَّهُ سبحانه ولهُ الحمدُ، قد أغنانا برسولنا محمد ﷺ عن سائر الشرائع، وبكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بايديهم مما قد وَقَعَ فيه خَبْط وَخلْطٌ، وكَذِبٌ ووضْع، وتحريفٌ وتبديلٌ، وبعد ذلك كله نسخ وتغيير.
فالمحتاجُ إليه قد بيَّنه لنا رسولُنا، وشَرَحه ووضَّحه، عَرفه من عَرَفه، وجَهله [مَنْ جَهِلَهُ]. كما قال علي بن أبي طالب: كِتابُ اللَّه فِيْه خَبَرُ ما قَبْلَكُمْ، وَنَبأُ ما بَعْدكُم، وحُكْمُ ما بَيْنكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بالهزْلِ، منْ تَرَكهُ من جَبَّار قَصَمهُ اللَّهُ، ومَنِ ابْتَغَى الهُدَى في غَيْرِهِ أضَلَّه (٦) اللَّه (٧).
стр. 103
وقال أبو ذر، ﵁: توفي رسول اللَّه ﷺ وما طائر يطير بجناحيه إلا أذكرنا (١) منه علمًا.
وقال البخاري في كتاب (٢) بدء الخلق: وروي عن عيسى (٣) بن موسى غُنْجار، عن رَقبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: قام فينا رسول اللَّه ﷺ مَقَامًا، فأخْبَرنا عن بدْء الخلق، حتَّى دخل أهلُ الجنَّة منازِلَهُمْ، وأهلُ النَّارِ مَنازِلَهم، حَفِظَ ذلكَ منْ حَفِظَهُ وَنسيهُ منْ نسيه (٤). قال أبو مسعود (٥) الدمشقي ["في أطْرافه"] (٦): هكذا قال البخاري، وانما رواه عيسى غُنْجار عن أبي حمزة، عن رقبة.
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في "مسنده" (٧): حدّثنا أبو عاصم، حدَّثنا عَزْرة بن
стр. 104
ثابت، حدَّثنا عِلْباء بن أحمر (١) اليشكري، حدَّثنا أبو زيد الأنصاري، قال: صلَّى بنا رسول اللَّه ﷺ صلاةَ الصُّبْح، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطبنا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، ثُمَّ نَزلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطبنا حَتَّى حَضَرتِ العصْرُ، ثُمَّ نَزلَ فَصَلَّى العَصْر، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبر فَخطبنا حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَحَدَّثَنا بما كانَ، وما هُوَ كائنٌ، فأعلمُنا أحْفَظُنا. انفرد بإخراجه مسلم، فرواه في كتاب الفتن من "صحيحه" (٢) عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي وحجاج بن الشاعر، جميعًا (٣) عن أبي عاصم الضحَّاك بن مخلد النبيل، عن عزرة، عن علباء، عن أبي زيد عمرو بن أخطب بن رفاعة الأنصاري ﵁، عن النبيِّ ﷺ بنحوه.
وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا يزيد بن هارون وعفَّان، قالا: حدَّثنا حمَّاد بن سلَمة، أخبرنا علي بن زيد، عن [أبي نضْرَة، عن] أبي سعيد قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ خُطْبَةً بعد العصْر إلى مُغَيْرِبان الشَّمْسِ، حَفظها [منا] منْ حفظَها، ونسِيَها من نسيها. قال عَفَّان: قال حمَّاد: وأكثر حفظي أنَّه قالَ: ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، فَحَمِدَ اللَّه، وأثنى عليه، ثمَّ قال: "أمَّا بَعْدُ فإن الدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلْوةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فيْها فناظِرٌ كَيْفَ تَعْملونَ، ألا فَاتَّقُوا الدُّنْيا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ. . " وذكر تمام الخُطبة (٥)، إلى أن قال: فلما كان عند مغيربان الشمس قال: "ألا إنَّ مثْلَ ما بَقيَ منَ الدُّنْيَا مِثْلُ ما بَقِيَ منْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيْما مَضَى منْهُ".
ثم قال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا عبدُ الرزَّاق، أخبرنا مَعْمَر، عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن
стр. 105
أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد قال: صلَّى بنا رسول اللَّه ﷺ صلاةَ العَصْرِ ذاتَ يومٍ بِنهارٍ، ثمَّ قام فَخطبنا إلى أنْ غَابَت الشمس، فلم يَدَعْ شَيْئًا مما يَكُون إلى يوم القيامة إلا حدَّثناهُ، حفِظ ذلكَ من حَفِظه، وَنسيَ ذلك من نَسِيه، فكان ممَّا قال: "يا أيها النَّاسُ؛ إنَّ الدُّنْيا خَضِرَة حُلْوة، وإنّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفكمْ فيها فناظرٌ كيفَ تَعْملونَ، فاتَّقوا الدُّنْيا وَاتَّقوا النساءَ. . . " (١). وذكر تمامها إلى أن قال: ثمَّ دَنتِ الشَّمْسُ أن تغرب فقال: "وإنَّ ما بقي من الدُّنيا فيمَا مَضَى [منها] مثلُ ما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه". وهذا هو المحفوظ. واللَّه أعلم (٢).
فَصْلٌ
قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
فكل ما سواه تعالى مخلوق له، مرْبوب مدبَّر مكوَّن بعد أن لم يكن، محدث بعد عدمه فالعرش الذي هو سقف المخلوقات إلى ما تحت الثرى، وما بين ذلك من جمادٍ وناطق الجميعُ خَلْقهُ، وملكهُ وعَبيده، وتحت قَهْره وقُدرته، وتحت تصريفه ومشيئتة (٣) ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩]، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].
فقد أجمع علماء الإسلام قاطبةً، لا يشُكّ في ذلك مسلم، أنَّ اللَّه تعالى خَلَقَ السماوات والأرضَ، وما بينهما في ستة أيام، كما دل عليه القرآن العظيم (٤) واختلفوا في هذه الأيام: أهي كأيامنا هذه؟ أو كل يوم كألف سنة مما تعدّون (٥)؟ على قولين، كما بيّنا ذلك في "التفسير" (٦)، وسنتعرض لإيراده في
стр. 106
موضعه. واختلفوا: هل كان قبل (١) السموات والأرض شيء مخلوق قبلهما؟ فذهب طوائف من المتكلمين إلى أنَّه لم يكن قبلهما شيء وأنهما خلقتا (٢) من العدم المحض.
وقال آخرون: بل كان قبل السموات والأرض مخلوقات أُخَر، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] الآية.
وفي حديث عمران بن حُصَيْنٍ -كما سيأتي-: "كان اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيءٌ قَبْلهُ وكَانَ عَرْشُهُ على الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءً، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأرْضَ" (٣).
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا بهْزٌ، حدثنا حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا يَعْلَى بن عَطَاء، عن وكيع بن حُدُس (٥)، عن عمه أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي، أنه قال: يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كَانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلق السَّموات والأرْض؟ قال: "في عماءٍ ما فوْقَهُ هواءٌ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الماء" (٦).
ورواه عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، ولفظه: "أيْنَ كَانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلقَ خَلْقَهُ؟ " (٧)، وباقيه سواء.
وأخرجه الترمذى (٨) عن أحمد بن منيع، وابن ماجه (٩) عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، ومحمد بن الصبَّاح، ثلاثتهم عن يزيد بن هارون، وقال الترمذي: حسنٌ (١٠).
واختلف هؤلاء في أيها خُلِق أولًا؟ فقال قائلون: خلق القلم قبل هذه الأشياء كلها، وهذا هو اختيار
стр. 107
ابن جرير (١)، وابن الجوزي، وغيرهما. قال ابن جرير (٢): وبعد القلم السحاب الرقيق، وبعده العرش.
واحتجوا بالحديث الذي رواه [الإمام] (٣) أحمد، وأبو داود والترمذي (٤)، عن عُبادة بن الصامت، ﵁، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمُ. ثُمَّ قالَ لَهُ اكْتُبْ، فجرى في تلك السَّاعة بما هُوَ كائنٌ إلى يَوْمِ القيَامَةِ" لفظ أحمد.
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب (٥).
والذي عليه الجمهور، فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهَمَذَاني وغيره: أنَّ العرش مخلوق قبل ذلك، وهذا هو الذي رواه ابن جرير (٦) من طريق الضحاك عن ابن عباس، كما دلَّ على ذلك الحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه" حيث قال: حدّثني أبو الطاهر أحمدُ بْن عمرو بن السَّرْح، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني أبو هانئ الخَوْلاني، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي (٧)، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "كَتَبَ اللَّهُ مَقَاديْرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّموَاتِ وَالأرْضَ بخَمْسين ألْفَ سَنةٍ، قالَ: وعَرْشُهُ على المَاءِ" (٨)، قالوا: فهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقاديرَ.
وقد دلَّ هذا الحديثُ أنَّ ذلك بعد خلق العرش، فثبتَ تقدُّم العرش على القلم الذي كتبت به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجماهير. ويُحمل حديثُ القلم على أنَّه أوَّلُ المخلوقات من هذا العالم.
ويؤيد هذا ما رواه البخارى (٩)، عن عِمْران بن حصين: قال: قال أهلُ اليمن لرسول اللَّه ﷺ : جِئْنَاكَ
стр. 108
لنَتَفقَّه في الدِّيْن وَلنَسْألَكَ عَنْ أوَّلِ الأمْرِ. فَقَالَ: "كانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ -وفي رواية: معه، وفي رواية: غيره- وكَان عَرْشُهُ عَلَى الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وخَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ"، وفي لفظ: " ثمَّ خَلقَ السَّمواتِ والأرْضَ" (١). فسألوه عن ابتداء خلق السَّمواتِ والأرض، ولهذا قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر، فأجابهم عمَّا سألوا فقط. ولهذا لم يخبرهم بخلق العرش كما أخبر به في حديث أبي رَزين المتقدم (٢).
قال ابن جرير (٣): وقال آخرون: بل خلقَ اللَّهُ الماءَ قَبْلَ العَرْشِ. رواه السُّدّي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ قالوا (٤): إنَّ اللَّه كان عرشُه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء.
وحكى ابن جرير (٥) عن محمد بن إسحاق أنَّه قال: "أول ما خلقَ اللَّه النور والظلمة، ثمَّ ميَّز بينهما، فجعل الظلمة ليلًا أسودَ مظلمًا، وجعل النور نهارًا مضيئًا مبصرًا".
قال ابن جرير: وقد قيل: "إنَّ الذي خلقَ رَبُّنا بعدَ القلم الكرسيُّ، ثمَّ خلق بعد الكرسيّ العرش. ثمَّ بعد ذلك خلق الهواء والظلمة. ثمَّ خلق الماء [فوضع عرشه على الماء] " (٦).
[وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة علي بن الحسن (٧) بن محمد بن أحمد بن جميع الغَسَّاني الصَّيْداوي (٨)، من طريق الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي، عن أبيه (٩)، عن جده أحمد بن جميع؛ حدَّثنا محمد بن المعافى الصدوق، حدَّثنا محمد بن خلف، حدَّثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي أراكة قال: سأل رجلٌ عبدَ اللَّه بن عمرو: ممَّ خُلق الخلق؟ قال: من النور والظلمة والماء والثرى. وقال: إيت ابن عباس واسأله؛ فأتاه وسأله، فقال له مثل ذلك. فقال ارجع إليه فسلْه ممّ خلق ذلك كله؟ فرجع إليه، فسأله، فتلا قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا
стр. 109
فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. قال: قال ابن معين: لم يرو الفريابي حديثا أغرب من هذا.
قلت: غالب هذه المذكورات من الإسرائيليات الذي لا يصدَّق ولا يكذَّب، إلا ما قام دليل على صدق بعضها أو كذبه. واللَّه أعلم] (١).
* * *
فصل فيما ورد في صفة خلق (٢) العرش والكرسي
قال اللَّه تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥].
وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦].
وقال اللَّه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦].
وقال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥].
وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في غير ما آيةٍ (٣) منَ القُرْآنِ.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
وقال تَعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
وفي الدعاء المروي في "الصحيح" (٤)، في دعاء الكرب: "لا إلَهَ إلا اللَّه العَظيم الحَليم (٥) لا إلَهَ
стр. 110
إلا اللَّه رَبُّ العَرْشِ الكَريم، لا إلَهَ إلا اللَّه رَبّ السَّماواتِ وَرَبُّ الأرْضِ رَبّ العَرْشِ الكَريم".
وقال الإمام أحمد (١): حدَّثنا عبدُ الرزاق، حدَّثنا يحيى بنُ العلاء، عن عمِّه شُعيب بن خالد، حدَّثني سمَاكُ بن حرب، عن عبد اللَّه بن عَميرةَ، عن الأحنفِ بن قَيْسٍ (٢)، عن عبَّاس بن عبد المطلب قال: كُنَّا جُلُوسًا مع رسول اللَّه ﷺ بالبطحاء، فمرَّتْ سحابةٌ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أتَدْرُون ما هَذَا؟ " قال: قُلْنا: السَّحابُ. قال: "والمزنُ". قلنا: والمزْن. قال: "والعَنان"، قال: فسكتنا، فقال: "هَلْ تدْرُونَ كمْ بيْن السَّماءِ والأرْضِ"؟ قال (٣): قلنا: اللَّهُ وَرَسُولهُ أعلم. قال: "بَيْنهُما مَسِيرَة خَمْسمئة سنةٍ، ومن (٤) كُلِّ سَماءٍ إلى سماء مَسيرة خمسمئة سَنَةٍ وكثف كُلّ سَماء مَسِيْرة خَمْسمئَةِ سنةٍ، وفوْق السَّماء السَّابعة بحْرٌ بِين أسْفله وأعْلاهُ كما بَيْن السَّماء والأرْضِ [ثُمَّ فَوْق ذلكَ ثَمَانيةُ أوْعَالٍ بيْن رُكبهن وأظلافهنَّ كما بينَ السَّماء والأرْضِ، ثُمَّ عَلى ظُهُورهم (٥) العَرْضُ بَيْنَ أسْفَلهِ وَأعْلاهُ كمَا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ] (٦). واللَّهُ فَوْقَ ذلك، وليْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ منْ أعْمالِ بَني آدَمَ شَيْءٌ". هذا لفظ الإمام أحمد.
ورواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي (٧) من حديث سماك بإسناده، نحوه. وقال الترمذي (٨): هذا حديث حسن. وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك وَوقفَهُ.
ولفظ أبي داود: "وهَلْ تَدْرُونَ بُعْدَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ؟ " قالوا: لا نَدْري. قال: "بُعْدُ ما بَيْنَهُمَا إمَّا واحدةٌ أو اثنتان (٩) أو ثلاثة وسَبْعُونَ سَنَة"، والباقي نحوه (١٠).