← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ومن كرمهم أنه قد ثبتَ في الحديث المرويّ في الصحاح والسنن والمسانيد من حديث جماعة من الصحابة عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيه صورةٌ ولا كَلْبٌ ولا جُنُبٌ" (١) وفي رواية: عن عاصم بن ضَمْرة، عن عليّ: "ولا بَوْلٌ" (٢). وفي رواية رافع، عن أبي سعيد، مرفوعًا: "لا تدخلُ الملائكة بيتًا فيه صورةٌ ولا تِمْثالٌ" (٣) وفي رواية مجاهد: عن أبي هريرة، مرفوعًا "لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيه كَلْبٌ أو تمثالٌ" (٤). وفي رواية ذكوان أبي صالح السَّمَّان: عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تصحبُ الملائكةُ رُفقةً معهم كَلْبٌ أو جَرَسٌ" (٥). ورواه زُرَارة بن أوفى عنه "لا تصحب الملائكةُ رُفقةً معهم جَرَسٌ" (٦). وقال البزار (٧): حدَّثنا إسحاق بن سليمان البغدادي، الصر وف بالفلوسيّ. حدَّثنا بيانُ بن حمران، حدَّثنا سَلَّام، عن منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن ملائكةَ اللَّه يعرفون بني آدم -وأحسبه قال:- ويعرفون أعمالَهم، فإذا نظروا إلى عبدٍ يعملُ بطاعة اللَّه ذكروه بينهم، وسمَّوه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصيةِ اللَّه ذكرُوه بينَهم وسمَّوْهُ، وقالوا: هلكَ فلانٌ الليلةَ". ثم قال: سلَّام -أحسبه- سَلَّام المدائني، وهو لَيِّنُ الحديث. وقد قال البخاري (٨): حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا شُعَيْبٌ، حدَّثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الملائكةُ يتعاقبون، ملائكةٌ باللَّيل وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعونَ في صلاة الفجر وفي صلاة العصر، ثم يعرجُ إليه الذين باتوا (٩) فيكم فيسألهم -وهو أعلم- فيقول: كيف

стр. 177

تركتُم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يُصَلُّون، وأتيناهم وهُم يُصَلُّون". هذا لفظه في كتاب بدء الخلق بهذا السياق، وهذا اللفظ تفرَّد به دون مسلم من هذا الوجه. وقد أخرجاه في الصحيحين (١): من حديث مالك عن أبي الزناد به. وقال البَزَّارُ (٢): حدَّثنا زيادُ بن أيوب، حدَّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، حدَّثنا تمام بن نَجِيْح، عن الحسن -يعني البَصْري- عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من حافظين، يرفعانِ إلى اللَّه ما حفظا في يوم، فيرى اللَّه ﵎ في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارًا، إلا قال اللَّه: فد غفرتُ لعبدي ما بينَ طرفي الصحيفة". ثم قال: تفرَّد به تمَّام بن نَجيح، وهو صالح الحديث. قلت: وقد وثَّقه ابنُ مَعين (٣)، وضعَّفه البخاري (٤) وأبو حاتم (٥) وأبو زُرْعة (٦) والنَّسائي (٧) وابن عديّ (٨)، ورماه ابن حبان بالوضع (٩). وقال الإمام أحمد (١٠): لا أعرف حقيقة أمره. والمقصودُ أنَّ كلَّ إنسانٍ له حافظان مَلَكان اثنان، واحدٌ من بين يديه، وآخرُ من خلفه، يحفظانِه من أمر اللَّه بأمر اللَّه . ومَلَكان كاتبانِ عن يمينهِ وعن شمالِه، وكاتبُ اليمين أميرٌ على كاتبِ الشمال، كما ذكرْنا (١١) ذلك عند قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨]. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١٢): حدَّثنا أسود بن عامر، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا منصور، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن أبيه، عن عبد اللَّه هو -ابن مسعود- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّلَ به قرينُه من الجن وقرينُه من الملائكةِ" قالوا: وإيَّاكَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "وإياي، ولكنَّ اللَّه أعانني عليه فلا يأمُرني إلا بخيرٍ".

стр. 178

انفردَ بإخراجه مسلم (١): من حديث منصور به. فيحتملُ أنَّ هذا القرينَ من الملائكة غير القرين لحفظِ الإنسان، وإنما هو موكَّل به ليرشده ويهديَه بإذن ربِّه إلى سبيلِ الخير وطريق الرشاد، كما أنه قد وُكِّل به القرينُ من الشياطين لا يألوه جهدًا في الخَبال (٢) والإضلال، والمعصومُ من عصم اللَّه ، وباللَّه المستعان. وقال البخاري (٣): حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ، حدَّثنا ابنُ شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن والأغرِّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كان يومُ الجمعةِ، كانَ على كلِّ بابٍ من أبوابِ المسجدِ ملائكةٌ يكتبونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، فإذا جلسَ الإمامُ طَوَوُا الصُّحفَ، وجَاؤُوا يستمعونَ الذِّكْرَ". وهكذا رواه منفردًا به من هذا الوجه، وهو في الصحيحين (٤) من وجه آخر. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا أسباط، حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ . وحدَّثنا الأعمشُ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله: " ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ " [الإسراء: ٧٨]. قال: "تشهدُه ملائكةُ اللَّيلِ وملائكةُ النَّهار". ورواه الترمذيُّ (٦)، والنَّسائيُّ (٧)، وابن ماجه، من حديث أسباط. وقال الترمذي: حسن صحيح. قلت: وهو منقطع (٨). وقال البخاري (٩): حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمّد، حدَّثنا عبدُ الرَّزاق، أنبأنا مَعْمر، عن الزهري، عن أبي سلمةَ وسعيدِ بن المُسَيِّب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : قال: "فضلُ صلاة الجَمْعِ على صلاة الواحد خمسٌ وعشرون درجة، ويجتمعُ ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر". يقول أبو هريرة: اقرؤُوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقال البخاري (١٠): حدَّثنا مُسَدَّد، قال أبو عَوانة، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة،

стр. 179

قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دعا الرجلُ امرأته إلى فراشه فأبتْ فباتَ غضبانَ عليها، لعَنَتْها الملائكةُ حتَّى تُصْبحَ". تابعه شعبةُ، وأبو حمزة، وأبو داود، وأبو معاوية، عن الأعمش. وثبت في الصحيحين: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنُوا، فإن منْ وافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه" (١). وفي لفظٍ: "إذا قالَ الإمامُ: آمين (٢)، فإنَّ الملائكةَ تقولُ في السماء: آمين، فمنْ وافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه" (٣). وفي صحيح البخاري (٤): حدَّثنا إسماعيل، حدَّثني مالك، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا قال الإمام سمعَ اللَّه لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، فإنَّ من وافقَ قولُه قولَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه". ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من حديث مالك (٥). وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة -أو عن أبي سعيد- هو شكَّ -يعني الأعمش- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن للَّه ملائكةً سيَّاحينَ في الأرض فُضُلًا عن كتّاب النَّاس، فإذا وجدُوا أقوامًا يذكرونَ اللَّهَ تَنادوا هَلُمُّوا إلى بُغيتكم فيجيئون [فيحفُّون] (٧) بهم إلى السماء الدنيا، فيقول اللَّه: أيُّ شيءٍ تركتُم عبادي يصنعونَ؟ فَيَقُولون: تركنَاهُم يحمدونك ويمَجّدُونك ويذكرونَكَ. فيقول: وهل رأوني؟ فيقولونَ: لا، فيقول: كيفَ لو رأوْني؟! فيقولون: لو رأوكَ لكانُوا أشدَّ تحميدًا وتمجيدًا وذكرًا. قال: فيقول: فأيُّ شيءٍ يطلبونَ؟ فيقولون: يطلبونَ الجنَّةَ، فيقول: وهل رأوْها؟ فيقولونَ: لا، فيقول: فكيفَ لو رأَوْها؟! فيقولون: لو رأوها لكانوا أشدَّ عليها حِرْصأ وأشدَّ لها طلبًا. قال: فيقول: من أيِّ شيءٍ يتعوَّذون؟ فيقولون: منَ النَّارِ؟ فيقول: وهلْ رَأوْها؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيفَ لو رأوها. فيقولون: لو رأوْها كانوا أشدَّ منها هربًا وأشدَّ منها خوفًا. قال: فيقول: أشهدُكم أنِّي قد غفرتُ لهم. قال: فيقولون: إن فيهم فلانًا الخطَّاء لم يُرِدْهُم، إنما جاءَ لحاجةٍ. فيقول: هُمُ القومُ لا يشقى بهم جليسُهم". وهكذا رواه البخاري (٨) عن قتيبة عن جرير بن عبد الحميد عن الأعمش به. وقال: رواه شعبة

стр. 180

عن الأعمش ولم يرفعه، ورفعه سهيل عن أبيه. وقد رواه أحمد (١): عن عفَّان، عن وُهيب، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، كما ذكره البخاري معلَّقا عن سهيل (٢). ورواه مسلم (٣): عن محمّد بن حاتِم، عن بَهْز بن أسد، عن وُهَيْبٍ به. وقد رواه الإمام أحمد (٤) أيضًا: عن غُنْدَر، عن شُعبة، عن سليمانَ -هو الأعمش- عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرة [لم يرفعه نحوه] (٥)، كما أشارَ إليه البخاريُّ ﵀ (٦). وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، وابنُ نمير، أخبرنا الأعمشُ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "من نَفَّسَ عن مُؤمن كُرْبَةً من كُرَبِ الدُّنيا، نَفَّس اللَّه عنه كُرْبة من كُرَبِ يومِ القيامة، ومنْ سترَ مسلمًا ستره اللَّه في الدُّنيا والآخرة، [ومن يسَّر عن مُعْسرٍ يسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة] (٨) واللَّهُ في عونِ العَبْدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيه، ومن سلكَ طريقًا يلتمسُ به علمًا سهَّلَ اللَّه له به طريقًا إلى الجنَّة، وما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّه يتلونَ كتابَ اللَّهِ ويتدارسونَه بينهم، إلا نزلتْ عليهم السكينةُ، وغشيتْهم الرَّحمةُ، وحفَّتهُمُ الملائكةُ، وذكرَهم اللَّه فيمن عنده، ومنْ بَطَّأ به عملُه لم يُسرعْ به نسبُه". وكذا رواه مسلم (٩) من حديث أبي معاوية. وقال الإمام أحمد (١٠) حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا مَعْمر، عن أبي إسحاق، عن الأغَرّ -أبي مسلم- عن أبي هريرة وأبي سعيد، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "ما اجتمعَ قومٌ يذكرونَ اللَّهَ إلا حفَّتهم الملائكةُ، وغشيتهم (١١) الرحمةُ، ونزلتْ عليهم السَّكينةُ، وذكرَهم اللَّه فيمن عندَه". وكذا رواه (١٢) أيضًا: من حديث إسرائيل وسفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق به، نحوه.

стр. 181

ورواه مسلم: من حديث شعبة (١)، والترمذي من حديث الثوري (٢) وقال: حسن صحيح. ورواه ابن ماجه (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن آدم، عن عمَّار بن زريق، عن أبي إسحاق، بإسناده نحوه. وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. وفي مسند الإمام أحمد والسنن عن أبي الدرداء، مرفوعًا: "وإن الملائكة لتضعُ أجنحتها لطالبِ العلم رضًا بما يصنعُ" (٤) أي: تتواضع له، كما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا وكيع، عن سُفيان، عن عبد اللَّه بن السَّائب، عن زاذان، عن عبد اللَّه بن مسعود، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إن للَّه ملائكة سيَّاحينَ في الأرضِ، لِيُبلِّغوني عن أمتي السَّلام" (٥). وهكذا رواه النسائي (٦) من حديث سفيان الثوريّ وسُليمان الأعمش، كلاهما عن عبد اللَّه بن السَّائب به. وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا مَعْمر، عن الزهريّ، عن عروةَ، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "خُلِقتِ الملائكةُ من نورِ، وخُلِقَ الجَانُّ من مَارجٍ من نارٍ، وخُلِقَ آدمُ مما وُصفَ لكم". وهكذا رواه مسلم (٨): عن محمد بن رافع، وعَبْدِ بن حُمَيْد، كلاهما عن عبد الرزاق به. والأحاديث في ذكر الملائكة كثيرة جدًا، وقد ذكرنا ما يسَّره اللَّه تعالى، وله الحمد. فصل: وقد اختلفَ الناس في مسألة تفضيل الملائكة على البشر على أقوال؛ فأكثرُ ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلّمين، والخلاف فيها مع المعتزلة ومَنْ وافقهم، وأقدمُ كلامٍ رأيتُه في هذه المسألة ما ذكرَه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (٩) في ترجمة أميَّة بن عمرو بن سعيد بن العاص؛ أنَّه حضرَ

стр. 182

مجلسًا لعمرَ بن عبد العزيز، وعندَه جماعةٌ، فقال عمرُ: ما أحدٌ أكرمُ على اللَّه من كريم بني آدم، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] ووافقَه على ذلك أميَّةُ بن عمرو بن سعيد، فقال عِرَاكُ بن مالك: ما أحدٌ أكرمُ على اللَّه من ملائكته، هم خزنة داره، ورسلُه إلى أنبيائه. واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] فقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القُرظي: ما تقولُ أنتَ يا أبا حمزة! فقال: قد أكرمَ اللَّه آدمَ، فخلقَه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجدَ له ملائكته، وجعلَ من ذريَّتِه الأنبياء والرسل، ومن يزورُه الملائكةُ (١). فوافقَ عمرَ بن عبد العزيز في الحكم، واستدلَّ بغير دليله. وأضعفُ دلالةٍ ما نزعَ به من الآية، وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البينة: ٧] بما مضمونُه أنَّها ليست بخاصَّة بالبشر، فإنَّ اللَّه قد وصفَ الملائكةَ بالإيمان في قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧] وكذلك الجانّ ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١٣] ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ [الجن: ١٤]. قلت: وأحسنُ ما يُستدلُّ به في هذه المسألة ما رواه عثمان بن سعيد الدَّارميّ: عن عبد اللَّه بن عمرو، مرفوعًا، وموقوفًا، وهو أصحُّ، قال: "لمَّا خلقَ اللَّه الجنَّة قالتِ الملائكةُ: يا ربَّنا اجعلْ لنا هذه نأكلُ منها ونشربُ، فإنَّك خلقتَ الدنيا لبني آدم، فقالَ اللَّه: لنْ أجعلَ صالحَ ذرِّيةِ منْ خلقتُ بيدي كمَنْ قلتُ له: كنْ فكان" (٢). * * * باب خلق الجان وقصّة الشيطان قال اللَّه تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٤ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦ - ٢٧] وقال ابن عبَّاس وعكرمة ومجاهد والحسن وغير واحد ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] قالوا: من طَرَفِ اللَّهَب، وفي رواية: من خالصِه وأحسنِه. وقد ذكرنا آنفًا: من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "خُلِقَتِ الملائكةُ منْ نُورٍ، وخُلِقت الجَانُّ من مَارج من نار، وخُلِقَ آدمُ مما وُصفَ لكم" رواه مسلم (٣).

стр. 183

قال كثير من علماء التفسير (١): خُلِقتِ الجِنُّ قبلَ آدمَ ﵇، وكان قبلَهم في الأرض الجن والبِنُّ، فسلط اللَّه الجن عليهم فقتلوهم وأخلوهم عنها، وأبادوهم منها، وسكنوها بعدهم. وذكر السُّدِّي (٢) في تفسيره: عن أبي مالك، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرَّة، عن ابن مسعود. وعن أناس من أصحابِ رسول اللَّه ﷺ : لما فرغَ اللَّه من خلق ما أحبَّ استوى على العرش فجعلَ إبليسَ على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خُزَّان الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازنًا فوقعَ في صدره: إنما أعطاني اللَّه هذا لمزية لي على الملائكة. وذكر الضحَّاك (٣): عن ابن عباس: أن الجن لما أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء بعثَ اللَّه إليهم إبليس ومعه جند من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم عن الأرض إلى جزائر البحور. وقال محمد بن إسحاق (٤): عن خلاد، عن عطاء، عن طاووس، عن ابن عباس: كان اسم إبليس قبل أن يرتكبَ المعصية عزَازيل. وكان من سكَّان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا، وكان من حيٍّ يقال لهم: الجن. وروى ابن أبي (٥) حاتم: عن سعيد بن جُبير، عنه: كان اسمه عزازيل، وكان من أشرف الملائكة من أولي الأجنحة الأربعة. وقال سُنَيْدٌ (٦): عن حجَّاج، عن ابن جُريج، قال ابن عباس: كان إبليسُ من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلةٌ، وكان خازنًا على الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض. وقال صالحٌ مولى التوأمة: عن ابن عباس، كان يسوسُ ما بينَ السَّماء والأرض. رواه ابن جرير (٧). وقال قتادة (٨): عن سعيد بن المسيب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا. وقال الحسن البصري (٩): لم يكنْ من الملائكةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وإنَّه لأصلُ الجنِّ، كما أن آدم أصل البشر.

стр. 184

وقال شهر بن حوشب، وغيره: كان إبليس من الجنِّ الذينَ طردتهم (١) الملائكة فأسرَه بعضهم فذهبَ به إلى السماء. رواه ابن جرير. قالوا: فلما أراد اللَّه خلقَ آدمَ ليكونَ في الأرض هو وذريَّته من بعده، وصوَّر جثته منها، جعلَ إبليسُ -وهو رئيسُ الجَانِّ وأكثرُهم عبادة إذ ذاك، وكانَ اسمُه عزازيل- يطيفُ به، فلما رآه أجوفَ علم (٢) أنه خَلْقٌ لا يتمالك، وقال: أما لئن سُلِّطْتُ عليكَ لأهلكنَّكَ، ولئن (٣) سُلِّطْتَ عليَّ لأعصينَّك، فلما أنْ نفخَ اللَّه في آدم من روحه، كما سيأتي (٤)، وأمر الملائكة بالسجود له دخلَ إبليسَ منه حسد عظيم وامتنع من السجود له وقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فخالفَ الأمرَ، واعترضَ على الربِّ ، وأخطأ في قوله، وابتعد من رحمة ربِّه، وأُنزلَ من مرتبتهِ التي كان قد نالَها بعبادتِه، وكان قد تشبَّه بالملائكة، ولم يكنْ من جنسهم، لأنه مخلوقٌ من نار، وهم من نور، فخانَه طبعُه في أحوج ما كان إليه، ورجعَ إلى أصله الناريِّ ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: ٧٣ - ٧٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. فأُهْبِطَ إبليسُ من الملأ الأعلى وحُرِّمَ عليه قدَرًا أن يسكنه، فنزلَ إلى الأرض ذليلًا حقيرًا (٥) مذؤومًا مدحورًا (٦)، متوعَّدًا بالنار هو ومن اتَّبعه من الجن والإنس، إلا أنه مع ذلك جاهدَ كلَّ الجهد على إضلال بني آدم بكل طريق وبكلّ مَرْصدٍ (٧)، كما قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢ - ٦٥]. وسنذكر القصة مستقصاة (٨) عند ذكر خلق آدم ﵇. والمقصود أنَّ الجانَ خُلقوا من النَّار، وهم كبني آدمَ، يأكلونَ ويشربونَ ويتناسلونَ، ومنهم المؤمنون، ومنهم الكافرون، كما أخبرَ تعالى عنهم

стр. 185

في سورة الأحقاف، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١ - ١٧]. وقد ذكرنا تفسيرَ هذه السورة (١)، وتمامَ القِصَّة في آخر سورة الأحقاف، وذكرنا الأحاديثَ المتعلِّقة بذلك هنالك، وأنَّ هؤلاء النَّفرَ كانوا من جن "نصيبين" وفي بعض الآثار من جن "بصرى"، وأنَّهم مرُّوا برسولِ اللَّه ﷺ وهو قائمٌ يُصلِّي بأصحابه ببطنِ نخلةَ منْ أرضِ مكَّة، فوقفُوا فاستمعُوا لقراءته (٢). ثم اجتمعَ بهم النبيُّ ليلةً كاملةً، فسألوه عن أشياءَ أمرهم بها ونهاهم عنها، وسألوه الزاد، فقال لهم: "كلُّ عظمٍ ذُكِرَ اسمُ اللَّه عليه، تجدونَه أوفرَ ما يكون لحمًا، وكلُّ روثةٍ علفٌ لدوابِّكم" ونهى النبيُّ ﷺ النَّاسَ أن يستنجوا بهما، وقال: "إنَّهما زادُ إخوانكم الجِنّ" (٣). ونهى عن البول في الأسواق (٤)، لأنَّها مساكنُ الجنِّ. وقرأ رسولُ اللَّه ﷺ عليهم سورةَ الرحمن، فما جعلَ يمرُّ بآية فيها ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣]. إلا قالوا: ولا بشيءٍ من آلائكِ ربَّنا نُكَذِّبُ، فلكَ الحمدُ. وقد أثنى عليهم النبيُّ ﷺ في ذلك لما قرأ هذه السورة على الناس فسكتُوا. فقال: "الجنُّ كانوا

стр. 186

أحسنَ منكم ردًّا، ما قرأت عليهم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا: ولا بشيءٍ من آلائك ربَّنا نُكَذِّبُ ولكَ الحمدُ". رواه الترمذيُّ: عن جابر، وابنُ جرير والبزَّار عن ابن عمر (١). وقد اختلفَ العلماءُ في مؤمني الجنِّ هل يدخلو (٢) الجنة، أو يكونُ جزاء طائعهم أن لا يعذَّبَ في النار فقط. على قولين: الصحيحُ أنهم يدخلون الجنَّة لعمومات (٣) القرآن، ولخصوص قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٤٧] فامتنَّ تعالى عليهم بذلك، فلولا أنهم ينالونه لما ذكرَه وعدَّه عليهم من النِّعمِ، وهذا وحدَه دليلٌ مستقلٌّ كافٍ في المسألة، واللَّه أعلم. وقال البخاري (٤): حدَّثنا قُتَيْبة، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، أن أبا سعيدٍ الخدريَّ قال له: إني أراك تُحبُّ الغنمَ والباديةَ، فإذا كنتَ في غنمكَ وباديتك فأذَّنتَ بالصَّلاة، فارفعْ صوتك بالنِّداء، فإنَّه لا يسمعُ مدَى صوتِ المؤذِّن جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شهدَ له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعتُه من رسولِ اللَّه ﷺ . انفردَ به البخاري دون مسلم. وأما كافرو الجِنِّ فمنهم الشياطين، ومقدَّمهُم الأكبرُ إبليسُ عدوُّ آدم أبي البشر، وقد سُلِّطَ (٥) هو وذريَّته على آدمَ وذريَّتِه، وتكفَّل اللَّه بعصمةِ من آمنَ به، وصدَّق رسلَه، واتَّبع شرعه منهم، كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢٠ - ٢١] وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)

стр. 187

قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٣٨ - ٤٤]. وقد ذكرَ تعالى هذه القصَّةَ في سورة البقرة، وفي الأعراف، وهاهنا (١)، وفي سورة سبحانَ، وفي سورة طه، وفي سورة ص. وقد تكلَّمنا على ذلك كله في مواضعه في كتابنا التفسير وللَّه الحمد. وسنوردها في قصة آدمَ إن شاء اللَّه تعالى (٢). والمقصودُ أنَّ إبليسَ أنظرهَ اللَّه إلى يوم القيامة محنةً لعباده، واختبارًا منه لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [إبراهيم: ٢٢ - ٢٣]. فإبليسُ لعنه اللَّه حيٌّ الآن، منظَرٌ إلى يوم القيامة بنصِّ القرآن، وله عرشٌ على وجه البحر، وهو جالسٌ عليه، ويبعثُ سراياه يُلقون بينَ النَّاس الشَّرَّ والفتنَ. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وكان اسمُه قبلَ معصيته العظيمة عزازيل، قال النَّقَّاشُ: وكنيته: أبو كردوس، ولهذا لما قال النبيُّ لابن صيَّاد: "ما ترى؟ " (٣) قال: أرى عرشًا على الماء. فقال له النبيُّ ﷺ : "اخسأْ فلنْ تعدو قَدْرَكَ" (٤) فعرفَ أن مادَّة مكاشفته التي كاشفَه بها شيطانيَّة، مستمدَّة من إبليس الذي هو يُشاهد عرشَه على البحر، ولهذا قال له: "اخسأ فلنْ تعدو قَدْركَ" (٤) أي: لن تُجاوزَ قيمتك الدنية الخسيسة الحقيرة. والدليلُ على أنَّ عرشَ إبليسَ على البحر الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد: حدَّثنا أبو المغيرة، حدَّثنا صفوان، حدَّثني ماعز التميمي، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عرشُ إبليس [على] البحر، يبعثُ سراياه في كلِّ يوم يفتنون النَّاسَ، فأعظمُهم عندَه منزلةً أعظمُهم فتنةً للناس" (٥). وقال أحمد (٦): حدَّثنا روح، حدَّثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنَّه سمعَ جابرَ بن عبد اللَّه

стр. 188

يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "عرشُ إبليسَ على البحر، يبعثُ سراياه، فيفتنون النَّاس، فأعظمُهم عنده أعظمهم فتنةً" تفرَّد به من هذا الوجه. وقال أحمد (١): حدَّثنا مُؤمَّل، حدَّثنا حمَّاد، حدَّثنا علي بن زَيْد، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ لابن صائد: "ما ترى؟ قال: أرى عرشًا على الماء -أو على البحر- حولَه حيَّات" قال ﷺ : ذاك عرش إبليس. هكذا رواه في مسند جابر. وقال في مسند أبي سعيد (٢): حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حمَّاد بن سَلَمة، أنبأنا عليُّ بن زَيْد، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد؛ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال لابن صيَّاد: "ما ترى؟ " قال: أرى عرشًا على البحر حوله الحيَّات. فقال رسول اللَّه ﷺ : "صَدقَ، ذاك عرشُ إبليس". وروى الإمام أحمد (٣): من طريق ماعز التَّميميّ وأبي الزُّبير، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ الشيطانَ قد يئسَ أن يعبدَه المُصلُّونَ، ولكن في التحريش بينهم". وروى الإمام مسلم (٤): من حديث الأعمش، عن أبي سفيان -طلحة بن نافع- عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الشيطان يضعُ عرشَه على الماء، ثم يبعثُ سَراياه في النَّاسِ، فأقربُهم عندَه منزلةً أعظمهم عنده فتنة، يجيءُ أحدُهم فيقول: ما زلتُ بفلانٍ حتى تركته وهو يقول: كذا وكذا، فيقول إبليس: لا واللَّه ما صنعتَ شيئًا. ويجيءُ أحدُهم فيقول: ما تركته حتى فرَّقت بينه وبين أهله، قال: فيُقرِّبه ويُدنيه. ويلتزمه. ويقول: نِعْم أنتَ". يُروى بفتح النون بمعنى نَعَمْ أنت ذاك الذي تستحقُّ الإكرامَ، وبكسرها، أي: نِعْمَ منْكَ. وقد استدلَّ به بعضُ النحاة على جواز كون فاعل نعم مضمرًا، وهو قليل. واختارَ شيخُنا الحافظ أبو الحجَّاج الأوَّلَ، ورجَّحه، ووجَّهه بما ذكرْناه، واللَّه أعلم. وقد أوردنا هذا الحديث (٥) عند قوله تعالى: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] يعني: أنَّ السحرَ المتلقَّى عن الشياطين من الإنس والجنِّ، يُتوصَّل به إلى التفرقة بين المتآلفين غاية التآلف، المتوادَّين المتحابَّين، لهذا يشكرُ إبليسُ سعيَ من كان السبب في ذلك. فالذي ذمَّه اللَّه يمدحُه، والذي يُغْضِبُ اللَّه يُرْضيه، عليه لعنة اللَّه. وقد أنزل اللَّه سورتي المعوِّذتين مطردةً لأنواع الشر وأسبابه وغاياته، ولا سيما سورة

стр. 189

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٦]. وثبتَ في الصحيحين (١) عن أنس، وفي صحيح البخاري (٢) عن صفيَّة بنت حيي أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ الشيطان يجري من ابنِ آدم مجرى الدم". وقال الحافظ أبو يعلى المَوْصلي (٣): حدَّثنا محمد بن بحر، حدَّثنا عديّ بن أبي عمارة، حدَّثنا زياد النُّمَيْري، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ الشيطانَ واضع خَطْمه على قَلْب ابن آدم، فإن ذكرَ اللَّه خَنَسَ، وإن نسيَ التقمَ قلبه، فذلك الوسواسُ الخنَّاسُ". ولما كانَ ذكرُ اللَّه مطردةً للشيطان عن القلب، كان فيه تذكار للنَّاس، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وقال صاحب موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] وقال تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] يعني الساقي لما قال له يوسف: اذكرني عند ربِّكَ، نسيَ الساقي أن يذكرَه لربِّه، يعني مولاه الملك، وكان هذا النسيانُ من الشيطان، فلبثَ يوسفُ في السجن بضع سنين، ولهذا قال بعد هذا ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: مدة. وقُرئ ﴿بعد أُمَّة﴾ أي: نسيان. وهذا الذي قلنا من أن الناسي هو الساقي هو الصواب من القولين، كما قرَّرناه في التفسير (٤)، واللَّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن عاصم، سمعتُ أبا تميمة يُحدِّث عن رديف رسول اللَّه ﷺ ، قال: عثرَ بالنبيِّ ﷺ حمارُه، فقلت: تَعِسَ الشَّيطانُ، فقال النبيُّ ﷺ : "لا تقلْ: تَعِسَ الشيطانُ، فإنَّك إذا قلتَ: تَعِسَ الشيطانُ تعاظَمَ، وقال: بقوَّتي صرعتُه. وإذا قلتَ: بسم اللَّه، تصاغرَ حتى يصيرَ مثلَ الذباب". انفرد به أحمد، وهو إسناد جيد. وقال أحمد (٦): حدَّثنا أبو بكر الحنفي، حدَّثنا الضحَّاك بن عثمان، عن سعيد المَقْبُريّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أحدَكم إذا كان في المسجد جاءه الشيطانُ فأبَسَ به كما يَأْبِسُ

стр. 190

الرجلُ بدابَّتهِ، فإذا سكنَ له زَنَقه أو ألجَمَه" (١). قال أبو هريرة وأنتم ترون ذلك. أما المَزنوقُ: فتراه مائلًا كذا لا يذكر اللَّه، وأما المُلْجم: ففاتحٌ فاه لا يذكر اللَّه . تفرَّد به أحمد. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا ابنُ نُمَيْر، حدَّثنا ثَوْر -يعني ابن يزيد- عن مكحول، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "العينُ حقٌّ، ويحضرُ بها الشيطان وحسدُ ابن آدم" (٣). وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا وكيع، عن سفيانَ، عن منصور، عن ذرِّ بن عبد اللَّه الهَمْدانيّ، عن عبدِ اللَّه بن شَدَّاد، عن ابن عبَّاس قال: جاء رجل إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه! إنِّي أُحدِّثُ نفسي بالشيء، لأَنْ أخِرَّ من السَّماء أحبُّ إليَّ من أن أتكلَّمَ به [قال:] (٥) فقال النبي ﷺ : "اللَّه أكبرُ (٦)، الحمدُ اللَّه الذي ردَّ كيدَه إلى الوَسْوسة". ورواه أبو داود والنسائي (٧) من حديث منصور، زاد النسائي: والأعمش، كلاهما عن أبي ذر به. وقال البخاري (٨): حدَّثنا يحيى بن بُكَيْر، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عقيل، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني عُرْوةُ، قال: قال أبو هريرة: قالَ رسول اللَّه ﷺ : يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقولُ من خلقَ كذا؟ من خلقَ كذا؟ حتى يقولَ: من خلقَ ربَّك، فإذا بلغَ فليستعذْ باللَّه وَلْيَنْتَهِ". وهكذا رواه مسلم (٩) من حديث اللَّيث ومن حديث الزهري وهشام بن عروة وكلاهما عن عروة به. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨] وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].

стр. 191

وروى الإمام أحمد (١) وأهل السنن (٢): من حديث أبي المتوكل، عن أبي سعيد، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم من هَمْزهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ" (٣). وجاء مثلُه من رواية جبير بن مطعم وعبد اللَّه بن مسعود وأبي أمامة الباهلي. وتفسيرُه في الحديث: فهمزه الموتة، وهو الخَنْقُ الذي هو الصَّرْع. ونفخُه: الكِبَرُ. ونَفْثُه: الشِّعْرُ. وثبتَ في الصحيحين (٤): عن أنس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا دخل الخَلاء قال: "أعوذُ باللَّه من الخُبْثِ والخَبائِثِ" قال كثيرٌ من العلماء: استعاذ من ذُكرانِ الشياطينِ وإناثهم. وروى الإمام أحمد (٥): عن سُرَيْج، عن عيسى بن يُونس، عن ثَوْر، عن الحُصَيْن، عن أبي سعدٍ الخير -وكان من أصحاب عمرَ- عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ومنْ أتى الغائطَ فليستتر، فإن لم يجدْ إلا أن يجمعَ كثيبًا من رملٍ فليستدبرْه، فإنَّ الشيطان يلعبُ بمقاعدِ بني آدمَ، منْ فعلَ فقد أحسنَ، ومنْ لا فلا حَرَج". ورواه أبو داود وابن ماجه (٦) من حديث ثور بن يزيد به. وقال البخاري (٧): حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبةَ، حدَّثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن عديِّ بن ثابت، قال: قال سليمانُ بن صُرَد: استبِّ رجلان عند النبيِّ ﷺ ونحنُ عندَه جلوسٌ، فأحدُهما يسبُّ صاحبَه مُغضَبًا قد احمرَّ وجهُه، فقال النبيُّ ﷺ : "إنِّي لأعلمُ كلمةً لو قالَها لذهبَ عنه ما يجدُ، لو قالَ: أعوذُ باللَّه من الشيطان الرجيم" فقالوا للرجل: ألا تسمعُ ما يقولُ النبيُّ ﷺ ؟ فقال: إني لستُ بمجنون. ورواه أيضًا مسلم وأبو داود والنَّسائي من طرقٍ عن الأعمش (٨). وقال الإمام أحمد (٩): حدَّثنا محمد بن عُبيد، حدَّثنا عُبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يأكلْ أحدُكم بشمالِه ولا يشربْ بشمالِه، فإنَّ الشيطانَ يأكلُ بشمالِه، ويشربُ

стр. 192

بشماله". وهذا على شرط الصحيحين بهذا الإسناد، وهو في الصحيح من غير هذا الوجه (١). وروى الإمام أحمد من حديث إسماعيل بن أبي حكيم، عن عروة، عن عائشة، عن رسول اللَّه ﷺ ؛ أنه قال: "منْ أكلَ بشمالِه أكلَ معه الشيطانُ، ومنْ شَرِبَ بشمالِهِ شربَ معه الشيطانُ" (٢). وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا محمد بن جعفر، أخبرنا شعبةُ، عن أبي زياد الطحَّان، قال: سمعتُ أبا هريرة يقولُ: عن النبيِّ ﷺ ؛ أنَّه رأى رجلًا يشربُ قائمًا، فقال له: "قِهْ" قال: لمَ؟ قال: "أيسُرك أنْ يشربَ معكَ الهِرُّ؟." قال: لا. قال: "فإنَّه قد شربَ معكَ من هو شرٌّ منه، الشَّيطانُ". تفرَّد به أحمد من هذا الوجه. وقال أيضًا (٤): حدَّثنا عبد الرزَّاق، قال معْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن رجلٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو يعلمُ الذي يشربُ وهو قائمٌ ما في بطنهِ لاستقاءَه". قال: وحدَّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثل حديث الزهريّ (٥). وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، أنه سألَ جابرًا: أسمعتَ النبيَّ ﷺ قالَ (٧): "إذا دخلَ الرجل بيتَه فذكرَ اسمَ اللَّه حين يدخلُ وحين يَطْعمُ، قال الشيطان: لا مبيتَ لكم ولا عشاء هاهنا، وإن دخلَ ولم يذكرِ اسمَ اللَّه عند دخولِه، قال: أدركتمُ المبيتَ، وإن لم يذكر اسمَ اللَّه عند طعامه، قال: أدركتم المبيتَ والعَشَاء؟ ". قال: نعم. وقال البخاري (٨): حدَّثنا محمد، أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام بن عُرْوةَ، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا طلعَ حاجبُ الشمس فدَعُوا الصَّلاةَ حتى تبرُزَ، وإذا غابَ حَاجِبُ الشَّمس فدعُوا الصلاةَ حتى تغيبَ، ولا تحيَّنوا بصلاتِكم طلوعَ الشمس ولا غُروبها، فإنها تطلعُ بين قَرْني شيطان" أو "الشيطان" لا أدري أيَّ ذلك قال هشام؟.

стр. 193

ورواه مسلم والنسائي (١) من حديث هشام به. وقال البخاري (٢): حدَّثنا عبد اللَّه بن سلَمة، عن مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمرَ، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يُشيرُ إلى المشرف، فقال: "ها إنَّ الفتنةَ هاهنا، إن الفتنة هاهنا، من حيثُ يطلعُ قرنُ الشيطان". هكذا رواه البخاري منفردًا به من هذا الوجه. وفي السنن أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن يجلسَ بين الشمس والظِلِّ، وقال: "إنَّهُ مجلسُ الشيطان" (٣). وقد ذكروا في هذا معاني، من أحسنها أنه لما كان الجلوس في مثل هذا الموضع فيه تشويه بالخلقة فيما يُرى، كان يُحبُّه الشيطان، لأن خِلْقته في نفسه مشوَّهة، وهذا مستقرٌّ في الأذهان، ولهذا قال تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] الصحيح أنَّهم الشياطينُ لا ضَرْبٌ من الحيَّات، كما زعمه من زعمه من المفسرين. واللَّه أعلم. فإن النفوس مغروزٌ فيها قبحُ الشياطين، وحُسْنُ خَلْقِ الملائكة، وإن لمِ يُشاهدوا، ولهذا قال تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] وقال النسوة لمَّا شاهدْن جمالَ يوسفَ ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. وقال البخاريُّ (٤): حدَّثنا يحيى بنُ جعفرٍ، قال محمّد بن عبد اللَّه الأنصاريُّ، قال ابنُ جريج، أخبرني عطاءٌ، عن جابرٍ، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا استجنحَ [اللَّيْلُ] (٥) أو كان جُنْحُ اللَّيْلِ -فكفُّوا صبيانَكم، فإنَّ الشياطينَ تنتشرُ حينئذ-، فإذا ذهبَ ساعةٌ من العشاء فخلُّوهم، وأغلقْ بابَكَ، واذكر اسمَ اللَّه، وأطفئْ مصباحَكَ، واذكرِ اسمَ اللَّه، وأوكِ سِقَاءكَ واذكرِ اسمَ اللَّه، وخمِّرْ إناءكَ واذكرِ اسمَ اللَّهِ، ولو تَعْرُضُ عليه عُودًا". ورواه أحمد (٦): عن يحيى، عن ابن جُريج، وعندَه: "فإنَّ الشيطانَ لا يفتحُ مُغْلقًا". وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا وكيع، عن مطر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أغلقُوا أبوابَكم، وخمِّروا آنيتَكم، وأوْكُوا أسقيتَكم، وأطفِئُوا سُرُجكم، فإن الشيطان لا يفتحُ بابًا مُغلقًا، ولا يكشفُ غِطاءً، ولا يحلُّ وِكَاءً (٨)، وإن الفويسقةَ تضْرمُ البيتَ على أهله" يعني: الفأرة.

стр. 194

وقال البخاري (١): حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شعبةُ، عن منصور، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن كُرَيْب، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو أنَّ أحدكم إذا أراد أنْ يأتيَ أهلَه قال: اللَّهُمَّ جَنِّبْنا الشيطانَ وجَنِّبِ الشيطانَ ما رزقتني، فإن كان بينهما ولدٌ لم يضرَّه الشيطان ولم يُسلَّطْ عليه". قال: وحدَّثنا الأعمشُ، عن سالم، عن كُرَيْب، عن ابن عبَّاس، مثله. ورواه أيضًا (٢): عن موسى بن إسماعيل، عن همَّام، عن منصورٍ، عن سالم، عن كُرَيب، عن ابن عبَّاس، عن النبيِّ ﷺ قال: "أما لو أنَّ أحدَكم إذا أتى أهله قال: بسم اللَّه، اللَّهُمَّ جَنِّبنا الشيطانَ، وجَنِّب الشيطانَ ما رزقتنا، فرُزقا ولدًا لم يضرَّه الشيطانُ". وقال البخاري (٣): حدَّثنا إسماعيلُ، قال أخي، عن سليمانَ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يعقدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدكم إذا هو نامَ ثلاثَ عُقدٍ، يضربُ على كلِّ عُقْدةٍ مكانَها: عليكَ ليلٌ طويلٌ فارقدْ. فإن استيقظَ فذكرَ اللَّه انحلَّت عُقْدةٌ، فإنْ توضَّأ انحلَّت عُقْدةٌ، فإن صلَّى انحلَّتْ عُقَدُهُ كلُّها، فأصبحَ نشيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وإلا أصبحَ خبيثَ النَّفْس كسلانَ" هكذا رواه منفردًا به من هذا الوجه. وقال البخاري (٤): حدَّثنا إبراهيم بن حمزة، حدَّثني ابن أبي حازم، عن يزيدَ -يعني ابن الهاد- عن محمد بن إبراهيمَ، عن عيسى بن طلحةَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا استيقظَ أحدُكم من منامِه فتوضَّأَ فليستنثرْ ثلاثًا، فإن الشيطانَ يبيتُ على خَيْشُومهِ". ورواه مسلم (٥): عن بشر بن الحكم، عن الدراوردي، والنسائي (٦) عن محمد بن زنبور، عن عبد العزيز بن أبي حازم، كلاهما عن يزيد بن الهاد به. وقال البخاريُّ (٧): حدَّثنا عثمان بن أبي شيبةَ، قال جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، قال: ذُكرَ عند النبيِّ ﷺ رجلٌ نامَ ليلة حتى أصبحَ، قال: "ذاكَ رجلٌ بالَ الشيطانُ في أذنيْه" أو قال: "في أُذنهِ". ورواه مسلم (٨): عن عثمان وإسحاق، كلاهما عن جرير، به.

стр. 195

وأخرجه البخاريُّ أيضًا، والنَّسائيُّ، وابن ماجه (١)، من حديث منصور بن المعتمر به. وقال البخاري (٢): حدَّثنا محمد بن يُوسف، أخبرنا الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسول اللَّه ﷺ : "إذا نُودي بالصَّلاة أدبرَ الشيطانُ وله ضُراطٌ، فإذا قُضِيَ أقبلَ، فإذا ثُوِّبَ بها أدبرَ، فإذا فُضِيَ أقبلَ حتَّى يخْطِرَ بين الإنسان وقلبهِ، فيقولُ: اذكرْ كذا وكذا، حتى لا يَدري أثلاثًا صلَّى أم أربعًا، فإذا لم يدرِ أثلاثًا صلَّى أم أربعًا سجدَ سجدتَي السَّهْو" هكذا رواه منفردًا به من هذا الوجه. وقال أحمد (٣): حدَّثنا أسودُ بن عامر، حدَّثنا جعفر -يعني الأحمر- عن عطاء بن السائب، عن أنس، قالَ: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "راصُّوا الصفوفَ فإن الشيطانَ يقومُ في الخلل". وقال أحمد (٤): حدَّثنا أبان، حدَّثنا قتادة، عن أنس بن مالك، أنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "راصُّوا صُفوفكم وقاربُوا بينها، وحاذُوا بين الأعناق، فوالذي نفسُ محمَّدٍ بيده إني لأرى الشيطان يدخل بين خلل الصف كأنَّهُ الحَذَف". وقال البخاري (٥): حدَّثنا أبو مَعْمر، حدَّثنا عبدُ الوارث، حدَّثنا يونسُ، عن حُميدٍ بن هلالٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا مرَّ بين يديْ أحدكُم شيء [وهو يُصلِّي] فليمنعْه، فإن أبى فليمنعْه، فإن أبى فليقاتلْه، فإنما هو شيطان". ورواه أيضًا مسلم وأبو داود (٦) من حديث سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال به. وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا أبو أحمد، حدَّثنا مسرَّةُ بن مَعْبد، حدَّثنا أبو عُبيد حاجب سُليمان، قال: رأيتُ عطاءَ بن يزيد الليثي قائمًا يُصلّي، فذهبتُ أمرُّ بين يديْه فردَّني، ثم قال: حدَّثني أبو سعيد الخُدْريّ؛ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قام يُصلِّي صلاةَ الصُّبْح وهو خلفه، فقرأ، فالتبستْ عليه القراءةُ، فلما فرغَ من صلاتِه قال: "لو رأيتموني وإبليس، فأهويتُ بيدي، فما زلتُ أخْنقه حتى وجدتُ بردَ لُعابهِ بين إصبعيَّ هاتين: الإبهام والتي تليها، ولولا دعوةُ أخي سُليمان لأصبحَ مربوطًا بساريةٍ من سَواري

стр. 196

المسجد، يتلاعبُ به صِبْيانُ المدينة، فمنِ استطاعَ منكم ألَّا يحولَ بينه وبينَ القِبْلة أحدٌ فليفعلْ" (١). وروى أبو داود (٢): "فمن استطاعَ. . . " إلى آخره، عن أحمد بن سريج، عن أبي أحمد محمد بن عبد اللَّه بن الزبير به. وقال البخاري (٣): حدَّثنا محمود، حدَّثنا شبَابة، حدَّثنا شعبة، عن محمّدِ بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : أنه صلَّى صلاةً، فقال: "إنَّ الشيطانَ عرضَ لي، فشدَّ عليّ يقطعُ الصَّلاة عليّ، فأمكنني اللَّه منه"، فذكر الحديث. وقد رواه مسلم والنسائي (٤) من حديثِ شعبةَ به مطوَّلًا. ولفظ البخاري: عند تفسير قوله تعالى إخبارًا عن سليمان ﵇؛ أنه قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥] من حديثِ روحٍ، وغُنْدَر عن شُعبةَ، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن عفريتًا من الجنِّ تفلَّت عليَّ البارحة -أو كلمةً نحوها- ليقطعَ عليَّ الصَّلاة، فأمكنني اللَّه منه، فأردتُ أن أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد، حتَّى تُصبحوا وتَنظروا إليه كُلُّكم، فذكرتُ قولَ أخي سليمانَ ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥] " (٥) قال رَوْحٌ: فردَّه خَاسِئًا. وروى مسلم (٦): من حديث أبي إدريس، عن أبي الدرداء، قال: قامَ رسولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي فسمعناه يقولُ: "أعوذُ باللَّه منكَ" ثم قال: "ألعنُكَ بلعنةِ اللَّه" ثلاثًا، وبسطَ يدَه كأنَّه يتناولُ شيئًا، فلمَّا فرغَ من الصَّلاة، قلنا: يا رسولَ اللَّه قد سمعناكَ تقولُ في الصَّلاة شيئًا لم نَسمعْكَ تقولُه قبلَ ذلكَ، ورأيناك بسطتَ يدكَ، فقال: "إنَّ عدوَّ اللَّه إبليسَ، جاءَ بشهابٍ من نار، ليجعلَه في وَجْهي، فقلتُ: أعوذ باللَّه منك، ثلاث مراتٍ، ثم قلتُ: ألعنُكَ بلعنةِ اللَّه التَّامَّة، فلم يستأخر، ثم أردتُ أخذه، واللَّه لولا دعوةُ أخينا سليمانَ لأصبحَ مُوثَقًا يلعبُ به وِلْدانُ أهلِ المدينة". وقال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] يعني الشيطان، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] فالشيطانُ لا يألو الإنسانَ خبالًا جهده وطاقته، في جميع أحواله وحركاته وسكناته، كما صنَّف الحافظ

стр. 197

أبو بكر بن أبي الدنيا ﵀ كتابًا في ذلك سمَّاه "مكائد الشيطان" (١) وفيه فوائد جمَّة. وفي سنن أبي داود (٢): أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يقولُ في دعائه: "وأعوذُ بكَ أن يتخبَّطني الشيطان عند الموت" وروينا في بعض الأخبار أنه قال: يا رب! وعزَّتك وجلالكَ لا أزالُ أُغويهم ما دامتْ أرواحُهم في أجسادِهم، فقال اللَّه تعالى: وعزتي وجلالي ولا أزالُ أغفرُ لهم ما استغفروني (٣). وقال اللَّه تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨] فوعدُ اللَّه هو الحقُّ الصِّدْقُ، ووعدُ الشيطان هو الباطل. وقد روى الترمذيُّ، والنَّسائي، وابنُ حبَّان في "صحيحه" (٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره: من حديث عطاءِ بن السَّائبِ، عن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إن للشيطانِ لَمَّة بابن آدمَ، وللملك لمَّة، فأما لمَّةُ الشيطان فإيعاد بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأما لمَّةُ المَلَكِ فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وجدَ ذلك فليعلمْ أنَّه من اللَّه فليحمدِ اللَّه، ومن وجدَ الأخرى فليتعوّذ من الشيطان ثم قرأ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨] ". وقد ذكرنا في فضل سورة البقرة (٥)؛ أنَّ الشيطانَ يفرُّ من البيت الذي تُقرأ فيه، وذكرنا في فضل آية الكرسي (٦)؛ أنَّ من قرأها في ليلةٍ لا يقربُه الشيطان حتَّى يُصبحَ. وقال البخاري (٧): حدَّثنا عبد اللَّه بن يوسف، أخبرنا مالك، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "منْ قالَ لا إله إلا اللَّه وحدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير مئةَ مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاءَ به إلا رجل عملَ أكثر من ذلك".

стр. 198

وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه (١) من حديث مالك، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال البخاريُّ (٢): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال ﷺ : "كلُّ ابن آدمَ يطعُنُ الشيطانُ في جَنْبيهِ بإصبَعِهِ، حينَ يُولَدُ، غيرَ عيسى بن مريم، ذهبَ يطعنُ، فطعنَ في الحجاب". تفرَّد به من هذا الوجه. وقال البخاريُّ (٣): حدَّثنا عاصمُ بن عليّ، حدَّثنا ابنُ أبي ذئب، عن سعيد المَقْبريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "التثاؤبُ منَ الشيطان، فإذا تثاءبَ أحدُكم فليردَّه ما استطاعَ، فإن أحدَكم إذا قال: ها، ضحكَ الشيطانُ". ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، والنسائي (٤) من حديث ابن أبي ذئب به، وفي لفظ: "إذا تثاءب أحدُكم فليكظم ما استطاع، فإن الشيطانَ يدخلُ". وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا عبدُ الرزاق، أنبأنا سفيان، عن محمّد بن عجلان، عن سعيدِ المَقْبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّهَ يُحبُّ العُطاسَ، ويبغضُ أو يكرهُ التثاؤبَ، فإذا قال أحدُكم: ها، ها، فإن ذلك الشيطان يضحكُ من جوفه". ورواه الترمذي والنسائي (٦)، من حديث محمد بن عجلان، به. وقال البخاريُّ (٧): حدَّثنا الحسنُ بن الربيع، حدَّثنا أبو الأحوص، عن أشعث، عن أبيه، عن مسروق، قال: قالت عائشةُ: سألتُ النبيَّ ﷺ عن التفات الرجل في الصَّلاة؟ فقال: "هو اختلاسٌ يختلسُه الشيطانُ من صلاة أحدكُم". وكذا رواه أبو داود والنسائي (٨) من رواية أشعث بن أبي الشعثاء، سليم بن أسود المحاربي، عن أبيه، عن مسروق، به.

стр. 199

وروى البخاريُّ (١): من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، حدَّثني عبدُ اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الرؤيا الصَّالحةُ من اللَّه، والحُلمُ من الشيطان، فإذا حَلَمَ أحدُكم حُلُمًا يخافُه فليبصقْ عن يساره، وليتعوَّذ باللَّه من شرِّها فإنها لا تضرُّه". وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا مَعْمرٌ، عن همَّام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يُشيرنَّ أحدُكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدُكم لعلَّ الشيطان أن ينزعَ في يده، فيقع في حفرةٍ من النَّار". أخرجاه (٣) من حديث عبد الرزاق. وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وقال: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ﴾ [الصافات: ٦ - ١٠] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢] وقال تعالى إخبارًا عن الجان: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨ - ٩]. وقال البخاري (٤): وقال الليث: حدَّثني خالدُ بن يزيد، عن سعيدِ بن أبي هلال: أنَّ أبا الأسود أخبرَه، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "الملائكةُ تتحدَّثُ في العنَان -والعَنانُ: الغمام- بالأمر يكونُ في الأرضِ فتستمعُ الشياطينُ الكلمةَ، فتقرُّها في أذنِ الكاهن، كما تُقرُّ القارورة، فيزيدونَ معها مئة كذبةٍ". هكذا رواه في صفة إبليس معلَّقًا، عن الليث به. ورواه في صفة الملائكة (٥): عن سعيد بن أبي مريم، عن الليث، عن عُبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة، بنحوه. تفرَّد بهذين الطريقين دون مسلم. وروى البخاري في موضع آخر، ومسلم من حديث الزهري، عن يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال: قالت عائشة: سأل أناسٌ النبيَّ ﷺ عن الكُهَّان، فقال: "إنهم ليسوا بشيء" فقالوا:

стр. 200

يا رسول اللَّه! إنَّهم يُحدِّثوننا أحيانًا بشيءٍ فيكون حقًّا، فقال ﷺ : "تلكَ الكلمةُ من الحقِّ يخطَفُها من الجنِّيِّ فيُقرْقِرُها في أذن وليِّه كقَرْقرةِ الدَّجاجة، فيخلطونَ معها [أكثر من] مئة كذبةٍ" (١). هذا لفظ البخاري. وقال البخاري (٢): حدَّثنا الحميديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عمرو، قال: سمعتُ عكرمةَ، يقول: سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: إن نبيَّ اللَّه ﷺ قال: "إذا قضى اللَّه الأمرَ في السَّماء ضربتِ الملائكةُ بأجنحتها خُضعانًا لقوله، كأنه سلسلةٌ على صَفْوان، حتى إذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قالَ ربُّكمِ؟ قالوا: للذي قال الحقّ، وهو العليُّ الكبيرُ. فيسمعُها مسترقُ السمع، ومسترقُ السَّمعِ هكذا بعضُه فوق بعضٍ -ووصفَ سفيانُ بكفِّه فحرَّفها وبدَّد بين أصابعه- فيسمعُ الكلمةَ فيُلقيها إلى مَن تحته، ثم يُلقيها الآخرُ إلى منْ تحته، حتى يُلقيها على لسان الساحرِ أو الكاهنِ، فربما أدركَ الشِّهابُ قبلَ أنْ يُلقيها، وربما ألقاهَا قبلَ أنْ يُدركه، فيكذبُ معها مئة كذبةٍ، فيقال: أليس قد قال لنا يومَ كذا وكذا: كذا وكذا، فيُصدَّق بتلكَ الكلمة التي سُمعتْ من السماء" انفرد به البخاري. وروى مسلم (٣): من حديث الزهري، عن عليِّ بن الحسين زين العابدين، عن ابن عبَّاس، عن رجال من الأنصار، عن النبي ﷺ نحو هذا. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٢٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٨] وقال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥] الآية. وقال تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٧ - ٢٩] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]. وقد قدَّمنا في صفة الملائكة، ما رواه أحمد ومسلم (٤): من طريق منصور، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن أبيه، -واسمهُ رافع- عن ابن مسعود، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينُه من الجنِّ وقرينُه من الملائكة، قالوا: وإيَّاك يا رسولَ اللَّه؟ قال: وإيَّاي، ولكنَّ اللَّه أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير". وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه -واسمه حُصَيْنُ بن جُنْدب، وهو أبو ظَبْيان الجَنبيُّ- عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس منكم من

стр. 201

أحد إلا وقد وُكِّلَ به قرينُه من الشياطين، قالوا: وأنتَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: نعم، ولكنَّ اللَّه أعانني عليه فأسلم" (١). تفرَّد به أحمد، وهو على شرط الصحيح. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا هارون، حدَّثنا عبد اللَّه بن وَهْب، أخبرني أبو صخر، عن يزيد بن عبد اللَّه بن قُسَيْط، حدَّثه أن عروة بن الزبير حدَّثه، أنَّ عائشة زوج النبي ﷺ حدَّثته؛ أنَّ رسول اللَّه ﷺ خرجَ من عندها ليلًا، قالتْ: فغرتُ عليه، قالت: فجاءَ فرأى ما أصنعُ، فقال: "مالكِ يا عائشةُ أغرْت؟ قالت: فقلت: ومالي ألَّا يغار مِثْلي على مِثْلِك؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : أفأخذك شيطانُكِ؟ " قالت: يا رسول اللَّه أو معي شيطان. قال: "نعم". قلت: ومع كلِّ إنسان. قال: نعم. قلتُ: ومعكَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "نعم، ولكنَّ ربِّي أعانني عليه حتَّى أسلمَ" (٢). وهكذا رواه مسلم (٣) عن هارون -وهو ابن سعيد الأيلي- بإسناده نحوه. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا ابنُ لهيعة، عن مُوسى بن وَرْدان، عن أبي هريرة؛ أن النبيَّ ﷺ قال: "إن المؤمنَ ليُنْصي شيطانه كما يُنْصي أحدُكم بعيرَه في السفر" تفرَّد به أحمد من هذا الوجه. ومعنى لينصي شيطانه: ليأخذ بناصيته، فيغلبَه ويقهرَه، كما يُفْعلُ بالبعير إذا شردَ، ثم غلبَه. وقوله تعالى: إخبارًا عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]. قال الإمام أحمد: حدَّثنا هاشم بن قاسم، حدَّثنا أبو عقيل -هو عبد اللَّه بن عقيل الثقفي- حدَّثنا موسى بن المسيَّب، عن سالم بن أبي الجعد، عن سبرةَ بن أبي فاكه، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ : قال: "إنَّ الشيطانَ قعدَ لابن آدمَ بأطرقه، فقعدَ له بطريق الإسلام، ففال له: أتُسلمُ وتذرُ دينكَ ودينَ آبائك؟ قال: فعصاه وأسلم، قال: وقعد له بطريق الهجرة، فقالَ: أتهاجر وتذر أرضكَ وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول. فعصاه وهاجرَ، قال: ثم قعدَ له بطريق الجهاد، فقال له: هو جهاد النفس والمال، فقال: أتقاتل فتقتل، فتُنكحُ المرأةُ ويُقسمُ المالُ؟ قال: فعصاه وجاهدَ" قال رسول اللَّه ﷺ : "فمنْ يفعلْ ذلك منهم كان حقًا على اللَّه أن يدخله الجنَّة، وإن كان غرقَ كان حقًّا

стр. 202

على اللَّه أنْ يُدْخله الجنَّة، وإن وقصتْه دابَّتُه كان حقًّا على اللَّه أن يُدْخله الجنَّة" (١). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا وكيع، حدَّثنا عبادة بن مسلم الفزاري، حدَّثني جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، سمعتُ عبد اللَّه بن عمر، يقول: لم يكن رسول اللَّه يدعُ هذه الدعوات حين يُصبحُ وحينَ يُمسي: "اللهم إني أسألُك العافية في الدنيا والآخرة، اللَّهمَّ إني أسألكَ العفوَ والعافيةَ في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللَّهُمَّ استرْ عَوْراتي وآمنْ رَوْعاتي، اللَّهُمَّ احفظْني من بين يديَّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شِمالي ومنْ فَوْقي، وأعوذُ بعظمتك أنْ أُغتالَ منْ تحتي" (٢). قال وكيع: يعني الخسف. ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم (٣): من حديث عبادة بن مسلم، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. * * * باب ما وردَ في خلق آدمَ ﵇ قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].

стр. 203

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال تعالى: ﴿(١٨٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ﴾ [الأعراف: ١٨٩] الآية وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ١١ - ٢٥]. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٢٦ - ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦١ - ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ

стр. 204

وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) [مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ] (١)﴾ [الكهف: ٥٠ - ٥١]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١١٥ - ١٢٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٦٧ - ٨٨]. فهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن، وقد تكلَّمنا على ذلك كلِّه في التفسير، ولنذكر هاهنا مضمون ما دلَّت عليه هذه الآيات الكريمات، وما يتعلَّق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول اللَّه ﷺ ، وباللَّه المستعان. فأخبر تعالى أنه خاطبَ الملائكة قائلًا لهم ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] أعلمَ بما يُريد أن يخلقَ من آدمَ وذريَّته الذين يخلفُ بعضُهم بعضًا، كما قال ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. [وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ. .﴾ [النمل: ١٦٢]] (٢). فأخبرَهم بذلك على سبيل التنويه بخَلْق آدمَ وذريَّته، كما يُخبر بالأمر العظيم قبل كونه، فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلامِ عن وجه الحكمة، لا على وجه الاعتراض والتنقُّص لبني آدم والحسد لهم، كما قد يتوَّهمُه بعضُ جهلة المفسرين، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]

стр. 205

قيل: علموا أن ذلك كائنٌ بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن (١)، قاله قتادة. وقال عبد اللَّه بن عمر، وكانت الجنُّ قبلَ آدمَ بألفيْ عامٍ، فسفكُوا الدِّماءَ، فبعثَ اللَّه إليهم جندًا من الملائكة فطردُوهم إلى جزائر البحور. وعن ابن عباس نحوه. وعن الحسن: أُلهموا ذلك. [وقيل: لما اطَّلعوا عليه من اللوح المحفوظ، فقيل: أطلعَهم عليه هاروتُ وماروتُ، عن مَلَكٍ فوقَهما يُقال له السِّجلُّ. رواه ابن أبي حاتم عن أبي جعفر الباقر] (٢). وقيل: لأنهم علموا أن الأرضَ لا يُخلق منها إلا من يكون بهذه المثابة غالبًا. ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] أي: نعبدُك دائمًا لا يعصيك منا أحد، فإن كان المرادُ بخلق هؤلاء أنْ يعبدُوك فها نحنُ لا نفترُ ليلًا ولا نهارًا. ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أي: أعلمُ من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون، أي: سيُوجد منهم الأنبياء والمرسلون والصِّدِّيقون والشهداء والصالحون. ثم بيَّن لهم شرفَ آدمَ عليهم في العلم، فقال ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] قال ابن عباس: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابَّة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وجمل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. وفي رواية: علَّمه اسم: الصَّحْفة، والقدر، حتى الفَسْوة والفُسيَّة. وقال مجاهد: علَّمه اسم كلِّ دابَّةٍ وكلِّ طير، وكل شيء. وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وغير واحد. وقال الربيع: علَّمه أسماء الملائكة. وقال عبد الرحمن بن زيد: علَّمه أسماءَ ذريَّته. والصحيح: أنه علَّمه أسماءَ الذوات وأفعالها، مُكبَّرها ومُصغَّرها، كما أشار إليه ابنُ عبَّاس ﵄. وذكر البخاريُّ هاهنا ما رواه هو ومسلم: من طريق سعيد وهشام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "يجتمعُ المؤمنون يومَ القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربِّنا حتى يُريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدمَ فيقولون: أنت أبو البشر، خلقكَ اللَّه بيده، وأسجدَ لكَ

стр. 206

ملائكته، وعلَّمك أسماءَ كلِّ شيء. . . . " (١) وذكرَ تمام الحديث. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] قال الحسن البصري: لما أراد اللَّه خلقَ آدمَ قالتِ الملائكةُ: لا يخلقُ ربُّنا خَلْقًا إلا كنَّا أعلم منه، فابتلوا بهذه. وذلك قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]. وقيل: غير ذلك، كما بسطناه في "التفسير" (٢). قالوا ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] أي: سبحانك أن يُحيطَ أحدٌ بشيء من علمك من غير تعليمكَ، كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] أي: أعلم السر كما أعلم العلانية. وقيل: إن المراد بقوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ ما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ وبقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ المراد بهذا الكلام إبليس، حين أسرَّ الكِبْرَ (٣) على آدم ﵇، قاله سعيدُ بن جُبير ومجاهد والسُّدِّي والضَّحَّاك والثوري، واختاره ابنُ جرير (٤). وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قولهم: لن يخلقَ ربُّنا خلقًا إلا كنا أعلم منه، وأكرم عليه منه. وقوله ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] هذا إكرامٌ عظيم من اللَّه تعالى لآدمَ، حين خلقَه بيده، ونفخَ فيه من روحه، كما قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فهذه أربع تشريفات: خَلْقهُ له بيده الكريمة، ونَفْخُه فيه من روحه، وأمْرُهُ ملائكتَه بالسجود له، وتعليمُه أسماءَ الأشياء. ولهذا قال له موسى الكليمُ حين اجتمعَ هو وإيَّاه في الملأ الأعلى وتناظرا، كما سيأتي: أنت آدم أبو البشر، الذي خلقكَ اللَّه بيده، ونفخَ فيك من رُوحه، وأسجدَ لكَ ملائكتَه، وعلَّمكَ أسماءَ كل شيء. وهكذا يقولُ أهلُ المحشر يومَ القيامة كما تقدَّم وكما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ

стр. 207

يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١ - ١٢]. قال الحسن البصري: قاسَ إبليسُ وهو أول من قاس. وقال محمد بن سيرين: أوَّلُ منْ قاسَ إبليسُ، وما عُبدت الشمسُ ولا القمرُ إلا بالمقاييس. رواهما ابن جرير (١). ومعنى هذا أنه نظرَ نفسَه بطريق المقايسة بينه وبين آدمَ، فرأى نفسه أشرفَ من آدمَ، فامتنعَ من السجود له، مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود. والقياسُ إذا كان مقابلًا للنَّص كان فاسدَ الاعتبار، ثم هو فاسدٌ في نفسه، فإنَّ الطينَ أنفعُ وخيرٌ من النَّار، فإنَّ الطينَ فيه الرَّزانةُ والحِلْمُ والأناةُ والنموُّ، والنَّارُ فيها الطَّيْشُ والخِفَّةُ والسُّرعةُ والإحراقُ. ثم آدمُ شرَّفه اللَّه بخَلْقِه له بيده، ونَفْخه فيه من روحِه، ولهذا أمرَ الملائكةَ بالسجود له، كما قال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٢٨ - ٣٥]. استحقَّ هذا من اللَّه تعالى، لأنه استلزمَ تنقَّصه لآدمَ وازدراؤهُ به، وترفُّعه عليه مخالفةَ الأمر الإلَهي، ومعاندةَ الحقِّ في النَّص على آدمَ على التَّعيين، وشرعَ في الاعتذار بما لا يُجدي شيئًا، وكان اعتذارُه أشدَّ من ذنبه، كما قال تعالى في سورة سبحان: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦١ - ٦٥] وقال في سورة الكهف: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أي: خرجَ عن طاعة اللَّه عَمْدًا وعِنادًا، واستكبارًا عن امتثال أمره، وما ذاكَ إلا لأنه خانه طَبْعه، ومادَّتُه الخبيثة أحوج ما كان إليها فإنَّه مخلوقٌ من نارٍ كما قال، وكما قدَّمنا في صحيح مسلم (٢): عن عائشةَ، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "خُلِقت الملائكةُ من نورٍ، وخُلِقَ الجَانُّ من مارجٍ من نار، وخُلِقَ آدمُ مما وُصِفَ لكم". قال الحسن البصري: لم يكن إبليسُ من الملائكة طَرْفة عين قط. وقال شهر بن حوشب: كان من الجنِّ، فلما أفسدوا في الأرض بعثَ اللَّه إليهم جندًا من الملائكة

стр. 208

فقتلوهم وأجلوهم إلى جزائر البحار، وكان إبليسُ ممن أُسِرَ، فأخذوه معهم إلى السماء فكانَ هناك، فلما أُمِرَتِ الملائكةُ بالسجود امتنعَ إبليسُ منه. وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيدُ بن المسيَّب وآخرون: كان إبليسُ رئيسَ الملائكة بالسماء الدنيا (١). قال ابنُ عبَّاس (٢): وكان اسمه عزازيل. وفي رواية: الحارث، قال النقَّاش: وكنيتُه "أبو كردوس" قال ابن عباس: وكان من حيٍّ من الملائكة يُقال له الجنُّ، وكانوا خُزَّان الجِنانِ، وكان من أشرفهم، ومن أكثرهم علمًا وعبادة، وكان من أولي الأجنحة الأربعة فمسخَه اللَّه شيطانًا رجيمًا. وقال في سورة ص: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٧١ - ٨٥]. وقال في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧] أي: بسبب إغوائك إيَّاي لأقعدنَّ لهم كل مَرْصد ولآتينَّهم من كلِّ جهة منهم، فالسعيدُ من خالفَه والشقيُّ من اتَّبعه. وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا هاشم بن القاسم، حدَّثنا أبو عقيل -هو عبدُ اللَّه بن عقيل الثقفيِّ- حدَّثنا موسى بن المسيَّب (٤)، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن سَبْرة بن أبي الفاكه، قال: سمعت رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "إنَّ الشيطانَ يقعدُ لابن آدمَ بأطرقهِ. . " وذكرَ الحديث كما قدَّمنا (٥) في صفة إبليس. وقد اختلفَ المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدمَ، أهم جميع الملائكة، كما دلَّ عليه عموم الآيات وهو قول الجمهور، أو المرادُ بهم ملائكةُ الأرض، كما رواه ابنُ جرير (٦): من طريقِ الضَّحاك،

стр. 209

عن ابن عبَّاس؟ وفيه انقطاعٌ، وفي السياق نكارةٌ، وإن كان بعضُ المتأخرين قد رجَّحه، ولكن الأظهر من السياقات الأولى، ويدل عليه الحديث: وأسجد له ملائكته، وهذا عموم أيضًا واللَّه أعلم. وقوله تعالى لإبليس ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٣] و ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨] دليلٌ على أنَّه كان في السماء، فأُمر بالهبوط منها، والخروج من المنزلة والمكانة التي كان قد نالها بعبادته، وتشبُّهه بالملائكة في الطاعة والعبادة، ثم سُلب ذلك بكبره وحسده ومخالفته لربه، فأُهبط إلى الأرض مذؤُوما (١) مدحورًا (٢). وأمرَ اللَّه آدمَ ﵇ أن يسكن هو وزوجه الجنَّة، فقال: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]. وقال في الأعراف: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٨ - ١٩] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٦ - ١١٩] وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلقَ حواء كان قبلَ دخول آدم إلى الجنَّة [لقوله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٣) [البقرة: ٣٥]]. وهذا قد صرَّح به إسحاقُ بن يَسار، وهو ظاهرُ هذه الآيات. ولكن حكى السُّدِّي: عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عبَّاس، وعن مُرَّة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة؛ أنهم قالوا: أُخرجَ إبليس من الجنَّة، وأسكنَ آدمُ الجنَّة، فكان يمشي فيها وحشيًّا ليس له فيها زوج يسكن إليها، فنامَ نومةً فاستيقظَ، وعند رأسه امرأةٌ قاعدةٌ، خلقَها اللَّه من ضِلْعه، فسألَها: منْ أنتِ؟ قالت: امرأةٌ. قال: ولمَ خُلقتِ؟ قالت: لتسكنَ إليَّ. فقالت له الملائكةُ ينظرونَ ما بلغَ من علمه: ما اسمُها يا آدمُ؟ قال: حوَّاء. قالوا: ولمَ كانتْ حوَّاء؟ قال: لأنها خُلِقتْ من شيءٍ حيّ (٤). وذكر محمد بن إسحاق: عن ابن عبَّاسِ: إنَّها خُلقتْ من ضِلْعه الأقصرِ الأيسرِ وهو نائمٌ، ولأمَ (٥) مكانَه لحمًا، ومصداق هذا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] الآية. وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا

стр. 210

زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٩] الآية. وسنتكلَّم عليها فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى. وفي الصحيحين (١): من حديث زائدةَ، عن مَيْسرة الأشجعيِّ، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "استوصُوا بالنساء خيرًا، فإنَّ المرأةَ خُلِقتْ من ضِلَعٍ، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضِّلعِ أعلاه، فإن ذهبتَ تُقيمه كسرتَه، وإن تركتَه لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا" لفظ البخاري. وقد اختلف المفسرون (٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] فقيل: هي الكَرْمُ، ورُوي عن ابن عبَّاس، وسعيد بن جُبَيْر، والشعبي، وجَعْدةَ بن هُبيرة، ومحمد بن قَيْس، والسُّدِّي، ورواه عن ابن عبَّاس، وابن مسعود، وناس من الصحابة، قال: وتزعمُ يهودُ أنَّها الحنطةُ، وهذا مرويٌّ عن ابن عبَّاس، والحسن البصري، ووهب بن منبِّه، وعطية العوفي، وأبي مالك، ومحارب بن دِثار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. قال وهب: والحبَّةُ (٣) منه ألينُ من الزبد وأحلى من العسل. وقال الثوريُّ: عن حُصَيْن، عن أبي مالك: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هي النَّخْلةُ (٤). وقال ابن جريج، عن مجاهد: هي التِّيْنةُ، وبه قال قتادةُ (٢). وقال أبو العالية: كانت شجرةً منْ أكلَ منها أحدثَ، ولا ينبغي في الجنَّة حدَثٌ (٥). وهذا الخلاف قريبٌ، وقد أبهمَ اللَّهُ ذِكرَها وتعيينَها، ولو كان في ذكرها مصلحةٌ تعودُ إلينا لعيَّنَها لنا، كما في غيرها من المَحالِّ التي تُبْهمُ في القرآن. وإنما الخلافُ الذي ذكروه في أنَّ هذه الجنَّة التي أُدْخِلها آدمُ؛ هل هي في السماء (٦) أو في الأرض؟ هو الخلاف الذي ينبغي فَصْلُه والخروج منه، والجمهورُ على أنها هي التي في السماء، وهي جنَّة المأوى؛ لظاهر الآيات والأحاديث، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] والألف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي، وإنما تعود على معهود ذِهْني، وهو المستقر شرعًا من جنَّة المأوى، وكقول موسى ﵇ لآدم ﵇ "علامَ أخرجْتنا ونفسكَ من

стр. 211

الجنة. . . . " (١) الحديث، كما سيأتي الكلام عليه. ورواه مسلم في صحيحه (٢): من حديث أبي مالك الأشجعيّ، -واسمه: سعدُ بن طارق- عن أبي حازم سلمةَ بن دينار، عن أبي هريرة. وأبو مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "يجمعُ اللَّه النَّاسَ، فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة، فيأتون آدمَ فيقولون: يا أبانا! استفتح لنا الجنَّة، فيقول: وهل أخرجَكم من الجنة إلَّا خطيئة أبيكم. . " وذكر الحديث بطوله. وهذا فيه قوة جيِّدة ظاهرة في الدلالة على أنها جنَّةَ المأوى، وليست تخلو عن نظر. وقال آخرون: بل الجنة التي أُسكنها آدمُ لم تكنْ جنَّةَ الخلد، لأنه كُلِّفَ فيها ألا يأكلَ من تلك الشجرة، ولأنه نامَ فيها وأُخرجَ منها، ودخلَ عليه إبليسُ فيها، وهذا مما يُنافي أن تكونَ جنَّة المأوى. وهذا القول محكيٌّ عن أُبيِّ بن كعب، وعبد اللَّه بن عبَّاس، ووهْبِ بن مُنَبِّه، وسفيان بن عُيَيْنة، واختارَه ابنُ قُتيبة في "المعارف" (٣) والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في "تفسيره" وأفرد له مصنفًا على حدة، وحكاه عن أبي حنيفة (٤) الإمام وأصحابِه، ﵏. ونقله أبو عبد اللَّه محمد بن عمر الرازي ابن خطيب الريّ في "تفسيره" (٥) عن أبي القاسم البَلْخي وأبي مُسلم الأصبهاني. ونقله القرطبيُّ في "تفسيره" (٦) عن المعتزلة والقدرية، وهذا القول هو نصُّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب. وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في "الملل والنحل" (٧) وأبو محمد بن عطيَّة في "تفسيره" (٨) وأبو عيسى الرُّمَّاني في "تفسيره". وحكى عن الجمهور الأوَّل، وأبو القاسم الراغب، والقاضي الماوردي في "تفسيره" فقال: واختُلف في الجنة التي أسكناها، يعني آدم وحواء على قولين. أحدُهما: أنَّه (٩) جنَّةُ الخلد. الثاني: أنَّه جنَّة أعدها اللَّه لهما وجعلَها دار ابتلاءٍ، وليست جنَّة الخلد التى جعلَها دار جزاء.

стр. 212

ومن قال بهذا اختلفوا على قولين: أحدُهما: أنها في السماء، لأنه أهبطهما منها، وهذا قول الحسن. والثاني: أنها في الأرض، لأنه امتحنَهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نُهيا عنها دون غيرها من الثمار. وهذا قول ابن يحيى، وكان ذلك بعد أن أُمر إبليسُ بالسجود لآدم، واللَّه أعلم بصواب (١) ذلك. هذا كلامه. فقد تضمَّن كلامُه حكايةَ ثلاثةِ أقوالٍ، وأشعرَ كلامُه أنَّه متوقف في المسألة. ولهذا حكى أبو عبد اللَّه الرازي في "تفسيره" (٢) في هذه المسألة أربعةَ أقوال، هذه الثلاثة التي أوردَها الماوردي. ورابعُها: الوقف. وحكى القولَ بأنها في السماء، وليست جنَّة المأوى عن أبي علي الجُبَّائي. وقد أوردَ أصحابُ القول الثاني سؤالًا يحتاج مثلُه إلى جواب، فقالوا: لا شكَّ أنَّ اللَّه طردَ إبليسَ حين امتنع من السجود عن (٣) الحضرة الإلهية، وأمره بالخروج عنها، والهبوط منها، وهذا الأمرُ ليس من الأوامر الشرعية بحيثُ يُمكن مخالفتُه، وإنما هو أمر قدَريٌّ لا يُخالفُ ولا يُمانَعُ، ولهذا قال: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] وقال: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣] وقال: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [ص: ٧٧] والضميرُ عائدٌ إلى الجنة أو السماء أو المنزلة، وأيًّا ما كان فمعلومٌ أنه ليس له الكونُ قدرًا في المكان الذي طُرد عنه وأُبعد منه، لا على سبيل الاستقرار ولا على سبيل المرور والاجتياز. قالوا: ومعلومٌ من ظاهر سياقاتِ القرآن أنَّه وسوسَ لآدمَ وخاطبَه بقوله له: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] وبقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٠ - ٢٣] الآية. وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنَّتهما. وقد أُجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمعَ بهما في الجنَّة على سبيل المرور فيها، لا على سبيل الاستقرار بها، أو أنَّه وسوسَ لهما وهو على باب الجنة أو من تحت السماء. وفي الثلاثة نظر، واللَّه أعلم. ومما احتجَّ به أصحابُ هذه المقالة: ما رواه عبدُ اللَّه بن الإمام أحمد في الزيادات، عن هُدبة بن خالد، عن حمَّاد بن سلمةَ، عن حُميد، عن الحسن البصريّ، عن عُتَيّ بن ضَمْرة السعديّ، عن أُبيّ بن كعب، قال: إنَّ آدمَ لما احتُضرَ اشتهى قِطْفًا من عِنَب الجنَّة، فانطلقَ بنوه ليطلبوه له، فلقيتْهم الملائكةُ، فقالوا: أينَ تُريدونَ يا بني آدمَ؟! فقالوا: إنَّ أبانا اشتهى قِطْفًا من عِنَبِ الجنَّة. فقالوا لهم: ارجعوا فقد

стр. 213

كُفيتمُوه. فانتهوا إليه فقَبضُوا روحَه، وغسَّلوه وحنَّطوه وكفَّنوه،، وصلَّى عليه جبريلُ ومنْ خلفَه من الملائكة، ودفنوه. وقالوا: هذه سُنَّتكم في موتاكم. وسيأتي الحديث بسنده، وتمام لفظه عند ذكر وفاة آدم ﵇. قالوا: فلولا أنَّه كان الوصولُ إلى الجنَّة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القِطْفَ ممكنًا لما ذهبوا يطلبونَ ذلك، فدلَّ على أنها في الأرض لا في السماء، واللَّه تعالى أعلم. قالوا: والاحتجاجُ بأنَّ الألفَ واللام في قوله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩] لم يتقدَّم عهد يعود عليه، فهو المعهود الذهني مُسلَّم، ولكن هو ما دلَّ عليه سياق الكلام، فإن آدمَ خُلِقَ من الأرض، ولم يُنقل أنه رُفِعَ إلى السماء، وخُلقَ ليكونَ في الأرض، وبهذا أعلمَ الربُّ، حيث قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. قالوا: وهذا كقوله تعالى: ﴿بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] فالألفُ واللام ليس للعموم ولم يتقدَّم معهودٌ لفظيٌّ، وإنما هي للمعهود الذهني الذي دلَّ عليه السياق، وهو البستان. قالوا: وذِكرُ الهبوط لا يدلُّ على النزول من السماء، قال اللَّه تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] الآية. وإنما كانَ في السفينة (١) حين استقرت على الجوديِّ، ونضبَ الماءُ عن وجه الأرضِ، أُمرَ أن يهبطَ إليها هو ومن معه، مباركًا عليه وعليهم، وقال اللَّه تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] الآية وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٤] الآية. وفي الأحاديث واللغة من هذا كثير. قالوا: ولا مانعَ -بل هو الواقع- أن الجنَّة التي أُسكنها آدمُ كانت مرتفعةً على سائر بقاع الأرض، ذات أشجار وثمار وظلال ونعيم ونُضْرة وسرور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] أي: لا يذلُّ باطنُكَ بالجوع، ولا ظاهرُك بالعُرْي: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] أي: لا يمسُّ باطنُكَ حرُّ الظمأ ولا ظاهرك حرُّ الشمس. ولهذا قرنَ بين هذا وهذا، وبين هذا وهذا؛ لما بينهما من المقابلة (٢). فلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة التي نُهي عنها؛ أُهبط إلى أرض الشقاء والتعب والنَّصب والكدُ (٣) والسعي والنَّكد والابتلاء والاختبار والامتحان، واختلاف السكان دِينًا وأخلاقًا وأعمالًا

стр. 214

وقصودًا (١) وإراداتٍ وأقوالًا وأفعالًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] ولا يلزمُ من هذا أنهم كانوا في السماء، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ومعلومٌ أنهم كانوا فيها ولم يكونوا في السماء. قالوا: وليس هذا القولُ مُفرَّعًا على قول من يُنكر وجود الجنَّة والنَّار اليوم، ولا تلازم بينهما، فكلَّ منْ حُكي عنه هذا القول من السلف وأكثر الخلف، ممن يُثبتُ وجودَ الجنَّة والنَّار اليومَ، كما دلَّتْ عليه الآياتُ والأحاديثُ الصِّحاحُ، كما سيأتي إيرادُها في موضعها، واللَّه أعلمُ بالصواب. وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] أي: عن الجنة ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦] أي: من النعيم والنضرة والسرور إلى دار التعب والكد والتنكد، وذلك بما وسوس لهما وزيَّنه في صدورهما، كما قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] يقول: ما نهاكُما عن أكل هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلَكين أو تكونا من الخالدين، أي: لو أكلتُما منها لصرتُما كذلك. ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢١] أي: حلف لهما على ذلك ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] أي: هل أدلُّك على الشجرة التي إذا أكلتَ منها حصلَ لك الخلدُ فيما أنت فيه من النعيم، واستمرَّ (٢) لك مُلْكٌ لا يبيدُ ولا يَنقضي، وهذا من التغرير والتزوير، والإخبار بخلاف الواقع. والمقصودُ أنَّ قوله شجرة الخلد التي إذا أكلتَ منها خُلِّدْتَ، وقد تكونُ هي الشجرةُ التي قالَ الإمامُ أحمد (٣): حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مَهْدي، حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي الضَّحَّاك، سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن في الجنة شجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مئةَ عام لا يقطعها، شجرةُ الخلد". وكذا رواه (٤) أيضًا: عن غندر وحجَّاج، عن شعبة. ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٥) عن شعبة أيضًا به. قال غُنْدر (٦): قلت لشعبةَ: هي شجرةُ الخلد؟ رواه (٧): ليس فيها "هي". تفرَّد

стр. 215

به الإمامُ أحمد. وقوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] كما قالَ في "طه": ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [طه: ١٢١] وكانت حواء أكلتْ من الشجرة قبل آدمَ، وهي التي حدَتْه (١) على أكلها، واللَّه أعلم. وعليه يُحمل الحديث الذي رواه البخاري: حدَّثنا بشر بن محمد، حدَّثنا عبدُ اللَّه، أنبأنا مَعْمر، عن همَّامِ بن مُنبّه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ نحوَه: "لولا بنو إسرائيل لم يَخْنزِ اللَّحمُ، ولولا حَوَّاءُ لم تخُنْ أنثى زوجَها" (٢). تفرد به من هذا الوجه. وأخرجاه في الصحيحين (٣): من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام، عن أبي هريرة به. ورواه أحمد ومسلم (٤): عن هارون بن معروف، عن أبي وهب، عن عمرو بن حارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة به. وفي كتاب التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب أن الذي دلَّ حوَّاءَ على الأكل من الشجرة هي الحيَّةُ، وكانت من أحسن الأشكال وأعظمها، فأكلتْ حوَّاءُ عن قولها، وأطعمتْ آدمَ ﵇، وليس فيها ذكر لإبليس، فعند ذلك انفتحتْ أعينُهما، وعلما أنَّهما عُريانان، فوصلا من ورق التين، وعملا مآزرَ، وفيها أنَّهما كانا عُرْيانين. وكذا قال وَهْبُ بن منبِّهْ: كان لباسُهما نورًا على فرجه وفرجها. وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلطٌ منهم وتحريفٌ، وخطأ في التعريب، فإن نقل الكلام من لغة إلى لغة لا يكادُ يتيسَّر لكلِّ أحد، ولا سيما ممن لا يعرفُ كلامَ العرب جيدًا، ولا يُحيط علمًا بفهم كتابه أيضًا، فلهذا وقعَ في تعريبهم لها (٥) خطأ كثير لفظًا ومعنى، وقد دل القرآن العظيم على أنه كان عليهما لباس في قوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] فهذا لا يُردُّ لغيره من الكلام، واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدَّثنا عليّ بن عاصم، عن سعيد بن
следующие страницы →