← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الجنة. . . . " (١) الحديث، كما سيأتي الكلام عليه. ورواه مسلم في صحيحه (٢): من حديث أبي مالك الأشجعيّ، -واسمه: سعدُ بن طارق- عن أبي حازم سلمةَ بن دينار، عن أبي هريرة. وأبو مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "يجمعُ اللَّه النَّاسَ، فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة، فيأتون آدمَ فيقولون: يا أبانا! استفتح لنا الجنَّة، فيقول: وهل أخرجَكم من الجنة إلَّا خطيئة أبيكم. . " وذكر الحديث بطوله. وهذا فيه قوة جيِّدة ظاهرة في الدلالة على أنها جنَّةَ المأوى، وليست تخلو عن نظر. وقال آخرون: بل الجنة التي أُسكنها آدمُ لم تكنْ جنَّةَ الخلد، لأنه كُلِّفَ فيها ألا يأكلَ من تلك الشجرة، ولأنه نامَ فيها وأُخرجَ منها، ودخلَ عليه إبليسُ فيها، وهذا مما يُنافي أن تكونَ جنَّة المأوى. وهذا القول محكيٌّ عن أُبيِّ بن كعب، وعبد اللَّه بن عبَّاس، ووهْبِ بن مُنَبِّه، وسفيان بن عُيَيْنة، واختارَه ابنُ قُتيبة في "المعارف" (٣) والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في "تفسيره" وأفرد له مصنفًا على حدة، وحكاه عن أبي حنيفة (٤) الإمام وأصحابِه، ﵏. ونقله أبو عبد اللَّه محمد بن عمر الرازي ابن خطيب الريّ في "تفسيره" (٥) عن أبي القاسم البَلْخي وأبي مُسلم الأصبهاني. ونقله القرطبيُّ في "تفسيره" (٦) عن المعتزلة والقدرية، وهذا القول هو نصُّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب. وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في "الملل والنحل" (٧) وأبو محمد بن عطيَّة في "تفسيره" (٨) وأبو عيسى الرُّمَّاني في "تفسيره". وحكى عن الجمهور الأوَّل، وأبو القاسم الراغب، والقاضي الماوردي في "تفسيره" فقال: واختُلف في الجنة التي أسكناها، يعني آدم وحواء على قولين. أحدُهما: أنَّه (٩) جنَّةُ الخلد. الثاني: أنَّه جنَّة أعدها اللَّه لهما وجعلَها دار ابتلاءٍ، وليست جنَّة الخلد التى جعلَها دار جزاء.

стр. 212

ومن قال بهذا اختلفوا على قولين: أحدُهما: أنها في السماء، لأنه أهبطهما منها، وهذا قول الحسن. والثاني: أنها في الأرض، لأنه امتحنَهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نُهيا عنها دون غيرها من الثمار. وهذا قول ابن يحيى، وكان ذلك بعد أن أُمر إبليسُ بالسجود لآدم، واللَّه أعلم بصواب (١) ذلك. هذا كلامه. فقد تضمَّن كلامُه حكايةَ ثلاثةِ أقوالٍ، وأشعرَ كلامُه أنَّه متوقف في المسألة. ولهذا حكى أبو عبد اللَّه الرازي في "تفسيره" (٢) في هذه المسألة أربعةَ أقوال، هذه الثلاثة التي أوردَها الماوردي. ورابعُها: الوقف. وحكى القولَ بأنها في السماء، وليست جنَّة المأوى عن أبي علي الجُبَّائي. وقد أوردَ أصحابُ القول الثاني سؤالًا يحتاج مثلُه إلى جواب، فقالوا: لا شكَّ أنَّ اللَّه طردَ إبليسَ حين امتنع من السجود عن (٣) الحضرة الإلهية، وأمره بالخروج عنها، والهبوط منها، وهذا الأمرُ ليس من الأوامر الشرعية بحيثُ يُمكن مخالفتُه، وإنما هو أمر قدَريٌّ لا يُخالفُ ولا يُمانَعُ، ولهذا قال: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] وقال: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣] وقال: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [ص: ٧٧] والضميرُ عائدٌ إلى الجنة أو السماء أو المنزلة، وأيًّا ما كان فمعلومٌ أنه ليس له الكونُ قدرًا في المكان الذي طُرد عنه وأُبعد منه، لا على سبيل الاستقرار ولا على سبيل المرور والاجتياز. قالوا: ومعلومٌ من ظاهر سياقاتِ القرآن أنَّه وسوسَ لآدمَ وخاطبَه بقوله له: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] وبقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٠ - ٢٣] الآية. وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنَّتهما. وقد أُجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمعَ بهما في الجنَّة على سبيل المرور فيها، لا على سبيل الاستقرار بها، أو أنَّه وسوسَ لهما وهو على باب الجنة أو من تحت السماء. وفي الثلاثة نظر، واللَّه أعلم. ومما احتجَّ به أصحابُ هذه المقالة: ما رواه عبدُ اللَّه بن الإمام أحمد في الزيادات، عن هُدبة بن خالد، عن حمَّاد بن سلمةَ، عن حُميد، عن الحسن البصريّ، عن عُتَيّ بن ضَمْرة السعديّ، عن أُبيّ بن كعب، قال: إنَّ آدمَ لما احتُضرَ اشتهى قِطْفًا من عِنَب الجنَّة، فانطلقَ بنوه ليطلبوه له، فلقيتْهم الملائكةُ، فقالوا: أينَ تُريدونَ يا بني آدمَ؟! فقالوا: إنَّ أبانا اشتهى قِطْفًا من عِنَبِ الجنَّة. فقالوا لهم: ارجعوا فقد

стр. 213

كُفيتمُوه. فانتهوا إليه فقَبضُوا روحَه، وغسَّلوه وحنَّطوه وكفَّنوه،، وصلَّى عليه جبريلُ ومنْ خلفَه من الملائكة، ودفنوه. وقالوا: هذه سُنَّتكم في موتاكم. وسيأتي الحديث بسنده، وتمام لفظه عند ذكر وفاة آدم ﵇. قالوا: فلولا أنَّه كان الوصولُ إلى الجنَّة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القِطْفَ ممكنًا لما ذهبوا يطلبونَ ذلك، فدلَّ على أنها في الأرض لا في السماء، واللَّه تعالى أعلم. قالوا: والاحتجاجُ بأنَّ الألفَ واللام في قوله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩] لم يتقدَّم عهد يعود عليه، فهو المعهود الذهني مُسلَّم، ولكن هو ما دلَّ عليه سياق الكلام، فإن آدمَ خُلِقَ من الأرض، ولم يُنقل أنه رُفِعَ إلى السماء، وخُلقَ ليكونَ في الأرض، وبهذا أعلمَ الربُّ، حيث قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. قالوا: وهذا كقوله تعالى: ﴿بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] فالألفُ واللام ليس للعموم ولم يتقدَّم معهودٌ لفظيٌّ، وإنما هي للمعهود الذهني الذي دلَّ عليه السياق، وهو البستان. قالوا: وذِكرُ الهبوط لا يدلُّ على النزول من السماء، قال اللَّه تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] الآية. وإنما كانَ في السفينة (١) حين استقرت على الجوديِّ، ونضبَ الماءُ عن وجه الأرضِ، أُمرَ أن يهبطَ إليها هو ومن معه، مباركًا عليه وعليهم، وقال اللَّه تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] الآية وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٤] الآية. وفي الأحاديث واللغة من هذا كثير. قالوا: ولا مانعَ -بل هو الواقع- أن الجنَّة التي أُسكنها آدمُ كانت مرتفعةً على سائر بقاع الأرض، ذات أشجار وثمار وظلال ونعيم ونُضْرة وسرور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] أي: لا يذلُّ باطنُكَ بالجوع، ولا ظاهرُك بالعُرْي: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] أي: لا يمسُّ باطنُكَ حرُّ الظمأ ولا ظاهرك حرُّ الشمس. ولهذا قرنَ بين هذا وهذا، وبين هذا وهذا؛ لما بينهما من المقابلة (٢). فلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة التي نُهي عنها؛ أُهبط إلى أرض الشقاء والتعب والنَّصب والكدُ (٣) والسعي والنَّكد والابتلاء والاختبار والامتحان، واختلاف السكان دِينًا وأخلاقًا وأعمالًا

стр. 214

وقصودًا (١) وإراداتٍ وأقوالًا وأفعالًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] ولا يلزمُ من هذا أنهم كانوا في السماء، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤] ومعلومٌ أنهم كانوا فيها ولم يكونوا في السماء. قالوا: وليس هذا القولُ مُفرَّعًا على قول من يُنكر وجود الجنَّة والنَّار اليوم، ولا تلازم بينهما، فكلَّ منْ حُكي عنه هذا القول من السلف وأكثر الخلف، ممن يُثبتُ وجودَ الجنَّة والنَّار اليومَ، كما دلَّتْ عليه الآياتُ والأحاديثُ الصِّحاحُ، كما سيأتي إيرادُها في موضعها، واللَّه أعلمُ بالصواب. وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] أي: عن الجنة ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦] أي: من النعيم والنضرة والسرور إلى دار التعب والكد والتنكد، وذلك بما وسوس لهما وزيَّنه في صدورهما، كما قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] يقول: ما نهاكُما عن أكل هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلَكين أو تكونا من الخالدين، أي: لو أكلتُما منها لصرتُما كذلك. ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢١] أي: حلف لهما على ذلك ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] أي: هل أدلُّك على الشجرة التي إذا أكلتَ منها حصلَ لك الخلدُ فيما أنت فيه من النعيم، واستمرَّ (٢) لك مُلْكٌ لا يبيدُ ولا يَنقضي، وهذا من التغرير والتزوير، والإخبار بخلاف الواقع. والمقصودُ أنَّ قوله شجرة الخلد التي إذا أكلتَ منها خُلِّدْتَ، وقد تكونُ هي الشجرةُ التي قالَ الإمامُ أحمد (٣): حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مَهْدي، حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي الضَّحَّاك، سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن في الجنة شجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مئةَ عام لا يقطعها، شجرةُ الخلد". وكذا رواه (٤) أيضًا: عن غندر وحجَّاج، عن شعبة. ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٥) عن شعبة أيضًا به. قال غُنْدر (٦): قلت لشعبةَ: هي شجرةُ الخلد؟ رواه (٧): ليس فيها "هي". تفرَّد

стр. 215

به الإمامُ أحمد. وقوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] كما قالَ في "طه": ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [طه: ١٢١] وكانت حواء أكلتْ من الشجرة قبل آدمَ، وهي التي حدَتْه (١) على أكلها، واللَّه أعلم. وعليه يُحمل الحديث الذي رواه البخاري: حدَّثنا بشر بن محمد، حدَّثنا عبدُ اللَّه، أنبأنا مَعْمر، عن همَّامِ بن مُنبّه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ نحوَه: "لولا بنو إسرائيل لم يَخْنزِ اللَّحمُ، ولولا حَوَّاءُ لم تخُنْ أنثى زوجَها" (٢). تفرد به من هذا الوجه. وأخرجاه في الصحيحين (٣): من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام، عن أبي هريرة به. ورواه أحمد ومسلم (٤): عن هارون بن معروف، عن أبي وهب، عن عمرو بن حارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة به. وفي كتاب التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب أن الذي دلَّ حوَّاءَ على الأكل من الشجرة هي الحيَّةُ، وكانت من أحسن الأشكال وأعظمها، فأكلتْ حوَّاءُ عن قولها، وأطعمتْ آدمَ ﵇، وليس فيها ذكر لإبليس، فعند ذلك انفتحتْ أعينُهما، وعلما أنَّهما عُريانان، فوصلا من ورق التين، وعملا مآزرَ، وفيها أنَّهما كانا عُرْيانين. وكذا قال وَهْبُ بن منبِّهْ: كان لباسُهما نورًا على فرجه وفرجها. وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلطٌ منهم وتحريفٌ، وخطأ في التعريب، فإن نقل الكلام من لغة إلى لغة لا يكادُ يتيسَّر لكلِّ أحد، ولا سيما ممن لا يعرفُ كلامَ العرب جيدًا، ولا يُحيط علمًا بفهم كتابه أيضًا، فلهذا وقعَ في تعريبهم لها (٥) خطأ كثير لفظًا ومعنى، وقد دل القرآن العظيم على أنه كان عليهما لباس في قوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] فهذا لا يُردُّ لغيره من الكلام، واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدَّثنا عليّ بن عاصم، عن سعيد بن

стр. 216

أبي عَرُوبة، عن قتادةَ، عن الحسن، عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه خلقَ آدمَ رجلًا طوالًا، كثيرَ شعر الرأس، كأنَّه نخلةٌ سحُوق، فلما ذاقَ الشجرةَ سقطَ عنه لباسه، فأوَّلُ ما بدا منه عورته، فلما نظرَ إلى عورتِه جعلَ يشتدُّ في الجنة، فأخذتْ شعرَه شجرةٌ فنازعَها، فناداه الرحمنُ : يا آدم! منيِّ تفرُّ. فلما سمعَ كلامَ الرحمن، قال: يا ربِّ لا! ولكن استحياءً" (١). وقال الثوري: عن ابن أبي ليلى، عن المِنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] قال: ورق التين (٢). وهذا إسناد صحيح إليه، وكأنَّه مأخوذ من أهل الكتاب، وظاهر الآية يقتضي أعمَّ من ذلك، وبتقدير تسليمه فلا يضرُّ، واللَّه تعالى أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر: من طريق محمَّد بن إسحاق، عن الحَسن بن ذَكْوان، عن الحسن البَصْريِّ، عن أُبيِّ بن كعب، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ أباكم آدمَ كان كالنخلة السَّحوق ستين ذراعًا، كثيرَ الشعر، مُوارى العورة، فلما أصابَ الخطيئةَ في الجنَّة بدتْ له سوآتُه، فخرجَ من الجنَّة، فلقيتهُ شجرةٌ فأخذتْ بناصيتهِ، فناداه ربُّه: أفرارًا مني يا آدمُ؟ قال: بل حياءً منكَ واللَّه يا ربِّ مما جئتُ به" (٣). ثم رواه من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عُتيِّ بن ضَمْرة، عن أُبيِّ بن كعب، عن النبي ﷺ ، بنحوه وهذا أصحُّ، فإن الحسنَ لم يُدرك أبيًّا. ثم أوردَه أيضًا: من طريق خيثمةَ بن سُليمان الإطرابلسي، عن محمد بن عبد الوهاب أبي قِرْصافةَ العسقلاني، عن آدمَ بن أبي إياس، عن شيبانَ، عن قتادةَ، عن أنس مرفوعًا بنحوه (٤). ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٢ - ٢٣] وهذا اعترافٌ ورجوعٌ إلى الإنابة، وتدْلُّلٌ وخضوعٌ واستكانةٌ، وافتقارٌ إليه تعالى في الساعة الراهنة، وهذا السِّرُّ ما سرَى في أحد من ذريَّته إلا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأخراه. ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] وهذا خطابٌ لآدمَ وحوَّاءَ وإبليسَ، قيل: والحيَّة معهم، أُمروا أن يَهبطوا من الجنَّة في حال كونهم متعادينَ متحاربينَ. وقد يُستشهد لذكر الحيَّة معهما، بما ثبت في الحديث عن رسول اللَّه ﷺ : أنه أمر بقتل الحيَّات،

стр. 217

وقال: "ما سالَمْناهُنَّ منذُ حارَبْناهنَّ" (١). وقوله في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣] هو أمرٌ لآدم وإبليس، واستتبع آدمُ حوَّاءَ، وإبليسُ الحيَّة، وقيل: هو أمرٌ لهم بصيغة التثنية، كما في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. والصحيح أن هذا لما كان الحاكمُ لا يحكم إلا بينَ اثنين مُدَّعٍ ومُدَّعى عليه، وقال: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. وأما تكريرُه الإهباط في سورة البقرة في قوله: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٦ - ٣٩] فقال بعض المفسرين: المرادُ بالإهباط الأوَّل الهبوطُ من الجنَّة إلى السماء الدنيا، وبالثاني من السماء الدنيا إلى الأرض. وهذا ضعيفٌ، لقوله في الأول ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] فدلَّ على أنهم أهبطوا إلى الأرض بالإهباط الأوَّل، واللَّه أعلم. والصحيحُ أنه كرَّره لفظًا وإن كان واحدًا، وناط مع كل مرة حُكمًا، فناطَ بالأوَّل عداوتهم فيما بينهم، وبالثاني الاشتراط عليهم: أنَّ منْ تبعَ هُداه الذي يُنزِّله عليهم بعد ذلك فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقيّ، وهذا الأسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الحكيم. وروى الحافظ ابن عساكر: عن مجاهد، قال: أمرَ اللَّه مَلَكين أن يُخرجا آدمَ وحوَّاءَ من جِواره، فنزعَ جبريلُ التَّاجَ عن رأسهِ، وحلَّ ميكائيلُ الإكليلَ عن جبينه، وتعلَّق به غصنٌ، فظنَّ آدمُ أنه قد عُوجلَ بالعقوبة، فنكَّسَ رأسَه يقولُ: العفوَ العفوَ، فقال اللَّه: أفرارًا مني؟ قال: بل حياءً منك يا سيدي (٢)! وقال الأوزاعي: عن حسان -هو ابن عطيَّة- مكثَ آدمُ في الجنَّة مئةَ عام، وفي روايةٍ ستين عامًا، وبكى على الجنَّة سبعينَ عامًا، وعلى خطيئته سبعينَ عامًا، وعلى ولده حينَ قُتِلَ أربعين عامًا (٣). رواه ابن عساكر. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو زُرْعَةَ، حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا جرير، عن سعيد، عن ابن عبَّاس قال: أُهبطَ آدمُ ﵇ إلى أرض يُقالُ له دَحْنا بين مكَّة والطائف (٤).

стр. 218

وعن الحسن قال: أهبط آدمُ بالهند، وحوَّاء بجدة، وإبليس بدست مَيْسان من البصرة على أميال، وأهبطت الحيَّة بأصبهان (١). رواه ابن أبي حاتم أيضًا. وقال السدي: نزلَ آدمُ بالهند، ونزل معه بالحجر الأسود، وبقبضةٍ من ورق الجنة، فبثَّه في الهند، فنبتتْ شجرةُ الطِّيب هناك (٢). وعن ابن عمر قال: أهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة. رواه ابن أبي حاتم أيضًا. وقال عبد الرزاق: قال معمر: أخبرني عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعري، قال: إن اللَّه حينَ أهبط آدمَ من الجنَّة إلى الأرض علَّمه صنعةَ كلِّ شيءٍ، وزوَّدهَ من ثمار الجنَّة، فثمارُكم هذه من ثمار الجنَّة، غير أن هذه تتغيرُ وتلك لا تتغير (٣). وقال الحاكم في "مستدركه" (٤): أنبأنا أبو بكر بن بالويه، عن محمد بن أحمد بن النضر، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عمَّار بن أبي معاوية البَجليّ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: ما أُسكنَ آدمُ الجنَّة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرِّجاه. وفي صحيح مسلم (٥): من حديث الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خيرُ يومٍ طلعتْ فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلقَ آدمُ، وفيه أُدخلَ الجنَّة، وفيه أخرج منها". وفي الصحيح من وجه آخر "وفيه تقوم الساعة" (٦). وقال أحمد (٧): حدَّثنا محمد بن مصعب، حدَّثنا الأوزاعي، عن أبي عمَّار، عن عبد اللَّه بن فَرُّوخ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "خيرُ يومٍ طلعتْ فيه الشمسُ يومُ الجمعة، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه أدخلَ الجنَّة، وفيه أخرجَ منها، وفيه تقومُ السَّاعةُ" على شرط مسلم. فأما الحديث الذي رواه ابن عساكر: من طريق أبي القاسم البَغَوي، حدَّثنا محمد بن جعفر الوركاني، حدَّثنا سعيد بن ميسرة، عن أنس؛ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "هبطَ آدم وحواء عُريانين جميعًا، عليهما ورق الجنَّة، فأصابه الحرُّ حتى قعد يبكي ويقولُ لها: يا حوَّاء! قد آذاني الحرُّ، قال:

стр. 219

فجاءه جبريلُ بقُطنٍ، وأمرَها أنْ تغزلَ، وعلَّمها، وأمرَ آدمَ بالحياكة، وعلَّمه أن ينسجَ. قال: وكان آدمُ لم يُجامع امرأتَه في الجنَّة حتى هبطَ منها، للخطيئة التي أصابتهما بأكلهما من الشجرة. قال: وكان كلُّ واحد منهما ينامُ على حدَةٍ، ينامُ أحدُهما في البطحاء والآخر من ناحية أخرى، حتى أتاه جبريلُ فأمرَه أن يأتيَ أهله. قال: وعلَّمه كيف يأتيها، فكلما أتاها جاءه جبريلُ، فقال؛ كيف وجدتَ امرأتكَ؟ قال: صالحة" (١) فإنه حديث غريبٌ، ورفعُه منكرٌ جدًا، وقد يكون من كلام بعض السلف، وسعيدُ بن مَيْسَرة هذا، هو أبو عمران البَكْري البَصْري، قال فيه البخاري (٢): منكر الحديث، وقال ابن حِبَّان (٣): يروي الموضوعات. وقال ابن عديّ (٤): مظلم الأمر. وقوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] قيل: هي قوله ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. رُوي هذا عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب، وخالد بن مَعْدان، وعطاء الخُراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٥). وقال ابنُ أبي حاتم: حدَّثنا عليُّ بن الحسين بن إشكاب، حدَّثنا عليُّ بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أُبيِّ بن كعب، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قالَ آدمُ ﵇: أرأيتَ يا ربِّ إن تبتُ وراجعتُ، أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم" (٦) فذلك قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. وهذا غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع. وقال ابن أبي نَجيح: عن مجاهد، قال: الكلمات "اللهم لا إله إلا أنت سبحانَكَ وبحمدكَ، ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفرْ لي إنك خير الغافرين. اللَّهُمَّ لا إله إلا أنت سبحانكَ وبحمدك، ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفرْ لي إنك خيرُ الراحمين. اللَّهُمَّ لا إلهَ إلا أنتَ سبحانَكَ وبحمدكَ، ربِّ إني ظلمتُ نفسي فتبْ عليّ إنَّك أنت التَّواب الرحيم" (٧).

стр. 220

وروى الحاكم في "مستدركه" (١): من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] قال: قال آدم: يا ربِّ! ألم تَخْلُقني بيدكَ؟ قيل له: بلى. ونفختَ فيَّ من روحكَ؟ قيل له: بلى. وعطستَ، فقلتَ: يرحمُك اللَّه، وسبقتْ رحمتك غضبَكَ؟ قيل له: بلى. وكتبتَ عليَّ أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى. قال: أفرأيتَ إن تبتُ، أفراجعي إلى الجنة؟. قال: نعم. ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يُخرِّجاه. وروى الحاكم أيضًا، والبيهقيُّ، وابن عساكر، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما اقترفَ آدمُ الخطيئةَ قال: يا ربِّ أسألُكَ بحق محمَّد أن غفرتَ لي. فقال اللَّه: فكيفَ عرفتَ محمَّدًا ولم أخْلُقْه بعدُ؟ فقال: يا ربِّ لأنك لما خلقتني بيدكَ، ونفختَ فيَّ من روحكَ، رفعتُ رأسي فرأيتُ على قوائمِ العرش مكتوبًا لا إله إلا اللَّه محمَّدٌ رسولُ اللَّه. فعلمت أنَّك لم تُضِفْ إلى اسمكَ إلا أحبَّ الخلق إليكَ. فقال اللَّه: صدقتَ يا آدمُ! إنَّه لأحبُّ الخلق إليّ، وإذ سألتني بحقِّه فقد غفرتُ لكَ، ولولا محمَّدٌ ما خلقتُك" (٢). قال البيهقي: تفرَّد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه، وهو ضعيف، واللَّه أعلم. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢]. * * * ذكرُ احتجاج آدمَ وموسى ﵉ قال البخاري (٣): حدثنا قتيبة، حدَّثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "حاجَّ موسى آدمَ ﵉، فقال له: أنتَ الذي أخرجتَ النَّاس بذنبكَ من الجنَّة وأشقيتهم. قال آدم: يا موسى! أنت الذي اصطفاكَ اللَّه برسالاته وبكلامِه، أتلُومني على أمر قد كتبَه اللَّه عليّ قبل أن يَخْلُقني أو قدَّره عليّ قبل أن يخلقَني؟ قال رسولُ اللَّه ﷺ : فحجَّ آدمُ موسى".

стр. 221

وقد رواه مسلم (١): عن عمرو الناقد، والنسائي (٢) عن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد، عن أيوب بن النجار، به. قال أبو مسعود الدمشقي (٣): ولم يُخرِّجا عنه في الصحيحين سواه. وقد رواه أحمد (٤) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة. وقد رواه مسلم (٥) عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، به. وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا أبو كامل، حدَّثنا إبراهيمُ، حدَّثنا ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "احتجَّ آدمُ وموسى، فقال له موسى: أنتَ آدمُ الذي أخرجتْكَ خطيئتُكَ من الجنَّة؟ فقال له آدم: وأنتَ موسى الذي اصطفاكَ اللَّه برسالاتِه وبكلامِه، تلومُني على أمر قُدِّر عليَّ قبل أن أخلقَ؟ قال رسول اللَّه ﷺ : فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى". مرتين. قلت: وقد روى هذا الحديثَ البخاريُّ ومسلم (٧) من حديث الزهري، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه. وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا معاويةُ بن عمرو، حدَّثنا زائدةُ، عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "احتجَّ آدمُ وموسى، فقال موسى: يا آدم! أنت الذي خلقكَ اللَّه بيده ونفخَ فيك من رُوحه، أغويتَ النَّاس وأخرجتهم من الجنَّة. قال: فقالَ آدمُ: وأنت موسى الذي اصطفاكَ اللَّه بكلامِه تلومُني على عملٍ أعملُه، كَتبهُ اللَّهُ عليّ قبل أنْ يخلقَ السَّموات والأرض. قال: فحجَّ آدمُ موسى". وقد رواه الترمذي (٩) والنسائي جميعًا: عن يحيى بن حبيب بن عربيّ، عن مَعْمر بن سليمان، عن أبيه، عن الأعمش به. قال الترمذي: وهو غريبٌ (١٠) من حديث سُليمان التَّيميِّ، عن الأعمش، قال: وقد رواه بعضُهم عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد. قلت: هكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار في "مسنده" (١١): عن محمد بن مثنى، عن معاذ بن أسد،

стр. 222

عن الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد. ورواه البزار (١) أيضًا: حدَّثنا عمرو بن عليّ الفلاس، حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة -أو أبي سعيد- عن النبيِّ ﷺ فذكره. وقال أحمد (٢): حدَّثنا سفيان، عن عمرو، سمعَ طاووسًا، سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "احتجَّ آدمُ وموسى، فقالَ موسى: يا آدمُ أنت أبونا خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة. فقال له آدم: يا موسى! أنت الذي اصطفاكَ اللَّه بكلامهِ - وقال مرة: حجَّ آدمُ موسى، حجَّ آدمُ موسى". وهكذا رواه البخاريُّ (٣): عن عليِّ بن المديني، حدَّثنا سفيان، قال: حفظناهُ من عمرٍو، عن طاووس، قال: سمعتُ أبا هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قال: "احتجَّ آدمُ وموسى، فقال موسى: يا آدمُ: أنت أبونا، خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة. فقال له آدمُ: يا موسى! اصطفاكَ اللَّه بكلامِه، وخطَّ لكَ بيدِه، أتلومني على أمرٍ قدَّرَه اللَّه عليَّ قبلَ أن يخلقَني بأربعينَ سنةً؟ فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى" هكذا ثلاثًا. قال سفيان: حدَّثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثله. وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه (٤) من عشر طرق عن سفيان بن عُيَيْنة (٥)، عن عمرو بن دينار، عن عبد اللَّه بن طاووس، عن أبيه (٦)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه. وقال أحمد (٧): حدَّثنا عبد الرحمن، حدَّثنا حمَّاد، عن عمَّار، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "لقيَ آدمُ موسى فقالَ: أنتَ آدمُ الذي خلقَكَ اللَّه بيده، وأسجدَ لكَ ملائكتَه، وأسكنَكَ الجنَّة، ثم فعلتَ؟ فقال: أنتَ موسى الذي كلَّمك اللَّه، واصطفاكَ برسالتِه، وأنزلَ عليكَ التوراةَ، ثم أنا أقدمُ أم الذِّكر؟ قال: لا، بل الذِّكر، فحجَّ آدمُ موسى" (٨).

стр. 223

قال أحمد: وحدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حَمَّاد، عن عمَّار بن أبي عمَّار، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، وحُمَيْد، عن الحسن، عن رجلٍ -قال حمَّاد: أظنُّه جُنْدُبَ بن عبد اللَّه البجلي- عن النبي ﷺ ، قال: "لقيَ آدمُ موسى. . . " فذكرَ معناه (١). تفرَّد به أحمد من هذا الوجه. وقال أحمد: حدَّثنا حُسين، حدَّثنا جرير -هو ابن حازم- عن محمد -هو ابن سيرين- عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لقيَ آدمُ موسى، فقالَ: أنت آدمُ الذي خلقكَ اللَّه بيده، وأسكنكَ جنَّته، وأسجد لك ملائكتَه، ثمَّ صنعتَ ما صنعتَ؟ قال آدمُ: يا موسى (٢) أنتَ الذي كلَّمه اللَّه، وأنزلَ عليه التوراةَ؟ قال: نعم. قال: فهل تجده مكتوبًا عليّ قبل أن أخلقَ؟ قال: نعم. قال: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى" (٣). وكذا رواه حمَّاد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، رفعه. وكذا رواه عليُّ بن عاصم، عن خالد وهشام، عن محمد بن سيرين. وهذا على شرطهما من هذه الوجوه. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا يونسُ بن عبد الأعلى، أنبأنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرني أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذُباب، عن يزيدَ بن هُرْمزٍ، سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسول اللَّه ﷺ : "احتجَّ آدمُ وموسى عند ربِّهما، فحجَّ آدمُ موسى. قال موسى: أنتَ الذي خلقكَ اللَّه بيده، ونفخَ فيكَ من روحِه، وأسجدَ لك ملائكتَه، وأسكنكَ جنَّته، ثم أهْبَطْتَ النَّاسَ إلى الأرض بخطيئتكَ؟ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاكَ اللَّه برسالتِه وكلامِه، وأعطاكَ الألواحَ فيها تبيانُ كلِّ شيءٍ، وقرَّبك نجيًّا، فبكم وجدتَ اللَّهَ كتبَ التوراةَ؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدتَ فيها ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملًا كتبَ اللَّه على أن أعمَله قبل أن يخلُقَني بأربعين سنة؟ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : فحجَّ آدمُ موسى" (٤). قال الحارثُ: وحدَّثني عبدُ الرحمن بن هُرْمزَ بذلكَ، عن أبي هريرةَ، عن رسول اللَّه ﷺ . وقد رواه مسلم (٥): عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن أنس بن عِياض، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن يزيد بن هُرْمز والأعرج، كلاهما عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ بنحوه. وقال أحمد: حدَّثنا عبدُ الرزاق، أنبأنا مَعْمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،

стр. 224

قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "احتج آدمُ وموسى، فقال موسى لآدم: يا آدم! أنتَ الذي أدخلتَ ذرِّيتَكَ النَّارَ. فقال آدمُ: يا موسى! اصطفاكَ اللَّه برسالاتِه وبكلامِه، وأنزلَ عليكَ التوراةَ، فهل وجدتَ أني أهبطُ؟ قال: نعم. قال: فحجَّه آدمُ" (١) وهذا على شرطهما، ولم يُخرِّجاه من هذا الوجه. وفي قوله: أدخلتَ ذرِّيتك النَّار، نكارة. فهذه طرقُ هذا الحديث عن أبي هريرة، رواه عنه حُمَيْد بن عبد الرحمن، وذَكْوان أبو صالح السَّمَّان، وطاووس بن كَيْسان، وعبدُ الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، وعمَّار بن أبي عمَّار، ومحمّدُ بن سيرين، وهمَّام بن مُنبّه، ويزيدُ بن هُرْمز، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن. وقد رواه الحافظ أبو يَعلى المَوْصلي في "مسنده" (٢): من حديث أمير المؤمنين عمرَ بن الخطَّاب ﵁ فقال: حدَّثنا الحارثُ بن مسكين المصري، حدَّثنا عبدُ اللَّه بن وَهْب، أخبرني هشامُ بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطَّاب، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "قال موسى ﵇: يا ربِّ أرنا آدمَ الذي أخرجنَا ونفسَه من الجنَّة. فأراه آدمَ ﵇. فقال: أنت آدمُ؟ فقال: نعم. قال: أنتَ الذي نفخَ اللَّه فيك من روحه، وأسجد لك ملائكتَه، وعلَّمك الأسماء كلّها؟ قال: نعم. قال: فما حملكَ على أنْ أخرجتَنا ونفسَك من الجنَّة؟ فقال له آدم: منْ أنتَ؟ قال: أنا موسى. قال: أنت موسى نبيُّ بني إسرائيل؟ أنتَ الذي كلَّمكَ اللَّه من وراء الحجاب، فلم يجعلْ بينك وبينَه رسولًا من خَلْقِه؟ قال: نعم. قال: تلومُني على أمرٍ قد سبقَ من اللَّه القضاءُ به قبلُ؟! قال رسول اللَّه ﷺ : فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى". ورواه أبو داود (٣): عن أحمد بن صالح المِصْري، عن ابن وَهْب، به (٤). قال أبو يعلى: وحدَّثنا محمد بن المثنَّى، حدَّثنا عبدُ الملك بن الصباح المِسْمعيّ، حدَّثنا عِمْران، عن الرُّدَيْنيِّ بن أبي مِجْلزٍ، عن يحيى بن يعمَر، عن ابن عمرَ، عن عمرَ -قال أبو محمد: أكبرُ ظنِّي أنَّه رفعه- قال: "التقى آدمُ وموسى، فقالَ موسى لآدمَ: أنتَ أبو البشر، أسكنكَ اللَّه جنَته، وأسجدَ لكَ ملائكتَه؟ قال آدمُ: يا موسى! أما تجدُه عليَّ مكتوبًا؟ قال: فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى" (٥). وهذا الإسناد أيضًا لا بأسَ به، واللَّه أعلم.

стр. 225

وقد تقدَّم (١) روايةُ الفضل بن موسى لهذا الحديث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد. وروايةُ الإمام (٢) أحمد له عن عفَّان، عن حمَّاد بن سلمة، عن حُمَيْد، عن الحسن، عن رجلٍ. قال حمَّاد: أظنُّه جُنْدُب بن عبد اللَّه البَجَليّ، عن النبي ﷺ : "لقيَ آدمُ موسى. . . " فذكرَ معناه. وقد اختلفتْ مسالكُ النَّاس في هذا الحديث؛ فردَّه قومٌ من القدريَّة، لما تضمَّن من إثبات القدر السابق. واحتجَّ به قومٌ من الجبرية، وهو ظاهر لهم بادئَ الرأي، حيث قال: فحجَّ آدمُ موسى، لمَّا احتجَّ عليه بتقديم كتابه، وسيأتي الجوابُ عن هذا. وقال آخرون (٣): إنما حجَّه لأنه لامَه على ذَنْبٍ قد تابَ منه، والتَّائبُ من الذنب كمن لا ذَنْبَ له. وقيل: إنما حجَّه لأنه أكبر منه وأقدم. وقيل: لأنه أبوه. وقيل: لأنهما في شريعتين متغايرتين. وقيل: لأنهما في دار البرزخ، وقد انقطعَ التكليف فيما يزعمونه. والتحقيقُ أنَّ هذا الحديث رُوي بألفاظٍ كثيرةٍ بعضُها مرويٌّ بالمعنى، وفيه نظر. ومدارُ معظمها في الصحيحين وغيرهما على أنَّه لامَه على إخراجه نفسَه وذريَّته من الجنَّةِ، فقال له آدم: أنا لم أخرجْكم، وإنما أخرجَكم الذي رتَّب الإخراج على أكلي من الشجرة، والذي رتَّب ذلك وقدَّره وكتبَه قبلَ أنْ أُخلقَ هو اللَّه ، فأنتَ تلومُني على أمر ليس له نسبة إليّ أكثر ما أنِّي نُهيتُ عن الأكل من الشجرة، فأكلتُ منها، وكون الإخراج مترتبًا على ذلك ليس من فعلي، فأنا لم أخرجْكم ولا نفسي من الجنَّة، وإنما كان هذا من قدرة اللَّه وصُنْعه، وله الحكمةُ في ذلك، فلهذا حجَّ آدمُ موسى. ومن كذَّب بهذا الحديث فمعاندٌ، لأنه متواترٌ عن أبي هريرة ﵁، وناهيك به عدالةً وحفظًا وإتقانًا. ثم هو مرويٌّ عن غيره من الصحابة كما ذكرنا. ومن تأوَّله بتلك التأويلات المذكورة آنفًا فهو بعيدٌ من اللفظ والمعنى. وما فيهم منْ هو أقوى مَسْلكًا من الجبريَّة، وفيما قالوه نظر من وجوه: أحدها: أن موسى ﵇ لا يلوم على أمر قد تابَ منه فاعلهُ. الثاني: أنه قد قتلَ نفسًا لم يُؤمر بقتلها، وقد سأل اللَّهَ في ذلك بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦] الآية. الثالث: أنه لو كان الجواب عن اللَّوْم على الذنب بالقدر المتقدم كتابته على العبد، لانفتحَ هذا لكل

стр. 226

من لِيْمَ على أمر قد فعلَه، فيحتج بالقدر السابق، فينسدُّ باب القصاص والحدود. ولو كان القَدَر حجَّةً، لاحتجَّ به كلُّ أحد على الأمر الذي ارتكبه في الأمور الكبار والصغار، وهذا يُفضي إلى لوازم فظيعة، فلهذا قال من قال من العلماء: بأن جواب آدم إنما كان احتجاجًا بالقَدَر على المصيبة لا المعصية، واللَّه أعلم. * * * ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم قال الإمام أحمد: حدَّثنا يحيى ومحمد بن جعفر، حدَّثنا عَوْف، حدَّثني قَسَامة بن زُهير، عن أبي موسى، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ من قَبْضةٍ قبضَها من جميعِ الأرض، فجاءَ بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ، جاءَ منهم الأبيضُ والأحمرُ والأسودُ وبين ذلك. والخبيثُ والطَّيِّبُ والسَّهْلُ والحَزنُ وبين ذلك" (١). ورواه أيضًا (٢): عن هوذةَ، عن عَوْف، عن قَسَامة بن زُهير، قال: سمعتُ الأشعريَّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ من قَبْضَةٍ قبضَها من جميع الأرضِ، فجاءَ بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ، فجاءَ منهم الأبيضُ والأحمرُ والأسودُ وبينَ ذلك. والسَّهْلُ والحَزْنُ، وبين ذلك، والخبيثُ والطَّيِّبُ، وبينَ ذلكَ". وكذا رواه أبو داود والترمذي وابن حِبَّان في "صحيحه" (٣): من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن قَسَامة بن زُهير المازني البَصْري، عن أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشْعري، عن النبيِّ ﷺ بنحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد ذكر السُّدِّي: عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباش، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحابِ رسول اللَّه ﷺ ، قال: فبعثَ اللَّه جبريلَ في الأرض، ليأتيَه بطينٍ منها، فقالت الأرضُ: أعوذُ باللَّه منكَ أن تنقص مني أو تشينني، فرجعَ ولم يأخذ، وقال: ربِّ إنها عاذتْ بكَ فأعذتُها، فبعث ميكائيلَ فعاذتْ منه فأعاذَها، فرجعَ فقال كما قالَ جبريلُ، فبعَثَ مَلَك الموتِ فعاذتْ منه، فقال: وأنا أعوذ باللَّه أن أرجعَ ولم أُنَفِّذْ أمرَه، فأخذَ من وجه الأرض وخلَطه، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذَ من تربةٍ بيضاءَ وحمراء وسوداءَ، فلذلكَ خرجَ بنوآدم مختلفينَ، فصَعِدَ به فَبَلَّ الترابَ حتى

стр. 227

عاد طينًا لازبًا -واللازب؛ هو الذي يلزق بعضه ببعض- ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١ - ٧٢] ". فخلقَه اللَّه بيده لئلا يتكبَّرَ إبليس عنه، فخلقَه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرَّت به الملائكةُ، ففَزِعُوا منه لمَّا رأَوْه، وكان أشدَّهم منه فزعًا إبليسُ، فكان يمرُّ به فيضربه، فيُصَوِّتُ الجسدُ كما يُصوِّتُ الفُخَّارُ، يكون له صلصلة، فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ويقول: لأمرٍ ما خُلِقْتَ، ودخلَ من فيه وخرجَ من دُبُره، وقال للملائكة: لا تَرْهَبُوا من هذا فإن ربَّكم صمَدٌ وهذا أجوفُ، لئن سُلِّطْتُ عليه لأهلكنَّه. فلما بلغ الحين الذي يُريد اللَّه أنْ ينفخَ فيه الرُّوحَ، قال للملائكة: إذا نفختُ فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخَ فيه الروحَ، فدخلَ الرُّوحُ في رأسِه عطسَ، فقالت الملائكة: قل الحمد اللَّه، فقال: الحمد اللَّه، فقال له اللَّه: رحمكَ ربُّكَ. فلما دخلتِ الرُّوح في عينيْه نظرَ إلى ثمار الجنَّة، فلما دخلتِ الرَّوح في جوفه، اشتهى الطعام، فوثبَ قبل أن تبلغَ الرَّوح إلى رجليْه، عجلانَ إلى ثمار الجنَّة، وذلك حين يقولُ اللَّه تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١] وذكرَ تمامَ القِصَّة (١). ولبعض هذا السِّياق شاهدٌ من الأحاديث، وإن كانَ كثير منه مُتلقَّى من الإسرائيليات. فقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عبدُ الصمد، حدَّثنا حمَّاد، عن ثابت، عن أنس، أن النبيَّ ﷺ قال: "لما خلق اللَّه آدمَ تركَه ما شاء أن يدَعَه، فجعل إبليسُ يطيفُ به، فلما رآه أجوفَ عرفَ أنَّه خَلْقٌ لا يتمالكُ". وقال ابن حبَّان في "صحيحه" (٣): حدَّثنا الحسنُ بن سفيان، حدَّثنا هُدْبة بن خالد، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لما نُفِخَ في آدمَ، فبلغَ الروحُ رأسَه عطسَ، فقال: الحمد اللَّه رب العالمين، فقال له ﵎: يرحمك اللَّه". وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدَّثنا يحيى بن محمد بن السَّكَن، حَدَّثنا حَبَّان بن هِلال، حدَّثنا مبارك ابنِ فَضَالة، عن عُبيد اللَّه، عن خُبيب، عن حَفْص -هو ابن عاصم بن عمر بن الخطاب- عن أبي هُريرة، رفعه، قال: "لمّا خلقَ اللَّه آدمَ عطسَ، فقال: الحمدُ للَّه، فقال له ربُّه: رحمكَ ربُّك يا آدم" (٤). وهذا الإسناد لا بأس به، ولم يُخرِّجوه.

стр. 228

وقال عمر بن عبد العزيز: لما أُمرتِ الملائكةُ بالسجود، كان أوَّلُ من سجدَ منهم إسرافيل، فآتاه اللَّه أن كتبَ القرآن في جبهته. رواه ابن عساكر (١). وقال الحافظ أبو يعلى (٢): حدَّثنا عقبةُ بن مُكْرَم، حدَّثنا عمرو بن محمد، عن إسماعيل بن رافع، عن المَقْبُري، عن أبي هريرة، أن رسولَ اللَّه ﷺ ، قال: "إن اللَّه خلقَ آدمَ من ترابٍ، ثم جعلَه طينًا، ثم تركَه حتى إذا كان حمأً مسنونًا، خلقَه وصوَّره، ثم تركَه، حتَّى إذا كان صَلْصَالًا كالفَخار". قال: فكان إبليسُ يمرُّ به، فيقولُ له: لقد خُلِقتَ لأمرٍ عظيم. ثم نفخَ اللَّه فيه من رُوحه، فكان أوَّل ما جرى فيه الرُّوح بصرَه وخياشيمَه، فعطسَ فلقَاه اللَّه (٣) رحمةَ ربِّه، فقال اللَّه: يرحمك ربك. ثم قال اللَّه: يا آدم! اذهبْ إلى هؤلاءَ النَّفَر فانظرْ ماذا يقولونَ؟ فجاءَ فسلَّمَ عليهم، فقالوا: وعليكَ السَّلامُ ورحمةُ اللَّه وبركاتُه. فقال: يا آدمُ! هذا تحيَّتُك وتحيَّةُ ذريَّتِك. قال: يا ربِّ وما ذريَّتي؟ قال: اخترْ يدي يا آدمُ! قال: أختارُ يمينَ ربِّي وكلتا يَدَيْ ربِّي يمين، وبسط [اللَّه] (٤) كفَّه، فإذا منْ هو كائنٌ من ذريَّته في كفِّ الرحمن، فإذا رجالٌ منهم أفواهُهم النُّور، فإذا رجلٌ يَعْجبُ آدمُ من نوره. قال: يا ربِّ! من هذا؟ قال: ابنك داود. قال: يا ربِّ! فكم جعلتَ له من العمر. قال: جعلتُ له ستين. قال: يا ربِّ فأتِمَّ له من عُمري حتى يكونَ له من العمر مئة سنة، ففعلَ اللَّه ذلك وأشهد على ذلك. فلما نَفِدَ عمرُ آدم بعثَ اللَّه [إلَيْه] (٤) مَلَكَ الموتِ، فقال آدمُ: أو لم يبقَ من عُمُري أربعون سنة؟ قال له المَلَك: أو لم تُعْطها ابنكَ داودَ؟ فجحدَ ذلك، فجحدتْ ذريَّته، ونسي فنسيتْ ذريَّتُه (٥). وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار، والترمذي (٦)، والنَّسائي، في "اليوم والليلة" من حديث صفوان ابن عيسى، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن سعيد المَقْبري، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، وقال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال النسائيُّ (٧): هذا حديث منكر، وقد رواه محمد بن عَجْلان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن سلام قوله (٨).

стр. 229

وقد رواه أبو حاتم بن حِبّان في "صحيحه"، فقال (١): حدَّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدَّثنا محمَّد بن بشَّار، حدَّثنا صَفْوانُ بن عيسى، حدَّثنا الحارثُ بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن سَعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما خلقَ اللَّه آدمَ ونفخَ فيه الرُّوح عطسَ، فقال: الحمدُ اللَّه، فحمدَ اللَّه بإذن اللَّه. فقال له ربَّه: يرحمُك ربُّك يا آدم، اذهبْ إلى أولئكَ الملائكة، إلى ملأٍ منهم جلوسٌ، فسلِّم عليهم، فقال: السَّلام عليكم. فقالوا: وعليكم السَّلام ورحمة اللَّه. ثم رجعَ إلى ربِّه، فقال: هذه تحيَّتُك وتحيَّةُ بنيكَ بينهم. وقال اللَّه -ويداهُ مقبوضتان- اخترْ أيهما شئتَ. فقال: اخترتُ يمينَ ربِّي، وكلتا يديْ ربِّي يمينٌ مباركة. ثمَّ بسطَهما فإذا فيهما آدمُ وذريَّتُه. فقال: أي ربِّ: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريَّتُك، وإذا كلُّ إنسان منهم مكتوبٌ عمرُه بين عينيْه، وإذا فيهم رجل أضْوَؤُهم -أو منْ أضْوَئِهم- لم يُكتبْ له إلا أربعونَ سنة. قال: يا ربِّ! ما هذا؟ قال: هذا ابنُك داود، وقد كتبَ اللَّه داود، وقد كتبَ اللَّه عمرَه أربعين سنة. قال: أي ربِّ: زدْ في عُمُره. فقال: ذاكَ الذي كُتِبَ له. قال: فإنِّي قد جعلتُ له من عُمُري ستينَ سنة. قال: أنتَ وذاك، اسكن الجنَّة، فسكنَ الجنَّة ما شاءَ اللَّه، ثم أُهبطَ منها. وكان آدمُ يعدُّ لنفسه، فأتاه مَلَكُ الموتِ، فَقالَ له آدمُ: قد عجلتَ قد كتبَ لي ألفَ سنةٍ. قال: بلى، ولكنَّك جعلتَ لابنكَ داودَ منها ستينَ سنةً، فجَحَدَ آدمُ فجَحَدَتْ ذرِّيتُه، ونسيَ فنسيتْ ذريَّته، فيومئذ أمر بالكتابِ والشُّهود" هذا لفظه. وقال الترمذي (٢): حدَّثنا عبدُ بن حُميد، حدَّثنا أبو نُعَيْم، حدَّثنا هشام بن سَعْد، عن زيد بن أسلمَ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما خلقَ اللَّه آدمَ مسحَ ظهرَه، فسقطَ من ظهره كل نَسَمةٍ هو خالقُها من ذريَّته إلى يوم القيامة، وجعلَ بينَ عينيْ كلِّ إنسانٍ منهم وَبِيْصًا (٣) من نور، ثم عرضَهم على آدمَ، فقال: أيْ ربِّ! منْ هَؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريَّتُك. فرأى رجلًا منهم فأعجبَه وبيصُ ما بينَ عينيْه، فقال: أي ربّ! منْ هذا؟ قال: هذا رجلٌ من آخر الأمم من ذريَّتِكَ، يقال له: داود. قال: ربِّ وكم جعلتَ عمرَه. قال: ستينَ سنة. قال: أي ربّ زِدْه من عُمري أربعين سنةً. فلما انقضى عمرُ آدمَ جاءَه مَلَكُ الموت. قال: أو لم يبقَ من عُمُري أربعونَ سنة. قال: أو لم تُعْطِها ابنَك داود. قال: فجحدَ فجَحَدتْ ذريَّته، ونسي آدمُ، فنسيتْ ذريَّتُه، وخَطِئَ آدمُ فَخطئتْ ذريَّتهُ" ثم قال الترمذي: حسن صحيح، وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .

стр. 230

ورواه الحاكم في "مستدركه" (١): من حديث أبي نُعيم الفَضْل بن دُكَيْن، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يُخرِّجاه. وروى ابن أبي حاتم: من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يَسار، عن أبي هريرة مرفوعًا. . . فذكرَه، وفيه: "ثم عرضهم على آدمَ، فقال: يا آدم هؤلاء ذريَّتُك، وإذا فيهم الأجْذم والأبْرص والأعمى، وأنواع الأسقام. فقال آدم: يا ربِّ! لمَ فعلتَ هذا بذريَّتي؟ قالَ: كيْ تشكرَ نعمتي" (٢). ثم ذكرَ قصة داود، وستأتي من رواية ابن عباس أيضًا. وقال الإمام أحمد في "مسنده" (٣): حدَّثنا الهيثمُ بن خارجة، حدَّثنا أبو الربيع، عن يونسَ بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "خلقَ اللَّه آدمَ حين خلقَه، فضربَ كتفَه اليُمْنى، فأخرجَ ذريَّةً بيضاءَ كأنَّهم الذرُّ، وضربَ كتفَه اليُسْرى فأخرجَ ذريَّةً سوداءً كأنَّهم الحُمَم (٤). فقالَ للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أُبالي، وقال للذي في كَفِّه اليُسْرى: إلى النَّار ولا أُبالي". وقال ابن أبي الدنيا (٥): حدَّثنا خَلفُ بن هشام، حدَّثنا الحَكم بن سِنَان، عن حَوْشب، عن الحسن، قال: خلقَ اللَّه آدمَ حين خلقَه، فأخرجَ أهلَ الجنَّة من صَفْحته اليُمنى، وأخرجَ أهلَ النَّار من صَفْحَته اليُسْرى، فأُلقُوا على وجه الأرض، منهم الأعمى والأصمُّ والمبتلى. فقال آدم: يا ربِّ! ألا سوَّيتَ بينَ ولدي؟! قال: يا آدم إني أردتُ أنْ أُشكَر. وهكذا روى عبدُ الرَّزاق: عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، بنحوه. وقد قال البخاري (٦): حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمد، حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعْمر، عن هَمَّام بن مُنبِّه، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "خلقَ اللَّه آدمَ وطولُه ستونَ ذراعًا، ثم قال: اذهبْ فسلِّم على أولئكَ من الملائكة، واستمعْ ما يجيبونكَ، فإنها تحيَّتُك وتحيَّةُ ذريَّتِك. فقال: السَّلام عليكمُ. فقالوا: السلام عليكَ ورحمةُ اللَّه. فزادوه: ورحمةُ اللَّه. فكل منْ يدخلُ الجنَّةَ على صُورة آدمَ، فلم يزلِ الخلقُ ينقصُ حتَّى الآن".

стр. 231

وهكذا رواه البخاريُّ في كتاب الاستئذان (١): عن يحيى بن جعفر، ومسلم: عن محمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق به. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا رَوْح، حدَّثنا حمَّاد بن سلمةَ، عن عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة؛ أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "كانَ طولُ آدمَ ستينَ ذِراعًا في سبع (٣) أذرعٍ عرضًا". انفردَ به أحمد. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حمَّاد بن سلمةَ، عن عليِّ بن زيد، عن يُوسف بن مِهْران، عن ابن عبَّاس، قال: لما نزلتْ آيةُ الدين قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ أوَّلَ من جحدَ آدمُ، إنَّ أوَّلَ من جحدَ آدمُ، إنَّ أوَّلَ من جحدَ آدم (٥)، إنَّ اللَّهَ لما خلقَ آدمَ، مسحَ ظهرَه، فأخرجَ منه ما هو ذارئ (٦) إلى يوم القيامة، فجعلَ يعرضُ ذُريَّتَه عليه، فرأى فيهم رجلًا يَزْهرُ (٧). قال: أي ربِّ! منْ هذا؟ قال: هذا ابنُك داود. قال: أي ربِّ! كم عمرُه؟ قال: ستون عامًا. قال: أي رب زدْ في عُمُره. قال: لا، إلا أن أزيده من عُمُركَ. وكان عمرُ آدمَ ألفَ عامٍ، فزادهَ أربعين عامًا. فكتبَ اللَّه عليه بذلك كتابًا، وأشهدَ عليه الملائكة، فلما احْتُضِرَ آدمُ أتته الملائكة لقَبْضِه. قال: إنه قد بقيَ من عُمْري أربعونَ عامًا. فقيل له: إنك قد وهبتَها لابنكَ داود. قال: ما فعلتُ. وأبرزَ اللَّه عليه الكتابَ، وشهدتْ عليه الملائكة" (٨). وقال أحمد (٩): حدَّثنا أسودُ بن عامر، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن عليِّ بن زيد، عن يوسفَ بن مِهْران، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أوَّلَ منْ جحدَ آدمُ -قالها ثلاث مرَّات- إن اللَّه لما خلقَه مسحَ ظهرَه، فأخرجَ ذريَّتَه، فعرضَهم عليه، فرأى فيهم رجلًا يَزْهرُ، فقال: أي ربِّ! زدْ في عُمُره. لا، إلا أن تزيدَه أنت من عمرك. فزادَه أربعينَ سنةً من عُمُره، فكتبَ

стр. 232

اللَّه تعالى عليه كتابًا، وأشهدَ عليه الملائكةَ، فلما أراد أن يقبضَ روحَه، قال: إنَّه بقيَ من أجلي أربعونَ سنةً، فقيل له: إنَّك قد جعلتَها لابنكَ داود. قال: فجحدَ. قال: فأخرجَ اللَّه الكتابَ وأقامَ عليه البيِّنة، فأتمَّها لداودَ مئة سنةٍ، وأتم لآدمَ عمرَه ألفَ سنةٍ". تفرد به أحمد وعلي بن زيد في حديثه نكارة (١). ورواه الطبراني (٢): عن علي بن عبد العزيز، عن حجَّاج بن مِنْهال، عن حمَّاد بن سلمةَ، عن عليِّ بن زيد، عن يوسفَ بن مِهْران، عن ابن عبَّاس. وغير واحد: عن الحسن، قال: لما نزلتْ آيةُ الدَّيْن قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ أوَّلَ من جحدَ آدم" ثلاثًا. وذكرَه. وقال الإمام مالك بن أنس في "موطئه": عن زيد بن أبي أُنَيْسَةَ، أن (٣) عبدَ الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطَّاب أخبرَه، عن مسلم بن يَسار الجهني: أن عمرَ بن الخطَّاب سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. الآية. فقال عمرُ بن الخطَّاب: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ سُئل عنها، فقال: "إنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ ﵇، ثمَّ مسحَ ظهرَه بيمينه، فاستخرجَ منه ذريَّةً. قال: خلقتُ هؤلاء للجنَّة، وبعملِ أهلِ الجنَّةِ يعملونَ، ثم مسحَ ظهرَه فاستخرجَ منه ذريَّةً. قال: خلقتُ هؤلاء للنَّار وبعملِ أهل النَّار يعملون". فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه! ففيمَ العملُ؟ قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا خلقَ اللَّه العبدَ للجنَّة استعمَله بعمل أهل الجنَّة، حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنَّة. وإذا خلقَ اللَّه العبدَ للنَّار استعملَه بعملِ أهلِ النَّار حتَّى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل النَّار فيدخل به النَّار" (٤). وهكذا رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيُّ، والنَّسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو حاتم بن حِبَّان في صحيحه، من طرف عن الإمام مالك (٥)، به. وقال الترمذيُّ: هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر. وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة، زاد أبو حاتم: وبينهما نعيم بن ربيعة. وقد رواه أبو داود (٦) عن محمَّد بن مُصفَّى، عن بقية، عن عمر بن جُعْثُم، عن زيد بن أبي أُنَيْسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يَسار، عن نعيم بن ربيعة، قال:

стр. 233

كنتُ عند عمر بن الخطاب وقد سُئل عن هذه الآية. . فذكر الحديث. قال الحافظ الدارقطني (١): وقد تابعَ عمر بن جُعْثُم أبو فروة يزيد بن سنان الرهاوي، عن زيد بن أبي أُنيسة، قال: وقولُهما أولى بالصواب من قول مالك ﵀ (٢). وهذه الأحاديث كلُّها دالَّة على استخراجه تعالى ذريَّة آدمَ من ظهره كالذَّرِّ، وقسمتهم قسمين: أهل اليمين وأهل الشمال، وقال: هؤلاء للجنَّة ولا أُبالي، وهؤلاء للنَّار ولا أُبالي. فأما الإشهادُ عليهم واستنطاقُهم بالإقرار بالوحدانية، فلم يجئ في الأحاديث الثابتة. وتفسير الآية التي في سورة الأعراف وحملُها على هذا فيه نظرٌ كما بيَّناه (٣) هناك. وذكرنا الأحاديثَ والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها. فمن أراد تحريره فليراجعه ثمَّ، واللَّه أعلم. فأما الحديثُ الذي رواه أحمد (٤): حدَّثنا حُسَيْنُ بن محمَّد، حدَّثنا جريرٌ -يعني ابن حازم- عن كُلثوم بن جَبْر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس، عن النبيِّ ﷺ قال: "إن اللَّه أخذ الميثاقَ من ظهرِ آدمَ ﵇ بنُعْمان يوم عرفة، فأخرجَ من صُلْبه كل ذريَّةٍ ذرأها، فنثرَها بين يديْه، ثم كَلّمَهُم قُبُلًا، قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧) أَوْ تَقُولُوا﴾ إلى قوله: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣] " فهو بإسناد جيد قويّ على شرط مسلم. رواه النَّسائي، وابن جرير، والحاكم في "مستدركه" (٥) من حديث حُسين بن محمد المروزي، به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يُخرِّجاه، إلا أنه اختلف فيه على كُلثوم بن جَبْر، فروي عنه مرفوعًا وموقوفًا. وهكذا رُوي عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس موقوفًا (٦). وهكذا رواه العوفي والوالبي والضحَّاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله. وهذا أكثرُ وأثبتُ، واللَّه أعلم. وهكذا رُوي عن عبد اللَّه بن عمر (٧) موقوفًا ومرفوعًا والموقوف أصحُّ (٨).

стр. 234

واستأنسَ القائلون بهذا القول، وهو أخذُ الميثاق على الذريَّة، وهم الجمهور، بما قال الإمام أحمد (١): حدَّثنا حجَّاج، حدَّثني شعبةُ، عن أبي عمران الجَوْني، عن أنس بن مالك، عن النبيِّ ﷺ قال: "يُقالُ للرجل من أهل النَّار يومَ القيامة: لو كان لك ما على الأرضِ من شيءٍ أكنتَ مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم. فيقولُ: قد أردتُ منكَ ما هو أهونُ من ذلك، قد أخذتُ عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئًا، فأبيتَ إلا أن تُشركَ بي". أخرجاه من حديث شعبة (٢)، به. وقال أبو جعفر الرازيّ: عن الربيع (٣) بن أنس، عن أبي (٤) العالية، عن أُبيِّ بن كَعْب، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية والتي بعدها. قال: فجمَعهم له يومئذٍ جميعًا ما هو كائنٌ منه إلى يوم القيامة، فخلقهم ثم صوَّرَهم، ثم استنطقَهم، فتكلَّمُوا، وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهد عليهم أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. قال: فإنِّي أشهدُ عليكم السماواتِ السبع والأرضين السبع، وأُشهد عليكم أباكم ألا تقولوا يومَ القيامة: لم نعلمْ بهذا، اعلموا أنه لا إلهَ غيري، ولا ربَّ غيري، ولا تشركوا بي شيئًا، وإنِّي سأرسلُ إليكم رسلًا يُنذرونَكم عَهْدي وميثاقي، وأُنزلُ عليكم كتابي. قالوا: نشهدُ أنَّكَ ربُّنا وإلهنا، لا ربَّ لنا غيركَ، ولا إلَه لنا غيرك، فأقروا له يومئذٍ بالطَّاعة. ورفعَ أباهم آدم فنظرَ إليهم، فرأى فيهم: الغنيَّ والفقيرَ، وحَسَنَ الصورة ودون ذلك. فقال: يا ربِّ لو سوَّيتَ بين عبادكَ؟ فقال: إنِّي أحببتُ أن أشكرَ. ورأى فيهم الأنبياء مثل السُّرُج، عليهم النُّور، وخُضُّوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، فهو الذي يقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]. وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وفي ذلك قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦] وفي ذلك قال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] ". رواه الأئمة: عبد اللَّه بن أحمد، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه، في تفاسيرهم، من طريق أبي جعفر (٥). ورُوي: عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبير، والحسن البَصْري، وقتادة، والسُّدِّي، وغير

стр. 235

واحد من علماء السلف، بسياقات تُوافق هذه الأحاديث، وتقدَّم أنه تعالى لما أمرَ الملائكةَ بالسجود لآدمَ امتثلوا كلُّهم الأمرَ الإلهي، وامتنعَ إبليس من السجود (١) حسدًا وعداوة له، فطردَه اللَّه وأبعدَه وأخرجَه من الحضرة الإلهية، ونفاه عنها، وأهبطَه إلى الأرض طريدًا ملعونًا شيطانًا رجيمًا. وقد قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا وكيع ويعلى ومحمد ابنا عُبيد، قالوا: حدَّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قرأ ابنُ آدمَ السجدة فسجدَ، اعتزلَ الشيطانُ يبكي، يقول: يا ويله، أُمرَ ابنُ آدمَ بالسجود فسجدَ، فله الجنَّة، وأُمرتُ بالسجود، فعصيت، فلي النَّار". ورواه مسلم (٣): من حديث وكيع وأبي معاوية، عن الأعمش، به. ثم لما أُسكن آدم الجنة التي أُسكنها، سواء كانت في السماء أو في الأرض على ما تقدَّم من الخلاف فيه، أقام بها هو وزوجتُه حوَّاء ﵉ يأكلان منها رغدًا (٤) حيث شاءا، فلما أكلا من الشجرة التي نُهيا عنها، سُلبا ما كانا فيه من اللِّباس، وأُهبطا إلى الأرض، وقد ذكرنا الاختلافَ في مواضع هبوطه منها. واختلفوا في مقدار مقامه في الجنَّة، فقيل: بعضُ يوم من أيام الدنيا، وقد قدَّمنا ما رواه مسلم: عن أبي هريرة مرفوعًا "وخُلِقَ آدمُ في آخر ساعةٍ من ساعاتِ يوم الجمعة" (٥) وتقدَّم أيضًا حديثه عنه وفيه -يعني (٦): يوم الجمعة- خلق آدم، وفيه أُخرج منها (٧). فإن كان اليومُ الذي خُلِقَ فيه أُخرجَ، وقلنا إنَّ الأيام الستة كهذه الأيام، فقد لبثَ بعضَ يوم من هذه، وفي هذا نظر. وإن كان إخراجُه في غير اليوم الذي خُلِقَ فيه، أو قلنا بأنَّ تلك الأيام مقدارُها ستة آلاف سنة، كما تقدَّم عن ابن عباس ومجاهد والضحَّاك، واختاره ابن جرير، فقد لبثَ هناك مدة طويلة. قال ابن جرير (٨): ومعلومٌ أنه خُلِقَ في آخر ساعة من يوم الجمعة، والساعة منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فمكث مصوَّرًا طينًا قبل أن يُنفخ فيه الروح أربعين سنة، وأقام في الجنَّة قبلَ أن يهبطَ ثلاثًا وأربعينَ سنة وأربعة أشهر. واللَّه تعالى أعلم.

стр. 236

وقد روى عبد الرزاق: عن هشام بن حسَّان، عن سوَّار، خَبر عطاءَ بن أبي رباح: أنه كان لما أُهبط رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، فحطَّه اللَّه إلى ستين ذراعًا. وقد رُوي عن ابن عباس نحوه (١). وفي هذا نظر لما تقدَّم من الحديث المتفق على صحته: عن أبي هريرة؛ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّه خلقَ آدمَ وطولُه ستونَ ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقصُ حتى الآن". وهذا يقتضي أنه خُلِقَ كذلك لا أطول من ستين ذراعًا، وأن ذرِّيته لم يزالوا يتناقصُ خلقهم حتى الآن. وذكر ابن جرير (٢): عن ابن عبَّاس: إن اللَّه قال: يا آدم! إنَّ لي حَرَمًا بحيال عرشي، فانطلقْ فابن لي فيه بيتًا، فطُفْ به كما تطوفُ ملائكتي بعرشي. وأرسلَ اللَّه له مَلَكًا فعرَّفه وعلَّمه المناسك. وذكرَ أنَّ موضعَ كلِّ خطوة خطاها آدم صارت قريةً بعد ذلك. وعنه (٣): أنَّ أوَّل طعام أكلَه آدمُ في الأرض، أنْ جاءَه جبريلُ بسبع حبَّات من حِنْطةٍ، فقال: ما هذا؟ قال: هذا من الشجرة التي نُهيتَ عنها فأكلتَ منها. فقال: وما أصنعُ بهذا؟ قال: ابذرْه في الأرض، فبذرَه، وكان كلُّ حبَّةٍ، منها زِنتُها أزيدُ من مئة ألف، فنبتتْ، فحصدَه، ثم درسَه، ثم ذرَّاه، ثم طحنَه، ثم عجنَه، ثم خبزَه فأكلَه بعد جَهْد عظيم وتَعَبٍ ونَكَد، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]. وكان أول كسوتهما من شعر الضأن، جزَّاه ثم غزلاه فنسج آدم له جبة، وَلِحَوَّاءَ درعًا وخمارًا. واختلفوا: هل وُلد لهما بالجنَّة شيءٌ من الأولاد، فقيل: لم يُولد لهما إلا في الأرض. وقيل: بل وُلد لهما فيها، فكان قابيلُ وأختُه ممن وُلد بها، فاللَّه أعلم. وذكروا أنه كان يُولد له في كلِّ بطنٍ ذكرٌ وأنثى، وأُمِرَ أنْ يُزوِّجَ كلَّ ابنٍ أختَ أخيه التي وُلدت معه والآخر بالأخرى وهلمَّ جرًّا، ولم يكن تحلُّ أختٌ لأخيها الذي وُلدت معه. * * * ذكر قصَّةِ ابنيْ آدم قابيل وهَابيل قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ

стр. 237

رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣١]. قد تكلَّمنا على هذه القصَّة في سورة المائدة في التفسير (١) بما فيه كفاية، وللَّه الحمد. ولنذكر هاهنا ملخص ما ذكرَه أئمةُ السَّلف في ذلك. فذكرَ السُّدِّي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عبَّاس. وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناسٍ من الصحابة: أنَّ آدم كان يُزوِّجُ ذكرَ كلِّ بطنِ بأنثى الآخر، وأنَّ هابيلَ أراد أن يتزوَّجَ بأخت قابيل، وكان أكبرَ من هابيل، وأختُ هابيل أحسنُ، فأراد هابيلُ أنْ يستأثرَ بها على أخيه، وأمرَه آدمُ ﵇ أن يزوِّجه إيَّاها فأبَى، فأمرَهما أن يُقرِّبا قربانًا، وذهبَ آدمُ ليحجَّ إلى مكَّة، واستحفظ السماوات على بنيه فأبينَ، والأرضين والجبال فأبينَ، فتقبَّل قابيلُ بحفظ ذلك. فلما ذهبَ قرَّبا قربانَهما، فقرَّبَ هابيلُ جَذْعةً سمينة، وكان صاحبَ غَنم، وقرَّبَ قابيلُ حزمةً من زَرْعٍ، من رديء زَرْعه، فنزلت نارٌ فأكلتْ قربانَ هابيل، وتركتْ قربانَ قابيل، فغضبَ وقالَ: لأقتلنَّكَ حتى لا تنكحَ أختي. فقال: إنما يتقبَّلُ اللَّه من المتقين (٢). ورُوي عن ابن عباس من وجوه أُخر، وعن عبد اللَّه بن عمرو، وقال عبد اللَّه بن عمرو: وايم اللَّه إن كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعَه التحرُّج أن يبسطَ إليه يدَه (٣). وذكر أبو جعفر الباقر: أنَّ آدمَ كان مباشرًا لتقرُّبهما القربانَ والتَّقبُّل من هابيل دون قابيل، فقال قابيل لآدم: إنما تَقبَّلَ منه لأنَّكَ دعوتَ له ولم تدعُ لي، وتوعَّد أخاه فيما بينَه وبينَه، فلما كان ذات ليلةٍ أبطأ هابيلُ في الرعي، فبعثَ آدمُ أخاه قابيلَ لينظرَ ما أبطأ به، فلما ذهبَ إذا هو به، فقال له: تقبَّل منكَ ولم يتقبلْ منِّي. فقال: إنما يتقبل اللَّه من المتقين، فغضبَ قابيلُ عندَها وضربَهْ بحديدةٍ كانت معه، فقتلَه. وقيل: إنه إنما قتلَه بصخرة رماها على رأسِه وهو نائمٌ فشدخته (٤). وقيل: بل خنقَه خنقًا شديدًا وعضًّا كما تفعلُ السِّباعُ فمات (٥). واللَّه أعلم. وقوله له لما توعَّده بالقتل: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] دلَّ على خُلُقٍ حَسَن، وخَوْفٍ من اللَّه تعالى وخشية منه، وتورُّعٍ أن يُقابلَ أخاه

стр. 238

بالسوء الذي أراد منه أخوه مثلَه، ولهذا ثبتَ في الصحيحين (١): عن رسول اللَّه ﷺ ؛ أنه قال: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النَّار". قالوا: يا رسول اللَّه! هذا القاتلُ فما بالُ المقتول؟ قال: "إنَّه كانَ حريصًا على قتلِ صاحبه". وقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] أي: إني أُريدُ تركَ مقاتلتكَ، وإنْ كنتُ أشدَّ منكَ وأقوى، وإذ قد عزمتَ على ما عزمتَ عليه أن تبوءَ بإثمي وإثمكَ، أي: تتحمَّلُ إثمَ قتلي مع مالكَ من الآثام المتقدِّمة قبل ذلك. قاله مجاهد، والسُّدِّي، وابن جرير، وغيرُ واحد. وليس المرادُ أنَّ آثام المقتول تتحوَّل بمجرد قتلهِ إلى القاتل، كما قد توهَّمه بعضُ الناس، فإنَّ ابنَ جرير حكى الإجماع على خلاف ذلك. وأما الحديث الذي يُورده بعضُ من لا يعلم، عن النبيِّ أنه قال: "ما تركَ القاتلُ على المقتول من ذنبٍ" فلا أصلَ له ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف أيضًا (٢). ولكن فد يتفق في بعض الأشخاص يومَ القيامة أن (٣) يُطالب المقتولُ القاتلَ، فتكونُ حسناتُ القاتل لا تفي بهذه المظلمة، فتُحوَّلُ من سيِّئات المقتول إلى القاتل، كما ثبتَ به الحديث الصحيح في سائر المظالم، والقتل من أعظمها، واللَّه أعلم. وقد حرَّرنا هذا كله في التفسير (٤) وللَّه الحمد. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي (٥): عن سعد بن أبي وقاص، أنه قال عند فتنة عثمان بن عفان: أشهدُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: إنها ستكون فتنة القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي" قال: أفرأيتَ إن دخل عليّ بيتي فبسطَ يدَه إليَّ ليقتلني؟ قال: كن كابن آدم. ورواه ابن مردويه: عن حذيفة بن اليمان مرفوعًا، وقال: "كن كخير ابني آدم" (٦).

стр. 239

وروى مسلم وأهل السنن إلا النسائي: عن أبي ذرٍّ نحو هذا (١). وأما الآخر، فقد قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدَّثنا الأعمشُ، عن عبد اللَّه بن مرّة، عن مسروق، عن ابن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تُقتلُ نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلُ (٣) من دمها، لأنه كان أول منْ سنَّ القتلَ". ورواه الجماعة سوى أبي داود (٤): من حديث الأعمش به. وهكذا روي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وإبراهيم النخعي، أنهما قالا مثل هذا سواء. [وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارةٌ يقال لها: مغارة الدم، مشهورة بأنها المكان الذي قَتَلَ قابيلُ أخاه هابيلَ عندها، وذلك مما تَلَقَّوه من أهل الكتاب، فاللَّه أعلمُ بصحة ذلك. وقد ذكر الحافظُ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير -وقال: إنه كان من الصالحين- أنه رأى النبيَّ ﷺ وأبا بكر وعمرَ وهابيلَ، وأنَّه استحلفَ هابيلَ أنَّ هذا دمه، فحلفَ له، وذكرَ أنَّه سألَ اللَّه تعالى أن يجعلَ هذا المكان يُستجابُ عنده الدعاء، فأجابَه إلى ذلك، وصدَّقه في ذلك رسولُ اللَّه ﷺ ، وقال: إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس (٥). وهذا منامٌ لو صحَّ عن أحمد بن كثير هذا لم يترتبْ عليه حكمٌ شرعيٌّ، واللَّه أعلم] (٦). وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] ذكرَ بعضُهم أنه لما قتلَه حملَه على ظهره سنةً. وقال آخرون: حملَه مئة سنة، ولم يزل كذلك حتى بعثَ اللَّه غرابين -قال السُّدِّي (٧) بإسناده عن الصحابة- أخوين، فتقاتلا، فقتلَ أحدهُما الآخرَ، فلما قتلَه عَمدَ إلى الأرض يحفرُ له فيها،

стр. 240

ثم ألقاه ودفنَه وواراه، فلما رآه يصنعُ ذلك، قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [المائدة: ٣١]. ففعلَ مثلَ ما فعلَ الغرابُ، فواراه ودفنَه. وذكر أهلُ التواريخ والسِّير؛ أنَّ آدمَ حَزِنَ على ابنه هابيل حزنًا شديدًا، وأنَّه قال في ذلك شعرًا، وهو قوله فيما ذكره ابن جرير (١)، عن ابن حميد: [من الوافر] تَغيَّرتِ البلادُ ومَنْ عليها … فوجهُ الأرضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ تغيَّرَ كلُّ ذي لَوْنٍ وطَعْمٍ … وقلَّ بشاشةُ الوَجهِ المليحِ فأُجيب آدم: [من الوافر] أبا هابيلَ قدْ قُتلا جميعًا … وصارَ الحيُّ كالميْتِ الذَّبيحِ وجاءَ بشرَّةٍ قدْ كان منْها … على خَوْفٍ، فجاءَ بها يصيحُ وهذا الشعرُ فيه نظر، وقد يكونُ آدمُ ﵇ قال كلامًا يتحزَّن به بلغتِه، فألَّفه بعضُهم إلى هذا، وفيه أقوال، واللَّه أعلم. وقد ذكر مجاهدٌ: أنَّ قابيلَ عُوجل بالعقوبة يومَ قتلَ أخاه، فعلقتْ ساقُه إلى فخذه، وجُعِلَ وجهُه إلى الشمس كيفما دارتْ تنكيلًا به، وتعجيلًا لذنبه وبغيهِ وحسده لأخيه لأبويه (٢). وقد جاء في الحديث: عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ما منْ ذَنْبٍ أجدر أن يُعجِّلَ اللَّه عقوبتَه في الدنيا مع ما يدَّخرُ لصاحبه في الآخرة من البَغْي وقطيعةِ الرحم" (٣). والذي رأيتُه في الكتابِ الذي بأيدي أهلِ الكتاب، الذين يزعمونَ أنه التوراة، أنَّ اللَّه أجَّله وأنظرَه، وأنَّه سكنَ في أرض "نَوْد" في شرق عَدن، وهم يُسمُّونه "قنين" وأنه ولد له "خنوخ" ولخنوخ "عندر" ولعندر "محوايل" ولمحوايل "متوشيل" ولمتوشيل "لامك" وتزوَّجَ هذا امرأتين "عذا" "وصلا" فولدت عذا ولدًا اسمه "إبل" وهو أوَّلُ من سكنَ القِباب واقتنى المالَ، وولدت أيضًا "نويل" وهو أوَّل من أخذَ في ضرْبِ الوَنج والصَّنَج (٤). وولدت صلا ولدًا اسمه "شوبلتين" وهو أوَّلُ من صنعَ النحاس والحديد، وبنتًا اسمها "نعمى".

стр. 241

وفيها (١) أيضًا أن آدم طافَ على امرأته فولدتْ غلامًا، ودعت اسمه "شيث" وقالت: من أجل أنه قد وهبَ لي خَلْفًا من هابيل الذي قتلَه قابيل، ووُلد لشيث "أنوش". قالوا: وكان عمرُ آدم يوم وُلد له شيث مئة وثلاثين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانمئة سنة، وكان عمرُ شيث يومَ ولد له أنوش مئة وخمسًا وستين وعاش بعد ذلك ثمانمئة سنة وسبع سنين، ووُلد له بنون وبنات غير أنوش. فولد لأنوش "قَيْنان" وله من العمر تسعون سنة، وعاش بعد ذلك ثمانمئة سنة وخمس عشرة سنة، ووُلد له بنون وبنات. فلما كان عمر قَيْنان سبعين سنة ولد له "مهلاييل" وعاش بعد ذلك ثمانمئة سنة وأربعين سنة، وولد له بنون وبنات. فلما كان لمهلاييل من العمر خمس وسبعون (٢) سنة ولد له "يرد" وعاشَ بعد ذلك ثمانمئة وثلاثين سنة، ووُلد له بنون وبنات. فلما كان ليرد مئة سنة واثنتان وستون سنة ولد له "خنوخ" وعاش بعد ذلك ثمانمئة سنة، وولد له بنون وبنات. فلما كان لخنوخ خمس وسبعون (٣) سنة ولد له "متوشلح" وعاش بعد ذلك ثلاثمئة (٤) سنة، ووُلد له بنون وبنات. فلما كان لِمُتَوَشْلِخ مئة وسبع وثمانون سنة ولد له "لامك" وعاش بعد ذلك سبعمئة واثنتين وثمانين سنة، وولد له بنون وبنات. فلما كان للامك من العمر مئة واثنتان وثمانون سنة ولد له "نوح" وعاش بعد ذلك خمسمئة وخمسًا وتسعين سنة، وولد له بنونَ وبنات، فلما كان لنوحٍ خمسمئة سنة، وُلد له بنوه "سام" و"حام" و"يافث". هذا مضمون ما في كتابهم صريحًا (٥).

стр. 242

وفي كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزلَ من السماء نظرٌ كما ذكرَه غيرُ واحد من العلماء طاعنين عليهم في ذلك، والظاهر أنها مقحمة فيها، ذكرَها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير، وفيها غلط كثير كما سنذكره في مواضعه إن شاء اللَّه تعالى. وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير في "تاريخه" عن بعضهم (١): أنَّ حواءَ ولدت لآدم أربعينَ ولدًا في عشرين بطنًا، قاله ابن إسحاق، وسمَّاهم، واللَّه تعالى أعلم. وقيل: مئة وعشرين بطنًا، في كلِّ واحدٍ ذكرٌ وأنثى. أولهم "قابيل" وأخته "قليما" وآخرهم "عبد المغيث" وأخته "أم المغيث". ثم انتشرَ النَاسُ بعد ذلك وكثروا، وامتدُّوا في الأرض ونموا، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] الآية. وقد ذكرَ أهلُ التاريخ أنَّ آدمَ ﵇ لم يمتْ حتَّى رأى من ذرِّيتهِ من أولاده وأولاد أولاده أربعمئة ألف نسمة، واللَّه أعلم. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠]. الآيات فهذا تنبيه أولًا بذكر آدم، ثم استطرد إلى الجنس، وليس المراد بهذا ذكر آدم وحواء، بل لما جرى ذكر الشخص استطرد إلى الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] ومعلوم أن رجومَ الشياطين ليست هي أعيانُ مصابيح السماء، وإنما استطردَ من شخصها إلى جنسها. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا عمر بن إبراهيم، حدَّثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرةَ، عن النبي ﷺ ، قال: "لما ولدت حوَّاءُ طافَ بها إبليسُ، وكان لا يعيشُ لها ولد، فقال: سمِّيه عبدَ الحارث فإنَّه يعيشُ، فسمَّته عبدَ الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره". وهكذا رواه الترمذي (٣)، وابن جرير (٤)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه (٥) في تفاسيرهم عند هذه الآية. وأخرجه الحاكم (٦) في مستدركه، كلُّهم من حديث

стр. 243

عبد الصمد بن عبد الوارث، به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يُخرِّجاه. وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه (١). فهذه علة قادحة في الحديث أنه روي موقوفًا على الصحابي وهذا أشبه (٢)، والظاهر أنه تلقاه من الإسرائيليات، وهكذا رُوي موقوفًا على ابن عباس. والظاهر أن هذا مُتلقَّى عن كعب الأحبار ودوّنه، واللَّه أعلم. وقد فسَّر الحسنُ البصريُّ هذه الآيات بخلاف هذا، فلو كان عنده عن سَمُرة مرفوعًا لما عدلَ عنه إلى غيره، واللَّه أعلم. وأيضًا فاللَّه تعالى إنما خلقَ آدم و حوَّاء ليكونا أصلَ البشر، وليبثَّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، فكيف كانت حوَّاء لا يعيشُ لها ولد كما ذُكرَ في هذا الحديث إن كان محفوظًا؟! والمظنون بل المقطوع به أن رفعَه إلى النبي ﷺ خطأ، والصوابُ وقفه، واللَّه أعلم. وقد حرَّرنا هذا في كتابنا التفسير (٣) وللَّه الحمد. ثم قد كان آدم وحواء أتقى للَّه مما ذكر عنهما في هذا، فإنَّ آدمَ أبو البشر الذي خلقَه اللَّه بيده ونفخَ فيه من روحه، وأسجدَ له ملائكته، وعلَّمه أسماءَ كلِّ شيءٍ، وأسكنَه جنَّته. وقد روى ابنُ حبَّان في صحيحه: عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول اللَّه! كم الأنبياء؟ قال: "مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا". قلت: يا رسول اللَّه! كم الرسل منهم؟ قال: "ثلاثمئة وثلاثة عشر جمٌّ غفير". قلت: يا رسول اللَّه! من كان أوَّلهم؟ قال: آدم. قلت: يا رسول اللَّه! نبي مرسل؟ قال: "نعم، خلقه اللَّه بيده، ثم نفخَ فيه من رُوحه، ثم سوَّاه قُبُلًا" (٤). وقال الطبراني (٥): حدَّثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدَّثنا شيبان بن فَرُّوخ، حدَّثنا نافع أبو هرمز، عن عطاء بن أبي رَباح، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أخبركم بأفضلِ الملائكةِ جبريل، وأفضل النبييّن آدم، وأفضل الأيام يوم الجمعة، وأفضل الشهور شهر رمضان، وأفضل اللَّيالي ليلة القدر، وأفضلُ النِّساء مريمُ بنت عمران" (٦). وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، فإنَّ نافعًا أبا هرمز

стр. 244

هذا كذَّبه ابن مَعين، وضعَّفه أحمد، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم، وابن حبان وغيرهم (١)، واللَّه أعلم. وقال كعب الأحبار: ليس أحدٌ في الجنَّة له لحيةٌ إلا آدم، لحيتُه سوداء إلى سُرَّته، وليس أحدٌ يكتني في الجنَّة إلا آدم، كنيتُه في الدنيا أبو البشر وفي الجنَّة أبو محمد. وقد روى ابنُ عديّ: من طريق شيخ (٢) بن أبي خالد، عن حمَّاد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللَّه، مرفوعًا "أهلُ الجنَّةِ يُدعونَ بأسمائهم إلا آدم، فإنه يُكنَّى أبا محمد" (٣). ورواه ابن عديّ (٤) أيضًا: من حديث علي بن أبي طالب، وهو ضعيفٌ من كلِّ وجهٍ، واللَّه أعلم. وفيه حديث الإسراء الذي في الصحيحين: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لما مرَّ بآدمَ وهو في السماء الدنيا، قال له: "مرحبًا بالابن الصالح، قال: وإذا عن يمينه أسْودةٌ وعن يساره أسودة، فإذا نظرَ عن يمينه ضحكَ، وإذا نظرَ عن شمالِه بكى، فقك: يا جبريل! ما هذا؟ قال: هذا آدمُ وهؤلاء نسم بنيه، فإذا نظرَ قِبَلَ أهل اليمين وهم أهلُ الجنَّة ضحكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ أهلِ الشمالِ وهم أهل النار بكى" (٥) هذا معنى الحديث. وقال أبو بكر البزار: حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام بن حسان، عن الحسن، قال: كانَ عقلُ آدمَ مثلَ عَقْل جميعِ ولدِه (٦). وقال بعض العلماء: في قوله ﷺ : "فمررتُ بيوسفَ، وإذا هو قد أُعطي شَطْرَ الحُسْنِ". قالوا: معناه أنه كان على النِّصْفِ من حُسْن آدمَ ﵇. وهذا مناسب، فإنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ وصوَّره بيده الكريمة ونفخَ فيه من رُوحه، فما كان ليخلُقَ إلا أحسنَ الأشباه. وقد روينا: عن عبد اللَّه بن عمرو، وابن عمر أيضًا، موقوفًا ومرفوعًا: "إنَّ اللَّه تعالى لما خلقَ الجنَّة، قالت الملائكة: يا ربَّنا اجعلْ لنا هذه فإنَّكَ خلقتَ لبني آدمَ الدنيا يأكلون فيها ويشربونَ. فقالَ اللَّه تعالى: وعزَّتي وجَلالي لا أجعلُ صالحَ ذريَّةِ منْ خلقتُ بيدي كمن قلتُ له كن فكان" (٧). وقد وردَ الحديثُ المرويُّ في الصحيحين وغيرهما من طرق أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّه خلقَ آدمَ

стр. 245

على صُورته" (١) وقد تكلَّم العلماء على هذا الحديث، فذكروا فيه مسالكَ كثيرة، ليس هذا موضع بسطها. [وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد ربه بن صالح القرشي الدمشقي (٢)، يروي عن مكحول وغيره، وعبد الحكيم، ومروان الطاطري، وسليمان بن عبد الرحمن، وهشام بن عمار، وهشام بن خالد، روى من طريق هشام بن عمَّار، أنه سمعَ عروةَ بن رويم، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لما خلق اللَّه آدم وذريَّته، قالت الملائكة: يا ربنا خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال اللَّه : لا أجعلُ منْ خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له كن فكان"] (٣). * * * ذكرُ وَفَاة آدم وَوَصيّته إلى ابنه شيث ﵇ ومعنى شيث: هبة اللَّه، وسمَّياه بذلك لأنهما رُزقاه بعد أن قُتِلَ هابيل. قال أبو ذرّ في حديثه عن رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه أنزلَ مئة صحيفةٍ وأربع صحف، على شيث خمسين صحيفة" (٤). قال محمد بن إسحاق: ولما حضرتْ آدمَ الوفاةُ عَهِدَ إلى ابنه شيث، وعلَّمه ساعاتِ الليل والنهار، وعلَّمه عباداتِ تلك الساعات، وأعلمَه بوقوع الطُّوفان بعدَ ذلك. قال: ويُقال: إنَّ أنسابَ بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث، وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادُواد (٥)، واللَّه أعلم. ولما تُوفي آدمُ ﵇ -وكان ذلك يوم الجمعة- جاءته الملائكة بحَنُوط وكَفَن من عند اللَّه من الجنة، وعزَّوا فيه ابنَه ووصيَّهُ شيثًا، ﵇. قال ابن إسحاق (٦): وكُسِفت الشمسُ والقمر سبعة أيَّام بلياليهن.

стр. 246

وقد قال عبد اللَّه ابن الإمام أحمد (١): حدَّثنا هدبة بن خالد، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن حُميد، عن الحسن، عن عُتَي -هو ابن ضمرة السعدي- قال: رأيتُ شيخًا بالمدينة يتكلَّمُ فسألتُ عنه: فقالوا: هذا أُبيُّ بن كعب، فقال: إن آدمَ لما حضرَه الموتُ قالَ لبنيه: أيْ بنيّ إني أشتهي من ثمارِ الجنَّة. قال: فذهبوا يطلبونَ له فاستقبلتْهم الملائكة ومعهم أكفانُه وحنُوطه، ومعهم الفؤوس والمساحي والمَكاتل، فقالوا لهم: يا بني آدم ما تُريدون وما تطلبون؟ -أو ما تُريدون وأين تطلبون- قالوا: أبونا مريضٌ واشتهى من ثمار الجنة. فقالوا لهم: ارجعوا فقد قضى (٢) أبوكم. فجاؤوا، فلما رأتهم حوَّاء عَرَفتهم، فلاذت بآدمَ، فقال: إليكِ عنِّي فإني إنما أُتيت من قبلك، فخلّي بيني وبين ملائكة ربِّي ، فقبضُوه وغسَّلوه وكفَّنوه وحنَّطوه، وحفروا له ولحدوه، وصلّوا عليه، ثم أدخلوه قبرَه فوضعوه في قبره، ثم حثوا عليه، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم. إسناد صحيح إليه. وروى ابن عساكر: من طريق شيبان بن فَرُّوخ، عن محمّد بن زياد، عن ميمونَ بن مِهْران، عن ابن عبَّاس أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: "كبَّرتِ الملائكةُ على آدمَ أربعًا، وكبَّر أبو بكرٍ على فاطمةَ أربعًا، وكبَّر عمرُ على أبي بكرٍ أربعًا، وكبَّر صُهَيْبٌ على عمرَ أربعًا" (٣). قال ابنُ عساكر: ورواه غيره، عن ميمون، فقال: عن ابن عمر. واختلفوا في موضع دفنه: فالمشهور أنه دُفنَ عند الجبل الذي أُهبط منه في الهند. وقيل: بجبل أبي قُبَيْس بمكة. ويقال: إن نوحًا ﵇ لما كانَ زمن الطّوفان حملَه هو وحوَّاء في تابوت، فدفنَهما ببيت المقدس. حكى ذلك ابن جرير (٤). وروى ابنُ عساكر: عن بعضهم: أنه قال: رأسُه عند مسجد إبراهيم، ورجلاه عند صَخْرة بيتِ المقدس. وقد ماتت بعده حوَّاء بسنة واحدة. واختُلف في مقدار عُمُره ﵇، فقدَّمنا في الحديث عن ابن عبَّاس، وأبي هريرة، مرفوعًا: أنَّ عُمُره اكْتُتبَ في اللَّوحِ المحفوظِ ألفَ سنةٍ (٥). وهذا لا يُعارضه ما في التوراة من أنه عاش تسعمئة وثلاثين سنة؛ لأن قولهم هذا مطعون فيه، مردود إذا خالفَ الحقَّ الذي بأيدينا، مما هو المحفوظ عن

стр. 247

المعصوم. وأيضًا فإنَّ قولهم هذا يمكن الجمع بينه وبين ما في الحديث، فإن ما في التوراة إن كان محفوظًا محمولٌ على مدَّة مُقامه في الأرض بعد الإهباط، وذلك تسعمئة وثلاثون سنة شمسية، وهي بالقمرية تسعمئة وسبع وخمسون سنة، ويُضاف إلى ذلك ثلاث وأربعون سنة مُدَّة مقامه في الجنَّة قبلَ الإهباط على ما ذكرَه ابنُ جرير وغيره، فيكون الجميع ألف سنة. وقال عطاء الخراساني: لما مات آدمُ بكتِ الخلائقُ عليه سبعةَ أيَّام. رواه ابن عساكر (١). فلما ماتَ آدمُ ﵇ قامَ بأعباء الأمر بعدَه ولدُه شيث ﵇، وكان نبيًّا بنصِّ الحديث الذي رواه ابن حِبَّان في صحيحه (٢): عن أبي ذر، مرفوعًا: أنه أُنزلَ عليه خمسون صحيفة. فلما حانتْ وفاتُه أوصى إلى ابنه "أنوش" فقامَ بالأمر بعدَه، ثم بعده ولده "قينن". ثم من بعده ابنه "مهلاييل" وهو الذي يزعمُ الأعاجم من الفرس أنه ملَكَ الأقاليمَ السبعة، وأنَّه أوَّلُ من قطعَ الأشجار، وبنى المدائن والحصون الكبار، وأنَّه هو الذي بنى مدينةَ بابل، ومدينة السوس الأقصى، وأنه قهرَ إبليسَ وجنودَه وشرَّدهم عن الأرض إلى أطرافها وشعاب جبالها، وأنه قتلَ خَلْقًا من مرَدة الجنِّ والغيلان، وكان له تاج عظيم، وكان يخطبُ النَّاس، ودامت دولتُه أربعينَ سنة. فلما ماتَ قامَ بالأمر بعدَه ولدُه "يرد" فلما حضرتْه الوفاة أوصى إلى ولده "خنوخ" وهو إدريسُ ﵇، على المشهور. * * * ذِكرُ إدريس ﵇ قال اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٦ - ٥٧.] فإدريس ﵇ قد أثنى اللَّه عليه ووصفَه بالنبوة والصِّدِّيقيَّة، وهو "خنوخ" هذا، وهو في عمود نسب رسول اللَّه ﷺ على ما ذكرَه غير واحد من علماء النسب. وكان أوَّل بني آدم أُعطي النبوة بعد آدمَ وشيث ﵉. وذكر ابن إسحاق: أنَّه أوَّلُ من خطَّ بالقلم، وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمئة سنة وثماني سنين. وقد قال طائفة من الناس: إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي، لما سألَ رسولَ اللَّه

стр. 248

ﷺ عن الخطِّ بالرمل، فقال: "إنَّه كان نبيٌّ يخطُّ به، فمن وافقَ خطَّه فذاك" (١). ويزعمُ كثيرٌ من علماء التفسير والأحكام: أنَّه أوَّل من تكلَّم في ذلك، ويُسمُّونه هرمس (٢) الهرامسة، ويكذبون عليه أشياءَ كثيرةً، كما كذبوا على غيره من الأنبياء والعلماء والحكماء والأولياء. وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] هو كما ثبتَ في الصحيحين في حديث الإسراء: أنَّ رسول اللَّه ﷺ مرَّ به وهو في السماء الرابعة. وقد روى ابن جرير (٣): عن يونس، عن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سألَ ابنُ عبَّاس كَعْبًا وأنا حاضر، فقال له: ما قول اللَّه تعالى لإدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] فقال كعبٌ: أما إدريس فإن اللَّه أوحى إليه أنِّي أرفعُ لك كلَّ يوم مثل جميع عمل بني آدم -لعله من أهل زمانه- فأحب أن يزدادَ عملًا، فأتاه خليلٌ له من الملائكة، فقال: إنَّ اللَّه أوحى إلي كذا وكذا فكلِّم فيَّ ملَكُ الموت حتى أزداد عملًا، فحملَه بين جناحيْه حتى صَعِد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه مَلَكُ الموتِ منحدرًا، فكلَّم مَلَك الموتِ في الذي كلَّمه فيه إدريس، فقال: وأينَ إدريسُ؟ قال: هو ذا على ظهري. فقال مَلكُ الموتِ: فالعجبُ بُعثتُ وقيل لي: اقبضْ روحَ إدريس في السماء الرابعة، فجعلتُ أقولُ كيف أقبضُ روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبضَ روحَه هناك، فذلك قول اللَّه ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] ورواه ابن أبي حاتم (٤) عند تفسيرها، وعنده، فقالَ لذلك الملك: سلْ لي ملَك الموت: كم بقيَ من عُمُري؟ فسألَه وهو معه: كم بقيَ من عُمره؟ فقال: لا أدري، حتى أنظرَ، فقال: إنَّك لتسألُني عن رجل ما بقيَ من عُمُره إلا طَرْفَة عَيْن فنظرَ الملك إلى تحت جناحِه إلى إدريس، فإذا هو قد قُبِضَ وهُو لا يشعرُ. وهذا من الإسرائيليات، وفي بعضه نكارةٌ. وقولُ ابن أبي نجيْح، عن مجاهد (٥)، في قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] قال: إدريسُ رُفعَ ولم يمتْ، كما رُفعَ عيسى؛ إنْ أرادَ أنه لم يمت إلى الآنَ ففي هذا نظرٌ، وإنْ أرادَ أنَّه رُفعَ حيًّا إلى السماء، ثم قُبضَ هناكَ، فلا يُنافي ما تقدَّم عن كعب الأحبار، واللَّه أعلم.

стр. 249

وقال العَوْفي (١): عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] رُفع إلى السماء السادسة فمات بها. وهكذا قال الضَّحَّاك. والحديثُ المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصحُّ، وهو قول مجاهد، وغير واحد. وقال الحسن البصري ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] قال: إلى الجنة. وقال قائلون: رُفعَ في حياة أبيه يَرد بن مَهلاييل، واللَّه أعلم. وقد زعمَ بعضُهم أنَّ إدريس لم يكنْ قبلَ نوح، بل في زمان بني إسرائيل. قال البخاري (٢): ويُذكر عن ابن مسعود، وابن عباس؛ أنَّ إلياس هو إدريس، واستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري، عن أنس في الإسراء؛ أنه لما مرَّ به ﵇ قال له: "مرحبًا بالأخ الصَّالح والنَّبيِّ الصالح، ولم يقل كما قال آدمُ وإبراهيم: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالح والابن الصَّالح "قالوا: فلو كانَ في عمود نسبه لقال له كما قال له. وهذا لا يدلُّ ولا بُدَّ، لأنه قد لا يكون الراوي حفظه جيِّدًا، أو لعله قاله له على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتصبْ له في مقام الأبُوَّة كما انتصبَ لآدمَ أبي البشر وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن وأكبر أولي العزم بعد محمَّدٍ، صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين. * * *

стр. 250

قصَّةُ نوح ﵇ هو نوح بن لامك، بن متوشلخ، بن خنوخ -وهو إدريس- بن يَرد، بن مهلاييل، بن قَيْنن، بن أنوش، بن شيث بن آدم أبي البشر ﵇. وكان مولدُه بعد وفاة آدم بمئة سنة وست وعشرين سنة فيما ذكره ابن جرير (١) وغيره. وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مئة وست وأربعون سنة. وكان بينهما عشرة قرون، كما قال الحافظ أبو حاتم بن حبان في صحيحه (٢): حدَّثنا محمد بن عمر بن يوسف، حدَّثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدَّثنا أبو توبة، حدَّثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، سمعتُ أبا سلام، سمعتُ أبا أمامة: أنَّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه! أنبيُّ كانَ آدمُ؟ قال: "نعم، مُكلَّم". قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون". قلت: وهذا على شرط مسلم، ولم يخرِّجوه. وفي صحيح البخاري (٣): عن ابن عبَّاس؛ أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلُّهم على الإسلام. فإن كان المراد بالقرن مئة سنة كما هو المتبادر عند كثير من الناس، فبينهما ألف سنة لا محالة، لكن لا ينفي أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عبَّاس بالإسلام، إذ قد يكون بينهما قرون أُخر متأخرة لم يكونوا على الإسلام، لكن حديث أبي أمامة يدلُّ على الحصر في عشرة قرون، وزادَنا ابنُ عبَّاس أنهم كلهم كانوا على الإسلام. وهذا يردُّ قولَ من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهلِ الكتاب: أنَّ قابيلَ وبنيه عَبدُوا النَّار، واللَّه أعلم. وإن كانَ المرادُ بالقَرْن الجيلَ من الناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧] وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمون: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] وقال ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [مريم: ٧٤] وكقوله ﵇: "خيرُ القرونِ قرني" (٤) الحديث. فقد كان الجيل قبلَ نوح يُعمَّرون الدهور الطويلة، فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين، واللَّه أعلم.
следующие страницы →