← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

غَزْوَة الخَنْدَقِ، ثم غَزوة بني قُرَيْظة، ثم غَزْوةَ بني لِحْيان من هُذَيل، ثم غَزْوة ذي قَرَدٍ، ثم غَزْوة بني المُصْطَلق من خزاعة، ثم غزوة الحُدَيْبية، لا يريد قتالًا، فَصَدَّه المشركون، ثم غَزْوة خَيْبر، ثم عُمْرة القَضاء (١)، ثم غَزْوة الفَتْح، [ثم غزوة حنين] (٢)، ثم غزوة الطائف، ثم غَزْوة تَبوك. قال ابن (٣) إسحاق: قَاتَلَ منها في تِسْع غَزَواتٍ، غزوة (٤) بَدْر، وأُحُد، والخَنْدق، وقُرَيْظَة، والمُصْطَلق، وخَيْبَر، والفَتْح، وحُنَيْن، والطَّائف. قلتُ: وَقَدْ تَقَدمَ ذلك كلُّه مَبْسوطًا في أماكنه بشواهِدِه وأدِلَّتِهِ، وللَّه الحمد. قال ابن إسحاق (٥): وكانت بعوثه ﵊ وسراياه ثمانيًا وثلاثين، من بَيْن بَعْثٍ وسَريَّةٍ. ثم شَرَعَ ﵀ في ذكر تَفْصيل ذلك. وقد قدمنا ذلك كُلَّه أو أكثره مُفَصَّلًا في مواضعه وللَّه الحمد والمنة. ولنذكر ملخص ما ذكره ابن إسحاق: بَعْثُ عُبَيدة بن الحارث، إلى أسفل ثنيَّةِ المَرَةِ (٦). ثم بَعَثَ حمزةَ بنَ عبدِ المُطَّلب إلى الساحل من ناحية العيص، ومن الناس من يُقَدِّمُ هذا على بَعْثِ عُبَيْدَةَ كما تقدم. فاللَّه أعلم. بَعْثُ سَعْد بن أبي وقاص إلى الخَرّار (٧). بَعْثُ عبد اللَّه بن جَحْش إلى نَخْلَة (٨). بعث زيد بن حارثة إلى القَرَدة. بعث مُحَمَّد بن مَسْلمة إلى كَعْب بن الأشْرف. بعث مَرْثَد بن أبي مَرْثَد إلى الرَّجيع. بعثُ المُنْذر بن عمرو إلى بئر مَعونَةَ.

стр. 2487

بعثُ أبي عُبَيْدة إلى ذي القَصَّة (١). بعث عمر بن الخطاب إلى تُرْبةَ (٢) في أرض بني عامر. بعث عليّ إلى اليمن. بعث غالبِ بن عبد اللَّه الكَلْبي إلى الكَديد فأصاب بني المَلَوَّح، أغار عليهم في الليل. فقتل طائفةً منهم، واستاق نِعَمَهُمْ، فجاء نفيرهم في طلب النَّعَمِ، فلما اقْتَرَبُوا حالَ بَيْنَهُمْ وبينهم (٣) وادٍ من السَّيْلِ، وأسَروا في مسيرهم هذا الحارثَ بن مالك ابن البَرْصاءَ. وقد حرر ابن إسحاق هذا هاهنا وقد تقدم بيانه. بعث (٤) عليّ بن أبي طالب إلى أرض فَدَك. بعث أبي (٥) العَوْجاء السُّلَمي إلى بني سُلَيْم، أُصيب هو وأصحابه. بعثُ عُكَاشة إلى الغَمْرة. بعث أبي سَلَمة بن عبد الأسَد إلى قَطَنٍ وهو ماءٌ بنجدٍ لبني أسَد. بعث محمد بن مَسْلَمَة [أخي بني حارثة] (٦) إلى القُرَطاء من هوازن. بعث بَشير بن سَعْدٍ إلى بني مُرَّة بفَدَك. وبعثه أيضًا إلى ناحية حنين. بعث زيد بن حارثة إلى الجَموم من أرض بني سُلَيْم. بَعْثُ زيد بن حارثة إلى جُذامٍ من أرض بني خُشَيْنٍ. قال ابن هشام (٧): وهي من أرض حِسْمَى. وكان سَبَبُها -فيما ذكره ابن إسحاق وغيره-: أنَّ دِحيةَ بن خَليفة لما رجَعَ من عند قيصر، وقد أبلغه كتابَ رسولِ اللَّه ﷺ يَدْعُوه إلى اللَّه، فأعطاه من عنده تُحَفًا وهدايا، فلما بلغ واديًا في أرض بني جُذام يقال له: شَنارٌ. أغارَ عليه الهُنَيْدُ بن عَوْص، وابنه عَوْصُ بن الهُنَيْد الضُلَيْعيّان، والصُّلَيْع (٨) بطن من جُذامٍ، فأخذا ما معه، فنفرَ حَيٌّ منهم قد أسْلَموا فاسْتَنْقذوا ما كان أُخذَ لدِحية فردُّوه عليه، فلما رجَع دِحْية إلى رسول اللَّه ﷺ أخْبَره الخبر، واسْتَسْقاه دم الهُنَيْد وابنه

стр. 2488

عَوْص، فَبَعَث حينئذٍ زيدَ بن حارثة في جيش إليهم، فساروا إليهم من ناحية الأولاج، فأغار بالماقصِ من ناحية الحَرَّة، فجَمَعوا ما وَجَدوا من مالٍ وناسٍ، وقتلوا الهُنَيْد وابنَه ورَجُلَيْن من بني الأحْنَف، ورجلًا من بني خَصيبٍ، فلما احتاز زيدٌ أموالهم وذراريهم اجتمع نفرٌ منهم برفاعة بن زيد، وكان قد جاءه كتاب من رسول اللَّه ﷺ يدعوهم إلى اللَّه، فَقَرأهُ عليهم رفاعةُ، فاستجاب له طائفةٌ منهم، ولم يَكُنْ زَيْدُ بن حارثة يعلمُ بذلك (١)، فركبوا إلى رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة في ثلاثة أيام فأَعْطَوْهُ الكِتابَ، فأمرَ بقراءَتِهِ جَهْرةً على الناس. ثم قال رسول اللَّه: "كَيْفَ أصْنَعُ بالقَتْلَى؟ " ثلاث مرات. فقال رجُلٌ منهم، يقال له: أبو زيد بن عمرو: أطْلِقْ لنا يا رسولَ اللَّهِ منْ كانَ حَيًّا، ومن قُتِلَ فهو تَحْتَ قَدَمي هذه؟ فبعثَ مَعَهم رسولُ اللَّه ﷺ عليَّ بن أبي طالب. فقال عليّ: إن زيدًا لا يُطيعُني، فأعطاهُ رسولُ اللَّه ﷺ سيفَه علامةً، فسار معهم على جَمَلٍ لهم. فَلَقوا زَيْدًا وجَيْشَه، ومعهم الأموالُ والذَّراري بفَيْفاء الفَحْلَتين، فَسَلَّمَهم عليٌّ جميعَ ما كانَ أُخِذَ لَهُمْ لم يفقدوا منه شيئًا. بعث زيد بن حارثة (٢) أيضًا إلى بني فزارة بوادي القرى، فقتل طائفة من أصحابه وارْتُثَّ (٣) هو منْ بينِ القَتْلى، فلما رَجَعَ آلى أن لا يَمَسَّ رأسَه غُسْلٌ من جَنابةِ حتى يَغْزُوَهُمِ أيضًا، فلما اسْتَبَلَّ (٤) من جِراحِه بَعَثَهُ رسولُ اللَّه ﷺ ثانيًا في جيشٍ، فَقَتَلَهُمْ بوادي القُرى، وأسرَ أُمَّ قِرْفةَ فاطِمَةَ بنتَ رَبيعةَ بن بدر، وكانَتْ عند مالكِ بن حُذَيْفَةَ بن بدرٍ، ومعها ابنة لها، فأمر زَيْدُ بن حارِثَة قَيْسَ بن المُسَحَّر اليَعْمريَّ، فَقَتَل أُمَّ قِرْفَةَ، واسْتَبْقَى ابنَتَهَا، وكانت من بَيْتِ شَرَفٍ، يُضْرَبُ بأم قِرفَةَ المَثَلُ في عِزّها (٥)، وكانتْ بنتُها مع سَلَمَة بن الأكْوَع فاستوَهَبها منه رسول اللَّه ﷺ فأَعْطاه إيّاها، فوَهَبَها رسولُ اللَّه لخالِه حَزْن بن أبي وَهْبٍ، فوَلَدَتْ له ابنَهُ عبدَ الرحمن. بَعْثُ عبد اللَّه بن رَوَاحة (٦) إلى خَيْبَرَ مَرَّتين: إحداهما التي أصاب فيها اليُسيرَ بن رِزامٍ، وكانَ يَجْمع غطفانَ لغزوِ رسولِ اللَّه ﷺ فبعثَ رسولُ اللَّه عبد اللَّه بن رَواحة في نَفَرٍ منهم عبد اللَّه بن أُنَيْس فقدموا عليه، فلم يَزالوا يُرَغِّبونه ليُقْدِموه على رسول اللَّه ﷺ ، فسار مَعَهم، فلما كانوا بالقَرْقَرَةِ على ستةِ أميالٍ من

стр. 2489

خيبر، ندم اليسيْرُ على مَسيرِه، ففطِنَ له عبدُ اللَّه بن أُنَيْس -وهو يريد السَّيْفَ- فضربه بالسَّيفِ فأطن (١) قدمه، وضربه اليسير بمِخْرشٍ (٢) من شَوْحَطٍ (٣) في رأسه فأمَّه، ومال كلُّ رجل من المسلمين على صاحبه من اليهود فَقَتَله إِلَّا رجلًا واحدًا أفْلَتَ على رجليه (٤)، فلما قدم ابن أنَيْس تَفَل في رَأْسِه رسولُ اللَّه ﷺ فلم يَقِحْ جرحه ولم يُؤْذِهِ. قلتُ: وأظنُّ البعث الآخَر إلى خيبر لما بعثه ﵊ خارصًا (٥) على نخيل خَيْبَر، واللَّه أعلم. بعْثُ عبد (٦) اللَّه بن عَتِيكٍ وأصحابه إلى خيبر، فقتلوا أبا رافع اليهودي. بعث عبد اللَّه بن أُنَيْس إلى خالدِ بن سُفْيان بن نُبَيْح فقتله، بعُرَنة (٧). وقد روى ابنُ إسحاق قِصَّتَهُ هاهنا مُطوَّلةً (٨) وقد تقدَّم ذكرها في سنة خمسٍ واللَّه أعلم. (بعث زيد بن حارثة وجعفر وعبد اللَّه بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام فأصيبوا كما تقدم. بعث كعب (٩) بن عمير) (١٠) إلى ذات أطْلاحٍ من أرض الشَّام، فأصيبوا جميعًا أيضًا. بعث عُيَيْنة بن حصن بن حُذَيْفة بن بدرٍ (١١) إلى بني العَنْبر من تَميم، فأغار عليهم، فأصاب منهم أُناسًا، ثم ركبَ وَفْدُهم إلى رسول اللَّه ﷺ في أَسراهم، فأعْتَقَ بعضًا وفَدَى بعضًا. بعث غالب بن عبد اللَّه (١٢) أيضًا إلى أرض بني مرة، فأُصيب بها مِرْداسُ بن نَهيكٍ حليفٌ لهم من الحُرَقةِ من جُهَيْنة قتله أسامة بن زيد، ورجل من الأنصار أدْركاه، فلما شَهَرا السِّلاحَ، قال: لا إله إِلَّا اللَّه، فلما رَجَعا لامَهُمَا رسولُ اللَّه ﷺ أشدَّ اللومِ، فاعْتَذَرا بأنَّه ما قال ذلك ألا تَعَوُّذا من القَتْلِ. فقال لأسامة: هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قلبِهِ؟ وجعلَ يَقولُ لأُسامة: منْ لكَ بلا إله إِلَّا اللَّه يَوْمَ القِيامةِ. قال أسامة:

стр. 2490

فما زال يُكَرِّرُها حَتّى لوددت (١) أنْ لمْ أكُنْ أسلمتُ قبلَ ذلك. وقد تقدَّم الحديث بذلك. بعث عمرو بن العاص (٢) إلى ذات السَّلاسِلِ من أرْضِ بني عُذْرة يَسْتَنْفِرُ العَرَبَ إلى الشَّام، وذلك أن أمَّ العاص بن وائلٍ كانَتْ من بَلِيٍّ، فلذلك بَعَث عَمْرًا يَسْتَنْفِرُهُم ليَكُونَ أنْجَعَ فيهم فلمّا وَصَلَ إلى ماءٍ لهم يقال له السَّلْسَل خافَهُمْ، فبعثَ يَسْتَمِدُّ رسولَ اللَّه ﷺ ، فبَعَثَ إليه (٣) رسول اللَّه ﷺ سريةً فيهم أبو بكر وعمر، وعليها أبو عُبَيْدة بن الجَرَّاحِ، فلما انْتَهْوا إليه تأمّر عليهم كُلِّهم عَمْرو (٤)، قال: إنما بُعِثتُمْ مَدَدًا لي. فلم يُمانِعْهُ أبو عُبَيْدة: لأنَّه كَان رَجُلًا سَهْلًا لَيِّنًا هَيْنًا عليه (٥) أمر الدنيا، فسلَّم له، وانْقادَ معه، فكانَ عمرو يُصلِّي بهم كلِّهم، ولهذا لما رَجَعَ قال: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الناسِ أحَبُّ إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال (٦)؟ قال: أبوها. بعثُ عبدِ اللَّه بن أبي حَدْرَدٍ (٧) إلى بطن إضَمٍ، وذلك قَبْلَ فَتْحِ مكَّةَ، وفيها قصة مُحَلِّمِ بن جَثّامة، وقد تقدَّم مُطَوَّلًا في سنة سبع. بعث ابن أبي حدرد (٨) أيضًا إلى الغابة. بعث عبد الرحمن بن عوف (٩) إلى دُومة الجَنْدَل. قال محمد بن إسحاق: حدّثني منْ لا أتَّهِمُ، عن عطاء بن أبي رباح، قال: سمعتُ رَجُلًا من أهل البَصْرَةِ يَسْألُ عبدَ اللَّهِ بن عُمَرَ بن الخَطّاب عن إرسال العِمامَةِ من خَلْفِ الرَّجُلِ إذا اعْتَمَّ، قال: فقال عبد اللَّه: أُخْبِرُكَ، إن شاء اللَّه، عن ذلك، تَعلَم أني كُنْتُ عاشِرَ عَشَرةِ رَهْطٍ من أصْحابِ النَّبِيّ ﷺ في مَسْجِده، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، ومعاذ بن جَبَلٍ، وحُذَيْفة بن اليَمان، وأبو سعيد الخُدْري، وأنا مع رسول اللَّه ﷺ إذ (١٠) أقبلَ فَتى من الأنصار فسَلَّم على رسول اللَّه ثم جلس، فقال: يا رسول اللَّه أيُّ المُؤْمنين أفضلُ؟ قال: أحسَنُهُمْ خُلُقًا. قال: فَأيُّ

стр. 2491

المؤمنين أكْيسُ؟ قال: أكْثَرُهُمْ ذِكْرًا للمَوْتِ وأحْسَنُهُم استعدادًا له قبلَ أنْ ينْزِلَ به، أولئك الأكْياس (١)، ثم سَكَتَ الفَتى. وأقْبَلَ علينا رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال: يا مَعْشَرَ المُهاجرين، خمسُ خِصالٍ إذا نَزَلْنَ بكم -وأعوذُ باللَّه أن تُدْرِكوهنَّ- إِنَّه لم تظْهَر الفاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطّ حتّى يُعْلنوا بها (٢) إِلَّا ظَهَرَ فيهم الطّاعونُ والأوْجاعُ التي لم تكُنْ في أسْلافِهِم الذين (٣) مَضَوْا، ولم يَنْقُصوا المِكْيالَ والمِيزانَ إِلَّا أُخذوا بالسِّنين وشدَّة المُؤْنَةِ وجَوْرِ السُّلْطان، ولم يَمْنَعوا الزكاةَ من أموال إِلَّا مُنعوا القَطْر من السماء، فلولا البَهائمُ ما مُطروا، وما نقَضَوا عَهْدَ اللَّهِ وعهدَ رسولِهِ إِلَّا سَلَّطَ عليهم عَدُوًّا من غَيْرِهم، فأخذَ بعض ما كان في أيديهم، وما لَمْ يَحْكُمْ أئمتُهُمْ بكتابِ اللَّه ويتَخَيَّروا فيما أنزلَ اللَّهُ إلّا جَعَلَ اللَّه بَأْسَهُمْ بَيْنَهُم (٤). قال: ثم أمر عبدَ الرحمن بن عوفٍ أن يَتَجهَّزَ لسريَّةٍ بعثه (٥) عليها، فأصبحَ وقد اعتمَّ بعمامةٍ من كَرابيس (٦) سَوْداء، فأدْناهُ رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم نَقَضَها، ثم عَمَّمه بها، وأرسل منْ خَلْفِهِ أربعَ أصابعَ أو نحوًا من ذلك. ثم قال: هكذا يا بنَ عَوْفٍ فاعْتَمَّ، فإنَّه أحسنُ وأعرفُ، ثم أمر بلالًا أن يَدْفعَ إليه اللواءَ فَدَفَعَهُ إليه، فحمد اللَّه وصلَّى على نفسه، ثم قال: خُذْه يا بنَ عْوفٍ، اغْزُوا جميعًا في سَبيل اللَّهِ، فقاتِلوا من كفر باللَّه لا تَغُلُّوا ولا تَغْدروا ولا تُمَثلُوا ولا تَقْتُلوا وليدًا. فهذا عَهْد اللَّهِ (٧)، وسيرةُ نبيِّه (٨) فيكم. فأخذ عبدُ الرحمن بن عوف اللواءَ. قال ابن هشام: فخرج إلى دُومة الجَنْدَل. بَعْثُ أبي عُبَيْدَةَ بن الجَرّاح (٩) وأصحابه (١٠) وكانوا قريبًا من ثلاثمئة راكبٍ إلى سيفِ البَحْرِ، وتزويده (١١) ﵊ إيَّاهم جرابًا من تمر، و (فيها) قصةُ العَنْبَر، وهي الحوتُ العظيمُ الذي دَسَرَهُ البَحْرُ وأكلُهم كلُّهم منه قريبًا من شهر حتى سَمِنوا، وتَزَوَّدوا منه وشَائق -أي شَرائِحَ- حتى رجَعوا إلى رسول اللَّه ﷺ فأطْعَموه منه، فأكلَ منه، كما تقدّم بذلك الحديث.

стр. 2492

قال ابن هشام (١): ومما لم (٢) يَذْكُر ابنُ إسحاق منَ البُعوث -يعني هاهنا-: بَعْثُ عَمْرِو بن أُمَيَّة الضَّمْري لِقَتْل أبي سُفيان صَخْرِ بنِ حربٍ بعدَ مَقْتَلِ خُبَيْبِ بن عَدِيٍّ وَأَصْحابِهِ، فكانَ من أمْرِهِ ما قَدَّمناهُ وكان مع عَمْرِو بن أمية جَبَّار بن صَخْرٍ، ولم يتَّفق لهما قَتْلُ أبي سفيان، بل قَتَلا رَجُلًا غَيْرَهُ وأنْزلا خُبَيبًا عن جِذْعِهِ. وبَعْثُ سالِم بن عُمَير (٣) أحد البَكّائين، إلى أبي عَفَكٍ أحد بني عمرو بن عَوْفٍ، وكان قد نَجَمَ نِفاقهُ حينَ قَتَلَ رسولُ اللَّهِ الحارثَ بن سُوَيْدِ بن الصّامِتِ، كما تَقَدَّم، فقال يَرْثيه ويَذُمُّ -قبحه اللَّه- الدخولَ في الدِّين: [من المتقارب] لَقَدْ عِشْتُ دَهْرًا وما إنْ أَرَى … منَ النَّاسِ دَارًا ولا مَجْمَعا أبَرّ عُهودًا وَأَوْفَى لِمَنْ … يُعاقِدُ فيهمْ إذا ما دَعا مِنَ اوْلادِ (٤) قَيْلَةَ في جَمْعِهم … يَهُدُّ الجبالَ ولَمْ يَخْضَعَا فَصَدَّعَهُمْ راكِبٌ جَاءَهُمْ … حَلالٌ حَرامٌ لَشتَّى مَعا فَلَوْ أنَّ بالعِزّ صَدَّقْتُمُ … أوْ المُلك تَابَعْتُمُ تُبَّعَا فقال رسولُ اللَّه ﷺ : منْ لي بهذا الخَبيثِ (٥)، فانتدب له سالم بن عُمَيْر هذا فقتله، فقالت أمامة المريديه (٦) في ذلك (٧): [من الطويل] تُكَذّبُ دينَ اللَّهِ والمَرْءَ أحْمَدًا … لَعَمْرُ الذي أمْناكَ أنْ (٨) بِئسَ الذي يُمْني حَباكَ حَنيفٌ آخرَ اللَّيْلِ طَعْنةً … أبا عَفَكٍ خُذْهَا على كِبَرِ السِّنِّ وبعث عُمَيْرَ بن عدي الخَطْمي، لقتلِ العَصْماءَ بنتِ مَرْوان من بني أميَّة بن زيدٍ كانتْ تَهْجو الإسلام وأهْلَه، ولما قُتِلَ أبو عَفَكٍ المذكور، أظهرت النفاق وقالت في ذلك: [من المتقارب] باسْتِ بني مالكٍ والنَّبيتِ … وعوفٍ وباسْتِ بَني الخَزْرجِ أطَعْتُمْ أتاويَّ مِنْ غيرِكُمْ … فلا مِنْ مرادٍ ولا مَذْحِجِ

стр. 2493

تُرَجُّونَهُ بعدَ قَتْلِ الرُّؤوسِ … كَمَا يُرْتَجَى وَرَقُ (١) المُنْضَجِ ألا أنِفٌ يَبْتَغي غِرَّةً … فَيَقْطَعَ منْ أمَلِ المُرْتَجي قال فأجابها حسان بن ثابت فقال (٢): [من المتقارب] بَنُو وائِلٍ وبَنو وَاقِفِ … وخَطْمَةُ دُونَ بني الخَزْرجِ مَتَى ما دَعَتْ سَفَهًا وَيْحَها … بِعَوْلَتِها والمَنايَا تَجي فَهَزَّتْ فَتًى مَاجدًا عِرْقُهُ (٣) … كريمَ المَداخل والمَخْرَجِ فَضَرَّجَها منْ نَجيعِ الدِّمَاءَ … بَعْد (٤) الهُدُوِّ فَلَمْ يَحْرَجِ (٥) فقال رسول اللَّه ﷺ حينَ بَلَغَهُ ذلك: ألا آخِذٌ لي من ابنةِ مَرْوان، فسَمِعَ ذلك عُمَيْر بن عديٍّ، فلما أمْسى من تلك الليلة سَرَى عليها فَقَتَلها (٦). ثم أصبحَ فقال: يا رسول اللَّه، قَتَلْتُها. فقال: نصرتَ اللَّهَ ورسولَه يا عُمَيْر. قال: يا رسولَ اللَّه هل عليّ من شأنها؟ قال: لا يَنْتَطحُ (٧) فيها عَنْزان. فرجعَ عُمَيْر إلى قومه وهم يَخْتَلفون في قَتْلها، وكان لها خَمْسَةٌ بَنون. فقال: أنا قَتَلتُها، فكيدوني جميعًا، ثم لا تُنْظِرون. فذلك أول يوم عَزَّ الإسلامُ في بني خَطْمَةَ، فأسلمَ منهم بَشَرٌ كثير، لما رَأَوْا منْ عِزِّ الإسلام. ثم ذَكَرَ البعثَ الذين أسروا ثُمامة بن أُثالٍ الحَنَفيَّ، وما كان من (٨) أمره في إسلإمه، وقد تقدَّم ذلك. في الأحاديث الصحاح. وذكر ابنُ هشام: أنَّه هو الذي قال فيه رسول اللَّه ﷺ : "المُؤْمنُ يَأْكُلُ في مِعًى واحدٍ، والكافِرُ يأكلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ". لما كان من قلّةِ أكله بعد إسلامه، وأنّه لما انْفَصَلَ عن المَدينةِ دخلَ مَكَّة مُعْتَمرًا وهو يُلَبِّي فَنَهاهُ أهلُ مكَّةَ عن ذلك فأبَى عليهم، وتوعَّدهم بقَطْع الميرةِ عنهم من اليَمامة، فلما عاد إلى اليَمامة منعهم المِيرَة حتَّى كتبَ إليه رسول اللَّه ﷺ فأعادَها إليهم. وقال بعض بني حنيفة: ومنَّا الَّذي لَبّى بمكَةَ مُحْرِمًا … بِرَغْمِ أبي سُفيان في الأشْهُرِ الحُرْمِ

стр. 2494

وبَعْثُ عَلْقَمة بن مُجَزِّزٍ (١) المُدْلَجيّ، ليأخُذَ بثَأْرِ أخيه وَقَّاصِ بن مُجَززٍ يومَ قُتِل بذي قَرَدٍ، فَاسْتَأْذَنَ رسولَ اللَّه ﷺ ، ليرجعَ في آثارِ القومِ فأذِنَ له، وأَمَّره على طائفةٍ من الناس، فلما قَفَلُوا أذِنَ لطائفةٍ منهم في التَّقَدُّم واستعملَ عَلَيْهم عَبْدَ اللَّه بن حُذَافَةَ، وكانت فيه دُعابةٌ، فاسْتَوْقَدَ نارًا وأمَرهم أن يَدْخُلوها (٢) فلما عَزَمَ بعضُهُم على الدخول، قال: إنَّما كنتُ أضحكُ، فلما بلغَ النبيَّ ﷺ ، قال: منْ أمَرَكُمْ بمَعْصيةِ اللَّهِ فلا تُطيعُوه. والحديث في هذا ما ذكره ابنُ هشامٍ عن الدّراوَرْدي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمرو بن الحَكَمِ بن ثَوْبان، عن أبي سَعيدٍ الخُدري. وبَعْثُ كُرْز بن جابر (٣) لقتلِ أولئك النفر الذين قدموا المدينةَ وكانوا من قَيْس كُبّة (٤) من بَجيلة فاستوخموا المدينة واستوبؤها، فأمرَهم رسولُ اللَّه ﷺ أن يخرجوا إلى إبلهِ فيشربوا من أبوالها وألبانها فلما صَحَوْا قَتَلوا راعيَها وهو يَسار مولى رسول اللَّه ﷺ ذَبَحوهُ وغَرَزوا الشَّوكَ في عُيَيْنة واستاقوا اللقاحَ، فبعثَ في آثارهم كُرْزَ بن جابر في نفرٍ من الصَّحابة، فجاء (٥) بأولئك النفر من بَجيلة مَرْجِعَه ﵊ من غَزْوة ذي قَرَدٍ، فأمر فَقَطعَ (٦) أيديَهم وأرجلَهُم وسُمِلَتُ (٧) أعينهم، وهؤلاء النفرُ إن كانوا هم المذكورين في حديث أنس المتفق عليه أنَّ نفرًا ثمانية من عُكْل أو عُرَيْنَةَ قدموا المدينة. . . الحديث -والظاهرُ أنهم هم- فقد تقدَّم قصتُهم مطولةً، وإن كانوا غيرَهُم فها قد أورَدْنا عيونَ ما ذكره ابن هشامٍ، واللَّه أعلم. قال ابن هشام: وغزوة علي بن أبي طالب (٨) التي غَزاها مَرَّتَين (٩). قال: أبو عمرو المدني: بعثَ رسول اللَّه عليًّا إلى اليمن، وخالدًا في جندٍ آخر، وقال: إن اجْتَمَعْتُم فالأمير عليُّ بن أبي طالب. قال: وقد ذكر ابن إسحاق بَعْثَ خالدٍ، ولم يذكره في عدد البُعوثِ والسَّرايا، فينبغي أن تكون العِدة في قوله تسعًا وثلاثين. قال ابن إسحاق: وبعث رسول اللَّه ﷺ أسامة بن زيدٍ بن حارثة إلى الشام، وأمره أن يوطِئَ الخَيْلَ تُخومَ البَلْقاءِ والدّارومَ من أرضِ فلسطين، فتجهزَ النَّاسُ وأوعب مع أسامةَ المُهاجرون الأولون. قال ابن هشام: وهو آخر بعثٍ بعَثَهُ رسولُ اللَّه ﷺ .

стр. 2495

وقال البخاري (١): حدَّثنا إسماعيل، ثنا مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ بعثَ بعثًا، وأمَّرَ عليهم أسامةَ بن زيدٍ، فطعنَ الناسُ في إمارته، فقامَ النَّبِيُّ ﷺ فقال: إن تَطْعُنوا في إمارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنون في إمارةِ أبيه منْ قَبْلُ، وايْمُ اللَّهِ إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمنْ أحَبِّ النّاس إليَّ، وإنَّ هذا لمِنْ أحبِّ الناسِ إليَّ بَعْدَهُ. ورواه التِّرمذي (٢) من حديث مالكٍ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد انتُدِبَ كَثيرٌ من الكبار من المُهاجِرِين الأوَّلين والأنصار في جيشه، فكانَ من أكبرهم عُمرُ بن الخطاب، ومنْ قال: إن أبا بكرٍ كان فيهم فقد غَلطَ، فإنَّ رسولَ اللَّه ﷺ اشتَدَّ به المرضُ، وجيشُ أسامة مُخَيِّمٌ بالجُرْفِ. وقد أمر النَّبِيُّ ﷺ أبا بكرٍ أن يُصلِّيَ بالنّاس، كما سيأتي. فكيفَ يكونُ في الجيشِ وهو إمام المُسلمين بإذنِ الرَّسولِ ﷺ من ربِّ العالَمين. ولو فُرِضَ أنّه كانَ قد انْتَدَبَ مَعَهُمْ، فقد استثناهُ الشّارعُ من بينهم بالنصّ عليه للإمامةِ في الصلاة التي هي أكبرُ أركانِ الإسلام. ثُمَّ لمّا تُوفِّي ﵊ استَطْلَقَ الصِّدِّيقُ من أسامةَ عمرَ بن الخطاب، فأذِنَ له في المُقامِ عندَ الصِّدِّيقِ، ونَفَّذَ الصديقُ جيشَ أُسامةَ، كما سيأتي بيانُه وتفصيلُه في موضعه، إن شاء اللَّه. فَصْلٌ في الآياتِ والأحاديثِ المُنْذِرَة بوَفاةِ رسولِ اللَّه ﷺ وكيف ابتُدِئَ رسولُ اللَّه ﷺ بمَرَضِهِ الذي ماتَ فيه قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠ - ٣١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (٣)﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وهذه الآية هي التي

стр. 2496

تلاها الصّدِّيق يومَ وفاة رسول اللَّه ﷺ ، فلما سمعها الناسُ كأنَّهم لم يسمعوها قبل ذلك (١). وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر] قال (٢) عمر بن الخطاب وابن عباس هو أجلُ رسول اللَّه نُعِي إليه. وقال ابن عمر (٢): نزلَتْ أوسطَ أيامِ التَّشْريق في حجَّة الوداع، فعرف رسول اللَّه أنه الوداع، فخطبَ الناسَ خطبةً أمرهم فيها ونهاهم. . . الخُطْبة المَشْهورة كما تقدم. وقال جابر (٢): رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يَرْمي الجِمارَ. فوقفَ، وقال: "لتَأْخُذوا عنّي مناسِكَكُم فَلَعَلِّي لا أحُجُّ بعد عامي هذا". قال ﵇ لابنته فاطمة، كما سيأتي: "إنَّ جبريلَ كانَ يُعارضُني بالقرآنِ في كلِّ سَنَةَ مرةً وإنه عارَضَني به العامَ مَرَّتين، وما أرى ذلك إِلَّا لاقتراب (٣) أجلي". وفي صحيح البخاري (٤) من حديث أبي بكر بن عَيَّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: كان رسول اللَّه يَعْتكفُ في كلِّ شَهْرِ رمضان عَشَرَةَ أيامٍ، فلمّا كانَ من العامِ الذي تُوفِّي فيه اعتكفَ عشرين يومًا، وكان يَعْرِضُ عليه القرآن في كل رمضان، فلمّا كانَ العامُ الذي تُوفّي فيه عرضَ عليه القرآن مرَّتين. وقال محمد بن إسحاق (٥): رجع رسولُ اللَّه ﷺ من حجّةِ الوداعِ في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقيته والمُحَرَّم وصفرًا، وبعثَ أُسامةَ بن زيدٍ، فبينا الناسُ على ذلك ابتُدِئ رسول اللَّه ﷺ بشَكْواه الذي قَبَضَهُ اللَّه فيه إلى ما أراده اللَّه من رَحْمَتِه وكرامته، في ليالٍ بقينَ من صَفَرٍ أو في أَوَّل شَهْرِ ربيعٍ الأولِ، فكان أولَ ما ابتُدئ به رسولُ اللَّه ﷺ من ذلك، فيما ذكر لي، أنَّه خرجَ إلى بقيع الغَرْقَدِ من جَوْفِ اللَّيْلِ، فاستَغْفَرَ لهم، ثم رجعَ إلى أهله، فلما أصبح ابتُدِئَ بوَجَعِهِ من يومه ذلك. قال ابن إسحاق (٦): وحدّثني عبدُ اللَّه بن عمر (٧) عن عُبَيْد بن جُبَيْر (٨) مولى الحكم عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، عن أبي مُوَيْهبة مولى رسول اللَّه ﷺ ، قال: بعثني رسولُ اللَّه ﷺ من جَوْفِ اللَّيْلِ

стр. 2497

فقال: يا أبا مُوَيْهبة، إنّي قدْ أمِرْتُ أن أستغفرَ لأهل هذا البقيع، فانطلق معي. فانطلقتُ معه، فلما وقَفَ بين أظْهُرِهِم. قال: السَّلامُ عليكم يا أهلَ المَقابر، ليهن لكم ما أصْبَحْتُمْ فيه مما أصبَحَ الناسُ فيه، أقبلت الفتن كَقِطَع الليل المُظْلِم يَتْبَعُ آخرُها أولَها، الآخرةُ شرٌّ من الأولى، ثم أقبل عليَّ فقال: يا أبا مُوَيْهبةَ، إنّي قد أُوتيتُ مفاتيحَ خزائِن الدُّنْيا والخُلْدَ فيها ثم الجَنّةَ، فخُيِّرْتُ بين ذلك وبينَ لقاءِ ربّي والجنةِ. قال: قلت: بأبي أنتَ وأمّي فخُذْ مفاتيحَ خزائنِ الدُّنْيا والخُلْدَ فيها ثم الجنة. قال: لا واللَّهِ يا أبا مُوَيْهبة، لقد اخترتُ لقاءَ ربّي والجَنَّة. ثم استغفرَ لأهلِ البَقيع، ثم انصرف، فبُدئ برسولِ اللَّه وَجَعُه الذي قَبَضَه اللَّهُ فيه. لم يخرجه أحدٌ من أصحاب الكتب. وإنما رواه أحمدُ (١) عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق به. وقال الإمام أحمد (٢): ثنا أبو النَّضْر، ثنا الحكم بن فُضَيْل، ثنا يَعْلَى بن عطاءً، عن عُبَيْد بن جُبَيْرٍ (٣)، عن أبي مُوَيْهبة. قال: أُمِرَ رسولُ اللَّه أن يُصَلِّي على أهل البَقيعِ، فَصَلَّى عليهم ثلاثَ مراتٍ، فلما كانت الثالثة. قال: يا أبا مويهبة، أسْرِجْ لي دابَّتِي. قال: فركب ومشَيْتُ، حتى انتهى إليهم، فنزل عن دابته، وأمسكتُ الدابةَ فوقف -أو قال: قام- عليهم، فقال: لِيَهْنِكُمْ ما أنتم فيه مما فيه الناسُ، أتَتِ الفتنُ كَقِطَعِ الَّليْلِ المُظْلِمِ يَتْبَعُ بعضُها بعضًا، الآخرةُ أشَدُّ من الأولى، فَلْيَهْنِكُمْ ما أنْتُمْ فيه مما فيه الناس. ثم رجع فقال: يا أبا مُوَيْهبة، إني أُعْطيتُ -أو قال: خُيِّرت بَيْنَ- مفاتيحِ ما يُفْتَحُ على أُمَّتي من بَعْدي والجنةِ أو لقاءَ ربّي. قال: فقلت: بأَبي أنْتَ وأُمي فاخْتَرْنا. قال: لأنْ تُردَّ على عَقِبها ما شاء اللَّهُ، فاخترتُ لقاءَ ربي. فما لبثَ بعدَ ذلك إِلَّا سَبْعًا أو ثمانيًا حتى قُبض. وقال عبد الرزاق (٤): عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : نُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وأُعْطيتُ الخَزائنَ، وخُيرتُ بينَ أن أبقى حَتَّى أرَى ما يُفْتَحُ على أُمَّتي وبينَ التَّعْجيل، فاخترتُ التَّعْجيلَ. قال البيهقيّ: وهذا مُرْسلٌ، وهو شاهدٌ لحديث أبي مُوَيْهبة. قال ابن إسحاق (٥): وحدّثني يعقوبُ بن عُتْبَةَ، عن الزُّهْري، عن عُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتْبَة، عن ابنِ مَسْعود عن عائشة، قالت: رَجَعَ رسولُ اللَّه ﷺ من البقيع فَوَجَدني وأنا أجِدُ صُداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارَأساهُ. فقال: بل أنا واللَّهِ يا عائشةُ، وارَأْساهُ. قالت: ثم قال: وما ضَرَّكِ لو مُتِّ قَبْلي، فقمت عليكِ وكَفَّنْتُك وَصلَّيْتُ عَلَيْكِ ودَفَنْتُكِ. قالت: قلت: واللَّهِ لكأنِّي بكَ لو فعلتَ ذلك لقد رجعتَ

стр. 2498

إلى بيتي فأعْرَست فيه ببعض نِسائِك. قالت: فَتَبَسَّمَ رسولُ اللَّه ﷺ ، وتَتامَّ (١) به وجعُه، وهو يَدورُ على نسائه، حتى استُعِزّ به في بيت ميمونة، فدعا نساءه، فاستأْذَنَهُن أن يُمَرَّضَ في بيتي فأذنَّ له. قالت: فخرج رسول اللَّه بين رجلين من أهله، أحدهما الفَضْلُ بن عباس، ورجل آخر، عاصبًا رأسَه تَخُطُ قدماه، حتى دخل بيتي. قال عُبَيْدُ اللَّه، فحدَّثْتُ به ابن عباس، فقال: أتَدْري منِ الرَّجلُ الآخرُ؟ هو عليٌّ بن أبي طالبٍ. وهذا الحديث له شواهد ستأتي قريبًا. وقال البيهقي (٢): أنبأنا الحاكم، أنبأنا الأصم، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق، حدّثني يعقوب بن عتبة، عن الزُّهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن عائشة. قالت: دخل عليَّ رسول اللَّه وهو يُصْدَعُ، وأنا أشتكي رأسي، فقلت: وارَأْساهُ، فقال: بل أنا واللَّهِ يا عائشةُ وارَأساه، ثم قال: وما عليكِ لو مُتِّ قَبْلي فولِيتُ أمركِ وصَلَّيْتُ عليكِ وواريتُكِ. فقلت: واللَّهِ إنِّي لأحْسبُ لو كان ذلك لقد خَلَوْتَ ببعضِ نسائِك في بَيْتي من آخر النهار. فضحكَ رسولَ اللَّه، ثم تمادى به وجعُه فاستُعِزّ (٣) به، وهو يَدورُ على نِسائه في بَيْتِ مَيْمونة، فاجتَمَعَ إليه أهلُه، فقال العباس: إنّا لنرى برسولِ اللَّه ذاتَ الجَنْبِ فَهَلُمُّوا فَلْنَلُدّه. فَلَدُّو (٤)، فأفاقَ رسولُ اللَّه. فقال: منْ فَعَلَ هذا؟ فقالوا: عَمُّكَ العبَّاسُ تَخَوَّفَ أنْ يكونَ بك ذاتُ الجَنْبِ. فقال رسول اللَّه: إنّها من الشيطان، وما كانَ اللَّهُ ليُسَلِّطَهُ عليّ، لا يَبْقَى في البَيْتِ أحدٌ إِلَّا لَدَدْتُموه إِلَّا عمّي العباسَ، فَلُدَّ أهْلُ البَيْتِ كُلُّهم حتى ميمونة وإنَّها لصائمةٌ، وذلك بعينِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ثم استأذَنَ أزواجَهُ أن يُمَرَّضَ في بيتي، فأذِنَّ له. فخرج وهو بين العبَّاس ورجلٍ آخر، لم تُسَمِّه، تَخُطُّ قَدماه بالأرْض. قال عُبَيْد اللَّه، قال ابن عباس: الرجلُ الآخرُ عليُّ بن أبي طالب. قال البخاري (٥): حدَّثنا سعيد بن عُفَيْر، ثنا الليث، حدّثني عُقَيْلٌ، عن ابن شهاب، أخبرني عُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، أن عائشةَ زوجَ النَّبِيّ ﷺ قالت: لما ثَقُلَ رسولُ اللَّه واشتد به وَجَعه، اسْتأْذَنَ أزْواجَهُ أن يُمَرَّضَ في بيتي فأذِنَّ له، فخرجَ وهو بين الرجلين تَخُط رجلاه الأرض بين عباس (٦) بن عبد المطلب وبين رجل آخر. قال عبيد اللَّه: فأخبرت عبد اللَّه -يعني ابن عباس- بالذي قالَتْ عائشةُ، فقال لي عبد اللَّه بن عباس: هل تَدْري منِ الرَّجُلُ الآخر الذي لم تُسَمّ عائشةُ؟ قال: قلت: لا. قال ابن

стр. 2499

عباس: هو عليّ. فكانت عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ تُحَدِّثُ أنَّ رسولَ اللَّه لما دخلَ بيتي واشْتَدَّ به وَجَعُه، قال: هَريقوا عَلَيَّ من سبع قِرَب لم تُحللْ أوْكيتُهن، لَعَلِّي أعْهَدُ إلى الناسِ، فأَجْلَسنَاهُ في مِخْضبٍ لحفصة زوجِ النَّبِيّ ﷺ ، ثم طَفِقْنا نصبُّ عليه من تِلكَ القِرَبِ حتى طَفِقَ يُشير إلينا بيده أن قد فَعَلْتُنَّ. قالت عائشة: ثم خرجَ إلى النَّاسِ فَصَلَّى لهم وخَطَبَهُم. وقد رواهُ البخاري (١) أيضًا في مواضعَ أُخَرَ من "صحيحه" ومسلم (٢) من طرقٍ عن الزهري به. وقال البخاريّ (٣): حدَّثنا إسماعيل، ثنا سُلَيْمان بن بلالٍ، قال هشام بن عُرْوة، أخبرني أبي، عن عائشة. أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يَسألُ في مرضه الذي مات فيهِ: أيْنَ أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ يريد يومَ عائشة، فأذِن له أزواجُه أنْ يكونَ حَيْثُ شاءَ، فكان في بيتِ عائشةَ حتى مات عندها. قالت عائشة ﵂: فَماتَ في اليومِ الذي كانَ يَدورُ عليَّ فيه في بيتي، وقَبَضهُ اللَّه، وإن رأسه لبين سَحري (٤) ونَحْري، وخالط ريقُه ريقي. قالت: وَدَخَل عبد الرحمن بنُ أبي بكرٍ، ومعه سواكٌ يَسْتنُّ به، فنظَر إليه رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فقلت له: أعْطِني هذا السِّواكَ يا عبد الرحمن، فأعطانيه فقَضِمْتُهُ، ثم مَضَغْتُهُ فأعطيته رسول اللَّه ﷺ ، فاسْتَنّ به، وهو مسندٌ إلى صدري. انفردَ به البخاريّ من هذا الوجه. وقال البخاري (٥): أخبرنا عبد اللَّه بن يوسف، ثنا الليث، حدّثني ابن الهاد، عن عبد الرحمن بن الفاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: مات النبيُّ ﷺ وأنه لبينَ حاقنتي وذاقنتي (٦)، فلا أكْرَهُ شِدَّةَ المَوْتِ لأحدٍ أبدًا بعد النبيِّ ﷺ . وقال البخاريّ (٧): حدَّثنا حبان (٨)، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة: أنَّ عائشةَ أخْبَرتْه: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا اشتكى نَفَثَ على نَفْسه بالمُعَوِّذاتِ، ومَسَحَ عنه بيده، فلما اشْتَكَى وَجَعه الذي تُوُفِّي فيه طَفِقْتُ أنْفُثُ عليه بالمُعَوِّذات التي كان يَنْفُثُ، وأمْسَحُ بيدِ

стр. 2500

النَّبِيِّ ﷺ عنه. ورواه مسلم (١) من حديث ابن وهبٍ، عن يونس بن يزيد الأيْلي، عن الزُّهريّ به. وثبت في "الصحيحين" (٢) من حديث أبي عوانة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: اجتمع نساءُ رسول اللَّه ﷺ عِنْدَه لم يُغادِرْ مِنْهنَّ امرأةٌ، فجاءَتْ فاطمةُ تَمْشي، ما (٣) تُخْطِئُ مِشْيَتُها مِشْية أبيها، فقال: مرحبًا بابنتي، فأقعدها عن يمينه أو شماله، ثم سارَّها بشيءٍ فَبَكَتْ، ثم سارَّها فَضَحِكَتْ، فقلت - لها: خَصَّكِ رسولُ اللَّهِ ﷺ بالسِّرار وأنْتَ تَبْكين!؛ فلما أن قام (٤) قلت لها (٥): أخبريني ما سارَّك؟ فقالت: ما كنتُ لأُفْشيَ سرَّ رسولِ اللَّه ﷺ : فلمَّا تُوفِّي قلتُ لها: أسْألُكِ بما (٦) لي عليك من الحق لما أخْبَرْتِني (٧). قالت: أما الآن فنعم، قالت: سارَّنِي في الأول. قال لي: إنَّ جبريلَ كان يُعارِضُني بالقرآنِ (٨) في كلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وقد (٩) عارضني في هذا العام مَرَّتَيْن، ولا أرى ذلك إِلَّا لاقترابِ أجَلي، فاتقي اللَّهَ واصْبري، فنعمَ السلفُ أنا لكِ. فبكيتُ، ثم سارَّنِي، فقال: أما تَرْضينَ أن تكوني سيدةَ نساءِ المؤمنين؟! أو سيدة نساءَ هذه الأمة فضحكتُ. وله طرق عن عائشة (١٠). وقد روى البخاري (١١) عن علي بن عبد اللَّه، (والفلاس ومسدّد (١٢)، ومسلم عن محمد بن حاتم، كلهم) (١٣) عن يحيى بن سعيد القَطّان، عن سفيان الثَّوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن عائشة، قالت: لَدَدْنا رسول اللَّه ﷺ في مرضه، فجعلَ يُشير إلينا أن لا تَلُدُّوني، فقلنا: كراهيةُ المريض للدّواء، فلما أفاق قال: ألَمْ أنْهَكُمْ أن لا تَلُدُّوني، قُلْنا (١٤) كراهيةُ المريض للدواء، فقال: لا يَبْقَى أحدٌ في البَيْت إِلَّا لُدَّ -وأنا أنْظُرُ- إِلَّا العبّاس، فإنَّه لم يَشْهَدْكمْ.

стр. 2501

قال البخاري (١): ورواه ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ . وقال البخاري (٢): وقال يونس، عن الزهري، قال عروة. قالت عائشة: كان النَّبِيّ ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشةُ ما أزالُ أجدُ ألمَ الطعامِ الذي أكلتُ بخَيْبَر، فهذا أوانُ وجدتُ انقطاعَ أبْهَري من ذلك السُّمِّ. هكذا ذكره البخاري مُعَلَّقًا. وقد أسنده الحافظُ البَيْهقي، عن الحاكم، عن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن يحيى الأشْقَر، عن يوسف بن موسى، عن أحمد بن صالح، عن عَنْبسة، عن يونس بن يزيد الأيْلي، عن الزُّهري به. وقال البيهقيّ (٣): أنبأنا الحاكم، أخبرنا الأصم، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مُرَّة، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: لأنْ أحْلِفَ تسعًا أن رسول اللَّه ﷺ قُتِلَ قَتْلًا أحبُّ إليَّ من أن أحْلِف واحدةً أنَّه لم يُقْتَلْ، وذلك أنَّ اللَّه اتَّخَذَهُ نَبيًا واتَّخَذهُ شَهيدًا. وقال البخاريّ (٤): ثنا إسحاق، أخبرنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة (٥) حدّثني أبي، عن الزهري، قال أخبرني عبد اللَّه بن كعب بن مالك الأنصاري، وكان كعب بن مالك أحدَ الثلاثة الذين تيبَ عليهم، أن عبدَ اللَّه بن عباس أخبره أن عليّ بن أبي طالب خرج من عند رسول اللَّه في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن، كيفَ أصبحَ رسولُ اللَّه ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد اللَّه بارئًا. فأخذ بيده عباسُ بن عبد المطلب، فقال له: أنت واللَّه بعد ثلاثٍ عبدُ العصا (٦)، وإنّي واللَّهِ لأَرى رسولَ اللَّه ﷺ سوفَ يُتَوفَّى من وَجَعِهِ هذا، إنّي لأعرفُ وجوهَ بني عبد المطلب عندَ الموت، اذهَبْ بنا إلى رسولِ اللَّه فَلْنسَألْهُ فيمنْ هذا الأمر؟ إن كان فينا عَلِمْنا ذلك، وإنْ كانَ في غَيْرنا عَلِمْناه، فأوصى بنا، فقال عليّ: إنّا واللَّهِ لَئِنْ سَأَلْناها رسولَ اللَّه ﷺ فَمَنَعناها لا يُعْطيناها الناسُ بعدَه، وإنِّي واللَّهِ لا أسألُها رسولَ اللَّه ﷺ . انفردَ به البخاريّ.

стр. 2502

وقال البخاري (١): ثنا قتيبة، ثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جُبَيْر، قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يَوْمُ الخَميس؟ اشتدَّ برسول اللَّه ﷺ وَجَعُهُ. فقال: ائتوني أكتبْ لكم كتابًا لا تَضلِّوا (٢) بعده أبدًا فتنازعوا، لا ينبغي عند نبيٍّ تنازعٌ، فقالوا: ما شأنُه يَهْجُرُ؟ استفهموه. فذهبوا يَردُّون عنه، فقال: دَعوني، فالذي أنا فيه خيرٌ مما تَدْعوني إليه، فأوْصاهم بثلاثٍ، قال: أخْرِجوا المُشْركين من جَزيرة العربِ، وأجيزوا الوفدَ بنحوِ ما كنتُ أجيزهم، وسَكَتَ عن الثالثة، أو قال: فنسيتُها، ورواه البخاري (٣) في موضع آخر، ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به. ثم قال البخاري (٤): حدَّثنا عليُّ بن عبد اللَّه، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهريّ، عن عُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، قال: لما حُضِرَ رسولُ اللَّه ﷺ وفي البيت رجال، فقال النَّبِيُّ ﷺ : هَلُمُّوا أكْتُبْ لكم كتابًا لا تَضِلُّوا بعدَه أبدًا، فقال بعضهم: إن رسولَ اللَّه قد غَلَبَه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللَّه، فاختلف أهلُ البيت واخْتَصموا، فمنهم منْ يقولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لكم كتابًا لا تَضلّوا بعده. ومنهم منْ يقولُ غيرَ ذلك. فلما أكثروا اللغوَ والاختلافَ قال رسول اللَّه ﷺ : قومُوا. قال عبيد اللَّه: قال ابن عباس: إنّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ ما حالَ بَيْنَ رسولِ اللَّه ﷺ وبينَ أنْ يكْتُبَ لهم ذلك الكتاب لاختلافِهم ولَغَطِهم. ورواه مسلم (٥) عن محمد بن رافعٍ وعَبْدِ بن حُمَيْدٍ، كلاهما عن عبد الرزاق بنحوه. وقد أخْرَجَهُ البُخاري (٦) في مواضع من "صحيحه" من حديث مَعْمَرٍ ويونس عن الزُّهريّ به. وهذا الحديثُ مما قد تَوَهَّمَ به بعضُ الأغبياء (من أهل البدع) (٧) من الشيعة وغيرهم، كلٌّ مُدَّعٍ أنَّه كان يريدُ أن يَكْتُبَ في ذلك الكتاب ما يَرْمُزون (٨) إليه من مَقالاتِهم، وهذا هو التمسُّكُ بالمُتَشابِهِ. وتركُ المُحْكَمِ، وأهلُ السُّنَّة يأخذون بالمُحْكَم. ويَرُدُّون ما تَشابه إليه، وهذه طريقةُ الرَّاسخين في العلم، كما وَصَفَهُم اللَّه ، في كتابه، وهذا الموضعُ مما زَلَّ فيه أقدامُ كثيرٍ من أهل الضَّلالاتِ، وأما أهلُ السُّنَّةِ، فَلَيْسَ لهم مذهبٌ إِلَّا اتِّباعُ الحَق يَدورونَ معه كَيْفَما دارَ، وهذا الذي كانَ يُريدُ ﵊ أن يَكْتُبهُ قد جاء في الأحاديث الصحيحة التصريحُ بكَشْفِ المُرادِ منه؛ فإنَّه قد قال الإمامُ أحمد (٩): ثنا مُؤَمَّلٌ، ثنا

стр. 2503

نافع بن عمر (١)، ثنا ابن أبي مُلَيْكة عن عائشة، قالت: لمَّا كانَ وجعُ رسول اللَّه ﷺ الذي قُبِضَ فيه قال: "ادْعُوا لي أبا بكر وابنَه لكي لا يطمع في أمر أبي بكرٍ طامعٌ ولا يَتَمنّى (٢) مُتَمَنٍّ. ثم قال: يأبى اللَّهُ ذلك والمُؤْمنون". مَرَّتَيْن. قالت عائشة: فَأَبَى اللَّهُ ذلك والمؤمنون (٣) انفردَ به أحمد من هذا الوجه. وقال أحمد (٤): حدَّثنا أبو معاوية، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: لما ثَقُلَ رسولُ اللَّه. قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: "ائتني بكَتِفٍ أو لَوْحٍ حتى أكْتُبَ لأبي بكر كتابًا لا يُخْتَلف عليه (٥). فلمّا ذَهَبَ عبدُ الرحمن ليقومَ، قال: أبَى اللَّهُ والمُؤْمِنون أن يُخْتَلَفَ عَلَيْكَ يا أبا بكر". انفردَ به أحمد من هذا الوجه أيضًا. وروى البخاري (٦) عن يحيى بن يحيى، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه: لَقَدْ هَمَمْتُ أن أُرْسِلَ إلى أبي بكرٍ وابنِه فأعْهَدَ: أنْ يقولَ القائلون أو يَتَمنَّى مُتَمنُون. فقُلْتُ (٧): يأبى اللَّهُ، ويدفَعُ المؤمنون، أو يدفعُ اللَّهُ ويأبَى المُؤْمنون. وفي "صحيح" البخاري ومسلم (٨) من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن جُبير بن مُطْعِم، عن أبيه، قال: أتَتِ امرأةٌ إلى رسول اللَّه ﷺ فأَمَرها أن تَرْجِعَ إليه. فقالت: أرأَيْتَ إنْ جئتُ ولم أجدْكَ؟ كأنَّها تقولُ: الموت - قال: "إنْ لمْ تَجديني فأتي أبا بكرٍ". والظاهرُ، واللّهُ أعلمُ، أنّها إنَّما قالَتْ ذلك له ﵊، في مرضه الذي مات فيه، صلوات اللَّه وسلامه عليه. وقد خَطَبَ ﵊ في يوم الخميس قبل أن يُقْبَض، ﵊ بخمسةِ أيامٍ خطبةً عظيمةً بيَّن فيها فضلَ الصِّدّيق من بين (٩) سائر الصحابة، مع ما كانَ قد نَصَّ عليه أن يَؤُمَّ الصحابةَ أجمعين، كما سيأتي بيانُه مع حضورِهم كلّهم. ولعلّ خطبتَه هذه كانَتْ عِوَضًا عما أراد أن يَكتُبَه في الكتابِ، وقد اغْتسَل ﵊ بين يَدَيْ هذه الخطبة الكريمة فَصَبُّوا عليه من سبع قِرَب لم تُحْلَل أوْكِيَتُهُن (١٠)، وهذا من باب الاستشفاء بالسبع، كما وردت بها الأحاديث في غير هذا الموضع، والمقصود أنه عليه الصلاة

стр. 2504

والسلام اغتسلَ ثم خَرَج فَصَلّى بالناس، ثم خطبهم، كما تقدَّم في حديث عائشة ﵂. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك قال البيهقيّ (١): أنبأنا الحاكم، أخبرنا الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يُونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أيوب بن يشير: أنَّ رسولَ اللَّه قال في مرضه: أفيضوا على من سَبْع قِرَب من سَبْع آبارٍ شَتَى، حتى أخْرُجَ فأعْهَدَ إلى الناس. فَفَعلوا، فخَرَج فَجَلس على المِنْبر، فكانَ أولَ ما ذكَرَ بعدَ حَمْد اللَّهِ والثَّنَاءَ عليه، ذَكَر أصحابَ أُحُدٍ، فاستَغْفَر لهم، ودعا لهم، ثم قال: يا معشرَ المُهاجرين إنكم أصْبَحْتُمْ تَزيدون، والأنصارُ على هَيْئَتها لا تزيدُ، وإنهم عَيْبَتي (٢) التي أَوَيْتُ إليها، فأَكْرِموا كَريمَهم وتَجاوزوا عن مُسيئهم. ثم قال ﵊: أيُّها النّاسُ إن عَبْدًا من عبادِ اللَّهِ قد خَيَّره اللَّه بين الدنيا وبينَ ما عندَ اللَّه (٣). ففهمها أبو بكرٍ ﵁، من بين الناس فبكى، وقال: بل نَحْنُ نَفْديكَ بانفسنا وأبنائِنا وأموالِنا. فقال رسول اللَّه ﷺ : على رِسْلِك، يا أبا بكرٍ؛ انظروا إلى هذه الأبواب الشارعة في المسجد فَسُدُّوها، إِلَّا ما كانَ من بيتِ أبي بكرٍ، فإنِّي لا أعلمُ أحدًا عِنْدي أفضلَ في الصُّحْبة منه. هذا مرسلٌ له شواهد كثيرة. وقال الواقدي (٤): حدَّثَنِي فَرْوَةُ بن زُبَيْد بن طوسا، عن عائشة بنت سعد، عن أم ذَرَّة، عن أم سَلَمة زوج النَّبِيّ ﷺ ، قالت: خَرَجَ رسول اللَّه عاصِبًا رأسَه بخِرْقَةٍ، فلما اسْتَوى على المِنْبَر تَحَدَّقَ النَّاسُ بالمنبر واسْتَنكَفُّوا. فقال: والذي نَفْسي بيده إنِّي لقائمٌ على الحوضِ الساعة. ثم تَشَهَّدَ فلما قَضَى تشَهُّدَه كان أولَ ما تَكَلَّم به أن اسْتَغْفَرَ للشهداءَ الذين قُتِلوا بأُحُد. ثم قال: إن عَبْدًا من عِبادِ اللَّه خُيِّر بينَ الدُّنْيا وبينَ ما عندَ اللَّهِ، فاختارَ العبدُ ما عندَ اللَّه، فبكى أبو بكر فَعَجِبْنا لبُكائِهِ، وقال: بأبي وأمي نَفْديكَ بآبائنا وأُمَّهاتِنا وأنْفُسنا وأموالنا. فكان رسول اللَّه ﷺ هو المُخَيَّر، وكان أبو بكر أعْلَمَنا برسول اللَّه ﷺ . وجعل رسولُ اللَّه يقول له: على رِسْلِكَ. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا أبو عامر، ثنا فُلَيْحٌ، عن سالم أبي النَّضْر، عن بُسْر (٦) بن سَعيد عن

стр. 2505

أبي سَعيد، قال: خَطبَ رسولُ اللَّهِ النَّاسَ، فقال: إنَّ اللَّهَ خَيَّر عَبْدًا بين الدنيا وبينَ ما عندَه، فاخْتار ذلك العبدُ ما عندَ اللَّه. قال: فبكى أبو بكر. قال: فَعَجِبْنا لبُكائِه أن يُخْبر رسولُ اللَّهِ عن عَبْدٍ (١)، فكان رسولُ اللَّه هو المُخَيَّرَ، وكان أبو بكر أعْلَمَنا به. فقال رسول اللَّه ﷺ : إن أمَنَّ الناسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ ومالِه أبو بكر، لو كُنْتُ مُتَّخذًا خَليلًا غيرَ ربي لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ (٢)، ولكنْ خُلَّةُ الإسلام ومودَّتُه، لا يَبْقَى في المسجدِ بابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بابَ أبي بكر. وهكذا رواه البخاري (٣) من حديث أبي عامر العَقَدي به. ثُمَّ رواه الإمامُ أحمد (٤) عن يونس، عن فُلَيْحٍ، عن سالم أبي النَّضْر، عن عُبَيْد بن حُنَيْن وبُسْر (٥) بن سعيد عن أبي سعيد به. وهكذا رواه البخاريّ (٦) ومسلم (٧) من حديث فُلَيْحٍ ومالك بن أنس، عن سالمٍ عن بُسْر بن سَعيد، وعُبَيْد بن حُنَين كلاهما عن أبي سعيد بنحوه. وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا أبو الوليد، ثنا هشام، ثنا أبو عَوانة، عن عبد الملك، عن ابن أبي المُعَلَّى، عن أبيه: أنَّ رسولَ اللَّه خَطبَ يَوْمًا فقال: إنَّ رجُلًا خَيَّرهُ رَبُّه بينَ أن يعيشَ في الدُّنْيا ما شاء أنْ يَعيشَ فيها، يأكلُ من الدنيا ما شاءَ أنْ يأكلَ منها، وبينَ لقاءَ ربِّه، فاخْتارَ لِقاءَ ربِّه، فبكى أبو بكر، فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : ألا تَعْجبون من هذا الشيخ أنْ ذَكَرَ رسولُ اللَّه رَجُلًا صالحًا خَيَّرَهُ ربُّه بين الدنيا (٩) وبين لقاء ربِّه فاختار لقاءَ ربّه؟! فكان أبو بكر أعْلَمَهُمْ بما قال رسول اللَّه ﷺ . فقال أبو بكر: بَلْ نَفْديكَ بأمْوالنا وأبْنائنا. فقال رسول اللَّه ﷺ : ما مِنَ النّاسِ أحدٌ أمَنَّ علينا في صُحْبَتِهِ وذاتِ يَدِهِ من ابن أبي قُحافة، ولوْ كُنْتُ مُتَّخذًا خَليلًا لاتَّخَذْتُ ابن أبي قُحافة، ولكن وُدٌّ وإخاءٌ وإيمانٌ، ولكن وُدٌّ وإخاءٌ وإيمانٌ، مرتين، وإنَّ صاحبَكُمْ خَليلُ اللَّهِ . تَفَرَّدَ به أحمد. قالوا: وصوابه أبو سعيد بن المُعَلَّى. فاللَّه أعلم. وقد روى الحافظ البيهقي (١٠) من طريق إسحاق بن إبراهيم -هو ابن راهَوَيْه- ثنا زَكَريا بن عَديّ، ثنا

стр. 2506

عُبَيْد اللَّه بن عَمْرٍو الرَّقِيّ، عن زيد بن أبي أُنَيْسة، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن عبد اللَّه بن الحارث، حدّثني جُنْدب: أنّه سمعَ رسول اللَّه ﷺ قبلَ أن يُتَوَفَّى بخمسٍ، وهو يقول: قد كان لي منكم إخْوةٌ وأصْدِقاءُ، وإني أبرأ إلى كُلِّ خَليلٍ من خُلَّتِهِ، ولو كُنْتُ مُتَّخذًا من أُمّتي خَليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خَليلًا، وإن رَبِّي اتَّخَذَني خَليلًا، كما اتَّخذ إبراهيم خَليلًا، وإنَّ قومًا ممَّن كانَ قَبْلَكُمْ يَتَّخذونَ قُبورَ أنْبيائهم وصُلَحائِهِم مساجدَ، فلا تَتَّخِذوا القُبورَ مَساجدَ، فإنّي أنْهاكُمْ عن ذلك. وقد رواه مسلم (١) في "صحيحه" عن إسحاق بن راهَوَيْه، بنحوه. وهذا اليومُ الذي كان قبل وفاتِه ﵊ بخمسةِ أيّامٍ، هو يوم الخميس الذي ذكره ابنُ عبّاس فيما تقدم. وقد رَوينا هذه الخطبةَ من طريق ابن عبّاسٍ، قال الحافظ البيهقيّ (٢): أنبأنا أبو الحسن عليّ بن محمدٍ المُقْرئُ، أنبأنا الحسنُ بن محمدِ بنِ إسحاق، ثنا يوسفُ بن يعقوبَ (٣). قال ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت يَعْلى بن حَكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خرج النَّبِيُّ ﷺ في مرضه الذي ماتَ فيه عاصبًا رأسَه بخِرْقَةٍ، فصعد المنبرَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عليه، ثم قال: إنَّه ليس من الناس أحدٌ أمنَّ عليَّ بنَفْسِه وماله من أبي بكر، ولو كُنْتُ مُتَّخذًا من الناس خَليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكر خليلًا، ولكن خُلَّة الإسلام أفضلُ، سُدُّوا عنّي كُلّ خَوْخةٍ في المسجد غَيْرَ خَوْخَةِ أبي بكر. ورواه (٤) البخاري (٥) عن عبدْ اللَّه بن محمد الجُعْفي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه به. وفي قوله ﵊: سُدُّوا عَني كلَّ خَوْخةٍ، يعني: الأبواب الصغار، إلى المسجد، غَيْرَ خَوْخَةِ أبي بكر إشارة إلى الخلافة، أي: ليَخْرُجَ منها إلى الصَّلاة بالمسلمين. وقد رواه البخاري (٦) أيضًا، من حديث عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة، ابن الغسيل، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ رسولَ اللَّه خرجَ في مَرَضِهِ الذي مات فيه عاصبًا رأسَه بعصابةٍ

стр. 2507

دَسْماء (١) مُلْتَحفًا بمِلْحَفةٍ على مَنْكبيهِ فجلس على المنبر، فذكر الخطبة، وذكر فيها الوصاةَ بالأنصارِ، إلى أن قال: فكانَ آخرَ مجلسٍ جلس فيه رسولُ اللَّه ﷺ حتى قُبِضَ - يعني آخرَ خطبةٍ خَطَبَها ﵊. وقد رُوي من وَجْهٍ آخرَ عن ابن عباسٍ بإسناد غريبٍ ولفظٍ غريبٍ. فقال الحافظ البيهقيّ (٢): أخبرنا علي بن أحمد بن عَبْدان، أخبرنا أحمد بن عُبَيْد الصَّفّار، ثنا ابنُ أبي قُماشٍ -وهو محمد بن عيسى- ثنا موسى بن إسماعيل أبو عمران الجَبُّلي، ثنا معن بن عيسى القَزّاز، عن الحارث بن عبد الملك بن عبد اللَّه بن إياس (٣) الليثي، عن القاسم بن يزيد بن عبد اللَّه بن قُسَيْطٍ، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: أتاني رسولُ اللَّه ﷺ ، وهو يُوعَكُ وَعْكًا شديدًا، وقد عَصَبَ رَأْسَه. فقال: خُذْ بيدي يا فضل. قال: فأخذتُ بيده حتى قعد على المنبر، ثم قال: نادِ في النّاسِ يا فضل. فنادَيْتُ: الصلاةَ جامعة. قال: فاجتمعوا، فقام رسولُ اللَّه ﷺ خطيبًا فقال: "أما بعدُ، أيها الناسُ، إنّه قد دنا منّي حقوق (٤) من بين أظهركم، ولن تَرَوْني في هذا المقام فيكم، وقد كنتُ أرى أن غيره غيرُ مُغْنٍ عني حتى أقومَه فيكم، ألا فمن كنت جَلَدْتُ له ظهرًا فهذا ظهري فَلْيَسْتقدْ، ومنْ كنتُ أخذت له مالًا فهذا مالي فَلْيَأْخُذْ منه، ومنْ كُنْتُ شَتَمْتُ له عِرْضًا فهذا عِرْضي فَلْيَسَتقِدْ، ولا يَقولنَّ قائلٌ أخافُ الشَّحْناء (٥) من قِبَلِ رسول اللَّه، ألا وإِنّ الشَّحْناء لَيْسَتْ من شَأْنِي ولا من خُلُقي، وإنَّ أحَبَّكُمْ إليَّ من أخَذَ حَقًّا إنْ كانَ له عليَّ، أو حَلَّلَني، فلقيتُ اللَّهَ وليسَ لأحدٍ عندي مَظْلَمةٌ". قال: فقام منهم رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ لي عندَكَ ثلاثةُ دراهم. فقال: أمّا أنا فلا أُكذِّبُ قائِلًا ولا مُسْتَحْلِفُه على يَمينٍ، فيمَ كانتْ لكَ عندي؛ قال: أما تذكر أنّه مرَّ بك سائلٌ فأمَرْتَني، فأعطيتُهُ ثلاثةَ دراهم. قال: أعْطِهِ يا فَضْلُ. قال: وأمرَ به فجَلَس. قال: ثم عادَ رسولُ اللَّه ﷺ في مَقالَتِه الأُولى. ثم قال: يا أيها الناسُ، منْ عندَهُ من الغُلولِ شيءٌ فَلْيَرُدَّه. فقام رجل. فقال: يا رسولَ اللَّه، عندي ثلاثةُ دراهم غَلَلْتُها في سبيل اللَّه. قال: فلم غَلَلْتَها؟ قال: كنت إليها محتاجًا. قال: خُذْها منه يا فَضْلُ. ثم عادَ رسولُ اللَّه ﷺ في مقالَتِه الأولى، وقال: يا أيُّها الناسُ من أحسَّ من نَفْسه شيئًا فليقُمْ أدْعو اللَّه له. فقام إليه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، إني لمُنافقٌ، وإنِّي لكَذوبٌ وإني لنؤوم (٦) فقال عمر بن الخطاب: وَيْحَكَ أيُّها الرَّجُلُ، لقد سَتَرَكَ اللَّهُ، لو سَتَرْتَ على نفسك. فقال رسول اللَّه ﷺ : مهْ يا بْنَ الخَطّاب، فُضوحُ الدنيا، أهون من

стр. 2508

فُضوحِ الآخرةِ، اللَّهُمّ ارزقْه صدقًا وإيمانًا، وأذهبْ عنه النَّوْم (١) إذا شاء. ثم قال رسول اللَّه ﷺ : عمرُ معي وأنا مع عمر، والحقُّ بعدي مع عمر، وفي إسناده ومتنه غرابةٌ شديدةٌ. ذِكْرُ أمْرِهِ ﵊، أبا بكر الصدّيق، ﵁ أن يُصلِّي بالصحابة أجمعين مع حضورهم كلهم وخروجه ﵊، فصلى وراءه مقتديًا به في بعض الصلوات على ما سنذكره وإمامًا له ولمن بعده من الصحابة قال الإمام أحمد (٢): ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: وقال ابن شهاب الزهري: حدّثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه (٣)، عن عبد اللَّه بن زَمْعَة بن الأسود بن المُطلب بن أسدٍ قال: لما استُعِرَّ برسول اللَّه، وأنا عنده في نَفَرٍ من المسلمين، دعا بلالٌ للصلاة فقال: مُروا منْ يُصَلِّي بالناس، قال: فخرجتُ فإذا عُمَرُ في الناس، وكان أبو بكر غائبًا فقلت: قُمْ يا عمر فَصَلِّ بالناس. قال: فقام فلما كثر عمر سمعَ رسول اللَّه ﷺ صوتَه، وكان عمر رجلًا مُجْهِرًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : فأينَ أبو بكرٍ؟ يأبى اللَّهُ ذلك والمسلمون، يأبى اللَّه ذلك والمسلمون. قال: فبعثَ إلي أبي بكر فجاءَ بعدَما صَلَّى عمر تلك الصلاة، فصلَّى بالناس. وقال عبد اللَّه بن زَمْعَة. قال لي عمر: وَيْحَك ماذا صَنَعْتَ يا بنَ زَمْعَةَ، واللَّهِ ما ظَنَنْتُ حين أمَرْتَني إِلَّا أنَّ رسولَ اللَّه أمرني (٤) بذلك، ولولا ذلك ما صَلَّيْتُ. قال: قلتُ: واللَّهِ ما أمرني رسولُ اللَّه، ولكن حينَ لم أر أبا بكرٍ رأيتُكَ أحقَّ منْ حَضَرَ بالصَّلاةِ. وهكذا رواه أبو داود (٥) من حديث ابن إسحاق، حدّثني الزُّهريّ. ورواه يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدّثني يعقوب بن عتبة، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن زَمْعَة. . . فذكره. وقال أبو داود (٦): ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فُدَيْك، حدّثني موسى بن يعقوب، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن ابن شهاب، عن عُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، أن عبد اللَّه بن زَمْعَة أخبره بهذا الخبر. قال: لمّا سمعَ النبيُّ ﷺ صوتَ عمر. قال ابن زمعة: خرج النَّبِيُّ ﷺ حتَّى أطلع رأسَه من

стр. 2509

حجْرته، ثم قال: لا، لا، لا يُصلِّي (١) للنّاس إِلَّا ابن أبي قحافة، يقول ذلك مُغْضَبًا. وقال البُخاري (٢): ثنا عُمر بن حَفْص، ثنا أبي، ثنا الأعْمَشُ عن إبراهيم، قال الأسود: كُنّا عند عائشة ﵂ فذكرنا المُواظبةَ على الصَّلاة والمواظبة (٣) لها. قالت: لمّا مرضَ النبيُّ ﷺ مرضَه الذي ماتَ فيه، فحَضَرَتِ الصلاةُ، فأذَّنَ بلالٌ، فقال: مُروا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ بالناس، فقيل له: إن أبا بكر رجلٌ أسيفٌ، إذا قامَ مقامَك لم يَسْتَطعْ أن يُصَلِّيَ بالنّاس، وأعادَ فأعادوا له، فأعاد الثالثة. فقال: إنَّكُنَّ صَواحِبُ يوسف، مُروا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ بالنّاس. فخرجَ أبو بكر فوجد النَّبِيّ ﷺ في نفسه خِفَّة فخرج يُهادَى بين رجلين، كأني أنظر إلى رجليه تَخُطّان من الوَجَع، فأرادَ أبو بكر أن يتأخَّر فأومأ إليه النبيُّ ﷺ أنْ مكانك. ثم أُتي به حتى جلسَ إلى جنبه. قيل للأعمش: فكان النَّبِيّ ﷺ يُصلّي وأبو بكر يُصلّي بصلاتِه والناسُ يُصَلُّون بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه: نعم! ثم قال البخاري: رواه أبو داود عن شعبة بعضَه، وزاد أبو معاوية، عن الأعمش: جَلَسَ عن يَسار أبي بكر، فكان أبو بكر يُصَلِّي قائمًا. وقد رواه البخاري (٤) في غير ما موضعٍ من كتابه ومسلم (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧) من طرقٍ متعددةٍ عن الأعمش به. منها ما رواهُ البخاري عن قتيبة، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ويحيى بن يحيى عن أبي معاوية به. وقال البخاريّ (٨): ثنا عبد اللَّه بن يوسف، أنبأنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنها قالت: إنّ رسول اللَّه ﷺ قال في مرضه: مُروا أبا بكرٍ يُصَلِّي (٩) بالنّاس. (قالت عائشة: قلتُ: إنّ أبا بكر إذا قام مقامك، لم يُسْمِعِ الناس من البكاء، فمُرْ عمر فليُصلِّ للناس [فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس] [ففعلت حفصة، فقال رسول اللَّه ﷺ : مَهْ، إنكُنّ لأنتُنّ صواحبُ يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ للناس] (١٠) فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا. ورواه الترمذي والنسائي، من حديث مالك به. وقال الترمذي: حسن صحيح (١١).

стр. 2510

وقال البخاري (١): ثنا زكريا بن يحيى، ثنا ابن نمير، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أمر رسول اللَّه ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه، فكان يصلّي بهم. قال عروة: فوجد رسول اللَّه ﷺ من نفسه خِفَّة فخرج فإذا أبو بكر يَؤُمُّ الناس، فلما رآه أبو بكر استأخر، فأشار إليه أن كما أنت، فجلس رسول اللَّه ﷺ حذاء أبي بكر إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلّي بصلاة رسول اللَّه ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر ﵁. ورواه مسلم (٢) من حديث عبد اللَّه بن نمير به. وفي صحيح البخاري (٣): من حديث ابن وهب، عن يونس، عن الزهري عن حمزة بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، قال: لما اشتدّ برسول اللَّه ﷺ وجعه فقال: مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس. فقالت عائشة: يا رسول اللَّه. إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لم يُسْمع النَّاسَ من البكاء. فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فعاودته مثل مقالتها، فقال: أنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصلّ بالناس) (٤). قال ابن شهاب (٥): فاخبرني عُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه، عن عائشة أنها قالت: لقد عاوَدْتُ رسولَ اللَّه في ذلك، وما حملني على معاودته إِلَّا أني خَشيتُ أن يتشاءم الناسُ بأبي بكر، وإلا أنّي علمتُ أنه لن يقومَ مقامَه أحدٌ إِلَّا تشاءمَ الناسُ به، فأحببتُ أن يعدلَ ذلك رسول اللَّه ﷺ عن أبي بكر إلى غيره. وفي "صحيح مسلم" (٦) من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهريّ، قال: وأخبرني حمزة بن عبد اللَّه بن عمر، عن عائشة، قالت: لمّا دخل رسولُ اللَّه ﷺ بيتي، قال: مُروا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ بالناس. قالت: قلت: يا رسول اللَّه، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآنَ لا يَمْلكُ دَمْعَهُ، فلو أمرتَ غير أبي بكرٍ (٧). قالت: واللَّه، ما بي إِلَّا كراهية أن يَتشاءَمَ الناس بأول منْ يقومُ في مقام رسول اللَّه ﷺ قالت: فراجَعْتُه مرَّتين أو ثلاثًا. فقال: ليُصَلِّ بالنّاسِ أبو بكرٍ، فإنَّكنَّ صَواحِبُ يوسف. وفي "الصحيحين" (٨) من حديث عبد الملك بن عُمَيْر، عن أبي بُرْدَة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: مرضَ رسولُ اللَّه ﷺ فقال: مُروا أبا بكر فَلْيُصلِّ بالناسِ. فقالت عائشة: يا رسولَ اللَّه، إنّ أبا بكرٍ

стр. 2511

رجلٌ رَقيقٌ، متى يَقُمْ مَقامَكَ لا يَسْتَطيع أنْ (١) يُصلِّي بالناسِ. قال: فقال: مُروا أبا بكر فلْيُصَلِّ بالناسِ فإنكن صَواحِبُ يوسف. قال: فَصَلَّى أبو بكرٍ حياةَ رسولِ اللَّه ﷺ . وقال الإمام أحمد (٢): ثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا زائدة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه، قال: دَخَلْتُ على عائشةَ، فقلتُ: ألا تُحَدِّثيني عن مرض رسولِ اللَّه ﷺ ؟ فقالت: بلى ثَقُلَ رسول (٣) اللَّه ﷺ فقال: أصَلَّى الناسُ؟ فقلنا (٤) لا، هم يَنْتَظرونَك يا رسول اللَّه. فقال؛ ضعوا لي (٥) ماءً في المِخْضب (٦)، ففعلنا، قالت: فاغتسل، ثم ذهب لينوء (٧) فأُغْميَ عليه، ثم أفاق فقال: أَصلَّى النّاسُ؟ قلنا: لا، هم يَنْتَظِرونَكَ يا رسولَ اللَّهِ. قال: ضعوا (٨) لي ماءً في المِخْضَبِ، ففعلنا، فاغْتَسَلَ، ثم ذهبَ لينوء، فأُغْمِيَ عليه، ثم أفاق، فقال: أَصلَّى الناس؟ قلنا: لا، هم يَنْتَظِرونكَ يا رسول اللَّه (٩) قالت: والناسُ عُكوفٌ في المسجد يَنْتظرون رسولَ اللَّه ﷺ لصلاةِ العشاء، فأرسلَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى أبي بكر بأنْ يُصلِّي بالناس، وكان أبو بكرٍ رجلًا رَقيقًا، فقال: يا عُمَرُ صَلِّ بالناس. فقال: أنتَ أحقُّ بذلك فَصَلَّى بهم تلك الأيام. ثم إنّ رسولَ اللَّه ﷺ وجد خِفَّة فخرج بين رجُلَين، أحدُهُما العباسُ لصلاةِ الظُّهْر، فلما رآه أبو بكرٍ ذهبَ ليتأخَّر، فأومأ إليه أن لا يتأخَّر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعلَ أبو بكر يُصلِّي قائمًا، ورسولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي قاعدًا. قال عُبَيْدُ اللَّه: فدخلتُ على ابنِ عبّاس فقلتُ: ألا أعرضُ عليكَ ما حَدَّثَتْني عائشة عَنْ مَرَضِ رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: هاتِ. فَحَدَّثْتُهُ، فما أنكَرَ منه شيئًا، غير أنه قال: سمَّتْ لَكَ الرَّجلَ الذي كان مع العبّاسِ؟ قلت: لا، قال: هو عليّ. وقد رواه البُخاري (١٠) ومسلم (١١) جميعًا عن أحمد بن يونس، عن زائدة به. وفي رواية: فجعلَ أبو بكرٍ يُصلِّي بصلاةِ رسولِ اللَّه وهو قائمٌ، والناسُ يُصلُّون بصلاة أبي بكرٍ، ورسول اللَّه ﷺ قاعد.

стр. 2512

قال البيهقيّ (١): ففي هذا أنَّ النبيَّ ﷺ تَقَدَّم في هذه الصلاة، وعلَّق أبو بكر صلاتَهُ بصلاته. قال (١): وكذلك رواه الأسود وعروة عن عائشة، وكذلك رواهُ الأرقمُ بن شُرَحْبيل، عن ابن عباسٍ. يعني بذلك ما رواه الإمام أحمد (٢): ثنا يَحْيَى بن زكريا بن أبي زائدة، حدّثني أبي، عن أبي إسحاق، عن الأرْقَم بن شُرَحْبيل، عن ابن عباس، قال: لمّا مرِضَ النَّبِيّ ﷺ أمرَ أبا بكرٍ أن يُصَلِّيَ بالنَّاسِ، ثم وَجَدَ خِفَّةً، فخرجَ، فلما أحسَّ به أبو بكر أراد أن يَنْكَص، فأومأ إليه النَّبِيّ ﷺ فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره، واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر ﵁. ثم رواه أيضًا (٣) عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أرقم، عن ابن عباس بأطول من هذا. وقال وكيع مَرّةً: فكان أبو بكر يَأْتَمُّ بالنبي ﷺ ، والناس يأتمّون بأبي بكر. ورواه ابن ماجه (٤)، عن عليّ بن محمدٍ، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أرقم بن شُرَحْبيل، عن ابن عباس بنحوه. وقد قال الإمام أحمد (٥): ثنا شَبَابةُ بن سوَّار، ثنا شُعْبة، عن نُعَيْم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مَسْروق، عن عائشة قالت: صَلَّى رسولُ اللَّه ﷺ خَلْفَ أبي (٦) بكر قاعدًا في مرضه الذي مات فيه. وقد رواه الترمذي (٧) والنسائي (٨) من حديث شعبة. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال أحمد (٩): ثنا بكر بن عيسى، سمعتُ شعبة بن الحجّاج، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة: أن أبا بكر صَلَّى بالناس ورسول اللَّه في الصف. وقال البيهقي (١٠): أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القَطّان، أنبأنا عبد اللَّه بن جعفر، أنبأنا يعقوب بن سفيان، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ صَلَّى خلف أبي (١١) بكر. وهذا إسناد جيدٌ ولم يخرجوه. قال البيهقيّ: وكذلك رواه حُمَيْد، عن أنس بن مالك، ويونس، عن الحسن مرسلًا.

стр. 2513

ثم أسند ذلك من طريق هُشَيْم، أخبرنا يونس، عن الحسن، قال هشيم: وأنبأنا حُمَيْد، عن أنس بن مالك: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ خرجَ وأبو بكر يُصلِّي بالنّاسِ، فجلَس إلى جَنبه، وهو في بُرْدَةٍ، قد خالفَ بين طرفيها فَصَلَّى بصلاته. قال البيهقيّ (١): وأخبرنا علي بن أحمد بن عَبْدان، أنبأنا أحمد بن عُبَيْد الصّفّار، ثنا عُبَيْد بن شَريك، أنبأنا ابنُ أبي مَرْيَم، أنبأنا محمد بن جَعْفرٍ، أخبرني حُمَيْد أنَّه سَمِعَ أنسًا يقول: آخر صلاةٍ صَلَّاها رسولُ اللَّه ﷺ مع القومِ في ثوبٍ واحدٍ مُلْتحفًا به، خلف أبي بكر. قلت: وهذا إسنادٌ جيدٌ على شرط الصحيح، ولم يخرجوه. وهذا التَّقييدُ جيدٌ. بأنها آخرُ صلاةٍ صلَّاها مع الناس، صلوات اللَّه وسلامه عليه. وقد ذكر البيهقيّ (٢) من طريق سليمان بن بلال ويحيى بن أيوب، عن حُمَيْد، عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ صَلّى خَلْفَ أبي بكر في ثوبٍ واحدٍ بُرْدٍ مُخالفًا بين طَرَفيْه، فلمّا أرادَ أن يقوم، قال: ادعُ لي أُسامةَ بن زيدٍ، فجاء فأسنَدَ ظَهرَهُ إلى نَحْره، فكانت آخر صلاة صلاها. قال البيهقيّ (٣): ففي هذا دلالةٌ أنَّ هذه الصلاةَ كانتْ صلاةَ الصُّبْحِ من يوم الإثنين يوم الوفاة؛ لأنّها آخرُ صلاةٍ صَلَّاها، لما ثَبَتَ أنَّه توفي ضُحَى يوم الإثنين. وهذا الذي قاله البيهقيُّ أخذهُ مُسَلِّمًا من "مغازي موسى بن عقبة" فإنّه كذلك ذَكَر. وكذا روى أبو الأسود عن عروة، وذلك ضعيف، بل هذه آخرُ صلاةٍ صَلَّاها مع القوم، كما تقدم تَقْييده في الرواية الأُخرى، والحديثُ واحدٌ فَيُحْملُ مَطْلَقُهُ على مُقَيَّدِهِ، ثم لا يجوزُ أن تكون هذه صلاةَ الصبح من يوم الإثنين يومَ الوَفاةِ، لأنَّ تلك لم يُصلِّها مع الجماعة بل في بيته، لما به من الضعف، صلوات اللَّه وسلامه عليه. والدليل على ذلك ما قال البخاريُّ في "صحيحه" (٤): ثنا أبو اليمان، أنبأنا شُعيبٌ، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك، وكان تبعَ النَّبِيَّ ﷺ وخدَمَه وصَحِبَهُ، أنَّ أبا بكر كان يُصلِّي لهم في وجع النَّبِيِّ ﷺ الذي توفِّيَ فيه؛ حتى إذا كان يوم الإثنين، وهم صُفوف في الصلاة، فكشف النبيُّ ﷺ سِترَ الحُجْرة ينظر إلينا وهو قائمٌ، كأنَّ وجَهَهُ ورقةُ مُصْحَفٍ تَبَسَّم يَضْحكُ، فَهَمَمْنا أن نَفْتَتن من الفَرَحِ برؤية النَّبِيّ ﷺ (ونكصَ أبو بكرِ على عَقِبَيْهِ ليصلَ الصّفّ وظنَّ أنَّ النَّبِيَّ خارج) (٥) إلى الصلاة، فأشارَ إلينا النَّبِيُّ (٦) ﷺ أن

стр. 2514

أَتِمُّوا صَلاتَكُمْ، وأرْخَى السِّتْر، وتوفي من يومِه. وقد رواه مسلم (١) من حديثِ سُفْيان بن عُيَيْنة وصالح (٢) بن كيسان ومعمر، عن الزهري، عن أنس. ثم قال البخاري (٣): ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث، ثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: لم يَخْرُجِ النَّبِيُّ ﷺ ثلاثًا، فأقيمت الصَّلاةُ، فذهب أبو بكر يَتَقدَّم، فقال نبيُّ اللَّهِ: عليكُم بالحِجاب، فرفعه فلما وَضَح وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ ما نَظَرْنا مَنْظَرًا كانَ أعجبَ إلينا من وجه النَّبِيِّ ﷺ حين وَضَحَ لنا. فأومأ النَّبِيُّ ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدَّم، وأرخى النَّبِيُّ ﷺ الحجابَ، فلم يُقْدَر عليه حتى مات ﷺ . ورواه مسلم (٤) من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه به، فهذا أوضحُ دليلٍ على أنّه ﵊ لم يُصَلّ يومَ الإثنين صلاةَ الصُّبْحِ مع الناس، وأنّه كان قد انقطعَ عنهم، لم يخرج إليهم ثلاثًا. قلنا: فعلى هذا يكونُ آخر صلاةٍ صلاها معهم الظهرَ كما جاء مُصَرَّحًا به في حديث عائشة المتقدم، ويكون ذلك يومَ الخميس لا يومَ السبت، ولا يومَ الأحدِ كما حكاه البيهقيّ عن مغازي موسى بن عقبة، وهو ضعيف، لما (٥) قدَّمنا من خطبته بعدَها، ولأنه انقطَعَ عنهم يومَ الجُمْعة، والسبتِ، والأحدِ، وهذه ثلاثة أيامٍ كَوامل. وقال الواقدي (٦): عن أبي بكر بن أبي سَبْرَة، أنّ أبا بكرٍ صَلَّى بهم سبعَ عَشْرَةَ صلاةً. وقال غيرُهُ: عِشْرين صلاة. فاللَّه أعلم. ثم بدا لهم وجهُهُ الكريمُ صَبيحة يومِ الإثنين فودَّعهم بنظرةٍ كادوا يفتَتِنون بها، ثم كان ذلك آخرَ عهدِ جُمْهورِهم به، ولسانُ حالِهم يقولُ، كما قال بعضهم: [من الطويل] وكُنْتُ أُرى كالمَوْتِ منْ بَيْنِ سَاعةٍ … فكَيْفَ بِبَيْنٍ كانَ مَوْعِدُهُ الحَشْرُ والعجب أنّ الحافظَ البيهقي (٧) أورد هذا الحديث من هاتين الطريقين، ثم قال ما حاصله: فلعلَّه ﵊ احْتَجَبَ عنهم في أولِ ركعةٍ، ثم خرجَ في الركعة الثانية، فصلَّى خلفَ أبي بكر، كما قال عروةُ وموسى بن عقبة، وخَفِيَ ذلك على أنس بن مالك، أو أنه ذكَر بعضَ الخبرِ، وسكَتَ عن آخره، وهذا الذي قاله (٨) أيضًا بعيد جدًا، لأن أنسًا، قال: فلم يقدر عليه حتى مات. وفي رواية

стр. 2515

قال: فكان ذلك آخرَ العهد به. وقول الصحابي مقدّمٌ على قولِ التابعي واللَّه أعلمُ. والمقصودُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قدَّم أبا بكر الصديق إمامًا للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية. قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: وتقديمُه له أمرٌ معلومٌ بالضَّرورة من دين الإسلام. قال: وتقديمه له دليلٌ على أنه أعلمُ الصحابةِ وأقْرؤُهم؛ لما ثَبَتَ في الخبر المُتَّفَقِ على صحته بين العلماء: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال (١): "يَؤُمُّ القَوْمَ أقْرَؤُهُم لكتاب اللَّه، فإن كانوا في القِراءَةِ سواءٌ فأَعْلَمُهم بالسُّنَّةِ، فإن كانوا في السُّنَّة سواء فأكْبَرُهم سِنًّا، فإن كانوا في السِّنّ سواءً فأقْدَمُهُمْ سِلْمًا". قلت: وهذا من كلام الأشعري، ﵀، مما ينبغي أن يكتبَ بماءِ الذَّهَب، ثم قد اجتمعتْ هذه الصفات كلُّها في الصديق، ﵁ وأرضاه، وصلاة الرسول ﷺ خلفه في بعض الصَّلواتِ، كما قدَّمنا بذلك الرِّواياتِ الصَّحيحة لا يُنافي ما رُوي في "الصحيح" أنَّ أبا بكر ائتَمَّ به ﵊؛ لأنَّ ذلك في صلاةٍ أُخرى، كما نصَّ على ذلك الشافعيُّ وغيره من الأئمة، ﵏ . فائدة استدلَّ مالكٌ والشافعيُّ وجماعةٌ من العلماء (ومنهم البخاري) (٢) بصلاتِه، ﵊، قاعدًا وأبو بكر مُقْتَديًا به قائمًا، والناس بأبي بكر على نسخ قوله ﵊ في الحديث المُتَّفقِ عليه (٣) حين صلّى ببعض أصحابه قاعدًا. وقد وقع عن فرسٍ فَجُحِش (٤) شِقُّه، فصلوا وراء (٥) قيامًا (٦) فأشار إليهم أن اجلسوا فلمّا انصرفَ. قال: كذلك والذي نَفْسي بيدِه تفعلون كَفِعْلِ فارس والروم، يقومون على عظمائهم وهم جلوس. وقال (٧): "إنما جُعِلَ الإمام ليُؤْتَمّ به، فإذا كَبَّر فكَبِّرُوا، وإذا ركَع فاركعوا، وإذا رَفَع فارفَعوا، وإذا سَجَدَ فاسْجُدوا، وإذا صَلَّى جالسًا فَصَلُّوا جُلوسًا أجمعون". قالوا: ثم إنّه ﵊، أَمَّهم قاعدًا وهم قيام في مرض الموت، فدل على نَسْخِ ما تَقَدَّم. واللَّه أعلم. وقد تنوعت مسألك الناس في الجواب عن هذا الاستدلال على وجوه كثيرة، موضعُ ذِكرها كتاب "الأحكام الكبير" إن شاء اللَّه، وبه الثقةُ وعليه التُّكْلان.

стр. 2516

ومُلَخَّصُ ذلك أنّ من الناس من زَعَم أنّ الصَّحابة جَلَسوا لأمْرِه المُتَقَدِّم، وإنما استمرّ أبو بكر قائمًا لأجل التَّبليغِ عنه ﷺ . ومن الناس من قال: بل كان أبو بكر هو الإمام في نفسِ الأمر كما صرَّح به بعضُ الرواةِ كما تقدَّم، وكان أبو بكر لشدّةِ أدَبه مع الرسول ﷺ لا يُبادِرُه بل يَقْتَدي به، فكأنَّه ﵊، صار إمام الإمام، فلهذا لم يجلسوا لاقتدائهم بأبي بكر، وهو قائم، ولم يجلس الصديق لأجل أنّه إمامٌ، ولأنه يُبَلِّغُهم عن النَّبِيِّ ﷺ الحركاتِ والسَّكناتِ والانتقالاتِ، واللَّه أعلم. ومنَ النّاسِ منْ قال: فَرْقٌ بينَ أن يبتدئ الصلاةَ خلفَ الإمام في حالِ القيامِ فَيَسْتَمرّ فيها قائمًا، وإن طرأ جلوسُ الإمام في أثنائها كما في هذه الحال، وبين أن يَبْتدئ الصلاةَ خلفَ إمام جالسٍ، فيجبُ الجلوسُ للحديثِ المتقدِّم واللَّه أعلم. ومنَ النّاسِ منْ قال: هذا الصَّنيعُ والحديثُ المُتَقَدِّم دليلٌ على جوازِ القيامِ والجلوسِ، وإنَّ كُلًّا منهما سائغٌ جائزٌ، الجلوسُ لما تقدَّم، والقيامُ للفعلِ المُتأخّر. واللَّه أعلم. (فَصْلٌ في كَيفيَّة) (١) احْتِضارِهِ وَوَفاتِهِ ﵊ قال الإمام أحمد (٢): ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم التَّيْمي، عن الحارثِ بن سُوَيْدٍ، عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- قال: دَخَلْتُ على النَّبِيّ ﷺ -وهو يُوعكُ فَمسِستُه، فقلت: يا رسولَ اللَّه، إنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شديدًا. قال: أجل، إني أُوعَكُ كما يُوعَكُ الرَّجلان منكم. قلت: إنَّ لكَ أجْرَيْن. قال: "نعم، والذي نفسي بيده، ما على الأرض مسلمٌ يُصيبُهُ أذًى من مَرَضٍ فما سواه، إلَّا حطَّ اللَّه عنه به خَطاياه، كما تَحُطُّ الشَّجرةُ وَرَقَها". وقد أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) من طرقٍ متعددةٍ، عن سليمانَ بن مهران الأعْمش به. وقال الحافظ أبو يَعْلى الموصليّ في "مسنده": ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا مَعْمَر، عن زيدِ بن أسْلَم، عن رجل، عن أبي سعيد الخُدْري، قال: وضع يده على النَّبِيّ ﷺ فقال: واللَّهِ ما أطيقُ أن أضعَ يدي عليك من شدّة حُمَّاك. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "إنّا معشرَ الأنبياء يُضاعفُ لنا البلاءُ، كما يضاعَفُ لنا الأجرُ، إن كان النَّبِيُّ من الأنبياء لَيُبْتَلَى بالقَمل حتى يقتله، وإن كانَ الرجل ليُبْتَلَى بالعُرْي حتى يأخُذَ العَباءَةَ فيُجَوّبَها (٥)، وإن كانوا ليَفْرحون بالبلاء كما

стр. 2517

تَفْرحون (١) بالرخاء". فيه رجلٌ مُبْهمٌ لا يُعْرَفُ بالكلية، فاللَّه أعلم. وقد روى البخاري ومسلم (٢) من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، زاد مسلم: وجرير، ثلاثتهم عن الأعمش، عن أبي وائل شَقيق بن سلمة، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ما رأيتُ الوَجَع على أحدٍ أشدَّ منه على رسول اللَّه ﷺ . وفي "صحيح البخاري" (٣) من حديث يَزيد بن الهادِ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: مات رسول اللَّه ﷺ بين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكْرَهُ شدّةَ الموت لأحدٍ أبدًا (٤) بعد النَّبِيّ ﷺ . وفي الحديث الآخر الذي رواه (٥) في "صحيحه" قال: قال رسول اللَّه: "أشدُّ النَّاسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الصّالحُون، ثم الأمْثَلُ فالأمثلُ، يُبْتَلَى الرجلُ على حَسَبِ دينه، فإن كانَ في دينه صلابة شُدِّد عليه في البلاء". وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا يعقوب، ثنا أبي، ثنا محمد بن إسحاق، حدّثني سعيد بن عُبيد بن السَّبَّاق، عن محمد بن أسامة بن (٧) زيد عن أبيه أسامة بن زيد، قال: لمَّا ثَقُل رسولُ اللَّه ﷺ هَبَطْتُ وهبطَ النّاسُ معي إلى المدينة، فدخلتُ على رسول اللَّه، وقد أصمتَ فلا يَتكلَّم، فجعل يرفعُ يَدَيْهِ إلى السَّماءَ ثم يصُبُّها (٨) عليَّ أعرف أنّه يدعو لي. ورواه الترمذيّ (٩) عن أبي كُرَيْب، عن يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق. وقال: حسن غريب. وقال الإمام مالك في مُوَطَّئِه (١٠) عن إسماعيل بن أبي حكيم، أنَّه سمعَ عُمَرَ بن عبد العزيز، يقول: كانَ منْ آخرِ ما تكَلَّمَ به رسول اللَّه ﷺ أن قال: قاتلَ اللَّهُ اليَهودَ والنَّصَارى، اتخذوا قُبورَ أنْبيائِهِم مساجدَ، لا يَبْقَيَنَّ دِينان بأرضِ العرب. هكذا رواه مُرْسلًا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀.

стр. 2518

وقد روى البخاري (١) ومسلم (٢) من حديث الزُّهري عن عُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتْبَة، عن عائشة، وابن عباس، قالا: لما نزل برسول اللَّه ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَميصَةً له على وَجْهه، فماذا اغْتَمَّ كَشَفَها عن وجهه، فقال وهو كذلك: "لَعْنَةُ اللَّهِ على اليَهودِ والنَّصارى، اتَّخذوا قُبورَ أنبيائهم مساجدَ" يُحَذِّرُ ما صَنَعوا. وقال الحافظ البيهقيّ (٣): أنبأنا أبو بكر بن أبي رجاءٍ الأديب، أنبأنا أبو العباس الأصَمّ، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا أبو بكر بن عَياش، عن الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقولُ قبلَ موته بثلاثٍ: أحسنوا الظن باللَّه. وفي بعض الأحاديث كما رواه مسلم (٤) من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَمُوتَنَّ أحدُكم إِلَّا وهو يُحسنُ الظَّنَّ باللَّه تعالى". وفي الحديث الآخر يقول اللَّه تعالى: "أنا عندَ ظنِّ عَبْدي بي، فَلْيَظُنَّ بي خيرًا" (٥). وقال البيهقيّ (٦): أنبأنا الحاكم، ثنا الأصمّ، ثنا (٧) محمد بن إسحاق الصَّغانِيّ، ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، ثنا جرير، عن سليمان التَّيْمِي، عن قتادة، عن أنس، قال: كانَتْ عامَّةُ وصيةِ رسولِ اللَّه ﷺ حين حَضَرهُ الوفاة: "الصلاةُ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُم" حتَّى جَعل يُغَرْغِرُ بها، وما يَفيضُ (٨) بها لسانه. وقال الإمام أحمد (٩): ثنا أسباط بن محمد، ثنا التَّيْمي، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: كانت عامَّةُ وصيةِ رسولِ اللَّه ﷺ حين حضره الموتُ: الصَّلاةُ وما مَلَكَتْ أيمانهُم. حتّى جَعَلَ رسولُ اللَّه ﷺ يُغَرْغِرُ بها صَدْرُهُ، وما يكادُ يفيضُ بها لسانه. وقد رواه النَّسائي وابن ماجه (١٠) من حديثِ سُلَيْمان بن طَرْخان، وهو التَّيمي، عن قَتادة، عن أنَسٍ به. وفي رواية للنسائي (١١)، عن قتادة، عن صاحب له، عن أنس به.

стр. 2519

وقال أحمد (١): ثنا بكر بن عيسى الراسبي، ثنا عمر بن الفضل، عن نُعيم بن يزيد، عن علي بن أبي طالب، قال: أمرني رسولُ اللَّه ﷺ أن آتيه بطَبَقٍ (٢) يكتب فيه ما لا تَضِلُّ أمتُه من بعده. قال: فخشيتُ أن تفوتني نَفْسُه. قال: قلت: إني أحْفظُ وأعي. قال: أوصي بالصَّلاة والزَّكاةِ وما مَلَكَتْ أيمانُكم. تَفَرَّدَ به أحمد من هذا الوجه. وقال يعقوب بن سفيان (٣)، ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل، ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن سفينة عن أم سلمة قالت: كان عامة وصية رسول اللَّه ﷺ عندَ موتِه الصَّلاةَ الصلاة (٤) وما ملكت أيمانُكم، حتى جعل يُلَجْلِجُها في صدره، وما يفيضُ بها لسانُه. وهكذا رواه النسائي (٥) عن حُمَيْد بن مَسْعَدة عن يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد (٦) بن أبي عروبة، عن قتادة أنَّ (٧) سفينة حَدَّثَ عن أم سلمة به. قال البيهقيّ (٨): والصحيحُ ما رواه عفانُ عن همام عن قتادة عن أبي الخليل عن سفينة عن أم سلمة به. وهكذا رواه النّسائي (٩) أيضًا، وابن ماجه (١٠) من حديث يزيد بن هارون، عن همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن سَفينة، عن أم سلمة به (١١). وقال أحمد (١٢): ثنا يونس ثنا (١٣) الليث، عن يزيد بن الهاد، عن موسى بن سَرْجِس، عن القاسم، عن عائشة، قالت: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، وهو يموت، وعنده قَدَحٌ فيه ماء، فيُدخلُ يدَه في القدح، ثم يَمْسَحُ وَجْهَه بالماء، ثم يقول: اللهم أعنِّي على سَكَراتِ الموت. ورواه التّرمذي (١٤) والنَّسائي (١٥)

стр. 2520

وابن ماجه (١)، من حديث الليث به. وقال الترمذي: غريب (٢). وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا وكيع، عن إسماعيل، عن مصعب بن إسحاق بن طلحة، عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ قال (٤): إنَّه لَيُهوِّنُ عليَّ أنِّي رأيتُ بياضَ كَفِّ عائشة في الجنة. تفرّد به أحمد، وإسناده لا بأس به، وهذا دليل على شِدَّةِ مَحَبَّتِه ﵊، لعائشة، ﵂. وقد ذكرَ النّاسُ معانيَ كثيرةً في كثرة المحبة، ولم يَبْلغْ أحدُهم هذا المبلغَ، وما ذاكَ إلَّا لأنَّهم يُبالغون كلامًا لا حقيقةَ له، وهذا كلامٌ حقٌّ لا محالةَ ولا شَك فيه. وقال حماد بن زيد (٥): عن أَيّوب، عن ابن أبي مليكة، قال: قالت عائشة: تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ في بيتي، وتوفي بين سحري ونحري، وكان جبريل يعوِّذه بدعاءً إذا مرض، فذهبت أدعو به (٦) فرفعَ بصرَه إلى السماء وقال: في الرَّفيق الأعلى، في الرَّفيق الأعلى، ودخلَ عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده جَريدةٌ رَطْبةٌ، فنظر إليها، فظننتُ أنَّ له بها حاجةً. قالت: فأَخَذْتها فنَفضْتُها (٧) فدفعتُها إليه، فاسْتنَّ بها أحسنَ ما كانَ مُسْتَنًّا، ثم ذهبَ يتناولها (٨)، فَسَقَطتْ من يده. قالت: فجمعَ اللَّه بين ريقي وريقِه في آخر يوم من الدنيا وأولِ يومٍ من الآخرة. ورواه البخاري (٩)، عن سليمان بن حرب (١٠) عن حماد بن زيد به. وقال البيهقي (١١): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرني أبو نصر أحمد بن سَهْلِ الفقيه ببخارى، ثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي، ثنا داود بن (١٢) عمرو بن زهير الضبي، ثنا عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، أخبرنا ابن أبي مُلَيْكَةَ: أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة، أخبره: أن عائشة كانت تقول: إن من نعمة اللَّه عليّ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ تُوفِّي في يومي، وفي بيتي، وبين سَحْري ونَحْري، وأن اللَّه جمعَ بين ريقي وريقه عند الموت. قالت: دخل عليَّ أخي بسواكٍ معه، وأنا مُسْندةٌ رسولَ اللَّه ﷺ

стр. 2521

إلى صدري، فرأيته ينظرُ إليه، وقد عرفتُ أنه يُحبُّ السِّواك ويألَفُهُ، فقلتُ: آخُذُه لك؟ فأشارَ برأسِه؛ أي: نعم، فَلَيَّنتُهُ له، فأمرَّه على فيه. قالت: وبين يديه ركوةٌ أو علبةٌ فيها ماءٌ فجعلَ يُدْخل يدَهُ في الماءِ فيمسحُ بها وجهه، ثم يقول: لا إله إِلَّا اللَّه، إنَّ للموت لسَكَراتٍ، ثم نصبَ أُصبُعَه اليُسْرى وجَعَلَ يقول: في الرفيقِ الأعلى، في الرَّفيقِ الأعلى، حتى قُبِضَ، ومالت يَدهُ في الماء. ورواه البخاري (١) عن محمد، عن عيسى بن يونس. وقال أبو داود الطيالسي (٢): ثنا شُعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعتُ عروة يُحَدِّث، عن عائشة، قالت: كُنا نُحَدِّثُ أنّ النبيَّ ﷺ لا يموتُ حتى يُخَيَّر بين الدنيا والآخرة. قالت: فلما كان مرضُ رسولِ اللَّه ﷺ الذي مات فيه عرضَتْ له بُحَّةٌ. فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] قالت عائشة: فَظَننَّا أنّه كان يُخَيَّر. وأخرجاه (٣) من حديث شعبة به. وقال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزُّبير في رجال من أهل العِلْم، أنَّ عائِشَة قالَتْ: كان رسولُ اللَّه ﷺ يقول وهو صحيح: إنه لم يُقْبض نَبيٌّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ من الجَنّة ثم يُخَيَّر. قالت عائشة: فلما نزلَ برسولِ اللَّه ﷺ ورأسُه على فَخِذي غُشِي عليه ساعةً، ثم أفاق فأَشْخَصَ بَصَرَهُ إلى سَقْفِ البيتِ. وقال: اللَّهمَّ الرفيقَ الأَعلى. فعرفتُ أنَّه الحديثُ الذي كان حَدَّثَناه، وهو صحيح: أنَّه لم يُقْبضْ نَبيٌّ قَطُ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ منَ الجَنَّة، ثم يُخَيَّر. قالت عائشة: فقلت: إذًا لا تَخْتارُنا. قالت (٤) عائشة: كانَتْ تلك الكلمةُ آخِرَ كلمةٍ تكَلَّمَ بها رسولُ اللَّه ﷺ الرفيقَ الأعلى. أخرجاه (٥) من غير وجهٍ، عن الزُّهْريّ به. وقال سفيان، هو الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي بُرْدة، عن عائشة، قالت: أُغْميَ على رسول اللَّه ﷺ وهو في حِجْري، فَجَعَلْتُ أمْسَحُ وَجْهَهُ وأدْعو له بالشفاء. فقال: لا، بَلْ أسألُ اللَّهَ الرفيقَ الأعلى الأسْعَدَ مع جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ. رواه النَّسائي (٦) من حديث سفيان الثوريّ به. وقال البيهقيّ (٧): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ وغيره، قالوا: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، ثنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن عَبّاد بن عبد اللَّه بن الزبير: أنَّ عائشة أخبرتْهُ

стр. 2522

أنَّها سمعَتْ رسول اللَّه ﷺ ، وأصْغَتْ إليه قَبْلَ أن يَموتَ وهو مُسْنِد إلى صدرها يقول: اللهمَّ اغفر لي وارحمني، وألْحِقْني بالرفيق. أخرجاه (١) من حديث هشام بن عروة. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني يحيى (٣) بن عباد بن عبد اللَّه بن الزُّبَيْر، عن أبيه عباد: سمعتُ عائشة تقول: مات رسول اللَّه ﷺ بين سَحْري ونَحْري، وفي دَوْلَتي، ولم أظلم فيه أحدًا، فمن سَفَهي وحَداثَة سني أنَّ رسول اللَّه ﷺ قُبضَ وهو في حَجْري، ثم وضعتُ رأسَه على وسادة وقمتُ ألْتَدِمْ (٤) مع النِّساءَ وأَضْرِبُ وَجْهي. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا محمد بن عبد اللَّه بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد اللَّه، قال: قالت عائشة: كان رسولُ اللَّه ﷺ يقول: ما منْ نَبيّ إِلَّا تُقْبضُ نفسُه، ثم يرى الثوابَ، ثم تُرَدُّ إليه، فيُخَيَّرُ بينَ أن تُرَدَّ إليه وبين أن يَلْحَق، فكنتُ قَدْ حَفِظْتُ ذلك منه فإني لمُسْنِدَتُهُ إلى صَدْري، فنظرتُ إليه حينَ مالَتْ عنقُه، فقلت: قدْ قَضَى، فعرفْتُ الذي قال، فنظَرْتُ إليه حينَ ارتفعَ فنظر. قالت: قلت: إذًا واللَّهِ لا يَخْتارُنا. فقال: مع الرَّفيقِ الأعلى في الجنة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] تفرَّدَ به أحمدُ، ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا عفان، حدَّثنا همام، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قُبضَ رسولُ اللَّه ﷺ ، ورأسُه بين سَحْري ونَحْري. قالت: فلما خرجَتْ نفسُه لم أجد ريحًا قطُّ أطيبَ منها. وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ الصَّحيحين، ولم يخرجه أحدٌ من أصحاب الكتب السِّتَّة. ورواه البيهقيُّ (٧) من حديث حَنْبَل بن إسحاق، عن عفان. وقال البيهقي (٨): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس، عن أبي معشر عن محمد بن قيس بن أبي عروة، عن أم سلمة، قالت: وَضَعْتُ يدي على صدر رسول اللَّه ﷺ يومَ مات، فَمَرَّت لي جُمَعٌ آكُلُ وأتوضَّأ، وما يذهبُ ريحُ المِسْكِ من يدي.

стр. 2523

وقال أحمد (١): حدَّثنا عفان وبَهْزٌ، قالا: ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا حميد بن هلال، عن أبي بُرْدَةَ، قال: دخلتُ على عائشة، فاخرجت إلينا إزارًا غليظًا مما صُنِعَ (٢) باليمن، وكساءً من التي يدْعون المُلَبَّدةَ، فقالت: إن رسول اللَّه ﷺ قُبضَ في هذين الثوبين. وقد رواه الجماعه (٣) إِلَّا النسائي من طرق، عن حميد بن هلال به. وقال الترمذي: حسنٌ صحيح. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا بَهْزٌ، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا أبو عِمْران الجَوْني، عن يزيد بن بابَنُوس، قال: ذهبتُ أنا وصاحبٌ لي إلى عائشة، فاسْتَأْذَنا عليها، فألقت لنا وسادةً وجَذبَتْ إليها الحِجابَ. فقال صاحبي: يا أم المؤمنين، ما تقولين في العِراك؟ قالت: وما العِراك؟ فضربتُ مَنكِبَ صاحبي. فقالت: مَهْ (٥) آذَيْتَ أخاك. ثم قالت: ما العِراكُ، المَحيض! قولوا ما قال اللَّه ﴿الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ثم قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يَتَوشَّحُني، وينال من رأسي، وبيني وبينه ثوبٌ وأنا حائض. ثم قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا مَرَّ ببابي مما يُلْقي الكلمةَ يَنْفَعني اللَّهُ بها، فمرَّ ذاتَ يومٍ، فلم يَقُلْ شيئًا، ثم مر فلم يقل شيئًا مَرَّتين أو ثلاثًا. فقلتُ: يا جارية ضَعي لي وسادةً على الباب، وعصبتُ رأسي، فمر بي. فقال يا عائشة، ما شأنُك؟ فقلتُ: أشتكي رأسي. فقال: أنا وارأساه، فذهبَ فلم يلبث إِلَّا يسيرًا حتى جيء به محمولًا في كساءٍ، فدخل عليّ، وبعث إلى النساء فقال: إني قد اشتكيتُ، وإني لا أستطيعُ أن أدورَ بينكن فَأْذَنَّ لي فَلأكُنْ عند عائشة (٦) فكنتُ أمرّضُهُ ولم أمرِّض أحدًا قبله، فبينما رأسُه ذاتَ يومٍ على مَنْكبي إذ مال رأسُه نحوَ رَأْسي، فظننتُ أنَّه يريدُ من رأسي حاجةً، فخرجَتْ من فيه نقطةٌ باردةٌ، فوقعَتْ على ثغرة (٧) نحري فاقْشَعَرَّ لها جلدي، فظننتُ أنه غُشيَ عليه، فسَجَّيْتُه ثوبًا، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة، فاستأذَنا فأذِنْتُ لهما، وجذَبْتُ إليَّ الحِجاب، فنظرَ عمر إليه، فقال: واغَشياه، ما أشدَّ غَشْيَ رسولِ اللَّه ﷺ ثم قاما، فلما دَنوا من الباب قال المغيرةُ: يا عمر، ماتَ رسول اللَّه ﷺ قال (٨) كَذَبْتَ، بل أنتَ رجلٌ تَحوسُكَ (٩) فتنةٌ. إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لا يموتُ حتى يُفْنيَ

стр. 2524

اللَّهُ المنافقين. قالت: ثم جاء أبو بكر فرفعتُ الحجاب، فنظر إليه، فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، مات رسولُ اللَّه ﷺ . ثم أتاه من قِبل رَأْسِه فحدَر فاه فَقَبَّل جَبْهَتَهُ ثم قال: وانبيَّاه. ثم رفع رأسَه فحدرَ فاه، وقَبَّل جَبْهَته، ثم قال: واصَفيّاه، ثم رفعَ رأسَه وحدَر فاه وقَبَّلَ جَبْهَته، وقال: واخَليلاه، مات رسولُ اللَّه ﷺ وخرج إلى المسجد، وعمر يخطبُ النَّاسَ، ويتكلَّم ويقول: إنّ رسولَ اللَّه لا يموتُ حتى يُفْنيَ اللَّهُ المنافقين. فتكلَّم أبو بكرٍ فَحَمِدَ اللَّه وأثْنَى عَلَيْه، ثم قال إن اللَّه يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] حتى فرغ من الآية. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، حتى فرغ من الآية، ثم قال: فَمَنْ كانَ يَعْبَدُ اللَّه فإنَّ اللَّهَ حَيٌّ (١)، ومَنْ كان يَعْبُد محمدًا فإن مُحَمَّدًا قد مات. فقال عمر: أو أنّها في كتاب اللَّه، ما شعرتُ أنَّها في كتاب اللَّه. ثم قال عمر: يا أيها الناس، هذا أبو بكر، وهو ذو شَيْبَة (٢) المسلمين، فبايِعوه، فبايَعوه. وقد رواه (٣) أبو داود (٤) والترمذي. في "الشمائل" (٥) من حديث مَرْحومِ بن عبد العزيز العَطّار، عن أبي عِمْرانَ الجَوْني به ببعضه. وقال الحافظ البيهقيّ (٦): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عُقَيْل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن (٧) عبد الرحمن أن عائشة أخبرته: أنَّ أبا بكرٍ أقبل على فَرَسٍ من مَسْكَنه بالسُّنْح (٨)، حتى نزل، فدخل المسجدَ، فلم يكلِّم الناس حتى دخل على عائشة، فيمَّم رسول اللَّه ﷺ -وهو مُسَجًى (٩) ببردِ حِبَرَةٍ، فكشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه فقبَّله، ثم بكى. ثم قال: بأبي أنتَ وأُمّي يا رسولَ اللَّه، واللَّه لا يَجْمَعُ اللَّهُ عليكَ مَوتَتَيْنِ أبدًا، أما الموتةُ التي كُتِبَتْ عليكَ فَقَدْ مُتَّها.

стр. 2525

قال الزهري (١): وحدّثني أبو سلمة، عن ابن عباس: أن أبا بكرٍ خرجَ، وعمرُ (٢) يُكَلِّم الناس. فقال: اجلس يا عمر! فأبى عمر أن يجلس. فقال: اجْلِسْ يا عُمَر! فأبى عمرُ أنْ يَجْلِسَ. فَتَشَهَّد أبو بكر، فأقبل الناسُ إليه. فقال: أما بعد، فمَنْ كانَ منكم يَعْبُدُ محمدًا فإِنَّ محمدًا (٣) قد مات، ومن كان يَعْبُدُ اللَّهَ فإنَّ اللَّه حيٌّ لا يموتُ. قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤] قال: فواللَّه لكأنّ الناس لم يعلموا أنّ اللَّهَ أنزلَ هذه الآية، حتَّى تلاها أبو بكر، فتلقّاها منه الناسُ كلُّهم، فما سُمِعَ بَشَرٌ من النّاس إِلَّا يَتْلوها. قال الزهري (٤): وأخبرِني سعيد بن المُسَيّب أن عمر قال: واللَّه، ما هو إِلَّا أن سَمِعْتُ أبا بكر تلاها، فعرَفْتُ أنّه الحَقُّ، فعَقِرْتُ (٥) حتى ما تُقِلُّني رِجْلاي، وحتى هَوَيْتُ إلى الأرض، وَعَرَفْتُ حينَ سَمِعْتُهُ تلاها أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قد مات. ورواه البخاري (٦) عن يحيى بن بُكَيْر (٧) به. وروى الحافظ البيهقيّ (٨)، من طريق ابن لَهيعة، ثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، في ذكر وفاة رسول اللَّه ﷺ . قال: وقام عُمَر بن الخطّاب يخطُبُ الناس، ويَتَوَعَّدُ منْ قال مات بالقتل والقطع، ويقول: إنّ رسولَ اللَّه ﷺ في غَشْيتِه (٩) لو قد قام قَتَلَ وقطع. وعمرو بن قيس بن زائدة بن الأصمّ بن أمِّ مَكْتوم في مُؤَخرِ المسجد يقرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية والنّاسُ في المسجد يَبْكون، ويموجون لا يَسْمَعون، فخرَجَ عباسُ بن عَبْدِ المَطَّلِب على الناس. فقال: يا أيُّها النّاسُ، هل عند أحد منكم من عهد من رسول اللَّه ﷺ في وفاته فليحدثنا. قالوا: لا! قال: هل عندكَ يا عُمرُ من علمٍ؟ قال: لا، فقال العباس: أشْهَدُ (١٠) أيُّها الناسُ، أنَّ أحدًا لا يَشْهدُ على رسول اللَّه ﷺ بعهدٍ عهده إليه في وفاته، واللَّه الذي لا إله إِلَّا هو، لقد ذاقَ رسولُ اللَّه ﷺ الموتَ. قال: وأقبلَ أبو بكر، ﵁، من السُّنح على دابَّته حتى نزلَ ببابِ المَسْجد، وأقْبَل مَكْروبًا حزينًا، فاستأذنَ
следующие страницы →