← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

إلى صدري، فرأيته ينظرُ إليه، وقد عرفتُ أنه يُحبُّ السِّواك ويألَفُهُ، فقلتُ: آخُذُه لك؟ فأشارَ برأسِه؛ أي: نعم، فَلَيَّنتُهُ له، فأمرَّه على فيه. قالت: وبين يديه ركوةٌ أو علبةٌ فيها ماءٌ فجعلَ يُدْخل يدَهُ في الماءِ فيمسحُ بها وجهه، ثم يقول: لا إله إِلَّا اللَّه، إنَّ للموت لسَكَراتٍ، ثم نصبَ أُصبُعَه اليُسْرى وجَعَلَ يقول: في الرفيقِ الأعلى، في الرَّفيقِ الأعلى، حتى قُبِضَ، ومالت يَدهُ في الماء. ورواه البخاري (١) عن محمد، عن عيسى بن يونس. وقال أبو داود الطيالسي (٢): ثنا شُعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعتُ عروة يُحَدِّث، عن عائشة، قالت: كُنا نُحَدِّثُ أنّ النبيَّ ﷺ لا يموتُ حتى يُخَيَّر بين الدنيا والآخرة. قالت: فلما كان مرضُ رسولِ اللَّه ﷺ الذي مات فيه عرضَتْ له بُحَّةٌ. فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] قالت عائشة: فَظَننَّا أنّه كان يُخَيَّر. وأخرجاه (٣) من حديث شعبة به. وقال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزُّبير في رجال من أهل العِلْم، أنَّ عائِشَة قالَتْ: كان رسولُ اللَّه ﷺ يقول وهو صحيح: إنه لم يُقْبض نَبيٌّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ من الجَنّة ثم يُخَيَّر. قالت عائشة: فلما نزلَ برسولِ اللَّه ﷺ ورأسُه على فَخِذي غُشِي عليه ساعةً، ثم أفاق فأَشْخَصَ بَصَرَهُ إلى سَقْفِ البيتِ. وقال: اللَّهمَّ الرفيقَ الأَعلى. فعرفتُ أنَّه الحديثُ الذي كان حَدَّثَناه، وهو صحيح: أنَّه لم يُقْبضْ نَبيٌّ قَطُ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ منَ الجَنَّة، ثم يُخَيَّر. قالت عائشة: فقلت: إذًا لا تَخْتارُنا. قالت (٤) عائشة: كانَتْ تلك الكلمةُ آخِرَ كلمةٍ تكَلَّمَ بها رسولُ اللَّه ﷺ الرفيقَ الأعلى. أخرجاه (٥) من غير وجهٍ، عن الزُّهْريّ به. وقال سفيان، هو الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي بُرْدة، عن عائشة، قالت: أُغْميَ على رسول اللَّه ﷺ وهو في حِجْري، فَجَعَلْتُ أمْسَحُ وَجْهَهُ وأدْعو له بالشفاء. فقال: لا، بَلْ أسألُ اللَّهَ الرفيقَ الأعلى الأسْعَدَ مع جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ. رواه النَّسائي (٦) من حديث سفيان الثوريّ به. وقال البيهقيّ (٧): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ وغيره، قالوا: ثنا أبو العباس الأصم، ثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، ثنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن عَبّاد بن عبد اللَّه بن الزبير: أنَّ عائشة أخبرتْهُ

стр. 2522

أنَّها سمعَتْ رسول اللَّه ﷺ ، وأصْغَتْ إليه قَبْلَ أن يَموتَ وهو مُسْنِد إلى صدرها يقول: اللهمَّ اغفر لي وارحمني، وألْحِقْني بالرفيق. أخرجاه (١) من حديث هشام بن عروة. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني يحيى (٣) بن عباد بن عبد اللَّه بن الزُّبَيْر، عن أبيه عباد: سمعتُ عائشة تقول: مات رسول اللَّه ﷺ بين سَحْري ونَحْري، وفي دَوْلَتي، ولم أظلم فيه أحدًا، فمن سَفَهي وحَداثَة سني أنَّ رسول اللَّه ﷺ قُبضَ وهو في حَجْري، ثم وضعتُ رأسَه على وسادة وقمتُ ألْتَدِمْ (٤) مع النِّساءَ وأَضْرِبُ وَجْهي. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا محمد بن عبد اللَّه بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد اللَّه، قال: قالت عائشة: كان رسولُ اللَّه ﷺ يقول: ما منْ نَبيّ إِلَّا تُقْبضُ نفسُه، ثم يرى الثوابَ، ثم تُرَدُّ إليه، فيُخَيَّرُ بينَ أن تُرَدَّ إليه وبين أن يَلْحَق، فكنتُ قَدْ حَفِظْتُ ذلك منه فإني لمُسْنِدَتُهُ إلى صَدْري، فنظرتُ إليه حينَ مالَتْ عنقُه، فقلت: قدْ قَضَى، فعرفْتُ الذي قال، فنظَرْتُ إليه حينَ ارتفعَ فنظر. قالت: قلت: إذًا واللَّهِ لا يَخْتارُنا. فقال: مع الرَّفيقِ الأعلى في الجنة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] تفرَّدَ به أحمدُ، ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا عفان، حدَّثنا همام، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قُبضَ رسولُ اللَّه ﷺ ، ورأسُه بين سَحْري ونَحْري. قالت: فلما خرجَتْ نفسُه لم أجد ريحًا قطُّ أطيبَ منها. وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ الصَّحيحين، ولم يخرجه أحدٌ من أصحاب الكتب السِّتَّة. ورواه البيهقيُّ (٧) من حديث حَنْبَل بن إسحاق، عن عفان. وقال البيهقي (٨): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس، عن أبي معشر عن محمد بن قيس بن أبي عروة، عن أم سلمة، قالت: وَضَعْتُ يدي على صدر رسول اللَّه ﷺ يومَ مات، فَمَرَّت لي جُمَعٌ آكُلُ وأتوضَّأ، وما يذهبُ ريحُ المِسْكِ من يدي.

стр. 2523

وقال أحمد (١): حدَّثنا عفان وبَهْزٌ، قالا: ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا حميد بن هلال، عن أبي بُرْدَةَ، قال: دخلتُ على عائشة، فاخرجت إلينا إزارًا غليظًا مما صُنِعَ (٢) باليمن، وكساءً من التي يدْعون المُلَبَّدةَ، فقالت: إن رسول اللَّه ﷺ قُبضَ في هذين الثوبين. وقد رواه الجماعه (٣) إِلَّا النسائي من طرق، عن حميد بن هلال به. وقال الترمذي: حسنٌ صحيح. وقال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا بَهْزٌ، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا أبو عِمْران الجَوْني، عن يزيد بن بابَنُوس، قال: ذهبتُ أنا وصاحبٌ لي إلى عائشة، فاسْتَأْذَنا عليها، فألقت لنا وسادةً وجَذبَتْ إليها الحِجابَ. فقال صاحبي: يا أم المؤمنين، ما تقولين في العِراك؟ قالت: وما العِراك؟ فضربتُ مَنكِبَ صاحبي. فقالت: مَهْ (٥) آذَيْتَ أخاك. ثم قالت: ما العِراكُ، المَحيض! قولوا ما قال اللَّه ﴿الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ثم قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يَتَوشَّحُني، وينال من رأسي، وبيني وبينه ثوبٌ وأنا حائض. ثم قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ إذا مَرَّ ببابي مما يُلْقي الكلمةَ يَنْفَعني اللَّهُ بها، فمرَّ ذاتَ يومٍ، فلم يَقُلْ شيئًا، ثم مر فلم يقل شيئًا مَرَّتين أو ثلاثًا. فقلتُ: يا جارية ضَعي لي وسادةً على الباب، وعصبتُ رأسي، فمر بي. فقال يا عائشة، ما شأنُك؟ فقلتُ: أشتكي رأسي. فقال: أنا وارأساه، فذهبَ فلم يلبث إِلَّا يسيرًا حتى جيء به محمولًا في كساءٍ، فدخل عليّ، وبعث إلى النساء فقال: إني قد اشتكيتُ، وإني لا أستطيعُ أن أدورَ بينكن فَأْذَنَّ لي فَلأكُنْ عند عائشة (٦) فكنتُ أمرّضُهُ ولم أمرِّض أحدًا قبله، فبينما رأسُه ذاتَ يومٍ على مَنْكبي إذ مال رأسُه نحوَ رَأْسي، فظننتُ أنَّه يريدُ من رأسي حاجةً، فخرجَتْ من فيه نقطةٌ باردةٌ، فوقعَتْ على ثغرة (٧) نحري فاقْشَعَرَّ لها جلدي، فظننتُ أنه غُشيَ عليه، فسَجَّيْتُه ثوبًا، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة، فاستأذَنا فأذِنْتُ لهما، وجذَبْتُ إليَّ الحِجاب، فنظرَ عمر إليه، فقال: واغَشياه، ما أشدَّ غَشْيَ رسولِ اللَّه ﷺ ثم قاما، فلما دَنوا من الباب قال المغيرةُ: يا عمر، ماتَ رسول اللَّه ﷺ قال (٨) كَذَبْتَ، بل أنتَ رجلٌ تَحوسُكَ (٩) فتنةٌ. إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لا يموتُ حتى يُفْنيَ

стр. 2524

اللَّهُ المنافقين. قالت: ثم جاء أبو بكر فرفعتُ الحجاب، فنظر إليه، فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، مات رسولُ اللَّه ﷺ . ثم أتاه من قِبل رَأْسِه فحدَر فاه فَقَبَّل جَبْهَتَهُ ثم قال: وانبيَّاه. ثم رفع رأسَه فحدرَ فاه، وقَبَّل جَبْهَته، ثم قال: واصَفيّاه، ثم رفعَ رأسَه وحدَر فاه وقَبَّلَ جَبْهَته، وقال: واخَليلاه، مات رسولُ اللَّه ﷺ وخرج إلى المسجد، وعمر يخطبُ النَّاسَ، ويتكلَّم ويقول: إنّ رسولَ اللَّه لا يموتُ حتى يُفْنيَ اللَّهُ المنافقين. فتكلَّم أبو بكرٍ فَحَمِدَ اللَّه وأثْنَى عَلَيْه، ثم قال إن اللَّه يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] حتى فرغ من الآية. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، حتى فرغ من الآية، ثم قال: فَمَنْ كانَ يَعْبَدُ اللَّه فإنَّ اللَّهَ حَيٌّ (١)، ومَنْ كان يَعْبُد محمدًا فإن مُحَمَّدًا قد مات. فقال عمر: أو أنّها في كتاب اللَّه، ما شعرتُ أنَّها في كتاب اللَّه. ثم قال عمر: يا أيها الناس، هذا أبو بكر، وهو ذو شَيْبَة (٢) المسلمين، فبايِعوه، فبايَعوه. وقد رواه (٣) أبو داود (٤) والترمذي. في "الشمائل" (٥) من حديث مَرْحومِ بن عبد العزيز العَطّار، عن أبي عِمْرانَ الجَوْني به ببعضه. وقال الحافظ البيهقيّ (٦): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحان، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عُقَيْل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة بن (٧) عبد الرحمن أن عائشة أخبرته: أنَّ أبا بكرٍ أقبل على فَرَسٍ من مَسْكَنه بالسُّنْح (٨)، حتى نزل، فدخل المسجدَ، فلم يكلِّم الناس حتى دخل على عائشة، فيمَّم رسول اللَّه ﷺ -وهو مُسَجًى (٩) ببردِ حِبَرَةٍ، فكشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه فقبَّله، ثم بكى. ثم قال: بأبي أنتَ وأُمّي يا رسولَ اللَّه، واللَّه لا يَجْمَعُ اللَّهُ عليكَ مَوتَتَيْنِ أبدًا، أما الموتةُ التي كُتِبَتْ عليكَ فَقَدْ مُتَّها.

стр. 2525

قال الزهري (١): وحدّثني أبو سلمة، عن ابن عباس: أن أبا بكرٍ خرجَ، وعمرُ (٢) يُكَلِّم الناس. فقال: اجلس يا عمر! فأبى عمر أن يجلس. فقال: اجْلِسْ يا عُمَر! فأبى عمرُ أنْ يَجْلِسَ. فَتَشَهَّد أبو بكر، فأقبل الناسُ إليه. فقال: أما بعد، فمَنْ كانَ منكم يَعْبُدُ محمدًا فإِنَّ محمدًا (٣) قد مات، ومن كان يَعْبُدُ اللَّهَ فإنَّ اللَّه حيٌّ لا يموتُ. قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤] قال: فواللَّه لكأنّ الناس لم يعلموا أنّ اللَّهَ أنزلَ هذه الآية، حتَّى تلاها أبو بكر، فتلقّاها منه الناسُ كلُّهم، فما سُمِعَ بَشَرٌ من النّاس إِلَّا يَتْلوها. قال الزهري (٤): وأخبرِني سعيد بن المُسَيّب أن عمر قال: واللَّه، ما هو إِلَّا أن سَمِعْتُ أبا بكر تلاها، فعرَفْتُ أنّه الحَقُّ، فعَقِرْتُ (٥) حتى ما تُقِلُّني رِجْلاي، وحتى هَوَيْتُ إلى الأرض، وَعَرَفْتُ حينَ سَمِعْتُهُ تلاها أنّ رسولَ اللَّه ﷺ قد مات. ورواه البخاري (٦) عن يحيى بن بُكَيْر (٧) به. وروى الحافظ البيهقيّ (٨)، من طريق ابن لَهيعة، ثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، في ذكر وفاة رسول اللَّه ﷺ . قال: وقام عُمَر بن الخطّاب يخطُبُ الناس، ويَتَوَعَّدُ منْ قال مات بالقتل والقطع، ويقول: إنّ رسولَ اللَّه ﷺ في غَشْيتِه (٩) لو قد قام قَتَلَ وقطع. وعمرو بن قيس بن زائدة بن الأصمّ بن أمِّ مَكْتوم في مُؤَخرِ المسجد يقرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية والنّاسُ في المسجد يَبْكون، ويموجون لا يَسْمَعون، فخرَجَ عباسُ بن عَبْدِ المَطَّلِب على الناس. فقال: يا أيُّها النّاسُ، هل عند أحد منكم من عهد من رسول اللَّه ﷺ في وفاته فليحدثنا. قالوا: لا! قال: هل عندكَ يا عُمرُ من علمٍ؟ قال: لا، فقال العباس: أشْهَدُ (١٠) أيُّها الناسُ، أنَّ أحدًا لا يَشْهدُ على رسول اللَّه ﷺ بعهدٍ عهده إليه في وفاته، واللَّه الذي لا إله إِلَّا هو، لقد ذاقَ رسولُ اللَّه ﷺ الموتَ. قال: وأقبلَ أبو بكر، ﵁، من السُّنح على دابَّته حتى نزلَ ببابِ المَسْجد، وأقْبَل مَكْروبًا حزينًا، فاستأذنَ

стр. 2526

في بيتِ ابنتِه عائشة، فأَذِنَت له فدخَل، ورسول اللَّه ﷺ قد تُوفّي على الفراش والنِّسوة حوله، فخَمَّرْنَ وُجوهَهُنَّ، واسْتَتَرْنَ من أبي بكرٍ إِلَّا ما كان من عائشة، فكشفَ عن رسول اللَّه ﷺ ، فجَثَى عليه يُقَبِّلُه، ويبكي ويقولُ: ليس ما يقولُه ابنُ الخطاب شيئًا، تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ والذي نَفْسي بيده، رحمة اللَّه عليك يا رسول اللَّه، ما أطيَبَكَ حيًّا وميِّتًا. ثم غَشَّاه بالثوب، ثم خرجَ سَريعًا إلى المسجد يَتَخَطَّى رِقابَ النّاس، حتى أتى المنبرَ، وجلَسَ عمرُ حينَ رأى أبا بكرٍ مُقْبلًا إليه، وقام أبو بكر إلى جانب المنبر، ونادى النَّاسَ فجلسوا وأنْصَتوا، فَتَشهَّد أبو بكر بما علمه من التَّشهُّد، وقال: إنَّ اللَّه نَعَى نبيَّه إلى نفسه، وهو حَيّ بين أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم، وهو الموتُ حتى لا يَبْقى منكم أحدٌ إِلَّا اللَّه . قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية فقال عمر: هذه الآية في القرآن؟ واللَّه ما علمتُ أنَّ هذه الآية أُنْزلت قبل اليوم. وقد قال اللَّه تعالى لمحمد ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال اللَّه تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال: إنَّ اللَّه عمَّر محمدًا ﷺ وأبقاه حتى أقام دين اللَّه، وأظهر أمر اللَّه وبلغ رسالة اللَّه، وجاهد في سبيل اللَّه، ثم توفاه اللَّه على ذلك، وقد ترككم على الطريقة، فلن يَهْلِكَ هالكٌ إِلَّا من بعد البيِّنة والشفاء، فمَنْ كانَ اللَّهُ ربَّه فإنَّ اللَّه حيٌّ لا يموتُ، ومنْ كانَ يَعْبُدُ محمدًا، ويُنَزّله إلهًا فقد هَلَكَ إلهه، فاتقَّوا اللَّه أيها الناس، واعْتَصموا بدينكم، وتوكّلوا على ربكم، فإن دينَ اللَّهِ قائمٌ، وإنَّ كلمةَ اللَّهِ تامةٌ، وإن اللَّهَ ناصرٌ منْ نَصَرَه، ومعزٌّ دينَه، وإنَّ كتاب اللَّه بين أظْهُرنا، وهو النورُ والشِّفاءُ، وله هَدَى اللَّه محمدًا ﷺ ، وفيه حَلالُ اللَّهِ وحرامُه، واللَّهِ لا نُبالي منْ أجْلَبَ علينا من خَلْق اللَّه، إنّ سُيوف اللَّهِ لَمَسْلولةٌ ما وَضَعْناها بعدُ، ولنُجاهِدَنَّ منْ خالفنا كما جاهدنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فلا يُبْقِيَنَّ (١) أحدٌ إِلَّا على نَفْسِهِ. ثم انصرف معه المهاجرون إلى رسول اللَّه ﷺ . فذكر الحديثَ في غُسْلِه وتَكْفينه والصَّلاةِ عليه ودفنه. قلتُ: كما سنذكُرُه مُفَصَّلًا بدلائله وشواهده، إن شاء اللَّه تعالى. وذكر الواقديُّ عن شُيوخه. قالوا: ولَمَّا شُكَّ في موتِ النَّبِيِّ ﷺ فقال بعضهم: مات. وقال بعضهم: لم يمت-، وَضَعَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيْس يَدَها بين كَتْفي رسول اللَّه ﷺ . (فقالت: قد توفي رسول اللَّه ﷺ ) (٢) وقد رفع الخاتمُ من بين كَتِفيْه. فكان هذا الذي قد عُرِفَ به موته. هكذا (٣) أوردَهُ

стр. 2527

الحافظُ البَيْهقيّ في كتابه "دلائل النبوة" (١) من طريق الواقدي، وهو ضعيف، وشيوخه لم يُسَمَّوْا (٢) ثم هو منقطع بكل حال، ومخالفٌ لما صحَّ، وفيه غرابة شديدةٌ، وهو رفع الخاتم. فاللَّه أعلم بالصواب. وقد ذكر الواقديّ وغيرُه في الوفاة أخبارًا كثيرة فيها نكارات وغرابة شديدة أضْرَبْنا عن أكثرها صَفْحًا؛ لضَعْفِ أسانيدها، ونكارةِ متونِها، ولا سيّما ما يوردُهُ كثيرٌ من القُصّاصِ المُتْأخِّرين، وغيرهم، فكثيرٌ منه موضوع لا محالة. وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المرويَّة في الكتب المشهورة غنيةٌ عن الأكاذيب وما لا يعرف سندة، واللَّه أعلم. فصل في ذِكْرِ أُمورٍ مهمةٍ وَقَعَتْ بعد وفاتِه ﷺ وقبل دَفْنِه ﵊ ومن أعظمها وأجلها وأيمنها بركة على الإسلام وأهله بَيْعَةُ أبي بكر الصدّيق ﵁، وذلك لأنه ﵊، لمّا ماتَ كان الصدّيقُ، ﵁، قد صلَّى بالمُسلمين صلاةَ الصُّبْحِ، وكان إذ ذاكَ قد أفاقَ رسولُ اللَّه ﷺ ، إفافةً من غَمْرةِ ما كان فيه من الوَجَعِ، وكشَفَ سِتْرَ الحُجْرَةِ، ونظر إلى المسلمين، وهم صفوف في الصلاة خلف أبي بكر، فأَعْجَبه ذلك وتَبَسَّم، صلوات اللَّه وسلامه عليه، حتَّى هَمَّ المسلمون أن يَتْرُكوا ما هم فيه من الصلاةِ، لفرحهم به، وحتّى أراد أبو بكر أن يتأخَّر، ليصِلَ الصفَّ، فأشار إليهم أن يَمْكُثوا كما هم، وأرْخَى السِّتارة، وكان آخرَ العهدِ به، ﵊، فلما انصرفَ أبو بكرٍ، ﵁، من الصلاةِ دَخَلَ عليه، وقال لعائشة: ما أرى رسولَ اللَّه ﷺ إِلَّا قد أقْلَع عنه الوجعُ، وهذا يومُ بنتِ خارجة -يعني إحدى زوجتيه- وكانت ساكنةً بالسُّنْحِ شَرْقيَّ المدينةِ، فركبَ على فرسٍ له وذَهَبَ إلى منزله، وتُوُفِّي رسولُ اللَّه ﷺ . حين اشتدَّ الضُّحَى من ذلك اليوم. وقيل: عندَ زوالِ الشمسِ. واللَّه أعلم. فلمّا ماتَ واختلفَ الصحابةُ فيما بينهم، فمِنْ قائلٍ يقول: مات رسول اللَّه ﷺ ومن قائلٍ: لم يَمُتْ. فذهب سالمُ بن عُبَيْد وراءَ الصّدّيقِ إلى السُّنّح، فأعْلَمه بموتِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فجاءَ الصّدّيقُ من منزله حينَ بَلَغَه الخبر، فدخل على رسول اللَّه ﷺ منزلَه، وكَشَفَ الغِطاءَ عن وجهه وقبَّله، وتَحَقَّق أنه قد ماتَ، خرجَ إلى الناس فَخَطَبَهُمْ إلى جانب المنبر، وبيَّن لهم وفاةَ رسولِ اللَّه ﷺ كما قَدَّمنا، وأزاح الجدالَ وأزال (٣) الإشكال ورجع الناسُ كلُّهم إليه، وبايعَه في المسجد جماعةٌ من الصَّحابة، ووقعت شُبْهَةٌ لبعضِ الأنصارِ، وقام في أذْهان بعضِهم جوازُ اسْتِخْلافِ خليفةٍ من الأنصارِ، وتوسَّطَ بعضُهم بين أن يكونَ أميرٌ

стр. 2528

من المهاجرين وأميرٌ من الأنصار، حتى بيَّن لهم الصّدّيق أن الخِلافَة لا تكونُ إِلَّا في قريشٍ، فرجعوا إليه، وأجمعوا عليه، كما سَنُبيِّنُه ونُنَبِّهُ عليه. قِصّة سقيفة بني ساعِدَة قال الإمام أحمد (١): ثنا إسحاق بن عيسى الطَّبَّاع، ثنا مالكُ بن أنس، حدّثني ابن شهاب، عن عُبَيْد اللَّه بن (عبد اللَّه بن) (٢) عُتْبَة بن مَسْعودٍ، أنَّ ابنَ عبّاسٍ أخبره، أن عبد الرحمن بن عوف رجع إلى رحله -قال ابنُ عباسٍ: وكنتُ أُقْرئُ عَبْدَ الرَّحمن بن عوف فوجدني وأنا أنْتَظِرُهُ- وذلك بمنًى في آخر حجةٍ حجَّها عمرُ بن الخطاب، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنَّ رَجُلًا أتى عمرَ بن الخَطّاب فقال: إن فلانًا يقول: لوْ قَدْ ماتَ عُمَر بايعتُ فُلانًا. فقال عمر: إنِّي قائمٌ العَشِيَّةَ، إن شاء اللَّه، في الناس، فمُحَذِّرُهم هؤلاء الرَّهْط الذين يُريدون أن يَغْصِبوهُمْ أمْرَهم. قال عبد الرحمن: فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، لا تَفْعلْ فإنّ الموسمَ يَجْمَعُ رعاعَ النَّاسِ وَغَوْغاءهم، وإنَّهم الذين يَغْلِبون على مَجْلِسِك إذا قمتَ في الناس، فأخْشَى أن تقول مَقالةً يَطيرُ بها أولئك فلا يَعوها، ولا يَضَعوها مواضِعَها، ولكن حتى تَقْدَم المدينةَ، فإنَّها دارُ الهجرةِ والسُّنَّةِ، وتَخْلُصَ بعلماء النّاسِ وأشرْافِهِم فتقول ما قلت مُتَمَكِّنًا، فيَعُون مَقالَتَك ويَضَعونَها (٣) مواضِعَها. قال عمر: لئن قَدِمْتُ المدينةَ صالحًا (٤) لأكلمنَّ بها النَّاسَ في أول مقامٍ أقومه. فلما قَدِمنا المدينةَ في عَقِب ذي الحجَّة، وكان يومُ الجمعةِ عَجَّلْتُ الرَّواحَ صَكَّةَ الأعمى -قلت: لمالكٍ وما صَكَّةُ الأعمى (٥)؟ قال: إنّه لا يُبالي أيَّ ساعةٍ خرج، لا يعرفُ الحَرَّ والبَرْدَ. أو (٦) نحو هذا- فوجدت سعيدَ بن زيدٍ عندَ رُكْنِ المنْبر الأيمن قد سَبَقني، فجلستُ حِذاءَه تحُكُّ ركبتي ركبتَه، فلم أنْشَبْ أن طلَعَ عمر: فلما رأيتُهُ قلتُ: ليَقولَنَّ العشيَّةَ على هذا المنبر مَقالةً ما قالها عليه أحدٌ قبلَهُ. قال: فأنْكَرَ سعيدُ بنُ زيد ذلك، وقال: ما عسى أن يقولَ ما لَمْ يَقُلْ أحدٌ؟ فجلسَ عُمَرُ على المنبر، فلما سَكَتَ

стр. 2529

المُؤَذِّنُ قام فأثْنَى على اللَّهِ بما هُوَ أهْلُه، ثم قال: أما بعد أيُّها الناسُ، فإنّي قائلٌ مَقالةً قد قُدِّر لي أنْ أقولَها، لا أدْري لعلَّها بَيْنَ يَدَيْ أجَلي، فمَنْ وَعاها وَعَقَلَها فليُحَدِّثْ بها حيث انْتَهَتْ به راحلتُه، ومنْ لم يَعِها فلا أُحِلُّ له أن يَكذِبَ عليَّ، إنَّ اللَّهَ بَعَث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكِتاب، فكان فيما أنزل عليه آيةُ الرَّجْم، فقرأناها ووعَيْناها وعَقَلْناها، ورجَمَ رسولُ اللَّه ﷺ ورَجَمْنا بعدَه فأخْشَى إن طال بالنّاس زَمان أن يقول قائل لا نَجد آيةَ الرَّجْم في كتاب اللَّه، فيضلُّوا بتركِ فَريضةٍ قد أنزلها اللَّه . فالرجمُ في كتاب اللَّه حقٌّ على منْ زَنَى إذا أحصنَ من الرّجال والنساء؛ إذا قامَتِ البيِّنَةُ أو كان الحَبَلُ أو الاعتراف، ألا وإنّا قد كنا نقرأ: لا تَرْغَبوا عن آبائكم، فإنَّ كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ألا وإنّ رسولَ اللَّه ﷺ قال لا تُطروني كما أُطْريَ عيسى بن مريم، فإنما أنا عبدٌ فقولوا عبدُ اللَّه ورسولُه. وقد بلغني أنّ قائِلًا منكم يقولُ لو قد مات عمرُ بايعتُ فلانًا فلا يغترَّنَّ امرؤٌ أن يقولَ: إنَّ بيعةَ أبي بكر كانَتْ فَلْتَة (١) ألا وإنها كانَتْ كذلك، ألا إن اللَّه وَقَى شَرَّها، وليسَ فيكم اليومَ منْ تُقْطَعُ إليه الأعناقُ مثلَ أبي بكرٍ، وإنّه كانَ من خَبَرنا -حين تُوفِّي رسول اللَّه ﷺ أنَّ عَليًّا والزبير ومنْ كان معهما تَخَلَّفوا في بَيْت فاطمة بنتِ رسول اللَّه ﷺ وَتَخَلَّفَ عنها الأنصار بأجمعها في سَقيفة بني ساعدة، واجتمعَ المُهاجرونَ إلى أبي بكر، فقلت له: يا أبا بكرٍ، انطلقْ بنا إلى إخواننا من الأنصار. فانطلقنا نؤُمُّهم حتى لقينا رجلان صالحان، فذكرا لنا الذي صنعَ القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريدُ إخوانَنا هؤلاء (٢) من الأنصار. فقالا: لا عليكم أن لا تَقْرَبوهم، واقْضوا أمْرَكُمْ يا معشر المُهاجرين، فقلت: واللَّه لنَأْتِيَنَّهُمْ، فانْطَلَقنا حتى جِئْناهم في سَقيفةِ بني ساعدة، فإذا هم مُجْتمعون، وإذا بينَ ظَهرانيهم رجلٌ مُزَمَّلٌ، فقلت: منْ هذا؟ قالوا: سعدُ بن عُبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: وجعٌ. فلما جَلَسْنا قام خَطيبُهم، فأثْنى على اللَّه بما هُوَ أهْلُه، وقال: أما بَعْدُ فنحنُ أنصارُ اللَّه وكتيبةُ الإسلام، وأنتم يا مَعْشَرَ المُهاجرين رَهْطٌ منّا (٣) وقد دَفَّتْ دافَّة (٤) منكم يُريدون (٥) أن يختزلونا (٦) من أصلنا ويحضُنونا (٧) من الأمر. فلما سكت أردتُ أن أتكلَّم، وكنتُ قد زَوَّرْتُ (٨) مقالةً أعْجَبَتْني، أردتُ أن أقولها بينَ يَدَيْ أبي بكر وكنتُ أُداري منه بعضَ الحدِّ (٩)،

стр. 2530

وهو كان أحْلم (١) مني وأوْقَرَ، واللَّهِ ما تركَ من كَلمةٍ أعْجَبَتني في تَزْويري إِلَّا قالها في بديهته وأفضل (٢) حتى سكت. فقال: أمّا بعدُ، فما ذكَرْتُم من خير فأنتم أهله، وما تَعْرف العربُ هذا الأمر إِلَّا لهذا الحيِّ من قُرَيش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رَضيتُ لكم أحدَ هذين الرجلين، أيهما شئتم. وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح، فلم أكره ممّا قال غيرها، وكان واللَّهِ أن أُقَدَّم فتُضرب عُنْقي لا يُقَرِّبني ذلك إلى إثم أحَبِّ إليّ أن أتأمَّر على قومٍ فيهم أبو بكر، إِلَّا أن تَغَيَّر نفسي عند الموت، فقال قائلٌ من الأنصار: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّك (٣) وعُذَيْقُها المُرَجَّب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش، فقلت لمالك: ما يَعْني أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكِ وعَذَيْقُها المُرَجَّب (٤) قال: كأنه يقول: أنا داهيتُها - قال: فكَثُرَ اللَّغَطُ وارتَفَعَت الأصْواتُ حتى خشينا الاختلاف. فقلت: ابسُطْ يَدَكَ يا أبا بكرٍ. فبَسَط يَدَه، فبايَعْتُه وبايَعَه المُهاجِرون، ثم بايَعَه الأنْصارُ، ونَزَوْنا على سَعْدِ بن عبادة، فقال قائلٌ منهم: قَتَلْتُم سَعْدًا. فقلت: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا. قال عمر: أما واللَّه ما وَجَدْنا فيما حضرنا أمرًا هو أوفقَ من مُبايعة أبي بكر، خَشينا إنْ فارَقنا القومَ ولم تَكُنْ بيعةٌ أن يُحْدِثوا بَعْدَنا بيعةً، فإما نُبايعهم (٥) على ما لا نَرْضَى، وإما أن نُخالِفَهم فيكون فساد، فمن بايعَ أميرًا عن غير مَشورة المُسلمين فلا بيعةَ له، ولا بيعةَ للذي بايَعه تَغِرَّةَ أن يُقْتَلا. قال مالك: فأخبرني ابنُ شهاب، عن عروة: أنّ الرجلين اللذين لَقياهما عُوَيْمٌ بنُ ساعِدَة ومَعْنُ بن عدي. قال ابنُ شهاب: وأخبرني سعيدُ بن المُسَيّب أنَّ الذي قال: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ وعُذَيْقُها المُرَجَّب. هو الحباب بن المنذر. وقد أخْرَجَ هذا الحديث الجماعة (٦) في كتبهم، من طرقٍ عن مالك وغيرِه، عن الزهري به. وقال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا معاوية بن (٨) عمرو، ثنا زائدة، ثنا عاصم (ح) وحدّثني حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- قال: لما قُبض رسولُ اللَّه ﷺ .

стр. 2531

قالت الأنصار: مِنّا أميرٌ ومِنْكُم أميرٌ، فأتاهم عُمَر فقال: يا معشرَ الأنْصار ألستم تعلمون أن رسولَ اللَّه ﷺ قد أمر أبا بكر أن يَؤُمّ النَّاسَ؟ فأيُّكم تطيبُ نفسُه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالت الأنصار: نعوذُ باللَّه أن نتقدم أبا بكر. ورواه النَّسائي (١)، عن إسحاق بن راهويه. وهنَّاد بن السَّريّ، عن حسين بن علي الجُعْفي، عن زائدة به. ورواه علي بن المديني، عن حسين بن علي، وقال: صحيح، لا أحفظه إِلَّا من حديث زائدة، عن عاصم. وقد رواه النسائي (٢) أيضًا من حديث سَلَمَة بن نُبَيْط عن نُعَيْم بن أبي هند، عن نُبَيْط بن شَريط، عن سالم بن عُبيد، عن عمر مثله، وقد رُوي عن عمر بن الخطاب نحوه من طريقٍ آخر. وجاء من طريقِ مُحَمَّد بن إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن الزُّهْري، عن عُبَيْد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، عن عمر، أنّه قال: قلت: يا مَعْشَرَ المسلمين، إن أوْلى النّاسِ بأمر نبيِّ اللَّه ثانِيَ اثْنَيْن إذ هُما في الغارِ أبو (٣) بكر السّبّاقُ المُبين (٤)، ثم أخذتُ بيده، وبَدَرَني رجلٌ من الأنصار، فضربَ على يده قبلَ أن أضربَ على يده، ثم ضَرَبْتُ على يده وَتَتَابع (٥) الناس. وقد روى محمد بن سعد (٦)، عن عامرِ بن الفضل، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد (٧) عن القاسم بن محمد. . . فذكر نَحْوًا من هذه القصة، وسمَّى هذا الرجل الذي بايع الصدّيقَ قبلَ عمَرَ بن الخطاب، فقال: هو بَشير بن سَعْدٍ، والد النعمان بن بَشير. ذِكْرُ اعْتِرَافِ سعْدِ بنِ عُبادَةَ بِصِحَّةِ ما قالَهُ الصِّدِّيق يَوْمَ السَّقيفَةِ قال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد اللَّه الأوَدْي، عن حُمَيْد بن

стр. 2532

عبد الرحمن، قال: تُوفِّي رسولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكر ﵁ في طائفة (١) من المدينة. قال: فجاء فكشف عن وجهه فَقَبَّلَهُ، وقال: فِدًى لَكَ (٢) أبي وأمي ما (٣) أطيبك حَيًّا ومَيِّتًا، مات محمدٌ وربِّ الكَعْبة. . . فذكر الحديث. (قال: فانطلقَ أبو بكر وعمر يتقاودان (٤) حتى أتَوْهم، فتكلَّم أبو بكر، فلم يترك شيئًا أُنْزِلَ في الأنصار، ولا ذكره رسول اللَّه من شأنِهم إِلَّا ذكره) (٥) وقال: لقد علمتم أنَّ رسول اللَّه قال: لو سلك الناسُ واديًا، وسلكت الأنصارُ واديًا، سلَكْتُ واديَ الأنْصار. ولقد علمْتَ يا سعدُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: -وأنتَ قاعدٌ- قريشٌ ولاةُ هذا الأمر، فبرُّ الناس تَبَعٌ لبرِّهم، وفاجرُهم تَبَعٌ لفاجرهم. فقال له سعد: صدقتَ، نحن الوزراءُ وأنتم الأمراءُ. وقال الإمام أحمد (٦): حدَّثنا عليّ بن عيّاش (٧)، ثنا الوليد بن مسلم، أخبرني يزيد بن سعيد بن ذي عَصْوان العَبْسي، عن عبد الملك بن عُمَيْر (٨) اللَّخْمي، عن رافعٍ الطائي رفيق أبي بكر الصّدّيق في غزوة ذات السلاسل، قال: وسألتُه عمّا قيل في بيعتهم، فقال: وهو يُحَدِّثه عما تَقاوَلَت به الأنصار، وما كلَّمَهم به، وما كلَّم به عمرُ بن الخطاب الأنصار، وما ذكَّرهم به من إمامتي إياهم بأمرِ رسولِ اللَّه ﷺ في مَرَضِهِ، فبايعوني لذلك وقبلتُها منهم، وتخوَّفتُ أن تكونَ فتنةٌ بعدَها رِدَّة. وهذا إسنادٌ جيدٌ قويٌّ. ومعنى هذا أنه ﵁، إنما قبل الإمامةَ، تَخَوفًا أن تقع (٩) فتنةٌ أرْبَى منْ تَرْكِهِ قبولها ﵁، وأرْضاه. قلت: كان هذا (١٠) في بقيّةِ يوم الإثنين فلما كان الغدُ صَبيحةَ يومِ الثلاثاء اجْتَمَعَ الناسُ في المسجد فَتُمِّمَت البيعةُ من المهاجرين والأنْصار قاطبةً، وكان ذلك قبل تَجْهيز رسول اللَّه ﷺ . قال البخاري (١١): أنبأنا إبراهيم بن موسى، ثنا هشام، عن مَعْمر، عن الزُّهري، أخبرني أنس بن مالك، أنه سمعَ خطبةَ عُمَرَ الأخيرةَ حينَ جلس على المنبر، وذلك الغدُ من يوم توفِّي رسول اللَّه ﷺ ،

стр. 2533

وأبو بكر صامتٌ لا يَتكَلَّمُ، قال: كنت أرجو أن يعيشَ رسولُ اللَّه ﷺ حتى يَدْبُرَنا -يريد بذلكَ (١) - أن يكون آخرهم - فإنْ يَكُ محمدٌ قد مات فإن اللَّه تعالى قد جعل بينَ أظْهُرِكُم نورًا تهتَدُون به، هدى اللَّه محمدًا ﷺ وإن أبا بكر صاحبُ رسول اللَّه ﷺ وثاني اثنين، وإنه أولى المسلمين (٢) بأموركم، فقوموا فبايعوه، وكانت طائفة قد بايَعوه قبل ذلك في سَقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المِنْبَرِ. قال الزُّهريّ: عن أنس بن مالك: سمعتُ عمر يقول يومئذ لأبي بكر: اصْعَدِ المِنْبَرَ! فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه عامة الناس. وقال محمد بن إسحاق (٣): حدّثني الزُّهْري، حدّثني أنس بن مالك، قال: لما بُويعَ أبو بكر في السَّقيفةِ، وكان الغدُ، جلسَ أبو بكرٍ على المنبر، وقام عمر فتكلَّم قبلَ أبي بكر، فَحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه بما هو أهله، ثمَّ قال: أيُّها النّاسُ، إني قد كنتُ قلتُ لكم بالأمس مقالةً ما كانت مما وجدتُها في كتاب اللَّه، ولا كانت عهدًا عَهِدَهُ (٤) إليَّ رسولُ اللَّه ﷺ ولكني كنتُ أرى أن رسولَ اللَّه سيَدْبُرُ أمرنا -يقول: يكون آخرنا- وإنَّ (٥) اللَّهَ قد أبْقَى فيكم كتابَهُ الذي هَدَى به (٦)، رسول اللَّه ﷺ فإن اعْتَصَمْتُم به هداكم اللَّه، لما كان هداه له (٧). وإن اللَّه قدْ جَمَعَ أمْرَكُم على خيركم، صاحبِ رسولِ اللَّه ﷺ وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فَبايعُوه، فبايع الناسُ أبا بكر بيعةَ العامةِ بعد بيعةِ السَّقيفة، ثمَّ تَكلَّم أبو بكر، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه بما هو أهلُه. ثم قال: أما بعدُ، أيُّها الناسُ، فإِنّي قد وُلِّيتُ عَلَيْكم ولستُ بخَيْرِكُم، فإن أحْسَنْتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوِّموني، الصدقُ أمانةٌ، والكَذِبُ خيانةٌ، والضَّعيفُ فيكم (٨) قويٌّ عندي حتى أُريحَ عليه حقّه (٩) إن شاء اللَّه، والقويّ فيكم ضعيفٌ حتى آخذَ منه الحقّ، إن شاء اللَّه، لا يَدَعُ قومٌ الجِهادَ في سبيلِ اللَّه إِلَّا ضَرَبَهُم اللَّهُ بالذُّلِّ، ولا تَشيعُ الفاحشَةُ في قوم قط (١٠) إلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بالبلاء، أطيعوني ما أطَعْتُ اللَّهَ ورسولَه، فإذا عَصَيْتُ اللَّهَ ورسوله فلا طاعة لي عليكمِ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللَّه. وهذا إسنادٌ صحيحٌ. فقوله: ﵁: -وَلِيْتكُم ولستُ بخيْركم- من باب الهَضْم والتَّواضعِ، فإنَّهم مُجْمِعون على أنه أفْضلُهم وخَيْرُهم ﵃.

стр. 2534

وقال الحافظُ أبو بكر البيهقيّ: أخبرنا أبو الحسن عليُّ بن محمد الحافظ الإسْفراييني، ثنا أبو علي الحسين بن عليّ الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وإبراهيم (١) بن أبي طالب، قالا: ثنا بندار بن بشّار (٢)، ثنا أبو هشام المَخْزومي، ثنا وُهَيْب، ثنا داود بن أبي هند، ثنا أبو نَضْرة، عن أبي سعيد الخُدْري، قال: قُبضَ رسولُ اللَّه ﷺ ، واجتمعَ الناسُ في دارِ سَعْدِ بن عُبادة، وفيهم أبو بكر وعمر. قال: فقام خطيبُ الأنْصارِ فقال: أتعلمونَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كانَ من المُهاجرين، وخليفتُه من المهاجرين، ونحن كنا أنصارَ رسول اللَّهِ ونحنُ أنصارُ خليفَتِه كما كنا أنصارَه. قال: فقام عمرُ بن الخطّاب فقال: صَدَقَ قائِلُكُم، أما لو قُلْتُم غيرَ هذا لم نتابعكم، وأخذَ بيد أبي بكرٍ، وقال: هذا صاحبُكُم فبايعوه. فبايَعَهُ عُمَر، وبايَعُه المهاجرون والأنصارُ. قال: فصَعِدَ أبو بكرٍ المِنْبر فنظرَ في وجوه القومِ فلم يَرَ الزُّبَيْرَ. قال: فَدَعا بالزُّبَيْر فجاء، فقال: قلتَ: ابنُ عَمَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ وحوارِيُّه أردتَ أن تَشُقَّ عصا المسلمين!؟ فقال: لا تَثْريبَ يا خليفَة رسولِ اللَّه ﷺ ، فقام فبايعه. ثم نَظَر في وجوهِ القَوْمِ فلم يَرَ عليًّا، فدعا بعليِّ بن أبي طالب فجاء، فقال: قلتَ: ابنُ عمِّ رسول اللَّه ﷺ وخَتنُه على ابنته، أردتَ (٣) أن تشقَّ عصا المُسلمين. قال: لا تَثْريبَ يا خليفةَ رسولِ اللَّه ﷺ . فبايعه. هذا أو معناه. وقال أبو عليّ الحافظ: سمعتُ محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث. فكتبتُه له في رقعةٍ، وقرأتُه عليه، وقال (٤): هذا حديثٌ يَسْوى بَدَنةً (فقلت: يَسْوى بَدَنَة) (٥). بل يَسْوَى بدْرة. وفد رواه البيهقيّ (٦)، عن الحاكم، وأبي محمد بن [أبي] حامد المُقْرئ، كلاهما عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصمّ، عن جعفر بن محمد بن شاكر، عن عفّانَ بن مسلم، عن وُهَيْب به. ولكن ذَكَر أنّ الصّدّيق هو القائل لخطيب الأنصار بدل عمر. وفيه: أنَّ زيدَ بن ثابتٍ أخَذَ بيد أبي بكر، فقال: هذا صاحبُكم فبايِعوه ثم انْطَلِقوا. فلما قَعَد أبو بكر على المنبرِ نظَر في وجوهِ القومِ فلم يَرَ عَلِيًّا، فسألَ عنه، فقام ناسٌ من الأنصار فأتوا به. . . فذكر نحوَ ما تقدَّم، ثم ذكر قصةَ الزُّبير بعدَ عليٍّ، فاللَّه أعلم (٧).

стр. 2535

وقد رواه علي بن عاصم عن الجُرَيْري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخُدْري. . . فذكر نحو ما تقدم. وهذا إسنادٌ صحيحٌ محفوظٌ من حديث أبي نَضْرَة المُنْذِر بن مالك بن قِطْعَة، عن أبي سَعيدٍ سعدِ بن مالكِ بن سِنانِ الخُدريّ، وفيه فائدةٌ جليلةٌ، وهي مُبايَعَةُ عليِّ بن أبي طالب، إمّا في أول يوم، أو في اليوم الثاني من الوفاة. وهذا حقٌّ، فإنَّ عليَّ بن أبي طالب لم يفارق الصّدّيق في وقت من الأوقات، ولم يَنْقَطِعْ في صلاةٍ من الصلواتِ خَلْفَه، كما سنذكره، وخرجَ معه إلى ذي القَصَّةِ، لما خَرَجَ الصِّديقُ شاهرًا سيفَه يريد قِتالَ أهلِ الرِّدَّة، كما سَنُبَيِّنُه قريبًا، ولكن لما حَصَلَ من فاطمة، ﵂، عَتْبٌ على الصِّدِّيق بسبب ما كانت متوهِّمةً من أنها تَسْتَحِقُّ ميراثَ رسول اللَّه ﷺ ، ولم تَعْلَم بما أخبرها به الصّدّيق، ﵁، أنه قال: "لا نُورَثُ ما تَرَكْنا فهو صَدَقَةٌ" فَحَجَبها وغيرَها من أزْواجِهِ وعَمَّه عن (١) الميراث بهذا النصّ الصَّريح كما سنُبَيِّن ذلك في موضعه، فسألَتْهُ أن ينظُرَ عليٌّ زوجها (٢) في صَدَقَةِ الأرضِ التي بخَيْبَر وفَدك، فلم يُجِبْها إلى ذلك. لأنَّه رأى أنَّ حقًّا عليه أن يقومَ في جميع ما كان يتولّاه رسولُ اللَّه ﷺ . وهو الصادِقُ البارُّ الراشدُ التابعُ للحقِّ، ﵁، فحَصَلَ لها -وهي امرأةٌ من البشر ليست بواجبة (٣) العِصْمَة- عَتْبٌ وتَغَضُّبٌ، ولم تُكَلِّمِ الصِّدِّيقَ حتى ماتت، ﵂، واحتاجَ عليٌّ أن يُراعيَ خاطِرَها بعضَ الشيء، فلما ماتَتْ بعدَ ستَّةِ أشْهُرٍ من وفاةِ أبيها ﷺ رأى عليٌّ أن يُجَدِّد البَيْعَةَ مع أبي بكر، ﵁، كما سنذكره من "الصحيحين" وغيرهما فيما بعدُ، إن شاء اللَّه تعالى، مما تقدَّمَ له من البَيْعَةِ قبلَ دَفْنِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ويزيدُ ذلك صحةً قولُ موسى بن عقبة في "مغازيه" (٤)، عن سعد بن إبراهيم، حدّثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأن محمد بن مسلمة كَسَر سَيْفَ الزُّبير، ثم خَطَبَ أبو بكر، واعتذر إلى الناس، وقال: ما كنتُ حَريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلةً، ولا سَأَلْتُها في سرٍّ ولا عَلانيةٍ، فقبل المُهاجرون مقالَتَه. وقال عليٌّ والزُّبَيْر: ما غَضِبنا إِلَّا لأنّا أُخِّرْنا عن المَشورةِ، وإنا نرَى أنّ أبا بكر أحَقُّ الناسِ بها، إنّه لصاحبُ الغارِ، وإنا لنعرفُ شَرَفَهُ وخَيْرَه (٥)، ولقد أمَرَهُ رسولُ اللَّه ﷺ بالصلاة (٦) بالناس وهو حيٌّ. إسنادٌ جيدٌ وللَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ (٧).

стр. 2536

فصل ومن تَأَمَّلَ ما ذَكَرْناهُ ظَهَرَ له إجماعُ الصَّحابة -المُهاجرين منهم والأنصار- على تقديم أبي بكر، وظَهَر بُرْهان قوله ﵊: "يَأْبَى اللَّهُ والمُؤْمنون إلا أبا بكر". وظَهَرَ له أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لم يَنُصَّ على الخلافةِ عَيْنًا لأحدٍ من الناس، لا لأبي بكر كما قد زعمه طائفة من أهل السنة، ولا لعليٍّ كما يقولُه طائفةُ الرافِضَةِ، ولكن أشار إشارة قوية يفهمُها كلُّ ذي لُبٍّ وعقل إلى الصّدّيق كما قدمنا و [كما] سنذكره. وللَّه الحمد. كما ثبت في "الصحيحين" (١) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب لما طُعِنَ قيل له: ألا تَسْتَخْلفُ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: إن اسْتَخْلِفْ فقد استَخْلَف من هو خير مني. يعني -أبا بكر- وإن أترك فقد ترك من هو خير مني. يعني رسول اللَّه ﷺ . قال ابن عمر: فعرفتُ حينَ ذكَر رسولَ اللَّه ﷺ أنّه غير مُسْتَخْلِفٍ. وقال سفيان الثوري (٢): عن الأسود (٣) بن قيس، (عن عمرو بن سفيان) (٤)، قال: لما ظَهَرَ عليٌّ على الناس [يوم الجمل] (٥). قال: يا أيُّها الناس إن رسول اللَّه ﷺ لم يعهدْ إلينا في هذه الإمارة شيئًا، حتى رَأَيْنَا منَ الرَّأْي أن نستخلف (٦) أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، (ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عُمَرَ فأقام واستقام حتى مضى لسبيله) (٧) -أو قال حتى ضرب الدِّين بِجِرانِه (٨) - إلى آخره. وقال الإمام أحمد (٩): ثنا أبو نُعيم، ثنا شريكٌ، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، قال: خَطَبَ رَجُلٌ يومَ البصرةِ حينَ ظهرَ عليّ، فقال عليّ: هذا الخَطيبُ الشَّحْشَحُ (١٠)، سبقَ

стр. 2537

رسولُ اللَّه ﷺ ، وصلَّى أبو بكر، وثَلَّثَ عُمر، ثم خَطَبتْنا فِتْنةٌ يعدهم يَصْنَعُ اللَّه فيها ما يشاء. وقال الحافظ البيهقي (١): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد المُزَكِّي (٢) بمَرْو (٣) ثنا عبد اللَّه بن رَوْح المَدائني، ثنا شَبابةُ بن سَوّار، ثنا شُعيبُ بن ميمونٍ، عن حُصَيْن بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن أبي وائل، قال: قيل لعليّ بن أبي طالب: ألا تَسْتَخْلفُ علينا؟ فقال: ما اسْتَخْلَفَ رسولُ اللَّه ﷺ فأَسْتَخْلِفَ، ولكن إن يُردِ اللَّهُ بالنّاسِ خيرًا فَسَيجْمَعُهم بعدي على خيرهم، كما جَمَعَهم بعدَ نبيِّهم على خيرهم. إسنادٌ جيدٌ ولم يخرجوه. وقد قدَّمنا ما ذكره البخاريّ (٤) من حديث الزُّهْري، عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن ابن عباس: أنَّ عبّاسًا وعَلِيًّا لما خرجا من عند رسول اللَّه ﷺ ، فقال رجل كيفَ أصبحَ رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال عليّ: أصبحَ بحمدِ اللَّه بارئًا. فقال العباس: إنَّك واللَّهِ بعدَ ثلاثٍ (٥) عبد العصا، إني لأعرف في وجوه بني هاشم الموت، وإني لأرى في وجهِ رسولِ اللَّه ﷺ الموتَ، فاذهبْ بنا إليه فنسألَه فيمن هذا الأمرُ؟ فإنْ كانَ فينا عَرَفْناهُ، وإن كان في غيرنا أمرناه (٦) فَوَصّاهُ بنا. فقال عليّ: إنّي لا أسأله ذلك، واللَّهِ إن مَنَعَناها لا يُعْطيناها الناسُ بعده أبدًا. وقد رواه محمد بن إسحاق (٧) عن الزُّهري به. . . فذكره (٨). وقال في آخره: فتُوفِّيَ رسولُ اللَّه ﷺ حين اشتدَّ الضُّحَى من ذلك اليوم. قلت: فهذا يكون في يوم الإثنين يوم الوفاة، فَدَل على أنّه ﵊ تُوفِّي عن غير وَصيَّةٍ في الإمارة. وفي "الصحيحين" (٩) عن ابن عباس: إنَّ الرزيةَ كل الرَّزية ما (١٠) حالَ بينَ رسولِ اللَّه ﷺ وبينَ أن يَكْتُبَ ذلك الكتابَ. وقد قدَّمنا أنَّه ﵊، كان طلب أن يكتُبَ لهم كتابًا لن يَضِلُّوا بعدَه، فلما أكثروا الَّلغَطَ والاختلافَ عنده، قال: "قوموا عني، فما أنا فيه خيرٌ ممّا تَدْعونني إليه ". وقد قدمنا أنه قال بعد ذلك: "يَأْبَى اللَّهُ والمُؤمنون إلا أبا بكر".

стр. 2538

وفي "الصحيحين" (١): من حديث عبد اللَّه بن عَوْنٍ، عن إبراهيم التيمي (٢)، عن الأسود، قال: قيل لعائشة: إنَّهم يقولون إنَّ رسول اللَّه ﷺ أوصى إلى عليّ، فقالت: بمَ أوصى إلى عليّ!؟ لقد دَعا بطَسْتٍ ليبولَ فيها، وأنا مُسْندتُه إلى صدري فانْخَنَثَ (٣) فمات وما شعرتُ فيمَ يقول هؤلاء: إنَّه أوصى إلى علي!!؟ وفي "الصحيحين" (٤)، من حديث مالك بن مِغْولٍ، عن طلحة بن مُصَرِّفٍ، قال: سألتُ عبد اللَّه بن أبي أوْفَى: هل أوْصَى رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قال: لا. قلتُ: فلمَ أُمِرْنا بالوصِيَّةِ؟ قال: أوصى بكتَابِ اللَّه . قال طلحة بن مُصَرِّفٍ: وقال هُزَيْلْ (٥) بن شُرَحْبيل: أبو بكر يَتَأمَّر على وَصِيِّ رسولِ اللَّه ﷺ ؟ ودَّ أبو بكرٍ أنَّه وَجَدَ عهدًا من رسول اللَّه ﷺ فَخَزمَ أنْفَهُ بخِزامةٍ (٦). وفي "الصحيحين" (٧) أيضًا من حديث الأعمش، عن إبراهيم التَّيْمي، عن أبيه. قال: خَطَبنا عليُّ بنُ أبي طالب، ﵁، فقال: منْ زَعَم أنَّ عندنا شيئًا نقرأه ليس (٨) كتاب اللَّه وهذه الصحيفة -لصحيفة مُعَلَّقةٍ في سيفه فيها أسنانُ الإبل وأشياءُ من الجراحات- فقد كذب. وفيها قال رسول اللَّه ﷺ : "المدينةُ حَرَمٌ ما بينَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ من أحْدَثَ فيها حَدَثًا أو آوَى مُحْدثًا فَعَليْهِ لعنةُ اللَّه والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يقبلُ اللَّهُ منه يومَ القيامةِ صرفًا ولا عدلًا، ومن ادّعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنةُ اللَّهِ والمَلائكةِ والناسِ أجْمعين، لا يَقْبلُ اللَّهُ منه يومَ القيامةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا، (وذِمَّةُ المسلمين واحدةٌ يَسْعَى بها أدْناهم، فمنْ أخْفَر مسلمًا فعليه لعنةُ اللَّهِ والملائكِة والناس أجْمَعين، لا يقبلُ اللَّه منه يومَ القيامةِ صَرْفًا ولا عَدْلًا) " (٩). وهذا الحديث الثَّابِتُ في "الصَّحيحين" وغيرهما (١٠) عن عليّ، ﵁، يردّ على فِرْقَةِ الرّافِضَةِ في زَعْمِهم أن رسول اللَّه ﷺ أوْصَى إليه بالخِلافَةِ، ولو كان الأمرُ كما زَعَموا لما رَدَّ ذلك أحدٌ منَ

стр. 2539

الصحابة، فإنَّهم كانوا أطْوَعَ للَّهِ ورسولهِ ﷺ في حياته، وبعد وفاته، من أنْ يَفْتاتوا (١) عليه فَيُقَدِّموا غيرَ منْ قَدَّمَه، ويُؤَخِّروا منْ قَدَّمَهُ بنصِّه، حاشا وكلا ولمَّا، ومنْ ظنَ بالصحابة، رضوان اللَّه عليهم ذلك، فقد نَسَبَهُم بأجمعهم إلى الفُجور والتَّواطُئِ على مَعَانَدَةِ الرسول ﷺ ومَضَادَّتِهِم في حُكْمِه ونَصِّه، ومنْ وَصَلَ من الناسِ إلى هذا المقامِ فقد خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلامِ، وكَفَرَ بإجماعِ الأئمةِ الأعْلامِ، وكانَ إراقَةُ دَمِه أحَلَّ من إراقَةِ المُدامِ. ثُمَّ لو كانَ مَعَ عليِّ بن أبي طالب، ﵁، نَصٌّ، فلِمَ لا كان يَحْتَجُّ به على الصَّحابة على إثباتِ إمارته عليهم وإمامتِه لهم؟! فإن لَمْ يَقْدِرْ على تَنْفيذِ ما معه منَ النَّصِّ فهو عاجِزٌ، والعاجِزُ لا يَصْلُحُ للإمارةِ، وإن كان يَقْدِرُ ولم يَفعَلْهُ فهو خائنٌ، والخائِنُ (٢) الفاسقُ مسلوبٌ مَعْزولٌ عن الإمارة، وإن لم يَعْلَمْ بوجودِ النَّصِّ فهو جاهل، ثم وقد عرفه وعلمه منْ بَعْدِ هذا (٣)، محالٌ وافتراءٌ وجهلٌ وضَلالٌ. وإنما يَحْسُنُ هذا في أذْهانِ الجَهَلَةِ الطَّغامِ والمغترِّين من الأنام، يُزَينُهُ لهم الشيطانُ بلا دليلٍ ولا برهانٍ، بل بمجردِ التَّحكْمِ والهذيانِ والإفكِ والبُهْتانِ، عياذًا باللَّه مما هم فيه من التَّخْليط والخِذلانِ والتَّخْبيطِ والكُفْران، ومَلاذًا باللَّه بالتَّمسُّكِ بالسُّنَة والقرآنِ، والوفاة على الإسلام والإيمان، والمُوافاةِ على الثباتِ والإيقانِ وتَثْقيل الميزانِ، والنَّجاةِ من النيرانِ والفَوْزِ بالجِنان، إنه كريمٌ منَّان رحيمٌ رحمنٌ. وفي هذا الحديث الثابت في "الصحيحين" عن عليٍّ الذي قَدَّمْناه، ردٌّ على مُتَقَوّلةِ كثير من الطُّرُقيَّةِ والقُصّاصِ الجَهَلَةِ في دَعْواهم أنَّ النبيَّ ﷺ أوْصى إلى عليٍّ بأشياء كثيرةٍ يَسُوقُونها مُطَوَّلةً: يا عليُّ افعلْ كذا، يا عليُّ لا تَفْعَلْ كذا، يا عليٍّ منْ فَعَلَ كذا، كان كَذَا وكَذا، بألفاظٍ رَكيكةٍ ومعانٍ أكثرُها سخيفة وكثيرٌ منها ضعيفةٌ (٤) لا تُساوي تَسْويد الصَّحيفة. واللَّه أعلم. وقد أورد الحافظ البيهقي (٥) من طريق حمادِ بن عمرو النَّصيبي -وهو أحدُ الكَذّابين الوضّاعين (٦) - عن السَّريِّ بن خَلّادٍ، عن جَعْفَر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ ، قال: يا عليُّ أوصيكَ بوَصِيَّةٍ احْفَظْها فإنَّكَ لا تزالُ بخيرٍ ما حَفِظْتها، يا عليُّ إنّ للمؤمن ثلاثَ علاماتٍ: الصلاةَ والصِّيامَ والزَّكاةَ. قال البيهقي: فذكَر حديثًا طويلًا في الرَّغائب والآداب، وهو حديثٌ موضوعٌ، وقد شَرَطْتُ في أول الكتاب أنْ لا أُخْرِجَ فيه حديثًا أعْلَمُهُ موضوعًا. ثم روى (٧) من طريق حماد بن عمرو

стр. 2540

هذا، عن زيد بنِ رُفَيْع، عن مَكْحُولٍ الشامي، قال: هذا ما قال رسولُ اللَّه ﷺ لعليِّ بن أبي طالب حين رَجَع من غَزْوة حُنيْن، وأُنْزِلَتْ عليه سورةُ النَّصْرِ. قال البيهقي: فَذَكَرَ حَديثًا طَويلًا في الفتنة، وهو أيضًا حديثٌ منكرٌ ليس له أصل، وفي الأحاديث الصَّحيحة كفايةٌ. وباللَّه التوفيق. وَلْنَذْكُر هاهنا ترجمةَ حَمادِ بن عمرو أبي إسماعيل النَّصيبي (١)، روى عن الأعمَش وغيره، وعنه إبراهيم بن موسى، ومحمد بن مِهْران، وموسى بن أيوب، وغيرهم. قال يحيى بن معين (٢): هو مِمَّن يَكْذِب ويَضعُ الحديث. وقال عَمْرو بن علي الفَلَّاس وأبو حاتم (٣): مُنْكرُ الحديث، ضعيفٌ جدًا. وقال إبراهيم بن يعْقوب الجُوزَجاني: كان يكذب. وقال البخاري (٤): منكر الحديث. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال النسائي (٥): متروك. وقال ابن حبان (٦): يضَعُ الحديث وَضْعًا. وقال ابن عدي (٧): عامة حديثه مما لا يتابعه أحد من الثقات عليه. وقال الدارقطني (٨): ضعيف. وقال الحاكم أبو عبد اللَّه: يَرْوى عن الثّقات أحاديثَ موضوعةً، وهو ساقط بمَرَّةٍ. فأما الحديث الذي قال الحافظ البيهقي (٩): أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا حمزة بن العباس العَقَبي ببغداد، ثنا عبد اللَّه بن رَوْحٍ المَدائنيّ، ثنا سلّام بن سليمان المَدائني، ثنا سَلَّامُ بن سُلَيْم الطَّويل، عن عبد الملك بن عبد الرحمن، عن الحسن العُرَني (١٠) عن الأشعث بن طَليق، عن مُرَّة بن شَراحيل، عن عَبْدِ اللَّه بن مسعود، قال: لمّا ثَقُلَ رسولُ اللَّه ﷺ اجتمعنا في بَيْتِ عائشة، فنظرَ إلينا رسول اللَّه ﷺ فَدَمَعتْ عيناه، ثم قال لنا: قَدْ دنا الفِراقُ ونَعَى إلينا نَفْسه، ثم قال: مَرْحبًا بكم حَيَّاكُم اللَّهُ، هَداكُمُ اللَّهُ، نَصَرَكُمُ اللَّهُ، نَفَعَكُمُ اللَّهُ، وَفَّقَكُمُ اللَّهُ، سَدَّدَكُمُ اللَّهُ، وَقاكُمُ اللَّهُ، أعانَكُمُ اللَّهُ، قَبِلَكُمُ اللَّهُ، أوصيكُمْ بتَقْوَى اللَّه، وأوصي اللَّهَ بكم وأسْتَخْلِفُهُ عليكم، إني لكم منه نذيرٌ مبينٌ أن لا تَعْلُوا على اللَّهِ في عباده وبلاده؛ فإنّ اللَّهَ قال لي ولكم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا

стр. 2541

فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] وقال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. قلنا: فمَتىِ أجَلُكَ يا (١) رسول اللَّه؟ قال: قَدْ دَنا الأجلُ، والمُنْقَلبُ إلى اللَّه، والسِّدْرةُ المُنْتَهى، والكَأْسُ الأوْفَى، والفُرشُ الأعْلى. قلنا: فَمَنْ يُغَسِّلكَ يا رسولَ اللَّه. قال: رجالُ أهلِ بيتي الأدْنى فالأدْنى، مع ملائكةٍ كثيرةٍ يَرَوْنَكم من حيث لا تَرَوْنَهم. قلنا: فَفيمَ نُكَفِّنُكَ يا رسولَ اللَّه. قال: في ثيابي هذه إن شئتم، أو في يَمنيَّةٍ، أو في بياض مِصْر. قلنا: فَمَنْ يُصلِّي عَلَيْكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ فبكىِ وَبَكَيْنا. وقال: مَهْلًا! غفر اللَّه لكم، وجزاكم عن نبيّكم خيرًا، إذا غَسَّلْتموني وحَنَّطْتُموني وكَفَّنْتموني فضَعوني على شَفير قَبْري، ثم اخرجوا عني ساعة، فإنّ أوّلَ منْ يُصلِّي عليّ خَليلايَ وجَليسايَ جبريلُ وميكائيلُ، ثم إسرافيلُ، ثم ملكُ المَوْتِ، مع جنودٍ من الملائكةِ ﵈، وَلْيَبْدأ بالصلاة عليَّ رجالُ أهْلِ بَيْتي، ثم نساؤُهُم، ثم ادخلوا عليَّ أفْواجًا أفواجًا وفُرادَى فُرادى (٢)، ولا تُؤْذوني بباكيةٍ ولا بَرنَّةٍ ولا بصَيْحةٍ (٣)، ومن كان غائبًا من أصحابي فأبلغوه عني السَّلامَ، وأُشْهدُكُمْ بأنِّي قد سَلّمتُ على منْ دَخَلَ في الإسلام، ومنْ تَابَعَني في ديني هذا، منذ اليومِ إلى يومِ القيامة. قلنا: فمَنْ يُدْخِلُكُ قَبْرَكَ يا رسول اللَّه؟ قال: رجالُ أهلِ بَيْتي الأدْنى فالأدْنَى مع ملائكةٍ كثيرة (٤) يَرَوْنَكُمْ من حيث لا تَرَوْنَهُمْ. ثم قال البيهقي: تابعه أحمد بن يونُس عن سَلَّام الطَّويل وتَفَرَّدَ به سَلَّامٌ الطَّويلُ. قلت: وهو سَلَّامُ بن سَلْم (٥)، ويقال: ابن سليم، ويقال: ابن سليمان، والأولُ أصحُّ التَّميمي السَّعْدي الطَّويل. يَرْوي عن جَعْفر الصَّادق، وحُمَيْد الطَّويل، وزيد العَمِّي وجماعةٍ، وعنه جماعةٌ أيضًا منهم: أحمدُ بن عبد اللَّه بن يونس، وأسَدُ بن موسى، وخلف بن هاشم البَزّار، وعليّ بن الجَعْدِ، وقَبيصةُ بن عُقبة. وقد ضعَّفَه علي بن المَديني، وأحمد بن حنبل، ويَحْيَى بن مَعين، والبخاري، وأبو حاتمٍ، وأبو زُرْعة، والجُوزَجاني، والنّسائي، وغير واحد، وكذَّبه بعض الأئمة، وتركه آخرون (٦). لكن روى هذا الحديثَ بهذا السياق بطوله الحافظُ أبو بكر البزَّار من غير طريق سلّامٍ هذا، فقال: ثنا محمد بن إسماعيل الأحْمسي، ثنا عبد الرحمن بن محمد المُحاربيّ، عن ابن الأصْبهاني، أنه أخْبَره عن مُرَّة، عن عبد اللَّه. . . فذكر الحديثَ بطوله. ثم قال البَزّار: وقد رُوي هذا عن مُرَّةَ من غير وجهٍ بأسانيدَ

стр. 2542

متقاربةٍ وعبد الرحمن بن الأصبهاني لم يَسْمَع هذا من مُرَّةَ، وإنما هو عَمَّن أخبره عن مُرَّة، ولا أعلم أحدًا رواه عن عبد اللَّه غيرَ مُرَّة (١). فَصْلٌ في ذِكْرِ الوَقْت الذي تُوُفِّيَ فيه رسولُ اللَّه ﷺ ومَبْلَغِ سِنّه حالَ وفاته، وفي كيفية غُسْلِه ﵊، وتكفينه (٢)، والصلاة عليه ودَفْنِه، ومَوْضِعِ قَبْرِهِ صلواتُ اللَّهُ وسلامُه عليه لا خلافَ أنّه ﵊، توفّيَ يومَ الإثنين. قال ابن عباس: وُلدَ نَبيُّكُم ﷺ يومَ الإثنين، ونُبِّئَ يَوْمَ الإثنين، وخَرَجَ من مكةَ مُهاجِرًا يومَ الإثنين، ودخلَ المدينةَ يومَ الإثنين، وماتَ يومَ الإثنين. رواه الإمام أحمد (٣) والبيهقي (٤). وقال سفيانُ الثوري: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالَتْ: قال لي أبو بكر: أيَّ يومٍ تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قلتُ: يومَ الإثنين. فقال: إني لأرجو أنْ أموتَ فيه. فمات فيه. رواه البيهقي من حديث الثوري به. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا أسود بن عامر، ثنا هُرَيْمٌ (٦)، حدّثني ابنُ إسحاق، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: توفي رسول اللَّه ﷺ يومَ الإثنين، ودُفِنَ ليلةَ الأرْبعاء. تَفَرَّدَ به أحمدُ. وقال عُرْوةُ بن الزبير في "مغازيه"، وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب: لمَّا اشْتَدَّ برسول اللَّه ﷺ وجعُه أرسلت عائشةُ إلى أبي بكر، وأرسلت حَفْصةُ إلى عمر، وأرسلت فاطمة إلى عليّ، فلم يجتمعوا حتى تُوفي رسولُ اللَّه وهو في صدرِ عائشة وفي يومها، يوم الإثنين حينَ زاغتِ الشَّمْسُ لهلالِ ربيعٍ الأوَّل. وقد قال أبو يعلى (٧): ثنا أبو خيثمة، ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس، قال: آخرُ نَظْرةٍ نَظرتُها إلى رسول اللَّه يومَ الإثنين كَشَفَ الستارةَ والناسُ خَلْفَ أبي بكر، فنظرتُ إلى وجهه، كأنه ورقةُ مصحفٍ، فأراد الناسُ أن ينحرفوا، فأشارَ إليهم أن امكثُوا وألقَى السجفَ، وتوفِّي من آخر ذلك اليوم.

стр. 2543

وهذا الحديث في "الصحيح" (١) وهو يدلُّ على أنّ الوفاةَ وقعت بعدَ الزَّوال. واللَّه أعلم. وروى يعقوب بن سفيان (٢)، عن عبد الحميد بن بَكّار، عن محمد بن شُعيب، وعن صفوان، عن عمر بن عبد الواحد، جميعًا عن الأوْزاعي، أنه قال: تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ يومَ الإثنين قبلَ أنْ يَنْتصفَ النهار. وقال البيهقي (٣): أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أحمد بن كامل (٤)، ثنا الحسن بن علي البزَّار، ثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، وهو سليمان بن طَرْخان التَّيْمي في كتاب "المغازي". قال: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ مرضَ لاثنتين وعشرين ليلةً من صفر، وبدأه وجعُه عند وليدةٍ له يقال لها: ريحانة كانَتْ من سَبْي اليَهودِ، وكان أولَ يومٍ (٥) مرض يوم السبت، وكانت وفاته ﵊ يوم الإثنين لليلتين خَلَتا من شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه ﵊ المدينةَ. وقال الواقدي (٦): حدَّثنا أبو مَعْشَر، عن محمد بن قيس، قال: اشتكى رسولُ اللَّه ﷺ يومَ الأربعاء لإحدى عَشْرَة ليلة (٧) بقيت من صفر سنةَ إحدى عَشْرَةَ في بيت زينب بنت جحش شكوى شديدة، فاجتمع عنده نساؤه كلهن، فاشتكى ثلاثة عشر يومًا، وتوفي يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وقال الواقدي: وقالوا بُدِئ رسولُ اللَّه ﷺ يومَ الأربعاء لِلَيْلَتَيْن بَقِيتا من صفرٍ، وتُوفِّي يومَ الإثنين لثِنْتي (٨) عشرةَ ليلةً خَلَتْ من ربيع الأول. وهذا جَزَمَ به محمدُ بن سعدٍ كاتبُه. وزاد: ودفن يوم الثلاثاء. قال الواقديّ (٩): وحدّثني سعيد بن عبد اللَّه بن أبي الأبْيض، عن المقبري، عن عبد اللَّه بن رافع، عن أم سلمة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ بُدئ في بيتِ مَيْمونة. وقال يعقوب بن سفيان (٢): حدَّثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو مَعْشَر، عن محمد بن قيس، قال: اشْتكى رسولُ اللَّه ﷺ ثلاثةَ عشرَ يَوْمًا، فكان إذا وجدَ خِفَّة صلَّى، وإذا ثَقُلَ صَلَّى أبو بكرٍ، ﵁.

стр. 2544

وقال محمد بن إسحاق: تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ لاثنتي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ من شَهْرِ ربيعٍ الأول، في اليوم الذي قدم فيه المدينة مُهاجرًا، واسْتَكْمل رسول اللَّه ﷺ في هِجْرته عَشْرَ سنينَ كوامل. قال الواقدي: وهو المثبتُ عندنا. وجَزَمَ به محمد بن سعدٍ كاتبُه (١). وقال يعقوب بن سفيان (٢): عن يَحْيَى بن بُكَير، عن الليث، أنه قال: تُوفِّي وسولُ اللَّه ﷺ يومَ الإثنين لليلةٍ خَلَتْ من ربيعِ الأوّل، وفيه قَدِمَ المدينةَ على رأسِ عَشْرِ سنين من مَقْدَمه. وقال سعد بن إبراهيم الزُّهْري: تُوفي رسولُ اللَّه ﷺ يومَ الإثنين لِلَيْلَتيْنِ خَلَتا من ربيعٍ الأول، لتمام عَشْر سنينَ من مَقْدَمِه المدينةَ، رواه ابن عساكر، ورواه الواقدي، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس مثلَه سواء. وقاله خليفة بن خَياط أيضًا. وقال أبو نعيم الفَضْلُ بن دُكَيْن: تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ يوم الإثنين مُسْتَهلّ ربيع الأول سنةَ إحدى عَشْرة من مَقْدَمِه المدينة (٣)، ورواه ابن عساكر (٤) أيضًا. وقد تقدَّم قريبًا عن عروة، وموسى بن عُقْبة، والزهري مثلُه، فيما نقلناه عن مغازيهما. فاللَّه أعلم. والمشهور قول ابن إسحاق والواقدي. ورواه الواقدي (٥): عن ابن عباس وعائشة، ﵄، فقال: حدّثني إبراهيم بن يزيد، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس. وحدّثني محمد بن عبد اللَّه، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. قالا: توفي رسول اللَّه ﷺ يوم الإثنين لاثْنتيْ عشرةَ ليلةً خَلَتْ من ربيع الأول. ورواه ابن إسحاق (٦)، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن حَزْمٍ، عن أبيه، مثله، وزاد: ودفن ليلة الأربعاء. وروى سيف بن عمر، عن محمد بن عبيد اللَّه العَرْزَمي، عن الحكم، عن مِقْسم عن ابن عباس، قال: لما قَضَى رسولُ اللَّه ﷺ حجةَ الوداعِ ارتحل، فأتى المدينةَ فأقام بها بقيَّةَ ذي الحجّة والمحرم وصفرًا، ومات يومَ الإثنين لعشير خَلَوْنَ من ربيع الأول. وروى أيضًا عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة. وفي حديث فاطمة، عن عمرة، عن عائشة مثله، إلا أنَّ ابنَ عباسٍ قال في أوله لأيامٍ مَضَيْنَ منه. وقالت عائشة: بعدَ ما مَضَى أيامٌ منه.

стр. 2545

فائدة: قال أبو القاسم السُّهَيْلي في "الروض" (١) ما مضمونه: لا يُتصوَّرُ وقوعُ وفاتِه ﵊، يومَ الإثنين ثانيَ عَشَرَ ربيع الأول من سنةِ إحدى عَشْرَة؛ وذلك لأنه ﵊، وقف في حجة الوَداع سنةَ عشرٍ يومَ الجمعة، فكان أول ذي الحجة يوم الخميس، فعلى تقدير أن تُحْسَبَ الشهور تامةً أو ناقصةً أو بعضُها تامٌ وبعضُها ناقصٌ، لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ يوم الإثنين ثانيَ عَشَرَ ربيعٍ الأول. وقد اشتهر هذا الإيرادُ على هذا القول، وقد حاول جماعةٌ الجوابَ عنه، ولا يمكنُ الجوابُ عنه، إلا بمَسْلَكٍ واحدٍ، وهو اخْتلافُ المَطالعِ، بأن يكونَ أهلُ مكةَ رَأَوْا هلالَ ذي الحجّة ليلةَ الخميس، وأمّا أهلُ المدينة فلم يَرَوْه إلا ليلةَ الجمعة، ويُؤَيّدُ هذا قولُ عائشةَ وغيرها: خرج رسولُ اللَّه ﷺ لخمسٍ بقينَ من ذي القعدة -يعني من المدينة- إلى حجة الوداع. ويتعيَّن بما ذكرناه أنه خرج يوم السبت، وليس كما زَعَم ابنُ حزم أنَّه خَرَج يومَ الخميس؛ لأنه قد بَقيَ أكثر من خَمْسٍ بلا شكٍّ، ولا جائزٌ أن يكونَ خَرَجَ يومَ الجمعةِ، لأنَّ أنسًا قال (٢): صلَّى رسول اللَّه ﷺ الظُّهْرَ بالمدينةِ أربعًا، والعصرَ بذي الحُلَيْفة ركعتين. فتعيَّن أنه خَرَجَ يوم السبت لخمسٍ بَقينَ، فعلى هذا إنما رأى أهلُ المدينة هلالَ ذي الحجة ليلة الجمعة، وإذا كان أولَ ذي الحجةِ عندَ أهلِ المدينة الجمعةُ، وحُسبت الشهورُ بعدَه كواملَ، يكونُ أولَ ربيعٍ الأوَّلِ يومُ الخَميسِ، فيكونُ ثانيَ عَشرِهِ يومُ الإثنين. واللَّه أعلم. وثبت في "الصحيحين" (٣) من حديث مالكٍ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: كانَ رسولُ اللَّه ﷺ ليس بالطَّويل البائن، ولا بالقَصير، وليس بالأبيض الأمْهَقِ ولا بالآدم، ولا بالجعد القَطَط ولا بالسَّبط، بعثه اللَّه على رأس أربعين سنة، فأقام بمكَّةَ عشر سنين، وبالمدينة عَشْرَ سنينٍ. وتوفّاهُ اللَّهُ على رأسِ ستّين سنةً، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاءَ. وهكذا رواه ابنُ وهب، عن قُرَّة (٤) عن الزُّهْري، عن أنس، وعن قرة، عن (٥) ربيعة، عن أنس، مثلَ ذلك. قال الحافظ ابن عساكر. حديثُ قرّة عن الزُّهْري غريبٌ، وأمّا منْ روايةِ ربيعةَ، عن أنس، فرواها عنه جماعةٌ كذلك. ثم أسند (من طريق سليمان بن بلال) (٦) عن يحيى بن سعيد وربيعة عن أنس: أنّ رسول اللَّه ﷺ تُوفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين.

стр. 2546

وكذلك رواه ابنُ البَرْبَري، ونافِعُ بن أبي نُعيم، عن ربيعة، عن أنس به، قال: والمحفوظ عن ربيعة، عن أنس: ستون. ثم أورده ابن عساكر من طريق مالكٍ، والأوزاعي، ومِسْعر، وإبراهيم بن طَهْمان، وعبد اللَّه بن عمر، وسليمان بن بلال (١) وأنس بن عياض، والدراورديِّ، ومحمد بن قيس المدني، كلُّهم عن رَبيعة عن أنس، قال: تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ -وهو ابنُ ستّين سنة. وقال البيهقي (٢): أنبأنا أبو الحسين بن بشران، ثنا أبو عمرو بن السماك، ثنا حنبل بن إسحاقٍ، ثنا أبو مَعْمَر عبد اللَّه بن عمرو، ثنا عبد الوارث، ثنا أبو غالب الباهلي، قال: قلت لأنس بن مالك: بسنِّ أيُّ الرجالِ كان (٣) رسول اللَّه إذ بعث؟ قال: كان ابنَ أربعين سنة. قال: ثم كان ماذا؟ قال: كان بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، فتَمَّتْ له ستُون سنة يوم قَبَضَهُ اللَّه وهو كأشَدَّ الرجال وأحْسَنِهِمْ وأجْمَلِهم وأَلْحَمهم. ورواه الإمام أحمد (٤) عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه به. وقد روى مسلم (٥) عن أبي غسّان محمد بن عمرو الرازي، الملقب بزُنَيْجٍ (٦) عن حَكَّام بن سَلْيم (٧)، عن عثمان بن زائدة، عن الزُّبير بن عَدِيّ، عن أنس بن مالك، قال: قُبضَ النبيِّ ﷺ -وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين، وقُبض (أبو بكر، وهو ابن ثلاث وستّين، وقُبضَ) (٨) عمر، وهو ابن ثلاث وستين. انْفَرَد به مسلم. وهذا لا يُنافي ما تقدَّم عن أنس، لأنّ العَربَ كثيرًا ما تحذفُ الكَسْرَ. وثبت في "الصحيحين" (٩) من حديث الليث بن سعد، عن عُقَيْل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين سنة. قال الزهري: وأخبرني سعيدُ بن المسيّب مثله. وروى موسى بن عُقبة، وعُقَيْل، ويونس بن يزيد، وابن جُرَيج، عن الزُّهْري، عن عروة، عن

стр. 2547

عائشة، قالت: تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين. قال الزهري: وأخبرني سعيدُ بن المسيّب مثل ذلك. وقال البخاري (١): ثنا أبو نعيم، ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كَثير، عن أبي سَلَمةَ، عن عائِشَة وابن عباس: أنّ رسول اللَّه ﷺ مكَثَ بمكة عَشْرَ سنين يُنْزلُ (٢) عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا. لم يخرجه مسلم. وقال أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٣): ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن جرير بن عبد اللَّه، عن معاوية بن أبي سفيان، قال: قُبضَ النبي ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين، وأبو بكرٍ وهو ابنُ ثَلاثٍ وستّين، وعمر وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين. وهكذا رواه مسلم (٤) من حديث غُنْدَرٍ عن شُعْبَة، وهو من أفراده دون البخاري. ومنهم من يقول: عن عامر بن سعد، عن معاوية. والصوابُ ما ذكرناه عن عامر بن سعد، عن جرير، عن معاوية (٥). ورُوِّينا من طريقِ عامر بن شَراحيل (٦) الشعبي عن جرير بن عبد اللَّه البَجَلي، عن معاوية. . . فذكره. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق القاضي أبي يوسف، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس، قال: تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين، وتُوفِّي أبو بكرٍ، وهو ابن ثلاثٍ وستّين، وتُوفِّي عمر وهو ابن ثلاث وستين. وقال ابن لَهيعة (٧)، عن أبي الأسود، عن عُروة، عن عائشة، قالت: تذاكَر رسولُ اللَّه وأبو بكر ميلادَهما عندي، فكان رسولُ اللَّه أكبرَ من أبي بكر، فتوفي رسول اللَّه ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وتُوفِّي أبو بكر بعدَه، وهو ابن ثلاث وستين. وقال الثوريُّ، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: تُوفّي أبو بكر بعدَه، وهو ابن ثلاث وستين. وقال الثوريُّ عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: تُوفِّي رسولُ اللَّه وأبو بكرٍ وعمر، وهم بنو ثلاثٍ وستّين.

стр. 2548

وقال حنبلٌ: ثنا الإمام أحمد، ثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: أنْزِل على النبيِّ ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وأربعين، فاقام بمكَّة عشرًا، وبالمدينة عشرًا. وهذا غريب منه، وصحيح إليه. وقال أحمد: ثنا هُشَيْم، ثنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، قال: نُبِّئ رسولُ اللَّه ﷺ وهو ابن أربعين سنة، فَمَكَثَ ثلاثَ سنين، ثم بُعثَ إليه جبريلُ بالرسالة، ثم مكثَ بعدَ ذلك عَشْرَ سنين، ثم هاجَر إلى المدينة، فَقُبضَ وهو ابن ثلاث وستّين سنةً. قال الإمام أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل (١): الثَّبَتُ (٢) عندنا ثلاثٌ وستّون سنة (٣). قلت: وهكذا رَوَى مُجاهِدٌ، عن الشعبيِّ، ورُوي من حديث إسماعيل بن أبي خالدٍ عنه. وفي "الصحيحين" (٤) من حديث (رَوْحِ بن عُبادة، عن زكريا بن إسحاق، عن عَمْرو بن دينار، عن ابن عبَّاس: أنّ رسول اللَّه ﷺ مَكَثَ بمكَّة ثَلاثَ عَشْرَةَ، وتُوفي وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين سنة. وفي صحيح البخاري (٥) من حديث) (٦) رَوْحِ بن عُبادة أيضًا، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: بُعثَ رسولُ اللَّه ﷺ لأربعين سنةً، فمكث بمكةَ ثلاثَ عشرةَ، ثم أُمِرَ بالهجرة، فهاجرَ عشرَ سنين، ثم مات وهو ابنُ ثلاث وستين. وكذلك رواه الإمام أحمد عن رَوْحِ بن عُبادة ويَحْيى بن سَعيد ويَزيد بن هارون كلُّهم عن هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس به (٧). وقد رواه أبو يَعْلَى المَوْصلي، عن الحسن بن عمر بن شَقيق، عن جعفر بن سليمان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس، فذكر مثله. ثم أوْرَدَهُ من طرقٍ، عن ابن عباس، مثل ذلك. ورواه مسلم (٨) من حديث حماد بن سَلَمة، عن أبي جَمْرَة (٩) عن ابن عباس: أنَّ رسول اللَّه ﷺ أقام بمكَّة ثلاثَ عَشْرَةَ يُوحَى إليه، بالمدينة عَشْرًا، ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنة. وقد أسند الحافظُ ابنُ عساكر من طريق سَلْم (١٠) بن جُنادة، عن عبد اللَّه بن عمر، عن كُريب، عن

стр. 2549

ابن عباس، قال: تُوُفِّي رسولُ اللَّه ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وستين. ومن حديث أبي نَضْرَةَ، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عباس مثله، وهذا القول هو الأشهرُ وعليه الأكثرُ. وقال الإمام أحمد (١): ثنا إسماعيل، عن خالد الحَذّاء، حدّثني عَمّار مولى بني هاشم، سمعتُ ابنَ عباس، يقول: تُوفِّي رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو ابنُ خَمْس وستّين سنةً. ورواه مسلمٌ (٢) من حديث خالدٍ الحَذّاء به. وقال أحمد (٣): ثنا حسن بن موسى، ثنا حَمّاد بن سَلَمَة عن عمَّار (٤) بن أبي عمار، عن ابن عباس: أنّ رسول اللَّه ﷺ أقام بمكة خمسَ عشرةَ سنة، ثماني سنين -أو سبع- يرى الضوء ويَسْمع الصوتَ، وثمانيًا أو سبعًا يُوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا. ورواه مسلم (٥) من حديث حَمّاد بن سلمة به. وقال أحمد (٦) أيضًا: ثنا عَفّان، ثنا يزيد بن زُرَيْع، ثنا يونس، عن عمّار مولى بني هاشم، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ: كم أتى لرسولِ اللَّه ﷺ يومَ مات؟ قال: ما كنتُ أرى مثلَك في قومه يَخْفَى عليك (٧) ذلك. قال: قلت: إنّي قد سألتُ فاختُلِفَ عليّ، فأحببتُ أن أعْلَم قولَك فيه. قال: أتحسُبُ؟ قلت: نعم، قال: أمسِكْ، أربعين بُعث لها، وخمسَ عشرةَ أقام بمكةَ يأمنُ ويخاف، وعشرًا مُهاجَرَه بالمدينة. وهكذا رواه مسلمٌ (٨) من حديث يزيد بن زُرَيْع وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن يونس بن عُبَيْد، عن عَمّار، عن ابن عباس بنحوه. وقال الإمام أحمد (٩): ثنا ابن نُمَيْر، ثنا العلاءُ بن صالح، ثنا المِنْهال بن عَمْرو، عن سعيد بن جُبَيْر، أنّ رَجُلًا أتى ابنَ عباسٍ، فقال: أُنْزِلَ على النبيّ ﷺ عشرًا بمكة وعشرًا بالمدينة، فقال من يقول ذلك؟ لقد أُنْزِل عليه بمكةَ خمسَ عشرة، وبالمدينة عشرًا؛ خمسًا وستّين وأكثر. وهذا من أفراد أحمد إسنادًا ومتنًا. وقال الإمام أحمد (١٠): ثنا هُشَيْم، ثنا عليّ بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، قال: فُبض النبيُّ ﷺ وهو ابنُ خَمْسٍ وستّينَ سنة. تَفَرَّدَ به أحمد.

стр. 2550

وقد روى التّرمذي في كتاب "الشمائل" وأبو يَعلى المَوْصلي، والبيهقي (١) من حديث قتادة، عن الحسن البصري، عن دَغْفَل بن حَنْظَلَة الشَّيباني النّسّابة، أنَّ النبي ﷺ قُبض وهو ابن خَمْسٍ وستين. ثم قال الترمذي: دَغْفَلُ لا يُعْرفُ له سماعٌ (٢) عن النبي ﷺ وقد كان في زمانه رجلًا. وقال البيهقيّ: وهذا يُوافقُ (٣) روايةَ عمارٍ ومنْ تابَعَه عن ابن عباس، وروايةُ الجماعةِ عن ابن عباسٍ: في ثلاثٍ وستين، أصحُّ فهم أوثقُ وأكثرُ، وروايتُهم توافقُ الروايةَ الصَّحيحة عن عروة، عن عائشة وإحدى الروايتين عن أنس، والرواية الصحيحة عن معاوية، وهي قولُ سَعيدِ (بن المسيّب وعامرٍ الشعبي) (٤) وأبي جعفر محمد (٥) بن علي ﵃. قلت: وعبد اللَّه بن عُتْبة (٦)، والقاسم بن عبد الرحمن، والحسن البصري، وعلي بن الحسين، وغير واحد. ومن الأقوال الغريبة ما رواه خليفة بن خَيّاط (٧) عن معاذ بن هشام: حدّثني أبي عن قتادة، قال: تُوفّي رسول اللَّه ﷺ وهو ابنُ اثْنَتَيْن وستين سنةً. ورواه يَعقوبُ بن سُفْيان (٨)، عن محمد بن المُثَنَّى، عن معاذ بن هاشم، عن أبيه، عن قتادة مثله. ورواه زَيْد العَمِّي، عن يزيد، عن أنس. ومن ذلك ما رواه محمد بن عائدٍ، عن القاسم (٩) بن حُمَيدٍ، عن النُّعمان بن المنذر الغَسّاني، عن مكحول، قال: تُوفّي رسولُ اللَّه وهو ابن اثنتين وستين سنة وأشهرٍ. ورواه يعقوب بن سفيان (١٠)، عن عبد الحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، عن النعمان بن المنذر، عن مكحول، قال: تُوفِّي رسولُ اللَّه ﷺ وهو ابن اثنتين وستين سنة ونصف. وأغربُ (١١) من ذلك كله ما رواه الإمام أحمد (١٢) عن رَوْح عن سَعيد بن أبي عَروبة، عن قَتادة، عن الحسن. قال: نزلَ القُرآن على رسول اللَّه ﷺ ثمانيَ سنين بمكةَ، وعشرًا بعدَما هاجر. فإن كانَ الحسنُ

стр. 2551

ممَّن يقولُ بقولِ الجُمْهور وهو أنه ﵊ أُنْزِل عليه القرآنُ وعُمْرُه أربعون سنةً، فقد ذهب إلى أنه ﵊ عاش ثمانيًا وخمسين سنة. وهذا غريب جدًا. ولكن رُوِّينا من طريق مُسَدَّدٍ، عن هاشم بن حسان، عن الحسن، أنّه قال: تُوفِّي رسول اللَّه ﷺ وهو ابنُ ستّين سنة (١). وقال خليفة بن خياط (٢): ثنا أبو عاصم، عن أشعث، عن الحسن، قال: بُعث رسولُ اللَّه ﷺ وهو ابنُ خمسٍ وأربعين، فأقام بمكة عشرًا، وبالمدينة ثمانيًا، وتُوفِّي وهو ابن ثلاث وستين. وهذا بهذه الصفة غريبٌ جدًا واللَّه أعلم. صِفَةُ غَسْلِهِ ﵊ قَدْ قَدَّمنا أنَّهم ﵃ اشْتَغَلوا ببَيْعَةِ الصّدّيق بقيةَ يومِ الاثنين وبعضَ يوم الثلاثاء، فلمَّا تَمَهَّدَت وتَوطَّدَتْ وتَمَّتْ، شرعوا بعد ذلك في تَجْهيزِ رسولِ اللَّه ﷺ مُقْتَدين في كل ما أشْكَلَ عليهم بأبي بكر الصّدّيق ﵁. قال ابن إسحاق (٣): فلما بُويع أبو بكر أقبل الناسُ على جهازِ رسول اللَّه ﷺ يومَ الثلاثاء. وقد تقدَّم من حديث ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ توفِّي يوم الاثنين، ودُفن ليلة الأرْبعاء. وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٤): حدَّثنا أبو معاوية، ثنا أبو بُرْدة، عن عَلْقَمة بن مَرْثَد، عن سليمان بن بُرَيْدة، عن أبيه، قال: لمّا أخذوا في غسلِ رسولِ اللَّه ﷺ ناداهم منادٍ من الداخل أنْ لا تُجَرِّدوا (٥) عن رسول اللَّه ﷺ قميصَه. ورواه ابن ماجه (٦) من حديث أبي مُعاويَة، عن أبي بُرْدَة - واسمه عمرو بن يزيد التميمي كوفي. وقال محمد بن إسحاق: حدّثني يحيى بن عَبّاد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه سمعتُ عائشة تقول: لما أرادوا غسلَ النبيِّ ﷺ ، قالوا: ما نَدْري أنُجَرّدُ رسولَ اللَّه ﷺ من ثيابه، كما نُجَرِّدُ مَوْتانا، أم نُغَسّلُه وعليه ثيابُه؟ فلما اختلفوا ألقى عليهم اللَّه النومَ حتى ما منهم رجلُ (٧) إلا وذَقَنه في صَدْره، ثم كلَّمَهُم مُكَلِّمٌ

стр. 2552

من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسِّلوا رسول اللَّه ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول اللَّه ﷺ فغَسَّلُوه وعليه قميصٌ يصُبّونَ الماءَ فوقَ القَميصِ فَيُدَلِّكونَهُ بالقَميصِ دون أيديهم. فكانت عائشة تقول: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غَسَّلَ رسولَ اللَّه ﷺ إلا نساؤُه. رواه أبو داود (١) من حديث ابن إسحاق. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني حسين بن عبد اللَّه، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: اجتَمَعَ القومُ لغسل رسول اللَّه ﷺ وليس في البيت إلا أهله؛ عمُّه العباسُ بن عبد المطلب، وعلى بن أبي طالب، والفضل بن عباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد بن حارثة، وصالحٌ مولاه، فلمَّا اجتمعوا لغسله نادى من وراء الناس (٣) أوْسُ بن خَوْليّ الأنصاري، أحدُ بني عوفِ بن الخَزْرَج -وكان بدريًا- عليَّ بنَ أبي طالب، فقال: يا علي ننشدك اللَّهَ وحظَّنا من رسول اللَّه ﷺ . فقال له علي: أدخُلْ فدخل فحضر غسلَ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولم يَلِ منْ غسلِه شيئًا، فأسنده عليٍّ إلى صَدْرِه وعليه قَميصُه، وكان العباس وفضلٌ وقُثَمُ يُقَلِّبونَه مع عليّ، وكان أسامةُ بن زيد وصالحٌ مولاهما يَصُبّان الماء، وجعل عليٌّ يغسِلُه، ولم يَرَ من رسول اللَّه ﷺ شيئًا مما يرى من الميّتِ، وهو يقول: بابي وأمي ما أطيبَكَ حَيًا وميِّتًا، حتى إذا فرغوا من غسلِ رسولِ اللَّه، -وكان يُغَسَّل بالماءِ والسِّدرِ- جَفَّفوه ثم صُنع به ما يُصْنع بالميت، ثم أُدْرج في ثلاثةِ أثْوابٍ: ثوبين أبيضين، وبُرْدِ حِبَرَةٍ. قال: ثم دعا العباسُ رَجُلَيْن، فقال: ليذهب أحدكما إلى أبي عبيدة بن الجراح - وكان أبو عبيدة يَضْرَحُ (٤) لأهل مكة، وليذهب الآخر إلى أبي طلحة بن سهل الأنصاري. وكان أبو طلحة يَلْحَدُ لأهْلِ المدينة. قال: ثم قال العباس حين سرَّحَهما: اللهمَّ خِرْ لرسولك! قال: فذهبا فَلَمْ يَجِدْ صاحبُ أبي عبيدة أبا عبيدة، ووجَد صاحبُ أبي طلحة أبا طلحة فلحد لرسول اللَّه ﷺ انفرد به أحمد. وقال يونس بن بُكَيْرٍ: عن المُنْذِرِ بن ثعلبة (٥)، عن العِلْباء بن أحْمر قال: كانَ عليٌّ والفَضْلُ يُغَسِّلان رسولَ اللَّه ﷺ ، فنُودي عليٌّ: ارفع طَرْفَك إلى السَّماء. وهذا منقطعٌ. قلتُ: وقد روَى بعضُ أهل السنن (٦) عن علي بن أبي طالب، (أنّ رسول اللَّه قال له: يا عليُّ،

стр. 2553

لا تُبْدِ فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت. وهذا فيه إشعار بأمره له في حق نفسه. واللَّه أعلم. وقال الحافظ البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا ضمرة (٢)، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا مَعْمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال علي: غسّلتُ رسول اللَّه ﷺ فذهبتُ أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا، وكان طيِّبًا حيًّا وميّتًا ﷺ . وقد رواه أبو داود في "المراسيل"، وابن ماجه (٣)، من حديث معمر به. زاد البيهقي في روايته: قال سعيد بن المسيّب: وقد ولي دفنَه، ﵊، أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول اللَّه ﷺ ، لحَدوا له لحدًا، ونصبوا عليه اللَّبِن نَصْبًا. وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين، منهم: عامر الشعبي، ومحمد بن قيس، وعبد اللَّه بن الحارث، وغيرهم بألفاظ مختلفة يطولُ بسطُها هاهنا. وقال البيهقي (٤): وروى أبو عمرو كيسان (٥)، عن يزيد بن بلال، سمعتُ عليًا يقول: وصَّى رسول اللَّه ﷺ ألا يُغَسِّلَه أحد غيري؛ فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه. قال علي: فكان العباس وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر. قال عليٌّ: فما تناولت عضوًا إلا كأنما يقلّبه معي ثلاثون رجلًا حتى فرغتُ من غسله. وقد أسند هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار في "مسنده" (٦) فقال: ثنا محمد بن عبد الرحيم، ثنا عبد الصمد بن النعمان، ثنا كيسان أبو عمرو، عن يزيد بن بلال، قال: قال علي:) (٧) أوصاني النبيُّ ﷺ أن لا يُغَسّلَه أحدٌ غيري. "فإنّه لا يرى أحد عَوْرتي إلا طُمِسَتْ عَيْناه". قال علي: فكان العباسُ وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر. قلت: هذا غريب جدًا. وقال البيهقي (٨): أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا أسيدُ بن عاصم، ثنا الحسين بن حفص، عن سفيان، عن عبد الملك بن جُرَيْج، سمعت محمد بن علي أبا جعفر. قال: غُسِّلَ النبيُّ ﷺ بالسِّدْرِ ثلاثًا، وغُسِّلَ وعليه قميصٌ، وغُسِّل من بئرٍ كان يقال لها: "الغَرْسُ" بقُباء،

стр. 2554

كانت لسعد بن خيثمة، وكان رسول اللَّه يَشْرَبُ منها، وولي غسلَهُ عليّ والفضل محتضنه (١)، والعباس يصُبُّ الماء، فجعل الفضلُ يقولُ: أرِحْني قَطَعْتَ وَتيني، إنّي لأجدُ شيئًا يَتَرطَّل (٢) عليّ. وقال الواقدي: ثنا عاصم بن عبد اللَّه الحكمي، عن عمر بن عبد الحكم، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نِعْمَ البِئْرُ بئرُ غَرْسٍ هي من عُيون الجَنَّة، وماؤها أطيبُ المياهِ". وكان رسول اللَّه يُسْتَعذَبُ له منها، وغُسِّلَ من بئر غَرْس. وقال سيفُ بن عمر، عن محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما فُرغَ من القبر وصلَّى الناسُ الظهرَ، أخذ العباسُ في غسلِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فضرب عليه كِلَّةً من ثياب يمانيةٍ صِفاقٍ في جوف البيت، فدخلَ الكِلَّة ودعا عليًّا والفضل، فكان إذا ذهبَ إلى الماء ليُعاطيَهما دعا أبا سفيان بن الحارث فأدخله، ورجالٌ من بني هاشم من وراء الكِلَّة، ومن أُدْخِل من الأنصار حيث ناشَدوا أبي وسألوه منهم أوْس بن خَوْليّ، ﵃ أجمعين. ثم قال سيف عن الضَّحّاك بن يربوع الحنفي، عن ماهان الحَنفيّ، عن ابن عباس، فذكر ضربَ الكِلَّةِ، وأنَّ العَبّاس أدخل فيها عليًّا والفَضْلَ وأبا سُفْيان وأسامةَ، ورجالٌ من بني هاشم من وراء الكِلَّة في البيت، فذكر أنَّهم أُلْقيَ عليهم النُّعاسُ فسَمِعوا قائلًا يقول: لا تَغْسلوا رسول اللَّه؛ فإنه كان طاهرًا. فقال العباس: ألا بلى. وقال أهل البيت: صَدَق، فلا تُغَسِّلوه. فقال العباس: لا ندَعُ سُنةً لصوتٍ لا نَدْري ما هو؟ وغشيهم (٣) النعاس ثانيةً، فناداهم أن غسَّلُوه وعليه ثيابه. فقال أهل البيت ألا لا. وقال العباس: ألا نعم! فشرعوا في غسله وعليه قميص ومِجْوَلٌ (٤) مفتوح، فغسلوه بالماء القراح، وطيَّبوه بالكافور في مواضع سجوده ومفاصله، واعتُصِر قميصُه ومِجْوَلُه ثم أُدْرج في أكفانه. وجَمَّروه عُودًا وندًّا، ثم احتملوه حتى وضعوه على سريره، وسجَّوه، وهذا السياق فيه غرابة جدًا. صفة كفنه ﵊ قال الإمام أحمد (٥): ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، حدّثني الزهري، عن القاسم، عن عائشة، قالت: أُدْرجَ رسولُ اللَّه ﷺ في ثوبِ حِبَرةٍ ثم أُخِّرَ عنه. قال القاسم: إن بقايا ذلك الثوبِ لَعندَنا

стр. 2555

بعدُ. وهذا الإسناد على شرط الشَّيْخينِ. وإنما رواه أبو داود (١)، عن أحمد بن حنبل، والنسائي (٢) عن محمد بن مُثَنَّى، ومجاهد بن موسى، فرَّقَهُما (٣)، كلُّهم عن الوليد بن مسلم به. وقال الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي (٤): ثنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّن رسولُ اللَّهِ ﷺ في ثلاثةِ أثواب بيض سَحُولية (٥)، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ. وكذا رواه البخاري (٦) عن إسماعيل بن أبي أوَيْسٍ (٧) عن مالك. وقال الإمام أحمد (٨): حدَّثنا سفيان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: كفن رسول اللَّه ﷺ في ثلاثة أثواب سَحُوليّة بيض. وأخرجه مسلم (٩) من حديث سفيان بن عيينة، وأخرجه البخاري (١٠)، عن أبي نُعيم، عن سفيان الثوري، كلاهما عن هشام بن عروة به. وقال أبو داود (١١): ثنا قتيبة، ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنّ رسول اللَّه كُفّن في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ يمانيةٍ من كُرْسُفٍ (١٢)، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ. قال: فذُكِر لعائشة قولُهم: في ثوبين وبُرْد حِبَرةٍ، فقالت: قد أُتي بالبُرْد، ولكنهم رَدُّوه ولم يُكَفِّنوه فيه. وهكذا رواه مسلم (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غياث به. وقال البيهقي (١٣): أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سَلَمة (١٤) ثنا هَنّاد بن السَّرِيّ، ثنا أبو مُعاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّنَ

стр. 2556

رسولُ اللَّه ﷺ في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحُوليَّة من كُرْسُفٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ، فأما الحلَّةُ فإنّما شُبِّه على الناس فيها، إنَّما اشْتُرِيَتْ له (١) حُلَّةٌ، ليُكَفَّن فيها، فتُرِكتْ، فأخذها (٢) عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، فقال: لأحْبسَنَّها لنَفْسي حتى أُكَفَّنَ فيها. ثم قال: لو رَضِيَها اللَّهُ لنبيّه ﷺ لكفَّنه فيها. فباعها وتصدَّق بثمنها. رواه مسلمٌ في "الصَّحيح" (٣) عن يحيى بن يحيى، وغيره عن أبي معاوية. ثم رواه البيهقي (٤)، عن الحاكم، عن الأصمِّ، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّن رسولُ اللَّه في بُرْدِ حِبَرةٍ كانت لعبد اللَّه بن أبي بكر، ولُفَّ فيها، ثم نُزِعَتْ عنه، فكان عبدُ اللَّه بن أبي بكر قد أمْسَكَ تلك الحلَّة لنفسه، حتى يُكَفَّن فيها إذا مات، ثم قال بعدَ أن أمْسَكَها: ما كنتُ أُمسِكُ لنفسي شيئًا منعَ اللَّهُ رسولَه ﷺ أنْ يُكَفَّن فيه فتَصَدَّق بثَمَنِها عبدُ اللَّه. وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا عبد الرَّزاق، ثنا معمرٌ، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: كُفِّن رسولُ اللَّه ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ سَحُوليّةٍ بيضٍ. ورواه النسائي (٦)، عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق. قال الإمام أحمد (٧): حدَّثنا مِسْكين بن بُكَيْر، عن سعيدٍ، يعني ابن عبد العزيز، قال: قال مكحول: حدّثني عروة، عن عائشة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ كُفِّن في ثلاثةِ رياط (٨) يمانية. انفرد به أحمد. وقال أبو يعلى المَوْصِلي: ثنا سهل بن حبيب الأنصاري، ثنا عاصم بن هلال إمام مسجد أيوب، ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كُفِّن رسولُ اللَّه ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحوليَّة. وقال سفيان، عن عاصم بن عُبَيد اللَّه، عن سالم، عن ابن عمر: أنَّ رسول اللَّه ﷺ كُفِّن في ثَلاثَةِ أثواب. ووقَعَ في بعض الروايات؛ ثَوْبَيْن صُحارِيَّين (٩) وبُرْدِ حِبَرةٍ.

стр. 2557

وقال الإمام أحمد (١): ثنا ابن إدريس، ثنا يزيد، عن مِقْسم عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثوابٍ، في قَميصه الذي مات فيه، وحُلَّةٍ نَجْرانية - الحلة ثوبان. ورواه أبو داود (٢) عن أحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شَيْبَة، وابنُ ماجه (٣)، عن علي بن محمد، ثلاثتُهم عن عبد اللَّه بن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابن عباسٍ بنحوه. وهذا غريب جدًا (٤). وقال الإمام أحمد (٥) أيضًا: حدَّثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، قال: كُفِّنَ رسولُ اللَّه ﷺ في ثَوْبَيْن أبْيَضَيْن وبُرْدٍ أحمر (٦). انفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال أبو بكر الشافعي: ثنا علي بن الحسن، ثنا حُمَيْد بن الرَّبيع، ثنا بكرٌ، يعني ابن عبد الرحمن، ثنا عيسى، يعني ابن المختار، عن محمد بن عبد الرحمن، هو ابن أبي ليلى، عن عطاء عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، قال: كُفِّنَ رسولُ اللَّه في ثوبَيْن أبْيَضَيْن وبُرْدٍ أحمر (٧). وقال أبو يعلى (٨): ثنا سليمان الشاذكوني، ثنا يحيى بن أبي الهيثم، ثنا عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، عن الفضل، قال: كُفِّنَ رسولُ اللَّه ﷺ في ثَوْبَيْن أبيضين سَحُوليَّين، زاد فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: وبُرْدٍ أحْمَر. وقد رواه غيرُ واحدٍ، عن أبى (٩) إسماعيل المُؤَدّب، عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس عن الفضل، قال: كُفن رسولُ اللَّه ﷺ في ثَوْبَيْن أبيضين، وفي رواية: سحولية، فاللَّه أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر من طريق أبي طاهر المُخَلِّص، ثنا أحمد بن إسحاق [البُهْلول]، ثنا عَبَّاد بن يَعْقوب، ثنا شَريك عن أبي إسحاق. قال: وقعتُ على مجلس بني عبدِ المُطَّلب وهم

стр. 2558

متوافرون، فقلتُ لهم: في كمْ كُفِّنَ رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قالوا: في ثلاثةِ أثوابٍ ليس فيها قميصٌ ولا قَباءٌ (١) ولا عمامةٌ. قلت: كمْ أسرَ منكمٌ يومَ بدرٍ؟ قالوا: العَبّاسُ ونَوْفَلٌ وعَقيلٌ. وقد روى البيهقي (٢) من طريق الزهري، عن عليّ بن الحسين زَيْن العابدين، أنه قال: كُفِّنَ رسول اللَّه في ثلاثةِ أثوابٍ أحدُها بُرْدٌ (٣) حِبَرةٍ. وقد ساقه الحافظُ ابنُ عساكر من طريقٍ، في صحَّتِها نظرٌ، عن علي بن أبي طالب، قال: كَفَّنْتُ رسول اللَّه ﷺ في ثوبين سَحُوليَّين وبُرْدٌ حِبَرَةٍ. وقد قال أبو سعيد بن الأعرابي (٤): حدَّثنا إبراهيم بن الوليد، ثنا محمد بن كثير، ثنا هشام، عن قَتادة، عن سَعيد بن المُسيّب، عن أبي هريرة. قال: كُفِّن رسولُ اللَّه ﷺ في رَيْطتَيْن وبُرْدٍ نَجْرانيٍّ. وكذا رَواهُ أبو داود الطَّيالسيّ، عن هشام، وعمران القَطان، عن قتادة، عن سعيد، عن أبي هريرة به. وقد رواه الرَّبيعُ بن سُلَيْمان، عن أسد بن موسى، ثنا نصر بن طَريف، عن قَتادة، ثنا ابن المُسيب، عن أم سَلَمة: أنَّ رسول اللَّه كُفِّن في ثلاثة أثوابٍ أحدُها بُرْدٌ نَجْراني. وقال البيهقي (٥): وفيما رُوِّينا عن عائشة بيانُ سبب الاشتباه على الناس، وأنّ الحِبرةَ أخِّرتْ عنه. واللَّه أعلم. ثم روى الحافظ البيهقي، من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقي، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن الرُّؤاسي، عن حَسَن بن صالحٍ عن هارون بن سعد (٦)، قال: كان عند عليٍّ مِسْكٌ، فأوصى أن يُحَنَّط به، وقال: هو من فَضْل حَنوطِ رسول اللَّه ﷺ . ورواه (٧) من طريقِ إبراهيم بن موسى، عن حميدٍ، عن حسن، عن هارون، عن أبي وائلٍ، عن علىّ. . . فذكره. كيفية الصلاة عليه ﷺ - وقد تقدم الحديث الذي رواه البيهقيّ من حديث الأشعث بن طَليقٍ، والبزَّار من حديث

стр. 2559

ابن (١) الأصبهاني، كلاهما عن مُرَّة، عن ابن مسعود: في وصِيَّة النبيّ ﷺ أن يُغَسِّلَه رجالُ أهلِ بَيْتِه، وأنه قال: كَفِّنوني في ثيابي هذه، أو في يمنيه (٢) أو بياضِ مصر، وأنه إذا كفَّنوه يضعونه على شَفير قَبْره، ثم يَخْرجون عنه حتى تُصَلّي عليه الملائكةُ، ثم يدخلُ عليه رجال أهلِ بيتهِ فيصلُّون عليه، ثمّ الناس بعدهم فرادى. . . الحديث بتمامه، وفي صحته نظرٌ كما قدمنا، واللَّه أعلم. وقال محمد بن إسحاق (٣): حدّثنى الحسين بن عبد اللَّه بن عُبَيد اللَّه بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما مات رسول اللَّه ﷺ أدخِلَ الرجالُ فَصَلُّوا عليه بغيرِ إمام أرسالًا حتى فرغوا، ثم أُدخِلَ النِّساءُ فَصَلَّيْنَ عليه، ثم أُدْخِل الصِّبْيان فَصَلَّوا عليه، ثم أُدْخِلَ العَبيدُ فَصَلَّوا عليه أرْسالًا، لم يَؤُمَّهُمْ على رسول اللَّه ﷺ أحدٌ. وقال الواقدي (٤): حدّثني أبيُّ بن عَباس (٥) بن سَهْل بن سَعْد، عن أبيه، عن جده. قال: لما أُدْرجَ رسول اللَّه ﷺ في أكْفانِهِ وُضِعَ على سَريره، ثم وُضِعَ على شَفير حُفْرَتِهِ، ثم كان الناسُ يَدْخُلونَ عليه رُفَقاء رُفَقاءَ، لا يَؤُمُّهُمْ عليه (٦) أحدٌ. قال الواقدي: حدّثني موسى بن محمد بن إبراهيم، قال: وجدتُ كتابًا (٧) بخط أبي فيه أنَّه لما كُفِّنَ رسولُ اللَّه ﷺ ووُضِعَ على سَريره، دَخَلَ أبو بكرٍ وعمر، ﵄، ومَعَهُما نفرٌ من المهاجرين والأنْصار بقدرِ ما يَسَعُ البَيْتُ، فقالا: السَّلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه، وسلَّم المهاجرون والأنصارُ كما سلَّم أبو بكر وعُمر (٨)، ثم صُفُّوا صفوفًا لا يَؤُمُّهم أحدٌ، فقال أبو بكر وعمر -وهما في الصف الأول حِيالَ رسول اللَّه ﷺ اللَّهُمّ إنّا نَشْهَدُ أنَّه قد بَلَّغَ ما أُنْزِلَ إليه، ونَصَحَ لأمَّتِه، وجاهَدَ في سبيلِ اللَّهِ حتَّى أعزَّ اللَّهُ دينَه وتمَّت كلمتُهُ، وأُؤْمِنَ به وحدَهُ لا شريكَ له، فاجْعَلنا إلَهنا مِمَّن يَتَّبعُ القولَ الذي أُنْزِل معه، وأجمعْ بينَنا وبينَه حتّى تُعَرِّفَه بنا وتُعَرِّفَنا به (٩) فإنّه كان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، لا نَبْتَغي بالإيمان به بديلًا، ولا نشْتَري به ثَمنًا أبدًا. فيقول الناس: آمين آمين، ويخرجون ويدخلُ آخرون حتى صَلَّى الرجالُ. ثم النساء، ثم الصبيانُ.

стр. 2560

وقد قيل: إنَّهم صلَّوا عليه من بعدِ الزَّوال يومَ الإثنين إلى مثلِه من يومِ الثلاثاءِ. وقيل: إنَّهم مَكَثوا ثلاثةَ أيامٍ يصلُّون عليه، كما سيأتي بيانُ ذلك قريبًا. واللَّه أعلم. وهذا الصَّنيعُ، وهو صلاتُهم عليه فُرادى لم يَؤُمَّهم أحدٌ عليه، أمْر مُجْمَعٌ عليه لا خلافَ فيه، وقد اختُلِفَ في تَعْليلهِ؛ فَلَوْ صَحَّ الحديثُ الذي أوْرَدْناه عن ابن مسعودٍ لكانَ نَصًّا في ذلك ويكون من باب التَّعَبُّدِ الذي يعسُرُ تعقُّلُ معناه، وليس لأحدٍ أن يقولَ لأنَّه لم يكنْ لهم إمامٌ لأنّا قد قَدَّمنا أنَّهم إنَّما شَرَعوا في تَجْهيزه ﵊ بعدَ تَمامِ بَيْعةِ أبي بكرٍ، ﵁ وأرضاه، وقد قال بعضُ العلماء: إنَّما لم يَؤُمَّهم أحدٌ، ليُباشرَ كلُّ واحدٍ من النّاس الصلاةَ عليه منه إليه، ولتُكَرَّرَ صلاةُ المُسلمينَ عليه مرةً بعد مرةٍ، من كلِّ فردٍ فردٍ من آحادِ الصَّحابة، رجالُهم ونساؤُهم وصبيانُهم حتى العبيدُ والإماءُ. وأما السُّهَيْلي (١) فقال ما حاصله: إنّ اللَّهَ قد أخبرَ أنه وملائكتَه يصلُّون عليه، وأمرَ كلَّ واحدٍ من المؤمنين أن يصلِّي عليه، فوجب على كل أحدٍ أن يُباشرَ الصلاةَ عليه منه إليه، والصلاةُ عليه بعد موته من هذا القَبيل. قال: وأيضًا فإنَّ الملائكةَ لنا (٢) في ذلك أئمةٌ. فاللَّه أعلم. وقد اختلف المُتأَخِّرون من أصحاب الشافعيّ في مشروعيَّةِ الصَّلاةِ على قَبْرِه لغير الصحابة. فقيل: نعم، لأنَّ جَسَدَهُ ﵊ طَريٌّ في قَبْره، لأنَّ اللَّهَ قد حَرَّمَ على الأرْضِ أن تَأْكُلَ أجسادَ الأنبياء، كما وَرَدَ بذلك الحديثُ في السُّنَنِ وغيرها (٣)، فهو كالمَيتِ اليومَ. وقال آخرون: لا يَفْعَلُ؛ لأن السَّلفَ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحابة لم يَفْعَلُوهُ، ولو كان مَشْروعًا لبادَروا إليه، ولثابَروا عليه، واللَّه أعلم. صِفَةُ دَفْنِهِ ﵊ وأيْن دُفن (وذكر الخلاف في دفنه ليلًا كان أو نهارًا) (٤) قال الإمام أحمد (٥): حدَّثَنا عبد الرزاق، ثنا ابن جُرَيْج، أخبرني أبي -وهو عبد العزيز بن جُرَيْج-: أنَّ أصحابَ النبيِّ ﷺ ، (لم يَدْروا أين يَقْبرُون (٦) النبي ﷺ . حتَّى قال أبو بكر: سَمِعْتُ
следующие страницы →