← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقوله ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ [المؤمنون: ٣٥ - ٣٩]. استبعدوا المعاد وأنكروا قيامَ الأجساد بعد صيرورتها ترابًا وعظامًا، وقالوا: هيهات هيهات: أي: بعيدٌ بعيدٌ هذا الوعد، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] أي: يموت قومٌ ويحيى آخرون، وهذا هو اعتقاد الدهرية كما يقول بعضُ الجهلة من الزنادقة: أرحامٌ تدفعُ وأرضٌ تبلعُ. وأما الدَّورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودونَ إلى هذه الدار بعد كلِّ ستة وثلاثين ألف سنة، وهذا كلُّه كذب وكفر وجَهْل وضلال، وأقوال باطلة، وخيال فاسد بلا برهان ولا دليل، يستميل عقل الفجرة الكفرة من بني آدم، الذين لا يعقلون ولا يهتدون، كما قال تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] وقال لهم فيما وعظهم به: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩] يقول لهم: أتبنون بكلِّ مكان مرتفع بناءً عظيمًا هائلًا كالقصور ونحوها، تعبثون ببنائها، لأنه لا حاجةَ لكم فيه، وما ذاكَ إلا لأنهم كانوا يسكنون الخيامَ، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨] فعادُ إرم هم (١) عادٌ الأولى، الذين كانوا يسكنون الأعمدة التي تحملُ الخيام. ومَنْ زعم أن إرم مدينة من ذهب وفِضَّة، وهي تنتقل في البلاد، فقد غلطَ وأخطأ، وقال ما لا دليلَ عليه، وقوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] قيل: هي القصور. وقيل: بروج الحمام. وقيل: مآخذ الحمام ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] أي: رجاءً منكم أن تُعمَّروا في هذه الدار أعمارًا طويلة ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٠ - ١٣٥] وقالوا له مما قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] أي: أجِئْتنا لنعبدَ اللَّه وحدَه ونخالفَ آباءَنا وأسلافنا وما كانوا عليه، فإن كنتَ صادقًا فيما جئتَ به فأتنا بما تَعدُنا من العذاب والنَّكال، فإنَّا لا نُؤمنُ بك ولا نتبعكَ ولا نُصدِّقك، كما قالوا ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦ - ١٣٨] إمَّا على قراءة فتح الخاء، فالمراد به اختلاق الأولين، أي: إن هذا الذي جئتَ به إلا اختلاقٌ منك وأخذتَه من كتب الأوَّلين. هكذا فسَّره غير واحد من الصحابة والتابعين. وإمَّا على قراءة الخاء واللام، فالمراد به الدِّين، أي: إن هذا الدِّين الذي نحن عليه إلا دين الآباء والأجداد من أسلافنا، ولن نتحوَّلَ عنه، ولا نتغيَّرَ، ولا نزالُ مُتمسِّكين به. ويُناسب كلا القراءتين الأولى والثانية قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] قال: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ

стр. 282

رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧١] أي: قد استحققتم (١) بهذه المقالة الرجسَ والغضبَ من اللَّه، أتعارضون عبادةَ اللَّه وحدَه لا شريكَ له بعبادة أصنام أنتم نحتُموها وسمَّيتمُوها آلهة من تلقاء أنفسكم، اصطلحتم عليها أنتم وآباؤكم، ما نزَّل اللَّه بها من سلطان، أي: لم يُنْزلْ على ما ذهبتم إليه دليلًا ولا بُرهانًا، وإذا أبيتم قَبُولَ الحقِّ وتمادَيتم في الباطل، وسواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا فانتظروا الآن عذابَ اللَّه الواقع بكم، وبأسه الذي لا يُرِدُّ، ونَكَاله الذي لا يُصدّ، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٩ - ٤١] وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢ - ٢٥] وقد ذكرَ اللَّه تعالى خبرَ إهلاكهم في غيو ما آية، كما تقدَّم مجملًا ومفصَّلًا، كقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢] وكقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُود﴾ [هود: ٥٨ - ٦٠]. وكقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٣٩ - ١٤٠]. وأما تفصيل إهلاكهم، فكما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب أنهم كانوا ممحلين مسنتين (٢)، فطلبوا السُّقيا، فرأوا عارضًا (٣) في السماء وظنُّوه سقيا رحمة، فإذا هو سقيا عذاب، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الأحقاف: ٢٤] أي: من وقوع العذاب، وهو قولهم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] ومثلها في الأعراف. وقد ذكرَ المفسرون وغيرُهم هاهنا الخبرَ الذي ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار، قال: فلما أبوا إلا الكفرَ باللَّه أمسكَ عنهم القَطْر (٤) ثلاثَ سنين، حتى جَهدَهم ذلك، قال: وكانَ النَّاسُ إذا

стр. 283

جَهَدهم أمرٌ في ذلك الزمان، فطلبوا من اللَّه الفرجَ منه، إنما يطلبونَه بحرمِهِ ومكانِ بيته، وكان معروفًا عند أهل ذلك الزمان، وبه العماليق مقيمون، وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكانَ سيدهم إذ ذاك رجلًا يُقال له معاوية بن بَكْر، وكانت أمُّه من قوم عاد، واسمها جلهدة ابنة الخيبري. قال: فبعثَ عادٌ وفدًا قريبًا من سبعينَ رجلًا ليستسقوا لهم عند الحرم، فمَرُّوا بمعاوية بن بكر بظاهر مكَّة، فنزلوا عليه، فأقاموا عنده شهرًا يشربون الخمرَ، وتُغنيهم الجرَادَتان -قَيْنتان لمعاوية- وكانوا قد وصلوا إليه في شهر. فلمَّا طالَ مقامُهم عندَه وأخذته شفقةٌ على قومِه، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف، عمِلَ شعرًا، فعرَّض (١) لهم بالانصراف، وأمرَ القينتين أن تغنِّيهم به، فقال: [من الوافر] ألا يا قيلُ ويحك قمْ فهَيْنمْ … لعلّ اللَّه يُصبحنا غَمامًا (٢) فيسقي أرضَ عادٍ إنَّ عَادا … قد امسوا لا يُبْينُونَ الكَلاما مِن العَطَشِ الشديدِ فليسَ نرجو … به الشيخَ الكبيرَ ولا الغُلاما وقد كانتْ نساؤُهمُ بخيرٍ … فقد أمستْ نساؤهمُ عَيامَى (٣) وإنَّ الوحشَ تأتيهم جهارًا … ولا يخشى لعاديٍّ سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم … نهارَكُمُ وليلَكُمُ التماما فقُبِّحَ وفدُكم من وَفْدِ قومٍ … ولا لقُّوا التَّحيّةَ والسَّلاما قال: فعندَ ذلكَ تنبِّه القومُ لما جاؤوا له، فنَهضوا إلى الحرَم ودَعَوا لقومِهم، فدعا داعيهم، وهو قيْل بن عتر، فأنشأ اللَّه سحاباتٍ ثلاثًا: بيضاء، وحمراء، وسوداء، ثم ناداه مُنادٍ من السماء: اخترْ لنفسك ولقومِك من هذا السحاب. فقال: اخترتُ السَّحابة السَّوْداءَ، فإنها أكثرُ السَّحاب ماءً، فناداه: اخترتَ رمادًا رِمْددًا لا تُبقي من عاد أحدًا، لا والدًا تتركُ ولا ولدًا، إلا جعلته هَمِدًا، إلا بني اللُّوذية المُهْدَى (٤). قال: وهو بطنٌ من عاب كانوا مقيمينَ بمكَّة، فلم يُصبهم ما أصابَ قومَهم. قال: ومَنْ بقي من أنسالهم وأعقابهم هم عاد الآخرة. قال: وساق اللَّه السَّحابة السَّوداءَ التي اختارَها قَيْلُ بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرجَ عليهم من واد يقال له المغيث، فلما رأوْها استبشروا، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فيقول تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] أي: كل شيءٍ أمرت به.

стр. 284

فكان أوَّل من أبصر ما فيها وعرفَ أنها ريحٌ -فيما يذكرون- امرأةٌ من عاد يُقال لها "قهد" (١) فلما تبيَّنت ما فيها صاحتْ ثم صعِقَتْ، فلمَّا أفاقت، قالوا: ما رأيت يا قهد؟ قالت: رأيتُ ريحًا فيها كشُهُبِ النَّار أمامَها رجال يَقُودونها، فسخَّرها اللَّه عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيَّام حسومًا، والحسوم: الدائمة. فلم تدعْ من عاد أحدًا إلا هلكَ. قال: واعتزلَ هودٌ ﵇ فيما ذُكر لي في حظيرةٍ هو ومن معه من المؤمنينَ، ما يُصيبهم إلا ما يلين عليهم الجلود وتلتذ الأنفسُ، وإنها لتمرُّ على عاد بالظعن فيما بين السماء والأرض، وتدمغُهم بالحجارة، وذكر تمامَ القصة (٢). وقد روى الإمام أحمد حديثًا في مسنده يُشبه هذه القِصَّة، فقال (٣): حدَّثنا زيدُ بن الحُبَاب، حدَّثني أبو المنذر سَلَّامُ بن سُليمان النَّحْوي، حدَّثنا عاصمُ بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن الحارث -وهو ابن حسَّان، ويقال: ابن يزيد البَكْري- قال: خرجتُ أشكو العلاءَ بن الحضرمي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فمررتُ بالرَّبَذة، فإذا عجوزٌ من بني تميم منقطَعٌ بها، فقالت لي: يا عبد اللَّه! إن لي إلى رسول اللَّه ﷺ حاجةً، فهل أنت مُبْلغي إليه؟ قال: فحملتُها، فأتيتُ المدينةَ، فإذا المسجدُ غاصٌّ بأَهلِه، وإذا رايةٌ سوداءُ تَخْفقُ، وإذا بلالٌ مُتقلِّدٌ السيفَ بينَ يديْ رسول اللَّه ﷺ ، فقلتُ: ما شأنُ الناس؟ قالوا: يُريدُ أن يبعثَ عمرو بن العاص وَجْهًا. قال: فجلست. قال: فدخلَ منزله -أو قال: رَحْله- فاستأذنتُ عليه، فأُذنَ لي، فدخلتُ، فسلَّمتُ، فقال: "هل كانَ بينكم وبينَ بني تميم شيٌ؟ " فقلت: نعم، وكانت لنا الدائرة عليهم، ومررتُ بعجوزٍ من بني تميم منقطَع بها، فسألتني أن أحملَها إليكَ، وها هي بالباب، فأذنَ لها فدخلتْ، فقلت: يا رسول اللَّه! إن رأيتَ أن تجعلَ بيننا وبين بني تميم حاجزًا، فاجعل الدهناء، فإنَّها كانت لنا. قال: فحميتِ العجوزُ واستوفزتْ، وقالت: يا رسول اللَّه! فإلى أين تضطر مضرك؟ قال: فقلتُ: إن مثلي ما قال الأول: مِعْزى حملتْ حتفَها، حملتُ هذه الأمَة ولا أشعرُ أنها كانت لي خصمًا، أعوذُ باللَّه ورسوله أن أكونَ كوافد عادٍ. قال: "هيه، وما وافدُ عاد؟ " وهو أعلم بالحديث مني، ولكن يستطعمه. قلت: إن عادًا قُحطوا فبعثوا وفدًا لهم يُقال له: قَيْل، فمرَّ بمعاوية بن بكر، فأقام عندَه شهرًا يَسقيه الخمرَ، وتُغنِّيه جاريتان يُقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهرُ خرجَ إلى جبال تِهامةَ (٤)، فقال: اللَّهمَّ إنَّك تعلمُ أنِّي لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسقِ عادًا ما كنتَ تسقيه،

стр. 285

فمرَّتْ به سحاباتٌ سُودٌ، فنُودي منها: اخترْ. فأومأ إلى سحابةٍ منها سوداءَ، فنُودي منها: خذها رمادًا رَمْددًا، لا تُبقي من عادٍ أحدًا. قال: فما بلغني أنه بُعث عليهم من الرِّيح إلا كَقَدْر ما يَجري في خَاتمي هذا من الرِّيح حتَّى هلكُوا. قال أبو وائل: وصدق، وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد (١) عاد. وهكذا رواه الترمذي (٢): عن عبد بن حميد، عن زيد بن الحُباب به. ورواه النسائي (٣): من حديث سلَّام أبي المنذر، عن عاصم بن بَهْدلة، ومن طريقه رواه ابن ماجه. وهكذا أوردَ هذا الحديثَ وهذه القِصَّة عند تفسير هذه القصة غيرُ واحد من المُفسِّرين: كابن جرير (٤) وغيره. وقد يكونُ هذا السِّياق لإهلاك عاد الآخرة، فإن فيما ذكرَه ابنُ إسحاف وغيرُه ذكرًا لمكَّةَ، ولم تُبنَ إلا بعد إبراهيم الخليل حينَ أسكنَ فيها هاجرَ وابنَه إسماعيل، ونزلت جرهُم عندَهم كما سيأتي، وعادٌ الأولى قبلَ الخليل، وفيه: ذِكر معاوية بن بكر وشعره، وهو من الشعر المتأخِّر عن زمان عادٍ الأولى، لا يُشبه كلامَ المتقدِّمين، وفيه: أن في تلك السحابة شررَ نارٍ، وعادٌ الأولى إنما أُهلكوا بريح صرصر (٥). وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين: هي الباردةُ والعاتية الشديدة الهبوب: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] أي: كوامل متتابعات. قيل: كان أولها الجمعة، وقيل: الأربعاء ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] شبَّههم بأعجاز النخل التي لا رؤوس لها، وذلك لأن الريحَ كانت تجيءُ إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه، فيبقى جثَّةً بلا رأس، كما قال ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] أي: في يوم نحس عليهم، مستمر عذابه عليهم ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ومن قال: إن اليوم النحس المستمر هو يوم الأربعاء وتشاءم به فهذا إليهم (٦)، فقد أخطأ وخالفَ القرآن فإنه قال في الآية الأخرى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات، فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة في الثمانية مشؤومة، وهذا

стр. 286

لا يقولُه أحدٌ، وإنما المراد في أيام نحسات، أي: عليهم. وقال تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١] أي: التي لا تنتج خيرًا، فإن الريحَ المفردة لا تثير سحابًا ولا تلقح شجرًا، بل هي عقيم لا نتيجةَ خيرٍ لها، ولهذا قال: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] أي: كالشيء البالي الفاني، الذي لا يُنتفع به بالكلية. وقد ثبتَ في الصحيحين: من حديث شعبة، عن الحكم، عن مجاهد عن ابن عباس، عن رسول اللَّه ﷺ ؛ أنه قال: "نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهلكتْ عادٌ بالدَّبُور" (١). وأما قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] فالظاهرُ أن عادًا هذه هي عادٌ الأولى، فإن سياقَها شبيهٌ بسياق قوم هود وهم الأولى، ويحتمل أن يكونَ المذكورون في هذه القصة هم عاد الثانية، ويدلُّ عليه ما ذكرنا، وما سيأتي من الحديث (٢) عن عائشة ﵂. وأما قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فإن عادًا لما رأوا هذا العارض وهو الناشئ في الجوِّ كالسحاب ظنُّوه سحابَ مطرٍ، فإذا هو سحابُ عذابٍ اعتقدوه رحمةً، فإذا هو نقمةٌ، رجوا فيه الخير، فنالوا منه غايةَ الشر، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ [الاحقاف: ٢٤]. أي: من العذاب، ثم فسَّره بقوله: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية الباردة الشديدة الهبوب، التي استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية، فلم تُبْق منهم أحدًا، بل تتبَّعتهم حتى كانت تدخلُ عليهم كهوفَ الجبال والغيران (٣)، فتلفُّهم وتخرجهم وتهلكهم، وتُدمِّر عليهم البيوتَ المحكمة والقصورَ المشيَّدة، فكما مُنوا بقوتهم وشدتهم، قالوا: من أشدُّ منا قوة؟ سلَّط اللَّه عليهم الذي هو أشد منهم قوَّةً وأقدر عليهم، وهو الريح العقيم. ويحتمل أن هذه الريح أثارتْ في آخر الأمر سحابةً ظنَّ منْ بقيَ منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم، وغياث لمن بقيَ منهم، فأرسلَها اللَّه عليهم شررًا ونارًا، كما ذكره غير واحد، ويكون هذا كما أصابَ أصحابَ الظُّلَّة من أهل مدينَ، وجمع لهم بين الرياح الباردة وعذاب النار، وهو أشدُّ ما يكون من العذاب بالأشياء المختلفة المتضادَّة، مع الصيحة التي ذكرَها في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ واللَّه أعلم. وقد قال ابنُ أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن يحيى بن الضريس، حدَّثنا ابن فضيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما فتحَ اللَّه على عادٍ من الريح التي

стр. 287

أهلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم، فمرَّتْ بأهل البادية فحملتْهم ومواشيَهم وأموالَهم بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهلُ الحاضرة من عاد الريحَ وما فيها ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فألقتْ أهل الباديةِ ومواشيَهم على أهل الحاضرة". وقد رواه الطبراني (١): عن عبدان بن أحمد، عن إسماعيل بن زكريا الكوفي، عن أبي مالك، عن مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما فتحَ اللَّه على عادٍ من الريح إلا مثل موضعِ الخاتم، ثم أرسلتْ عليهم البدوَ إلى الحضَر، فلما رآها أهلُ الحَضَر، قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ مستقبل أوديتنا، وكان أهل البوادي فيها، فألقي أهلُ البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا". قال: عَتتْ على خُزَّانها حتى خرجتْ من خِلال الأبواب (٢). قلت: وقال غيره: خرجت بغير حساب. والمقصودُ أن هذا الحديث في رفعه نظرٌ. ثم قد اختلف فيه على مسلم الملائي، وفيه نوع اضطراب، واللَّه أعلم. وظاهرُ الآية أنهم رأوا عارضًا، والمفهوم منه لمعة السحاب، كما دلَّ عليه حديث الحارث بن حسَّان البكري إن جعلناه مفسرًا لهذه القصة. وأصرحُ منه في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال: حدَّثنا أبو الطاهر، حدَّثنا ابنُ وهب، سمعتُ ابنَ جريج، يُحدِّثنا، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا عصفتِ الريحُ قال: "اللهمَّ إني أسألُك خيرها وخير ما فيها وخيرَ ما أُرسلَتْ به، وأعوذُ بكَ من شرِّها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُرسلتْ به"؟ قالت: وإذا عَبَبت (٣) السَّماءُ تَغيَّرَ لونُه وخرجَ ودخلَ، وأقبلَ وأدبرَ، فإذا أمطرتْ سُرِّي عنه، فعرفتْ ذلكَ عائشةُ فسألتْه، فقال: "لعلَّه يا عائشةُ كما قال قوم عاد ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] " (٤). ورواه التِّرْمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه (٥)، من حديث ابن جريج.

стр. 288

طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدَّثنا هارون بن معروف، أنبأنا عبد اللَّه بن وهب، أنبأنا عمرو -هو ابن الحارث- أن أبا النضر حدَّثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة؛ أنها قالت: ما رأيتُ رسول اللَّه ﷺ : مستجمعًا ضاحكًا قطُّ حتى أرى منه لهواتِه، إنما كان يَتَبَسَّمُ. وقالت: كان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرفَ ذلك في وجهه. قالت: يا رسولَ اللَّه! الناسُ إذا رأوا الغيمَ فَرِحوا رجاءَ أن يكونَ فيه المطرُ، وأراكَ إذا رأيتَه عُرفَ في وجهكَ الكراهية؟ فقال: "يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّبَ قومُ نوحٍ بالريح، وقد رأى قومٌ العذابَ" فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (١). فهذا الحديثُ كالصريح في تغاير القِصَّتين كما أشرنا إليه أولًا، فعلى هذا تكون القِصَّة المذكورة في سورة الأحقاف خبرًا عن قوم عاد الثانية، وتكون بقيَّةُ السياقات في القرآن خبرًا عن عادٍ الأولى، واللَّه أعلم بالصواب. وهكذا رواه مسلم (٢) عن هارون بن معروف، وأخرجه البخاري وأبو داود (٣) من حديث ابن وهب. وقد قدمنا حجَّ هودٍ ﵇ عند ذكر حجِّ نوح ﵇. ورُوي عن أميرِ المؤمنين عليّ بن أبي طالب أنه ذكرَ صفةَ قبر هُودٍ ﵇ في بلاد اليمن. وذكرَ آخرون أنه بدمشقَ، وبجامِعها مكانٌ في حائطِه القِبْليّ يزعمُ بعضُ النَّاس أنَّه قبرُ هودٍ ﵇، واللَّه أعلم. * * *

стр. 289

قصّة صالح نبي ثمود ﵇ وهم قبيلة مشهورة يقال [لهم] (١): ثمود، باسم جدِّهم ثمود أخي جَديس، وهما ابنا عاثر بن إرم بن سام بن نوح. وكانوا عَربًا من العاربة يسكنونَ الحِجْرَ الذي بينَ الحجاز وتبوك. وقد مرَّ به رسولُ اللَّه ﷺ وهو ذاهبٌ إلى تبوك بمن معه من المسلمين كما سيأتي بيانُه، وكانوا بعدَ قوم عاد، وكانوا يعبدون الأصنامَ كأولئك. فبعثَ اللَّه فيهم رجلصا منهم، وهو عبدُ اللَّه ورسولُه صالحُ بن عُبدٍ بن مَاشِخ بن عُبيد بن حاجِر بن ثمود بن عاثر بن إرمَ بن سام بن نوح، فدعاهُم إلى عبادة اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأن يخلعُوا الأصنامَ والأندادَ ولا يُشركوا به شيئًا، فآمنتْ به طائفةٌ منهم، وكفرَ جمهورُهم، ونالوا منه بالمقال والفِعال، وهَمُّوا بقتله، وقَتَلُوا النَّاقة التي جعلَها اللَّهُ حجَّةً عليهم، فأخذَهم اللَّه أخذَ عزيزٍ مُقتدر، كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٣ - ٧٩]. وقال تعالى في سورة هود: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ

стр. 290

مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦١ - ٦٨] وقال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر: ٨٠ - ٨٤] وقال في سورة سبحان: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٤١ - ١٥٩] وقال تعالى في سورة النمل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٤٥ - ٥٣] وقال تعالى في سورة حم السجدة: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٧ - ١٨] وقال تعالى في سورة اقتربت: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٣ - ٣٢] وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١١ - ١٥]. وكثيرًا ما يقرد اللَّه في كتابه بينَ ذكرِ عادٍ وثمود، كما في سورة براءة، وإبراهيم، والفُرقان، وسورة (ص) وسورة (ق) والنجم، والفجر. ويُقال: إن هاتين الأمتين لا يعرفُ خبرَهما أهلُ الكتاب، وليس لهما ذِكر في كتابهم التوراة، ولكن

стр. 291

في القرآنِ ما يدلُّ على أن موسى أخبرَ عنهما، كما قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [إبراهيم: ٨ - ٩] الآية. الظاهرُ أنَّ هذا من تمام كلام موسى مع قومه، ولكن لما كانت هاتان الأمتان من العرب لم يضبطوا خبرَهما جيدًا، ولا اعتنوا بحفظه، وإن كان خبرُهما كان مشهورًا في زمان موسى ﵇، وقد تكلَّمنا على هذا كلِّه في التفسير متقصَّيًا، وللَّه الحمد والمنَّة. والمقصود الآن ذكرُ قِصَّتهم وما كان من أمرهم، وكيف نجَّى اللَّه نبيَّه صالحًا ﵇ ومن آمن به، وكيف قطع دابرَ القوم الذين ظلموا بكفرهم وعتوِّهم ومخالفتهم رسولهم ﵇. قد قدمنا أنهم كانوا عَربًا، وكانوا بعد عاد، ولم يعتبروا بما كان من أمرهم. ولهذا قال لهم نبيهم ﵇: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٣ - ٧٤] أي: إنما جعلَكم خلفاءَ من بعدهم لتعتبروا بما كان أمرهم، وتعملوا بخلاف عملهم، وأباحَ لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩] أي: حاذقين في صَنْعَتها وإتقانِها وإحكامِها، فقابِلُوا نعمةَ اللَّه بالشكر والعمل الصَّالح والعبادة له وحدَه لا شريكَ له، وإيَّاكم ومخالفته والعدول عن طاعته، فإنَّ عاقبةَ ذلك وخيمةٌ، ولهذا وَعَظهم بقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٦ - ١٤٨] أي: متراكم كثير، حسنٌ بهيٌّ ناضج ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٤٩ - ١٥٢]. وقال لهم أيضًا: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] أي: هو الذي خلقَكم فأنشأكُم من الأرض وجعلكم عمَّارها، أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار فهو الخالق الرازق فهو الذي يستحق العبادة وحدَه لا سواه. ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٦١] أي: أقلعوا عما أنتم فيه، وأقبلوا على عبادتِه فإنَّه يقبلُ منكم ويتجاوزُ عنكم ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]. ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢] أي: قد كنا نرجو أن يكونَ عقلكَ كاملًا قبل هذه المقالة، وهي دعاؤُك إيَّانا إلى إفراد العبادة، وترك ما كنَّا نعبدُه من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد، ولهذا قالوا: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٢ - ٦٣]. وهذا تلطُّف منه لهم في العبارة، ولين الجانب، وحُسن تأتٍّ في الدعوة لهم إلى الخير، أي: فما

стр. 292

ظنُّكم إن كان الأمر كما أقول لكم وأدعوكم إليه، ماذا عذركم عند اللَّه؟ وماذا يُخلِّصكُم بين يديْه؟ وأنتم تطلبونَ منِّي أن أتركَ دعاءَكم إلى طاعته، وأنا لا يُمكنني هذا لأنَّه واجبٌ عليَّ، ولو تركته لما قدر أحدٌ منكم ولا من غيركم أن يجيرني منه ولا ينصرني، فأنا لا أزالُ أدعوكم إلى اللَّه وحدَه لا شريكَ له، حتى يحكمَ اللَّه بيني وبينكم. وقالوا له أيضًا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي: من المسحورين، يعنون مسحورًا لا تدري ما تقولُ في دعائِك إيَّانا إلى إفراد العبادة للَّه وحده، وخلع ما سواه من الأنداد، وهذا القولُ عليه الجمهور، وهو أنَّ المراد بالمُسْحُرين المَسْحُورين. وقيل: من المُسَحَّرين، أي: ممن له سحر، وهي الرئة، كأنهم يقولون: إنما أنت بشر له سحر، والأول أظهر لقولهم بعد هذا: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٥٤] وقولهم: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤] سألوا منه أنْ يأتيَهم بخارقٍ يدلُّ على صدق ما جاءَهم ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥ - ١٥٦] وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩]. وقد ذكر المفسرون (١) أن ثمودًا اجتمعوا يومًا في ناديهم، فجاءَهم رسولُ اللَّه صالحٌ فدعاهم إلى اللَّه وذكَّرهم وحذَّرهم، ووعظهم وأمرَهم. فقالوا له: إنْ أنتَ أخرجتَ لنا من هذه الصخرة -وأشاروا إلى صَخْرَةٍ هناكَ- ناقةً من صِفَتها كَيْتَ وكَيْتَ، وذكروا أوصافًا سمَّوها ونعتوها، وتعنَّتوا (٢) فيها، وأن تكون عُشَرَاء (٣) طويلةً، من صفتها كذا وكذا. فقال لهم النبيُّ صالحٌ ﵇: أرأيتم إنْ أجبتُكم إلى ما سألتُم، على الوجه الذي طلبتُم أتؤُمنونَ بما جئتكُم به وتصدقوني فيما أُرسلتُ به؟ قالوا: نعم، فأخذ عهودَهم ومواثيقَهم على ذلك، ثمَّ قامَ إلى مُصلَّاه، فصلَّى للَّه ما قُدِّرَ له، ثم دعا ربَّه أن يُجيبَهم إلى ما طلبُوا، فأمرَ اللَّه تلكَ الصَّخرة أن تنفطرَ عن ناقةٍ عظيمةٍ عُشَراء، على الوجه المطلوب الذي طلبوا، أو على الصِّفة التي نَعَتُوا. فلما عاينُوها كذلك رأوا أمرًا عظيمًا، ومَنْظرًا هائلًا، وقدرةً باهرةً، ودليلًا قاطعًا، وبُرهانًا ساطعًا، فآمنَ كثيرٌ منهم، واستمَّر أكثرُهم على كفرهم وضلالهم وعِنادهم، ولهذا قال: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩] أي: جَحدوا بها ولم يتَّبعوا الحقَّ بسببها، أي: أكثرهم.

стр. 293

وكانَ رئيسَ الذين آمنوا جندعُ بن عمرو بن محلاة بن لَبيد بن جواس، وكان من رؤسائِهم، وهم بقيَّةُ الأشراف بالإسلام، فصدَّهم ذؤابُ بن عمرُو بن لَبيد والخُباب، صاحبا أوثانهم، ورباب بن صمعر بن جلمس، ودعا جندعُ بْن عمِّه شهاب بن خليفة، وكان من أشرافهم، فهمَّ بالإسلام، فنهاه أولئك، فمال إليهم، فقال في ذلك رجل من المسلمين -يُقالُ له: مهرش بن غنمة بن الذميل- ﵀: [من الوافر] وكانتْ عصبةٌ من آل عمرٍو … إلى دينِ النبيِّ دَعَوْا شِهابا عزيز ثمودَ كُلهمُ جميعًا … فهمَّ بأنْ يُجيب ولو أجابا لأصبحَ صالحٌ فينا عزيزًا .... وما عَدَلوا بصاحِبهمْ ذؤابا (١) ولكنّ الغُواة من آلِ حجْرٍ … تولّوا بعدَ رُشدِهمُ ذئابا (٢) ولهذا قال لهم صالح ﵇: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤] أضافها اللَّه إضافةَ تشريف وتعظيم، كقوله: بيتُ اللَّه، وعبدَ اللَّه ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ أي: دليلًا على صدق ما جئتُكم به ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]. فاتفقَ الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيثُ شاءتْ من أرضِهم، وتردُ الماء يومًا بعد يوم، وكان إذا وردتِ الماءَ تشربُ ماءَ البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعونَ حاجَتهم من الماء في يَومهم لغدِهم، ويُقال: إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتَهم، ولهذا قال: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] أي اختبارًا لهم، أيؤمنون بها أم يكفرون؟ واللَّه أعلم بما يفعلون: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ أي: انتظر ما يكونُ من أمرهم ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على أذاهم فسيأتيكَ الخبرُ على جَليَّة. ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨]. فلمَّا طالَ عليهم الحالُ هذا، اجتمعَ مَلؤُهم، واتَّفقَ رأيُهم على أن يَعْقِرُوا هذه النَّاقة ليستريحوا منها، ويتوفَّر عليهم ماؤُهم، وزيَّنَ لهم الشيطانُ أعمالَهم، قال اللَّه تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]. وكان الذي تولَّى قتلَها منهم رئيسُهم قُدَارُ بن سالف بن جندع، وكان أحمرَ أزرقَ أصهبَ، وكان يُقالُ: إنه ولد زانيةٍ، وُلد على فراش سالف، وهو من رجلٍ يُقال له: صبيان. وكان فعلُه ذلك باتِّفاقِ جميعهم، فلهذا نُسِبَ الفعلُ إليهم كلِّهم.

стр. 294

وذكر ابنُ جرير (١) وغيرُه من علماء المفسرين: أنَّ امرأتين من ثمودَ اسمُ إحداهما: صدوق ابنة الحيا بن زهير بن المختار، وكانت ذاتَ حَسَبٍ ومال، وكانت تحتَ رجلٍ ممن أسلمَ، ففارقته، فدعت ابنَ عمٍّ لها يُقال له: مصرع بن مهرج بن المحيا، وعرضتْ عليه نفسَها إن هو عقرَ النَّاقةَ. واسم الأخرى عُنيزة بنت غنيم بن مجلز، وتُكنَّى أمَّ عثمان، وكانت عجوزًا كافرةً لها بناتٌ من زوجها ذؤاب بن عمرو، أحد الرؤساء، فعرضتْ بناتِها الأربع على قُدَار بن سالف إن هو عقرَ النَّاقةَ، فله أيُّ بناتها شاءَ، فانتُدبَ هذان الشَّابَّان لعَقْرِها، وسَعَوْا في قومِهم بذلك، فاستجابَ لهم سبعةٌ آخرونَ، فصَاروا تسعةً، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]. وسَعَوْا في بقيَّة القبيلةِ، وحسَّنوا لهم عقرَها، فأجابوهم إلى ذلك، وطاوعُوهم في ذلك، فانطلقوا يرصُدُون النَّاقةَ، فلما صدرتْ من وِرْدها (٢) كمَنَ لها مصرعٌ، فرماها بسهم، فانتظمَ عظمَ ساقِها، وجاء النساء يزمرن (٣) القبيلة في قتلها وحسرنَ (٤) عن وجُوهِهنَّ، ترغيبًا لهم في ذلك، فابتدرَهم قُدارُ بن سالف، فشدَّ عليها بالسيف فكشفَ عن عرقوبها (٥)، فخرَّت ساقطةً إلى الأرض، ورغت (٦) رغاةً واحدةً عظيمة تُحذِّرُ ولدَها، ثم طعن في لبَّتِها (٧)، فنحرَها، وانطلقَ سَقْبُها -وهو فصيلُها (٨) - فصَعِدَ جبلًا منيعًا، ورغا ثلاثًا. وروى عبد الرزاق (٩): عن معمر، عمَّن سمع الحسنَ؛ أنه قال: يا ربِّ أينَ أُمِّي؟ ثم دخلَ في صَخْرةٍ، فغابَ فيها. ويُقال: بل اتَّبَعُوه، فعقروه أيضًا. قال اللَّه تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ٢٩ - ٣٠]. وقال تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٢ - ١٣] أي: احدْرُوها فكذَّبُوه فعقروها ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٤ - ١٥]. قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن نُمَيْر، حدَّثنا هشام -هو ابن عُروة- عن أبيه، عن عبد اللَّه بن

стр. 295

زمعة، قال: خطبَ رسولُ اللَّه ﷺ فذكر النَّاقة، وذكر الذي عقرَها، فقال: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] انبعثَ لها رجلٌ عَارمٌ عزيزٌ منيع في رهطه، مثل ابن زمعة (١). أخرجاه (٢) من حديث هشام به. عارم: أي: شهمٌ عزيز، أي: رئيس منع، أي: مطاع في قومه. وقال محمد بن إسحاق: حدَّثني يزيدُ بن محمد بن خثيم (٣)، عن محمد بن كعب، عن محمد بن خُثيم، عن يزيد، عن عمَّار بن ياسر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ لعلي: "ألا أُحدثّك بأشقى الناس؟ " قال: بلى. قال: رجلان أحدُهما أُحيمرُ ثمود الذي عقرَ النَّاقة، والذي يضربُكَ يا عليٌّ على هذا -يعني: قَرْنه- حتى تَبْتلَّ منه هذه -يعني لحيته-" رواه ابن أبي حاتم (٤). وقال تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، فجمَعُوا في كلامِهم هذا بين كفرٍ بليغٍ من وجوه: منها أنهم خالفوا اللَّه ورسولَه في ارتكابهم النهي الأكيد في عَقْر الناقة التي جعلها اللَّه لهم آية. ومنها أنهم استعجلوا وقوعَ العذاب بهم، فاستحقُّوه من وجهين: أحدهما: الشرط عليهم في قوله: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤] وفي آية ﴿عَظِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٥٩] وفي الأخرى ﴿أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣] والكلُّ حقٌّ. والثاني: استعجالهم على ذلك. ومنها أنهم كذَّبوا الرسولَ الذي قد قامَ الدليلُ القاطعُ على نبوَّته وصِدْقه، وهم يعلمون ذلك علمًا جازمًا، ولكن حملَهم الكفرُ والضَلالُ والعِنادُ على استبعاد الحق، ووقوع العذاب بهم. قال اللَّه تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٣]. وذكروا أنَّهم لما عَقَروا النَّاقَة كان أوَّل من سطا (٥) عليها قُدارُ بن سالف -لعنه اللَّه- فعرقَبها، فسقطت إلى الأرض، ثم ابتدرُوها بأسيافهم يُقَطِّعُونها، فلما عاينَ ذلك سَقْبُها -وهو ولدها- شَرَدَ عنهم، فعلا أعلى جبلٍ هناك، ورغا ثلاثَ مرارٍ (٦). فلهذا قال لهم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] أي: غير يومهم ذلك، فلم

стр. 296

يُصدِّقوه أيضًا في هذا الوعد الأكيد، بل لما أمسوا همُّوا بقتله، وأرادوا فيما يزعمون أن يُلحقوه بالناقة ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] أي: لنكبسنَّه في داره مع أهله فلنقتلنه، ثم لنجحدنَّ قتله، ولننكرنّ ذلك، إنْ طالبنا أولياؤُه بدمه، ولهذا قالوا: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]. قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٣]. وذلك أنَّ اللَّه تعالى أرسلَ على أولئك النفر الذين قصدوا قتلَ صالح حجارةً رضختْهم سلفًا وتعجيلًا قبلَ قومهم، وأصبحتْ ثمودُ يومَ الخميس -وهو اليوم الأول من أيام النَّظْرة- ووجوهُهم مُصْفَرَّةٌ، كما أنذرهم صالح ﵇، فلمَّا أمسَوا نادَوْا بأجمعِهم: ألا قد مضَى يوم من الأجل. ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل، وهو يوم الجمعة، ووجوهُهُم مُحمَرَّة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى يومان من الأجل. ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع، وهو يوم السبت، ووجوهُهم مُسودَّة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضَى الأجل. فلما كان صبيحة يوم الأحد تحنَّطوا وتأهَّبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحُلُّ بهم من العذاب والنَّكال والنقمة، لا يدرون كيف يفعل بهم! ولا من أي جهة يأتيهم العذاب! فلما أشرقت الشمسُ جاءَتْهم صَيْحة من السماء مِن فوقهم، ورجفةٌ شديدةٌ من أسفل منهم، ففاضتِ الأرواحُ، وزهقتِ (١) النفوس، وسكنتِ الحركاتُ، وخَشَعتِ الأصواتُ، وحقَّتِ الحقائقُ، فأصبحوا في دارهم جاثمين، جثثًا لا أرواحَ فيها، ولا حَرَاك بها. قالوا: ولم يبق منهم أحدٌ إلَّا أن جاريةً كانت مُقْعَدَةً، واسمها كلية ابنة السلق، ويُقال لها: الذريعة، وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح ﵇، فلما رأتِ العذاب أُطْلِقَتْ رجلاها، فقامتْ تسعى كأسرع شيءٍ، فأتتْ حيًّا من العرب فأخبرتْهم بما رأتْ، وما حلَّ بقومها، واستسقتهم ماءً، فلما شربتْ ماتتْ. قال اللَّه تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود: ٦٨] أي: لم يُقيموا فيها في سَعة وررْق وغَنَاء ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٨] أي: نادى عليهم لسانُ القَدَر بهذا. قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عبدُ الرزاق، حدَّثنا معمر، حدَّثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن

стр. 297

أبي الزبير، عن جابر، قال: لما مرَّ رسولُ اللَّه ﷺ بالحِجْر، قال: "لا تسالوا الآياتِ، فقد سألها قومُ صالح، فكانتْ -يعني الناقة- تَرِدُ من هذا الفَجِّ، وتصدرُ من هذا الفجِّ ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧] فكانت تشربُ ماءَهم يومًا ويشربون لبنَها يومًا، فعقروها، فأخذتْهم صيحةٌ أهمد اللَّه من تحت أديم السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حرم اللَّه . فقالوا: منْ هُو يا رسول اللَّه؟ قال: هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابَه ما أصابَ قومَه" (١). وهذا الحديث على شرط مسلم، وليس هو في شيء من الكتب الستة، واللَّه أعلم. وقد قال عبد الرزاق أيضًا (٢): قالَ مَعْمر: أخبرني إسماعيل بن أُميَّة: أن النبيَّ ﷺ مرَّ بقبر أبي رِغال، فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا: اللَّه ورسولُه أعلم. قال: هذا قبر أبي رِغال، رجلٌ من ثمودَ كان فيِ حَرَمِ اللَّه فمنعَه حَرَمُ اللَّه عذابَ اللَّه. فلما خرجَ أصابَه ما أصابَ قومَه، فدُفن هاهنا ودُفن معه غُصْنٌ من ذهب، فنزلَ القومُ فابتدرُوه بأسيافهم، فبحثُوا عنه، فاستخرجوا الغصنَ. قال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رغال: أبو ثقيف. هذا مرسل من هذا الوجه. وقد جاءَ من وجهٍ آخر متصلًا، كما ذكرَه محمَّد بن إسحاق في السيرة: عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير، سمعتُ عبدَ اللَّه بن عمرو، سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبرٍ، فقال: "إن هذا قبرُ أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمودَ، وكان بهذا الحرم، يدفعُ عنه، فلمَّا خرجَ منه، أصابتْه النقمة التي أصابتْ قومَه بهذا المكان، فدُفن فيه، وآية ذلك أنه دُفن معه غصنٌ من ذهب، إنْ أنتم نبشتُم عنه أصبتموه معه". فابتدرَه النَّاسُ فاستخرجوا منه الغصن (٣). وهكذا رواه أبو داود (٤): من طريق محمد بن إسحاق. قال شيخنا الحافظ أبو الحجَّاج المزِّي ﵀ (٥) -: هذا حديث حسن عزيز. قلت: تفرَّد به بُجَيْر بن أبي بُجَيْر هذا، ولا يُعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن

стр. 298

أمية. قال شيخنا: فيحتمل أنه وَهم في رفعه، وإنما يكون من كلام عبد اللَّه بن عمرو عن زاملتيه (١)، واللَّه أعلم. قلتُ: لكن في المرسل الذي قبلَه، وفي حديثِ جابر أيضًا شاهدٌ له (٢)، واللَّه أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعرافْ ٧٩] إخبارٌ عن صالح ﵇ أنَّه خاطبَ قومه بعد هَلاكهم، وقد أخذ في الذَّهَاب عن محلَّتهم إلى غيرها، قائلًا لهم: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٩]: أي جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩] أي: لم تكن سجاياكُم تَقْبَلُ الحق ولا تُريده، فلهذا صرتُم إلى ما أنتم فيه من العذاب الأليم المستمرّ بكم، المتصل إلى الأبد، وليس لي فيكم حيلة، ولا لي بالدفع عنكم يدان، والذي وجبَ عليّ من أداء الرسالة والنُّصْح لكم قد فعلتُه وبذلتُه لكم، ولكنَّ اللَّه يفعلُ ما يريد. وهكذا خاطبَ النبيُّ ﷺ أهل قَلِيْبِ بَدْرٍ بعد ثلاث ليالٍ، وقف عليهم، وقد ركبَ راحلتَه، وأمر بالرحيل من آخر الليل، فقال: "يا أهلَ القَليب! هل وجدتُم ما وعدَكم ربُّكم حَقًّا، فإني قد وجدتُ ما وَعدني ربِّي حقًا" وقال لهم فيما قال: "بئسَ عشيرةُ النبيِّ كُنتم لنبيِّكم، كذَّبتمُوني وصدَّقني النَّاسُ، وأخرجتموني وآواني النَّاسُ، وقاتلتمُوني ونَصرني النَّاسُ، فبئس عشيرةُ النبيِّ كنتُم لنبيِّكم" فقال له عمر: يا رسول اللَّه! تخاطبُ أقوامًا قد جيفوا؟ فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يُجيبون" (٣). وسيأتي بيانُه في موضعه إن شاء اللَّه. ويُقال: إنَّ صالحًا ﵇ انتقلَ إلى حَرَمِ اللَّه فأقامَ به حتَّى ماتَ. قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما مرَّ النبيُّ ﷺ بوادي عُسْفان حينَ حجَّ، قال: "يا أبا بكر! أيّ وادٍ هذا؟ قال: وادي عُسْفان. قال: "لقد مرَّ به هودٌ وصالحٌ ﵉ على بكرات خُطُمُها اللِّيف، أُزُرُهم العباء، وأرديتهم النِّمار، يُلَبُّون، يَحُجُّونَ البيتَ العتيق". إسناد حسن (٥).

стр. 299

وقد تقدَّم في قصَّة (١) نوحٍ ﵇ من رواية الطبراني، وفيه: نوح وهود وإبراهيم. مرور النبيِّ بوادي الحِجْر من أرض ثمودَ عام تبوك قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبدُ الصمد، حَدَّثَنَا صَخْرُ بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، قال لما نزل رسولُ الله ﷺ بالناس على تبوكَ، نزل بهم الحِجْرَ عند بيوت ثمود، فاستقى النَّاسُ من الآبار التي كانت تشربُ منها ثمود، فعجنُوا منها، ونصبُوا القُدور [باللحم]، فأمرَهم رسولُ اللّه فأهراقوا القدورَ، وعلفُوا العجينَ الإبلَ، ثم ارتحلَ بهم حتَّى نزل بهم على البئر التي كانت تشربُ منها النَّاقةُ، ونهاهُم أن يدخلوا على القوم الذين عُذِّبوا فقال: "إني أخشى أن يُصيبَكم مثلُ ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم" (٢). وقال أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا عفَّان، حَدَّثَنَا عبدُ العزيز بن مسلم، حَدَّثَنَا عبدُ اللّه بن دينار، عن عبد اللّه بن عمر، قال: قال رسولُ اللّه ﷺ وهو بالحِجْر: "لا تدخلوا على هؤلاء المُعذبين إلا أنْ تكونوا باكينَ، فإن لم تكونوا باكينَ فلا تدخلوا عليهم، أن يُصيبكُم مثل ما أصابهم" (٣). أخرجاه في الصحيحين (٤) من غير وجه. وفي بعض الروايات: أنه ﵊ لما مرَّ بمنازلهم قنَّع رأسه وأسرع راحلته، ونهى عن دخولِ منازلهم إلا أن يكونوا باكين. وفي رواية: "فإنْ لم تبكوا فتباكوا، خشيةَ أن يُصيبَكم مثلُ ما أصابَهم". صلوات اللّه وسلامه عليه. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، أخبرنا المَسعودي، عن إسماعيل بن أوسط، عن محمد بن أبي كبشة الأنماري، عن أبيه - واسمه عمرو بن سعد، ويُقال: عامر بن سعد ﵁ قال: لما كان في غزوة تبوك تسارعَ النَّاسُ إلى أهل الحجْر يدخلون عليهم، فبلغَ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فنادى في النَّاس: الصَّلاةُ جامعة. قال: فأتيتُ النبيَّ ﷺ ، وهو يمسك بعيرَه، وهو يقول: "ما تدخلون على قومٍ غضبَ اللّه عليهم، فناداه رجلٌ نعجبُ يا رسول الله! قال: أفلا أُنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجلٌ من أنفسكم يُنبئكم بما كان قبلكم، وما هو كائنٌ بعدَكم، فاستقيمُوا وسدَّدوا، فإنَّ اللّهَ لا يعبأُ بعذابِكم شيئًا، وسيأتي قومٌ لا يدفعونَ عن أنفسهم شيئًا" (٥). إسنادٌ حسنٌ ولم يُخرِّجوه.

стр. 300

وقد ذُكرَ أنَّ قومَ صالح كانت أعمارُهم طويلةً، فكانوا يبنون البيوتَ من المدر (١)، فتخربُ قبلَ موتِ الواحد منهم، فنحتوا لهم بيوتًا في الجبال. وذكروا أنَّ صالحًا ﵇ لما سألوه آيةً، فأخرجَ اللّه لهم النَّاقةَ من الصَّخرة، أمرهم بها وبالولد الذي كان في جَوْفها، وحذَّرَهم بأسَ اللّه إن هم نالوها بسوء، وأخبرَهم أنهم سيعقرونها، ويكونُ سببُ هلاكهم ذلك، وذكرَ لهم صفةَ عاقرها، وأنَّه أحمرُ أزرقُ أصْهبُ، فبعثوا القوابلَ في البلد، متى وجدوا مولودًا بهذه الصِّفة يقتلنَّه، فكانوا على ذلك دهرًا طويلًا، وانقرضَ جيلٌ وأتى جيلٌ آخر. فلمَّا كان في بعضِ الأعصارِ، خطبَ رئيسٌ من رُؤسائهم على ابنه بنتَ آخرَ مثله في الرياسة، فزوَّجه، فولدَ بينهما عاقرُ النَّاقة، وهو قُدَار بن سَالف، فلم تتمكَّن القوابلُ من قتله، لشرفِ أبويْه وجدَّيْه فيهم، فنشأ نشأةً سريعةً، فكان يشبُّ في الجمعة كما يشبُّ غيرُه في شَهْرٍ، حتى كان منْ أمره أن خرجَ مُطاعًا فيهم رئيسًا بينهم، فسوَّلت له نفسُه عَقْرَ النَّاقةِ، واتَّبعه على ذلك ثمانية من أشرافِهم، وهم التسعة الذين أرادوا قتلَ صالح ﵇. فلمَّا وقع من أمرِهم ما وقعَ من عَقْرِ النَّاقة، وبلغَ ذلك صالحًا ﵇، جاءهم باكيًا عليها، فتلقَوه يعتذرون إليه، ويقولون: إن هذا لم يقعْ عن ملأٍ منا، دمانما فعل هذا هؤلاء الأحداث فينا، فيُقال: إنه أمرَهم باستدراكِ سَقْبها (٢) حتى يُحسنوا إليه عوضًا عنها، فذهبوا وراءَه، فصعدَ جبلًا، فلما تصاعدوا فيه وراءَه، تعالى الجبلُ حتى ارتفعَ فلا ينالُه الطَّيْرُ، وبكى الفصيلُ، حتى سالت دموعه. ثم استقبلَ صالحًا ﵇، ودعا ثلاثًا، فعندها قالَ صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] وأخبرَهم أنَّهم يُصبحون من غَدِهم صُفْرًا، ثم تَحْمَرُّ وجوههم في الثاني، وفي اليوم الثالث تَسْوَدُّ وجوههم، فلما كان في اليوم الرابع أتتهم صَيْحةٌ فيها صوتُ كلِّ صاعقةٍ، فأخذتْهم فأصبحوا في دارهم جاثمين. وفي بعض هذا السياق نظرٌ ومخالفةٌ لظاهر ما يُفهم من القرآن في شأنهم وقصتهم، كما قدَّمنا، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 301

قصة إبراهيم الخليل ﵇ هو إبراهيم بن تارخ (٢٥٠)، بن ناحور (١) (١٤٨)، بن ساروغ (٢٣٠)، بن أرغو (٢) (٢٣٩)، ابن فالغ (٣) (٤٣٩)، بن عابر (٤) (٤٦٤)، بن شالخ (٥) (٤٣٣)، بن أرفخشد (٦) (٤٣٨)، بن سام (٦٠٠)، بن نوح ﵇. هذا نصُّ أهل الكتاب في كتابهم، وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي، كما ذكروه من المُددِ، وقدَّمنا الكلام على عمر نوح ﵇ فأغنى عن إعادته. وحكى الحافظُ ابن عساكر في ترجمة إبراهيم الخليل من تاريخه: عن إسحاق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب "المبتدأ": أن اسمَ أم إبراهيم "أميلة". ثم أورد عنه في خبر ولادتها (٧) له حكايةً طويلةً (٨)، وقال الكلبيُّ: اسمها: "بونا" بنت كربنا بن كرلي، من بني أرفخشذ بن سام بن نوح. وروى ابن عساكر من غير وجه: عن عكرمة؛ أنه قال: كان إبراهيمُ ﵇ يُكنَّى أبا الضّيفان (٩). قالوا: ولما كان عمر تارخ خمسًا وسبعين سنة ولد له إبراهيم ﵇، وناحور وهاران، ووُلد لهاران لوط. وعندهم: أن إبراهيم ﵇ هو الأوسط، وأن هاران ماتَ في حياة أبيه في أرضه التي وُلد فيها، وهي أرض الكلدانيين، يعنون أرضَ بابل. وهذا هو الصحيحُ المشهورُ عند أهل السير والتواريخ والأخبار، وصحَّحَ ذلك الحافظ ابن عساكر (١٠)

стр. 302

بعدما روى من طريق هشام بن عمَّار، عن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن ابن عباس، قال: وُلد إبراهيم بغوطةِ دمشقَ في قريةٍ يُقال لها: برزة. في جبل يُقال له: قاسيون. ثم قال: والصحيحُ أنه وُلد ببابل. وإنما نسب إليه هذا المقام لأنَه صلَّى فيه إذ جاءَ مُعينا للوط ﵇. قالوا: فتزوَّج إبراهيمُ سارَة، وناحور ملكا ابنة هاران، يعنون بابنة أخيه. قالوا: وكانت سارَةُ عاقرًا لا تلد. قالوا: وانطلقَ تارخ بابنه إبراهيم وامرأته سارَة وابن أخيه لوط بن هاران، فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين، فنزلوا حرَّان، فمات فيها تارخ وله مئتان وخمسون سنة، وهذا يدلُّ على أنه لم يُولد بحرَّان، وإنما مولده بأرض الكلدانيين، وهي أرضُ بابلَ وما والاها. ثم ارتحلوا قاصدينَ أرض الكنعانيين، وهي بلاد بيت المقدس، فاقاموا بحرَّان، وهي أرضُ الكلدانيين (١) في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضًا، وكانوا يعبدون الكواكبَ السبعة. والذين عمروا مدينةَ دمشق كانوا على هذا الدِّين، يستقبلونَ القطبَ الشمالي، ويعبدون الكواكبَ السبعةَ بأنواع من الفِعال والمقال، ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشقَ السبعة هيكلٌ لكوكبٍ منها، ويعملونَ لها أعيادًا وقرابينَ. وهكذا كانَ أهلُ حرَّان يعبدونَ الكواكبَ والأصنامَ، وكلُّ من (٢) على وجه الأرض كانوا كفَّارًا، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط ﵈. وكان الخليلُ ﵇ هو الذي أزالَ اللّه به تلك الشرور، وأبطلَ به ذاك الضلال، فإن اللّه آتاه رشدَه في صِغَره، وابتعئه رسولًا، واتَّخذه خليلًا في كِبَره، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] أي: كان أهلًا لذلك. وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ

стр. 303

يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٤ - ٢٧] ثم ذكرَ اللّه تعالى مناظرته لأبيه وقومِه، كما سنذكرُه إن شاء اللّه تعالى. وكان أوَّل دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنامَ، لأنه أحقُّ النَّاس بإخلاص النصيحة له، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٨]. فذكرَ تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلى الحقِّ بألطفِ عبارةٍ وأحسنِ إشارةٍ وبيَّنَ له بطلانَ ما هو عليه (١) من عبادةِ الأوثان، التي لا تسمعٌ (٢) دعاءَ عابدِها، ولا تُبصر مكانَه، فكيف تُغني عنه شيئًا أو تفعلُ له خيرًا من رِزقٍ أو نصر؟ ثم قال مُنبِّهًا (٣) على ما أعطاه اللّه من الهدى والعلم النافع، وإن كان أصغرَ سِنًا من أبيه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] أي: مستقيمًا واضحًا سَهْلًا حنيفًا (٤)، يُفْضي بكَ إلى الخير في دنياكَ وأُخراكَ، فلما عرضَ هذا الرشدَ عليه، وأهدى هذه النصيحةَ إليه، لم يقبلْها منه ولا أخذَها عنه، بل تهذَده وتوعَّدَه، قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] قيل: بالمقال، وقيل: بالفعال. ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أي: واقطعني، وأطل هجراني، فعندها قال له إبراهيم ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ أي: لا يَصِلُكَ مني مكروهٌ، ولا ينالُكَ مني أذىً، بل أنت سالمٌ من ناحيتي، وزادَه خيرًا فقال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] قال ابن عباس وغيره: أي لطيفًا، يعني في أن هداني لعبادتِه والإخلاص له، ولهذا قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] وقد استغفرَ إبراهيم ﵇، كما وعده في أدعيته، فلما تبيَّن له أنه عدوٌّ للّه، تَبَرَّأ منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].

стр. 304

وقال البخاري (١): حدَّثنا إسماعيل بن عبد اللّه، حدَّثني أخي عبدُ الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "يلقى إبراهيمُ أباه آزرَ يوم القيامة، وعلى وجهِ آزرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةً، فيقول له إبراهيم: ألم أقلْ لكَ: لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقولُ إبراهيم: يا ربِّ! إنَّكَ وعَدْتني أن لا تُخزني يومَ يُبعثون، وأيُّ خزيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ فيقولُ اللّه: إنِّي حرَّمتُ الجنَّة على الكافرين. ثم يُقال: يا إبراهيمُ ما تحتَ رِجْلَيْكَ؟ فينظرُ فإذا هو بذيخٍ مُلْتَطِخٍ، فيُؤخذُ بقوائمِه فيُلقى في النَّار" هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردًا. وقال في التفسير (٢) وقال إبراهيمُ بن طَهْمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهكذا رواه النسائي (٣): عن أحمد بن حَفْص (٤) بن عبد اللّه، عن أبيه، عن إبراهيمَ بن طَهْمان، به. وقد رواه البزار (٥): من حديث حمَّاد بن سلمةَ، عن أيُّوب، عن محمّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، بنحوه. وفي سياقه غرابةٌ. ورواه أيضًا (٦): من حديث قتادة، عن عُقْبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : بنحوه. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] هذا يدلُّ على أنَّ اسمَ أبي إبراهيم آزر، وجمهور أهل النسب - منهم ابن عباس - على أن اسم أبيه تارح، وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة، فقيل: إنه لُقِّبَ بصنم كان يعبدُه اسمه آزر. وقال ابن جرير (٧): والصواب أن اسمَه آزر، ولعلَّ له اسمان علمان، أو أحدهما لقب والآخر علم. وهذا الذي قاله محتمل، واللّه أعلم.

стр. 305

ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٨٣] وهذا المقامُ مقام مناظرةٍ لقومه، وبيان لهم أن هذه الأجرام المُشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلحُ للألوهية، ولا أن تُعبد مع الله ، لأنها مخلوقةٌ مربوبةٌ مصنوعةٌ، مُدبَّرةٌ مُسخَرة، تطلعُ تارة، وتأفُل (١) أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والربُّ تعالى لا يغيبُ عنه شيءٌ، ولا تخفى عليه خافية، بل هو الدائمُ الباقي بلا زوال، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه. فبيَّن لهم أولًا عدمَ صلاحيةِ الكواكب (٢) لذلك، قيل: هو الزهرة، ثم ترقَّى منها إلى القَمر الذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها، ثم ترقَّى إلى الشمس التي هي أشدُّ الأجرام المشاهدة ضياءً وسناءً وبهاءً، فبيَّن أنها مُسخَّرة مُقدَّرة مربوبة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ أي: طالعة ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٨٠]. أي: لستُ أبالي في هذه الآلهة التي تعبدونها من دون اللّه، فإنها لا تنفع شيئًا، ولا تسمع، ولا تعقل، بل هي مربوبة مُسخَّرة كالكواكب ونحوها، أو مصنوعةٌ منحوتة منجورة. والظاهر أنَّ موعظتَه هذه في الكواكب لأهل حرَّان، فإنهم كانوا يعبدُونها، وهذا يردُّ قولَ منْ زعمَ أنَّه قال هذا حين خرجَ من السرب لما كانَ صغيرًا، كما ذكره ابن إسحاق وغيره، وهو مستندٌ إلى أخبار إسرائيلية لا يُوثَق بها، ولا سيما إذا خالفتِ الحقَّ.

стр. 306

وأما أهلُ بابلَ فكانوا يعبدونَ الأصنامَ، وهم الذين ناظرَهم في عبادتِها وكسَّرها عليهم، وأهانَها وبيَّنَ بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]. وقال في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٧٠]. وقال في سورة الشعراء: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٨٣]. وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٩٨]. يخبرُ اللّه تعالى عن إبراهيم خليله ﵇، أنَّه أنكرَ على قومه عبادةَ الأوثان، وحقَّرها عندَهم، وصغَّرها وتنقَّصَها، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] أي: مُعتكفون عندَها، وخاضعون لها، قالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] ما كانَ حجَّتهم إلا صنيع الآباء والأجداد، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٤] كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧]

стр. 307

قال قتادة: فما ظنُّكم به أنَّه فاعلٌ بكم إذا لقيتُموه وقد عبدتُم غيره (١)؟ وقال لهم ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢ - ٧٤] سلَّموا له أنها لا تسمعُ داعيًا ولا تنفعُ، ولا تضرُّ شيئًا، وإنما الحاملُ لهم على عبادتِها الاقتداء بأسلافهم، ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهَّال، ولهذا قال لهم ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] وهذا برهانٌ قاطعٌ على بطلان إلهية ما ادَّعَوه من الأصنام، لأنه تبرَّأ منها وتنقَّصَ بها، فلو كانت تضرُّ لضرَّته، أو تُؤَثِّرُ لأثَّرتْ فيه. ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٥]. يقولون: هذا الكلام الذي تقوله لنا وتتنفصُ به آلهتنا، وتطعنُ بسببه في آبائنا، تقولُه مُحقَّقًا جادًّا فيه أم لاعبًا؟ ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، يعني بل أقول لكم ذلك جادًّا مُحقًّا، وإنما إلهكم الله الذي لا إلَه إلا هو، هو ربُّكم وربُّ كلِّ شيءٍ فاطر السموات والأرض، الخالق لهما على غير مثال سبق، فهو المستحقُّ للعبادة وحدَه لا شريكَ له، وأنا على ذلكم من الشاهدين. وقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] أقسمَ ليكيدنَ هذه الأصنامَ التي يَعبدونها بعدَ أن يوثُوا مدبرينَ إلى عيدهم. قيل: إنه قال هذا خفيةً في نفسه. وقال ابن مسعود: سمعَه بعضُهم وكان لهم عيدٌ يذهبون إليه في كلّ عام مرَّةً إلى ظاهر البلد، فدعاه أبوه ليحضرَه، فقال: إني سقيم، كما قال تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨، ٨٩]، عرَّض لهم في الكلام حتى توصَّل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم، ونُصرة دين الله الحقِّ في بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام، التي تستحقُّ أن تُكسرَ، وأن تُهانَ غايةَ الإهانة. فلمَّا خرجوا إلى (٢) عيدهم، واستقرَّ هو في بلدهم: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات: ٩١] أي: ذهبَ إليها مُسرعًا مُستخفيًا، فوجدَها في بهوٍ عظيمٍ، وفد وَضعُوا بين أيديها أنواعًا من الأطعمة قربانًا إليها ﴿فَقَالَ﴾ على سبيل التَّهكُّم والازدراء: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٣] لأنها أقوى وأبطشُ وأسرعُ وأقهرُ، فكسَّرها بقَدُوم في يده كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]، أي: حُطامًا، كسَّرها كلَّها ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٨] قيل: إنه وضعَ القَدُوم في يد الكبير، إشارة إلى أنَّه غارَ أن تُعبدَ معه هذه الصغار، فلما رجعُوا من عيدهم ووجدوا ما حلَّ بمعبودهم ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٩].

стр. 308

وهذا فيه دليلٌ ظاهر لهم لو كانوا يعقلون، وهو ما حلَّ بآلهتهم التي كانوا يعبدُونها، فلو كانت آلهةً لدفعتْ عن أنفسها منْ أرادَها بسوء، لكنَّهم قالوا من جهلهم وقلَّة عقلهم، وكثرةِ ضلالهم وخَبَالهم ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٥٩، ٦٠] أي: يذكرها بالعيب والتَّنقُّص لها والازدراء بها، فهو المقيم عليها والكاسرُ لها. وعلى قول ابن مسعود، أي: يذكرُهم بقوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٦١]، أي: في الملأ الأكبر على رؤوس الأشهاد، لعلَّهم يشهدونَ مقالتَه، ويسمعونَ كلامَه، ويُعاينون ما يحلُّ به من الاقتصاص منه. وكان هذا أكثرَ مقاصدِ الخليل ﵇ أن يجتمعَ النَّاسُ كلُّهم، فيقيمَ على جميع عُبَّاد الأصنام الحجَّةَ على بُطلان ما هم عليه، كما قال موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]. فلما اجتمعوا وجاؤوا به كما ذكروا ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٢، ٦٣] قيل: معناه هو الحامل لي على تكسيرها، وإنما عرَّضَ لهم في القول ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وإنما أرادَ بقوله هذا أن يُبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطقُ، فيعترفوا بأنَّها جمادٌ كسائرِ الجمادات ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤] أي: فعادوا على أنفسهم بالملامة، فقالوا: إنكم أنتم الظالمون، أي: في تركها لا حافظَ لها، ولا حارسَ عندها ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ قال السُّدي: أي: ثم رجعوا إلى الفتنة فعلى هذا يكون قولهم ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: في عبادتها. وقال قتادة: أدركتِ القومَ حيرةُ سوء، أي: فأطرقوا ثم قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي: لقد علمت يا إبراهيمُ أن هذه لا تنطقُ، فكيف تأمرُنا بسؤالها؛ فعندَ ذلك قال لهم الخليل ﵇: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦، ٦٧] كما قال: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] قال مجاهد: يُسرعون. قال: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أي: كيف تعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصوِّرونها وتُشكِّلونها كما تُريدون ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وسواءٌ كانت ما مصدرية، أو بمعنى الذي، فمقتضى الكلام أنَكم مخلوقون، وهذه الأصنامُ مخلوقةٌ، فكيف يعبدُ مخلوقٌ لمخلوقٍ مثله؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتِها لكم. وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكُّم، إذ ليست العبادة تصلحُ ولا تجبُ إلا للخالق وحده لا شريكَ له. ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٧، ٩٨] عَدلُوا عن الجِدال والمناظرة لمَّا انقطعوا وغُلبوا، ولم تبقَ لهم حجَّة ولا شُبهة إلا استعمال قوَّتهم وسلطانهم،

стр. 309

لينصروا ما هم عليه من سَفَههم وطُغيانهم، فكادَهم الربُّ ﷻ ، وأعلى كلمته ودينه وبرهانَه، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠]. وذلك أنَّهم شرعوا يجمعون حَطبًا من جميع ما يمكنهم من الأماكن، فمكثُوا مدَّة يجمعون له، حتى أن المرأة منهم كان إذا مرضت تنذرُ لئن عُوفيت لتحملنَّ حطبًا لحريق إبراهيم. ثم عمدوا إلى جَوْبةً (١) عظيمةً، فوضعوا فيها ذلك الحطبَ، وأطلقوا فيه النَّار، فاضْطَرمتْ وتأجَّجتْ والتهبتْ، وعلا لها شَرَرٌ لم يُرَ مثله قط. ثم وضعوا إبراهيمَ ﵇ في كِفَّة مَنْجنيق (٢)، صنعَه لهم رجلٌ من الأكراد (٣)، ويُقال له: "هيزن"، وكان أَوَّلَ من صنعَ المجانيقَ، فخسفَ الله به الأرضَ فهو يتجلجلُ (٤) فيها إلى يوم القيامة. ثم أخذوا يُقيِّدونه ويُكَتِّفُونهُ، وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك، لك الحمد، ولك الملك، لا شريكَ لك. فلما وُضعَ الخليلُ ﵇ في كِفَّة المَنْجنيق مُقيَّدًا مكتوفًا، ثم ألقَوه منه إلى النار، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. كما روى البخاريُّ (٥): عن ابن عباس: أنه قال: حسبُنا اللّه ونعمَ الوكيل، قالها إبراهيمُ حين أُلقيَ في النَّار، وقالها محمَّد حين قيل له ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤] الآية. وقال أبو يعلى: حَدَّثَنَا أبو هشام الرفاعي، حَدَّثَنَا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال ﷺ : "لما ألقي إبراهيمُ في النَّار قال: اللَّهُمَّ إنك في السماء واحدٌ، وأنا في الأرض واحدٌ، أعبدُك" (٦). وذكر بعضُ السَّلف: أنَّ جبريل عرضَ له في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أمَّا إليكَ فلا (٧).

стр. 310

ويُروى عن ابن عبَّاس وسعيد بن جُبَيْر: أنَّه قال: جعل ملَكُ المَطر يقولُ: متى أُومرُ فأُرسِلُ المَطَرَ؟ فكانَ أمرُ اللّه أسرع (١). ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] قال عليُّ بن أبي طالب: أي: لا تضرّيه (٢). وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن اللّه قال ﴿وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ لأذى إبراهيم بردُها. وقال كعبُ الأحبار: لم ينتفعْ أهلُ الأرض يومئذٍ بنارٍ، ولم يُحْرقْ منه سوى وَثَاقه (٣). وقال الضحاك: يروى أنَّ جبريل ﵇ كان معه يمسحُ العرقَ عن وجههِ لم يصبْه منها شيءٌ غيره (٤). وقال السُّدّي: كان معه أيضًا مَلَكُ الظِّل (٥). وصارَ إبراهيمُ ﵇ في مثل الجُوبة حولَه النار، وهو في روضةٍ خضراءَ، والنَّاسُ ينظرون إليه لا يَقْدرونَ إلى الوصول إليه، ولا هو يخرجُ إليهم، فعن أبي هريرة أنه قال: أحسنُ كلمةٍ قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال: نعمَ الربُّ ربُّك يا إبراهيمَ (٦). وروى ابن عساكر عن عكرمة، أنَّ أمَّ إبراهيم نظرتْ إلى ابنها ﵇، فنادته: يا بُنيَّ إنِّي أُريد أن أجيءَ إليكَ، فادعُ اللّهَ أنْ يُنجيَني من حرِّ النَّارِ حولك. فقال: نعم، فأقبلتْ إليه لا يمسُّها شيءٌ من حرِّ النَّار، فلما وصلتْ إليه اعتنقتْه وقبَّلته، ثم عادت (٧). وعن المِنْهال بن عمرو أنَّه قال: أخبرتُ أنَّ إبراهيم مكثَ هناكَ إمَّا أربعين وإما خمسينَ يومًا، وأنَّه قال: ما كنتُ أيامًا ولياليَ أطيبَ عيشًا، إذ كنتُ فيها، وددتُ أنَّ عيشي وحياتي كلَّها مثل إذ كنت فيها (٨)، صلوات اللّه وسلامه عليه. فأرادوا أن ينتصروا فخذلُوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتَّضعُوا، وأرادوا أن يَغْلبُوا فغُلبوا. قال اللّه تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] وفي الآية الأخرى ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨]

стр. 311

ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردًا ولا سلامًا، ولا يلقون فيها تحية ولا سلامًا بل هي كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]. قال البخاري (١): حَدَّثَنَا عبدُ اللّه بن موسى - أو ابنُ سلام عنه - أنبأنا ابنُ جريج، عن عبدِ الحميدِ بن جُبَيْر، عن سعيدِ بن المُسَيِّب، عن أُمِّ شُرَيْك؛ أنَّ رسولَ اللّه ﷺ أمرَ بقتل الوَزَغِ، وقال: "كانَ ينفخُ على إبراهيم ﵇". ورواه مسلم (٢): من حديث ابن جُرَيْج. وأخرجاه، والنسائي، وابن ماجة (٣): من حديث سُفيان بن عُيَيْنة، كلاهما عن عبد الحميد بن جُبَيْر بن شَيْبَة به. وقال أحمد (٤): حَدَّثَنَا محمَّدُ بن بَكْر، حَدَّثَنَا ابن جُرَيْج، أخبرني عبدُ الله بن عبد الرحمن بن أبي أُميَّة، أن نافعًا مولى ابن عمر أخبرَه، أنَّ عائشةَ أخبرته، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اقتلُوا الوَزغَ، فإنَّه كانَ ينفخُ النَّارَ على إبراهيم". قال: فكانتْ عائشةُ تقتلُهنَّ. وقال أحمد (٥): حَدَّثَنَا إسماعيلُ، حَدَّثَنَا أيُّوب، عن نافع؛ أنَّ امرأةً دخلتْ على عائشةَ، فإذا رمحٌ منصوبٌ، فقالت: ما هذا الرُّمحُ؟ فقالت: نقتلُ به الأوزاغ. ثمَّ حدَّثتْ عن رسول الله ﷺ أن إبراهيمَ لما أُلقي في النَّار، جعلتِ الدوابُّ كُلّها تُطفئ عنه إلا الوَزَغ، فإنَّه جعلَ ينفخُها عليه. تفرَّد به أحمدُ من هذين الوجهين. وقال أحمد (٦): حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا جريرُ، حَدَّثَنَا نافعُ، حدَّثتني سائبة (٧) - مولاة الفاكِه بن المغيرة - قالت: دخلتُ على عائشةَ فرأيتُ في بيتها رُمحًا موضوعًا، فقلت: يا أُمَّ المؤمنينَ ما تصنعينَ بهذا الرُّمْحِ؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغِ نقتلُهن به، فإنَّ رسولَ الله ﷺ حَدَّثَنَا أنَّ إبراهيمَ حين أُلقيَ في النَّار، لم يكنْ في الأرض دَابَّةٌ إلا تُطفئُ عنه النَّار، غيرَ الوَزغ كانَ ينفخُ عليه، فأمرنا رسولُ الله ﷺ بقتله.

стр. 312

ورواه ابن ماجة (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد، عن جرير بن حازم، به. * * * ذكرُ مناظرة إبراهيم الخليل مع مَنْ أَرادَ أَنْ يُنازعَ العظيمَ الجليلَ في إزار العظمة ورداء الكبرياء، فادَّعى الربوبيَّة، وهو أحدُ العبيد الضعفاء قال اللّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. يذكرُ تعالى مناظرةَ خليله مع هذا المَلكِ الجبَّار المتمرِّد، الذي ادَّعى لنفسه الربوبيةَ، فأبطلَ الخليلُ ﵇ دليلَه، وبيَّن كثرةَ جَهْلِه، وقِلَّةَ عَقْلِه، وألجمَه الحُجَّة، وأوضحَ له طريقَ المحجَّة. قال المفسرون وغيرُهم من علماء النسب والأخبار: وهذا المَلكُ هو مَلِكُ بابلَ، واسمُه النمرود بن كنعانَ بن كوش بن سام بن نوح، قاله مجاهد (٢). وقال غيرُه (٣): نمرود بن فالح بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال مجاهد (٤) وغيره: وكان أحدَ ملوك الدنيا، فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة، مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: ذو القَرْنين وسُليمان. والكافران: النمرود وبختنصر. وذكروا أن نمرودَ هذا استمرَّ في ملكه أربعمئة سنة، وكان قد طغى وبغى، وتجبَّر وعتى وآثر الحياةَ الدنيا. ولما دعاه إبراهيمُ الخليلُ إلى عبادة اللّه وحدَه لا شريكَ له، حملَه الجهلُ والضَّلالُ وطولُ الآمالِ على إنكار الصانع، فحاجَّ إبراهيمَ الخليلَ في ذلك، وادَّعى لنفسه الربوبية، فلما قال الخليل: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. قال قتادة والسُّدِّي ومحمد بن إسحاق: يعني أنه إذا أُتي بالرجلين قد تحتَّم قَتْلُهما، فإذا أمرَ بقتل أحدهما وعفا عن الآخر، فكأنَّه قد أحيا هذا وأمات الآخر (٥). وهذا ليس بمعارضة للخليل، بل هو كلام خارجيٌّ عن مقام المناظرة، ليس بمنع ولا بمعارضة، بل

стр. 313

هو تشغيب (١) محض، وهو انقطاعٌ في الحقيقة، فإن الخليلَ استدلَّ على وجود الصانع بحدوثِ هذه المشاهداتِ، من إحياء الحيواناتِ وموتها على وجود فاعل ذلك الذي لا بُدَّ من استنادِها إلى وجوده ضرورةً عدم قيامها بنفسها، ولا بدَّ من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة من خَلْقِها وتسخيرها، وتسيير هذه الكواكب والرِّياح والسَّحاب والمطر، وخلق هذه الحيوانات التي تُوجد مشاهدةً، ثم إماتتُها، ولهذا ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فقول هذا الملك الجاهل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] إنْ عنى أنَّه الفاعلُ لهذه المشاهدة، فقد كابرَ وعاندَ، وإن عنى ما ذكرَه قتادةُ والسُّدِّي ومحمد بن إسحاق، فلم يقلْ شيئًا يتعلَّقُ بكلام الخليل؛ إذ لم يمنع مُقدِّمةً، ولا عارضَ الدليلَ. ولما كانَ انقطاعُ مناظرة هذا المَلِكِ قد تخفَى على كثيرٍ من النَّاس ممن حضرَه وغيرهم، ذكرَ دليلًا آخرَ بيَّنَ وجودَ الصَّانع، وبُطلان ما ادَّعاه النمرودُ، وانقطاعَه جهرة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي: هذه الشمس مُسخَّرةٌ كلَّ يوم تطلعُ من المشرقِ كما سخَّرها خالقُها ومُسَيرُها وقاهِرُها، وهو اللّه الذي لا إلهَ إلا هو خالقُ كل شيء، فإن كنتَ كما زعمتَ من أنَّكَ الذي تُحيي وتُميت فأتِ بهذه الشمس من المغرب، فإن الذي يُحيي ويُميت هو الذي يفعلُ ما يشاءُ، ولا يُمانَعُ ولا يُغالبُ، بل قد قهرَ كل شيء، ودانَ له كل شيءٍ، فإنْ كنتَ كما تزعمُ فافعلْ هذا، فإن لم تفعله فلستَ كما زَعمْتَ، وأنت تعلمُ وكلُّ أحد أنَّك لا تقدرُ على شيءً من هذا، بل أنت أعجزُ وأقلُّ من أنْ تخلقَ بعوضةً أو تنتصرَ منها. فبيَّن ضلالَه وجهلَه وكذبَه فيما ادَّعاه، وبطلان ما سلكه وتبجَّح به عند جَهلة قومه، ولم يبق له كلامٌ يُجيب الخليلَ به، بل امتنعَ وسكتَ، ولهذا قال: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. وقد ذكرَ السُّدِّي (٢): أنَّ هذه المناظرة كانت بين إبراهيمَ وبينَ النمرود يومَ خرجَ من النَّارِ، ولم يكن اجتمعَ به يومئذٍ، فكانت بينهما هذه المناظرة. وقد روى عبدُ الرزاق: عن معمر، عن زيد بن أسلم؛ أن النمرودَ كان عندَه طعامٌ، وكان النَّاسُ يَفِدُون إليه للميرة، فوفدَ إبراهيمُ في جملة منْ وفدَ للمِيرة، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يُعْطَ إبراهيمُ من الطعام كما أُعطي النَّاسُ بل خرجَ وليس معه شيءٌ من الطعام، فلما قربَ من أهله عمدَ إلى كثيبب من التراب فملأ منه عدليْه (٣)، وقال: أشغل أهلي إذا قدمتُ عليهم، فلما قدمَ وضعَ رحالَه وجاء فاتَّكأ فنامَ، فقامتْ امرأتُه سارَةُ إلى العِدْلين، فوجدتهما ملآنين طعامًا طيِّبًا، فعملت منه طعامًا. فلما استيقظَ إبراهيمُ

стр. 314

وجدَ الذي قد أصلحُوه، فقال: أنَّى لكم هذا؟ قالت: من الذي جئتَ به، فعرفَ أنَّه رزقٌ رزَقَهموه اللّه . فال زيدُ بن أسلم: وبعثَ اللّه إلى ذلك المَلِك الجبَّار ملَكا فأمره بالإيمان باللّه، فأبى عليه، ثم دعاه الثانية، فأبى عليه، ثم الثالثة، فأبى. وقال: اجمعْ جموعَك وأجمعُ جموعي، فجمعَ النمرودُ جيشَه وجنودَه وقتَ طُلوع الشمس، فأرسلَ اللّه عليه ذبابًا من البَعوض، بحيثُ لم يرَوا عينَ الشمسَ، وسلَّطها الله عليهم، فأكلتْ لحومَهم ودماءَهم، وتركتْهم عظامًا باديةً، ودخلتْ واحدةٌ منها في مِنْخر المَلكِ، فمكثتْ في منخريه أربعمئة سنة، عذَّبه اللّه تعالى بها، فكان يضربُ رأسه بالمرازب (١) في هذه المدة كلها حتى أهلكَه اللّه بها (٢). * * * ذكرُ هجرة الخليل ﵇ إلى بلاد الشام ودخوله الديار المصرية، واستقرارِه بالأرض المقدَّسة قال اللّه تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٦، ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١ - ٧٣] لما هجرَ قومَه في اللّه، وهاجرَ من بينِ أظهرهم، وكانت امرأتُه عاقرًا لا يُولد لها، ولم يكنْ له من الولد أحدٌ، بل معه ابنُ أخيه لوطُ بن هاران بن آزر، هبَه اللّه تعالى بعد ذلك الأولادَ الصالحينَ، وجعلَ في ذُريَّتهِ النبوة والكتاب، فكل نبيٍّ بُعِثَ بعدَه من ذُريَّته، وكلُّ كتابٍ نزلَ من السماء على نبيٍّ من الأنبياء منْ بعدِه، فعلى أحد نسلِه وعَقبه خِلعة (٣) من اللّه وكرامةً له حين تركَ بلادَه وأهلَه وأقرباءَه وهاجرَ إلى بلد يتمكَّن فيها من عبادة ربِّه ، ودعوةِ الخلق إليه، والأرضُ التي قصدَها بالهجرة أرضُ الشام، وهي التي قال اللّه : ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] قاله أُبيُّ بن كعب (٤)، وأبو العالية، وقتادة وغيرهم. وروى (٥) العوفي عن ابن عباس قوله:

стр. 315

﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٧١] مكة، ألم تسمع إلى قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]. وزعم (١) كعبُ الأحبار أنها حرَّان. وقد قدَّمنا عن نقل أهل الكتاب: أنَّه خرجَ من أرض بابلَ، هو وأبوه وابن أخيه لوط، وأخوه ناحور، وامرأة إبراهيم سارَة، وامرأة أخيه ملكا، فنزلوا حرَّان، فمات تارخُ أبو إبراهيمَ بها. وقال السُّدِّي (٢): انطلقَ إبراهيم ولوط قِبَلَ الشَّام فلقِيَ إبراهيمُ سارَةَ - وهي ابنة مَلِكِ حرَّان - وقد طعنت على قومِها في دينهم (٣)، فتزوَّجها على ألَّا يُغَيِّرَها (٤). رواه ابن جرير وهو غريب. والمشهورُ أنها ابنة عمِّه هاران، الذي تُنسب إليه حرَّان، ومنْ زعمَ أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط، كما حكاه السُّهيلي عن القُتَيبيِّ وَالنَّقَّاش، فقد أبعدَ النُّجْعَة، وقال بلا علم؛ وادَّعى أن تزويجَ بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعًا، فليس له على ذلك دليل. ولو فُرِضَ أن هذا كان مشروعًا في وقتٍ كما هو منقولٌ عن الربَّانييِّن من اليهود، فإن الأنبياءَ لا تتعاطاه، واللّه أعلم. ثم المشهورُ أنَّ إبراهيمَ ﵇ لمَّا هاجرَ من بابلَ خرجَ بسارَةَ مهاجرًا من بلاده كما تقدَّم، واللّه أعلم. وذكرَ أهلُ الكتاب أنَّه لما قدمَ الشام أوحى الله إليه: إني جاعل هذه الأرض لخلفك من بعدك فابتنى إبراهيمُ مذبحًا للّه، شكرًا على هذه النعمة، وضربَ قبَّته شرقي بيت المقدس، ثم انطلقَ مُرتحلًا إلى التيمُّن، وأنه كان جوعٌ، أي: قَحْطٌ وشِدَّةٌ وغَلاء، فارتحلَ إلى مصرَ، وذكروا قصَّة سارَة مع ملكها، وأن إبراهيمَ قال لها قولي: أنا أُختُه، وذكروا إخدامَ الملك إياها هاجرَ، ثم أخرجهم منها، فرجعوا إلى بلاد التَّيمن - يعني أرض بيت المقدس وما والاها - ومعه دوابُّ وعبيدٌ وأموال. وقد قال البخاري: حَدَّثَنَا محمد بن محبوب، حَدَّثَنَا حمَّاد بن زيدٍ، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرةَ قال: لم يكذبْ إبراهيمُ إلا ثلاثَ كَذبات: ثنتان منهنَّ في ذاتِ اللّه، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقال: بينا هو ذات يومٍ وسارَةُ إذ أتى على جبَّار من الجبَابرة، فقيل له: هاهنا رجلٌ معه امرأةٌ من أحسن الناس، فأرسلَ إليه وسألَه عنها، فقال: منْ هذه؟ قال: أختي، فأتى سارَة، فقال: يا سارَةُ ليس على وجهِ الأرضِ مؤمنٌ غيري

стр. 316

وغيركِ، وإنَّ هذا سألني فأخبرتُه أنَّك أُختي فلا تُكذِّبيني، فأرسلَ إليها، فلما دَخَلَتْ عليه ذهبَ يتناولُها بيده، فأخذ. فقال: ادعي اللّهَ لي ولا أضرُّك، فدعت اللّهَ فأُطلقَ، ثمَّ تناولَها الثانيةَ فأُخذَ مثلها أو أشدَّ، فقال: ادعي اللّه لي ولا أضرُّكِ فدعتْ فأطلق، فدعا بعضَ حَجَبَتِه، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسانٍ وإنما أتيتموني بشيطان، فأخدمَها هاجرَ، فأتته وهو قائمٌ يُصلِّي، فأومأ بيده: مَهْيم. فقالت: ردَّ اللّه كيدَ الكافر - أو الفاجر - في نَحْرِه، وأخدمَ هاجرَ. قال أبو هريرة: فتلكَ أمُّكم يا بني ما (١) السما (٢). تفرَّد به من هذا الوجه موقوفًا. وقد رواه الحافظ أبو بكر البزَّار: عن عمرو بن علي الفَلّاس، عن عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ إبراهيمَ لم يكذبْ قطُّ إلا ثلاثَ كذبات، كلُّ ذلك في ذات اللّه، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وبينما هو يسيرُ في أرضِ جبَّار من الجَبابرة، إذ نزلَ منزلًا، فأتي الجبَّارُ فقيل له: إنَّه قد نزلَ هاهنا رجلٌ معه امرأةٌ من أحسنِ النَّاس. فأرسلَ إليه، فسأله عنها، فقال: إنَّها أُختي. فلما رجعَ إليها، قال: إنَّ هذا سألني عنكِ، فقلتُ: إنَّك أختي، وإنه ليس اليومَ مسلمٌ غيري وغيرك، وإنك أختي فلا تُكذِّبيني عندَه، فانطلقَ بها، فلما ذهبَ يتناولها أُخذ، فقال: ادعي اللّه لي ولا أضرُّك فدعتْ له فأُرسل، فذهبَ يتناولُها فأُخذ مثلَها أو أشدَّ منها، فقال: ادعي اللّه لي ولا أضرُّك، فدعتْ فأُرسل، ثلاث مرات. فدعا أدنى حَشَمِه، فقال: إنك لم تأتني بإنسان ولكنْ أتيتني بشيطان، أخرجْها وأعطِها هاجرَ. فجاءتْ وإبراهيمُ قائمٌ يُصلِّي، فلمّا أحسنَ بها انصرفَ، فقال: مَهْيَم؟ فقالت: كفى اللّه كَيْدَ الظَّالمِ، وأخْدمني هاجرَ (٣).

стр. 317

وأخرجا (١) من [غير] حديث هشام. ثم قال البزار: لا نعلمُ أسندَه عن محمد، عن أبي هريرة، إلا هشام، ورواه غيره موقوفًا (٢). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عليُّ بن حَفْص، عن ورقاء - هو ابن عمر اليشكري (٣) - عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لم يكذبْ إبراهيمُ إلا ثلاثَ كذبات: قوله حين دُعي إلى آلهتهم، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله لسارة: إنها أختي. قال: ودخلَ إبراهيمُ قريةً فيها مَلِكٌ من الملوك - أو جبَّار من الجبابرة - فقيل: دخلَ إبراهيمُ الليلةَ بامرأة من أحسنِ النَّاس. قال: فأرسل إليه المَلكُ - أو الجبَّارُ - مَنْ هذه معكَ؟ قال: أختي. قال: فأرسلْ بها. قال: فأرسلَ بها إليه، وقال: لا تُكذِّبي قَوْلي فإني قد أخبرتُه أنَّك أختي، إنْ على الأرض مؤمنٌ غيري وغيرك. فلما دخلتْ عليه قامَ إليها، فأقبلتْ توضأ وتُصلِّي، وتقول: اللهم إن كنتَ تعلمُ أني آمنتُ بك وبرسولكَ، وأحصنتُ فرجي إلا على زَوْجي، فلا تُسلِّط عليَّ الكافر. قال: فغطَّ (٤) حتَّى ركضَ برجله". قال أبو الزناد: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: إنها قالت: اللَّهُمَّ إن يمتْ يُقَل: هي قتلته. قال: فأُرسل. قال: ثم قامِ إليها. قال: فقامتْ توضَّأ وتُصلِّي وتقول: اللهم إن كنتَ تعلمُ أني آمنتُ بكَ وبرسولكَ، وأحصنتُ فرْجي إلا على زَوْجي فلا تُسلِّطْ عليَّ الكافرَ. قال: فغطَّ حتى ركضَ برجلهِ. قال أبو الزناد: وقال أبو سلمة: عن أبي هريرة: إنها قالت: "اللهم إن يمتْ يقل هي قتلته". قال: فأُرسل، قال: فقال في الثالثة - أو الرابعة - ما أرسلتُم إليّ إلا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيمَ، وأعطوها هاجرَ. فالَ: فرجعتْ، فقالت لإبراهيم: أشَعَرْتَ أن اللّه ردَّ كيدَ الكافرين، وأخدم وليدةً (٥). تفرَّد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح. وقد رواه البخاري (٦) عن أبي اليمان، عن شُعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ به مختصرًا. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا سفيان، عن عليِّ بن زيد بن جدعان، عن أبي نَضْرة، عن

стр. 318

أبي سعيد، قال: قالَ رسولُ اللّه ﷺ في كلماتِ إبراهيمَ الثلاث التي قال: "ما منها كلمةٌ إلا ما حلَ (١) بها عن دين اللّه، فقال: (إني سقيم) وقال: (بل فعلَه كبيرهم هذا) وقال للمَلك حين أراد امرأته: هي أختي" (٢). فقوله في الحديث: "هي أُختي" أي: في دين اللّه، وقوله لها: "إنه ليس على وجهِ الأرض مؤمنٌ غيري وغيرك" يعني: زوجين مؤمنين غيري وغيرك، ويتعيَّنُ حملُه على هذا، لأنَّ لوطًا كانَ معهم، وهو نبيٌّ ﵇. وقوله لها لما رجعتْ إليه: مَهْيَم، معناه: ما الخبرُ؟ فقالت: إن اللّه رد كيد الكافرين. وفي رواية: الفاجر، وهو الملك، وأخدمَ جاريةً. وكان إبراهيمُ ﵇ من وقتِ ذهبَ بها إلى الملك قامَ يُصلِّي للّه ، ويسألُه أن يدفعَ عن أهله، وأن يردَّ بأسَ هذا الذي أراد أهله بسوءً. وهكذا فعلتْ هي أيضًا، فلما أرادَ عدوُّ اللّه أن ينالَ منها أمرًا، قامت إلى وضوئها وصَلاتها، ودعتِ اللّه بما تقدَّم من الدعاء العظيم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] فعصمها اللّه وصانَها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم ﵇. وقد ذهبَ بعضُ العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة: سارَة، وأمُّ موسى، ومريم عليهنَّ السلام. والذي عليه الجمهور أنهنَّ صِدِّيقَات ﵅ وأرضاهن. ورأيتُ في بعض الآثار: أنَّ اللّه عر وجل كشف الحجابَ فيما بين إبراهيمَ ﵇ وبينَها، فلم يزلْ يراها منذ خرجتْ من عنده إلى أن رجعتْ إليه، وكان مُشاهدًا لها وهي عند المَلِكِ، وكيف عصمَها اللّه منه، ليكون ذلك أطيبَ لقلبه وأقرَّ لِعَيْنه، وأشدَّ لطمأنينته، فإنه كان يُحبُّها حبًّا شديدًا لدينها، وقرابتها منه، وحُسْنها الباهر، فإنَّه قد قيل: إنه لم تكن امرأةٌ بعد حوَّاء إلى زمانها أحسنَ منها ﵂، وللّه الحمدُ والمنَّةُ. وذكر بعضُ أهل التواريخ: أن فرعونَ مصرَ هذا كان أخًا للضحَّاك الملك المشهور بالظلم، وكان عاملًا لأخيه على مصر. ويُقال: كان اسمُه سنان بن عُلوان بن عُبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح. وذكرَ ابن هشام في "التيجان": أن الذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون بن سبأ، وكان على مصر، نقله السهيلي، فاللّه أعلم.

стр. 319

ثم إن الخليل ﵇ رجعَ من بلاد مصر إلى أرض التَّيمُّن، وهي الأرض المقدسة، التي كان فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجرُ القبطية المصرية. ثمَّ إنَّ لوطًا ﵇ نزحَ بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور، المعروف بغور زغر (١)، فنزل بمدينة سدوم (٢)، وهي تلك البلاد في ذلك الزمان، وكان أهلها أشرارًا كفَّارًا فخارًا، وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل فأمره أن يمدَّ بصرَه وينظرَ شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وبشَّره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر، وسأكثر ذُريَّتكَ حتَّى يَصيروا بعدد تُراب الأرض. وهذه البشارة اتَّصلتْ بهذه الأمة، بل ما كملتْ ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة المحمَّدية، يُؤِّيد ذلك قولُ رسول اللّه ﷺ : "إن اللّه زوى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقَها ومغاربَها، وسيبلغُ ملكُ أُمَّتي ما زوي لي منها" (٣). قالوا: ثمَّ إنَّ طائفة من الجبَّارين تسلَّطوا على لوط ﵇ فأسروه، وأخذوا أموالَه، واستاقوا أنعامه، فلما بلغَ الخبرُ إبراهيمَ الخليل، سارَ إليهم في ثلاثمئة وثمانية عشر رجلًا، فاستنقذ لوطًا ﵇، واسترجعَ أموالَه، وقتل من أعداء اللّه ورسوله خلقًا كثيرًا، وهزمَهم، وساقَ في آثارِهم حتى وصلَ إلى شرقيّ دمشق، وعسكرَ بظاهرها عند برزه (٤)، وأظنُّ مقام إبراهيم إنما سُمِّي، لأنه كان موقفَ جيش الخليل، والله أعلم. ثم رجعَ مؤيَّدًا منصورًا إلى بلاده، وتلفاه ملوكُ بلاد بيت المقدس مُعظِّمين له، مُكرِّمين، خاضعين، واستقرَّ (٥) ببلاده، صلوات اللّه وسلامه عليه. * * *

стр. 320

ذكر مولد إسماعيل ﵇ من هاجر قال أهلُ الكتاب: إنَّ إبراهيمَ ﵇ سألَ اللّه ذريَّةً طيِّبةً، وإنَّ اللّهَ بشرَّه بذلك، وإنه لما كان لإبراهيم ببلاد بيت المقدس عشر سنين، قالتْ سارَة لإبراهيم ﵇: إنَّ الربَّ قد أحرمني الولدَ، فادخلْ على أَمَتِي هذه لعلَّ اللّه يرزقنا منها ولدًا، فلمَّا وهَبَتْهَا له دخلَ بها إبراهيم ﵇، فحين دخلَ بها حملتْ منه. قالوا: فلما حمَلَتْ ارتفعتْ نفسُها، وتعاظمتْ على سيِّدتها، فغارتْ منها سارَةُ، فشكتْ ذلك إلى إبراهيم، فقال لها: افعلي بها ما شئتِ، فخافتْ هاجرُ فهربتْ فنزلتْ عند عَيْنٍ هناكَ، فقال لها ملَكٌ من الملائكة: لا تخافي فإنَّ اللّه جاعلٌ من هذا الغلام الذي حمَلْتِ خيرًا، وأمرَها بالرجوع، وبشَّرها أنها ستلدُ ابنًا وتُسمِّيه إسماعيل، ويكونُ وحشَ النَّاس، يدهُ على الكُلِّ، ويدُ الكُلِّ به، ويملكُ جميعَ بلاد إخوته. فشكرتِ اللّه على ذلك. وهذه البشارةُ إنما انطبقتْ على ولدِه محمَّد صلواتُ اللّه وسلامه عليه، فإنه الذي سادتْ به العربُ، وملكت جميعَ البلاد غربًا وشرقًا، وآتاها اللّه من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تُؤْتَ أُمَّة من الأمم قبلَهم، وما ذاكَ إلا بشرفِ رسولها على سائر الرسل، وبركة رسالتِه، ويُمْن بشارتِه، وكماله فيما جاء به، وعموم بعثته لجميع أهل الأرض. ولما رجعتْ هاجَرُ وضعتْ إسماعيلَ ﵇. قالوا: وولدثْه ولإبراهيمَ من العمر ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة. ولما ولد إسماعيل أوحى اللّه إلى إبراهيم يُبَشِّرُه بإسحاق من سارَة، فخرَّ للّه ساجدًا، وقال له: قد استجبتُ لك في إسماعيل، وباركتُ عليه وكثَّرتُه ونمَّيتُه جدًّا كثيرًا، ويُولد له اثنا عشر عظيمًا، وأجعله رئيسًا لشعب عظيم. وهذه أيضًا بشارةٌ بهذه الأُمَّة العظيمة، وهؤلاء الاثنا عشر عظيمًا هم الخلفاء الراشدون، الاثنا عشرَ المُبشَّر بهم في حديث عبد الملك بن عُمير، عن جابر بن سَمُرة، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "يكونُ اثنا عشرَ أميرًا" ثم قالَ كلمةً لم أفهمْها، فسألتُ أبي: ما قال؟ قال: "كلهم من قريشٍ" أخرجاه في الصحيحين (١). وفي رواية: "لا يزالُ هذا الأمرُ قائمًا - وفي رواية: عزيزًا - حتى يكونَ اثنا عشر خليفة، كلُّهم من قريش" (٢).
следующие страницы →