← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وغيركِ، وإنَّ هذا سألني فأخبرتُه أنَّك أُختي فلا تُكذِّبيني، فأرسلَ إليها، فلما دَخَلَتْ عليه ذهبَ يتناولُها بيده، فأخذ. فقال: ادعي اللّهَ لي ولا أضرُّك، فدعت اللّهَ فأُطلقَ، ثمَّ تناولَها الثانيةَ فأُخذَ مثلها أو أشدَّ، فقال: ادعي اللّه لي ولا أضرُّكِ فدعتْ فأطلق، فدعا بعضَ حَجَبَتِه، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسانٍ وإنما أتيتموني بشيطان، فأخدمَها هاجرَ، فأتته وهو قائمٌ يُصلِّي، فأومأ بيده: مَهْيم. فقالت: ردَّ اللّه كيدَ الكافر - أو الفاجر - في نَحْرِه، وأخدمَ هاجرَ. قال أبو هريرة: فتلكَ أمُّكم يا بني ما (١) السما (٢). تفرَّد به من هذا الوجه موقوفًا. وقد رواه الحافظ أبو بكر البزَّار: عن عمرو بن علي الفَلّاس، عن عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ إبراهيمَ لم يكذبْ قطُّ إلا ثلاثَ كذبات، كلُّ ذلك في ذات اللّه، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وبينما هو يسيرُ في أرضِ جبَّار من الجَبابرة، إذ نزلَ منزلًا، فأتي الجبَّارُ فقيل له: إنَّه قد نزلَ هاهنا رجلٌ معه امرأةٌ من أحسنِ النَّاس. فأرسلَ إليه، فسأله عنها، فقال: إنَّها أُختي. فلما رجعَ إليها، قال: إنَّ هذا سألني عنكِ، فقلتُ: إنَّك أختي، وإنه ليس اليومَ مسلمٌ غيري وغيرك، وإنك أختي فلا تُكذِّبيني عندَه، فانطلقَ بها، فلما ذهبَ يتناولها أُخذ، فقال: ادعي اللّه لي ولا أضرُّك فدعتْ له فأُرسل، فذهبَ يتناولُها فأُخذ مثلَها أو أشدَّ منها، فقال: ادعي اللّه لي ولا أضرُّك، فدعتْ فأُرسل، ثلاث مرات. فدعا أدنى حَشَمِه، فقال: إنك لم تأتني بإنسان ولكنْ أتيتني بشيطان، أخرجْها وأعطِها هاجرَ. فجاءتْ وإبراهيمُ قائمٌ يُصلِّي، فلمّا أحسنَ بها انصرفَ، فقال: مَهْيَم؟ فقالت: كفى اللّه كَيْدَ الظَّالمِ، وأخْدمني هاجرَ (٣).

стр. 317

وأخرجا (١) من [غير] حديث هشام. ثم قال البزار: لا نعلمُ أسندَه عن محمد، عن أبي هريرة، إلا هشام، ورواه غيره موقوفًا (٢). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عليُّ بن حَفْص، عن ورقاء - هو ابن عمر اليشكري (٣) - عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "لم يكذبْ إبراهيمُ إلا ثلاثَ كذبات: قوله حين دُعي إلى آلهتهم، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله لسارة: إنها أختي. قال: ودخلَ إبراهيمُ قريةً فيها مَلِكٌ من الملوك - أو جبَّار من الجبابرة - فقيل: دخلَ إبراهيمُ الليلةَ بامرأة من أحسنِ النَّاس. قال: فأرسل إليه المَلكُ - أو الجبَّارُ - مَنْ هذه معكَ؟ قال: أختي. قال: فأرسلْ بها. قال: فأرسلَ بها إليه، وقال: لا تُكذِّبي قَوْلي فإني قد أخبرتُه أنَّك أختي، إنْ على الأرض مؤمنٌ غيري وغيرك. فلما دخلتْ عليه قامَ إليها، فأقبلتْ توضأ وتُصلِّي، وتقول: اللهم إن كنتَ تعلمُ أني آمنتُ بك وبرسولكَ، وأحصنتُ فرجي إلا على زَوْجي، فلا تُسلِّط عليَّ الكافر. قال: فغطَّ (٤) حتَّى ركضَ برجله". قال أبو الزناد: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: إنها قالت: اللَّهُمَّ إن يمتْ يُقَل: هي قتلته. قال: فأُرسل. قال: ثم قامِ إليها. قال: فقامتْ توضَّأ وتُصلِّي وتقول: اللهم إن كنتَ تعلمُ أني آمنتُ بكَ وبرسولكَ، وأحصنتُ فرْجي إلا على زَوْجي فلا تُسلِّطْ عليَّ الكافرَ. قال: فغطَّ حتى ركضَ برجلهِ. قال أبو الزناد: وقال أبو سلمة: عن أبي هريرة: إنها قالت: "اللهم إن يمتْ يقل هي قتلته". قال: فأُرسل، قال: فقال في الثالثة - أو الرابعة - ما أرسلتُم إليّ إلا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيمَ، وأعطوها هاجرَ. فالَ: فرجعتْ، فقالت لإبراهيم: أشَعَرْتَ أن اللّه ردَّ كيدَ الكافرين، وأخدم وليدةً (٥). تفرَّد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح. وقد رواه البخاري (٦) عن أبي اليمان، عن شُعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ به مختصرًا. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا سفيان، عن عليِّ بن زيد بن جدعان، عن أبي نَضْرة، عن

стр. 318

أبي سعيد، قال: قالَ رسولُ اللّه ﷺ في كلماتِ إبراهيمَ الثلاث التي قال: "ما منها كلمةٌ إلا ما حلَ (١) بها عن دين اللّه، فقال: (إني سقيم) وقال: (بل فعلَه كبيرهم هذا) وقال للمَلك حين أراد امرأته: هي أختي" (٢). فقوله في الحديث: "هي أُختي" أي: في دين اللّه، وقوله لها: "إنه ليس على وجهِ الأرض مؤمنٌ غيري وغيرك" يعني: زوجين مؤمنين غيري وغيرك، ويتعيَّنُ حملُه على هذا، لأنَّ لوطًا كانَ معهم، وهو نبيٌّ ﵇. وقوله لها لما رجعتْ إليه: مَهْيَم، معناه: ما الخبرُ؟ فقالت: إن اللّه رد كيد الكافرين. وفي رواية: الفاجر، وهو الملك، وأخدمَ جاريةً. وكان إبراهيمُ ﵇ من وقتِ ذهبَ بها إلى الملك قامَ يُصلِّي للّه ، ويسألُه أن يدفعَ عن أهله، وأن يردَّ بأسَ هذا الذي أراد أهله بسوءً. وهكذا فعلتْ هي أيضًا، فلما أرادَ عدوُّ اللّه أن ينالَ منها أمرًا، قامت إلى وضوئها وصَلاتها، ودعتِ اللّه بما تقدَّم من الدعاء العظيم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] فعصمها اللّه وصانَها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم ﵇. وقد ذهبَ بعضُ العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة: سارَة، وأمُّ موسى، ومريم عليهنَّ السلام. والذي عليه الجمهور أنهنَّ صِدِّيقَات ﵅ وأرضاهن. ورأيتُ في بعض الآثار: أنَّ اللّه عر وجل كشف الحجابَ فيما بين إبراهيمَ ﵇ وبينَها، فلم يزلْ يراها منذ خرجتْ من عنده إلى أن رجعتْ إليه، وكان مُشاهدًا لها وهي عند المَلِكِ، وكيف عصمَها اللّه منه، ليكون ذلك أطيبَ لقلبه وأقرَّ لِعَيْنه، وأشدَّ لطمأنينته، فإنه كان يُحبُّها حبًّا شديدًا لدينها، وقرابتها منه، وحُسْنها الباهر، فإنَّه قد قيل: إنه لم تكن امرأةٌ بعد حوَّاء إلى زمانها أحسنَ منها ﵂، وللّه الحمدُ والمنَّةُ. وذكر بعضُ أهل التواريخ: أن فرعونَ مصرَ هذا كان أخًا للضحَّاك الملك المشهور بالظلم، وكان عاملًا لأخيه على مصر. ويُقال: كان اسمُه سنان بن عُلوان بن عُبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح. وذكرَ ابن هشام في "التيجان": أن الذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون بن سبأ، وكان على مصر، نقله السهيلي، فاللّه أعلم.

стр. 319

ثم إن الخليل ﵇ رجعَ من بلاد مصر إلى أرض التَّيمُّن، وهي الأرض المقدسة، التي كان فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجرُ القبطية المصرية. ثمَّ إنَّ لوطًا ﵇ نزحَ بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور، المعروف بغور زغر (١)، فنزل بمدينة سدوم (٢)، وهي تلك البلاد في ذلك الزمان، وكان أهلها أشرارًا كفَّارًا فخارًا، وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل فأمره أن يمدَّ بصرَه وينظرَ شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وبشَّره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر، وسأكثر ذُريَّتكَ حتَّى يَصيروا بعدد تُراب الأرض. وهذه البشارة اتَّصلتْ بهذه الأمة، بل ما كملتْ ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة المحمَّدية، يُؤِّيد ذلك قولُ رسول اللّه ﷺ : "إن اللّه زوى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقَها ومغاربَها، وسيبلغُ ملكُ أُمَّتي ما زوي لي منها" (٣). قالوا: ثمَّ إنَّ طائفة من الجبَّارين تسلَّطوا على لوط ﵇ فأسروه، وأخذوا أموالَه، واستاقوا أنعامه، فلما بلغَ الخبرُ إبراهيمَ الخليل، سارَ إليهم في ثلاثمئة وثمانية عشر رجلًا، فاستنقذ لوطًا ﵇، واسترجعَ أموالَه، وقتل من أعداء اللّه ورسوله خلقًا كثيرًا، وهزمَهم، وساقَ في آثارِهم حتى وصلَ إلى شرقيّ دمشق، وعسكرَ بظاهرها عند برزه (٤)، وأظنُّ مقام إبراهيم إنما سُمِّي، لأنه كان موقفَ جيش الخليل، والله أعلم. ثم رجعَ مؤيَّدًا منصورًا إلى بلاده، وتلفاه ملوكُ بلاد بيت المقدس مُعظِّمين له، مُكرِّمين، خاضعين، واستقرَّ (٥) ببلاده، صلوات اللّه وسلامه عليه. * * *

стр. 320

ذكر مولد إسماعيل ﵇ من هاجر قال أهلُ الكتاب: إنَّ إبراهيمَ ﵇ سألَ اللّه ذريَّةً طيِّبةً، وإنَّ اللّهَ بشرَّه بذلك، وإنه لما كان لإبراهيم ببلاد بيت المقدس عشر سنين، قالتْ سارَة لإبراهيم ﵇: إنَّ الربَّ قد أحرمني الولدَ، فادخلْ على أَمَتِي هذه لعلَّ اللّه يرزقنا منها ولدًا، فلمَّا وهَبَتْهَا له دخلَ بها إبراهيم ﵇، فحين دخلَ بها حملتْ منه. قالوا: فلما حمَلَتْ ارتفعتْ نفسُها، وتعاظمتْ على سيِّدتها، فغارتْ منها سارَةُ، فشكتْ ذلك إلى إبراهيم، فقال لها: افعلي بها ما شئتِ، فخافتْ هاجرُ فهربتْ فنزلتْ عند عَيْنٍ هناكَ، فقال لها ملَكٌ من الملائكة: لا تخافي فإنَّ اللّه جاعلٌ من هذا الغلام الذي حمَلْتِ خيرًا، وأمرَها بالرجوع، وبشَّرها أنها ستلدُ ابنًا وتُسمِّيه إسماعيل، ويكونُ وحشَ النَّاس، يدهُ على الكُلِّ، ويدُ الكُلِّ به، ويملكُ جميعَ بلاد إخوته. فشكرتِ اللّه على ذلك. وهذه البشارةُ إنما انطبقتْ على ولدِه محمَّد صلواتُ اللّه وسلامه عليه، فإنه الذي سادتْ به العربُ، وملكت جميعَ البلاد غربًا وشرقًا، وآتاها اللّه من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تُؤْتَ أُمَّة من الأمم قبلَهم، وما ذاكَ إلا بشرفِ رسولها على سائر الرسل، وبركة رسالتِه، ويُمْن بشارتِه، وكماله فيما جاء به، وعموم بعثته لجميع أهل الأرض. ولما رجعتْ هاجَرُ وضعتْ إسماعيلَ ﵇. قالوا: وولدثْه ولإبراهيمَ من العمر ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة. ولما ولد إسماعيل أوحى اللّه إلى إبراهيم يُبَشِّرُه بإسحاق من سارَة، فخرَّ للّه ساجدًا، وقال له: قد استجبتُ لك في إسماعيل، وباركتُ عليه وكثَّرتُه ونمَّيتُه جدًّا كثيرًا، ويُولد له اثنا عشر عظيمًا، وأجعله رئيسًا لشعب عظيم. وهذه أيضًا بشارةٌ بهذه الأُمَّة العظيمة، وهؤلاء الاثنا عشر عظيمًا هم الخلفاء الراشدون، الاثنا عشرَ المُبشَّر بهم في حديث عبد الملك بن عُمير، عن جابر بن سَمُرة، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "يكونُ اثنا عشرَ أميرًا" ثم قالَ كلمةً لم أفهمْها، فسألتُ أبي: ما قال؟ قال: "كلهم من قريشٍ" أخرجاه في الصحيحين (١). وفي رواية: "لا يزالُ هذا الأمرُ قائمًا - وفي رواية: عزيزًا - حتى يكونَ اثنا عشر خليفة، كلُّهم من قريش" (٢).

стр. 321

فهؤلاء منهم الأئمة الأربعة: أبو بكر، وعمرُ، وعثمانُ، وعلي!. ومنهم: عمر بن عبد العزيز أيضًا. ومنهم بعضُ بني العبَّاس، وليس المرادُ أنهم يكونون اثني عشر نسقًا، بل لا بُدَّ من وجودِهم. وليس المرادُ الأئمة الاثني عشر الذين يعتقدُ فيهم الرافضةُ، الذين أوَّلُهم على بن أبي طالب، وآخرُهم المنتظَرُ بسِرْدابِ سامراء (١)، وهو محمَّدُ بن الحسن العسكري فيما يزعمون، فإن أولئك لم يكن فيهم أنفع من عليّ، وابنه الحسن بن عليٍّ حين تركَ القِتالَ وسلَّمَ الأمر لمعاوية، وأخمدَ نار الفتنة، وسَكَنَ رحى الحروب بين المسلمين، والباقون من جُملة الرعايا، لم يكن لهم حكمٌ على الأمة في أمر من الأمور. وأما ما يعتقدونَه بسرداب سامراء، فذاكَ هَوَسٌ في الرؤوس، وهَذَيانٌ في النفوس، لا حقيقةَ له ولا عين ولا أثر. والمقصودُ أنَّ هاجرَ ﵍ لما وُلدَ لها إسماعيلُ، اشتدَّتْ غيرةُ سارَةَ منها، وطلبتْ من الخليل أن يُغيبَ وجهَها عنها، فذهبَ بها وبولدِها، فسارَ بهما حتى وضعَهما حيث مكَّة اليوم. ويُقال: إنَّ ولدَها كان إذ ذاكَ رضيعًا. فلمَّا تركَهما هناكَ وولَّى ظهرَه، قامت إليه هاجرُ، وتعلَّقتْ بثيابه، وقالت: يا إبراهيم! أين تذهبُ وتدَعُنا هاهنا؛ وليس معنا ما يكفينا، فلم يُجبْها، فلمَّا ألَّحتْ عليه وهو لا يُجيبها، قالت له: آللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: فإذًا لا يُضيعُنا. وقد ذكرَ الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ﵀ في كتاب "النوادر" أنَّ سارَةَ تغضَّبتْ على هاجرَ، فحلفتْ لتقطعنَّ ثلاثةَ أعضاء منها، فأمرَها الخليلُ أن تَثقب أُذنيْها، وأن تخفضَها (٢)، فتبرَّ قَسَمها. قال السهيلي: فكانت أوَّلَ من اختتن من النساء، وأَوَّلَ من ثُقبت أُذُنُها منهن، وأوَّل من طَوَّلت ذَيْلها. * * * ذكر مُهاجرة إبراهيمَ بابنه إسماعيل وأمّه هاجر إلى جبال فاران، وهي أرضُ مكّة وبنائه البيتَ العتيق قال البخاري (٣): قال عبدُ اللّه بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة - حَدَّثَنَا عبد الرزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمرُ، عن أيُّوبَ السِّختيانيِّ وكثيرٍ بن كَثير بن المُطَّلب بن أبي وَداعة - يزيدُ أحدُهما على الآخر - عن سعيدِ بن

стр. 322

جُبَيْرِ، عن ابن عبَّاس، قال: أوَّلُ ما اتَّخذَ النِّساءُ المِنْطَق (١) من قِبَلِ أُمِّ إسماعيلَ، اتَّخذتْ مِنْطقًا، لتُعفِّيَ أثرَها على سارَة، ثمَّ جاءَ بها إبراهيمُ وبابنها إسماعيلَ، وفي ترضِعُه، حتَّى وضعَهما عندَ البيت، عند دَوْحةٍ (٢) فوق زمزمَ في أعلى المسجد، وليس بمكَّةَ يومئذٍ أحد، وليس بها ماءٌ، فوضعَهما هنالك، ووضعَ عندَهما جرابًا فيه تمرٌ، وسِقاء (٣) فيه ماءٌ، ثم قفَّى (٤) إبراهيمُ مُنْطلقًا، فتبعتْه أمُّ إسماعيلَ، فقالتْ: يا إبراهيمُ أين تذهبُ وتترُكنا بهذا الوادي الذي ليس به إنسٌ ولا شيء؛ فقالت له لك مرارًا، وجعل لا يلتفتُ إليها، فقالتْ له آللّهُ أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يُضيِّعُنا، ثم رجعتْ. فانطلقَ إبراهيمُ حتَّى إذا كان عند الثنيَّة حيث لا يَرَونه، استقبلَ بوجههِ البيتَ، ثم دعا بهؤلاء الدَّعواتِ، ورفع يَدَيْه، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وجعلتْ أمُّ إسماعيل تُرْضعُ إسماعيلَ وتشربُ من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السِّقاء عَطِشتْ، وعَطِشَ ابنُها، وجعلتْ تنظرُ إليه يتلوَّى - أو قال يتلبَّط (٥) - فانطلقتْ كراهيةَ أنْ تنظرَ إليه، فوجدت الصَّفا أقربَ جَبَل في الأرض يليها، فقامتْ عليه ثمَّ استقبلتِ الوادي تنظرُ هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطتْ من الصَّفا حتى إذا بلغتِ الوادي رفعتْ طرفَ دِرْعها، ثم سعتْ سعيَ الإنسانِ المجهودِ، حتى إذا جاوزتِ الوادي، ثم أتتِ المروةَ فقامتْ عليها، ونظرت هل ترى أحدًا، فلم ترَ أحدًا، ففعلتْ ذلك سبعَ مرات. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ "فلذلك سعى الناس بينهما" (٦). فلما أشرفتْ على المروة سمعتْ صوتًا، فقالت: صهٍ - تريد نفسها - ثم تسمَّعتْ فسمعتْ أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواثٌ، فإذا هي بالملك عند مَوْضعِ زمزمَ، فبحثَ بعَقبِه - أو قال بجناحه - حتَّى ظهرَ الماءُ، فجعلتْ تحوِّضه (٧)، وتقول بيدها هكذا، وجعلتْ تغرفُ من الماء في سِقائها، وهي تفورُ بعدما تَغْرِفُ.

стр. 323

قال ابن عباس قال النبي ﷺ : "يرحمُ اللّه أمَّ إسماعيل لو تركت زمزم" أو قال: "لو لم تغرفْ من الماء، لكانت زمزمُ عينًا معينًا" (١). فشربتْ وأرضعتْ ولدَها، فقال لها الملَكُ: لا تخافي الضَّيْعة (٢)، فإن هاهنا بيتَ اللّه، يبني هذا الغلامُ وأبوه، وإنَّ اللّه لا يُضيْعُ أهله. وكانَ البيتُ مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السُّيولُ، فتأخذُ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مَرَّتْ بهم رُفْقةٌ من جُرْهم - أو أهل بيتِ من جرهم - مقبلينَ من طريق كَداء، فنزلوا في أسفل مكَّة، فرأوا طائرًا عائفًا (٣)، فقالوا: إن هذا الطَّائرَ ليدورُ على الماء، لَعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًّا (٤)، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأُمُّ إسماعيل عند الماء، فقالوا: تأذنينَ لنا أن ننزلَ عندك؛ قالت: نعم، ولكنْ لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال عبد الله بن عبَّاس: قال النبي ﷺ : "فألفى ذلك أُمَّ إسماعيلَ وهي تُحبُّ الأُنْسَ". فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان لها أهلُ أبياتٍ منهم، وشبَّ الغُلامُ، وتعلَّمَ العربيةَ منهم، وأنفسهم وأعجبَهم حينَ شبَّ فلما أدركَ زوَّجُوهُ امرأةً منهم. وماتتْ أُمُّ إسماعيل، فجاء إبراهيمُ بعدما تزوَّجَ إسماعيل يُطالعُ تَرِكته، فلم يجدْ إسماعيلَ، فسألَ امرأته عنه، فقالتْ: خرجَ يبتغي لنا. ثمَّ سألَها عن عَيْشهم وهَيْئَتهم، فقالت: نحن بشَرٍّ، نحن في ضيقٍ وشدَّةٍ، وشَكَتْ إليه. قال: فإذا جاء زوجُكِ فاقرئي عليه¬ السلام وقولي له يُغَيِّرْ عَتَبة بابه. فلما جاء إسماعيلُ كأنَّهُ آنسَ شيئًا، فقال: هل جاءَكُمْ من أحدٍ؟ فقالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنكَ فأخبرتُه، وسألني كيف عَيْشُنا، فأخبرتُه أنَّا في جَهْدٍ وشدَّةٍ. قال: فهل أوصاك بشيءٍ؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأَ عليكَ السَّلام ويقولُ لك: غَيِّر عتبةَ بابكَ. قال: ذاكَ أبي، وأمرني أن أُفارقَكِ، فألحقي بأهلِكِ. فطلَّقها، وتزوَّج منهم أخرى ولبثَ عنهم إبراهيم ما شاء اللّه. ثم أتاهم بعدُ فلم يجدْه، فدخلَ على امرأتِه، فسألَها عنه، فقالت: خرجَ يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألَها عن عَيْشهم وهَيْئَتهم، فقالت: نحنُ بخيرٍ وسَعَةٍ، وأثنتْ على اللّه، فقال: ما طعامُكم؟ قالت: اللَّحْمُ. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللَّهُمَّ باركْ لهم في اللَّحم والماء. قال النبي ﷺ : "ولم يكن لهم يومئذٍ حَبٌّ، ولو كان لهم حَبٌّ لدعا لهم فيه، فهما لا يخلو عليهما أحدٌ بغير مكَّةَ إلا لم يوافقاه".

стр. 324

قال: فإذا جاء زوجُكِ فاقرئي عليه¬ السلام، ومُريه يُثبِّتْ عَتَبَة بابه. فلمَّا جاءَ إسماعيلُ قال: هل أتاكُم من أحدٍ؟ قالت: نعم، أتانا شيخٌ حَسَنُ الهيئةِ، وأثنتْ عليه، فسألني عنكَ فأخبرته، فسألني كيف عَيْشُنا، فأخبرتُه أنَّا بخيرٍ قال: فأوصاكِ بشيءَ؟ قالت: نعم، وهو يقرأ عليكَ السَّلام، ويأمُركَ أنْ تُثَبِّتَ عَتَبَة بابكَ. قالَ: ذاك أبي، وأمرني أن أُمْسككِ. ثم لبثَ عنهم ما شاءَ اللّه، ثم جاءَ بعد ذلك وإسماعيلُ يبري نَبْلًا له تحت دوحةٍ قريبًا من زمزمَ، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنعُ الولدُ بالوالد والوالدُ بالولد. ثم قال: يا إسماعيلُ! إنَّ اللّه أمرني بأمرٍ. قال: فاصنعْ ما أمركَ به ربُّك. قال: وتُعينني؟ قال: وأُعينك. قال: فإنَّ اللّهَ أمرني أن أبني هاهنا بيتًا، وأشار إلى أكمةً (١) مرتفعةٍ على ما حَوْلها. قال: فعند ذلك رفعا القواعدَ من البيتِ، فجعلَ إسماعيلُ يأتي بالحجارةِ وإبراهيمُ يبني، حتَّى إذا ارتفعَ البناءُ جاء بهذا الحَجَر فوضعَه له، فقامَ عليه وهو يبني، وإسماعيلُ يُناوله الحجارةَ، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: وجعلا يَبنيان حتى يدورا حولَ البيت، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] ". ثم قال (٢): حَدَّثَنَا عبدُ اللّه بن محمّد، حَدَّثَنَا أبو عامر عبدُ الملك بن عمرو، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن نافع، عن كثيرِ بن كثيرِ، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابن عبَّاس قالَ: لما كان من إبراهيم وأهله ما كان، خرجَ بإسماعيل وأمِّ إسماعيل ومعهم شَنَّةٌ (٣) فيها ماء .. وذكرَ تمامه بنحو ما تقدَّم. وهذا الحديثُ من كلام ابن عباس، وموشَّحٌ برفع بعضِه، وفي بعضه غَرَابةٌ، وكأنَّه مما تلقَّاه ابنُ عبَّاس عن الإسرائيليات، وفيه: أن إسماعيلَ كان رضيعًا إذ ذاك. وعند أهل التوراة أنَّ إبراهيمَ أمره بأن يختنَ ولدَه إسماعيل، وكلَّ منْ عنده من العبيد وغيرهم، فختنَهم، وذلك بعد مُضيِّ تسع وتسعينَ سنةً من عُمره، فيكون عمرُ إسماعيلَ يومئذٍ ثلاثَ عشرة سنة، وهذا امتثالٌ لأمر اللّه في أهله، فيدلُّ على أنَّه فعله على وجْهِ الوجوب، ولهذا كانَ الصحيحُ من أقوالِ العلماء أنَّه واجبٌ على الرجال، ما هو مقرَّر في موضعه. وقد ثبتَ في الحديث الذي رواه البخاريُّ (٤): حَدَّثَنَا قُتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا مغيرةُ بنُ عبد الرحمن القُرشيُّ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ ﷺ : "اختتنَ إبراهيمُ النبيُّ

стр. 325

﵇ وهو ابنُ ثمانين سنة بالقَدُوم". تابعَه عبدُ الرحمن بن إسحاق، عن أبي الزِّناد، وتابعَه عَجْلان عن أبي هريرة، ورواه محمَّدُ بن عمرٍو عن أبي سلمةَ عن أبي هريرة. وهكذا رواه مسلم (١): عن قُتَيْبة به. وفي بعض الألفاظ: "اختتن إبراهيمُ بعدما أتتْ عليه ثمانونَ سنةً، واختتنَ بالقَدُوم" (٢) والقَدُوم هو الآلة، وقيل: موضع. وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين، والله أعلم، لما سيأتي من الحديث عند ذِكر وفاته عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اختتن إبراهيمُ وهو ابنُ مئةٍ وعشرينَ سنةً، وعاشَ بعد ذلك ثمانينَ سنة" رواه ابن حبَّان في "صحيحه" (٣). وليس في هذا السِّياق ذِكْرُ قصَّة الذبيح، ولم يذكره في قدماتِ إبراهيمَ ﵇ إلا ثلاثَ مرات، أُولاهنَّ بعد أن تزوَّج إسماعيلُ بعدَ موت هاجرَ، وكيف تركهم من حيث صِغَر الولد على ما ذكرَ إلى حين تزويجه، لا ينظر في حالهم. وقد ذُكرَ أن الأرض كانت تُطوى له، وقيل: إنه كان يركبُ البراقَ إذا سارَ إليهم، فكيف يتخلَّفُ عن مُطالعة حالهم وهم في حال الضَّرورة الشديدة والحاجة الأكيدة. وكأنَّ بعضَ هذا السِّياق مُتلقَّى من الإسرائيلياتِ، ومُطرَّز بشيءٍ من المرفوعاتِ، ولم يذكرْ فيه قصَّة الذبيح، وقد دلَّلنا على أن الذبيحَ هو إسماعيلُ على الصحيح في سورة (٤) الصافات. * * * قصة الذبيح قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ

стр. 326

مُبِينٌ﴾ [الصافات: ٩٩ - ١١٣]. يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لمَّا هاجرَ من بلاد قومِه سألَ ربَّه أن يهبَ له ولدًا صالحًا، فبشَره اللّه تعالى بغلامٍ حليمٍ، وهو إسماعيلُ ﵇، لأنَّه أَوَّلُ منْ وُلد له على رأسِ ستٍّ وثمانين سنةً من عُمُرِ الخليل، وهذا ما لا خلافَ فيه بين أهل المِلَلِ، لأنَّه أَوَّلُ ولدِه وبكِرُه. وقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] أي شبَّ وصار يَسعى في مَصَالحه كأبيه، قال مجاهد (١): ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] أي: شبَّ وارتحلَ، وأطاقَ ما يفعلُه أبوه من السعي والعمل. فلما كان هذا أُري إبراهيمُ ﵇ في المنام أنَّه يُؤمر بذبح ولده هذا، وفي الحديث عن ابن عبَّاس مرفوعًا "رؤيا الأنبياء وحي" (٢) قاله عُبيد بن عُمَيْر (٣) أيضًا. وهذا اختبارٌ من اللّه لخليله في أنْ يذبحَ هذا الولد العزيز، الذي جاءه على كِبَبر وقد طَعَن في السِّنِّ، بعدما أُمر بأن يُسْكنه هو وأمَّه في بلادٍ قَفْرٍ، ووادٍ ليس به حسيسٌ ولا أنيسِ، ولا زَرْعٌ ولا ضَرْعٌ. فامتثلَ أمرَ اللّه في ذلك، وتركَهما هناكَ ثقةً باللّه وتوكُّلا عليه، فجعلَ اللّه لهما فَرجًا ومَخرجًا، ورزقهما من حيث لا يحتسبان. ثم لما أُمرَ بعد هذا كلِّه بذبح ولدِه هذا الذي قد أفردَه عن أمر ربه، وهو بِكْرُه ووحيدُه الذي ليس له غيره، أجابَ ربَّه وامتثلَ أمرَه، وسارعَ إلى طاعتِه، ثم عرضَ ذلك على ولدِه ليكونَ أطيبَ لقلبه وأهونَ عليه يأخذه قَسْرًا ويذبَحه قَهْرًا ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] فبادرَ الغلامُ الحليمُ سرُّ والدِه الخليل إبراهيم فقال: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] وهذا الجواب في غاية السَّداد والطاعة للوالدِ ولربِّ العباد. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، قيل: أسلما، أي: استسلما لأمر اللّه وعزَما على ذلك، وقيل: هذا من المقدَّم والمؤخَّر، والمعنى: تلَّه للجبين: أي ألقاه على وجهه. قيل: أراد أن يذبحَه من قفاه لئلا يُشاهده في حال ذَبْحِه، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضَّحَّاك. وقيل: بل أضجعه كما تُضْجَعُ الذبائحُ، وبقي طرفُ جبينه لاصقًا بالأرض. وأسلما: أي سمَّى إبراهيم وكبَّر، وتشهَّد الولدُ للموت. قال السُّدِّي وغيره: أمرَّ السكينَ على حَلْقِه فلم تقطعْ شيئًا. ويُقال: جعلَ بينها وبين حلقه صفيحةً منْ نُحاسٍ، فاللّه أعلم.

стр. 327

فعند ذلك نُودي من اللّه ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥] أي: قد حصلَ المقصودُ من اختباركَ وطاعتكَ ومبادرتكَ إلى أمر ربِّكَ، وبَذْلكَ ولدَك للقربان، كما سمحتَ ببدنِكَ للنيران، وكما مَالُكَ مبدْولٌ للضِّيفان، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] أي: الاختبار الظاهر البيِّن. وقوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] أي: وجعلنا فداءَ ذبح ولدِه ما يسَّره الله تعالى له من العِوَضِ عنه. والمشهورُ عن الجمهور أنه كَبْشٌ أبْيضُ أعْيَنٌ (١) أقْرَنٌ (٢)، رآه مربوطًا بسمُرةٍ (٣) في ثبير (٤). قال الثوري: عن عبد اللّه بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كَبْشٌ قد رعى في الجنَّة سبعين خريفًا (٥). وقال سعيد بن جبير: كان يرتعُ (٦) في الجنَّة حتى تشقَّقَ عنه ثبير، وكان عليه عِهْنٌ (٧) أحمر. وعن ابن عباس: هبطَ عليه من ثبير كَبْشٌ أعينُ أقرنُ له ثُغاءٌ فذبحَه، وهو الكبشُ الذي قرَّبه ابنُ آدم، فَتُقُبِّلَ منه. رواه ابن أبي حاتم (٨). قال مجاهد (٩): فذبحَه بمنى. وقال عبيد بن عُمير (١٠): ذبح بالمقام. فأما ما رُوي عن ابن عبَّاس: أنَّه كان وعلًا، وعن الحسن: أنَّه كان تَيْسًا من الأروى، واسمه جرير، فلا يكاد يَصِحُّ عنهما، ثم غالب ما هاهنا من الآثار مأخوذٌ من الإسرائيليات، وفي القرآن كفايةٌ عما جرى من الأمر العظيم، والاختبار الباهر، وأنه فُدِيَ بذبحٍ عظيمٍ، وقد وردَ في الحديث أنَّه كان كبشًا. قال الإمام أحمد (١١): حَدَّثَنَا سفيان، حَدَّثَنَا منصور، عن خاله نافع، عن صفيَّة بنت شيبةَ، قالت: أخبرتني امرأة من بني سُليم وَلَّدَتْ عامَّة أهل دارنا، قالت: أرسلَ رسول اللّه ﷺ إلى عثمانَ بن طلحة.

стр. 328

وقالت مرَّة: إنَّها سألتْ عثمانَ: لِمَ دعاكَ رسولُ اللّه ﷺ ؟ قال: "إنِّي كنتُ رأيتُ قَرْني الكبش حين دخلتُ البيتَ، فنسيتُ أنْ آمرَك أنْ تُخَمِّرَهُما فَخَمِّرْهُما، فإنَّه لا ينبغي أن يكونَ في البيت شيءٌ يَشغلُ المصلِّي". قال سفيان: لم تزلْ قرنا الكبش في البيت حتَّى احترقَ البيتُ فاحترَقا. وهذا رُوي عن ابن عبَّاس: أنَّ رأسَ الكَبْش لم يزلْ مُعلَّقًا عند ميزاب الكعبة قد يبسَ. وهذا وحده دليلٌ على أنَّ الذبيحَ إسماعيلُ، لأنه كانَ هو المقيمُ بمكَّةَ، وإسحاقُ لا نعلمُ أنَّه قدمها في حال صِغَره، واللّه أعلم. وهذا هو الظاهر من القرآن، بل كأنَّه نصٌّ على أنَّ الذبيحَ هو إسماعيلُ، لأنه ذكرَ قِصَّةَ الذبيح، ثم قال بعده: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] ومنْ جعله حالًا فقد تكلَّف، ومستنده أنَّه إسحاق إنما هو إسرائيليات، وكتابُهم فيه تحريفٌ، ولاسيما هاهنا قطعًا لا محيدَ عنه، فإنَّ عندهم أنَّ اللّه أمرَ إبراهيمَ أنْ يذبحَ ابنَه وحيدَه، وفي نسخة من المعرَّبة: بكْرَه إسحاق. فلفظة إسحاق هاهنا مقحمةٌ مكذوبةٌ مفتراة، لأنه ليس هو الوحيدُ ولا البِكْرُ، ذاكَ إسماعيل. وإنما حملَهم على هذا حَسْدُ العربِ، فإنَّ إسماعيلَ أبو العرب الذين يسكنون الحجازَ، الذين منهم رسولُ اللّه ﷺ ، وإسحاقُ والد يعقوب، وهو إسرائيل، الذين ينتسبونَ إليه، فأرادوا أنْ يجرّوا هذا الشرفَ إليهم، فحرَّفوا كلامَ اللّه، وزادُوا فيه، وهم قومٌ بُهْتٌ (١)، ولم يُقرُّوا بأنَّ الفضلَ بيد الله يُؤتيه من يشاءُ. وقد قال بأنَّه إسحاق طائفةٌ كثيرةٌ من السَّلف، وغيرهم، وإنما أخذوه - واللّه أعلم - من كعب الأحبار، أو صُحُف أهل الكتاب، وليس في ذلك حديثٌ صحيحٌ عن المعصوم حتَّى نتركَ لأجله ظاهرَ الكتاب العزيز، ولا يُفهم هذا من القرآن بل المفهومُ، بل المنطوقُ، بل النَّصُّ عند التَّأمُّل على أنه إسماعيل. وما أحسن ما استدلَّ محمَّدُ بن كعب القرظي (٢) على أنه إسماعيل، وليس بإسحاق، من قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] قال: فكيفَ تقعُ البشارةُ بإسحاق، وأنَّه سيولدُ له يعقوب، ثم يُؤمرُ بذبح إسحاق وهو صغيرٌ قبلَ أن يُولد له، هذا لا يكون، لأنَّه يُناقضُ البشارةَ المتقدِّمة، والله أعلم.

стр. 329

[وقد اعترضَ السُّهيلي (١) على هذا الاستدلال بما حاصلُه: أن قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١] جملة تامة وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] جملة أخرى ليست في حيِّز البشارة. قال: لأنه لا يجوز من حيث العربية أن يكونَ مخفوضًا إلا أنْ يُعادَ معه حرفُ الجرِّ، فلا يجوز أن يُقالَ: مررت بزيد ومن بعده عمرو، حتى يُقال: ومن بعده بعمرو. وقال: فقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] منصوبٌ بفعل مُضمَر، تقديرُه: ووهبنا لإسحاق يعقوبَ. وفي هذا الذي قالَه نظر. ورجَّح أنَّه إسحاق، واحتجَّ بقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال: وإسماعيلُ لم يكن عندَه، إنما كان في حال صِغَرِه هو وأمُّه بحيالِ مكَّةَ، فكيف يبلغُ معه السعي؟! وهذا أيضًا فيه نظرٌ، لأنه قد رُوي أنَّ الخليلَ كان يذهبُ في كثيرٍ من الأوقاتِ راكبًا البراقَ إلى مكَّة، يَطلع على ولده وأمته ثم يرجع، والله أعلم (٢). فمن حُكي القولُ عنه بأنَّه إسحاق كعبُ الأحبار، ورُوي عن عمرَ، والعبَّاس، وعليّ، وابن مسعود، ومَسروق، وعِكرمة، وسعيد بن جبير، ومُجاهد، وعَطاء، والشَّعبي، ومُقاتل، وعُبيد بن عمر، وأبي مَيْسرة، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن شَقيق، والزُّهْري، والقاسم، وابن أبي بُرْدة، ومكحول، وعُثمان بن حاضر، والسُّدِّي، والحَسن، وقتادة، وأبي الهُذَيل، وابن سابط، وهو اختيارُ ابن جرير (٣)، وهذا عَجبٌ منه، وهو إحدى الروايتين عن ابن عبَّاس، ولكن الصحيح عنه وعن أكثر هؤلاء أنه إسماعيل ﵇. قال مجاهد، وسعيد، والشعبي، ويُوسف بن مهران، وعطاء، وغير واحد، عن ابن عباس: هو إسماعيل ﵇. وقال ابن جرير: حدَّثني يُونس، أنبأنا ابنُ وَهْب، أخبرني عَمْرو بن قَيْس: عن عطاء بن أبي رَباح، عن ابن عبَّاس: أنه قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنَّه إسحاق، وكذبت اليهود (٤). وقال عبد الله بن الإمام أحمد، عن أبيه: هو إسماعيل. وقال ابنُ أبي حاتم: سألتُ أبي عن الذبيح، فقال: الصَّحيحُ أنه إسماعيل ﵇. قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن عليٍّ، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطُّفَيْل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جُبير، والحسن، ومجاهد، والشَّعبي، ومحمد بن كعب، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح؛ أنَّهم قالوا: الذبيحُ هو إسماعيل ﵇.

стр. 330

وحكاه البغويُّ أيضًا: عن الربيع بن أنس، والكلبي، وأبي عمرو بن العلاء. قلت: ورُوي عن معاويةَ، وجاءَ عنه: أنَّ رجلًا قال لرسول اللّه ﷺ : "يا ابنَ الذبيحين" فضحكَ رسولُ اللّه ﷺ (١). وإليه ذهبَ عمرُ بن عبد العزيز، ومحمَّد بن إسحاق بن يسار. وكان الحسنُ البصري يقول: لا شكَّ في هذا. وقال محمَّدُ بن إسحاق: عن بريدة بن سفيان بن فروةَ الأسلميّ، عن محمد بن كعب: أنَّه حدَّثهم، أنَّه ذكرَ ذلك لعمرَ بن عبد العزيز وهو خليفةٌ، إذ كانَ معه بالشام [يعني استدلالَه بقوله بعد العصمة ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] (٢) فقال له عمر: إنَّ هذا الشيءَ ما كنتُ أنظر فيه، وإني لأراه كما قلتَ، ثم أرسلَ إلى رجلٍ كان عنده بالشام، كان يهوديًا فأسلمَ وحَسُنَ إسلامُه، وكان يرى أنه من علمائهم، قال: فسأله عمرُ بن عبد العزيز: [عن ذلك. قال محمد بن كعب: وأنا عند عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر بن عبد العزيز:] (٣) أيُّ ابني إبراهيم أُمرَ بذبحِه؟ فقال: إسماعيلُ والله يا أمير المؤمنين، وإنَّ يهودَ لتعلمُ بذلك، ولكنَّهم يحسدونَكم معشرَ العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر اله فيه، والفضل الذي ذكرَه الله منه لصبره لما أُمرَ به، فهم يَجحدون ذلك، ويزعمونَ أنَّه إسحاق، لأنَّ إسحاقَ أبوهم (٤). وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلَّتها وآثارها في كتابنا التفسير (٥)، وللّه الحمد والمنة. * * * ذكرُ مولد إسحاق قال اللّه تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٢، ١١٣].

стр. 331

وقد كانت البشارة به من الملائكة لإبراهيمَ وسارَة لما مَرُّوا عليهم (١) مجتازينَ ذاهبينَ إلى مدائنِ قومِ لوط ليدمِّروا عليهم لكفرهم وفُجورهم، كما سيأتي بيانُه في موضِعه إن شاء اللّه تعالى. قال اللّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٦٩ - ٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥١ - ٥٦]. وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٤ - ٣٠]. يذكرُ تعالى أنَّ الملائكةَ - قالوا: وكانوا ثلاثةً: جبريلُ، وميكائيلُ وإسرافيلُ - لما وَردُوا على الخليل، حَسِبهم أولًا أضيافًا، فعاملَهم معاملةَ الضيوف، شوى لهم عِجْلًا سمينًا من خيار بقره، فلمَّا قرَّبَه إليهم وعرضَ عليهم، لم يرَ لهم همَّةً إلى الأكل بالكلية، وذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوَّة الحاجة إلى الطعام، فنكرهم إبراهيمُ ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] أي: لندَمِّرَ عليهم، فاستبشرتْ عند ذلك سارَةُ غضبًا للّه عليهم، وكانت قائمةً على رؤوس الأضياف، كما جرتْ به عادة الناس من العرب وغيرهم، فلما ضحكت استبشارًا، قال اللّه تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: بشَّرتها الملائكةُ بذلك ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] أي: في صرخة ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: ٢٩]، أي: كما يفعلُ النساء عند التعجُّب ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] أي: كيف يلدُ مثلي وأنا كبيرةٌ وعقيمٌ أيضًا، وهذا بعلي، أي: زوجي شيخًا، تعجَّبت من وجود ولدٍ والحالة هذه ولهذا قالت: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢، ٧٣]. وكذلك تعجَّب إبراهيمُ ﵇ استبشارًا بهذه البشارة، وتثبيتًا لها وفرحًا بها ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٤، ٥٥] أكَّدوا الخبرَ بهذه

стр. 332

البشارة، وقرَّروه معه، فبشَّروهما ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] وهو إسحاق، وأخوه إسماعيل غلام حليمِ، مناسب لمقامه وصبره، وهكذا وصفَه ربُّه بصدق الوعد والصبر. وقال في الآية الأخرى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. وهذا مما استدلَّ به محمَّدُ بن كعب القُرَظي وغيره، على أنَّ الذبيحَ هو إسماعيل، وأن إسحاق لا يجوزُ أن يُؤمرَ بذبحه بعدَ أنْ وقعتِ البشارةُ بوجوده ووجود ولده يعقوب، المشتق من العَقِب من بَعْده. وعند أهل الكتاب: أنَّه أَحضرَ مع العِجْل الحَنِيْذِ (١) - وهو المشويُّ - رغيفًا من مَلَّةٍ، فيه ثلاثة أكتالٍ وسَمْنٍ ولبن. وعندهم: أنَّهم أكلوا، وهذا غَلَطٌ مَحْضٌ. وقيل: كانوا يُورُون (٢) أنَّهم يأكلونَ والطَّعامُ يتلاشى في الهواء. وعندهم: أنَّ اللّه تعالى قال لإبراهيم: أمَّا سارا امرأتك، فلا يُدعى اسمُها سارا، ولكنْ اسمُها سارَة، وأُباركُ عليها وأُعطيك منها ابنًا وأباركُه، و يكونُ الشُّعوب وملوكُ الشعوب منه. فخرَّ إبراهيم على وجهه - يعني ساجدًا - وضحكَ قائلًا في نفسه: أبعد مئة سنةٍ يُولد لي غلامٌ، أو سارَةُ تلدُ وقد أتتْ عليها تسعونَ سنة؟! وقال إبراهيمُ للّه تعالى: ليتَ إسماعيلَ يعيشُ قدَّامكَ. فقال اللّه لإبراهيمَ: بحقِّي إن امْرأتك سارَة تلدُ لك غلامًا، وتدعو اسمَه إسحاق إلى مثلِ هذا الحينِ من قابل، وأوثقُه ميثاقي إلى الدهر، ولخلفِه من بعده. وقد استجبت لكَ في إسماعيلَ، وباركتُ عليه وكبَّرتُه ونمَّيتُه جدًا كثيرًا، ويُولد له اثنا عشرَ عظيمًا، وأجعلُه رئيسًا لشعبٍ عظيم. وقد تكلَّمنا على هذا بما تقدَّم، واللّه أعلم. فقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] دليلٌ على أنها تستمتعُ بوجود ولدها إسحاق، ثم من بعده بولد ولده يعقوب، أي: يُولد في حياتِهما لتقرَّ أعينُهما به كما قرَّتْ بوالده، ولو لم يرد هذا لم يكن لذكرِ يعقوبَ وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحاق فائدة، ولما عيَّن بالذكر دلَّ على أنهما يتمتعان به ويُسرَّان بولده، كما سُرَّا بمولد أبيه من قبله. وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام: ٨٤] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٤٩]. وهذا إن شاء اللّه ظاهرٌ قويٌّ، ويُؤيِّده قوة ما ثبت في الصحيحين: من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلتُ يا رسول اللّه! أيُّ - مسجد وُضعَ أوَّل؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أيّ؛ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟

стр. 333

قال: "أربعون سنة" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم حَيْثُ أدركت الصَّلاةَ فصلِّ، فكلُّها مسجد" (١). وعند أهل الكتاب: أن يعقوبَ ﵇ هو الذي أسَّس المسجدَ الأقصى، وهو مسجد إيليا بيت المقدس، شرَّفه اللّه. وهذا مُتَّجِهٌ، ويشهدُ له ما ذكرناه من الحديث، فعلى هذا يكونُ بناء يعقوبَ - وهو إسرائيل ﵇ بعد بناءَ الخليل وابنه إسماعيل المسجدَ الحرام بأربعينَ سنةً سواء، وقد كان بناؤُهما ذلك بعد وجود إسحاق، لأن إبراهيمَ ﵇ لمَّا دَعا قال في دعائه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٤١]. وما جاء في الحديث (٢): من أنَّ سُليمان بن داود ﵉، لما بنَى بيتَ المقدس سألَ اللّه خِلالًا ثلاثًا، كما ذكرناه عند قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] وكما سنُورده في قصَّته. فالمرادُ من ذلك أنَّه جدَّد بناءَه، كما تقدَّم من أنَّ بينهما أربعينَ سنةً، ولم يقلْ أحدٌ إنَّ بين سليمان وإبراهيم أربعينَ سنةً، سوى ابن حِبَّان في "تقاسيمه" وأنواعه، وهذا القولُ لم يُوافق عليه، ولا سُبِقَ إليه. * * * ذكر بناية (٣) البيت العتيق قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٦، ٢٧].

стр. 334

وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٤ - ١٢٩]. يذكرُ تعالى عن عبده ورسوله وصفيِّه وخليله إمام الحنفاء ووالد الأنيباء إبراهيم (١) عليه أفضل صلاة وتسليم أنَّه بنى البيتَ العتيقَ الذي هو أوَّلُ مسجدٍ وُضِعَ لعموم النَّاس، يعبدون اللّه فيه، وبوَّأه اللّه مكانَه، أي: أرشدَه إليه ودلَّه عليه. وقد روينا عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب وغيره؛ أنَّه أُرشد إليه بوحي من اللّه ، وقدَّمنا في صفة خلق السموات أنَّ الكعبةَ بحيالِ البيت المَعْمُور، بحيث إنَّه لو سقطَ لسقطَ عليها، وكذلك معابدُ السموات، كما قال بعض السلف: إنَّ في كلِّ سماءً بيتًا يعبدُ اللّهَ فيه أهلُ كلِّ سماءً، وهو فيها كالكعبة لأهل الأرض. فأمرَ اللّه تعالى إبراهيم ﵇ أن يبنيَ له بيتًا يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السموات، وأرشدَه اللّه إلى مكان البيتِ المهيّأ له، المعيَّن لذلك، منذ خلق السموات والأرض، كما ثبتَ في الصحيحين: "إن هذا البلدَ حرَّمه اللّه يومَ خلقَ السموات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة اللّه إلى يوم القيامة". ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أنَّ البيتَ كان مبنيًّا قبلَ الخليل ﵇. ومن تمسَّك في هذا بقوله: ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] فليس بناهضٍ ولا ظاهرٍ، لأن المراد مكانه المقدَّر في علم اللّه، المقرَّر في قدرته، المعظَّم عند الأنبياء موضعه، من لدن آدمَ إلى زمان إبراهيم. وقد ذُكِرَ أنَّ آدم نصب عليه قُبَّةً، وأن الملائكة قالوا له: قد طُفْنا قبلَك بهذا البيت، وأنَّ السفينة

стр. 335

طافتْ به أربعين يومًا أو نحو ذلك، ولكن كلُّ هذه الأخبار عن بني إسرائيل. وقد قرَّرنا أنها لا تصدَّقُ ولا تكذبُ، فلا يُحتجُّ بها، فأما إن ردَّها الحقُّ فهي مردودة. وقد قال اللّه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] أي: أوّل بيت وُضعَ لعموم النَّاس للبركة والهدى البيت الذي ببكة. قيل: مكة، وقيل: محل الكعبة: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] أي: على أنه بناء الخليل والد الأنبياء من بعده، وإمام الحنفاء من ولده الذين يقتدونَ به ويتمسَّكون بسنَّته، ولهذا قال: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] أي: الحجَر الذي كان يقف عليه قائمًا، لما ارتفعَ البناءُ عن قامَته، فوضعَ له ولدُه هذا الحجرَ المشهورَ ليرتفعَ عليه لمَّا تعالى البناءُ، وعَظُمَ الفناء، كما تقدَّم في حديث ابن عباس الطويل. وقد كان الحجَر مُلصقًا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيَّام عُمرَ بن الخطاب ﵁، فأخّره عن البيت قائلًا: لئلا يَشغل المصلين عندَه الطائفين بالبيت، واتُّبعَ عمرُ بن الخطاب ﵁ في هذا، فإنه قد وافقه ربُّه في أشياءَ، منها: في قوله لرسوله ﷺ لو اتَّخَذنا مِن مقام إبراهيمَ مُصلَّى، فأنزل اللّه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) [البقرة: ١٢٥]. وقد كانتْ آثارُ قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أوَّل الإسلام، وقد قال أبو طالب في قصيدته (٢) اللاميَّة المشهورة: [من الطويل] وثورٍ ومَنْ أرسى ثَبِيْرًا مكانَه … وراقٍ لِيَرْقى في حِرَاءَ ونازِلِ (٣) وبالبيتِ، حق البيت، من بطنِ مكَّةٍ … وباللّهِ إنّ اللّهَ ليس بغَافِلِ وبالحَجر المُسْوَدِّ إذ يَمْسَحُونه … إذا اكتنفُوه بالضُّحى والأصائلِ (٤) ومَوْطئ إبراهيمَ في الصّخرِ رَطْبةٌ … على قَدَمَيْهِ حَافيًا غيرَ ناعِل يعني أنَّ رجلَه الكريمة غاصتْ في الصخرة، فصارتْ على قَدْر قَدَمه حافيةً لا مُنتعلة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: في حال قولهم ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] فهما في غاية الإخلاص والطاعة للّه ، وهما يسألان من اللّه السميع العليم أن يتقبَّلَ منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨].

стр. 336

والمقصودُ أن الخليلَ بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع، في وادٍ غير ذي زَرْعٍ، ودعا لأهلها بالبركة وأن يُرْزقوا من الثمرات، مع قلَّة المياه وعدم الأشجار والزروع والثِّمار، وأن يجعلَه حَرَمًا مُحرَّمًا، وآمنًا مُحتّمًا، فاستجابَ اللّه وله الحمدُ له مسألته، ولبَّى دعوتَه، وآتاه طلبته، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧] وسألَ اللّهَ أنْ يبعثَ فيهم رسولًا منهم، أي: من جنسهم، وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصحية، لتتمَّ عليهم النعمتان الدنيوية والدينية، سعادة الأولى والأخرى. وقد استجابَ اللّه له، فبعثَ فيهم رسولًا وأيّ رسول، ختمَ به أنبياءَه ورسلَه، وأكملَ له من الدِّين، ما لم يُؤتِ أحدًا قبلَه، وعمَّ بدعوتِه أهلَ الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم في سائر الأقطار والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة، وكان هذا من خصائِصه من بين سائر الأنبياء، لشرفِه في نفسه، وكمالِ ما أُرسلَ به، وشَرفِ بُقعتهِ، وفصاحة لغتِه، وكمال شَفقتِه على أُمَّته، ولطفه ورحمته، وكريم مَحْتِدِهِ (١)، وعظيم مولده، وطيب مَصْدَرِه ومَوْرده. ولهذا استحقَّ إبراهيمُ الخليلُ ﵇ إذ كان باني كعبة أهل الأرضِ أن يكونَ منصبُه ومحلُّه وموضعُه في منازل السموات ورفيع الدرجات عند البيت المعمور، الذي هو كعبةُ أهل السماء السابعة المُبارك المبرور، الذي يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يتعبَّدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور، وقد ذكرنا في التفسير (٢) من سورة البقرة صفة بناية البيت، وما وردَ في ذلك من الأخبار والآثار بما فيه كفاية، فمن أرادَه فليراجعْه ثَمَّ وللّه الحمد. فمن ذلك ما قال السُّدِّي: لما أمرَ اللّه إبراهيمَ وإسماعيلَ أن يبنيا البيتَ، ثم لم يدريا أين مكانه، حتى بعثَ اللّه ريحًا يُقال له "الخجوج" (٣) لها جناحان ورأس، في صورة حيَّة، فكنستْ لهما ما حولَ الكعبة عن أساس البيت الأوَّل، واتَّبعَاهَا بالمعاول يحفران، حتى وضعا الأساسَ، وذلك حين يقول تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] (٤). فلما بلغا القواعدَ وبنيا الركنَ، قال إبراهيمُ لإسماعيل: يا بني اطلبْ لي [حجرًا حسَنًا أضعُه هاهنا. قال: يا أبتِ! إني كسلان لَغِبٌ. قال: عليَّ ذلكَ. فانطلقَ، وجاءَه جبريلُ] (٥) بالحَجَرِ الأسودِ من

стр. 337

الهِنْد، وكان أبيضَ ياقوتة بيضاء مثل الثَّغامة (١). وكان آدمُ هبطَ به من الجنَّة، فاسوَدَّ من خطايا النَّاسَ، فجاءَه إسماعيلُ بحجر، فوجدَه عند الركن. فقال يا أبتِ منْ جاءك بهذا؟ قال: جاء به منْ هو أنشطُ منك. فبنيا وهما يدعوان الله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وذكرَ ابنُ أبي حاتم: أنَّه بناه من خمسة أجبل، وأنَّ ذا القرنين - وكان مَلِكَ الأرضِ إذ ذاك - مرَّ بهما وهم يبنيانه، فقال: منْ أمركما بهذا؛ فقال إبراهيم: الله أمرنا به. فقال: وما يُدريني بما تقولُ، فشهدتْ خمسةُ أكبشٍ أنَّه أمرَه بذلك، فآمنَ وصدَّق. وذكر الأزرقي: أنَّه طافَ مع الخليل بالبيت. وقد كانت الكعبة (٢) على بناء الخليل مدة طويلة، ثم بعد ذلك بَنَتْها قريش، فقصَّرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال، مما يلي الشام، على ما هي عليه اليوم. وفي الصحيحين (٣): من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن سالم؛ أنَّ عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبرَ ابن عمر، عن عائشةَ، أن رسول الله ﷺ قال: "ألم تريْ إلى قومِك حين بنوا الكعبةَ اقتصروا عن قواعد إبراهيم" فقلتُ: يا رسولَ الله: ألا تردَّها على قواعد إبراهيم؟ فقال: "لولا حدثان قومِك بالكفر لفعلتُ" وفي رواية: "لولا أنَّ قومَك حديثو عهد بجاهلية، أو قال: بكفر، لأنفقت كنزَ الكعبة في سبيل الله، ولجعلتُ بابَها بالأرض، ولأدخلت فيها الحِجْرَ". وقد بناها ابنُ الزبير رحمه اله في أيَّامه على ما أشار إليه رسولُ الله ﷺ ، حسبما أخبرتْه خالتُه عائشة أُمُّ المؤمنين عنه، فلما قتلَه الحَجَّاجُ في سنة ثلاثٍ وسبعين، كتبَ إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك، فاعتقدوا أنَّ ابنَ الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسِه، فأمرَ بردِّها إلى ما كانت عليه، فنَقضُوا الحائطَ الشَّاميَّ، وأخرجوا منها الحِجْرَ، ثم سَدُّوا الحائط وردَموا الأحجارَ في جَوْفِ الكعبة، فارتفعَ بابُها الشرقيّ، وسدُّوا الغربيَّ بالكُليَّة، كما هو مشاهد إلى اليوم. ثم لما بلغَهم أنَّ ابن الزبير إنما فعلَ هذا لما أخبرتْه عائشة أم المؤمنين نَدِموا على ما فَعلوا، وتأسَّفوا أن لو كانوا تركوه وما تولَّى من ذلك. ثم لما كان في زمن المَهْدي بن المنصور استشارَ الإمامَ مالكٍ بن أنس في ردِّها على الصِّفة التي بناها ابن الزبير، فقال له: إني أخشى أن يتخذَها الملوكُ لعبةً، يعني كلَّما جاءَ مَلِكٌ بناها على الصِّفَة التي يُريد، فاستقرَّ الأمرُ على ما هي عليه اليوم. * * *

стр. 338

ذكر ثناء اللّه ورسولِه الكريم على عبده وخليله إبراهيم قال اللّه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. لما وفَّى ما أمرَه ربُّه به من التكاليف العظيمة، جعلَه للناس إمامًا يقتدون به، ويأتمُّون بهديْه، وسألَ اللّهَ أن تكونَ هذه الإمامة متصلةً بسببه، وباقيةً في نسبه، وخالدةً في عَقبه، فأُجيبَ إلى ما سأل ورامَ، وسُلِّمَتْ إليه الإمامة بزمام، واستثني من نيلها الظالمون، واختُصَّ بها من ذرِّيته العلماءُ العاملون، كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٧]. فالضميرُ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ عائدٌ على إبراهيم على المشهور، ولوطٌ وإن كان ابنَ أخيه، إلا أنَّه دخلَ في الذريَّة تغليبًا، وهذا هو الحاملُ للقائل الآخر: إن الضميرَ على نوحٍ كما قدَّمنا في قصته، واللّه أعلم. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]. الآية. فكلُّ كتاب أُنزل من السماء على نبيٍّ من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته وشيعته. وهذه خِلْعةٌ سنيَّة لا تُضاهى، ومرتبةٌ عليَّةٌ لا تُباهى. وذلك أنَّه وُلدَ له لصُلبِهِ ولدان ذكران عظيمان: إسماعيل من هاجر، ثم إسحاق من سارَة، ووُلد لهذا يعقوبُ، وهو إسرائيل الذي ينتسبُ إليه سائرُ أسباطِهم، فكانت فيهم النبوة، وكثروا جدًا بحيث لا يعلمُ عددَهم إلا الذي بعثهم، واختصَّهم بالرسالة والنبوة حتى خُتِمُوا بعيسى ابن مريم من بني إسرائيل. وأما إسماعيل ﵇، فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها، كما سنبيِّنه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى، ولم يُوجد من سُلالتِه من الأنبياء سوى خاتَمهم على الإطلاق وسيدهم، وفخر بني آدمَ في الدنيا والآخرة محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم القرشيّ الهاشميّ المكي، ثم المدني صلوات اللّه وسلامه عليه، فلم يُوجد من هذا الفرع الشريف والغُصْن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة والدُّرَّة الزاهرة، وواسطة العقد الفاخرة، وهو السَّيِّد الذي يفتخرُ به أهلُ الجمع، ويغبطُه الأَوَّلون والآخرون يوم القيامة.

стр. 339

وقد ثبت عنه في صحيح مسلم، كما سنُورده أنه قال: "سأقومُ مقامًا يرغبُ إليَّ الخَلْقُ كلُّهم حتى إبراهيم" (١) فمدحَ إبراهيمَ أباه مِدْحةً عظيمةً في هذا السياق، ودل كلامه على أنه أفضلُ الخلائق بعده على الإطلاق، في هذه الحياة الدنيا ويومَ يُكشفُ عن سَاق. وقال البخاري (٢): حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جريرٌ، عن منصور، عن المِنهال، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعوِّذُ الحَسَنَ والحُسَيْن ويقول: "إنَّ أباكما كان يُعوِّذ بهما إسماعيلَ وإسحاقَ: أعوذُ بكلماتِ اللّه التَّامة، من كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّة، ومنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّة". ورواه أهل السنن (٣): من حديث منصور به. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ذكر المفسرون لهذا السؤال أسبابًا بسطناها في التفسير (٤) وقرَّرناها بأتمِّ تقرير، والحاصلُ: أنَّ اللّه أجابَه إلى ما سألَ، فأمرَه أن يعمد إلى أربعةٍ من الطيور، واختلفوا في تعيينها (٥) على أقوال، والمقصود حاصل على كلِّ تقدير، فأمره أن يُمرقَ لحومَهنَّ وريشهنَّ، ويخلط ذلك بعضه في بعض، ثم يقسمه قسمًا، ويجعل على كلِّ جبل منهنَّ جزءًا، ففعل ما أُمِرَ به، ثم أُمِرَ أن يدعوهنَّ بإذن ربهن، فلما دعاهنَّ، جعلَ كلُّ عضو يطيرُ إلى صاحبه، وكلُّ ريشة تأتي إلى أختها، حتى اجتمعَ بدن كل طائر على ما كان عليه، وهو ينظر إلى قدرة الذي يقولُ للشيء: كن فيكون. وأتينَ إليه سعيًا، ليكونَ أبينَ له وأوضحَ لمشاهدته يأتين طيرانًا. ويقال: إنه أُمر أن يأخذَ رؤوسهنَّ في يده، فجعلَ كلُّ طائر يأتي فيُلقي رأسَه، فيتركَّبُ على جثَّته كما كان، فلا إله إلا اللّه. وقد كان إبراهيمُ ﵇ يعلمُ قدرة اللّه تعالى على إحياء الموتى علمًا يقينيًا، لا يحتمل النقيضَ، ولكنْ أحبَّ أنْ يُشاهدَ ذلك عيانًا، ويترقَّى من علم اليقين إلى عين اليقين، فأجابه اللّه إلى سؤاله، وأعطاه غاية مأموله.

стр. 340

وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٨] يُنكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين، كون الخليل على ملَّتِهم وطريقتهم، فبرَّأه اللّه منهم، وبيَّن كثرَةَ جهلهم وقلة عقلهم في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥] أي: فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعدَه بمدد متطاولة، ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥] إلى أن قال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] فبيَّن أنه كان على دين اللّه الحنيف، وهو القصدُ إلى الإخلاص والانحراف عمدًا عن الباطل إلى الحق الذي هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٤١] فنزَّه الله خليلَه ﵇ عن أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، وبيَّن أنه كان حنيفًا مسلمًا ولم يكن من المشركين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] يعني الذين كانوا على مِلَّتِهِ من اتباعه فى زمانه، ومن تمسَّك بدينه من بعدهم ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] يعني محمدًا ﷺ ، فإن الله شرعَ له الدِّينَ النيف الذي شرعه للخليل، وكمَّله اللّه تعالى له وأعطاه ما لم يُعْط نبيًا ولا رسولًا قبلَه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ

стр. 341

اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣]. وقال البخاري (١): حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، حَدَّثَنَا هشام، عن مَعْمر، عن أيُّوب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس: أنَّ النبيَّ ﷺ لما رأى الصُّوَرَ في البيت لم يدخلْ حتى أُمِر بها فمُحيت، ورأى إبراهيمَ وإسماعيلَ بأيديهما الأزلامُ، فقال: "قاتلَهم اللّه، واللّه إن استقسما بالأزلام قطّ". لم يخرِّجْه مسلم. وفي بعض ألفاظ البخاري (٢): "قاتلَهم الله، لقد علموا أن شيخنا لم يستقسمْ بها قطُّ". وقوله: ﴿أُمَّةً﴾ أي: قدوة، إمامًا مهتديًا داعيًا إلى الخير، يُقتدى به فيه ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] أي: خاشعًا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته ﴿حَنِيفًا﴾ أي مخلصًا على بصيرة: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١] قائمًا بشكر ربِّه بجميع جوارحِه من قلبه ولسانه وأعمالِه ﴿اجْتَبَاهُ﴾ أي: اختاره اللّه لنفسه واصطَفَاه لرسالته، واتَّخذه خليلًا، وجمعَ له بين خيري الدنيا والآخرة. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] يرغِّب تعالى في اتباع إبراهيم ﵇، لأنه كان على الدِّين القويم والصِّراط المستقيم، وقد قام بجميع ما أَمر به ربُّه، ومدحَه تعالى بذلك، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]، ولهذا اتَّخذه اللّه خليلًا، والخُفَةُ هي غاية المحبَّة، كما قال بعضُهم: [من الخفيف] قد تَخَلَّلْتَ مَسْلك الرُّوحِ مني … وبذا سُمِّي الخليلُ خليلًا (٣) وهكذا نالَ هذه المنزلة خاتمُ الأنبياء وسيِّدُ الرسل محمد صلواتُ اللّه وسلامه عليه، كما ثبت في الصحيحين (٤) وغيرهما: من حديث جُنْدب البَجليّ، وعبد اللّه بن عمرو، وابن مسعود، عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: "أيها الناس إن اللّه اتَّخذني خليلًا، كما اتَّخذَ إبراهيمَ خليلًا". وقال أيضًا في آخرِ خطبةٍ خطبَها: "أيُّها النَّاسُ لو كنتُ مُتَّخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكر خليلًا، ولكنَّ صاحبَكم خليلُ اللّه". أخرجاه من حديث أبي سعيد (٥). وثبت أيضًا من حديث عبد اللّه بن الزبير وابن عباس وابن مسعود.

стр. 342

وروى البخاريُّ في "صحيحه" (١): حَدَّثَنَا سليمان بن حرب، حَدَّثَنَا شعبة، عن حبيب بن جُبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إنَّ معاذا لما قدمَ اليمن صلَّى بهم الصُّبْح، فقرأ ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. فقال رجل من القوم: لقد قرَّت عينُ أُمِّ إبراهيم. وقال ابن مردويه (٢): حَدَّثَنَا عبدُ الرحيم بن محمد بن مسلم، حَدَّثَنَا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن يعقوب الجُوزجاني بمكَّة، حَدَّثَنَا عبدُ اللّه الحنفي، حَدَّثَنَا زَمْعة بن صالح، عن سلمةَ بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جلسَ ناسٌ من أصحاب رسول اللّه ﷺ ينتظرونه، فخرجَ حتى إذا دنا منهم سمعَهم يتذاكرون، فسمعَ حديثَهم، وإذا بعضُهم يقول: عَجبًا، إن اللّه اتَّخذَ من خلقه خليلًا، فإبراهيم خليله. وقال آخر: ماذا بأعجبَ اللّه كَلَّمَ موسى تكليمًا. وقال آخر: فعيسى روحُ الله وكلمتُه. وقال آخر: آدمُ اصطفاه اللّه. فخرجَ عليهم فسلَّم، وقال: "قد سمعتُ كلامَكم وعجبَكم أن إبراهيمَ خليلُ الله، وهو كذلك، وموسى كليمُه، وهو كذلك، وعيسى رُوحه وكلمتُه، وهو كذلك، وآدمُ اصطفاه اللّه، وهو كذلك. ألا وإني حبيبُ الله ولا فخرَ، ألا وإني أوَّلُ شافع وأوَّلُ مُشفع ولا فخر، وأنا أَوَّلُ منْ يُحرِّك حلقةَ باب الجنَّة فيفتحه اللّه، فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين، وأنا أكرم الأوَّلينَ والآخرين يوم القيامة، ولا فخر". هذا حديث غريب من هذا الوجه، وله شواهدُ من وجوه أخر، واللّه أعلم. ورواه الحاكم في مستدركه (٣): من حديث قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أتنكرون أن تكون الخُلَّة لإبراهيم، والكلامُ لموسى، والرؤية لمحمَّد، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمود بن خالد السُّلمي، حَدَّثَنَا الوليد، عن إسحاق بن بشَّار، قال: لما اتَّخذ اللّه إبراهيم خليلًا ألقى في قلبه الوجل، حتى إنْ كان خفقانُ قلبه ليُسمع من بُعد كما يُسمع خفقان الطير في الهواء (٤). وقال عُبيد بن عُمير: كان إبراهيمُ ﵇ يُضيِّفُ النَّاسَ، فخرجَ يومًا يلتمسُ إنسانًا يُضيِّفه، فلم يجد أحدًا يضيفه، فرجعَ إلى داره، فوجدَ فيها رجلًا قائمًا، فقالَ: يا عبد الله ما أدخلكَ داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربِّها. قال: ومنْ أنتَ؟ قال: أنا مَلَكُ الموتِ، أرسلني ربِّي إلى عبد من عباده أبشِّره بأن اللّه قد اتخذه خليلًا، قال: منْ هو؟ فوالله إنْ أخبرتني به، ثم كان بأقصى البلاد لآتينَّه،

стр. 343

ثم لا أبرحُ له جارًا، حتَّى يُفرِّقَ بيننا الموتُ. قال: ذلك العبدُ أنتَ. قال: أنا؟ قال: نعم. قال: فبم اتَّخذني ربِّي خليلًا؟ قال: بأنَّك تُعطي النَّاسَ ولا تسألُهم. رواه ابن أبي حاتم (١). وقد ذكره اللّه تعالى في القرآن كثيرًا في غير ما موضع بالثناء عليه. والمدح له. فقيل (٢): إنه مذكور في خمسة وثلاثين موضعًا، منها خمسة عشر في البقرة وحدها. وهو أحدُ أولي العزم الخمسة، المنصوص على أسمائهم تخصيصًا من بين سائر الأنبياء في آيتي الأحزاب والشورى، وهما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] الآية. ثم هو أشرفُ أُولي العزم بعد محمَّدٍ ﷺ ، وهو الذي وجده ﵇ في السماء السابعة، مسندًا ظهره بالبيت المعمور، الذي يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألفًا من الملائكة، ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم. وما وقع في حديث شريك بن أبي نَمِر، عن أنس، في حديث الإسراء (٣): من أنّ إبراهيمَ في السادسة، وموسى في السابعة، فممَّا انتُقد على شريكٍ في هذا الحديث، والصحيح الأول. وقال أحمد (٤): حدثنا محمد بن بشر، حَدَّثَنَا محمد بن عمرو، حَدَّثَنَا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إنَّ الكريمَ ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن". تفرَّد به أحمد (٥). ثم مما يدلُّ على أنَّ إبراهيمَ أفضلُ من موسى على الصحيح الحديث الذي قال فيه: "وأخَّرتُ الثالثة ليوم يرغبُ إليّ الخلقُ كلُّهم حتى إبراهيم" رواه مسلم من حديث أبي بن كعب ﵁ (٦). وهذا هو المقامُ المحمودُ الذي أخبرَ عنه صلواتُ اللّه وسلامه عليه بقوله: "أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يوم القيامة ولا فخر". ثم ذكرَ استشفاع الناس بآدمَ ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فكلُّهم يحيدُ عنها، حتى يأتوا محمد ﷺ : "فيقول: أنا لها، أنا لها" … الحديث (٧).

стр. 344

وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر (١)، ومسلم (٢)، والنسائي (٣)، من طرقٍ عن يحيى بن سعيد القَطَّان، عن عُبيد اللّه، وهو ابن عمر العُمَريّ به. قال البخاريُّ (٤): حَدَّثَنَا عليٌّ بن عبد اللّه، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا عبيد اللّه، حدَّثني سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله! من أكرم الناس؟ قال: "أتقاهم". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فيوسف نبي الله ابن نبي اللّه ابن نبي اللّه ابن خليل اللّه؟ ". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". ثم قال البخاري: قال أبو أسامة ومعتمر، عن عبيد اللّه، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . قلت: وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما (٥)، وحديث عبدة بن سليمان (٦)، والنسائي من حديث محمد بن بشر (٧)، أربعتُهم عن عبيد اللّه بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٨). وقال أحمد (٩): حَدَّثَنَا محمد بن بشر، حَدَّثَنَا محمد بن عمرو، حَدَّثَنَا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الكريمَ ابنَ الكريمَ ابن الكريم ابن الكريم يوسفُ بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللّه". تفرَّد به أحمد. وقال البخاري (١٠): حَدَّثَنَا عبدة، حَدَّثَنَا عبد الصمد عن (١١) عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "الكريمُ ابنُ الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". تفرَّد به من طريق عبد الرحمن بن عبد اللّه بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، به. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١٢): حَدَّثَنَا يحيى، عن سفيان، حدَّثني مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "يُحشرُ النَّاس حفاة عراة غرلًا، فأول من يُكسى إبراهيم

стр. 345

﵇" ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] " فأخرجَاه في الصحيحين (١): من حديث سفيان الثوري، وشعبة بن الحجَّاج (٢)، كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس به. وهذه الفضيلة المعيَّنة لا تقتضي الأفضليةَ بالنسبة إلى ما قابلَها مما ثبتَ لصاحب المقام المحمود، الذي يغبطُه به الأوَّلون والآخرون. وأما الحديث الآخر الذي قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع وأبو نعيم، حَدَّثَنَا سفيان هو الثوري، عن مختار بن فُلْفلٍ، عن أنس بن مالك، قال: قال رجل للنبي ﷺ : يا خيرَ البريَّة! فقال: "ذاكَ إبراهيم" (٣)، فقد رواه مسلم (٤) من حديث الثوري وعبد اللّه بن إدريس وعلي بن مسهر ومحمد بن فضيل أربعتُهم، عن المختار بن فلفل. وقال الترمذي (٥): حسن صحيح. وهذا من باب الهَضْم والتواضح مع والده الخليل ﵇، كما قال: "لا تُفضِّلوني على الأنبياء، وقال: لا تُفضِّلوني على موسى فإن الناس يُصعقونَ يومَ القيامة، فأكونُ أوَّلَ من يفيقُ، فأجدُ موسى باطشًا بقائمةِ العَرْشِ، فلا أدري أفاقَ قبلي أم جُوزي بصَعْقةِ الطُّور" (٦). وهذا كله لا ينافي ما ثبت بالتواتر عنه صَلواتُ اللّه وسلامُه عليه، من أنه سيد ولد آدم يومَ القيامة (٧). وكذلك حديث أُبيِّ بن كعب في صحيح مسلم: "وأخرْتُ الثالثةَ ليوم يرغبُ إليَّ الخلقُ كلُّهم حتى إبراهيم" (٨). ولما كان إبراهيمُ ﵇ أفضلَ الرسل وأولي العزم بعد محمَّد صلواتُ اللّه وسلامه عليهم أجمعين، أُمر المُصلِّي أن يقولَ في تشهده ما ثبتَ في الصحيحين: من حديث كعب بن عُجْرة وغيره، قال: قلنا: يا رسولَ اللّه! السلام عليك قد عرفناه، فكيفَ الصَّلاةُ عليك؛ قال: "قولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ على محمّد وعلى آل محمد، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وآل إبراهيم، وباركْ على محمَّد وعلى آل

стр. 346

محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، إنَّك حميدٌ مجيدٌ (١) ". وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] قالوا: وفي جميع ما أُمر به، وقامَ بجميع خصال الإيمان وشُعبه، وكان لا يَشغله مراعاة الأمر الجليل عن القيام بمصلحة الأمر القليل، ولا يُنسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصِّغار. قال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس [في قوله تعالى] (٢): ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] قال: ابتلاه اللّه بالطَّهارة: خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في الجسد، في الرأس: قصُّ الشارب، والمضمضة، والسِّواك، والاستنشاق، وفرْقُ الرأس. وفي الجسد: تقليمُ الأظفار، وحَلْقُ العانة، والخِتان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. رواه ابن أبي حاتم (٣)، وقال: وروي عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك. قلت: وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الفطرةُ خمسٌ: الختان، والاستحداد، وقصُّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (٤). وفي صحيح مسلم وأهل السنن (٥): من حديث وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة العبدري المكي الحجبي، عن طلق بن حبيب العَنَزي، عن عبد اللّه بن الزبير، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه ﷺ : "عَشْر من الفِطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسِّواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحَلْق العانة، وانتقاص الماء" - يعني: الاستنجاء (٦) - قال مصعب: ونسيتُ العاشرةَ إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع: انتقاص الماء. وسيأتي في ذكر مقدار عمره الكلام على الخِتان. والمقصودُ أنه ﵊ كان لا يَشغله القيامُ بالإخلاص لله وخشوع العبادة العظيمة، عن مراعاة مصلحة بدنه وإعطاء كلِّ عضوٍ ما يستحقه من الإصلاح والتحسين، وإزالة ما له

стр. 347

يُشيْن (١) من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قَلْحٍ (٢) أو وَسَخٍ، فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. ذكر قصره في الجنة قال الحافظ أبو بكر البزَّار (٣): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان القطَّان الواسطي، ومحمد بن موسى القَطَّان، قالا: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا حمَّاد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إنَّ في الجنَّةِ قصرًا - أحسبه قال - من لؤلؤة ليس فيه فَصْمٌ (٤) ولا وَهْيٌ (٥)، أعدَّه اللّه لخليله إبراهيم ﵇ نُزُلًا". قال البزار: وحَدَّثَنَاه أحمد بن حُمَيْد (٦) المروزي، حَدَّثَنَا النَّضْر بن شُمَيْل، حَدَّثَنَا حماد بن سَلمة، عن سِماك، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه. ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمُ رواه عن حمَّاد بن سلمةَ فأسندَه إلا يزيد بن هارون والنَّضْر بن شُمَيْل، وغيرهما يرويه موقوفًا. قلتُ: لولا هذه العِلَّة لكان على شرط الصحيح ولم يُخرِّجوه. ذكر قصة إبراهيم ﵇ قال الإمام أحمد (٧): حَدَّثَنَا يونس وحُجَين، قالا: حَدَّثَنَا الليث، عن أبي الزُّبير، عن جابر، عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: "عُرِضَ عليّ الأنبياءُ، فإذا موسى ضَرْبٌ من الرجال كأنَّه من رجالِ شنوءةَ، ورأيتُ عيسى ابن مريم فإذا أقربُ مَنْ رأيتُ به شبَهًا عروةُ بن مسعود، ورأيتُ إبراهيمَ، فإذا أقربُ منْ رأيتُ به شبَهًا دِحْية". تفرَّد به الإمام أحمد من هذا الوجه، وبهذا اللفظ. وقال أحمد (٨): حَدَّثَنَا أسودُ بن عامر، حَدَّثَنَا إسرائيلُ، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن مُجاهد، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "رأيتُ عيسى ابن مريم، وموسى، وإبراهيم، فأما عيسى: فأحمرُ جَعْدٌ عريضُ الصَّدْر. وأما موسى: فآدمُ، جَسِيْمٌ. قالوا له: فإبراهيمُ. قال: انظرُوا إلى صاحِبكم". يعني نفسه.

стр. 348

وقال البخاري (١): حَدَّثَنَا بيانُ بن عمرو، حَدَّثَنَا النَّضْر، أنبأنا ابنُ عون، عن مجاهد، أنَّه سمعَ ابن عبَّاس، وذكروا له الدجَّال بين عينيْه [مكتوب] كافر، أو (ك ف ر). فقال: لم أسمعْه، ولكنَّه قال ﷺ : "أما إبراهيمُ: فانظروا إلى صاحبكم. وأما موسى: فجَعْدٌ آدمُ، على جَملٍ أحمرَ مَخْطومٌ بخُلْبةٍ (٢)، كأني أنظرُ إليه انحدرَ في الوادي". وهكذا رواه البخاريُّ أيضًا في كتاب الحج (٣) وفي اللباس، ومسلم، جميعًا: عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عديّ، عن عبد اللّه بن عون به. * * * ذكر وفاة إبراهيم، وما قيل في عمره ذكرَ ابنُ جرير في تاريخه (٤): أن مولدَه كان في زمن النمرود بن كنعان، وهو فيما قيل: الضَّحَّاك المَلِكُ المشهورُ الذي يُقال: إنه مَلكَ ألف سنة، وكان في غاية الغشم والظلم. وذكرَ بعضُهم أنه من بني راسب الذين بُعثَ إليهم نوحٌ ﵈، وأنه كان إذ ذاكَ مَلكَ الدنيا. وذكروا أنه طلعَ نجمٌ أخفى ضوءَ الشمس والقمر، فهالَ ذلك أهلَ ذلك الزمان، وفزع النمرودُ، فجمعَ الكهنةَ والمُنجِّمينَ وسألَهم عن ذلك، فقالوا: يُولد مولود في رَعيَّتكَ يكونُ زوالُ مُلْككَ على يديْه، فأمرَ عند ذلك بمنع الرجال عن النساء، وأن يُقتَلَ المولودون من ذلك الحين، فكان مولدُ إبراهيم الخليل في ذلك الحين، فحماه اللّه وصانَه عن كيد الفُجَّار، وشبَّ شبابًا باهرًا، وأنبته اللّه نباتًا حسنًا، حتى كان من أمره ما تقدَّم، وكان مولدُه بالسوس، وقيل: ببابلَ، وقيل: بالسواد من ناحية كُوْثى (٥). وتقدَّم عن ابن عباس أنه وُلدَ ببرزةَ شرقيّ دمشق. فلما أهلك اللّه نمرودَ على يديْه وهاجرَ إلى حرَّان، ثم إلى أرض الشام، وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا، ووُلد له إسماعيل وإسحاق، وماتت سارَة قبلَه بقرية حَبْرُون التي في أرض كنعان، ولها من العمر مئة

стр. 349

وسبع وعشرون سنة، فيما ذكر أهل الكتاب، فحزنَ عليها إبراهيمُ ﵇ ورثاها رحمها اللّه، واشترى من رجل من بني حيث، يقال له: عفرون بن صخر مغارةً بأربعمئة مثقال، ودفنَ فيها سارَة هنالك. قالوا: ثم خطبَ إبراهيمُ على ابنه إسحاقَ، فزوَّجه "رفقا" بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح، وبعث مولاه فحملَها من بلادها ومعها مُرضعتها وجواريها على الإبل. قالوا: ثم تزوَّج إبراهيم ﵇ "قنطورا" فولدت له: زمران، ويقشان، ومادان، ومدين، وشياق، وشوح. وذكروا ما ولدَ كلُّ واحد من هؤلاء أولاد "فنطورا". وقد روى ابنُ عساكر عن غير واحد من السلف، عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيء مَلكِ الموت إلى إبراهيم ﵇ أخبارًا كثيرة اللّه أعلم بصحتها. وقد قيل: إنَّه مات فجأةً، وكذا داودُ وسليمان، والذي ذكرَه أهلُ الكتاب وغيرُهم خلافُ ذلك. قالوا: ثم مرض إبراهيم ﵇ وماتَ عن مئة وخمس وسبعين، وقيل: وتسعينَ سنة، ودُفن في المغارة المذكورة التي كانت بحبرون الحيثي، عند امرأته سارَة، التي في مزرعة عفرون الحيثي، وتولَّى دفنه إسماعيلُ وإسحاق صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين. وقد وردَ ما يدلُّ أنه عاشَ مئتي سنة، كما قاله ابن الكلبي. وقال أبو حاتم بن حِبَّان في صحيحه (١): أخبرنا المُفضَّل بن محمد الجَنَديُّ بمكة، حَدَّثَنَا علي بن زياد اللَّحَجيُّ، حدَّثنا أبو قرَّة، عن ابن جُرَيْج، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "اختتنَ إبراهيمُ بالقَدُوم وهو ابن عشرين ومئة سنة، وعاش بعد ذلك ثمانينَ سنة" وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم، وجعفر بن عَوْن العَمْري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد، عن أبي هريرة موقوفًا (٢). ثم قال ابن حبان (٣): ذكر الخبر المدحض (٤) قول من زعمَ أنَّ رفعَ هذا الخبر وَهمٌ: أخبرنا محمد بن عبد اللّه بن الجنيد بِبُسْتَ، حَدَّثَنَا قتيبةُ بن سعيد، حَدَّثَنَا الليثُ، عن ابن عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "اختتنَ إبراهيمُ حين بلغَ مئة وعشرين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة، واختتن بقَدُوم".

стр. 350

وقد رواه الحافظ ابن عساكر: من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وقد أتت عليه ثمانون سنة (١). ثم روى ابن حِبَّان (٢) عن عبد الرزاق: أنه قال: القَدُوم: اسم القرية. قلت: الذي في الصحيح (٣) أنه اختتنَ وقد أتتْ عليه ثمانون سنة، وفي رواية "وهو ابن ثمانين سنة" ولس فيهما تعرُّض لما عاش بعد ذلك، واللّه أعلم. وقال محمد بن إسماعيل الحيَّاني (٤) الواسطي: زاد في تفسير وكيع عنه - فيما ذكره من الزيادات - حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسَيِّب، عن أبي هريرة، قال: كان إبراهيمُ أوَّل من تسرولَ، وأوَّل من فَرَق، وأوَّل من استحدَّ، وأوَّل من اختتنَ بالقَدُوم، وهو ابن عشرين ومئة سنة، وعاشَ بعد ذلك ثمانينَ سنة، وأوَّل من قرى (٥) الضيف، وأوَّلَ من شابَ (٦). هكذا رواه موقوفًا، وهو أشبهُ بالمرفوع، خلافًا لابن حِبَّان، واللّه أعلم. وقال مالك: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسيِّب، قال: كان إبراهيمُ أَوَّلَ من أضافَ الضيفَ، وأَوَّل النَّاسِ اختتنَ، وأوَّل الناس قصَّ شاربَه، وأَوَّل النَّاسِ رأى الشَّيْبَ. فقال: يا ربِّ ما هذا؟ فقال اللّه: "وقارٌ" فقال: يا رب زِدْني وقارًا (٧). وزادَ غيرهما: وأوَّل منْ قصَّ شاربَه، وأوَّل من استحدَّ، وأولَ من لبس السراويلَ. فقبرُه وقبرُ ولده إسحاق، وقبرُ وَلَدِ وَلدهِ يعقوبَ في المُرَبَّعةِ التي بناها سليمانُ بن داود ﵇ ببلد حَبْرون، وهو البلد المعروف بالخليل اليوم، وهذا تُلُقِّيَ بالتواتر أُمَّةً بعد أُمةٍ وجيلًا بعد جيل، من زمن بني إسرائيل وإلى زماننا هذا؛ أن قبرَه بالمربعة تحقيقًا. فأمَّا تعيينه منها فليس فيه خبرٌ صحيح عن معصوم، فينبغي أنْ تُراعى تلك المَحَلَّة وأنْ تُحترم احترامَ مثلِها، وأن تُبَجَّل، وأنْ تُجل أن يُداس في أرجائها خشيةَ أن يكونَ قبرُ الخليل، أو أحدٌ من أولاده الأنبياء ﵈ تحتَها.

стр. 351

وروى ابن عساكر (١) بسنده إلى وَهْبِ بن مُنَبِّه قال: وُجِد عند قبر إبراهيم الخليل على حجر كتابة خلفه (٢): [من الرجز] ألهى جَهُولًا أمَلُهْ … يموتُ مَنْ جَا أجَلُهْ ومَنْ دَنا من حَتْفهِ … لم تُغنِ عَنْه حِيَلُهْ وكيفَ يَبْقَى آخِرٌ … مَنْ ماتَ عَنْهُ أوّلُهْ والمَرْءُ لا يَصْحبُهُ … في القبرِ إِلَّا عَمَلُهُ (٣) ذكر أولاد إبراهيم الخليل أَوَّل من وُلد له إسماعيلُ من هاجَرَ القِبْطيَّة المِصريَّة، ثم وُلد له إسحاق من سارَة بنت عمِّ الخليل، ثم تزوَّجَ بعدها "قنطورا" بنت يقطن الكنعانية، فولدتْ له ستةً: مدين، وزمران، وسرج، ونقشان، ونشق، ولم يُسمِّ السادسَ، ثم تزوَّجَ بعدها "حجون" بنت أهين، فولدت له خمسة: كيسان، وسورج، وأميم، ولوطان، ونافس. هكذا ذكره أبو القاسم (٤) السهيلي في كتابه "التعريف والإعلام". * * * [قصة قوم لوط ﵇] (٥) ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الأمور العظيمة قصَّة قوم لوط ﵇، وما حلَّ بهم من النقمة الغميمة (٦)، وذلكَ أن لوطًا بن هاران بن تارح - وهو آزر - كما تقدَّم، ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل، فإبراهيم وهاران وناحور إخوةٌ كما قدَّمنا، ويُقال: إن هاران هذا هو الذي بنى حَران، وهذا ضعيفٌ لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب، واللّه أعلم. وكان لوطٌ قد نزحَ عن محلَّة عمِّه الخليل ﵉ بأمره له وإذنه، فنزلَ بمدينة سَدُوم من أرض

стр. 352

غور زغر، وكان أَمَّ تلك المَحلَّة، ولها أرضٌ ومعتملات وقرى مضافة إليها، ولها أهلٌ من أفجرِ النَّاس وأكفرِهم وأسوئهم طويَّةٌ، وأردَاهم سريرة وسيرةً، يقطعونَ السبيلَ، ويأتون في ناديهم المنكر، ولا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون. ابتدعوا فاحشةً لم يسبقْهم إليها أحدٌ من بني آدم، وهي إتيانُ الذُّكْران من العالمين، وتركُ ما خلقَ اللّه من النِّسوان لعباده الصالحين، فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحدَه لا شريكَ له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات، والفواحش المنكرات، والأفاعيل المستقبحات، فتمادَوْا على ضلالهم وطُغيانهم، واستمرُّوا على فُجورهم وكُفْرَانهم، فأحلَّ اللّه بهم من البأس الذي لا يُردُّ ما لم يكن في خَلَدِهم وحُسْبَانهم، وجَعلَهم مُثْلةً في العالمين، وعبرةً يتعظُ بها الألِبَّاءُ من العالمين، ولهذا ذكرَ اللّه تعالى قِصَّتهم في غير ما موضع من كتابه المبين، فقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤]. وقال تعالى في سورة هود: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٦٩ - ٨٣]. وقال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ

стр. 353

وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٥١ - ٧٧]. وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٧٥]. وقال تعالى في سورة النمل: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٤ - ٥٨]. وقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٨ - ٣٥]. وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٣ - ١٣٨]. وقال تعالى في الذاريات بعد قصَّة ضيف إبراهيم، وبشارتهم إياه بغلام عليم: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣١ - ٣٧].

стр. 354

وقال في سورة القمر: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٣ - ٤٠]. وقد تكلَّمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السور في التفسير. وقد ذكرَ اللّه لوطًا وقومَه في مواضع أُخرَ من القرآن، تقدَّمَ ذِكرها مع قوم نوح وعادٍ وثمود، والمقصودُ الآن إيرادُ ما كانَ من أمرهم، وما أحلَّ اللّه بهم مجموعًا من الآيات والآثار، وباللّه المستعان. وذلك أنَّ لوطًا ﵇ لما دعاهم إلى عبادة اللّه وحدَه لا شريكَ له، ونهاهم عن تعاطي ما ذكرَ اللّه عنهم من الفواحش، فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به، حتى ولا رجل واحد منهم، ولم يتركُوا ما عنه نهُوا، بل استمرُّوا على حالهم، ولم يرعووا (١) عن غيِّهم وضَلالهم وهمُّوا بإخراج رسولهم من بين ظَهْرَانيهم، وما كانَ حاصلُ جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] فجعلوا غاية المدح ذمًّا يقتضي الإخراج، وما حملَهم على مقالتهم هذه إلا العناد واللجاج. فطهَّره اللّه وأهلَه إلا امرأته، وأخرجهم منها أحسنَ إخراج، وتركَهم في محلَّتهم خالدين، لكنْ بعدما صيَّرها عليهم بحرةً منتنةً ذات أمواج، لكنَّها عليهم في الحقيقة نار تأجَّج، وحرٌّ يتوهَّجُ، وماؤها مِلْحٌ أجال. وما كان هذا جوابُهم إلا لما نهاهم عن الطَّامَّةِ العظمى والفاحشة الكبرى، التي لم يسبقْهم إليها أحدٌ من أهل الدنيا، ولهذا صاروا مُثْلةً فيها، وعبرةً لمن عليها. وكانوا مع ذلك يقطعون الطريقَ، ويخونونَ الرفيقَ، ويأتون في ناديهم - وهو مجتمعهم ومحلّ حديثهم وسمرهم - المنكرَ من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه، حتى قيل: إنهم كانوا يتضارطُون في مجالسِهم ولا يستحيُونَ من مُجالسيهم، وربما وقعَ منهم الفعْلةُ العظيمةُ في المحافل، ولا يستنكفون، ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نميمة من ناقل (٢)، وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضلُّ سبيلًا، ولم يُقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر، ولا ندموا على ما سلفَ من الماضي، ولارامُوا في المستقبل تحويلًا، فأخذَهم اللّه أخذًا وبيلًا، وقالوا له فيما قالوا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، فطلبوا منهْ وقوعَ ما حذَّرهم من العذاب الأليم، وحلول البأس العظيم، فعند ذلك

стр. 355

دعا عليهم نبيُّهم الكريم، فسألَ من ربِّ العالمين وإله المرسلين، أن ينصرَه على القوم المفسدين، فغارَ لغَيْرتِه وغضب لغَضْبَتهِ، واستجابَ لدعوتِه، وأجابه إلى طُلْبَتهِ، وبعثَ رسلَه الكرام وملائكتَه العظام، فمرُّوا على الخليل إبراهيم، وبشَّرُوه بالغلام العليم، وأخبرُوه بما جاؤوا له من الأمر الجَسيم والخَطْب العَميم. ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣١ - ٣٤]. وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١، ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]. وذلك أنه كان يرجو أن يُنيبوا ويُسلموا، ويُقلعوا ويرجعوا، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٥، ٧٦] أي: أعرضْ عن هذا وتكلَّمْ في غيره، فإنه قد حتمَ أمرُهم، ووجبَ عذابُهم وتدميرُهم وهلاكُهم ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] أي: قد أَمر به من لا يُردُّ أمرُه، ولا يُردُّ بأسه، ولا مُعَقِّبَ لحكمِه ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦]. وذكر سعيدُ بن جُبير، والسُّدِّي وقتادة ومحمد بن إسحاق: أن إبراهيمَ ﵇ جعلَ يقول: "أتُهلكون قريةً فيها ثلاثمئة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: فمئتا مؤمن؟ قالوا: لا. قال: فأربعون مؤمنًا؟ قالوا: لا. قال: فأربعة عشرَ مؤمنًا؟ قالوا: لا، قال ابن إسحاق إلى أن قال "أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا. ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت: ٣٢] الآية (١) ". وعند أهل الكتاب أنه قال: يا ربِّ أتُهلكهم وفيهم خمسون رجلًا صالحًا؟ فقال الله: لا أُهلكهم وفيهم خمسونَ صالحًا. ثم تنازلَ إلى عشرة فقال الله: لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون. قال اللّه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] قال المفسرون: لما فصلتِ الملائكةُ من عند إبراهيم: جبريل وميكائيل وإسرافيل، أقبلوا حتى أتوا أرض سدُوم في صُور شبَّان حِسَان، اختبارًا من اللّه تعالى لقوم لوط، وإقامةً للحجَّة عليهم، فاستضافوا لوطًا ﵇ وذلك عند غروب الشمس، فخشيَ إنْ لم يُضْفهم يُضَيِّفهم غيرُه، وحسبَهم بشرًا من النَّاس ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]. قال ابن عبَّاس (٢) ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق: شديدٌ بلاؤُه. وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم، كما كان يصنعُ بهم في
следующие страницы →