← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

هي أحسن؛ برفقٍ ولين، ويعاملاه معاملةَ مَنْ يرجو أن يتذكّر أو يخشى، كما قال تعالى لرسوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ … ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. قال الحسن البصري: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: أعذرا إليه، قُولا له: إن لك ربًّا ولك معادًا، وإن بين يديك جنةً ونارًا (١). وقال وهْب بن مُنَبِّه: قولا له: إنِّي إلى العفو والمغفرة أقرب منِّي إلى الغضب والعقوبة (٢). وقال يزيد الرَّقَاشي (٣) عند هذه الآية: يا من يتحبّب إلى من يعاديه؛ فكيف بمن يتولّاه ويناديه. ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ وذلك أنّ فرعون كان جبارًا عنيدًا وشيطانًا مَريدًا، له سلطان في بلاد مِصر، طويل عريض، وجاه وجنود وعساكر وسطوة، فهاباه من حيث البشريةُ، وخافا أن يسطو عليهما في بادئ الأمر، فثبّتهما وهو العلى الأعلى فقال: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]. ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٧ - ٤٨]. يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبُدَه وحده لا شريك له، وأن يرسل معهم بني إسرائيل، ويُطلقهم من أسره وقهره، ولا يعذبهم ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾، وهو البرهان العظيم في العصا واليد ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ تقييدٌ مفيدٌ بليغٌ عظيمٌ. ثم تهدَّداه وتوعّداه على التكذيب فقالا: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ أي: كذّب بالحق بقلبه، وتولّى عن العمل بقالَبه. وقد ذكر السُّدِّي وغيره أنه لما قدم من بلاد مَدين دخل على أمّه وأخيه هارون، وهما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل (٤)؛ وهو اللِّفْتُ، فأكل معهما. ثم قال: يا هارون إنَّ الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى

стр. 457

عبادته، فقم معي، فقاما يقصدان باب فرعون، فإذا هو مغلق، فقال موسى للبوَّابين والحجَبة: أعلموه أنَّ رسولَ الله بالباب، فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به. وقد زعم بعضهم أنّه لم يؤذَن لهما عليه إلّا بعد حينٍ طويلٍ. وقال محمد بن إسحاق: أُذن لهما بعد سنتين، لأنّه لم يكُ أحدٌ يتجاسر على الاستئذان لهما (١)، فالله أعلم. ويقال: إنّ موسى تقدَّم إلى الباب فطرقه بعصاه، فانزعج فرعون، وأمر بإحضارهما، فوقفا بين يديه، فدعواه إلى الله كما أمرهما. وعند أهل الكتاب: أن الله قال لموسى ﵇: إن هارون اللاوي، يعني الذي من نسل لاوي بن يعقوب، سيخرج ويتلقّاك، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون، وأمره أن يُظهر ما أتاه من الآيات، وقال له: سأُقسّي قلبه فلا يرسل الشعب، وأُكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر. وأوحى الله تعالى إلى هارون أن يخرج إلى أخيه يتلقّاه بالبرّيَّة عند جبل حوريب، فلما تلقّاه أخبره موسى بما أمره به ربّه، فلما دخلا مِصر جمعا شيوخ بني إسرائيل، وذهبا إلى فرعون، فلما بلَّغاه رسالة الله، قال: مَنْ هو الله؟ لا أعرفه، ولا أُرْسِلُ بني إسرائيل. وقال الله تعالى مخبرًا عن فرعون: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٥]. يقول تعالى، مخبرًا عن فرعون: إنّه أنكر إثبات الصّانع تعالى قائلًا: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، أي: هو الذي خلق الخلق، وقدَّر لهم أعمالًا وأرزاقًا وآجالًا، وكتب ذلك عنده في كتابه اللّوحِ المحفوظ، ثمّ هدى كل مخلوقٍ إلى ما قدَّره له، فطابَقَ عمله فيهم على الوجه الذي قدّره وعَلِمَه لكمال علمه وقدرته وقدره. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣] أي: قدّر قدرًا وهدى الخلائق إليه. ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ يقول فرعونُ لموسى: فإذا كان ربُّك هو الخالق المقدِّر، الهادي الخلائق لما قَدَّره، وهو بهذه المثابة من أنّه لا يستحقُّ العبادة سواه، فلِمَ عبد الأوَّلون غيرَه، وأشركوا به من

стр. 458

الكواكب والأنداد ما قد علمت، فهلَّا اهتدى إلى ما ذكرته القرونُ الأولى؟! ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ أي: هم وإن عبدوا غيرَه، فليس ذلك بحجةٍ لك، ولا يدلُّ على خلافِ ما أقول؛ لأنَّهم جهلة مثلك، كل شيءٍ فعلوه مستطرٌ عليهم في الزُّبر من صغيرٍ وكبيرٍ، وسيجزيهم على ذلك ربِّي ، ولا يظلم أحدًا مثقال ذرَّة، لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتابٍ لا يضلُّ عنه شيءٌ، ولا ينسى ربي شيئًا. ثُمَّ ذكر له عظمة الرَّبّ وقدرته على خلق الأشياء، وجَعْلِه الأرضَ مهادًا والسماءَ سقفًا محفوظًا، وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد ودوابّهم وأَنعامهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ أي: لذوي العقول الصحيحة المستقيمة، والفِطَر القويمة غير السَّقيمة (١)، فهو تعالى الخالق الرازق. وكما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] ولما ذكر إحياء الأرض بالمطر، واهتزازها بإخراج نباتها فيه، نبَّه به على المعاد فقال: ﴿مِنْهَا﴾، أي: من الأرض خلقناكم ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧]. ثم قال تعالى (٢): ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٦ - ٥٩]. يخبر تعالى عن شَقاء فرعون، وكثرة جهله، وقلّة عقله في تكذيبه بآيات الله، واستكباره عن اتِّباعها، وقوله لموسى: إن هذا الذي جئت به سحرٌ، ونحن نعارضك بمثله، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقتٍ معلومٍ، ومكان معلومٍ، وكان هذا من أكبر مقاصد موسى ﵇ أن يُظهر آياتِ الله وحججه، وبراهينه جَهْرة بحضرة النَّاس، ولهذا قال: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، وكان يوم عيدٍ من أعيادهم، ومجتمع لهم، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ أي: من أَوَّل النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس، فيكون الحقّ أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلًا في ظلامٍ، كيما يروج عليهم محالًا وباطلًا، بل طلب أن يكون نهارًا جهرةً لأنه على بصيرة من ربّه، ويقينٍ أن الله سيظهرُ كلمته ودينه؛ وإن رغمت أنوف القبط.

стр. 459

قال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٠ - ٦٤]. يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سَحَرةً فضلاء في فنّهم غاية، فجمعوا له من كلِّ بلدٍ، ومن كلّ مكان، فاجتمع منهم خلقٌ كثيرٌ وجَمٌّ غفيرٌ، فقيل: كانوا ثمانين ألفًا، قاله محمد بن كعب. وقيل: سبعين ألفًا، قاله القاسم بن أبي بَزَّة (١). وقال السُّدِّي: بضعة وثلاثين ألفًا. وعن أبي أمامة: تسعة عشر ألفًا. وقال محمد بن إسحاق: خمسة عشر ألفًا. وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفًا (٢). وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: كانوا سبعين رجلًا، وروي عنه أيضًا: أنّهم كانوا أربعين غلامًا من بني إسرائيل، أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء فيتعلَّموا السّحر، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: ٧٣] وفي هذا نظر. وحضر فرعون، وأمراؤه، وأهل دولته، وأهل بلده عن بَكرة أبيهم (٣). وذلك أنّ فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم، فخرجوا وهم يقولون: لعلّنا نتّبع السّحرة إن كانوا هم الغالبين. وتقدّم موسى ﵇ إلى السّحرة فوعظهم، وزجرهم عن تعاطي السّحر الباطل الذي فيه معارضةٌ لآيات الله وحججه فقال: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قيل: معناه أنّهم اختلفوا فيما بينهم؛ فقائل يقول: هذا كلام نبي وليس بساحر، وقائل منهم يقول: بل هو ساحر، فالله أعلم. وأسرّوا التناجي بهذا وغيره ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ يقولون: إنَّ هذا وأخاه هارون ساحرانِ (٤) عليمان مطبقان متقنان لهذه الصِّناعة، ومرادهم أن يجتمع النّاس عليهما، ويصولا على الملك وحاشيته، ويستأصلاكم عن آخركم، ويستأمر (٥) عليكم بهذه الصناعة، ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾.

стр. 460

وإنما قالوا الكلام الأوّل ليتدبّروا ويتواصَوا ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة، والمكر، والخديعة، والسِّحر، والبُهتان، وهيهات، كذبت والله الظنون، وأخطأت الآراء. أنّى يعارِضُ البهتان، والسحرُ والهذيان، خَوارقَ العادات التي أجراها الدَّيَّان، على يدي عبده الكليم، ورسوله الكريم المؤيد بالبرهان الذي يبهر الأبصار، وتحار فيه العقول والأذهان. وقولهم: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: جميع ما عندكم ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: جملةً واحدةً، ثمّ حَضُّوا بعضهم بعضًا على التقدّم في هذا المقام، لأن فرعون كان قد وعدهم ومَنَّاهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٥ - ٦٩]. لما اصطفّ السَّحرةُ، ووقف موسى وهارون ﵉ تجاههم قالوا له: إمّا أن تلقيَ قبلنا، وإما أن نلقيَ قبلك. ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ أنتم، وكانوا قد عمدوا إلى حبالٍ وعِصِيٍّ، فأودعوها الزئبقَ وغيرَه من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابًا يخيل للرائي أنّها تسعى باختيارها، وإنّما تتحرَّك بسبب ذلك. فعند ذلك سحروا أعين النَّاس، واسترهبوهم، وألقَوا حبالهم وعصيَّهم وهم يقولون: بعزَّة فرعون إنّا لنحن الغالبون (١). قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ [الأعراف: ١١٦]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ أي: خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يُلْقِيَ ما في يده فإنه لا يصنع شيئًا قبل أن يُؤمَر، فأُوحيَ إليه فى السَّاعة الراهنة ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال: ما جئتم به السِّحرُ إن الله سيُبْطِله إن الله لا يُصْلِحُ عمل المفسدين ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى (٢) عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨ - ١٢٢] وذلك أن موسى ﵇ لمَّا ألقاها صارت حيةً عظيمة ذات قوائم -فيما ذكره غيرُ

стр. 461

واحد من علماء السّلف- وعُنُقٍ عظيم، وشكلٍ هائل مزعجٍ، بحيث إنّ النَّاس انحازوا منها وهَربوا سِراعًا، وتأخّروا عن مكانها، وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعِصيّ فجعلت تلقفه واحدًا واحدًا في أسرع ما يكون من الحركة، والنّاس ينظرون إليها ويتعجّبون منها. وأما السَّحَرة فإنهم رأوا ما هالَهم وحيّرهم في أمرهم، واطَّلعوا على أمر لم يكن في خَلَدهم ولا بالهم، ولا يدخل تحت صناعاتهم وأشغالهم. فعند ذلك، وهنالك تحقَّقوا بما عندهم من العلم أن هذا ليس بسحر، ولا شَعْبَذة، ولا محالٍ، ولا خيالٍ، ولا زورٍ، ولا بهتانٍ، ولا ضلالٍ، بل حق لا يقدر عليه إلا الحقّ الذي ابتعث هذا المؤيَّدَ به بالحقّ، وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة وأنارها بما خَلَق فيها من الهدى، وأزاح عنها القسوة، وأنابوا إلى ربِّهم وخرّوا له ساجدين، وقالوا جَهْرةً للحاضرين، ولم يخشوا عقوبةً ولا بلوَى ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ كما قال تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٠ - ٧٦]. قال سعيد بن جُبيرٍ، وعكرمة، والقاسم بن أبي بَزَّة، والأوزاعي، وغيرُهم: لمَّا سجد السَّحَرة رأوا منازلَهم وقصورَهم في الجنة تُهَيّأ لهم، وتُزَخْرَف لقدومهم، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون، وتهديده، ووعيده، وذلك لأن فرعون لمّا رأى هؤلاء السَّحَرةَ قد أسلموا، وأشهروا ذِكر موسى وهارون في النّاس على هذه الصِّفة الجميلة، أفزعه ذلك، ورأى أمرًا بهره، وأعمى بصيرته وبصره، وكان فيه كيدٌ، ومكرٌ، وخداع، وصنعة بليغة في الصدِّ عن سبيل الله، فقال مخاطبًا للسَّحرة بحضرة الناس: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: هلّا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيّتي، ثُمَّ تهدَّدَ، وتوعّد، وأبرق، وأرعد، وكذَّب فأبعد قائلًا: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣]. وهذا الذي قاله من البهتان الذي يعلم كل عاقل (١) ما فيه من الكفر، والكذب، والهذيان، بل لا يروج مثلا (٢) على الصِّبيان، فإنَّ الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أنّ موسى لم يَرَه هؤلاء يومًا من الدَّهر، فكيف يكون كبيرهم الذي علّمهم السِّحر. ثم هو لم يجمعهم ولا علم باجتماعهم حتى كان

стр. 462

فرعون هو الذي استدعاهم، واجتباهم من كلِّ فجٍّ عميقٍ، ووادٍ سحيقٍ، ومن حواضر بلاد مصر والأطراف، ومن المدن والأرياف. قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الآيات: ١٠٣ - ١٢٦]. وقال تعالى في سورة يونس: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الآيات: ٧٥ - ٨٢]. وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ

стр. 463

وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الآيات: ٢٩ - ٥١]. والمقصود أن فرعون كذب وافترى، وكفر غاية الكفر في قوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، وأتى ببهتان يعلمه العالِمون، بل العالَمون في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني: يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه، ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: ليجعلهم مثلة ونكالًا لئلَّا يقتدي بهم أحد من رعيته وأهل مِلَّته، ولهذا قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على جذوع النخل؛ لأنَّها أعلى وأشهر ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ يعني: في الدنيا. ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: لن نُطيعَكَ وَنَترك ما وَقَر في قلوبنا من البيّنات والدلائل القاطعات ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ قيل: معطوف، وقيل: قَسَم، ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي: فافعل ما قدرت عليه ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: إنَّما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا، فإذا انتقلنا منها إلى الدار الآخرة؛ صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له، واتبعنا رسله ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي: وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب ﴿وَأَبْقَى﴾ أي: وأَدْوم من هذه الدار الفانية. وفي الآية الأخرى: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ أي: ما اجترمناه من المآثم والمحارم ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من القبط، بموسى وهارون ﵉. وقالوا له أيضًا: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ أي: ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاءنا به رسولنا واتِّباعنا آيات ربنا لمَّا جاءتنا، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: ثَبّتنا على ما ابتُلينا به من عقوبة هذا الجبَّار العنيد، والسلطان الشديد، بل الشيطان المريد ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. وقالوا له (١) أيضًا يعظونه، ويخوّفونه بأس ربّه العظيم: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، يقولون له: فإيّاك أن تكون منهم، فكان منهم ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ أي: المنازل العالية ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾، فاحرص أن تكون منهم، فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تُغالَب ولا تمانَع، وحكم العليُّ العظيم بأن فرعون لعنه الله من أهل الجحيم، ليباشر العذاب الأليم، يُصبُّ من فوق رأسه الحميم، ويقال له على

стр. 464

وجه التقريع والتوبيخ، وهو المقبوح المنبوح (١) الذَّميم اللَّئيم: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]. والظّاهر من هذه السياقات (٢) أن فرعون لعنه الله، صلبهم وعذَّبهم، ﵃. قال عبد الله بن عباس، وعُبيد بن عُمير: كانوا من أوّل النّهار سَحَرة فصاروا من آخره شهداء بَرَرة. ويؤيّد هذا قولهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. * * * فصل ولمَّا وقع ما وقع من الأمر العظيم، وهو الغَلَبُ الذي غُلِبَتْهُ القِبط في ذلك الموقف الهائل، وأسلم السَّحَرة الذين استنصروا بهم (٣)، لم يزِدْهم ذلك إلا كُفرًا وعِنادًا وبُعدًا عن الحق. قال الله تعالى بعد قَصَصِ ما تقدَّم في سورة الأعراف: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الآيات: ١٢٧ - ١٢٩]. يخبر عَنِ الملأ من قوم فرعون، وهم الأمراء والكبراء، أنّهم حَرَّضوا ملِكهم فرعون على أذيّة نبى الله موسى ﵇، ومقابلته بدل التصديق بما جاء به بالكفر والردِّ والأذى فقالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ يعنون -قَبَّحهم اللهُ- أن دعوته إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والنهيَ عن عبادة ما سواه، فسادٌ بالنسبة إلى اعتقاد القِبط، لعنهم الله. وقرأ بعضهم (٤):

стр. 465

﴿ويذرك وإِلهتك﴾ أي: وعبادتك (١) ويَحتمل شيئين: أحدهما: ويذر دينك، وتقوّيه القراءة الأخرى. الثَّاني: ويذر أنْ يعبدَك، فإنّه كان يزعم أنّه إلهٌ، لعنه الله. ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، أي: لئلَّا يكثر مقاتِلتهم، ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾، أي: غالبون. ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: إذا همّوا هم بأذيَّتكم، والفتكِ بكم، فاستعينوا أنتم بربِّكم، واصبروا على بليَّتكم ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: فكونوا أنتم من (٢) المتقين لتكونَ لكم العاقبة، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٤ - ٨٦]. وقولهم: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ أي: قد كانت (٣) الأبناء تُقَتَّل قبل مجيئك، وبعد مجيئك إلينا ﴿جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. وقال الله تعالى في سورة ﴿حم﴾ المؤمن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣ - ٢٤] وكان فرعون الملك، وهامان الوزير، وكان قارون (٤) إسرائيليًّا من قوم موسى، إلّا أنّه كان على دين فرعون وَمَلَئِهِ، وكان ذا مالٍ جَزيلٍ جدًّا، كما ستأتي قِصَّته فيما بعد إن شاء الله تعالى. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٥] وهذا القتلُ للغلمان من بعد بعثة موسى إنَّما كان على وجه الإهانة، والإذلال، والتقليل لملأ بني إسرائيل لئلَّا يكون لهم شوكةٌ يمتنعون بها، أو يصولون على القِبْط بسببها، وكانت القبط منهم يحذرون، فلم ينفعهم ذلك، ولم يردّ عنهم قدر الله الذي يقول للشيء كُنْ فَيَكُون. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]. ولذا يقول الناس على سبيل التهكّم: صار فرعون مُذَكِّرًا، وهذا منه، فإن فرعون في زعمه يخاف على النَّاس أن يضلهم موسى ﵇. ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧]. أي: عذت

стр. 466

بالله، ولجأت إليه واستجرت (١) بجنابه من أن يَسْطُوَ فِرْعَونُ وغيرُه عليَّ بسوءٍ. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي: جبَّار عنيدٍ لا يَرْعَوي، ولا ينتهي، ولا يخافُ عذابَ الله وعقابه (٢)؛ لأنّه لا يعتقد معادًا ولا جزاءً. ولهذا قال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٧ - ٢٩]. هذا الرجل هو ابن عمِّ فرعون، وكان يكتم إيمانه من قومه خوفًا منهم على نفسه. وزعم بعض النّاس أنَّه كان إسرائيليًا، وهو بعيدٌ ومخالف لسياق الكلام لفظًا ومعنى، والله أعلم. قال ابن جُرَيج: قال ابن عباس: لم يُؤْمِن من القِبط بموسى إلّا هذا، والذي جاء من أَقْصى المدينة، وامرأةُ فرعون. رواه ابن أبي حاتم. قال الدَّارَقُطْني: لا يُعْرف من اسمُه شمعان، بالشين المعجمة، إلا مؤمن آل فرعون، حكاه السّهيلي (٣). وفي تاريخ الطبري أن اسمه: خير، فالله أعلم. والمقصود أنَّ هذا الرجل كان يكتم إيمانَه، فلما هَمَّ فرعون لعنه الله بقتل موسى ﵇ وعزم على ذلك، وشاور ملأه فيه، خاف هذا المؤمن على موسى، فتلطَّف في ردِّ فرعون بكلامٍ جمع فيه الترغيبَ والترهيبَ، فقال على وجه المشورة والرَّأي، وقد ثبت في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أَفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائرٍ" (٤). وهذا من أعلى مراتب هذا المقام، فإن فرعون لأشد جَوْرًا منه، وهذا الكلام لا أعدل منه، لأن فيه عصمة نبي. ويحتمل أنَّه كاشرهم (٥) بإظهار إيمانه، وصرَّح لهم بما كان يكتمه، والأوَّل أظهر. والله أعلم. قال ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ أي: من أجل أنَّه قال: ربي الله، فمثل هذا لا يقابَل بهذا؛ بل بالإكرام والاحترام، أو الموادعة وترك الانتقام، يعني لأنّه إن ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي:

стр. 467

بالخوارق التي دلَّت على صدقه فيما جاء به عمَّن أرسله، فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامةٍ لأنه ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، ولا يضرّكم ذلك، ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ وقد تعرّضتم له ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي: وأنتم تشفقون أن ينالكم أيسر جزاءٍ مما يتوعدكم به، فكيف بكم إن حلَّ جميعه عليكم. وهذا الكلام في هذا المقام من أعلى مقامات التلطُّف، والاحتراز، والعقل التام. وقوله: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ يُحذِّرهم أن يُسلبوا هذا الملك العزيز فإنَّه ما تعرّض الدول للدِّين إلا سُلبوا مُلْكَهم وذلّوا بعد عزِّهم، وكذا وقع لآل فرعون؛ ما زالوا في شك، وريبٍ، ومخالفةٍ، ومعاندةٍ لما جاءهم موسى به حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك والأملاك، والدُّور والقصور والنِّعمة والحبور، ثمّ حوِّلوا إلى البحر مهانين، ونُقِلَتْ أرواحهم بعد العلوّ والرِّفعة إلى أسفل السّافلين. ولهذا قال هذا الرجل المؤمن الصّادق (١) البارُّ الراشد، التابع للحقّ، الناصح لقومه، الكامل العقل: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: عالين على الناس حاكمين عليهم ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ أي: لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدّة، والقوَّة والشدّة لما نفعنا ذلك، ولا ردّعنا بأس مالك الملك. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ أي: في جواب هذا كلِّه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ أي: ما أقول لكم إلا ما عندي، ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وكذب في كل من هذين القولين، وهاتين المقدِّمتين، فإنّه قد كان يتحقَّق في (٢) باطنه وفي نفسه أنّ هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة، وإنّما كان يُظْهِرُ خلافه بغيًا وعدوانًا وعتوًّا وكفرانًا. قال الله تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال له (٣): ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٢ - ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٣ - ١٤]. وأما قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، فقد كذب أيضًا، فإنّه لم يكن على رشادٍ من الأمر، بل كان على سَفَهٍ وضلالٍ وخَبَلٍ وخَيالٍ، فكان أولًا ممن يعبد الأصنام والأمثال، ثم دعا قومه الجَهَلَةَ الضُّلَّالَ إلى أن اتَّبعوه وطاوعوه وصدَّقوه فيما زعم من الكفر المحال في دعواه أنّه ربٌّ، تعالى الله ذو الجلال (٤).

стр. 468

قال الله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٦]. وقال تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٠ - ٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٦ - ٩٩]. والمقصود بيان كذبه في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾، وفي قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٢٩ - ٣٥]. يحذِّرهم وليُّ الله إن كذبوا برسول الله موسى أن يَحُلَّ بهم ما حلَّ بالأمم من قبلهم من النقمات والمثُلات (١)، مما تواتر عندهم، وعند غيرهم ما حلَّ بقوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ ومَن بعدهم إلى زمانهم، ذلك مما أقام الله به الحجج على أهل الأرض قاطبةً في صدق ما جاءت به الأنبياء لما أنزل من النقمة بمكذِّبيهم من الأعداء، وما أنجى الله من اتَّبعهم من الأولياء، وخوَّفهم يومَ القيامة، وهو ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ أي: حين ينادي الناسُ بعضهم بعضًا، حين يولون -إن قدروا على ذلك-، ولا إلى ذلك سبيل ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٢]. وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٣ - ٣٦]. وقرأ بَعْضُهُم (٢) ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾، بتشديد الدال: أي: يوم الفرار، ويحتمل أن يكون يوم القيامة،

стр. 469

ويحتمل أن يكون يوم يُحِلُّ الله بهم البأس فيريدون (١) الفرار ولاتَ حِيْنَ مَناص. ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢ - ١٣]. ثم أخبرهم عن نبوَّة يوسف في بلاد مصر وما كان منه من الإحسان إلى الخلق في دنياهم وأخراهم، وهذا من سلالته وذريته، ويدعو النَّاس إلى توحيد الله تعالى وعبادته، وأن لا يشركوا به أحدًا من بريّته، وأخبر عن أهل الديار المصرية في ذلك الزمان، أن من سجيَّتهم التكذيب بالحق ومخالفة الرسل، ولهذا قال: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ أي: وكذّبتم في هذا، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي: يردّون حجج الله وبراهينه ودلائل توحيده بلا حجّة ولا دليل عندهم من الله، فإن هذا أمر يمقته (٢) الله غاية المقت، أي يبغض من تلَبَّس به من الناس، ومن اتَّصَف به من الخلق ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾، قُرئ بالإضافة وبالنعت (٣)، وكلاهما متلازم، أي: هكذا إذا خالفت القلوب الحقّ ولا تخالفه إلا بلا برهان، فإن الله يطبع عليه أي يختم عليها (٤). ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]. كذّب فرعونُ موسى ﵇ في دعواه أن الله أرسله، وزَعْمُ فرعونَ لقومه ما كذبه وافتراه في قوله لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وقال هاهنا: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: طُرُقها ومَسَالِكها، ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾. ويحتمل هذا معنيين: أحدهما: وإني لأظنه كاذبًا في قوله: إن للعالم ربًّا غيري. والثاني: في دعواه أن الله أرسله. والأوّل أشبه بظاهر حال فرعون، فإنه كان ينكر ظاهر إثبات الصانع (٥)، والثاني أقرب إلى اللفظ حيث قال: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ أي: فأسأله. هل أرسله أم لا ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ أي: في دعواه ذلك. وإنما كان مقصود فرعون أن يَصُدَّ النّاس عن تصديق موسى ﵇ وأن يحثّهم على تكذيبه. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾،

стр. 470

وقُرئ (١): ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: يقول: إلّا في خسار، أي: باطل لا يحصل له شيء من مقصوده الذي رامه، فإنّه لا سبيل للبشر أن يتوصّلوا بقواهم إلى نيل السماء أبدًا، أعني السماء الدنيا، فكيف بما بعدها من السماوات العُلى وما فوق ذلك من الارتفاع الذي لا يعلمه إلا الله (٢). وذكر غير واحد من المفسّرين أن هذا الصرح، وهو القصر الذي بناه وزيره هامان له، لم يُرَ بناءٌ أعلى منه، وإن كان مبنيًا من الآجرِّ المشويِّ بالنار، ولهذا قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾. وعند أهل الكتاب أن بني إسرائيل كانوا يُسَخَّرون في ضرب اللَّبِن، وكان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنهم لا يُساعدون على شيء مما يحتاجون إليه فيه، بل كانوا هم الذين يجمعون تُرابه وتِبنه ومَاءه، ويُطلب منهم في كلِّ يوم قسط معين، إنْ لم يفعلوه وإلَّا ضُربوا وأُهينوا غاية الإهانة، وأُوذوا غاية الأَذِيَّةِ. ولهذا قالوا لموسى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، فوعدهم بأن العاقبة لهم على القبط وكذلك وقع، وهذا من دلائل النبوة. ولنرجع إلى نصيحة المؤمن، وموعظته، واحتجاجه قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٣٨ - ٤٠] يدعوهم ﵁ إلى طريق الرشاد والحق، وهي متابعة نبي الله موسى وتصديقه فيما جاء به من ربه، ثم زهَّدهم في الدنيا الدنيَّة الفانية المنقضية لا محالة، ورغّبهم في طلب الثواب عند الله الذي لا يضيع عمل عامل لديه، القدير الذي ملكوت كل شيء بيديه، الذي يعطي على القليل كثيرًا، ومِن عدله لا يجازي على السيئة إلا مثلها. وأخبرهم أن الآخرة هي دار القرار؛ التي مَن وافاها مؤمنًا قد عمل الصالحات فلهم الجنات العاليات والغرف الآمنات، والخيرات الكثيرة الفائقات، والأرزاق الدائمة التي لا تبيد. والخير الذي كل ما لهم منه في مزيد. ثم شرع في بيان إبطال ما هم عليه، وتخويفهم مما يصيرون إليه فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ

стр. 471

أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١) [غافر: ٤١ - ٤٦]. كان يدعوهم إلى عبادة ربّ السماوات والأرض، الذي يقول للشيء: كن فيكون، وهم يدعونه إلى عبادة فرعون الجاهل الضال الملعون، ولهذا قال لهم على سبيل الإنكار: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾، ثمّ بيّن لهم بطلان ما هم عليه من عبادة ما سوى الله من الأنداد والأوثان، وأنها لا تملك من نفعٍ ولا إضرار (٢) فقال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي: لا تملك تصرّفًا ولا حكمًا في هذه الدار، فكيف تملكه يوم القرار. وأَمَّا الله فإنه الخالق الرازق للأبرار والفجّار، وهو الذي أحيا العباد ويميتهم ويبعثهم فيدخل طائعهم الجنة وعاصيهم إلى النار. ثُمَّ توَّعَدهم إنْ هم استمروا على العناد بقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال الله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: بإنكاره سَلِم مما أصابهم من العقوبة على كفرهم بالله ومكرهم في صدِّهم عن سبيل الله، مما أظهروا للعامة من الخيالات والمحالات التي لبَّسوا بها على عوامّهم وطَغَامهم (٣)، ولهذا قال: ﴿وَحَاقَ﴾ أي: أحاط ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أي: تُعرض أرواحهم في برزخهم صباحًا ومساءً على النار ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وقد تكلَّمنا على دلالة هذه الآية على عذاب القبر في "التفسير" (٤) ولله الحمد. والمقصود أنّ الله تعالى لم يُهلكهم إلا بعد إقامة الحجج عليهم، وإرسال الرسول إليهم، وإزاحة الشُبه عنهم، وأخذ الحجَّة عليهم منهم، فبالترهيب تارةً والترغيب أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠ - ١٣٣].

стр. 472

يخبر تعالى أنه ابتلى آل فرعون، وهم قومه من القبط، بالسِّنين: وهي أعوام الجَدْب التي لا يُستغل فيها زرع ولا يُنتفع بضرع، وقوله: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. وهي قلّة الثمار من الأشجار ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: فَلَم ينتفعوا ولم يرعَوُوا، بل تمرّدوا واستمروا على كفرهم وعنادهم ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ وهو الخصب ونحوه، ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: هذا الذي نستحقّه، وهذا الذي يليق بنا، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: يقولون: هذا بشؤمهم أصابنا هذا، ولا يقولون في الأوَّل إنه بركتُهم وحسن مجاورتهم، ولكنْ قلوبهم منكرة مستكبرة، نافرة عن الحق، إذا جاء الشرُّ أسندوه إليه، وإن رأوا خيرًا ادَّعوه لأنفسهم. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الله يجزيهم على هذا أوفر الجزاء ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: مهما جئتنا به من الآيات، وهي الخوارق للعادات، فلسنا نؤمن بك ولا نتَّبعك ولا نطيعك ولو جئتنا بكلِّ آية. وهكذا أخبر الله عنهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أما الطوفان، فعن ابن عباس: هو كَثْرةُ الأمطار المُتْلِفَةِ للزروع والثمار. وبه قال سعيد بن جُبير وقتادة والسُّدِّي والضحَّاك. وعن ابن عباس وعطاء: هو كثرة الموت (١). وقال مجاهد الطوفان: الماء والطاعون على كل حال. وعن ابن عباس: أمرٌ طافَ (٢) بهم. وقد روى ابن جرير، وابن مردويه، من طريق يحيى بن يَمَان، عن المنهال بن خليفة، عن الحجَّاج، عن الحكم بن مِيْنا، عن عائشة، عن النبي ﷺ "الطُّوفانُ الموْتُ" (٣) وهو غريب. وأما الجراد: فمعروف. وقد روى أبو دَاود (٤)، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي قال: سُئل رسول الله عن الجراد فقال: "أكْثَرُ جُنُوْدِ اللهِ لا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ" وترك النبي ﷺ أكله إنما هو على وجه التقذُّر له، كما ترك أكل الضَّبِّ، وتنزَّه عن أكل البَصَل والثوم والكرَّاث؛ لما ثبت في "الصحيحين" (٥) عن عبد الله بن أبي أَوْفى قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكلُ الجراد.

стр. 473

وقد تكلّمنا على ما ورد فيه من الأحاديث والآراء في "التفسير" (١) والمقصود أنه استاف (٢) خضراءهم فلم يترك لهم زروعًا ولا ثمارًا ولا سَبَدًا (٣) ولا لَبَدًا. وأما القُمَّل (٤): فعن ابن عباس: هو السوس الذي يخرج من الحنطة. وعنه: أنّه الجرادُ الصغار الذي لا أجنحة له. وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة. وقال سعيد بن جبير، والحسن: هو دوابٌّ سودٌ صغار. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي البراغيث. وحكى ابن جَرير (٥) عن أهل العربية أنها الحَمْنان، وهو صغار القِرْدان، فوق القَمْقَامة، فدخل معهم البيوت والفُرش، فلم يَقِرَّ لهم قرارٌ، ولم يُمكنْهم معه الغمض ولا العيش. وفسَّره عطاء بن السائب بهذا القَمْل المعروف. وقرأها الحسن البصري كذلك بالتخفيف. وأمَّا الضفادع: فمعروفة، لبستهم حتى كانت تسقط في أطعماتهم (٦) وأوانيهم، حتى إن أحدهم إذا فتح فمه لطعامٍ أو شرابٍ سقطت في فيه ضفدعة من تلك الضفادع. وأمّا الدم: فكان قد مَزج ماءهم كلّه (٧)، فلا يستَقُون من النيل شيئًا إلا وجدوه دمًا عَبِيطًا (٨)، ولا من نهرٍ ولا بئرٍ ولا شيء إلا كان دمًا في الساعة الراهنة. هذا كله، ولم ينل بني إسرائيل من ذلك شيء بالكلّية. وهذا من تمام المعجزة الباهرة والحجّة القاطعة، أن هذا كلّه يحصل لهم من فعل موسى ﵇، فينالهم عن آخرهم ولا يحصل هذا لأحدٍ من بني إسرائيل، وفي هذا أدل دليل. قال محمد بن إسحاق: فَرَجع عدوُّ الله فرعونُ حين آمنت السّحرة مغلوبًا مفلولًا، ثمّ أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليه بالآيات، فأخذه (٩) بالسنين، فأرسل عليه الطوفان، ثُمَّ الجراد، ثم القُمَّل، ثُمَّ الضفادع، ثمّ الدم، آيات مفصلات.

стр. 474

فأرسل الطوفان، وهو الماء، ففاض على وجه الأرض ثمّ ركد. لا يقدرون على أن يخرجوا (١) ولا أن يعملوا شيئًا حتى جهدوا جوعًا، فلما بلغهم ذلك ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] فدعا مُوْسَى رَبَّه فكشفه عنهم، فلم يفوا له بشيء، فأرسل الله عليهم الجراد، فأكل الشجر -فيما بلغني- حتى أن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربَّه، فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القُمَّل، فذُكر لي أن موسى ﵇ أُمر أن يَمْشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم، فضربه بها، فانثال عليهم قملًا حتى غلب على البيوت والأطعمة، ومنعهم النومَ والقرار، فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له، فدعا ربّه فكشفه عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل (٢) الله عليهم الضفادع، فملأت البيوت والأطعمة والآنية، فلم يكشف أحدٌ ثوبًا ولا طعامًا إلا وجد فيه الضفادع قد غلب (٣) عليه، فلمَّا جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربّه فكشف عنهم، فلم يفوا بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الدمَ، فصارت مياه آل فرعون دمًا؛ لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون (٤) من إناءٍ إلا عاد دمًا عَبِيْطًا. وقال زيد بن أسْلم: المراد بالدم: الرعاف، رواه ابن أبي حاتم. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٤ - ١٣٦]. يخبر عن كفرهم، وعتوِّهم، واستمرارهم على الضلال والجهل، والاستكبار عن اتباع آيات الله وتصديق رسوله، مع ما أُيّد به من الآيات العظيمة الباهرة، والحجج البليغة القاهرة، التي أراهم الله إياها عَيانًا، وجعلها عليهم دليلًا وبرهانًا. وكلَّما شاهدوا آية وعاينوها وجهدهم وأضنكهم حَلَفوا وعاهدوا موسى لئن كشف عنهم هذه ليؤمنُنَّ به وليرسلُنَّ معه مَن هو من حِزبه، فكلَّما رُفعت عنهم تلك الآية عادوا إلى شرّ مما كانوا عليه، وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ولم يلتفتوا إليه، فيرسل الله عليهم آية أخرى هي أشد مما كانت قبلها وأقوى، فيقولون فيكذبون، ويعدون ولا يفون: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل. ثمّ

стр. 475

يعودون إلى جهلهم العريض الطويل، هذا والعظيم الحليم القدير يُنظرهم ولا يُعَجّل عليهم، ويؤخِّرهم ويتقدَّم بالوعيد إليهم، ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم والإنذار إليهم أخْذَ عزيز مقتدر، فجعلهم عِبرةً ونَكالًا وسلفًا (١) لمن أشبههم من الكافرين، ومَثَلًا لمن اتّعظ بهم من عباده المؤمنين، كما قال ﵎ -وهو أصدق القائلين- في سورة ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦ - ٥٦]. يذكر تعالى إرسالَه عبده الكليم الكريم إلى فرعون الخسيس اللئيم، وأنّه تعالى أيّد رسولَه بآيات بيّنات واضحات تستحق أن تقابَل بالتعظيم والتصديق، وأن يرتدعوا عمّا هم فيه من الكفر ويرجعوا إلى الحقّ والصراط المستقيم، فإذا هم منها يضحكون وبها يستهزؤون، وعن سبيل الله يصدُّون، وعن الحق يصدّون، فأرسل الله عليهم الآيات تَتْرى يتبع بعضُها بعضًا، وكلّ آية أكبر من التي تتلوها، لأن التوكيد أبلغ مما قبله ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾. لم يكن لفظ السّاحر في زمنهم نقصًا ولا عيبًا؛ لأن علماءهم في ذلك الوقت هم السَّحَرة، ولهذا خاطبوه به في حال احتياجهم إليه وضراعتهم لديه. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. ثم أخبر تعالى عن تبجُّح فرعون بملكه وعظمة بلده وحسنها، وتخرُّق الأنهار فيها، وهي الخلجانات التي يكسرونها أمام (٢) زيادة النيل، ثمّ تبجّح بنفسه وحِلْيته، وأخذ يتنقّص رسولَ الله موسى ﵇ ويزدريه بكونه ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ يعني: كلامه؛ بسبب ما كان في لسانه من بقيّة تلك اللثّغة التي هي شرف له وكمال وجمال، ولم تكن مانعَةً له، أن كلمه الله تعالى، وأوحى إليه، وأنزل بعد ذلك التوراة عليه، وتنقَّصه فرعون -لعنه الله- بكونه لا أساور في يديه ولا زينة عليه (٣)، إنما ذلك من حلية النّساء لا يليق بشهامة الرجال فكيف بالرسل الذين

стр. 476

هم أكمل عقلًا، وأتمّ معرفة، وأعلى همَّة، وأزهد في الدنيا، وأعلم بما أعدّ الله لأوليائه في الأخرى. وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ لا يحتاج الأمر إلى ذلك إن كان إنما المراد أن تعظمه الملائكة، فالملائكة يعظّمون ويتواضعون لمن هو دون موسى ﵇ بكثير، كما جاء في الحديث: "إنَّ الملائِكَةَ لتَضَعُ أَجْنِحَتَها لِطَالِبِ العِلْمِ رِضىً بما يَصْنَعُ" (١) فكيف يكون تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم، عليه الصلاة والتسليم والتكريم. وإن كان إنما المراد شهادتهم له بالرسالة فقد أيّد من المعجزات بما يدل قطعًا لذوي الألباب، ولمن قصد إلى الحق والصواب، ولعمي عما جاء به من البيِّنات والحجج الواضحات من نظر إلى القشور وترك اللباب، وطبع على قلبه ربَّ الأرباب، وختم عليه بما فيه من الشد والارتياب، كما هو حال فرعون القبطي العمي الكذَّاب. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي: استخف عقولهم الفاسدة (٢)، ودَرَجهم من حالٍ إلى حالٍ إلى أن صدَّقوه في دعواه الربوبية، لعنه الله وقبَّحهم ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أي: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٣) أي: بالغرق والإهانة، وسَلْب العزِّ، والتبدّل بالذُّلِّ، وبالعذاب بعد النِّعمة، والهوان بعد الرفاهية، والنار بعد طيب العيش، عياذًا بالله العظيم وسلطانه القديم من ذلك. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ أي: لمن اتبعهم في الصفات ﴿وَمَثَلًا﴾ أي: لمن اتَّعظ بهم وخاف من وبيل مصرعهم ممن بَلَغه جليَّةُ خبرهم، وما كان من أمرهم، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٣٨ - ٤٢]. يخبر أنهم لما استكبروا عن اتباع الحق، وادَّعى مَلِكُهم الباطلَ، ووافقوا عليه

стр. 477

وأطاعوه فيه، اشتد غضب الربّ القدير العزيز الذي لا يُغَالَب ولا يمانَع عليهم، فانتقم منهم أشد الانتقام، وأغرقه هو وجنوده في صبيحة واحدة، فلم يفلت منهم أحدٌ ولم يبق (١) منهم ديَّار، بل كلٌّ قد غرق فدخل النار، وأُتبعوا لعنة في هذه الدار بين العالمين، ويوم القيامة بئس الرفد المرفود، ويوم القيامة هم من المقبوحين. ذكر هلَاك فرعون وجنوده (٢) لما تمادى قبطُ مصر على كفرهم وعتوِّهم وعنادهم، متابعة لملكهم فرعون، ومخالفة لنبي الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇، وأقام الله على أهل مصر الحجج (٣) العظيمة القاهرة، وأراهم من خوارق العادات ما بَهر الأبصار وحيَّر العقول، وهم مع ذلك لا يرعوون، ولا ينتهون، ولا ينزعون، ولا يرجعون، ولم يؤمن منهم إلا القليل، قيل: ثلاثة، وهم: امرأة فرعون -ولا علم لأهل الكتاب بخبرها- ومؤمن آل فرعون الذي تقدمت حكاية موعظته، ومشورته، وحجَّته عليهم، والرجل الناصح الذي جَاءَ يَسْعَى من أقصى المدينة فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] قاله ابن عباس؛ فيما رواه ابن أبي حاتم عنه، ومراده غيرَ السَّحَرةِ، فإنَّهم كانوا من القبط. وقيل: بل آمن طائفة من القبط من قوم فرعون، والسَّحرة كلّهم، وجميع شعب بني إسرائيل. ويدلُّ على هذا قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣]، فالضمير في قوله: ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ عائدٌ على فرعون، لأن السياق يدلُّ عليه، وقيل: على موسى لقربه، والأول أظهر كما هو مقرر في "التفسير" (٤). وإيمانهم كان خفية لمخافتهم من فرعون وسَطوته وجبروته وسلطته، ومن ملئهم أن ينفُوا عليهم إليه فيفتنهم عن دينهم. قال الله تعالى مخبرًا عن فرعون، وكفى بالله شهيدًا: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي جبّارٍ عنيدٍ مستعلٍ بغير الحق ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: في جميع أموره، وشؤونه، وأحواله، ولكنه جرثومةٌ قد حان انجعافها (٥)، وثمرةٌ خبيثة قد آن قطافها، ومهجةٌ ملعونة قد حُتم إتلافها. وعند ذلك قال موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا

стр. 478

تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [يونس: ٨٤ - ٨٦]، يأمرهم بالتوكل على الله، والاستعانة به، والالتجاء إليه، فأتمَروا بذلك، فجعل الله لهم مما كانوا فيه فَرَجًا ومخرجًا. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) [يونس: ٨٧]. أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون ﵉ أن يتَّخذا لقومهما بيوتًا متميّزة فيما بينهم عن بيوت القبط؛ ليكونوا على أُهبة في الرحيل إذا أُمروا به، ليعرف بعضهم بيوت بعض. وقوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قيل: مساجد. وقيل: معناه كثرة الصلاة فيها. قاله مجاهد، وأبو مالك، وإبراهيم النَّخعي، والربيع، والضحاك، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن، وغيرهم. ومعناه على هذا: الاستعانة على ما هم فيه من الضرِّ والشّدة والضِّيق بكثرة الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [سورة البقرة: ٤٥] وكان رسول الله ﷺ إذا حَزَبه أمر صَلَّى (٢). وقيل: معناه أنّهم لم يكونوا حينئذٍ يقدرون على إظهار عباداتهم في مجتمعاتهم ومعابدهم، فأُمروا أن يصلُّوا في بيوتهم عوضًا عمَّا فاتهم من إظهار شعار الدين الحق في ذلك الزمان الذي اقتضى حالُهم إخفاءَه خوفًا من فرعون وملئه. والمعنى الأول أقوى، لقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وإن كان لا ينافي الثاني أيضًا، والله أعلم. وقال سعيد بن جبير ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾: أي متقابلة. ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩] هذه دعوةٌ عظيمةٌ دعا بها كَليمُ الله موسى على عدوَّ الله فرعون، غضبًا لله عليه لتكبُّره عن اتباع الحق، وصدّه عن سبيل الله، ومعاندته وعتوِّه وتمرُّده واستمراره على الباطل، ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسّي والمعنوي، والبرهان القطعي فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ

стр. 479

وَمَلَأَهُ﴾ يعني قومَه من القبط ومَن كان على ملّته ودان بدينه ﴿زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أي: وهذا يغترُّ به من يُعظِّم أمرَ الدنيا فيحسب الجاهلُ أَنَّهم على شيء لكون هذه الأموال، وهذه الزِّينة من اللباس، والمراكب الحسنة الهنيَّة، والدُّور الأنيقة، والقصور المبنيَّة، والمآكل الشهية، والمناظر البهية، والمُلك العزيز والتمكين، والجاه العريض في الدنيا لا الدين ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾، قال ابن عباس ومجاهد: أي أهلكها. وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، والضحاك: اجعلها حجارةً منقوشةً كهيئة ما كانت. وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم صارت حِجارةً. وقال محمد بن كعب: جعل سُكَّرَهُمْ حجارةً، وقال أيضًا: صارت أموالهم كلّها حجارة. ذُكر ذلك لعمر بن عبد العزيز، فقال عمر بن عبد العزيز لغلام (١): قم إيتني بكيس، فجاءه بكيس، فإذا فيه حِمْصٌ وبَيضٌ قد قطع وقد حُوّل حجارة، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال ابن عباس: أي اطبع عليها، وهذه دعوةُ غضبٍ لله تعالى ولدينه ولبراهينه، فاستجاب الله تعالى لها وحقّقها وتقبَّلها، كما استجاب لنوح في قومه حيث قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧] ولهذا قال تعالى، مخاطبًا لموسى حين دعا على فرعون وملئهِ وأَمَّن أخوه هارون على دعائه، فنزل ذلك منزلة الداعي أيضًا: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال المفسرون (٢) وغيرهم من أهل الكتاب: استأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج إلى عيدٍ لهم، فأذن لهم وهو كارهٌ، ولكنهم تجهزوا للخروج، وتأهَّبوا له، وإنّما كان في نفس الأمر مكيدةٌ بفرعون وجنوده ليتخلّصوا منهم ويخرجوا عنهم، وأمرهم الله تعالى -فيما ذكره أهل الكتاب- أن يستعيروا حليًّا منهم، فأعاروهم شيئًا كثيرًا، فخرجوا بليل، فساروا مستمرّين ذاهبين من فورهم، طالبين بلاد الشام، فلما علم بذهابهم فرعونُ حَنِق عليهم كلّ الحنق، واشْتَدَّ غضبه عليهم، وشرع في استحثاث جيشه، وجمع جنوده ليلحقهم ويمحقهم (٣). قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٥٢ - ٦٨].

стр. 480

قال علماء التفسير (١): لما ركب فرعون في جنوده طالبًا بني إسرائيل يقفو أثرهم، كان في جيشٍ كثيفٍ عرمرم، حتى قيل: إنه كان في خيوله مئة ألف فحل أدْهَم، وكانت عدَّة الجنود تزيد على ألف ألف وستمئة ألف. فالله أعلم. وقيل: إن بني إسرائيل كانوا نحوًا من ستمئة ألف مقاتل غير الذرّية، وكان بين خروجهم من مصر (٢) صحبة موسى ﵇، ودخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل أربعمئة سنة وست وعشرون سنة شمسية. والمقصود أنَّ فرعون لحقهم بالجنود، فأدركهم عند شروق الشمس، وتراءى الجمعان، ولم يبق ثَمَّ ريب ولا لَبس، وعاين كلٌّ من الفريقين صاحبه، وتحقّقه ورآه ولم يبق إلا المقاتلة والمجاولة والمحاماة، فعندها قال أصحاب موسى، وهم خائفون: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ وذلك لأنهم اضْطُرّوا في طريقهم إلى البحر، فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكُه وخوضه (٣). وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه، والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم، وهي شاهقةٌ منيفةٌ، وفرعون قد غالقهم وواجههم، وعاينوه في جنوده وجيوشه وعَدَده وعُدَده، وهم منه في غاية الخوف والذُّعر لِما قاسوا في سلطانه من الإهانة والنّكر، فشكوا إلى نبي الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه، فقال لهم الرسول الصَّادق المصدوق: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وكان في السَّاقة (٤) فتقدَّم إلى المقدمة، ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه، ويتزايد زَبَدُ أُجاجه (٥)، وهو يقول: هاهنا أمرت، ومعه أخوه هارون ويوشع بن نون، وهو يومئذ من سادات بني إسرائيل وعلمائهم وعُبَّادهم الكبار، وقد أوحى الله إليه وجعله نبيًا بعد موسى وهارون ﵉ كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله، ومعهم أيضًا مؤمن آل فرعون، وهم وقوفٌ، وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عُكوف، ويقال: إن مؤمن آل فرعون جَعل يَقْتَحم بفرسه مرارًا في البحر هل يمكن سلوكه فلا يمكن، ويقول لموسى ﵇: يا نبي الله أهاهُنا أُمِرت؟ فيقول: نعم. فلما تفاقم الأمر، وضاق الحالُ، واشتد الأمرُ، واقترب فرعون وجنوده في جَدِّهم، وحَدّهم، وحَديدهم، وغضبهم، وحنقهم، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير ربُّ العرش الكريم إلى موسى الكليم: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فلمّا ضربه يقال: إنّه قال له: انفلق بإذن الله، ويقال: إنَّه كنَّاه بأبي خالد (٦)، فالله أعلم.

стр. 481

قال اللهُ تَعَالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. ويقال: إنّه انفلق اثنتي عشرةَ طريقًا، لكلِّ سِبطٍ (١) طريقٌ يسيرون منه، حتى قيل: إنَّه صار أيضًا شبابيك ليرى بعضهم بعضًا، وفي هذا نظر، لأنّ الماء جُرم شفَّاف إذا كان من ورائه ضياءٌ حَكَاه. وهكذا كان ماءُ البحر قائمًا مثل الجبال، مكفوفًا بالقدرةِ العظيمةِ الصّادرة من الذي يقول للشيء: كن، فيكون، وأَمَرَ الله ريحَ الدّبور (٢) فَلقحت حال البحر فأذهبته حتى صار يابسًا لا يعلق في سنابك الخيول والدواب. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٧ - ٧٩]. والمقصود أنّه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال بإذن الربّ العظيم الشديد المحال، أمر موسى ﵇ أن يجوزه ببني إسرائيل، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين، وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحيّر الناظرين، ويهدي قلوب المؤمنين، فلما جاوزوه وجاوزه وخرج آخرهم منه وانفصلوا عنه، كان ذلك عند قدوم أوَّل جيش فرعون إليه ووفودهم عليه، فأراد موسى ﵇ أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه، ولا سبيل عليه، فأمره القديرُ ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال كما قال، وهو الصَّادق في المقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٧ - ٣٣]. فقوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أي: ساكنًا على هيئته لا تغيّره عن هذه الصفة. قاله عبد الله بن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والربغ، والضحاك، وقتادة، وكعب الأحبار، وسِمَاك بن حرب، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، فلما تركه على هيئته وحالته، وانتهى فرعون فرأى ما رأى وعاين ما عاين، هالَهُ هذا المنظر العظيم، وتحقّق ما كان يتحقّقه قبل ذلك من أنّ هذا من فِعل ربّ العرش الكريم، فأحجم ولم يتقدَّم، وندم في نفسه على خروجه في طلبهم، والحالة هذه حيث لا ينفعه الندم، لكنه أظهر لجنوده تجلّدًا، وعاملهم معاملة العدا، وحملته النفس الكافرة، والسجيّة الفاجرة على أن قال

стр. 482

لمن استخفَّهم فأطاعوه، وعلى باطله تابعوه: انظروا كيف انحسر البحرُ لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي، الخارجين عن طاعتي وبلدي، وجعل يوري (١) في نفسه أن يذهب خلفهم ويُجوّز (٢) أن ينجو، وهيهات، ويقدم تارة ولكنه يحجم تارات. فذكروا أن جبريل ﵇ تبدَّى في صورة فارسٍ راكبٍ على رَمَكَةٍ حائل (٣)، فمرَّ بين يدي فحلِ فرعون لعنه الله فَحمحم إليها وأقبل عليها، وأسرع جبريل بين يديه، فاقتحم البحر واستبق الجواد وقد أجاد، فبادر مسرعًا هذا وفرعون لا يملك من نفسه شيئًا ولا لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين، فحصلوا في البحر أجمعين أكتعين أبصعين (٤)، حتى هَمَّ أولُهم بالخروج منه، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمَه فيما أوحاه إليه أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فارتَطَم عليهم البحرُ كما كان، فلم ينج منهم إنسان. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي: في إنجائه أولياءه فلم يَغْرَق منهم أحد، وإغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحدٌ، آية عظيمةٌ، وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة، وصدق رسوله فيما جاء به عن ربّه من الشريعة الكريمة والمناهج المستقيمة. وقال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢]. يخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون زعيم كَفَرة القبط، وأنّه لما جعلت الأمواج تخفضه تارةً وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده ماذا أحلَّ الله به وبهم من البأس العظيم، والخطب الجسيم، ليكون أقرَّ لأَعْيُن بني إسرائيل، وأشفى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلَكة، وأُحيط به، وباشر سكرات الموت، أناب حينئذٍ وتاب، وآمن حين لا ينفع نفسًا إيمانُها (٥)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥].

стр. 483

وهكذا دعا موسى على فرعون وملئه أن يطمس على أموالهم، ويشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ أي: حين لا ينفعهم ذلك (١)، ويكون حسرة عليهم، وقد قال تعالى لهما، أي لموسى وهارون، حين دعوا بهذا ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾، فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيه هارون ﵉. ومن ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢)؛ حَدَّثَنَا سليمان بن حَرب، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ قال: قالَ لي جِبْرِيْلُ: لَوْ رَأيْتَنِي وَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَدَسَسْتُهُ في فِيْهِ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ الرَّحْمَةُ" ورواه الترمذي (٣)، وابن جرير (٤)، وابن أبي حاتم عند هذه الآية؛ من حديث حمّاد بن سلمة. وقال الترمذي: حديث حسن (٥). وقال أبو داود الطيالِسِي (٦)،: حَدَّثَنَا شعبة، عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عنِ ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "قال لي جِبْريلُ: لَوْ رَأَيْتَني وَأَنا آخُذُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَأدُسّه في فمِ فِرْعَوْنَ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الرَّحْمَةُ". ورواه الترمذي (٧)، وابن جرير (٨) من حديث شعبة (٩)، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وأشار ابن جرير في روايةٍ إلى وقفه (١٠). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: لما غرّق الله فرعون، أشار بإصبعه ورفع صوته: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ قال: فخافَ جبريل أن تسبق رحمةُ الله فيه غضَبَه، فجعل يأخذ الحالَ بجناحَيه فيضرب به وجهه فيرمسه، ورواه ابن جرير من حديث أبي خالد به. وقد رواه ابن جرير (١١) من طريق كثير بن زاذان، وليس بمعروف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال

стр. 484

رسول الله ﷺ : "قال لي جِبْريْلُ: يا مُحَمد لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنا أغُطّهُ وَأَدُسُّ مِنَ الحالِ في فِيْهِ مَخَافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللهِ فَيَغْفِر لَهُ". يعني: فرعون (١). وقد أرسله غير واحد من السّلف كإبراهيم التيمي، وقتادة، وميمون بن مهران، ويقال: إن الضحاك بن قيس خطب به الناس. وفي بعض الروايات أنّ جبريل قال: ما بغضت أحدًا بغضي لفرعون حين قال: أنا ربكم الأعلى، ولقد جَعَلت أدسُّ في فيه الطين حين قال ما قال. وقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ استفهام إنكارٍ، ونصّ على عدم قبوله تعالى منه ذلك، لأنه -والله أعلم- لو رُدَّ إلى الدنيا كما كان لعادَ إلى ما كان عليه، كما أخبر تعالى عن الكفار إذا عايَنُوا النارَ وشاهدوها أنَّهم يقولون: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨] وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ قال ابن عباس وغير واحد: شكَّ بعضُ بني إسرائيل في موت فرعون، حتى قال بعضهم: إنه لا يموت، فأمر الله البحر فرفعه على مرتفع. قيل: على وجه الماء، وقيل: على نَجْوَةٍ (٢) من الأرض وعليه درعُه التي يعرفونها من ملابسه ليتحقّقوا بذلك هلاكه، ويعلموا قدرة الله عليه. ولهذا قال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أي: مصاحبًا درعك المعروفة بك ﴿لِتَكُونَ﴾ أي أنت آية ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ أي من بني إسرائيل، دليلًا على قدرة الله الذي أهلكه. ولهذا قرأ بعض السلف: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْقَكَ آيَةً﴾ (٣). ويحتمل أن يكون المراد ننجّيك مصاحبًا درعك لتكون درعُك علامةً لمن وراءك من بني إسرائيل على معرفتك وأنّك هُلِكْت. والله أعلم. وقد كان هلاكه وجنوده في يوم عاشوراء، كما قال الإمام البخاري في "صحيحه": حَدَّثَنَا محمد بن بشار (٤)، حَدَّثَنَا غُندَر، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي بشير، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة واليهودُ تصوم عاشوراء (٥) فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، قال

стр. 485

النبي ﷺ (١): "أَنْتُم أَحَقُّ بموسَى مِنْهُم (٢) فَصَامُوا". وأصل هذا الحديث في "الصحيحين" وغيرهما (٣). والله أعلم. * * * فصل فيما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون (٤) قال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٣٦ - ١٤١]. يذكر تعالى ما كان من أمر فرعون وجنوده في غرقهم، وكيف سلبَهم عِزَّهم ومالَهم وأنفسهم، وأورث بني إسرائيل جميع أموالهم وأملاكهم، كما قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]، وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]، وقال هاهنا: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أي: أهلك ذلك جميعه وسلبهم عزَّهم العزيزَ العريضَ في الدنيا، وهلك الملك، وحاشيته، وأمراؤه، وجنودُه، ولم يبقَ ببلد مصرَ سوى العامَّة والرعايا. فذكر ابن عبد الحكم (٥) في "تاريخ مصر" أنّه من ذلك الزمان تسلَّط نساءُ مصر على رجالها؛ بسبب أن نساء الأمراء والكبراء تزوجْن بمن دونَهُنَّ

стр. 486

من العامة، فكانت لهنَّ السَّطوة عليهم، واستمرت هذه سُنَّة نساء مصر إلى يومك هذا. وعند أهل الكتاب: أنَّ بني إسرائيل لما أُمِروا بالخروج من مصر جعل الله ذلك الشهر أول سَنَتهم، وأُمروا أن يذبح كلُّ أهل بيت حَمَلًا من الغنم، فإن كانوا لا يحتاجون إلى حَمَل فليشترك الجار وجاره فيه، فإذا ذبحوه فلينضحوا من دمه على أعتاب أبوابهم ليكون علامة لهم على بيوتهم ولا يأكلوه مطبوخًا ولكن مشويًا برأسه وأكارعه وبطنه، ولا يُبقوا منه شيئًا، ولا يكسروا له عظمًا، ولا يُخرجوا منه شيئًا إلى خارج بيوتهم، وليكن خبزهم فطيرًا سبعة أيام، ابتداؤها من الرابع عشر من الشهر الأوّل من سَنتهم، وكان ذلك في فصل الربيع، فإذا أكلوا فلتكن أوساطهم مشدودةً، وخفافهم في أرجلهم، وعصيهم في أيديهم، وليأكلوا بسرعةٍ قيامًا. ومهما فَضُل عن عشائهم فما بقي إلى الغد فليحرقوه بالنار، وشُرعَ هذا لهم عيدًا لأعقابهم مادامت التوراة معمولًا بها، فإذا نُسخت بَطَل شرعُها. وقد وقع. قالوا: وقتل الله في تلك الليلة أبكارَ القِبط وأبكارَ دوابهم؛ ليشتغلوا عنهم، وخرج بنو إسرائيل حتى انتصف الليل (١)، وأهل مصر في مناحةٍ عظيمةٍ على أبكار أولادهم وأبكار أموالهم، ليس من بيت إلا وفيه عويلٌ. وحين جاء الوَحي إلى موسى خرجوا مُسرعين، فحملوا العجينَ قبل اختماره وحملوا الأزواد في الأردية وألقوها على عواتقهم. وكانوا استعاروا من أهل مصر حُليًّا كثيرًا، فخرجوا وهم ستمئة ألف رجلٍ سوى الذراري بما معهم من الأنعام، وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمئة سنةٍ وثلاثين سنةً. هذا نصُّ كتابهم. وهذه السَّنة عندهم تسمى سنة الفسخ، وهذا العيد عيد الفسخ (٢). ولهم عيد الفَطير وعيد الحَمَل وهو أَوَّل السنة. وهذه الأعياد الثلاثة آكد أعيادهم، منصوص عليها في كتابهم. ولما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف ﵇ وخرجوا على طريق بحر سوف. وكانوا في النهار يسيرون والسحاب بين أيديهم يسير أمامهم، فيه عامود نور، وبالليل أمامهم عامود نار، فانتهى بهم الطريق إلى ساحل البحر، فنزلوا هنالك، وأدركهم فرعون وجنوده من المصريين وهم هناك حلول على شاطئ اليم، فقلق كثير من بني إسرائيل، حتى قال قائلهم: كان بقاؤنا بمصر أحبَّ إلينا من الموت بهذه البرِّيَّة. وقال موسى ﵇ لمن قال هذه المقالة: لا تخشَوا فإن فرعون وجنوده لا يرجعون إلى بلدهم بعد هذا. قالوا: وأمر الله موسى ﵇ أن يضرب البحر بعصاه وأن يقسمه وليَدْخُلَ بنو إسرائيل في البحر

стр. 487

واليَبَس (١). وصار الماء من هاهنا وهاهنا كالجبلين، وصار وسطه يَبَسًا، لأن الله سلَّط عليه ريحَ الجنوب والسَّموم (٢)، فجاز بنو إسرائيل البحر واتَّبعهم فرعون وجنوده، فلما توسَّطوه (٣) أمر الله موسى فضرب (٤) البحر بعصاه فرجع الماء كما كان عليهم. لكن عند أهل الكتاب أن هذا كان في الليل، وأن البحر ارتطم عليهم عند الصبح، وهذا من غلطهم وعدم فهمهم في تعريبهم، والله أعلم. قالوا: ولما أغرق الله تعالى فرعون وجنوده، حينئذٍ سبَّح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح للربِّ وقالوا: نسبِّح الربَّ البهيَّ الذي قهر الجنود، ونبذ فرسانها في البحر، المنيع المحمود. وهو تسبيحٌ طويلٌ. قالوا: وأخذت مريم النبيَّة (٥) أختُ هارون دُفًّا بيدها، وخرج النساء في أثرها كلهنَّ بدفوف وطبول، وجعلت مريم ترتّل لهنّ وتقول: سبحان الربِّ القهار الذي قهر الخيول وركبانها إلقاءً في البحر. هكذا رأيته في كتابهم. ولعلَّ هذا هو من الذي حمل محمد بن كعب القُرظي على زعمه أن مريم بنت عمران أم عيسى هي أخت هارون وموسى مع قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] وقد بيَّنَّا غلطه في ذلك، وأن هذا لا يمكن أن يقال، ولا يتابعه أحدٌ عليه، بل كل أحدٍ خالفه فيه، ولو قدِّر أن هذا محفوظ فهذه مريم بنت عمران أخت موسى وهارون ﵉، وأم عيسى ﵉ وافقتها في الاسم واسم الأب واسم الأخ، لأنهم كما قال رسول الله ﷺ للمغيرة بن شعبة لما سأله أهلُ نجرِان عن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾، فلم يدر ما يقول لهم حتى سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "أمَا عَلِمْتَ أَنَّهُم كانُوا يُسَمُّوْنَ بأسْماءِ أنْبِيَائهِم"، رواه مسلم (٦). وقولهم: النبيَّة، كما يقال للمرأة من بيت الملك: ملكة، ومن بيت الإمرة: أميرة، وإن لم تكن مباشِرَة شيئًا من ذلك، فكذا، هذه استعارة لها لا أنَّها نبيَّة حقيقة يوحى إليها، وضَرْبُها بالدُّفِّ في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم دليلٌ على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدُّف في العيد. وهذا مشروع لنا أيضًا في حقِّ النِّساء، لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة تضربان بالدُّف في أيام مِنى، ورسول الله ﷺ مضطجعٌ مولٍّ ظهره إليهم ووجهه إلى الحائط، فلما دخل أبو بكر زَجَرهن وقال: أبمزمور

стр. 488

الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ فقال: "دَعْهُنَّ يا أبا بَكْرٍ، فإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيْدًا، وَهذا عِيْدُنا" (١). وهكذا يُشرع عندنا في الأعراس، ولقُدُوم الغُيَّاب، كما هو مقرر في موضعه. والله أعلم. وذكروا أنّهم لما جاوزوا البحر، وذهبوا قاصدين إلى بلاد الشام، مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماءً، فتكلَّم من تكلَّم منهم بسبب ذلك، فوجدوا ماءً زعاقًا أُجاجًا (٢) لم يستطيعوا شربه، فأمر الله موسى فأخذ خشبةً فوضعها فيه فحَلا وساغ شربه. وعلَّمه الربُّ هنالك فرائضَ وسننًا، ووصاه وصايا كثيرةً. وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ما عداه من الكتب: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٣٩]. قالوا: هذا الجهل والضلال وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلَّهم على ما جاءهم به رسول ذي الجلال والإكرام، وذلك أَنَّهم مَرُّوا على قوم يعبدون أصنامًا، قيل: كانت على صور البقر، فكأنهم سألوهم لِمَ يعبدونها؟ فزعموا لهم أنها تنفعهم وتنصرهم (٣) ويسترزقون بها عند الضرورات، فكأن بعض الجهَّال منهم صدَّقوهم في ذلك، فسألوا نبيَّهم الكليم الكريم العظيم أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة، فقال لهم مبيِّنًا لهم أنهم لا يعقلون ولا يهتدون: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ثم ذكَّرهم نعمة الله عليهم في تفضيله إيَّاهم على عالمي زمانهم بالعلم، والشرع، والرسول الذي بين أظهرهم وما أحسن به إليهم، وما امتن به عليهم من إنجائهم من قبضة فرعون الجبّار العنيد، وإهلاكه إياه وهم ينظرون، وتوريثه إياهم ما كان فرعون وملؤه يجمعونه من الأموال والسعادة، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ وبيَّن لهم أنَّه لا تصلح العبادة إلا لله وحده لا شريك له، لأنَّه الخالق الرازق القهَّار، وليس كلّ بني إسرائيل سأل هذا السؤال، بل الضمير عائد على الجنس في قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ أي قال بعضهم كما في قوله (٤): ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٤٧ - ٤٨] فالذين زعموا هذا بعضُ الناس لا كلُّهم، وقد قال الإمام أحمد (٥): حَدَّثَنَا

стр. 489

عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن سِنان الدِّيْلي (١)، عن أبي واقد اللَّيثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حُنَيْن، فمررنا بسِدْرَة (٢)، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي ﷺ : "اللهُ أَكْبَرُ! هذا كَما قَالَتْ بَنُو إسْرائيْلَ لِموسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ إنَكم تَرْكَبُونَ سُنَنَ الذيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ". ورواه النسائي (٣) عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق (٤)، به. ورواه الترمذي (٥)، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، به. ثم قال: حسن صحيح. وقد روى ابن جرير (٦) من حديث محمد بن إسحاق ومَعْمر، وعقيل، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي أنّهم خرجوا من مكة مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْن (٧)، قال: وكان للكفار سِدرة يعكُفون عندها ويعلِّقون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، قال فمررنا بسدرةٍ خضراءَ عظيمةٍ، قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال: "قُلْتُم -وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ- كما قَالَ قَوْمُ مُوسَى لموسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ". والمقصود أن موسى ﵇ لما انفصل من بلاد مصر، وواجه بلاد بيت المقدس، وجد فيها قومًا من الجبارين من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين وغيرهم، فأمرهم موسى ﵇ بالدخول عليهم ومقاتلتهم وإجلائهم إياهم عن بيت المقدس، فإنَّ الله كتبه لهم، ووعدهم إيَّاه على لسان إبراهيم الخليل وموسى الكليم الجليل، فأبَوا ونكلوا عن الجهاد، فسلّط الله عليهم الخوف، وألقاهم في التيه يسيرون ويحلّون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون في مدَّة من السنين طويلة، هي من العدد أربعون، كما قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ

стр. 490

يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٠ - ٢٦]. يذكِّرهم نبيُّ الله نعمةَ الله عليهم، وإحسانه إليهم بالنعم الدينية والدنيوية، ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله ومقاتلة أعدائه فقال: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: تنكصوا على أعقابكم وتنكلوا عن قتال أعدائكم، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ أي: فتخسروا بعد الربح، وتنقصوا بعد الكمال. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ أي: عتاة كفرة متمردين ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. خافوا من هؤلاء الجبارين، وقد عاينوا هلاك فرعون وهو أجبر من هؤلاء وأشد بأسًا وأكثر جمعًا وأعظم جندًا، وهذا يدلُّ على أنَّهم ملومون (١) في هذه المقالة، ومذمومون على هذه الحالة من الذِّلة عن مصاولة الأعداء ومقاومة المَرَدة الأشقياء. وقد ذكر كثيرٌ من المفسِّرين (٢) هاهنا آثارًا فيها مجازفاتٌ كثيرةٌ باطلةٌ، يدلّ العقل والنقل على خلافها، من أنهم كانوا أشكالًا هائلة ضخامًا جدًّا، حتى إنهم ذكروا أن رُسَل بني إسرائيل لما قدموا عليهم تلقَّاهم رجل من رسل الجبارين، فجعل يأخذهم واحدًا واحدًا ويلفُّهم (٣) في أكمامه وحجزة سراويله (٤)، وهم اثنا عشر رجلًا، فجاء بهم فنثرهم بين يدي ملك الجبّارين، قال: ما هؤلاء؟ ولم يعرف أنَّهم من بني آدم حتى عرفوه. وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقة لها، وأن الملك بعث معهم عنبًا، كل عنبة تكفي الرجل، وشيئًا من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم. وهذا ليس بصحيح. وذكر هاهنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين إلى بني إسرائيل ليهلكهم، وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمئة ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعًا وثلث ذراع، هكذا ذكره البغوي وغيره، وليس بصحيح كما قدمنا بيانه (٥) عند قوله ﷺ : "إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ طُوله سِتُّونَ ذِراعًا"، ثُمَّ لم يزل الخلق ينقص حتى الآن. قالوا: فعمد عوج إلى قلة جبل (٦) فاقتلعها، ثمّ أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى، فجاء طائر فنقر تلك الصخرة فخرقها، فصارت طوقًا في عنق عوج بن عنق، ثُمَّ عمد موسى إليه فَوثَب في الهواء

стр. 491

عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، وبيده عصاه وطولها عشرة أذرع، فوصل إلى كعب قدمه فقتله. يروى هذا عن نوف (١) البِكَالي، ونقله ابن جرير (٢) عن ابن عباس. وفي إسناده إليه نظر. ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات، وكل هذه من وضع جهال بني إسرائيل، فإن الأخبار الكذب قد كثرت عندهم ولا تمييز لهم بين صحتها وباطلها. ثمّ لو كان هذا صحيحًا لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم، وقد ذمّهم الله على نكولهم، وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم ومخالفتهم رسولهم، وقد أشار عليهم رجلان صالحان منهم بالإقدام، ونهياهم عن الإحجام. ويقال: إنهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسُّدّي والربيع بن أنس وغير واحد (٣). ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي يخافون الله، وقرأ بعضهم (٤): ﴿يُخافون﴾ أي: يهابون ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي: بالإسلام والإيمان والطَّاعة والشجاعة: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا توكلتم على الله واستعنتم به ولجأتم إليه نصركم على عدوِّكم وأيّدكم عليهم وأظفركم بهم. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ فصمّم ملؤهم على النكول عن الجهاد، ووقع أمرٌ عظيمٌ وَوَهَنٌ كبيرٌ. فيقال: إن يوشع وكالب لمَّا سمعا هذا الكلام شقّا ثيابهما، وإنّ موسى وهارون سَجدا إعظامًا لهذا الكلام وغضبًا لله وشفقةً عليهم من وبيل هذه المقالة. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن عباس: اقض بيني وبينهم (٥). ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ عوقبوا على نكولهم بالتيهان في الأرض، يسيرون إلى غير مقصد ليلًا ونهارًا وصباحًا ومساءً، ويقال: إنّه لم يخرج أحدٌ من التيه ممن دخله، بل ماتوا كلّهم في مدة أربعين سنة، ولم يبق إلَّا ذراريهم، سوى يوشع وكالب ﵉. لكن أصحاب محمد يوم بدر لم يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى، بل لما استشارهم في الذهاب

стр. 492

إلى النفير تكلَّم الصِّدِّيقُ فأحْسَنَ، وغيره من المهاجرين، ثم جعل يقول: "أشِيْروا عَلَيَّ" حتى قال سعدُ بن مُعاذ: كأنك تُعَرِّض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق (١) لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلَّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدًا، إنّا لصبُرٌ في الحرب، صُدُق في اللِّقاء، لعل اللهَ يريكَ منَّا ما تَقَرُّ به عينُك. فَسِرْ بنا على بركة الله. فَسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد وبسطه ذلك (٢). وقال الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأحْمسي (٤)، عن طارق -هو ابن شهاب- أن المِقْداد قال لرسول الله ﷺ يوم بدر: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. وهذا إسنادٌ جيِّدٌ من هذا الوجه، وله طريق (٥) أخرى: قال أحمد (٦): حَدَّثَنَا أسود بن عامر، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله بن مسعود: لقد شهدت من المقداد مشهدًا لأن أكون أنا صاحبه (٧) أحبَّ إليَّ مما عدل به، أتى رسول الله ﷺ وهو يدعو على المشركين، قال: والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك. فرأيتُ وجه رسول الله ﷺ يُشْرِق لذلك، وسُرَّ بذلك. رواه البخاري في التفسير، والمغازي من طرق، عن مخارق، به (٨). وقال الحافظ أبو بكر بن مَردويه: حَدَّثَنَا علي بن الحسن بن علي، حَدَّثَنَا أبو حاتم الرازي، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله الأنصاري، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فأشار عليه عمر، ثم استشارهم، فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إيَّاكم يريدُ رسول الله ﷺ . قالوا: إذًا لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: (﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ والذي بعثك بالحق إن ضربتَ أكبادَها إلى بَرْك الغِمَاد (٩) لاتّبعناك.

стр. 493

ورواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس (١)، ورواه النسائي عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، عن أنس، به نحوه (٢). وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" (٣) عن أبي يعلى (٤)، عن عبد الأعلى بن حمَّاد، عن معتمر، عن حميد عن أنس، به نحوه. * * * فصل في دخول بني إسرائيل التِّيه ومَا جرى لهم من الأمور العجيبة (٥) قد ذكرنا نكول بني إسرائيل عن قتال الجبّارين، وأن الله تعالى عاقبهم بالتيه، وحكم بأنّهم لا يخرجون منه إلى أربعين سنةً، ولم أرَ في كتاب أهل الكتاب قصّة نكولهم عن قتال الجبّارين، ولكن (٦) فيها أن يوشع جهزه موسى لقتال طائفةٍ من الكفّار، وأن موسى وهارون وخور (٧) جلسوا على رأس أَكَمَةٍ، ورفع موسى عصاه، فكلّما رفعها انتصرَ يوشَعُ عليهم، وكلّما مالت يدُه بها من تعبٍ أو نحوِه غلبهم أولئك، وجعل هارون وخور يدعَمان يديه عن يمينه وشماله ذلك اليوم إلى غروب الشمس، فانتصر حزب يوشع ﵇. وعندهم: أن يثرون كاهن مدين وخَتَن (٨) موسى ﵇ بلغه ما كان من أمر موسى، وكيف أظفره الله بعدوّه فرعون، فقدم على موسى مسلمًا، ومعه ابنته صفُّورا (٩) زوجة موسى وابناها منه جِرْشُون

стр. 494

وعازر (١)، فتلقّاه موسى وأكرمه، واجتمع به شيوخ بني إسرائيل وعظّموه وأجلُّوه. وذكروا أنّه رأى كثرة اجتماع بني إسرائيل على موسى في الخصومات التي تقع بينهم، فأشار على موسى أن يجعل على الناس رجالًا أمناء أتقياء أعفّاء، يبغضون الرِّشَا والخيانة، فيجعلهم على الناس رؤوس ألوف، ورؤوس مئين، ورؤوس خمسين، ورؤوس عشرة، فيقضون بين الناس، فإذا أشكل عليهم أمر جاؤوك ففصلْتَ بينهم ما أشكل عليهم، ففعل ذلك موسى ﵇. قالوا (٢) ودخل بنو إسرائيل البرية عند سيناء في الشهر الثالث من خروجهم من مصر، وكان خروجهم في أوّل السنة التي شُرِعت لهم، وهي أول فصل الربيع، فكأنهم دخلوا التيه في أول فصل الصيف والله أعلم. قالوا (٣) ونزل بنو إسرائيل حول طور سيناء وصَعِد موسى الجبلَ فكلّمه ربُّه، وأمره أن يذكّر بني إسرائيل ما أنعم الله به عليهم من إنجائه إيّاهم من فرعون وقومه، وكيف حملهم على مثل جناحَي نسرٍ من يده وقبضته، وأمره أن يأمر بني إسرائيل بأن يتطّهروا ويغتسلوا ويغسلوا ثيابَهم، وليستعدّوا إلى اليوم الثالث، فإذا كان في اليوم الثالث فليجتمعوا حول الجبل ولا يقتربنَّ أحدٌ منهم إليه، فمن دنامنه قُتِل، حتى ولا شيء من البهائم ماداموا يسمعون صوت القرن، فإذا سكن القرن فقد حلّ لكم أن ترتقوه (٤)؛ فسمع بنو إسرائيل ذلك، وأطاعوا، واغتسلوا، وتنظّفوا، وتطيّبوا، فلما كان اليوم الثالث ركب الجبلَ غمامةٌ عظيمةٌ وفيها أصواتٌ وبروقٌ وصوت الصور شديدٌ جدًّا، ففزع بنو إسرائيل من ذلك فزعًا شديدًا، وخرجوا فقاموا في سفح الجبل، وغشي الجبلَ دخانٌ عظيمٌ في وسطه عمود نور، وتزلزل الجبل كلّه زَلزلةً شديدةً، واستمر صوت الصور -وهو البوق (٥) - واشتد، وموسى ﵇ فوق الجبل والله يكلِّمه ويناجيه، وأمر الربّ موسى أن ينزل فيأمر بني إسرائيل أن يقتربوا من الجبل ليسمعوا وصيّة الله، ويأمر الأحبار -وهم علماؤهم- أن يدنوا فيصعدوا الجبل ليتقدّسوا (٦) بالقرب، وهذا نص في كتابهم على وقوع النسخ لا محالة، فقال موسى: يا رب إنّهم لا يستطيعون أن يَصْعدوه، وقد نَهيتَهم عن ذلك، فأمره الله تعالى أن يذهب فيأتي معه بهارون أخيه، وليكن الكهنة -وهم العلماء- والشعب -وهم بقية بني إسرائيل- غير بعيد ففعل موسى، وكلَّمه ربّه فأمره حينئذٍ بالعشر كلمات.

стр. 495

وعندهم (١) أن بني إسرائيل سمعوا كلام الله، ولكن لم يفهموا حتى فهّمهم موسى، وجعلوا يقولون لموسى: بلِّغنا أنتَ عن الرب فإنا نخاف أن نموت، فبلّغهم عنه، فقال هذه العشر الكلمات وهي: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنّهي عن الحلف بالله كذبًا، والأمر بالمحافظة على السّبت، ومعناه تفرُّغ يومٍ من الأسبوع للعبادة، وهذا حاصل بيوم الجمعة الذي نسخ الله به السَّبت. كرّم (٢) أباك وأمك ليطول عمرك بالأرض (٣) الذي يعطيك الله ربك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور، لا تمدّ عينك إلى بيت صاحبك، ولا تشْتَهِ امرأة صاحبك ولا عبدَه ولا أَمته ولا ثورَه ولا حمارَه ولا شيئًا من الذي لصاحبك، ومعناه النّهي عن الحسد. وقد قال كثيرٌ من علماء السلف وغيرهم (٤): مضمون هذه العشر الكلمات في آيتين من القرآن، وهما قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ .... ﴾ الآية [: ١٥١ - ١٥٣]. وذكروا بعد العشر الكلمات وصايا كثيرةً وأحكامًا متفرّقةً عزيزةً كانت فزالت، وعملت بها حينًا من الدهر، ثمّ طرأ عليها عصيانٌ من المكلّفين بها، ثمّ عمدوا إليها فبدّلوها وحَرَّفوها وأوَّلوها. ثمّ بعد ذلك كلّه سَلَبوها فصارت منسوخةً مبدَّلة بعد ما كانت مشروعةً مكملة، فلله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، وهو الذي يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، ألا له الخَلْقُ والأمر، تبارك الله ربُّ العالمين. وقد قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٠ - ٨٢]. يذكر تعالى منّته وإحسانه إلى بني إسرائيل بما أنجاهم من أعدائهم، وخلّصهم من الضيق والحرج، وأنه وعدهم صحبة نبيهم كليمه إلى جانب الطور الأيمن؛ أي: منهم، لينزّل عليه أحكامًا عظيمةً فيها مصلحةٌ لهم في دنياهم وأخراهم، وأنّه تعالى أنزل عليهم في حال شدَّتهم وضرورتهم في سفرهم في
следующие страницы →