← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بالمقال، وقيل: بالفعال، ويُؤيِّد الأوَّلَ قوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فوعدُوهم بالقتل والإهانة. ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: مردودٌ عليكم ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي: بسبب أنَّا ذكَّرناكم بالهدى، ودعوناكم إليه تَوعَّدْتُمونا بالقتل والإهانة ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي: لا تقبلون الحق ولا تريدونه. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ يعني لنصرة الرُّسل وإظهار الإيمان بهم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي: يدعونكم إلى الحقِّ المَحْضِ بلا أجرة ولا جُعالة، ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريكَ له، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفعُ شيئًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: إن تركتُ عبادة الله وعبدتُ معه ما سواه. ثم قال مخاطبًا للرسل: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ قيل: فاسمعوا مَقالتي واشهدوا لي بها عندَ ربكم .. وقيل: معناه: فاسمعوا يا قومي إيماني برسُل الله جهرةً. فعند ذلك قتلوه، قيل: رجمًا، وقيل: عضًّا. وقيل: وثبوا إليه وثبةَ رجُل واحدٍ فقتلُوه. وحكى ابن إسحاق: عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود، قال: وَطِئوه بأرجلهم حتَّى أخرجوا قُصْبَه (١). وقد روى الثوري (٢): عن عاصم الأحول، عن أبي مَجْلز، كان اسمُ هذا الرجل حبيب بن مُرِّي. ثم قيل: كان نجَّارًا. وقيل: حبَّالًا. وقيل: إسكافًا. وقيل: قصَّارًا. وقيل: كان يتعبَّدُ في غار هناك، فالله أعلم. وعن ابن عبَّاس (٣): كان حبيبُّ النَّجَّارُ قد أسرعَ فيه الجُذام، وكان كثيرَ الصَّدقة، قتلَه قومه. ولهذا قال تعالى: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ يعني لما قتله قومُه أدخلَه الله الجنَّة، فلما رأى فيها من النُّضْرة والسرور ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ يعني ليؤمنوا بما آمنتُ به، فيحصل لهم ماحصلَ لي. قال ابن عباس: نصحَ قومه في حياته ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ رواه ابن أبي حاتم (٤). وكذلك قال قتادة (٥): لا يُلقى المؤمنُ إلا ناصحًا، لا يُلقى غاشَّا لما عاين من كرامة الله. ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ تمنَّى والله أن يعلمَ قومه بما عاينَ من كرامة الله، وما هو عليه. قال قتادة: فلا والله ما عاتبَ الله قومَه بعد قتله ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ وقوله

стр. 422

تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي: ما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جُنْدٍ من السماء عليهم، هذا معنى ما رواه ابن إسحاق (١): عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود. وقال مجاهد وقتادة: وما أنزلَ عليهم جُنْدًا، أي: رسالةً أخرى. قال ابن جرير (٢): والأوَّلُ أولى. قلت: وأقوى. ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي: وما كنا نحتاجُ في الانتقام إلى هذا حين كذَّبوا رسلنا، وقتلوا وَليَّنا ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. قال المفسرون: بعثَ الله إليهم جبريلَ ﵇، فأخذَ بعضادتي الباب الذي لبلدهم، ثم صاحَ بهم صيحةً واحدةً فإذا هم خامدون، أي: قد أُخمدتْ أصواتُهم، وسكنتْ حركاتُهم، ولم يبق منهم عينٌ تَطْرُفُ. وهذا كلُّه مما يدلُّ على أن هذه القرية ليست أنطاكية، لأن هؤلاء أُهلكوا بتكذيبهم رسلَ الله إليهم، وأهل أنطاكية آمنوا واتَّبعوا رسلَ المسيح من الحواريِّين إليهم، فلهذا قيل: إن أنطاكية أوَّلُ مدينة آمنتْ بالمسيح. فأما الحديث الذي رواه الطبراني: من حديث حسين الأشقر، عن سُفيان بن عُيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مُجاهد، عن ابن عبَّاس، عن النبي ﷺ قال: "السَّبْقُ ثلاثة: فالسابق إلى موسى يُوشع بن نون، والسابقُ إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمد عليُّ بن أبي طالب" (٣) فإنه حديث لا يثبتُ، لأن حُسينًا هذا متروك وشيعيٌّ من الغلاة، وتفرده بهذا مما يدلُّ على ضعفه بالكليَّة، والله أعلم.

стр. 423

قصة يونس ﵇ قال الله تعالى في سورة يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٨]. وقال تعالى في سورة نون: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٤٨ - ٥٠]. قال علماءُ التفسير: بعثَ الله يونسَ ﵇ إلى أهل "نينوى" من أرض المَوْصل، فدعاهم إلى الله ، فكذبوه وتمرَّدوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم، خرج من بين أظهرِهم، ووعدَهم حلولَ العذاب بهم بعد ثلاث. قال ابن مسعود، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد منَ السلف والخلف: فلما خرجَ من بين ظهرانيهم وتحقَّقوا نزولَ العذاب بهم قذفَ الله في قلوبهم التوبة والإنابة، وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم، فلبسوا المسوحَ، وفرَّقوا بين كلّ بهيمةٍ وولدها، ثم عجُّوا (١) إلى الله ، وصرَخوا وتضرَّعوا إليه، وتمسكنوا لديه، وبكى الرجالُ والنساء والبنون والبنات والأمهات، وجأرت الأنعام والدوابُّ والمواشي، فرغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحملانها، وكانت ساعة عظيمة هائلة. فكشفَ الله العظيمُ بحوله وقوَّته ورأفتِه ورحمتِه عنهم العذابَ الذي كان قد اتَّصَلَ بهم بسببه، ودار على رؤوسهم كقطع الليل المظلم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨] أي: هلا وجدت فيما سلف من القرون قريةً آمنت بكمالها، فدلَّ على أنه لم يقع ذلك، بل كما قال

стр. 424

تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤]. وقوله: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] أي آمنوا بكمالهم. وقد اختلفَ المفسرون هل ينفعُهم هذا الإيمان في الدار الآخرة، فينُقذهم من العذاب الأخروي كما أنقذَهم من العذاب الدنيوي؟ على قولين: الأظهرُ من السياق نعم والله أعلم، كما قال تعالى: ﴿لَمَّا آمَنُوا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٧ - ١٤٨] وهذا المتاعُ إلى حين، لا ينفي أن يكونَ معه غيرُه من رفع العذاب الأخرويّ، والله أعلم. وقد كانوا مئة ألف لا محالة، واختلفوا في الزيادة، فعن مكحول (١) عشرة آلاف. وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم: من حديث زهير، عمن سمع أبا العالية، حدَّثني أبيّ بن كعب: أنه سألَ رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] قال: "يزيدون عشرين ألفًا" (٢). فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلًا في هذا الباب. وعن ابن عباس: كانوا مئة ألف وثلاثين ألفًا. وعنه: وبضعة وثلاثين ألفًا. وعنه: وبضعة وأربعين ألفًا. وقال سعيد بن جبير: كانوا مئة ألف وسبعين ألفًا (٣). واختلفوا هل كان إرساله إليهم قبل الحوت أو بعده، أو هما أُمَّتان؟ على ثلاثة أقوال، هي مبسوطة في التفسير (٤). والمقصودُ أنَّه ﵇ لما ذهبَ مُغاضبًا بسبب قومِه، ركبَ سفينةً في البحر فلجَّت (٥) بهم واضطربتْ وماجتْ بهم وثَقُلتْ بما فيها، وكادُوا يغرقونَ على ما ذكره المفسرون. قالوا: فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخفَّفوا (٦) منه. فلما أقرعوا (٧) وقعت القرعة على نبيِّ الله يونس، فلم يسمحوا به، فأعادوها ثانيةً فوقعت عليه أيضًا، فشمَّر (٨) ليخلعَ ثيابه ويُلقي بنفسه فأبوا عليه ذلك.

стр. 425

ثم أعادوا القرعةَ ثالثةً فوقعتْ عليه أيضًا، لما يُريده الله به من الأمر العظيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٢]. وذلك أنه لما وقعتْ عليه القُرْعة أُلقيَ في البحر، وبعثَ الله حوتًا عظيمًا من البحر الأخضر فالتقمَه، وأمره الله تعالى ألَّا يأكلَ له لحمًا ولا يهشمَ له عظمًا، فليس لك برزقٍ، فأخذه فطافَ به البحار كلَّها. وقيل: إنه ابتلعَ ذلك الحوتَ حوتٌ آخرُ أكبر منه. قالوا: ولما استقرَّ في جَوْفِ الحوت حَسِبَ أنَّه قد ماتَ، فحرَّك جوارحَه فتحرَّكتْ، فإذا هو حيٌّ، فخرَّ لله ساجدًا، وقال: يا رب اتَّخذتُ لك مسجدًا [في موضع] (١) لم يعبدْكَ أحدٌ في مثله. وقد اختلفوا في مقدار (٢) لُبْثِه في بطنه، فقال مجالدٌ عن الشعبي: التقمه ضُحىً ولفظه عشيَّةً. وقال قتادة: مكث فيه ثلاثًا. وقال جعفر الصادق: سبعة أيام. ويشهدُ له شعر أُميَّة بن أبي الصلت: [من الطويل] وأنتَ بفضلٍ منكَ نجّيت يُونُسًا … وقدْ باتَ في أضعافِ حُوتٍ لياليا (٣) وقال سعيدُ بن أبي الحسن، وأبو مالك: مكثَ في جوفه أربعينَ يومًا. والله أعلمُ كم مقدار ما لبثَ فيه. والمقصود أنَّه لما جعل الحوتُ يطوفُ به في قرار البحار، ويقتحمُ به لُجج المَوْجِ الأجاجي، فسمعَ تسبيح الحِيتان للرحمن، وحتى سمعَ تسبيحَ الحصى لفالق الحَبِّ والنَّوى وربّ السموات السبع والأرضين السبع، وما بينها وما تحتَ الثرى. فعندَ ذلك وهنالكَ قال ما قال بلسان الحال والمقَال، كما أخبرَ عنه ذو العِزة والجلال، الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضرَّ والبلوى، سامع الأصوات وإن ضعفتْ، وعالم الخفيَّات وإن دقَّت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين المنزل على رسوله الأمين، وهو أصدق القائلين وربّ العالمين وإله المرسلين: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ﴾ إلى أهله ﴿مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] فظنَّ أن لن نقدر عليه: أن نضيق، وقيل معناه: نقدر من التقدير، وهي لغة مشهورة قدر وقدّرَ، كما قال الشاعر: [من الطويل] فلا عائدٌ ذاك الزمانُ الذي مضى … تباركْتَ، ما يُقدَرْ يكُنْ، فَلكَ الأمرُ ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قال ابن مسعود، وابن عبَّاس، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جُبير،

стр. 426

ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، والضحاك: ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل (١). وقال سالم بن أبي الجعد: ابتلعَ الحوتَ حوتٌ آخر فصارتا: ظلمة الحُوتين مع ظُلْمة البحر (٢). قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] قيل: معناه لولا أنه سبَّح اللّهَ هنالك وقالَ ما قالَ من التهليل والتسبيح والاعتراف للّه بالخضوع والتوبة إليه والرجوع إليه، للبث هنالك إلى يوم القيامة، ولبُعثَ من جوف ذلك الحوت. هذا معنى ما رُوي عن سعيد بن جبير (٣) في إحدى الروايتين عنه، وقيل: معناه ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ﴾ من قبل أخذ الحوت له ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ أي: المطيعين المصلِّين الذاكرينَ الله كثيرًا، قاله: الضَّحاكُ بن قيس، وابن عبَّاس، وأبو العالية، ووهْبُ بن مُنبِّه، وسعيد بن جبير، والضَّحاك، والسُّدِّي، وعطاء بن السَّائب، والحسن البصري، وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير (٤). ويشهدُ لهذا ما رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن: عن ابن عبَّاس أن رسول الله ﷺ قال لي: "يا غلام إنِّي مُعلِّمكَ كلماتٍ: احفظ الله يحفظْكَ، احفظِ الله تجدْه تُجاهَكَ، تعرَّفْ إلى الله في الرَّخاء يعْرفكَ في الشِّدَّة" (٥). وروى ابنُ جرير في تفسيره، والبزَّار في مسنده، من حديث محمد بن إسحاق، عمن حدَّثه، عن عبد الله بن رافع مولى أمِّ سلمة، سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لما أرادَ الله حبسَ يونسَ في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذ، ولا تخدشْ لحمًا، ولا تكسرْ عظمًا. فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمعَ يونسُ حسًّا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوتِ: إن هذا تسبيح دوابِّ البحر. قال: فسبَّح وهو في بطن الحوت، فسمعتِ الملائكةُ تسبيحَه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتًا بأرض غريبة. قال: ذلك عبدي يُونس عصاني، فحبستُه في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبدُ الصَّالحُ الذي كان يصعدُ إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحُوتَ فقذَفه في السَّاحل، كما قال الله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ ". هذا لفظ ابن جرير (٦) إسنادًا ومتنًا.

стр. 427

ثم قال البزَّارُ (١): لا نعلمه يُروى عن النبيِّ إلا بهذا الإسناد، كذا قال. وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدَّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن أخي ابن وَهْب، حدَّثنا عمي، حدَّثني أبو صخر؛ أن يزيدَ الرقاشيّ حدَّثه، سمعت أنس بن مالك -ولا أعلم إلا أن أنسًا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ أن يونس النبي ﵇ حين بدا له أن يدعوَ بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت، قال: اللهم ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فأقبلتِ الدعوةُ تحن بالعرش، فقالت الملائكة: يا ربِّ! صوتٌ ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: يا ربّ ومن هو؟ قال: عبدي يُونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزلْ ترفع له عملًا متقبلًا، ودعوة مجابة، قالوا: يا ربَّنا أو لا ترحم ما كان يصنعُه في الرخاء فتُنجيه من البلاء؟ قال: بلى فأمرَ الحوتَ فطرحَه في العراء (٢). ورواه ابن جرير (٣): عن يونس، عن ابن وَهْب، به. زاد ابن أبي حاتم (٤): قال أبو صخر حميد بن زياد: فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدِّثه هذا الحديث، أنه سمع أبا هريرة يقول: طُرح بالعراء، وأنبت الله عليه اليقطينة [قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينةُ؟] (٥) قال شجرة الدُّباء. قال أبو هريرة: وهيَّأَ الله له أرويه (٦) وحشيَّةً، تأكلُ من خشَاش الأرض -أو قال: هشاش الأرض- قال: فتفشخ (٧) عليه، فترويه من لبنها كل عشية وبكرة، حتى نبتَ. وقال أميَّةُ بن أبي الصَّلْتِ في ذلك بيتًا من شعره: [من الطويل] فأنْبَتَ يقطينًا عليهِ برحمةٍ … مِنَ اللّهِ لولا اللّهُ أصبحَ ضاويًا (٨) وهذا غريب أيضًا من هذا الوجه، ويزيد الرَّقاشيّ ضعيف، ولكنْ يتقوَّى بحديث أبي هريرة المتقدّم، كما يتقوَّى ذاك بهذا، والله أعلم. وقد قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أي: ألقيناه (بالعَراء) وهو المكان القَفْر الذي ليس فيه شيءٌ من الأشجار، بل هو عارٍ منها ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف البدن. قال ابن مسعود: كهيئة الفَرْخ، ليس

стр. 428

عليه ريش. وقال ابن عبَّاس (١) والسُّدِّي وابنُ زيد: كهيئة الصَّبيّ حين يُولد وهو المنفوس ليس عليه شيء ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾. قال ابن مسعود، وابن عبَّاس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جُبير، ووهْب بن منبه، وهلال بن يساف، وعبد الله بن طاووس، والسُّدّي، وقتادة، والضَّحَّاك، وعطاء الخراساني، وغير واحد: هو القَرْعُ (٢). قال بعض العلماء: في إنبات القَرْع عليه حِكم جَمَّة: منها: أن ورقه في غاية النعومة، وكثير وظليل، ولا يقربه ذبابٌ، ويُؤكل ثمرُه من أوَّل طلوعه إلى آخره نِيئًا ومطبوخًا، وبقشره وببزره أيضًا. وفيه نفع كثير وتقوية للدِّماغ وغير ذلك. وتقدَّم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الأروية التي كانت تُرضعه لبنها وترعى في البرية وتأتيه بكرةً وعشيَّة. وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي: الكرب والضِّيق الذي كان فيه ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجارَ بنا. قال ابن جرير (٣): حدَّثني عمران بن بكَّار الكُلاعي، حدَّثنا يحيى بن صالح، حدَّثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدَّثني بشر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعتُ سعدَ بن مالك، -وهو ابن أبي وقاص- يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "اسم الله الذي إذا دُعي به أجابَ، وإذا سُئل به أَعْطى؛ دعوةُ يونس بن متَّى، قال: فقلت: يا رسولَ الله! هي ليونس خاصَّة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس بن متَّى خاصَّة، وللمؤمنين عامَّة إذا دَعَوْا بها، ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨] فهو شرطٌ من الله لمن دعاه به". وقال ابن أبي حاتم (٤): حدَّثنا أبو سعيد الأشجُّ، حدَّثنا أبو خالد الأحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حَنْطَب، قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب، يعني ابن سعد، عن سعدٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "منْ دَعا بدعاءَ يُونس استجيبَ له" قال أبو سعيد الأشجُّ: يُريد به ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذان طريقان عن سعد. وثالث أحسنُ منهما: قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا إسماعيل بن عمر، حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق الهَمْداني، حدَّثنا

стр. 429

إبراهيم بن محمد بن سعد، حدَّثني والدي محمد، عن أبيه سعد -وهو ابن أبي وقَّاص- قال: مررتُ بعثمانَ بن عفَّان في المسجد، فسلَّمتُ عليه، فملأ عينيه منِّي ثم لم يردَّ عليّ السلام، فأتيتُ عمرَ بن الخطَّاب، فقلت: يا أمير المؤمنين: هل حدثَ في السلام شيءٌ؟ قال: لا، وما ذاك؟ قلت: لا إلا أني مررتُ بعثمان آنفًا في المسجد فسلَّمت عليه، فملأ عينيْه منِّي ثم لم يرد عليّ السلام. قال: فأرسلَ عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعكَ ألا تكونَ رددتَ على أخيك السلام؟ قال: ما فعلتُ، قال سعد: قلت: بلى، حتى حلفَ وحلفتُ، قال: ثم إنَّ عثمانَ ذكرَ فقال: بلى، وأستغفرُ الله وأتوبُ إليه. إنك مررتَ بي آنفًا، وأنا أُحدِّث نفسي بكلمة سمعتُها من رسول الله ﷺ : لا والله ما ذكرتُها قط إلا تغشَّى بصري وقلبي غشاوة. قال سعد: فأنا أُنبئك بها، إنَّ رسول الله ﷺ ذكرَ لنا أوَّلَ دعوة، ثم جاء أعرابي فشغلَه حتى قام رسول الله ﷺ فاتَّبعتُه، فلما أشفقتُ أن يَسبقني إلى منزله ضربتُ بقدمي الأرضَ، فالتفتَ إليَّ رسول الله ﷺ فقال: "منْ هذا؟ أبو إسحاق" قال: قلت: نعم يا رسول الله! قال: "فمه؟ " قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلكَ، قال: "نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه لم يدعُ بها مسلمٌ ربَّه في شيء قطُّ إلا استجابَ له". ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به (١). * * * ذكر فضل يونس ﵇ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] وذكرَه تعالى في جملة الأنبياء الكرام في سورتي النساء والأنعام، عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام. وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا ينبغي لعبدٍ أن يقولَ أنا خير من يُونس بن متَّى". ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به (٣).

стр. 430

وقال البخاري أيضًا (١): حدَّثنا حفصُ بن عمرَ، حدَّثنا شعبة، عن قتادةَ، عن أبي العالية، عن ابن عبَّاس، عن النبي ﷺ قال: "ما ينبغي لعبد أن يقولَ إنِّي خير من يونسَ بن متى" ونسبه إلى أبيه. ورواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به (٢). قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه: لم يسمع قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث هذا أحدُها. وقد رواه الإمام أحمد (٣) عن عفَّان، عن حمَّاد بن سلمة، عن عليِّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "وما ينبغي لعبدٍ أن يقولَ أنا خير من يونسَ بن متَّى" تفرّد به أحمد (٤). ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني (٥): حدَّثنا محمَّد بن الحسن بن كَيْسان، حدَّثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن أبي يحيى القتَّات، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا ينبغي لأحدٍ أن يقولَ أنا عند الله خيرٌ من يونسَ بن متَّى". إسناده جيد ولم يُخرِّجوه (٦). وقال البخاري (٧): حدَّثنا أبو الوليد، حدَّثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حُميدَ بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا ينبغي لعبدٍ أن يقولَ أنا خيرٌ من يونسَ بن متَّى". وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به (٨). وفي البخاري ومسلم (٩): من حديث عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، في قصة المسلم الذي لطمَ وجهَ اليهوديّ حين قال: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. قال البخاري في آخره: "ولا أقول: إن أحدًا أفضلُ من يونس بن متَّى"، وهذا اللفظ يقوّي أحدَ القولين من المعنى: لا ينبغي لأحد أن يقولَ: أنا خيرٌ من يونسَ بن متَّى، أي: ليس لأحد أن يُفضِّل نفسَه على يونسَ.

стр. 431

والقولُ الآخر: لا ينبغي لأحدٍ أن يُفضِّلني على يونسَ بن متَّى، كما قد وردَ في بعض الأحاديث: "لا تُفضِّلُوني على الأنبياء ولا على يونسَ بن متَّى"، وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلواتُ الله وسلامُه عليه وعلى سائر أنبياء الله المرسلين. * * * انتهى الجزء الأول من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء الثاني وأوله: ذكر قصة موسى ﵇

стр. 432

البداية والنهاية «قصص الأنبياء - أخبار الماضين» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه د. علي أبو زيد أبو زيد راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء الثاني

стр. 433

قصة موسى الكليم وهو موسى بن عِمْرَان بن يافث (١) بن عازَر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١ - ٥٣]. وقد ذكره الله تعالى في مواضعَ كثيرةٍ متفرِّقةٍ من القرآن. وذكر قصّته في مواضع متعددةٍ مبسوطةٍ مطوَّلةٍ وغيرِ مطوّلة، وقد (٢) تكلّمنا على ذلك كلّه في مواضعه من (التفسير) (٣)، وسنوردُ سيرته هاهنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسُّنَّة، وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات التي ذكرها السَّلَف وغيرهم إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التُّكلان (٤). قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ١ - ٦]. يذكر تعالى ملخص القصّة، ثم يبسطها بعد هذا، فذكر أنّه يتلو على نبيّه خبر موسى وفرعونَ بالحقِّ، أي: بالصدق الذي كأنَّ سامعه مشاهد للأمر معاين له: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، أي: تجبَّر، وعتا، وطغى، وبغى، وآثر الحياة الدُّنيا، وأعرض عن طاعة الرَّبِّ الأعلى ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي قسم رعيته إلى أقسام وفرقٍ وأنواعٍ يستضعف طائفةً منهم، وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سُلالة نبيِّ الله يعقوب بن نبي الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله، وكانوا إذ ذاك خيارَ أهل الأرض. وقد سُلِّطَ عليهم هذا الملكُ الظالم الغاشم الكافر الفاجر، يستعبدهم ويستخدمهم في أخسِّ الصنائعِ والحِرفِ، وأرداها وأدناها، ومع هذا ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وكان الحاملَ له على هذا الصنيعِ القبيحِ أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما كانوا يأثرونه عن

стр. 434

إبراهيم ﵇ من أنّه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاكُ ملك مِصْرَ على يديه، وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارَة امرأة الخليل من ملك مصر من إرادتِهِ إيّاها على السوء (١)، وعصمةِ الله لها. وكانت هذه البِشارة مشهورة في بني إسرائيل فتحدَّث بها القبط فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون، فذكرها له بعض أُمرائه وأَساورته (٢) وهم يسمُرون عنده؛ فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل حذرًا من وجود هذا الغلام، (ولَنْ يُغْني حَذَرٌ مِنْ قَدَر) (٣). وذكر السُّدِّي (٤)، عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عَبَّاس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة أن فرعون رأى في منامه كأنّ نارًا قد أقبلت من نحو بيت المَقْدس فأحرقت دور مصر وجميعَ القبط، ولم تضرَّ بني إسرائيل، فلما استيقظ هالَه ذلك، فجمع الكهنةَ والحَزَأَة (٥) والسَّحرة، وسألهم عن ذلك فقالوا: هذا غلامٌ يولد من هؤلاء يكون سببُ هلاكِ أهل مِصْرَ على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وهم بنو إسرائيل، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ أي الذين يؤول ملك مِصْرَ وبلادها إليهم ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ أي: سنجعل الضعيفَ قويًا، والمقهورَ قاهرًا، والذليلَ عزيزًا، وقد جرى هذا كلّه لبني إسرائيل كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا. . .﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.

стр. 435

والمقصودُ أن فرعون احترز كُلَّ الاحتراز أن لا يوجدَ موسى، حتى جعل رجالًا وقوابلَ يدورون على الحبالى، ويَعلمون ميقات وضعهن، فلا تلد امرأةٌ ذكرًا إلا ذبحه أولئك الذبَّاحون من ساعته. وعند أهل الكتاب: أنَّه إنَّما كان يأمر بقتل الغلمان ليُضعف شوكةَ بني إسرائيلَ فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم. وهذا فيه نظرٌ، بل هو باطلٌ، وإنّما هذا في الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ [غافر: ٢٥] ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، فالصّحيح أن فرعون إنّما أمر بقتل الغلمان أولًا حذرًا من وجود موسى -كما قدمناه- (١). هذا والقدر يقول: يا أيّها ذا الملكُ الجبّار المغرور بكثرة جنوده، وسلطة بأسه، واتِّساع سلطانه، قد حكم العظيم الذي لا يغالَب، ولا يمانَع، ولا تخالَف أقدارُه، أنّ هذا المولود الذي تحترز منه، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصى، لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك، ولا يغذّى إلّا بطعامك، وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبنّاه، وتربيه، وتتعداه (٢)، ولا تطَّلع على سرِّ معناه، ثم يكون هلاكُك في دنياك وأخراك على يديه، لمخالفتك ما جاءك به من الحقِّ المبين، وتكذيبك ما أُوحيَ إليه لتعلم أنت وسائر الخلق أن ربَّ السماوات والأرض هو الفعَّال لما يريدُ، وأنّه هو القويُّ الشديد، ذو البأس العظيم، والحول، والقوّة، والمشيئة التي لا مردّ لها. وقد ذكر غيرُ واحدٍ من المفسّرين أن القِبْط شكوا إلى فرعون قِلّة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور، وخشوا (٣) أن تتفانى الكبار مع قتل الصِّغار، فيصيرون هم الذين يلُون ما كان بنو إسرائيل يعالجون، فأمر فرعونُ بقتل الأبناء عامًا وأن يُتركوا عامًا، فذكروا أن هارون ﵇ ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء، وأن موسى ﵇ ولد في عام قتلِهم، فضاقت أمُّه به ذَرْعًا، واحترزت من أوّل ما حَبِلت، ولم يكن يظهر عليها مخاييل الحبل (٤)، فلما وضعت أُلهمت أنِ اتخذتْ له تابوتًا، فربطته في حبلٍ، وكانت دارها متاخمة للنيل، فكانت ترضعه؛ فإذا خشيت من أحدٍ وضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر، وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته (٥) إليها به. قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ

стр. 436

وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٧ - ٩]. هذا الوحي: وحيُ إلهامٍ وإرشادٍ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ الآية [النحل: ٦٨ - ٦٩]، وليس هو بوحي نبوّةٍ، كما زعمه ابن حَزمٍ. وغير واحدٍ من المتكلّمين، بل الصّحيح الأول؛ كما حكاه أبو الحسن الأشعريّ عن أهل (١) السُّنَة والجماعة. قال السُّهَيلي (٢): واسم أم موسى أيارخا. وقيل: أياذخت. والمقصود أنها أُرشدت إلى هذا الذي ذكرناه، وأُلقيَ في خَلَدها ورَوْعها أنْ لا تخافي، ولا تحزني؛ فإنه إنْ ذَهَب فإن الله سيردّه إليك، وإن الله سيجعله نبيًا مرسلًا يُعلي كلمته في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أُمرت به، فأرسلته ذاتَ يوم وذَهَلَتْ أن تربط طرف الحبل عندَها، فذهب مع النيل، فمرّ على دارِ فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ قال الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. قال بعضهم (٣): هذه لام العاقبة، وهو ظاهر إن كان متعلقًا بقوله ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾، وأمّا إن جعل متعلقًا بمضمون الكلام، وهو أنَّ آل فرعون قُيِّضوا لالتقاطه ليكونَ لهم عدوًّا وحزَنًا، صارت اللّام معلِّلةً كغيرها، والله أعلم. ويقوّي هذا التقدير (٤) الثاني قوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾؛ أي: هم أهلٌ لهذا التقييض ليكون أبلغ في إهانتهم، وأقوى في حسرتهم؛ أن يربّوا عدوَّهم في دارهم. ولهذا قال: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ (٥). وهو الوزير السَّوْء ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ المتابعين لهما ﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾؛ أي كانوا على خلاف الصّواب، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة. وذكر المفسّرون (٦): أنّ الجواري التقطْنه من البحر في تابوتٍ مغلق عليه، فلم يتجاسرْنَ على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عُبَيد بن الرَّيَّان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف، وقيل: إنّها كانت من بني إسرائيل من سِبط موسى، وقيل: بل كانت عمته. حكاه السُّهيلي (٧)، فالله أعلم.

стр. 437

وسيأتي مدحُها والثناءُ عليها في قصّة مريمَ بنتِ عمران، وأنّهما يكونان يوم القيامة من أزواجِ رسولِ الله ﷺ في الجنَّة. فلما فتحتِ الباب، وكشفت الحجاب، رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبويّة، والجلالة الموسويّة، فلمّا رأته ووقع نظرها عليه أحبَّته حبًّا شديدًا جدًا، فلما جاء فرعونُ قال: ما هذا؟ وأمَرَ بذبحه، فاستوهبته منه، ودفعت عنه ﴿وَقَالَتِ … قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾، فقال لها فرعون: أمّا لكِ فنعم، وأمَّا لي فلا، أي: لا حاجة لي به. والبلاءُ مُوَكَّلٌ بالمنطِقِ (١). وقولها: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، وقد أنالها الله ما رَجَت منه من النفع، أَمّا في الدُّنيا فهداها الله به، وأمّا في الآخرة فأسكنها جنته بسببه، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾؛ وذلك أنّهما تبنّياه لأنه لم يكن يولد لها (٢) ولد. قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا يدرون ماذا يريد الله بهم أَنْ قيّضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده (٣). ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٠ - ١٣]. قال ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمه (٤)، وسعيد بن جُبيرِ، وأبو عُبيدة، والحسن (٥)، وقتادة،

стр. 438

والضحّاك، وغيرهم ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ أي: من كل شيءٍ من أمور الدنيا إلّا من موسى ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: لتظهر أمرَه وتسأل عنه جهرة، ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: صبّرناها وثبّتناها ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقالت لأخته، وهي ابنتها الكبيرة: ﴿قُصِّيهِ﴾ أي: اتَّبعي أثره واطلبي لي (١) خبره ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ قال مجاهد: عن بُعدٍ. وقال قتادة: جَعَلَتْ تنظر إليه وكأنّها لا تريده؛ ولهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن موسى ﵇ لما استقرَّ بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعةٍ، فلم يقبل ثديًا، ولا أخذ طعامًا، فحاروا في أمره، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن، فلم يفعل، كما قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾، فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعل يجدون من يوافق رضاعته، فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه؛ إذ بصُرتْ به أخته فلم تُظْهِرْ أنها تعرفه، بل قالت: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. قال ابن عباس: لمّا قالت ذلك قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه؟ فقالت: رغبة في صهر الملك (٢)، ورجاء منفعته. فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمّه، فلمّا أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، وذهب البشير إلى آسية يُعلمها بذلك، فاستدعتها إلى منزلها، وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن تحسن إليها، فأبت عليها، وقالت: إن لي بعلًا وأولادًا، ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها، ورتبت لها رواتب، وأجرت عليها النفقات، والكسا (٣)، والهبات فرجعت به تحوزه (٤) إلى رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها. قال الله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، أي: كما وعدناها بردِّه ورسالته، فهذا ردُّه، وهو دليل على صدق البشارة برسالته ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلَّمه (٥) فقال له فيما قال له: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي (٦) وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٧ - ٣٩]، إذ قال قتادة، وغير واحد من السَّلف (٧): أي تُطْعَم وتُرفه وتُغذى

стр. 439

بأطيب المآكل، وتلبس أحسن الملابس (١) بمرأىً مني، وذلك كلّه بحفظي وكلاءتي لك فيما صنعت بك ولك، وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ (٢) إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]، وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التُّكلان. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٤ - ١٧]. لما ذكر تعالى أنّه أنعم على أمّه بردّه (٣) لها، وإحسانه بذلك، وامتنانه عليها، شرع في ذكر أنه لما ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ وهو احتكام (٤) الخَلْق والخُلُق، وهو سنّ الأربعين في قول الأكثرين، آتاه الله حكمًا وعلمًا، وهو النبوّة والرسالة التي كان بَشَر بها أمّه حين قال: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. ثم شرع في ذِكر سبب خروجه من بلاد مصر، وذهابه إلى أرض مَدين، وإقامته هنالك حتى كمل الأجل، وانقضى الأمد (٥)، وكان ما كان من كلام الله له، وإكرامه بما أكرمه به، كما سيأتي. فقال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾. قال ابن عباس، وسعيد بن جُبير، وعِكْرمة، وقَتادة، والسُّدِّي (٦): وذلك نصف النهار. وعن ابن عبَّاس: بين العشاءين ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ أي: يتضاربان ويتهاوشان ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: إسْرائيلي ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي: قبطي. قاله ابن عبَّاس، وقتادة، والسّدّي، ومحمد بن إسحاق. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وذلك أن موسى ﵇ كانت له بديار مِصْرَ صَولةٌ بسبب نسبته إلى تبني فرعون له، وتربيته في بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزّوا وصارت لهم وجاهةٌ، وارتفعت رؤوسهم بسبب أنّهم أرضعوه وهم أخواله، أي: من الرَّضاعة. فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى ﵇ على ذلك القبطي أقبل إليه موسى ﴿فَوَكَزَهُ﴾. قال

стр. 440

مجاهد (١): أي: طعنه بجُمعِ كفِّه. وقال قتادة: بعصًا كانت معه، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، أي: فمات منها. وقد كان ذلك القبطي كافرًا مشركًا بالله العظيم، ولم يُرِدْ موسى قتله بالكلّية، وإنما أراد زَجْره وردْعَه، ومع هذا قال موسى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي: من العزِّ والجاه ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ١٧ - ٢١]. يخبر تعالى أنّ موسى أصبح بمدينة مصر خائفًا، أي: من فرعون ومَلَئِهِ أن يعلموا أنَّ هذا القتيل الذي رُفِع إليه أمرُه إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل، فتقوى ظنونهم أنّ موسى منهم، ويترتَّب على ذلك أمرٌ عظيم، فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أي: يتلفّتُ (٢)، فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه، أي: يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله، فعنَّفه موسى، ولامه على كثرة شرّه ومخاصمته، قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدوٌّ لموسى وللإسرائيلي فيردعه عنه، ويخلّصه منه، فلما عزم على ذلك؛ وأقبل على القبطي ﴿قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. قال بعضهم: إنما قال هذا الكلام الإسرائيلي الذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس، وكأنّه لما رأى موسى مقبلًا إلى القبطي اعتقد أنّه جاء إليه لمّا عنَّفه قبل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فقال ما قال لموسى، وأظهر الأمرَ الذي كان وقع بالأمس، فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون، وهذا الذي لم يذكر كثيرٌ من النّاس سواه. ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي، وأنه لما رآه مقبلًا إليه خافه، ورأى من سجيّته انتصارًا جيدًا للإسرائيلي، فقال ما قال من باب الظن والفراسة إن هذا لعلّه قاتل ذاك القتيل بالأمس، أو لعلّه فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دلّه على هذا. والله أعلم. والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس، فأرسل في طلبه، وسبقهم رجلٌ ناصحٌ من طريق أقرب، وجاءه من أقصى المدينة ساعيًا إليه مشفقًا عليه، فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ

стр. 441

يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ أي: من هذه البلدة (١) ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾، أي: فيما أقوله لك. قال الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، أي: فخرج من مدينة مِصْرَ من فوره على وجهه، لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ (٢) وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢١ - ٢٤]. يخبر تعالى عن خروج (٣) عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفًا يترقّب؛ أي: يتلفّت خشية أن يدركه أحدٌ من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجَّه، ولا إلى أين يذهب، وذلك لأنّه لم يخرج من مصر قبلها. ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: اتجه له طريقٌ يذهب فيه ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. أي: عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود، وكذا وقع، أوصلته (٤) إلى مقصود، وأي مقصود. ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ وكانت بئرًا يستقون منها، ومَدْيَن (٥) هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأَيْكة، وهم قوم شعيب، ﵇، وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى ﵇ في أحد قولي العلماء (٦)، ولما ورد الماء المذكور ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ أي: تكفكفان غنمهما أن تختلط بغنم النَّاسَ (٧). ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ

стр. 442

وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أي: لا نقدر على وِرد الماء إلَّا بعد صدور الرَّعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه الرعْية ضعف أبينا وكبره. قال الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾. قال المفسرون (١): وذلك أن الرِّعاء كانوا إذا فرغوا من وِردهم وضعوا على فم البئر صخرةً عظيمةً، فتجيء هاتان المرأتان، فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس. فلما كان ذلك اليوم، جاء موسى، فرفع تلك الصخرة وحدَه، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم ردَّ الحجر كما كان. قال أمير المؤمنين عمر (٢): وكان لا يرفعه إلا عشرة، وإنما استقى ذَنُوبًا (٣) واحدًا فكفاهما. ثمّ تولى إلى الظلِّ، قالوا: وكان ظل شجرة من السَّمُرِ (٤). روى ابن جرير (٥)، عن ابن مسعود؛ أنه رآها خضراء ترفّ (٦) ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. قال ابن عبَّاس: سار من مصر إلى مَدْيَن لم يأكل إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيًا فسقطت نعلا قدميه (٧) من الحفاء، وجلس في الظِّل، وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع، وإنّ خُضْرَةَ البقل لتُرى من داخل جوفه، وإنّه لمحتاج إلى شقِّ تمرة. قال عطاء بن السَّائب: لما قال ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ أسمع المرأة ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾ [القصص: ٢٥ - ٢٨]. لَمَّا جلس موسى ﵇ في الظل، وقال ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ سمعته

стр. 443

المرأتان (١) -فيما قيل- فذهبتا إلى أبيهما، فيقال: إنه استنكر سرعة رجوعهما، فأخبرتاه ما كان من أمر موسى ﵇، فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، أي: مَشْيَ الحرائِرِ، قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ صرَّحت له بهذا لئلّا يوهم كلامُها ريبةً. وهذا من تمام حيائها وصيانتها. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ وأخبره خبره، وما كان من أمره في خروجه من بلاد مِصْرَ فرارًا من فرعونها ﴿قالَ لَهُ﴾ ذلك الشيخ: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: خرجت من سلطاتهم فلست في دولتهم. وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل: هو شعيبٌ ﵇، وهذا هو المشهور عند كثيرين (٢). وممَّن نصّ عليه: الحسن البصري، ومالك بن أنس. وجاء مصرحًا به في حديث (٣)، ولكن في إسناده نظر. وصرّح طائفةٌ بأن شعيبًا ﵇ عاش عمرًا طويلًا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى ﵇ وتزوَّج بابنته (٤). وروى ابن أبي حاتم وغيره، عن الحسن البصري، أن صاحب موسى ﵇ هذا اسمه شعيب، وكان سيّد الماء، ولكن ليس بالنَّبي صاحب مَدْيَن. وقيل: إنّه ابن أخي شعيب. وقيل: ابن عمه. وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب. وقيل: رجل اسمه يثرون، هكذا هو في كتب أهل الكتاب: يثرون كاهن مَدْين؛ أي: كبيرها وعالمها. قال ابن عبَّاس وأبو عُبَيْدة بن عبد الله: اسمه بترون (٥). زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب. زاد ابن عبَّاس: صاحب مَدين (٦).

стр. 444

والمقصود أنّه لما أضافه، وأكرم مثواه، وقصَّ عليه ما كان من أمره، بشَّره بأنّه قد نجا، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾، أي: لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قويٌّ أمينٌ. قال عَمْرو (١) وابن عبَّاس، وشريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد: لمّا قالت ذلك قال لها أبوها: وما علمك بهذا؟ فقالت: إنّه رفع صخرةً لا يطيق رفعها إلا عسْرة. وإنه لما جئت معه تقدمتُ أمامه، فقال: كوني من ورائي، فإذا اختلفت الطريق فاحذفي (٢) لي بحصاةٍ أعلم بها كيف الطريق. قال ابن مسعود: أفرسُ النَّاس ثلاثة: صاحب يُوسف حين قال لامرأته ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١]. وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب (٣). ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾. استدلّ بهذا جماعةٌ من أصحاب أبي حنيفة ﵀ على صحّة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين، ونحو ذلك أنّه يصحُّ لقوله: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾. وفي هذا نظر؛ لأنّ هذه مُراوضةٌ لا معاقدةٌ. والله أعلم. واستدلّ أصحابُ أحمد على صحّة الإيجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة، واستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجه في "سننه" مترجمًا عليه كتابه (٤): باب استئجار الأجير على طعام بطنه. حدثنا محمد بن مصفّى (٥) الحمصي، حدثنا بقيَّة بن الوليد، عن مَسْلَمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن عُلَي بن رباح قال: سمعت عتبة بن النُذَّر (٦) يقول: كُنَّا عند

стр. 445

رسول الله ﷺ فقرأ ﴿طس﴾ حتى إذا بلغ قصة موسى قال: "إنَّ موسى ﵇ أجَرَ نفسه ثماني سنين أو عشرة (١) على عِفَّةِ فَرْجهِ وطعام بطنهِ (٢) ". وهذا من هذا الوجه لا يصح؛ لأن مَسْلَمة بن عُلي الخشني (٣) الدمشقي البلاطي ضعيف عند الأئمّةِ لا يُحتج بتفرّد (٤) ولكن قد روي من وجهٍ آخر. وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، حدّثني ابن لَهِيعة. (ح) (٥)، وحدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا صفوان، حدّثنا الوليد، حدّثنا عبد الله بن لَهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عُلَي بن رَباح اللَّخمي، قال: سمعت عتبة بن النُّدَّر السّلمي صاحب رسول الله ﷺ يحدِّث أن رسول الله قال: "إنَّ مُوسَى ﵇ أجرَ نَفْسَه لِعِفةِ فَرْجِهِ وَطعْمَةِ بَطْنِهِ" (٦). ثم قال تعالى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨]. يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت، فأيّهما قضيت (٧) فلا عدوان عليّ، والله على مقالتنا سامع، ومشاهد، ووكيل عَليَّ وعليك، ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكملَ الأجلين وأتمّهما، وهو العشر سنين كوامل تامّة. قال البخاري: حدَّثنا محمد بن عبد الرَّحيم، حدثنا سعيد بن سُليمان، حدّثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفْطس، عن سعيد بن جُبير، قال: سألني يَهودي من أهل الحِيْرةِ: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حَبرِ العرب فأسأله، فقدمتُ، فسألت ابنَ عبَّاس، فقال: قَضَى أكثرَهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل (٨). تفرّد به البخاري من هذا الوجه.

стр. 446

وقد رواه النسائي في حديث الفتون -كما سيأتي- من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير (١). وقد رواه ابن جرير (٢) عن أحمد (٣) بن محمد الطُّوسي، وابن أبي حاتم عن أبيه، كلاهما عن الحُميدي، عن سفيان بن عُيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس: أن رسول الله ﷺ قال: "سألتُ جِبْرِيْلَ: أيَّ الأَجَلَيْن قَضَى مُوْسَى؟ قَالَ: أَتَمَّهُمَا وَأَكْمَلَهُما" (٤). وإبراهيم هذا غير معروف إلَّا بهذا الحديث. وقد رواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عُيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحاكم بن أَبَان، عن عِكْرمة، عن ابن عبَّاس، عن النَّبيِّ ﷺ (٥) فذكره. وقد رواه سُنيد، عن حجّاج، عن ابن جُريج، عن مُجاهدٍ مرسلًا، أن رسول الله سأل عن ذلك جبريلَ، فسأل جبريلُ إسرافيلَ، فسأل إسرافيلُ الربَّ فقال: "أبرّهما وأوفاهما". وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرح مُرسلًا. ورواه ابن جرير (٦) من طريق محمد بن كعب أن رسول الله ﷺ سُئِل: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أوفاهما وأتمّهما. وقد رواه البزّار وابن أبي حاتم من حديث عُوْبَد (٧) بن أبي عمران الجَوْني، وهو ضعيف عن أبيه، عن عبد الله بن الصَّامت، عن أبي ذَرٍّ، أن رسول الله ﷺ سُئِل: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: "أوفاهما

стр. 447

وأبرّهما". قال: وإن سُئِلتَ: أيَّ المرأتين تزوّج؟ فقل: الصغرى منهما (١). وقد رواه البزار وابن أبي حاتم، من طريق عبد الله بن لَهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عُلَيّ بن رَباح، عن عُتبة بن النُّدَّر، أن رسول الله قال: "إِنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَه بِعِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعامِ بَطْنِهِ" فلمَّا وفّى الأجل، قيل: يا رسول الله أيَّ الأجلين؟ قال: "أبرَّهما وأوفاهما". فلما أراد فراق شعيب سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون (٢) من وُلْدِ ذلك العام، وكانت غنمه سودًا حسانًا، فانطلق موسى ﵇ إلى عصا قسمها من طرفها، ثُمَّ وضعها في أدنى الحوض، ثُمَّ أوردها فسقاها، ووقف موسى ﵇ بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاةٌ إلا ضرِب جنبها شاةً شاةً، فال فأتأمت وألبنت (٣) ووضعت كلّها قوالب ألوان، إلا شاةً أو شاتين، ليس فيها فَشُوش ولا ضَبُوب ولا عَزُوز ولا ثَعُول، ولا كَمْشَة (٤) تفوت الكف، قال النبي ﷺ : لو اقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السّامرية. قال ابن لَهيعة: الفَشُوش: واسعة الشَّخْب (٥)، والضَّبوب: طويلة الضَّرع تجرُّه (٦). والعَزُوز: ضيِّقة الشخب (٧). والثَّعُول: الصغيرة الضَّرع كالحلمتين (٨). والكَمْشة: التي لا يحكم الكفُّ على ضرعها لصغره (٩). وفي صحَّة رفع هذا الحديث نظر. وقد يكون موقوفًا كما قال ابن جرير؛ حدثنا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا مُعاذ بن هشام، حَدَّثَنَا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: لما دعا نبيُّ الله موسى صاحبَه

стр. 448

إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبُه: كلّ شاةٍ ولدت على غير لونها فلك ولدها، فعمد فوضع خيالًا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت، فجالت جولة، فولدت كلهن بلقًا إلا شاةً واحدةً، فذهب بأولادهن ذلك العام. وهذا إسناد رجاله ثقات. واللّه أعلم. وقد تقدّم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب ﵇ حين فارق خاله لابان أنّه أطلق له ما يولد من غنمه بُلقًا، ففعلَ نحو ما ذكر عن موسى ﵇. فالله أعلم. ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٢٩ - ٣٢]. تقدم أنّ موسى قضى أَتَمَّ الأجلين وأكملهما، وقد يؤخذ هذا من قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾. وعن مجاهد أنّه أكمل عشرًا وعشرًا بعدها. وقوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ أي: من عند صهره ذاهبًا، فيما ذكره غير واحد من المفسّرين وغيرهم، أنّه اشتاق إلى أهله، فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختفٍ، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها في مدَّة مقامه، قالوا: واتّفق ذلك في ليلةٍ مظلمةٍ باردةٍ، وتاهوا في طريقهم، فلم يهتد إلى السّلوك في الدَّرب المألوف، وجعل يوري (١) زناده فلا يوري شيئًا، واشتدّ الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بُعدٍ نارًا تأجّج في جانب (٢) الطّور، وهو الجبل الغربيّ منه عن يمينه، فقال لأهله: ﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾، وكأنَّه -واللّه أعلم- رآها دونهم، لأنّ هذه النار هي نور في الحقيقة، ولا تصلح رؤيتها لكلِّ أحدٍ، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾، أي: لعلّي أستعلم من عندها عن الطريق، ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ فدلّ على أنّهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلةٍ باردةٍ ومظلمةٍ؛ لقوله في الآية الأخرى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ٩ - ١٠]، فدلّ على وجود الظلام، وكونهم تاهوا عن الطريق. وجمع الكلّ في قوله في النمل: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ

стр. 449

لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [الآية: ٧]. وقد أتاهم منها بخبرٍ، وأي خبرٍ، ووجد عندها هُدًى، وأي هدًى، واقتبس منها نورًا، وأي نور. قال اللّه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]. وقال في النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٨] أي: سبحان اللّه الذي يفعلُ ما يشاء، ويحكم ما يريد. ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩]. وقال في سورة طه ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [الآيات: ١١ - ١٦]. قال غير واحدٍ من المفسّرين من السّلف والخلف (١): لمّا قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها، وجدها تأجّج في شجرة خضراء من العَوْسَج (٢)، وكلّ ما لتلك النار في اضطرام، وكلّ ما لخضرة تلك الشجرة في ازدياد، فوقف متعجِّبًا، وكانت تلك الشجرة في لِحْف (٣) جبل غربي منه عن يمينه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (٤) [القصص: ٤٤] وكان موسى في وادٍ اسمه طُوى، فكان موسى مستقبل القبلة، وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب (٥)، فناداه ربّه بالواد (٦) المقدّس طُوى، فأمر أولًا بخلع نعليه تعظيمًا وتكريمًا وتوقيرًا لتلك البقعة المباركة، ولاسيّما في تلك الليلة المباركة. وعند أهل الكتاب: أنّه وضع يده على وجهه من شدّة ذلك النور مهابةً له، وخوفًا على بصره، ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلًا له: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ أي: أنا رب العالمين (٧) الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلّا له. ثمّ أخبره أنّ هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنّما الدار الباقية يوم القيامة التي لابدّ من كونها ووجودها ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ أي: من خيرٍ وشرٍ. وحضَّه وحثَّه على العمل لها، ومجانبة مَن لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتّبع هواه.

стр. 450

ثم قال له مخاطبًا ومؤانسًا ومبيِّنًا له أنه القادر على كل شيء، الذي يقول للشيء كن فيكون ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ أي: أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صَحِبْتها!؟ ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. أي: بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحقّقها، ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ١٩ - ٢٠]. وهذا خارقٌ عظيم، وبرهانٌ قاطعٌ على أن الذي يكلِّمه هو الذي يقول للشيء كن فيكون، وأنّه الفعّال بالاختيار. وعند أهل الكتاب: أنه سألَ برهانًا على صِدْقه عند مَن يكذِّبُه من أهل مصر، فقال له الربِّ : ما هذه التي في يدك؟ قال: عصا. قال: ألقها إلى الأرض، ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾، فهرب موسى من قدَّامها، فأمره الرَّبُّ أن يبسط يده، ويأخذها بذنبها، فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده، وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: قد صارت حيةً عظيمةً لها ضخامةٌ هائلةٌ وأنيابٌ تصطك، وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان، وهو ضرب من الحيَّات (١)، يقال: الجان والجِنَّان، وهو لطيف لكنه سريع الاضطراب والحركة جدًا، فهذه جمعت الضخامةَ والسرعةَ الشديدة، فلمّا عاينها موسى ﵇ ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ أي: هاربًا منها، لأن طبيعة البشريَّة تقتضي ذلك ﴿وَلَمْ يُعَقِّبَ﴾ أي: ولم يلتفت، (فناداه ربُّهُ) قائلًا له: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ فَلَمَّا رَجَعَ أمَرَهُ اللهُ تعالَى أَنْ يمسكها، ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١]. فيقال: إنَّه هابَها شديدًا، فوضع يده في كمّ مِدْرَعَته (٢)، ثم وضع يده في وسط فمها. وعند أهل الكتاب: بذنبها. فلمَّا استمكن منها، إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين. فسبحان القدير العظيم ربِّ المشرقين والمغربين. ثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزْعها، فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضًا ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، أي: من غير برص ولا بَهَق (٣)، ولهذا قال: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢] قيل: معناه إذا خِفتْ فضع يدك على فؤادك يسكن جأشُك. وهذا وإن كان خاصًا به، إلا أن بركة الإيمان به حق بأن (٤) تنفع من استعمال ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء (٥). وقال في النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [آية: ١٢] أي: هاتان الآيتان، هما: العصا واليد، هما البرهانان المشار إليهما في قوله: ﴿فَذَانِكَ

стр. 451

بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ومع ذلك سبع آياتٍ أُخَر، فذلك تسع آيات بينات، وهي المذكورة في آخر سورة ﴿سُبْحَانَ﴾ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١ - ١٠٢] وهي المبسوطة في سورة الأعراف، في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الآيات: ١٣٠ - ١٣٣] كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه، وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات، في التسع من كلمات الله القدرية، والعشرة من كلماته الشرعية، وإنما نبهنا على هذا لأنَّه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة، فظن أنّ هذه هي هذه، كما قررنا ذلك في تفسيرآخر سورة بني إسرائيل (١).

стр. 452

والمقصود أنّ الله سبحانه لما أمر موسى ﵇ بالذهاب إلى فرعون ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٣ - ٣٥]. يقول تعالى، مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى ﵇ في جوابه لربّه حين أمره بالذهاب إلى عدوّه الذي خرج من ديار مصر، فرارًا من سطوته وظلمه، حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي، ولهذا ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾. أي: اجعله معي مُعينًا، ورِدْأً، ووزيرًا يساعدني ويعينني على أداء رسالتك إليهم، فإنّه أفصح مني لسانًا، وأبلغ بيانًا. قال الله تعالى مجيبًا له إلى سؤاله ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي: برهانًا ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ أي: فلا ينالون منكما مكروهًا بسبب قيامكما بآياتنا، وقيل: ببركة آياتنا ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾. وقال في سورة طه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [الآيات: ٢٤ - ٢٨]. قيل: إنَّه أصابه في لسانه لثغةٌ بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه؛ التي كان فرعون أراد اختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير، فهمَّ بقتله فحاجَّت عنه (١) آسية، وقالت: إنّه طفلٌ، فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه، فهمّ بأخذ التمرة، فصرفَ الملكُ يدَه إلى الجمرة، فأخذها فوضعها على لسانه، فأصابه لثغةٌ بسببها، فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله، ولم يسأل زوالَها بالكلية. قال الحسن البصري: والرّسل إنّما يسألون بحسب الحاجة، ولهذا بقيت في لسانه بقيةٌ، ولهذا قال فرعون قبّحه الله فيما زعم أنّه يعيب به الكليم: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] أي: يُفصح عن مراده ويعبّر عمّا في ضميره وفؤاده. ثم قال موسى ﵇ ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٢٩ - ٣٦]. أي: قد أجبناك إلى جميع ما سألت، وأعطيناك الذي طلبت، وهذا من وَجاهته عند ربّه حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه، فأوحى إليه، وهذا جاهٌ عظيمٌ. قال اللّه تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] وقد سمعت

стр. 453

أمّ المؤمنين عائشة رجلًا يقول لأناس وهم سائرون في طريق الحجّ: أي أخ أمَنُّ على أخيه؟ فسكت القوم، فقالت عائشة: لمن حولَ هودجها: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون، فأوحي إليه (١)، قالَ الله تعالى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾، وقال تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الآيات: ١٠ - ٢٠] تقدير الكلام: فأَتَيَاه فقالا له ذلك، وبلَّغاه ما أُرْسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحدَه لا شريك له، وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته، وقهره، وسطوته، وتركهم يعبدون ربّهم حيث شاؤوا، ويتفرَّغون لتوحيده، ودعائه، والتضرُّع لديه، فتكبَّر فرعون في نفسه، وعتا، وطغى، ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقّص قائلًا له: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي: أما أنت الذي ربَّيناه فيِ منزلنا وأحسنَّا إليه، وأنعمنا عليه مدةً من الدَّهر؟ وهذا يدلّ على أنَّ فرعون الذي بُعث إليه هو الذي فرَّ منه، خلافًا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فَرَّ منه مات في مُدّة مقامه بِمَدْين، وأن الذي بُعِث إليه فرعونٌ آخر. وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: وقتلت الرجل القبطي، وفررت منّا، وجحدت نعمتنا، ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: قبل أن يوحَى إليَّ وينزَل عليَّ ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أي: نبوَّة، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢١]. ثم قال، مجيبًا لفرعون عما امتنّ به من التربية والإحسان إليه: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]، أي: وهذه النعمة التى ذكرت من أنّك أحسنت إليّ، وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله، واستعبدتهم في أعمالك، وخدمِك، وأشغالك. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٨]. يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة، والمحاجَّة، والمناظرة، وما أقامه الكليم على فرعونَ اللئيمِ من الحجّة العقليّة المعنويّة ثم الحسيِّة. وذلك أنَّ فرعون قَبَّحه الله أظهر جحد الصانع ﵎، وزعم أنّه الإله ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٣ - ٢٤]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ

стр. 454

مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنّه عبدٌ مربوب، وأنّ الله هو الخالق البارئ المصوِّر الإله الحقُّ، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]، ولهذا قال لموسى ﵇ على سبيل الإنكار لرسالته، والإظهار أنَّه ما ثَمَّ ربٌّ أرسله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ لأنَّهما قالا له: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فكأنه يقول لهما: ومَن ربُّ العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وبعثكما؟ فأجابه موسى قائلًا: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يعني: ربُّ العالمين خالق هذه السموات والأرض المشاهدة، وما بينهما من المخلوقات المتجدّدة من السحاب، والرياح، والمطر والنبات، والحيوانات التي يعلم كل موقن أنها لم تحدث بأنفسها، ولابدّ لها من موجدٍ ومُحْدِثٍ وخالقٍ، وهو الله الذي لا إله إلا هو ربُّ العالمين ﴿قَالَ﴾ أي: فرعون لمن حوله من أُمرائه ومَرَازِبته (١) ووزرائه على سبيل التهكّم والتنقص لما قرَّره موسى ﵇: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ يعني كلامه هذا، قال موسى مخاطبًا له ولهم: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد والقرون السّالفة في الآباد، فإنّ كلّ أحدٍ يعلم أنّه لم يخلق نفسه، ولا أبوه ولا أمه، ولم يَحدُث من غير مُحدِث، وإنَّما أوجده وخلقه الله ربُّ العالمين. وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]، ومع هذا كلّه لم يستفق فرعون من رَقدته، ولا نزع عن ضلالته؛ بل استمرّ على طُغيانه، وعِناده، وكفرانه، ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، أي: هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة، المسيِّرُ للأفلاك الدائرة، خالق الظلام والضياء، وربُّ الأرض والسماء، ربُّ الأوَّلين والآخِرين، خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة والثوابت الحائرة، خالق اللَّيل بظلامه، والنهار بضيائه، والكلُّ تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون، وفي فلك يَسبحون؛ يتعاقبون في سائر الأوقات، ويدورون، فهو تعالى الخالق المالك المتصرِّف في خلقه بما يشاء. فلما قامت الحجج على فرعون، وانقطعت شبهه، ولم يبق له قولٌ سوى العناد، عدل إلى استعمال سلطانه، وجاهه، وسطوته ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩ - ٣٣]. وهذان هما البرهانان اللذان أَيَّده الله بهما، وهما العصا واليد. وذلك مقامٌ أظهر فيه الخارقُ العظيم الذي بَهر به العقول والأبصار حين ألقى عصاه؛ فإذا هي ثعبان مبين، أي: عظيم الشكل، بديعٌ

стр. 455

في الضخامة، والهول، والمنظر العظيم الفظيع الباهر، حتى قيل: إنَّ فرعون لمَّا شاهد ذلك وعاينه أخذه رَهَبٌ شديد، وخوف عظيم، بحيث إنه حصل له إسهالٌ عظيم أكثر من أربعين مرّة في يوم، وكان قبل ذلك لا يتبرّز في كل أربعين يومًا إلا مرة واحدة، فانعكس عليه الحال. وهكذا لما أَدخل موسى ﵇ يده في جيبه واستخرجها، أخرجها وهي كفِلْقَةِ القمر تتلألأ نورًا يبهر الأبصار، فإذا أعادها إلى جيبه رجعت إلى صفتها الأولى، ومع هذا كلّه لم ينتفع فرعون لعنه الله بشيء من ذلك، بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أنَّ هذا كلّه سحر، وأراد معارضته بالسَّحَرة، فأرسل يجمعهم من سائر (١) مملكته، ومن في رعيته، وتحت قهره ودولته، كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه من إظهار الله الحق المبين والحجّة الباهرة القاطعة على فرعون وملئه وأهل دولته وملّته، ولله الحمد والمِنَّةُ. وقال تعالى في سورة طه: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [الآيات: ٤٠ - ٤٦]. يقول تعالى مخاطبًا لموسى، فيما كلَّمه به لَيلة أَوحى إليه، وأنعم بالنبوة عليه، وكلَّمه منه إليه: قد كنتُ مشاهدًا لكَ وأنت في دار فرعون، وأنت تحت كنفي ولطفي، ثُمَّ أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مَدين بمشيئتي وقَدَري وتدبيري، فلبثت فيها سنين. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾، أي: منّي لذلك، فوافق ذلك تقديري وتسييري ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أي: اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ يعني: ولا تفتُرا في ذِكري إذا قَدِمتما عليه، ووفدتما إليه، فإن ذلك عونٌ لكما على مخاطبته، ومجاوبته، وإهداء النصيحة إليه، وإقامة الحجّة عليه. وقد جاء في بعض الأحاديث: "يقول الله تعالى: إنَّ عَبْدي كُلَّ عَبْدي الذي يذكرني وهو ملاق (٢) قِرْنه". وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا .... ﴾ [الأنفال: ٤٥]. ثم قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وهذا من حلمه تعالى (٣)، وكرمه، ورأفته، ورحمته بخلقه، مع علمه بكفر فرعون وعتوّه، وتجبُّره وهو إذ ذاك أردى خلقه، وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان، ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي

стр. 456

هي أحسن؛ برفقٍ ولين، ويعاملاه معاملةَ مَنْ يرجو أن يتذكّر أو يخشى، كما قال تعالى لرسوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ … ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. قال الحسن البصري: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: أعذرا إليه، قُولا له: إن لك ربًّا ولك معادًا، وإن بين يديك جنةً ونارًا (١). وقال وهْب بن مُنَبِّه: قولا له: إنِّي إلى العفو والمغفرة أقرب منِّي إلى الغضب والعقوبة (٢). وقال يزيد الرَّقَاشي (٣) عند هذه الآية: يا من يتحبّب إلى من يعاديه؛ فكيف بمن يتولّاه ويناديه. ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ وذلك أنّ فرعون كان جبارًا عنيدًا وشيطانًا مَريدًا، له سلطان في بلاد مِصر، طويل عريض، وجاه وجنود وعساكر وسطوة، فهاباه من حيث البشريةُ، وخافا أن يسطو عليهما في بادئ الأمر، فثبّتهما وهو العلى الأعلى فقال: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]. ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٧ - ٤٨]. يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبُدَه وحده لا شريك له، وأن يرسل معهم بني إسرائيل، ويُطلقهم من أسره وقهره، ولا يعذبهم ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾، وهو البرهان العظيم في العصا واليد ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ تقييدٌ مفيدٌ بليغٌ عظيمٌ. ثم تهدَّداه وتوعّداه على التكذيب فقالا: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ أي: كذّب بالحق بقلبه، وتولّى عن العمل بقالَبه. وقد ذكر السُّدِّي وغيره أنه لما قدم من بلاد مَدين دخل على أمّه وأخيه هارون، وهما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل (٤)؛ وهو اللِّفْتُ، فأكل معهما. ثم قال: يا هارون إنَّ الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى

стр. 457

عبادته، فقم معي، فقاما يقصدان باب فرعون، فإذا هو مغلق، فقال موسى للبوَّابين والحجَبة: أعلموه أنَّ رسولَ الله بالباب، فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به. وقد زعم بعضهم أنّه لم يؤذَن لهما عليه إلّا بعد حينٍ طويلٍ. وقال محمد بن إسحاق: أُذن لهما بعد سنتين، لأنّه لم يكُ أحدٌ يتجاسر على الاستئذان لهما (١)، فالله أعلم. ويقال: إنّ موسى تقدَّم إلى الباب فطرقه بعصاه، فانزعج فرعون، وأمر بإحضارهما، فوقفا بين يديه، فدعواه إلى الله كما أمرهما. وعند أهل الكتاب: أن الله قال لموسى ﵇: إن هارون اللاوي، يعني الذي من نسل لاوي بن يعقوب، سيخرج ويتلقّاك، وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون، وأمره أن يُظهر ما أتاه من الآيات، وقال له: سأُقسّي قلبه فلا يرسل الشعب، وأُكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر. وأوحى الله تعالى إلى هارون أن يخرج إلى أخيه يتلقّاه بالبرّيَّة عند جبل حوريب، فلما تلقّاه أخبره موسى بما أمره به ربّه، فلما دخلا مِصر جمعا شيوخ بني إسرائيل، وذهبا إلى فرعون، فلما بلَّغاه رسالة الله، قال: مَنْ هو الله؟ لا أعرفه، ولا أُرْسِلُ بني إسرائيل. وقال الله تعالى مخبرًا عن فرعون: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٥]. يقول تعالى، مخبرًا عن فرعون: إنّه أنكر إثبات الصّانع تعالى قائلًا: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، أي: هو الذي خلق الخلق، وقدَّر لهم أعمالًا وأرزاقًا وآجالًا، وكتب ذلك عنده في كتابه اللّوحِ المحفوظ، ثمّ هدى كل مخلوقٍ إلى ما قدَّره له، فطابَقَ عمله فيهم على الوجه الذي قدّره وعَلِمَه لكمال علمه وقدرته وقدره. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣] أي: قدّر قدرًا وهدى الخلائق إليه. ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ يقول فرعونُ لموسى: فإذا كان ربُّك هو الخالق المقدِّر، الهادي الخلائق لما قَدَّره، وهو بهذه المثابة من أنّه لا يستحقُّ العبادة سواه، فلِمَ عبد الأوَّلون غيرَه، وأشركوا به من

стр. 458

الكواكب والأنداد ما قد علمت، فهلَّا اهتدى إلى ما ذكرته القرونُ الأولى؟! ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ أي: هم وإن عبدوا غيرَه، فليس ذلك بحجةٍ لك، ولا يدلُّ على خلافِ ما أقول؛ لأنَّهم جهلة مثلك، كل شيءٍ فعلوه مستطرٌ عليهم في الزُّبر من صغيرٍ وكبيرٍ، وسيجزيهم على ذلك ربِّي ، ولا يظلم أحدًا مثقال ذرَّة، لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتابٍ لا يضلُّ عنه شيءٌ، ولا ينسى ربي شيئًا. ثُمَّ ذكر له عظمة الرَّبّ وقدرته على خلق الأشياء، وجَعْلِه الأرضَ مهادًا والسماءَ سقفًا محفوظًا، وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد ودوابّهم وأَنعامهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ أي: لذوي العقول الصحيحة المستقيمة، والفِطَر القويمة غير السَّقيمة (١)، فهو تعالى الخالق الرازق. وكما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] ولما ذكر إحياء الأرض بالمطر، واهتزازها بإخراج نباتها فيه، نبَّه به على المعاد فقال: ﴿مِنْهَا﴾، أي: من الأرض خلقناكم ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧]. ثم قال تعالى (٢): ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٦ - ٥٩]. يخبر تعالى عن شَقاء فرعون، وكثرة جهله، وقلّة عقله في تكذيبه بآيات الله، واستكباره عن اتِّباعها، وقوله لموسى: إن هذا الذي جئت به سحرٌ، ونحن نعارضك بمثله، ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقتٍ معلومٍ، ومكان معلومٍ، وكان هذا من أكبر مقاصد موسى ﵇ أن يُظهر آياتِ الله وحججه، وبراهينه جَهْرة بحضرة النَّاس، ولهذا قال: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، وكان يوم عيدٍ من أعيادهم، ومجتمع لهم، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ أي: من أَوَّل النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس، فيكون الحقّ أظهر وأجلى، ولم يطلب أن يكون ذلك ليلًا في ظلامٍ، كيما يروج عليهم محالًا وباطلًا، بل طلب أن يكون نهارًا جهرةً لأنه على بصيرة من ربّه، ويقينٍ أن الله سيظهرُ كلمته ودينه؛ وإن رغمت أنوف القبط.

стр. 459

قال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه: ٦٠ - ٦٤]. يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة، وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سَحَرةً فضلاء في فنّهم غاية، فجمعوا له من كلِّ بلدٍ، ومن كلّ مكان، فاجتمع منهم خلقٌ كثيرٌ وجَمٌّ غفيرٌ، فقيل: كانوا ثمانين ألفًا، قاله محمد بن كعب. وقيل: سبعين ألفًا، قاله القاسم بن أبي بَزَّة (١). وقال السُّدِّي: بضعة وثلاثين ألفًا. وعن أبي أمامة: تسعة عشر ألفًا. وقال محمد بن إسحاق: خمسة عشر ألفًا. وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفًا (٢). وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس: كانوا سبعين رجلًا، وروي عنه أيضًا: أنّهم كانوا أربعين غلامًا من بني إسرائيل، أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء فيتعلَّموا السّحر، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: ٧٣] وفي هذا نظر. وحضر فرعون، وأمراؤه، وأهل دولته، وأهل بلده عن بَكرة أبيهم (٣). وذلك أنّ فرعون نادى فيهم أن يحضروا هذا الموقف العظيم، فخرجوا وهم يقولون: لعلّنا نتّبع السّحرة إن كانوا هم الغالبين. وتقدّم موسى ﵇ إلى السّحرة فوعظهم، وزجرهم عن تعاطي السّحر الباطل الذي فيه معارضةٌ لآيات الله وحججه فقال: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قيل: معناه أنّهم اختلفوا فيما بينهم؛ فقائل يقول: هذا كلام نبي وليس بساحر، وقائل منهم يقول: بل هو ساحر، فالله أعلم. وأسرّوا التناجي بهذا وغيره ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ يقولون: إنَّ هذا وأخاه هارون ساحرانِ (٤) عليمان مطبقان متقنان لهذه الصِّناعة، ومرادهم أن يجتمع النّاس عليهما، ويصولا على الملك وحاشيته، ويستأصلاكم عن آخركم، ويستأمر (٥) عليكم بهذه الصناعة، ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾.

стр. 460

وإنما قالوا الكلام الأوّل ليتدبّروا ويتواصَوا ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة، والمكر، والخديعة، والسِّحر، والبُهتان، وهيهات، كذبت والله الظنون، وأخطأت الآراء. أنّى يعارِضُ البهتان، والسحرُ والهذيان، خَوارقَ العادات التي أجراها الدَّيَّان، على يدي عبده الكليم، ورسوله الكريم المؤيد بالبرهان الذي يبهر الأبصار، وتحار فيه العقول والأذهان. وقولهم: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ أي: جميع ما عندكم ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: جملةً واحدةً، ثمّ حَضُّوا بعضهم بعضًا على التقدّم في هذا المقام، لأن فرعون كان قد وعدهم ومَنَّاهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٥ - ٦٩]. لما اصطفّ السَّحرةُ، ووقف موسى وهارون ﵉ تجاههم قالوا له: إمّا أن تلقيَ قبلنا، وإما أن نلقيَ قبلك. ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ أنتم، وكانوا قد عمدوا إلى حبالٍ وعِصِيٍّ، فأودعوها الزئبقَ وغيرَه من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابًا يخيل للرائي أنّها تسعى باختيارها، وإنّما تتحرَّك بسبب ذلك. فعند ذلك سحروا أعين النَّاس، واسترهبوهم، وألقَوا حبالهم وعصيَّهم وهم يقولون: بعزَّة فرعون إنّا لنحن الغالبون (١). قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ [الأعراف: ١١٦]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ أي: خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يُلْقِيَ ما في يده فإنه لا يصنع شيئًا قبل أن يُؤمَر، فأُوحيَ إليه فى السَّاعة الراهنة ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال: ما جئتم به السِّحرُ إن الله سيُبْطِله إن الله لا يُصْلِحُ عمل المفسدين ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى (٢) عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨ - ١٢٢] وذلك أن موسى ﵇ لمَّا ألقاها صارت حيةً عظيمة ذات قوائم -فيما ذكره غيرُ
следующие страницы →