ولَّاهُ هشام بنُ عبد الملك القضاءَ بعدَ عبد الرحمن بن الخشخاش العُذْري، ثم استعفى هشامًا فأعفاهُ، وولَّى مكانه يزيدَ بن عبد الرحمن بن أبي مالك، وكان نُمَيرٌ هذا لا يحكمُ باليمينِ مع الشاهد، وكان يقول: الأدَبُ من الآباء، والصلاحُ من الله.
وقال غيرُ واحد: تُوفِّي سنة إحدى وعشرين ومئة. وقيل: سنة ثنتين وعشرين ومئة. وقيل: سنة خمس عشرة ومئة - وهذا غريب جدًّا - واللّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومئة
ففيها كان مَقْتَلُ زيدِ بن عليِّ بنِ الحُسين بن عليِّ بن أبي طالب (١)، وكان سببُ ذلك أنَّه لمَّا أخذَ البَيْعَةَ مِمَنْ بايَعَهُ من أهلِ الكوفة أمرَهم في أَوَّلِ هذه السنةِ بالخُروجِ والتأهُّبِ له. فشرَعوا في أخْذِ الأُهْبَةِ لذلك، فانطلق رجلٌ يقالُ له سليمان بن سُرَاقة إلى يوسف بنِ عمر نائبِ العراق، فأخبره - وهو بالحِيرَةِ يومئذٍ - خبرَ زيدِ بن علي على هذا، وعندَ مَنْ يكونُ من أهلِ الكوفة، فبعثَ يوسفُ بن عمر يتطلَّبُه ويُلِحُّ في تطَلُّبِه، فلما علمتِ الشيعةُ ذلك اجتمعوا عند زَيد بن عليٍّ فقالوا له: ما قولُك - يرحمك الله - في أبي بكرٍ وعمر؟ فقال: غفر الله لهما، ما سمعتُ أحدًا من أهلِ بيتي تبرَّأ منهما، ولا يقولُ فيهما إِلَّا خيرًا. قالوا: فلم تطلُبْ إذًا بِدَمِ أهل البيت؛ فقال: إنَّا كُنَّا أحَقَّ الناسِ بإذا الأمر، ولكنَ القومَ استأثروا علينا به، ودفعونا عنه، ولم يبلُغْ ذلك عندنا بِهم كُفرًا، وقد وَلُّوا فعَدَلوا، وعمِلوا بالكتاب والسُّنَّة. قالوا: فلِمَ تُقاتِلُ هؤلاءِ إذًا؟ قال: إنَّ هؤلاء ليسوا كأولئك، إنَّ هؤلاء ظلموا الناسَ وظلموا أنفسَهم، وإني أدعو إلى كتابِ الله وسنةِ نبيه ﷺ ، وإحياء السُّنَن، وإماتةِ البِدَع، فإن تسمعوا يَكُنْ خيرًا لكم ولي، وإن تابَوْا فلستُ عليكم بوَكِيل. فرفضوهُ وانصرفوا عنه، ونقَضُوا بيعتَه وتركوه. فلهذا سُمُّوا الرَّافِضَةَ يومئذٍ، ومَنْ تابعه من الناس على قولهِ سُمُّوا الزَّيْدِيَّة، وغالب أهلِ الكوفةِ منهم رافضة، وغالبُ أهلِ مكةَ إلى اليوم على مذهبِ الزَّيدية، وفي مذهبهم حق، وهو تَعْدِيلُ الشيخَيْن، وباطلٌ وهو اعتقادُ تقديمِ عليٍّ عليهما، وليس عليٌّ مقدَّمًا عليهما، بل ولا عثمان على أصَحِّ قَوْلَيْ أهلِ السنَّةِ الثابتة والآثار الصحيحة الثابتةِ عن الصحابة ﵃. وقد ذكرنا ذلك في سيرةِ أبي بكرٍ وعمر فيما تقدَّم. ثم إنَّ زيدًا عزَمَ على الخروج بِمَنْ بَقِيَ معه من أصحابهِ، فواعَدَهم ليلةَ الأربعاء مُستَهَلَّ صَفَر من هذه السنة، فبلغ ذلك يوسفَ بنَ عمر فكتب إلى نائبِهِ على الكوفة - وهو الحكم بن الصَّلتْ - يأمرُهُ بِجَمْعِ الناسِ كلِّهم في المسجدِ الجامع، فجمعَ الناسَ لذلك في يوم الثلاثاء سَلْخَ المحرَّم، قبلَ خروجِ زيدٍ بيوم، وخرج زيدٌ بِمَنْ معَهُ ليلةَ الأربعاء في بردٍ شديد، ورفع أصحابُهُ النِّيرانَ وجعلوا ينادُون، يا منصور، يا منصور، فلمَّا طلَعَ
стр. 4692
الفجرُ إذا قدِ اجتمع معه مئتانِ وثمانيةَ عشرَ رجلًا فجعل زيدٌ يقول: سبحان الله! أينَ الناس؟ فقيل: هم في المسجد مَحْصورون. وكتب الحكمُ إلى يوسف بن عمر يعلِمهُ بخروجِ زيدِ بن عليّ، فبعث إليه سَرِيَّةً إلى الكوفة، وركبتِ الجيوشُ مع نائبِ الكوفة، وجاء يوسف بن عمر أيضًا في طائفةِ كبيرةٍ من الناس، فالتقى بِمَنْ معه جُرْثومةً منهم فيهم خمسُ مئةِ فارس فهزمهم، ثم أتَى الكُنَاسةَ، فحلَّ على جَمع من أهلِ الشام فهزمهم، ثم اجتازَ بيوسفَ بنِ عمر وهو واقفٌ فوقَ تلّ، وزيدٌ في مئتي فارس، ولو قصد يوسفُ بن عمر لقَتَلَه، ولكنْ أخذ ذاتَ اليمين، وكلَّما التقى طائفة من أهلِ الكوفةِ هزمهم، وجعل أصحابُهُ ينادون: يا أهلَ الكوفة، اخرجوا إلى الدِّينِ والعِزِّ والدنيا، لستم في دينٍ ولا عِزٍ ولا دنيا، ثم لما أمسَوْا انضاف إليه جماعةٌ من أهلِ الكوفة وقد قُتل بعضُ أصحابِه في أولِ يوم، فلما كان في اليوم الثاني اقتتل هو وطائفةٌ من أهلِ الشام، فقتلَ منهم سبعين رجلًا، وانصرفوا عنه بشرِّ حال، وأمسَوْا، فعبَّأ يوسفُ بن عمر جيشَه جيدًا، ثم أصبحوا فالتقَوْا مع زيد بن عليٍّ في أصحابه، فكشفَهم حتى أخرجهم إلى السَّبَخَة، ثم شدَّ عليهم حتى أخرجهم إلى بني سُليم، ثم تَبِعهم في خيلِه ورَجِله، حتى أخذوا على المُسَنَّاة (١) ثم اقتتلوا هناك قتالًا شديدًا جدًّا حتى كان جُنْحُ الليل، فرُمِيَ زيدٌ بسهم فأصاب جانبَ جَبهتِه اليُسرى، فوصل إلى دِمَاغِه، فرجع ورجع أصحابُه. ولا يَظنُّ أهلُ الشامِ أنَّهم رجعوا إِلَّا للمساء والليل، وأُدخل زيدٌ في دار سكةِ البَرِيد، وجيء بطبيب فانتَزعَ ذلك السهمَ من جبهتِه، فما عَدَا أن انتزعه حتى ماتَ في ساعتِهِ ﵀.
فاختلف أصحابُهُ أين يدفِنُونَه؟ فقال بعضهم: ألبِسُوهُ دِرْعَهُ وألْقُوهُ في الماء. وقال بعضُهم: احتزُّوا رأسَهُ واتركوه في القتلَى. فقال ابنُه: لا والله لا تأكلُ أبي الكلاب. وقال بعضُهم: ادفِنوه في الكناسة (٢) وقال بعضهم: ادفِنُوهُ في الحفرةِ التي يؤخذُ منها الطِّين. ففعلوا ذلك، وأجرَوْا على قبرِهِ الماءَ لئلا يُعرَف، وتفلَّلَ أصحابُه (٣)، حيثُ لم يبقَ لهم رأس يقاتلون به، فما أصبح الفجرُ ولهم قائمةٌ ينهضون بها وتتبَّعَ يوسف بن عمر الجَرْحَى هل يجدُ زيدًا بينهم؛ وجاء مولًى لِزَيْد سِنْديّ، قد شَهِدَ دفنَه، فدلَّ على قبره، فأُخِذَ من قبرِه، فأمر يوسفُ بن عمر بصَلْبِه على خشبةٍ بالكُناسة، ومعه نصرُ بن خُزيمة، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، وزياد النَّهْدي؛ ويُقال: إنَّ زيدًا مكَثَ مصلوبًا أربعَ سنين، ثم أُنزل بعدَ ذلك وأُحرق، واللّه أعلمُ.
стр. 4693
وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الطبري (١)، أنَّ يوسفَ بن عمر لم يعلمْ بشيءٍ من شأنِ زيدِ بن علي حتى كتب إليه هشامُ بن عبد الملك يقول له: إنَّك لغافل، وإنَّ زيد بن علي غارزٌ ذَنَبَهُ بالكوفة يُبايعُ له، فألِحَّ في طلبه وأعطِهِ الأمان، وإنْ لم يقبلْ فقاتِلْهُ. فتطلَّبه يوسف بن عمر حتى كان من أمْرِهِ ما تقدَّم، فلما ظهر على قبرِهِ حزَّ رأسَهُ وبعث به إلى هشام بن عبد الملك، فنصبه على باب دمشق؛ ثم أمر به فسارَ إلى المدينة حتى نصبوه على أحدِ أبوابها. وأمَّا جثته فلم تزلْ مصلوبةً تُحرسُ ليلًا ونهارًا، حتى انقضَتْ دولةُ هشام، وقام من بعدِه الوليدُ بن يزيد، فأمر به فأُنزل وحُرّق في أيامِه، قبَّح الله الوليدَ هذا.
فأمَّا ابنُه يحيى بن زيد بن علي فاستجار بعبدِ الملك بن بشر بن مروان؛ فبعث إليه يوسفُ بن عمر يتهدَّدُهُ حتى يحضرَه، فقال له عبدُ الملك بنُ بشر: ما كنتُ لآوي مثل هذا الرجل، وهو عدوُّنا وابنُ عدوِّنا. فصدَّقَهُ يوسفُ بن عمر في ذلك. ولما هدأ الطلَبُ عنه سيَّرهُ إلى خُراسان، فخرج يحيى بنُ زيد في جماعةٍ من الزيديَّة إلى خراسان، فأقاموا بها هذه المدة (٢).
قال أبو مِخْنَف: ولما قُتل زيد خطَبَ يوسفُ بن عمر أهلَ الكوفةِ فتهدَّدَهم وتوعَّدهم وشتمهم وأنَّبَهم، وقال لهم فيما قال: واللهِ لقد استأذنتُ أميرَ المؤمنين في قَتْلِ خَلْقٍ منكم، ولو أذِنَ لي لقتلتُ مقاتلتّكم وسبيتُ ذرارِيَّكم، وما صعِدْتُ لهذا المنبر إِلَّا لأسمعَكم ما تكرهون.
قال ابنُ جرير (٣): وفي هذه السنة قُتل عبدُ الله البطال في جماعةٍ من المسلمين بأرضِ الروم.
ولم يَزِدِ ابنُ جريرٍ على هذا، وقد ذكر هذا الرجلَ الحافظُ ابنُ عساكر في تاريخه الكبير فقال:
عبد اللّه أبو يحيى المعروف بالبَطَّال (٤)
كان يَنْزل أنطاكِية، حكى عنه أبو مروان الأنْطَاكي، ثم روى بإسناده أنَّ عبد الملك بن مروان حينَ عقَدَ لابنهِ مَسْلَمة على غزوِ بلادِ الروم ولَّى على رؤساءَ أهلِ الجزيرةِ والشام البَطَّال، وقال لابنه مسلمة: سَيِّرْهُ على طلائعِك، وأمُرْهُ فليعُسَّ بالليل العسكر، فإنَّهُ أمينٌ ثقةٌ مِقْدامٌ شجاعِ. وخرج معهم عبدُ الملك يُشيِّعُهم إلى بابِ دِمَشق. قال: فقدَّم مسلمةُ البطَّالَ على عشرةِ آلافٍ يكونون بين يديه تُرْسًا من الرُّوم أنْ يصلوا إلى جشِ المسلمين.
قال محمد بن عائذ الدمشقي: حَدَّثَنَا الوليد بن مسلمة، حدّثني أبو مروان شيخٌ من أهلِ أنطَاكِيَةَ قال:
стр. 4694
كنتُ أغازي مع البَطَّال، وقد أوطأ الرُّومَ ذُلًّا. قال البطال: فسألني بعضُ ولاةِ بني أمية عن أعجَبِ ما كان من أمري في مغازيَّ فيهم، فقلت فيهم: خرجتُ في سَرِيَّةٍ ليلًا، فدفعنا إلى قرية، فقلتُ لأصحابي: أرْخُوا لُجُمَ خيلِكم، ولا تحرِّكوا أحدًا بقتلٍ ولا بشيء حتى تَشْحَنوا (١) القرية فإنَّهم في نَوْبة. ففعلوا، وافترقوا في أزِقَّتِها، فدفعتُ في أناسٍ من أصحابي إلى بيتٍ يَزْهرُ سِرَاجُه (٢)، وإذا امرأةٌ تُسكِّتُ ابنَها من بكائه وهي تقول له: لَتسكتَنَّ أو لأدفعنَّكَ إلى البطَّال يذهَبُ بك. وانتشلَتْهُ من سريره وقالتْ: خُذْهُ يا بَطَّال. قال: فأخذتُه (٣).
وروى محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم، عن أبي مروان الأنطاكي، عن البطال، قال: انفردتُ مرَّةً على فرسي ليس معي أحدٌ من الجُند، وقد سمطتُ (٤) خلفي مِخْلاةً فيها شعير، ومعي مِنديل فيه خُبز وشِوَاء، فبينا أنا أسير لعلِّي ألقَى أحدًا منفردًا، أو أطَّلِعُ على خبر، إذا أنا ببستانٍ فيه بُقولٌ حسنة، فَنَزلْتُ وأكلتُ من ذلك بالخبزِ والشِّوَاء مع البَقْل، فأخذَني إسهالٌ عظيم، قمتُ منه مِرارًا، فخفتُ أنْ أضعُفَ من كثرةِ الإسهال، فركبتُ فرسي والإسهالُ مستمِرٌّ على حالِه، وجعلتُ أخشى إنْ أنا نزَلْتُ عن فرسي أنْ أضعُفَ عن الرُّكوب، وأفرطَ بي الإسهالُ في السَّرْج حتى خَشيتُ أنْ أسقُطَ من الضَّعْف، فأخذتُ بعِنَانِ الفرس، ونمتُ على وجهي، لا أدري أين يسيرُ الفرسُ بي، فلم أشعر إِلَّا بِقَرْعِ نعالِهِ على بَلاط، فأرفعُ رأسي فإذا دَيْر، وإذا قد خرج منه نِسْوةٌ صحبةَ امرأةٍ حسناء جميلةٍ جدًّا، فجعلَتْ تقولُ بلِسانها أنزِلْنَه. فأنزَلْنَني، فغسَلْنَ عني ثيابي وسَرْجي وَفَرَسي، ووضَعْنَني على سرير، وعَمِلْنَ لي طعامًا وشرابًا، فمكثتُ يومًا وليلةً مَسْبوتًا (٥) ثم أقمتُ بقيةَ ثلاثةِ أيام حتى تُردَّ إليَّ حالي، فبينا أنا كذلك إذْ قيل: جاء البِطْريقُ، وهو يريد أنْ يتزوَّجَها، فأمرَتْ بفرَسي فحُوِّلَ وعُلِّق على الباب الذي أنا فيه، وإذا هو بِطْريقٌ كبيرٌ فيهم، وقد جاء لخطبتها، فأخبرَهُ منْ كان هنالك بأن هذا البيتَ فيه رجلٌ وله فرَس، فهمَّ بالهجومِ عليّ، فمنعَتْهُ المرأةُ من ذلك، وأرسلَتْ تقولُ له: إنْ فَتح عليه الباب لم أقضِ حاجَته. فثناهُ ذلك عن الهجومِ عليّ؛ وأقامَ البِطْريقُ إلى آخرِ النهارِ في ضيافتهم، ثم ركبَ فرسَه، وركب معه أصحابُهُ وانطلق.
стр. 4695
قال البطال: فنهضتُ في أثَرِهم، فهَمَّتْ أنْ تمنعَني خوفًا عليَّ منهم، فلم أقبلْ، وسقتُ حتى لَحِقتُهم، فحمَلْتُ عليه، فانفرجَ عنه أصحابُه، وأرادَ الفِرَار، فألحقُهُ فاضرب عُنقَه، و استلَبْتُهُ، وأخذتُ رأسَه مُسْمطًا على فرسي، ورجعتُ إلى الدِّيْر، فخَرَجْنَ إليَّ ووقَفْنَ بين يديّ، فقلتُ اركَبْنَ، فرَكِبْنَ ما هنالكَ من الدوابّ، وسقتُ بهنَّ حتى أتيْتُ أميرَ الجيش، فدفعتُهن إليه، فنفَلَني ما شئتُ منهنَّ، فأخذتُ تلك المرأةَ الحسناءَ بعينِها، فهي أُمُّ أولادي. والبِطْريقُ في لغةِ الرُّوم عبارةٌ عن الأميرِ الكبيرِ فيهم. وكان أبوها بِطْريقًا كبيرًا فيهم. يعني تلك المرأة، وكان البطالُ بعدَ ذلك يُكاتبُ أباها ويُهادِيه.
وذكر محمد بن عائذ عن الوليد، سمعتُ عبدَ اللّه بن راشد مولى خزاعة، يُخبر عمَّن سمعه من البطال، أنَّ هشامَ بن عبد الملك بن مروان لما ولاه المِصِّيصَة بعثَ البطالُ سَريَّةً إلى أرض الروم، فغابَ عنهُ خبَرُها، فلم يَدْرِ ما صنعوا، فركب بنفسِهِ وحدَهُ على فرس له، وسار حتى وصل عَمُّوريَّة، فطرَقَ بابَها ليلًا فقال له البواب: منْ هذا؟ قال البطال: فقلتُ أنا سيَّافُ المَلِك ورسولُهُ إلى البِطْريق، فأخذَ لي طريقًا إليه، فلما دخلتُ عليه إذا هو جالسٌ على سرير، فجلستُ معه على السَّرير إلى جانبِه، ثم قلتُ له: إني قد جئتُكَ في رسالة، فمُرْ هؤلاءَ فَلْيَنصرِفوا. فأمَرَ منْ عندَهُ فذهبُوا، قال: ثم قام فأغلقَ بابَ الكنيسة عليَّ وعليه، ثم جاء فجلس مكانه، فاخترطتُ سيفي وضربتُ به رأسَه صفحًا وقلتُ له: أنا البطال، فاصْدُقْني عمَّا أسألُكَ عنه، وإلَّا ضربتُ عُنقكَ الساعة. قال: وما هو؟ قلتُ: السَّريَّة التي بعثتُها ما خبَرُها؟ فقال: هم في بلادي يَنتهبونَ ما تهيَّأَ لهم، وهذا كتابٌ قد جاءني يُخبرُ أنهم في وادي كذا وكذا، واللهِ لقد صدقتُك. فقلت: هاتِ الأمان. فاعطاني الأمان، فقلت: ائتِني بطعام. فأمر أصحابَهُ فجاؤوا بطعام، فوُضعَ لي، فأكلتُ، فقمتُ لأنصرف، فقال لأصحابه: اخرُجوا بين يدَيْ رسولِ الملك. فانطلقوا يتعادَوْن بين يديّ؛ وانطلقتُ إلى ذلك الوادي الذي ذكر، فإذا أصحابي هنالك، فأخذتُهم، ورجعتُ إلى المِصِّيصَة. فهذا أغربُ ما جرَى.
قال الوليد: وأخبرني بعضُ شيوخِنا أنَّهُ رأى البطالَ وهو قافلٌ من حجَّتِه، وكان قد شُغل بالجهادِ عن الحَجّ، وكان يسأل اللّه دائمًا الحَجَّ ثم الشهادة، فلم يتمكَّنْ من حجَّةِ الإسلام إِلَّا في السنة التي استشهد فيها. رحمه اللّه تعالى. وكان سببُ شهادَتِه أنَّ ليون مَلِكَ الرُّوم خرج من القُسْطَنْطينيَّةِ في مئةِ ألفِ فارس، فبعث البِطْريق - الذي البطالُ متزوجٌ بابنتِه التي ذكَرْنا أمرَها - إلى البطَّال يُخبرُه بذلك. فأخبرَ البطالُ أميرَ عساكرِ المسلمين بذلك، وكان الأميرُ مالك بن شَبيب، وقال له: إنَّ المصلحةَ تقتضي أنْ نتحَصَّنَ في مدينةِ حرَّان، فنكونُ بها حتى يقدَمَ علينا سُليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبَى عليهِ ذلك ودَهِمَهُمُ الجيش، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، والبطَالُ بين يدَي الأبطال، ولا يتجاسَرُ أحدٌ أنْ يُنوِّهَ باسمه خوفًا عليه من الروم؛ فاتَّفقَ أن فدَاهُ بعضُهم، وذكر اسمَه غلطًا منه، فلما سمع ذلك فُرسان الرُّوم حَمَلوا عليه حملةً واحدة، فاقتلعوهُ من سَرْجِهِ برماحِهم، فألقَوْهُ إلى الأرض، وساقوا وراءَ الناسِ يقتلون ويأسرون،
стр. 4696
وقُتل الأميرُ الكبير مالك بن شَبيب، وانكسر المسلمون، وانطلقوا إلى تلك المدينةِ الخرَاب، فتحصَّنوا فيها، وأصبح ليون، فوقف على مكانِ المعركة، فإذا البطَّالُ بآخرِ رَمَق، فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى!؟ فقال: هكذا تُقتلُ الأبطال. فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه، فإذا جراحُهُ قد وصلَتْ إلى مَقَاتِلِه، فقال له ليون: هل من حاجةٍ يا أبا يحيى؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال: تأمر منْ معَكَ من الأسارى من المسلمين، أنْ يلُوا غَسْلي والصلاةَ عليَّ ودَفْني. ففعل الملكُ ذلك. وأطلقَ لأجلِ ذلك أولئك الأسارى، وانطلقَ ليون إلى جيشِ المسلمين الذين تحصَّنوا فحاصرَهم، فبينما هم في تلك الشِّدَّةِ والحِصار إذْ جاءَتْهُم البُرُدُ بقدومِ سليمان بنِ هشام في الجيوش الإسلامية، ففرَّ ليون في جيشِهِ الخبيث هاربًا، راجعًا إلى بلاده، قبَّحه الله، فدخل القُسْطَنْطينيَّةَ وتحصَّنَ بها.
قال خليفةُ بن خياط (١): كانتْ وفاةُ البَطَّال ومَقْتَلهُ بأرضِ الرُّوم في سنةِ إحدى وعشرين ومئة.
وقال ابنُ جرير (٢): في سنةِ ثنتين وعشرين ومئة.
وقال ابنُ حسانَ الزيادي: قُتل في سنةِ ثلاثَ عشرةَ ومئة. قلتُ: وقد قاله غيرُه، وأنه قُتل هو والأمير عبد الوهاب بن بُخت في سنةِ ثلاثَ عشرةَ ومئة، كما ذكرنا ذلك، فاللّه أعلم، ولكنَّ ابنَ جرير لم يؤرِّخْ وفاتَهُ إلَّا في هذه السنة. واللّه أعلم.
وقال أبو بكر بن عياش: قيل للبطَّال: ما الشجاعة؟ قال: صَبْرُ ساعة.
قلتُ: هذا مُلخَّصُ ابنِ عساكر في ترجمةِ البطَّال، مع تقَصِّيهِ للأخبار واطَلاعِه عليها، وأَمَّا ما يذكره العامَّةُ عن البطَّالِ من السيرةِ المنسوبة إلى دلهمة والبطال والأمير عبد الوهاب والقاضي عُقبة، فكَذِبٌ وافتراء، ووضعٌ بارد، وجهلٌ كبير، وتخبُّطٌ فاحش، لا يُرَوَّجُ ذلك إلَّا على غَبيٍّ أو جاهلٍ رَديء؛ كما يُروَّجُ عليهم سيرةُ عنترةَ العَبْسي المكذوبة؛ وكذلك سيرة البَكْري والدنف وغير ذلك. والكَذِبُ المفتعلُ في سيرةِ البكري أشدُّ إثمًا وأعظَمُ جُرمًا من غيرها، لأنَّ واضعَها يدخل في قول النَّبِيّ ﷺ : "منْ كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا فلْيَتَبوَّأ مَقْعَدَهُ من النار" (٣).
وممن تُوفِّي في هذه السنةِ من الأعيان:
إياسُ الذَّكِيّ (٤) وهو إياسُ بن معاوية بن ...................................................
стр. 4697
قُرَّة (١) بن إيَاس بن هلال بن رئاب بن عَبْد (٢) بن دُرَيد بن أوْس بن سُوَاءَةَ بن عمرو بن سارية بن ثعلبة بن ذُبيان بن ثعلبةَ بنِ أوْس بن عثمان بن عمرو بن أُدِّ بنِ طابِخَة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن معَد بنِ عدنان.
هكذا نسبَهُ خليفة بن خياط (٣)، وقيل غيرُ ذلك في نسبه، وهو أبو واثلة المُزَني، قاضي البصرة، وهو تابعيّ، ولجَدِّهِ صُحبة، وكان يُضربُ المثلُ بذكائه.
روى عن أبيه عن جَدِّهِ مرفوعًا في الحياء، وأنس بن مالك، وسعيد بن جُبير، وسعيد بن المُسيِّب، ونافع، وأبي مِجْلز. وعنه الحمَّادان، وشعبة، والأصمعي، وغيرُهم.
قال عنه محمد بن سيرين: إنَّه لَفَهِم، إنَّه لَفَهِم. وقال محمد بن سعد والعِجْلي وابنُ مَعين والنسائي: ثقة. زادَ ابنُ سعد (٤): وكان عاقلًا من الرجال فَطِنًا. وزاد العِجْلي (٥): وكان فقيهًا عَفيفًا.
وقد قدم دمشق في أيامِ عبدِ الملك بن مروان، ووفد على عمر بن عبد العزيز، ومرَّةً أخرى حين عزَلَهُ عَديُّ بن أرْطاة عن قضاءِ البَصْرة. قال أبو عُبيدة وغيرُه: تحاكَمَ إياسٌ - وهو صبيٌّ شابٌّ - وشيخ إلى قاضي عبدِ الملك بن مروان بدمشق، فقال له القاضي: إنَّهُ شيخٌ وأنتَ شابّ، فلا تُساوِهِ في الكلام. فقال إياس: إنْ كان كَبيرًا فالحقُّ أكبر منه. فقال له القاضي: اسكُتْ. فقال: ومنْ يتكلَّمُ بحُجَّتي إذا سكتُّ؟ فقال القاضي: ما أحسبكَ تنطقُ بحقٍّ في مجلسي هذا حتى تقوم. فقال إياس: أشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله. زاد غيرُه: فقال القاضي: ما أظنُّك إلَّا ظالمًا له. فقال: ما على ظنِّ القاضي خرجتُ من منزلي. فقام القاضي، فدخل على عبدِ الملك، فأخبرَهُ خبرَه. فقال: اقضِ حاجتَه، وأخرِجْهُ الساعةَ من دمشق لا يُفسد عليَّ الناس.
وقال بعضُهم: لما عزَلَهُ عدِيُّ بن أرطاة عن قضاء البصرة فرَّ منه إلى عمر بنِ عبد العزيز فوجدَهُ قد مات. فكان يَجْلسُ في حَلْقَةٍ في جامعِ دمشق؛ فتكلَّم رجلٌ من بني أمية، فردَّ عليه إياس، فأغلظ له الأموي، فقام إياس، فقيل للأموي: هذا إياسُ بن معاوية المزني. فلما عاد من الغد اعتذَر له الأمويُّ
стр. 4698
وقال: لم أعرِفْكَ وقد جلستَ إلينا بثيابِ السُّوقة، وكلَّمتَنا بكلامِ الأشراف فلم نحتمِلْ ذلك.
وقال يعقوبُ بن سفيان: حَدَّثَنَا نعيم بن حمّاد، حَدَّثَنَا ضَمْرَة، عن ابن شَوْذَب، قال: كان يقال: يُولدُ في كلِّ مئةِ سنةٍ رجلٌ تامُّ العَقْل. فكانوا يرَوْنَ أنَّ إياسَ بن معاويةَ منهم.
وقال العِجْليّ: دخل على إياس ثلاثُ نِسْوة، فلما رآهنَّ قال: أمَّا إحداهنَّ فمُرْضِع، والأخرى بِكْر، والأخرى ثيِّب. فقيل له: بمَ علمتَ هذا؟ فقال: أمَّا المُرضع فكلما قعدَتْ أمسكتْ ثديَها بيدِها، وأمَّا البِكْر فكلَّما دخلتْ لم تلتفتْ إلى أحد، وأَمَّا الثَّيِّبُ فكلَّما دخلتْ نظرَتْ ورَمَتْ بعينها.
وقال يونس بن حَبيب (١): حَدَّثَنَا الأحنفُ بن حَكيم بأصبهان، حَدَّثَنَا حماد بن سَلَمة: سمعتُ إياسَ بنَ معاوية يقول: أعرفُ الليلةَ التي وُلدتُ فيها، وضعَتْ أُمِّي على رأسي جَفْنة.
وقال المدائني: قال إياسُ بنِ معاويةَ لأُمِّه: ما شيءٌ سمعتُهُ وأنا صغير، وله جَلَبةٌ شديدة؟ قالت: ذاك طَسْتٌ من نُحاس، سقطَ من فوْقِ الدَّارِ إلى أسفل، ففَزِعْتُ فوضعتُكَ تلكَ الساعة.
وقال أبو بكر الخرائطي عن عمر بن شَبَّةَ النُّمَيْري، قال: بلغني أنَّ إياسًا قال: ما يَسُرُّني أنْ أكذب كَذْبَةً يَطَّلِعُ عليها أبي معاوية لا أحاسبُ عليها يوم القيامة، وأنَّ الدنيا لي بحذافيرها.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حَدَّثَنَا خلف بن هشام، حَدَّثَنَا حمّاد بن زيد، عن حبيب بن الشهيد، عن إياس بن معاوية قال: ما خاصمتُ أحدًا من أهلِ الأهواء بعَقْلي كُلِّه، إلَّا القدَرِيَّة، قلتُ لهم: أخبروني عن الظلم ما هو؟ قالوا: أخذُ الإنسانِ ما ليس له. قلت: فإنَّ اللّه له كلُّ شيء.
قال بعضُهم عن إيَاس قال: كنتُ في الكُتَّاب وأنا صبي، فجعل أولادُ النصارى يضحكونَ من المسلمين ويقولون: إنهم يزعمون أنَّهُ لا فَضلةَ لطعامِ أهلِ الجنة. فقلت للفقيه - وكان نصرانيًّا - ألستَ تزعمُ أنَّ في الطعامِ ما ينصرفُ في غذاءَ البَدَن؟ قال: بَلَى. قلت: فما يُنكرُ أنْ يجعلَ اللهُ طعامَ أهلِ الجنةِ كلَّهُ غذاءً لأبدانِهم؟ فقال له معلِّمُهُ: ما أنتَ إلَّا شيطان.
وهذا الذي قاله إياس وهو صغير بعقله قد ورَدَ به الحديثُ الصحيح كما سنذكُره إنْ شاء الله في صفةِ أهلِ الجنة أنَّ طعامَهم ينصرفُ جُشاءً وعَرَقًا كَالمِسْك، فإذا البطنُ ضامر (٢).
وقال سفيان: وحين قدم إياس واسط فجاءه ابنُ شُبْرمة بمسائلَ قد أعدَّها، فقال له: أتأذنُ لي أنْ أسألكَ؟ قال: سَلْ وقد ارتبتُ حين سألته عن سبعين مسألةً يُجيبُهُ فيها، ولم يختلفا إلَّا في أربعِ مسائل؟
стр. 4699
ردَّهُ إياسٌ إلى قوله، ثم قال له إياس: أتقرأُ القرآن؟ قال: نعم. قال: أتحفظُ قولَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]؛ قال: نعم. قال: وما قَبلَها وما بعدَها؟ قال: نعم. قال: فهل أبقَتْ هذه الآية لآلِ شُبْرُمة رأيًا؟.
وقال عباس عن يحيى بن مَعِين (١): حَدَّثَنَا سعيد بن عامر، حَدَّثَنَا عمر بن علي قال: قال رجلٌ لإياسِ بنِ مُعاوية: يا أبا واثلة، حتى متى يبقى الناسُ وحتى متى يتوالَدُ الناسُ ويموتون؛ فقال لجلسائه: أجيبوه. فلم يكن عندَهم جواب، فقال إياس: حتى تتكاملَ العِدَّتان، عدَّةُ أهلِ الجنة وعِدَّةُ أهلِ النار.
وقال بعضُهم: اكترى إياسُ بن معاويةَ من الشام قاصدًا الحجَّ، فركب معه في المحارة (٢) غَيلانُ القدَرِيّ، ولا يعرفُ أحدُهما صاحبَه، فمكثا ثلاثًا لا يُكلِّمُ أحدُهما الآخر، فلما كان بعد ثلاث، تحادثا فتعارفا، وتعجَّبَ كلُّ واحدٍ منهما من اجتماعِهِ مع صاحبه، لمباينةِ ما بينهما في الاعتقادِ في القدَر؛ فقال له إياس: هؤلاء أهلُ الجنة يقولون حين يدخلون الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] ويقول أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]؛ وتقول الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]. ثم ذكر له من أشعارِ العرَب وأمثالِ العجَم ما فيه إثباتُ القدَر؛ ثم اجتمع مرَّةً أخرى إياسٌ وغَيلان عندَ عمر بن عبد العزيز، فناظر بينهما، فقهره إياس، وما زال يحصُرُهُ في الكلام حتى اعترفَ غَيلانُ بالعجز، وأظهرَ التوبة، فدعا عليه عمر بن عبد العزيز إنْ كان كاذبًا؛ فاستجاب اللّه منه، فأمكنَ من غَيلان، فقُتل وصُلب بعد ذلك، ولله الحمد والمنة.
ومن كلام إياس الحسَن: لأنْ يكونَ في فعالِ الرجلِ فَضْلٌ عن مقالِهِ خيرٌ من أنْ يكونَ في مقالهِ فضلٌ عن فعالِه.
وقال سفيان بن حسين: ذكرتُ رجلًا بسُوءٍ عندَ إياسِ بنِ معاوية، فنظرَ في وَجْهي وقال؛ أغزوتَ الرُّوم؟ قلت: لا. قال: السِّنْدَ؟ قلت: لا، قال: والهند؟ قُلتُ: لا. قال: والتُّرك؟ قلت: لا. قال: أفَسَلِمَ منك الرُّومُ والسِّندُ والهندُ والتُّرك، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟! قال: فلم أعُدْ بعدَها.
وقال الأصمعي عن أبيه: رأيتُ إياسَ بن معاوية في بيتِ ثابتٍ البناني؛ وإذا هو أحمرُ طويلُ الذِّراع، غليظ الثياب، يلُوثُ عِمَامَته (٣)، وهو قد غلب على الكلام، فلا يتكلَّمُ معه أحدٌ إلَّا عَلاه. وقد قال له
стр. 4700
بعضُهم: ليس فيك عَيب سوى كثرةِ كلامِك. فقال: أفي حقٍّ أتكلَّمُ أمْ باطل؟ فقيل: بل في حَقّ. فقال: كلَّما كثُرَ الحقُّ فهو خير.
ولامَهُ بعضُهم في لبسِهِ الثيابَ الغليظة، فقال: إنما ألْبَسُ ثوبًا يخدمني ولا ألبَس ثوبًا أخدمُه.
وقال الأصمعي: قال إياسُ بن معاوية: إنَّ أشرفَ خِصَالِ الرجلِ صِدْقُ اللِّسان. ومنْ عُدِمَ فَضِيلة الصِّدق فقد فُجع بأكرمِ أخلاقه.
وقال بعضُهم: سأل رجلٌ إياسًا عن النَّبيذِ فقال: هو حرام. فقال الرجل: فأخبِرْني عن الماء؟ فقال: حلال. قال: فالكَشُوت (١)؟ قال: حلال. قال: فالتمر؟ قال: حلال. قال: فما بالُهُ إذا اجتمعَ حَرُم؟ فقال إياس: أرأيتَ لو رَمَيتُكَ بهذه الحفنة من التراب، أتوجعُك؟ قال: لا. قال: فهذه الحفنة من التِّبْن؟ قال: لا توجعني. قال: فهذه الغَرْفةُ من الماء؟ قال: لا توجعني شيئًا. قال: أفرأيتَ إنْ خلطت هذا بهذا وهذا بهذا حتى صار طِينًا، ثم تركته حتى استحجَر، ثم رَمَيْتُكَ أيوجعُكَ؟ قال: إي واللّه وتقتلُني. قال: فكذلك تلك الأشياءُ إذا اجتمعتْ (٢).
وقال المدائني: بعث عمر بن عبد العزيز عَدِيَّ بن أرطاة على البصرة نائبًا، وأمره أن يجمعَ بين إياس والقاسم بن ربيعة الجَوْشَني، فأيُّهما كان أفقهَ فَلْيولِّهِ القضاء. فقال إياس - وهو يريدُ أن لا يتولَّى -: أيُّها الرجل، سلْ فقيهي البصرةِ الحسنَ وابنَ سيرين. وكان إياسٌ لا يأتيهما، فعرف القاسم أنَّه إنْ سألهما أشارَا به [يعني بالقاسم لأنه كان يأتيهما] فقال [القاسم] (٣) لعدي: واللّه الذي لا إله إِلَّا هو، إن إياسًا أفضَلُ مني وأفقهُ مني وأعلمُ بالقضاء، فإنْ كنتُ صادقًا فولِّه، وإنْ كنتُ كاذبًا فما ينبغي أن تُولِّيَ كاذبًا القضاء. فقال إياس: هذا رجلٌ أوقف على شفيرِ جهنَّم، فافتدَى منها بيمينٍ كاذبةٍ يستغفرُ اللّه منها، فقال عدي: أما إذْ فَطِنتَ إلى هذا فقد وَلَّيتُكَ القضاء. فمكث سنةً يَفصِلُ بين الناس ويُصلحُ بينهم، وإذا تبيَّنَ له الحقُّ حكم به، ثم هرَبَ [إلى عمرَ بنِ عبد العزيز بدمشق] (٣) فاستعفاه القضاء، فولَّى عَدِيُّ بعدَهُ الحسَنَ البصري.
قالوا: لما توَلَّى إياسٌ القضاءَ بالبَصْرةِ فَرِحَ بهِ العلماء، حتى قال أيوب: لقد رَمَوها بحَجَرِها. وجاء
стр. 4701
الحسنُ وابنُ سِيرين فسلَّمَا عليه، فبكى إياس، وذكر الحديث "القُضاةُ ثلاثة: قاضيانِ في النار وواحدٌ في الجنة" (١). فقال الحسن: فقد قال اللّه تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، قال: ثم جلس للناسِ في المسجد، واجتمعَ عليه الناسُ للخصومات، فما قام حتى فصل سبعين قضيَّة، حتى كان يُشبَّهُ بشُرَيح القاضي.
ورُوِي عنه أنَّه كان إذا أشكلَ عليه شيءٌ بعث إلى محمد بن سيرين فسأله عنه.
وقال إياس: إني لأكلِّمُ الناسَ بنصفِ عَقْلي، فإذا اختصم إليَّ اثنان جمعت لهما عقلي كُلَّه. وقال له رجل: إنَّك لتُعجَبُ بِرأيك. فقال: لولا ذلك لم أقْضِ به. وقال له آخر: إنَّ فيك خِصالًا لا تُعجبُنِي. فقال: تحكمُ قبلَ أنْ تفهم، ولا تجالسُ كلَّ أحد، وتَلبَسُ الثيابَ الغَلِيظة. فقال له: أيُّها أكثر، الثلاثة أو الاثنان؟ قال: الثلاثة. فقال ما أسرَعَ ما فهِمتَ وأجبتَ! فقال: أوَ يَجهَلُ هذا أحد؟! فقال: وكذلك ما أحكمُ أنا بِه. وأما مجالستي لكلِّ أحَد فأنْ أجتمعَ بِمَنْ يَعرِفُ لي قدري أحَبَّ إلي من أنْ أجتمع بِمَنْ لا يَعرِفُني. وأما الثيابُ الغِلاظ فأنا ألْبَسُ منها ما يَقِيني لا ما أقيهِ أنا.
قالوا: وتحاكمَ إليه اثنانِ قد أودَعَ أحدُهما عندَ الآخرِ مالًا، وجحَدَهُ الآخر، فقال إياس للمُودِع: أين أودعتَهُ؟ قال: عند شجرةٍ في بُستان، فقال انطِلقْ إليها فقِفْ عندَها لعلَّكَ تتذكَّرُ - وفي رواية: أنه قال له: هل تستطيعُ أنْ تذهبَ إليها فتأتيَ بورقٍ منها؟ قال: نعم - قال: فانطلق وجلس الآخر، فجعلَ إياسٌ يحكُمُ بين الناس، ويلاحظُه، ثم استدعاهُ فقال له: أوَصَلَ صاحبُكَ بعدُ إلى المكان؟ فقال: لا بعدُ أصلحكَ اللّه. فقال له: قُمْ يا عَدُوَّ اللّه، فأدِّ إليه حَقَّه، وإِلَّا جعلتُكَ نَكَالًا. وجاء ذلك الرجل، فقام معه فدفع إليه وديعتَهُ بكمالِها.
وجاء آخَرُ فقال له: إنِّي أودَعْتُ عندَ فلانٍ مالًا، وقد جَحَدني. فقال له: اذهَبِ الآنَ وأْتِنِي غدًا. وبعثَ من فَوْرِهِ إلى ذلك الرجل الجاحِدِ فقال له: إنَّه قدِ اجتمعَ عندَنا هاهنا مال، فلم نرَ لَهُ أمينًا نضَعُهُ عندَهُ إلَّا أنت، فضَعْهُ عندَكَ في مكانٍ حَرِيز. فقال له: سمعًا وطاعةً. فقال له: اذهبِ الآن وأْتِنِي غدًا. وأصبح ذلك الرجلُ صاحبُ الحق، فجاء فقال له: اذهَبِ الآن إليه، فقل له: أعطِني حَقِّي وإلَّا رفعتُكَ إلى القاضي. فقال له ذلك، فخافَ أنْ لا يُودعَ القاضي عنده المال فدفع إليه حقه وجاء إلى إياس فأعلمَهُ ثم جاء ذلك الرجلُ من الغَدِ رجاءَ أنْ يُودِع، فانتهرَهُ إياسٌ وطرَدَهُ وقال له: أنت خائن.
وتحاكَمَ إليه اثنان في جارية، فادَّعَى المشتري أنَّها ضعيفةُ العَقْل، فقال لها إياس: أيُّ رجلَيْكِ أطول؟ فقالت: هذه. فقال لها: أتذكرينَ ليلةَ وُلدتِ؟ فقالت: نعم. فقال للبائع: رُدَّ رُدّ.
стр. 4702
وروى ابن عساكر أنَّ إياسًا سمع صوت امرأةٍ من بيتِها فقال: هذه امرأةٌ حامِلٌ بصَبي. فلمَّا ولدتْ ولدتْ كما قال، فسئل: بمَ عرفتَ؟ قال: سمعتُ صوتَها ونفَسُها معه، فعلمتُ أنَّها حامل، وفي صوتِها صَحَل (١)، فعلمتُ أنَّهُ غلام.
قالوا: ثم مرَّ يومًا ببعضِ المكاتب، فإذا صبيٌّ هنالك فقال: إنْ كنتُ أدري شيئًا فهذا الصبيُّ ابنُ تلك المرأة، فإذا هو ابنُها.
وقال مالك عن الزهري، عن أبي بكر، قال: شهد رجلٌ عندَ إياس، فقال له: ما اسمُك. فقال: أبو العُنْقُر (٢). فلم يقبلْ شهادتَه.
وقال سفيان الثوري عن الأعمش: دَعَوني إلى إياس، فإذا رجلٌ كلَّما فرَغَ من حديثٍ أخَذَ في آخر.
وقال إياس: كلُّ رجلٍ لا يَعْرِفُ عَيبَ نفسِه فهو أحمق. فقيل له: ما عَيْبُك؟ فقال: كثرةُ الكلام.
قالوا: ولما ماتت أمُّهُ بَكَى عليها، فقيل له في ذلك، فقال: كان لى بابانِ مفتوحانِ إلى الجنة، فغُلِق (٣) أحدُهما.
وقال له أبوه: إنَّ الناسَ يلدونَ أبناءً، ووَلَدْتُ أنا أبًا.
وكان أصحابهُ يجلِسُون حولَه ويكتبون عنه الفِرَاسة، فبينما هم حَوْلَه جلوس، إذْ نظرَ إلى رجل قد جاء، فجلس على دَكَّةِ حانوت (٤)، وجعل كلَّما مَرَّ أحَدٌ ينظرُ إليه. ثم قام فنظر في وجه الرجل، ثم عاد فقال لأصحابه: هذا فقيهُ كُتَّاب، قد أبَقَ له غلامٌ أعور، فهو يتطلَّبُه، فقاموا إلى ذلك الرجل فسألوه، فوجدوهُ كما قال إياس، فقالوا لإياس: مِنْ أينَ عرفتَ ذلك؟ فقال: لَمَّا جلسَ على دَكَّةِ الحانوت علمتُ أنَّهُ ذو ولاية. ثم نظرتُ فإذا هو لا يصلحُ إِلَّا لفَقاهةِ المكتب، ثم جعل ينظرُ إلى كلِّ مَنْ مَرَّ بِه، فعرفتُ أنَّهُ فَقَدَ غلامًا، ثم لما قامَ فنظرَ إلى وجهِ ذلك الرجل من الجانب الآخر عرفتُ أنَّ غلامَهُ أعوَر.
وقد أورد ابنُ خَلِّكَان أشياء كثيرةً في ترجمته (٥)، من ذلك أنَّه قال: شَهِدَ عندَهُ رجلٌ في بستان فقال
стр. 4703
له: كم عدَدُ أشجارِه؟ فقال له: كم عدَدُ جذوعِ هذا المجلس الذي أنتَ فيه من مُدَّةِ سِنين؟ فقلت: لا أدري. وأقرَرْتُ شهادتَه.
قال خليفة (١) وغيرُ واحد: توفي بواسط سنة ثنتين وعشرين ومئة.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومئة
ذكر المدائني عن شيوخه أنَّ خاقانَ ملكَ التُّرْك لما قُتل في ولايةِ أسَدِ بن عبد اللّه القَسْرِيّ على خُراسان تفرَّقَ شملُ الأتراك، وجعل بعضُهم يُغِير على بعض، وبعضُهم يقتلُ بعضًا، حتى كادَتْ أنْ تخرَبَ بلادُهم. واشثغلوا عن المسلمين.
وفيها سأل أهلُ الصُّغْد من أمير خُراسان نصرِ بنِ سَيَّار أن يردّهُمْ إلى بلادهم، وسألوه شروطًا أنكرها العلماء، منها أن لا يعاقب من ارتدَّ منهمْ عن الإسلام، ولا يؤخذُ أسيرُ المسلمينَ منهم، وغير ذلك، فأراد أنْ يوافِقَهم على ذلكِ لِشدَّةِ نكايتِهم في المسلمين، فعاب عليه الناسُ ذلك، فكتب إلى هشامٍ في ذلك، فتوقَّف، ثم رأى أنَّ هؤلاءِ إذا استمرُّوا على معانَدَتِهِم (٢) للمسلمين كان ضرَرُهم أشَدَّ أجابَهُمْ إلى ذلك. وقد بعثَ يوسفُ بن عمر أميرَ العراق وفدًا إلى أميرِ المؤمنين يسألُ منه أنْ يَضُمَّ إليهِ نِيَابَةَ خُرَاسان، وتكلَّموا في نَصْرِ بن سَيَّار، بأنَّهُ وإنْ كانَ شَهْمًا شجاعًا إلَّا أنَّه قد كَبِرَ وضَعُفَ بصَرُه، فلا يَعرفُ الرجلَ إلَّا من قَرِيبٍ بصَوْتِه، وتكلَّموا فيه كلامًا كثيرًا، فلم يَلْتَفِتْ إلى ذلك هشام، واستمرَّ به على إمرَةِ خُراسانَ وولايتِها.
قال ابنُ جرير (٣): وحجَّ بالناسِ فيها يزيدُ بن هشام بن عبد الملك.
والعُمَّالُ فيها مَنْ تقدَّمَ ذِكْرُهم في التي قبلَها.
وتُوفِّيَ في هذه السنة:
رَبيعةُ بن يزيد القصير من أهل دمشق.
وأبو يونس سليمان بن جُبير.
وسِمَاك بن حَرْب.
ومحمد بن واسع بن حيان، وقد ذكَرْنا تراجِمَهم في كتابنا "التكميل" وللّه الحمد (٤).
стр. 4704
ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومئة
فيها غزا سليمانُ بن هشام بن عبد الملك بلادَ الروم فلقي اليون فقاتله، فسَلِمَ سليمانُ وغَنِم.
وفيها قَدِمَ جماعةٌ من دُعاةِ بني العباس من بلاد خُراسان قاصدينَ إلى مكة، فمرُّوا بالكوفة، فبَلَغهم
стр. 4705
أن في السجنِ جماعةً من الأمراء من نُوَّابِ خالد بن عبد اللّه القَسْري، قد حبسَهم يوسفُ بن عمر، وفيهم عيسى بن معقل العجلي، فاجتمعوا بهم في السجن، فدعَوْهُمْ إلى البيعةِ لبني العباس وإذا عندَهم من ذلك جانبٌ كبير، فقَبِلوا منهم، ووجدوا عندهم في السجن أبا مسلمٍ الخُراساني، وكان إذْ ذاكَ غلامًا يَخدِمُ عيسى بن معقل العِجْلي، وكان محبوسًا فأعجَبَهم شهامَتُه وقوَّتُه، واستجابته مع مولاه إلى هذا الأمر، فاشتراهُ بكرُ بن ماهان بأربعمئةِ درهم، خرَجوا بهِ معَهم، فاستندَبُوهُ لهذا الأمر، فكانوا لا يوجِّهونَهُ إلى مكان إلَّا ذهب ونَتَج ما يوجِّهونه إليه، ثم كان من أمرِهِ ما سنذكرُه إن شاء الله تعالى فيما بعد.
قال الواقدي: ومات في هذه السنة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو الذي يدعو إليه دعاةُ بني العباس، فقام مقامَهُ ولدُه أبو العباس السَّفَّاح، والصحيح أنَّهُ إنَّما تُوفِّي في التي بعدَها.
قال الواقدي وأبو معشر: وحجَّ بالناس فيها عبدُ العزيز بن الحجَّاج بن عبد الملك ومعه امرأته أم سلمة بنت هشام بن عبد الملك. وقيل: إنما حجَّ بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل. قاله الواقدي، والأول ذكره ابنُ جرير (١)، واللّه أعلم.
وكان نائبُ الحجاز محمد بن هشام بن إسماعيل يَقِفُ على باب أم سلمة ويهدي إليها الألطاف والتُّحَف، ويعتذِرُ إليها من التقصير، وهي لا تلتفتُ إلى ذلك. ونوَّابُ البلاد هُمُ المذكورون في التي قبلَها.
وفيها تُوفِّيَ:
القاسم بن أبي بَزَّة (٢) أبو عبد اللّه المكِّي القارئ، مولى عبدِ اللّه بن السائب، تابعيٌّ جليل.
روى عن أبي الطُّفيل عامرِ بن واثلة، وعنهُ جماعة، ووثَّقه الأئمة.
وكانتْ وفاتُهُ في هذه السنة على الصحيح، وقيل بعدَها بسنة، وقيل: سنةَ أربعَ عشرة، وقيل: سنة خمسَ عشرة، فاللّه أعلم.
الزُّهْرِيّ (٣) محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة بن
стр. 4706
كِلاب بن مُرَّة، أبو بكر القُرَشيُّ الزُّهْرِى، أحَدُ الأعلام من أئمةِ الإسلام. تابعيٌّ جليل، سمع غيرَ واحدٍ من التابعين وغيرِهم.
روى الحافظُ ابنُ عساكر عن الزُّهْري، قال: أصابَ أهلَ المدينهِّ جَهْدٌ شَديد، فارتحلتُ إلى دمشق، وكان عندي عِيَالٌ كثيرهّ، فجئتُ جامعَها، فجلستُ في أعظم حَلْقَة، فإذا رجلٌ قد خرج من عندِ أميرِ المؤمنين عبدِ الملك فقال: إنَّهُ مّد نزلَ بأميرِ المؤمنين مسألة - وكان قد سمع من سعيدِ بن المسيِّب فيها شيئًا وقد شذَّ عنه في أُمَّهاتِ الأولاد يرويهِ عن عمر بن الخطاب - فقل: إني أحفظُ عن سعيد بن المسيِّب عن عمرَ بن الخطاب، فأخذني، فأدخلني على عبدِ الملك، فسألني مِمَّنْ أنت؟ فانتسبتُ له، وذكرتُ له حاجتي وعِيَالي فسألنى: هل تحفَظُ القرآن. قلت: نَعَمْ والفرائضَ والسُّنَن، فسألَني عن ذلك كلِّه فأجبتُه (١)، فقَضَى دَيْنِي، وأَمَرَ لي بجائزةٍ وقال لي: اطلبِ العِلم، فإنِّي أرَى لكَ عَينًا حافظة، وقلبًا ذَكيًّا. قال: فرجعتُ إلى المدينةِ أطلبُ العِلْم وأتتبَّعُه، فبلغني أنَّ امرأهّ بقُبَاء رأتْ رؤيا عَجيبة فأتيتُها فسألتُها عن ذلك، فقالتْ: إنَّ بعلي ماتَ وترك لنا خادمًا وداجنًا ونُخيلات نشربُ من لبنها، ونأكلُ من ثمرها، فبينما أنا بين النائمةِ واليقظَى رأيتُ كأنَّ ابني الكبير وكان مشتدًّا قد أقبل، فأخذ الشفرةَ فذبح ولدَ الداجنِ وقال: إنَّ هذا يُضَيِّقُ علينا اللَّبَن، ثم نَصَب القِدْرَ، وقطَّعها ووضعها فيه، ثم أخذ الشفرةَ فذبح بها أخاه، وأخوه صغير، كما قد جاء، ثم استيقظتُ مذعورةً، فدخل ولدي الكبير فقال: أين اللَّبَن؟ فقلت: يا بُنِي، شَرِبَهُ ولدُ الدَّاجن. فقال: إنَّهُ قد ضَيَّقَ علينا اللبن، ثم أخذ الشفرهَّ فذبحَهُ وقطَّعَهُ في القِدْر، فبَقِيتُ مشفِقَةً خائفةً ممَّا رأيت، فأخذتُ ولديَ الصغير، فغَيَّبْتُهُ في بعضِ بيوتِ الجيران، ثم أقبلتُ إلى المنْزِل وأنا مشفِقةٌ جدًّا ممَّا رأيت، فأخذَتْني عيني فنِمت، فرأيتُ في المنام قائلًا يقول: ما لك مغتمَّة؟ فقلت: إني رأيتُ منامًا، فانا أحذَرُ منه، فقال: يا رؤيا يا رؤيا، فاقبلتِ امرأةٌ حسناءُ جميلةٌ، فقال: ما أردتِ من هذه المرأةِ الصالحة؟ قالتْ: ما أردتُ إلَّا خيرًا. ثم قال: يا أحلام، يا أحلام، فأقبلتِ امرأةٌ دونها في الحُسن والجمال، فقال: ما أردتِ إلى هذ المرأة الصالحة؟ فقالت: ما أردتُ إِلَّا خيرًا. ثم قال: يا أضغاث، يا أضغاث، فأقبلتِ امرأةٌ سوداءُ شَعِثَة، فقال: ما أردتِ إلى هذه المرأة الصالحة؟ فقالت: إنها امرأةٌ صالحة، فأحببتُ أنْ أعَلمَها ساعة. ثم استيقظتُ، فجاء ابني فوضعَ الطعامَ وقال: أين أخي؟ فقلت: إنه درَجَ إلى بيوتِ الجيران، فذهب وراءه، فكأنما هُدِيَ إليه، فأقبل به يُقَبِّلُه، ثم جاء فوضَعَه، وجلَسْنا جميعًا، فأكلنا من ذلك الطعام (٢).
стр. 4707
ولد الزُّهري في سنةِ ثمانٍ وخمسين في آخرِ خلافةِ معاوية، وكان قصيرًا قليلَ اللِّحْية، له شعراتٌ طوال، خفيفَ العارضَيْن. قالوا: وقد قرأ القرآن في نَحوٍ من ثمانٍ وثمانينَ يومًا. وجالس سعيدَ بن المُسيِّب ثمانَ سنين، تَمَسُّ ركبتُه ركبتَه، وكان يخدمُ عبدَ اللّه (١) بن عبدِ اللّه يستقي له الماء المالح، ويدورُ على مشايخِ الحديث ومعه ألواحٌ يكُتبُ عنهم فيها الحديث، ويكتبُ عنهم كل ما سمِعَ منهم، حتى صار من أعلمِ الناس، وأعلمهم في زمانه، وقد احتاج أهلُ عصرِهِ إليه.
وقال عبدُ الرزاق: أخبرنا معمَرٌ عن الزهري قال: كُنَّا نكرَهُ كتابَ العلم حتى أكرَهَنا عليه هؤلاء الأمَراء، فرأينا أنْ لا نَمْنعَهُ أحدًا من المسلمين (٢).
وقال ابنُ إسحاق: كان الزُّهري يرجعُ من عندِ عُروةَ فيقولُ لجاريةٍ عندَه فيها لُكْنَة: حَدَّثَنَا عروة، ثنا فلان. ويسرُدُ عليها ما سَمِعَهُ منه، فتقول له الجارية: والله ما أدري ما تقول. فيقول لها: اسكتي لَكَاعِ فإني لا أريدُك، إنما أُريدُ نفسي (٣).
ثم وفد على عبدِ الملك بن مروان بدمشق - كما تقدَّم - فأكرمَهُ وقضَى دَينه، وفرَضَ له في بيتِ المال، ثم كان بعدُ من أصحابِهِ وجلسائه، ثم كان كذلك عندَ أولادِهِ من بعدِه الوليدُ وسليمان، وكذا عند عُمر بن عبد العزيز، وعند يزيد بن عبد الملك، واستقضاهُ يزيدُ مع سليمانَ بن حَبيب، ثم كان حَظِيًّا عند هشام، وحجَّ معَه، وجعله معلم أولادِهِ إلى أنْ تُوفي في هذه السنة قبلَ هشام بسنة.
وقال ابنُ وَهْب: سمعتُ اللَّيثَ يقول: قال ابنُ شهاب: ما استودعتُ قلبي شيئًا قطُّ فنَسِيتُه. قال: وكان يكرَهُ أكلَ التفَّاح وسؤرَ الفَأْرِ ويَقُول: إنَّهُ يُنْسِي، كان يشربُ العَسلَ ويقول: إنَّهُ يُذكِّر (٤).
وفيه يقولُ فائدُ بنُ أقْرم:
زُرْ ذا وأثنِ على الكريم محمدٍ … واذكرْ فواضِلَهُ على الأصحابِ
وإذا يقالُ مَنِ الجوَادُ بمالِهِ … قِيل الجوادُ محمدُ بنُ شهابِ
أهل المدائنِ يعرفونَ مَكانَهُ … وربيعُ نادِيِه علىِ الأعرابِ
يَشْرِي وفاءَ جِفَانِهِ وَيمُدُّها … بكُسورِ أثباجٍ (٥) وفتْقِ لُبَابِ
стр. 4708
وقال ابنُ مَهْدي: سمعتُ مالكًا يقول: حدَّث الزُّهريُّ يومًا بحديث، فلما قام أخذتُ بِلِجامِ دابته فاستفهمته، فقال: أتستفهمُني؟! ما استفهمتُ عالمًا قطّ، ولا ردَدْتُ على عالمٍ قطّ. ثم جعل ابنُ مهدي يقول: فتلك الطِّوَال، وتلك المغازي (١).
وروى يعقوبُ بن سُفيان عن هشام بن خالد السلامي، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد - يعني ابنَ عبد العزيز - أنَّ هشام بن عبد الملك سأل الزُّهريَّ أن يكتُبَ لِبَنيهِ شيئًا من حديثِه، فأملَى على كاتِبِه أربع مئة حديث، ثم خرج على أهلِ الحديث فحدَّثهم بها، ثم إنَّ هشامًا قال للزُّهْري: إنَّ ذلك الكتابَ ضاع، فقال: لا عليك. فأملى عليهم تلك الأحاديث، فأخرج هشامٌ الكتابَ الأول، فإذا هو لم يغادرْ حَرفًا واحدًا، وإنما أرادَ هشامٌ امتحانَ حِفظِة (٢).
وقال عمر بنُ عبد العزيز: ما رأيتُ أحدًا أحسَنَ سَوْقًا للحديث إذا حدَّث من الزُّهري.
وقال سفيان بنُ عُيَينة عن عمرو بن دينار: ما رأيتُ أحدًا أنصَّ للحديثِ من الزُّهري، ولا أهونَ من الدينارِ والدرهم عندَه! وما الدراهمُ والدنانيرُ عندَ الزُّهريِّ إِلَّا بِمَنْزلةِ البَعْر. قال عمرو بن دينار: ولقد جالستُ جابرًا وابنَ عباس وابنَ عمر وابنَ الزبير، فما رأيتُ أحدًا أسْيَقَ للحديثِ من الزُّهري.
وقال الإمامُ أحمد: أحسنُ الناسِ حديثًا وأجوَدُهم إسنادًا الزُّهري.
وقال النسائي: أحسنُ الأسانيد: الزُّهريُّ عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدِّه عليّ، عن رسول اللّه ﷺ .
وقال سعيد عن الزهري: مكثتُ خمسًا وأربعينَ سنةً أختلفُ من الحجازِ إلى الشام، ومن الشام إلى الحجاز، فما كنتُ أسمعُ حديثًا أستطرفُه.
وقال الليث: ما رأيتُ عالمًا قطُ أجمعَ من ابن شهاب، ولو سمعتَه يحدِّثُ في الترغيبِ والترهيب لقلتَ: ما يُحسنُ غيرَ هذا؛ وإن حدث عن الأنبياء وأهلِ الكتاب قلت: لا يُحسنُ إلَّا هذا؛ وإنْ حدَّثَ عن الأعرابِ والأنسابِ قلت: لا يُحسنُ إلَّا هذا؛ وإنْ حدَّث عن القرآن والسُّنَّة كانَ حديثُهُ بِدْعًا جامعًا؛ وكان يقول: اللهمَّ إني أسألكَ من كلِّ خيرٍ أحاطَ به عِلمُك، وأعوذُ بك من كلِّ شرٍّ أحاطَ به علمُكَ في الدنيا والآخرة.
قال الليث: وكان الزُّهريُّ أسخَى منْ رأيت، يُعطِي كلَّ منْ جاءَ وسألَه، حتى إذا لم يبقَ عندَهُ شيءٌ
стр. 4709
استسلف. وكان يُطعم الناسَ الثَّريد، ويسقيهم العسَل، وكان يسمُرُ على شرابِ العِّسَل كما يسمُرُ أهلُ الشرابِ على شرابهم ويقول: أسقونا وحدِّثونا. فإذا نَعَسَ أحدُهم يقول له: ما أنتَ من سمَّارِ قُريش. وكانتْ له قُبَّةٌ معصفَرة، وعليه مِلْحفةٌ معصفَرة، وتحتَهُ بساطٌ معصفرٌ.
وقال الليث: قال يحيى بن سعيد: ما بقي عندَ أحدٍ من العلم ما بقي عندَ ابنِ شهاب.
وقال عبد الرزاق: أنبأ معمر قال: قال عمر بن عبد العزيز: عليكم بابنِ شهاب، فانه ما بقي أحدٌ أعلىم بسنَّةٍ ماضيةٍ منه، وكذا قال مَكْحول.
وقال أيوب: ما رأيتُ أحدًا أعلَمَ من الزُّهري! فقيل له: ولا الحسَن؟ فقال: ما رأيتُ أعلمَ من الزهري!
وقيل لمكحول: منْ أعلَمُ من لَقيت؟ قال الزهري: قيل: ثم منْ؛ قال: الزهري. قيل: ثم منْ؟ قال: الزهري.
وقال مالك: كان الزهريُّ إذا دخل المدينةَ لم يحدِّثْ بها أحدًا حتى يخرج.
وقال عبدُ الرزاق عن ابنِ عُيَينة: محدِّثو أهلِ الحجاز ثلاثة: الزهري، ويحيى بن سعيد، وابنُ جُريج.
وقال عليُّ بن المَدِيني: الذين أفتَوْا أربعة: الزُّهْري، والحكَم، وحماد، وقتادة، والزُّهري أفقَهُهُمْ عندي.
وقال الزهري: ثلاثةٌ إذا كُنَّ في القاضي فلس بقاضٍ: إذا كَرِهَ المَلاوم، وأحبَّ المحامِد، وكَرِهَ العزْل.
وقال أحمد بن صالح: كان يُقال: فُصَحاء زمانِهم الزهري، وعمر بن عبد العزيز، وموسى بن طلحة، وعُبيد الله، ﵏.
وقال مالك عن الزهري أنه قال؛ إنَّ هذا العلم الذي أَدَّبَ اللهُ بهِ رسولَ الله ﷺ ، وأدَّب رسولُ الله بهِ أُمَّتَه أمانةُ الله إلى رسولهِ ليؤدِّيَهُ على ما أُدِّيَ إليه، فمنْ سَمِعَ علمًا فَلْيَجعَلْهُ أمامَهُ حجَّةً فيما بينه وبين الله .
وقال محمد بن الحسين عن يونس، عن الزهريِّ قال: الاعتصام بالسنَّةِ نجاة (١).
وقال الوليد عن الأوزاعي عن الزهري، قال: أمِرُّوا أحاديثَ رسولِ اللّه ﷺ كما جاءت.
стр. 4710
وقال محمد بن إسحاق عن الزهري: إنَّ من غوائلِ العلم أنْ يُترَك العالِمُ حتى يذهبَ عِلمه (١).
وقال أبو زرعة عن نعيم بن حماد، عن محمد بن ثَوْر، عن معمر، عن الزهري، قال: القراءةُ على العالِمِ والسماعُ عليه سواءٌ إن شاء اللّه تعالى.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: إذا طال المجلسُ كان للشيطانِ فيه حظٌّ ونَصيب. وقد قضَى عنه هشامٌ مرَّةً ثمانين ألف درهم. وفي رواية: سبعةَ عشرَ ألفًا. وفي رواية: عشرين ألفًا.
وقال الشافعي: عَتَبَ رجاءُ بنُ حَيْوة على الزُّهري في الأسراف، وكان يَدَّان (٢)، فقال له: لا آمنُ أنْ يحبِسَ هؤلاء القومُ ما بأيديهم عنك، فتكون قد حملتَ على أمانيك. قال: فوعده الزهريُّ أنْ يُقصِر، فمَرَّ به بعد ذلك وقد وضعَ الطعامَ ونصبَ موائدَ العَسَل، فوقف به رجاء وقال: يا أبا بكر، ما هذا بالذي فارقْتَنا عليه. فقال له الزهري: انزِلْ فإنَّ السَّخيَّ لا تؤدِّبُهُ التجارِب (٣).
وقد أنشدَ بعضُهم في هذا المعنى:
له سحائبُ جودٍ في أنامِلِهِ … أمطارُها الفِضَّةُ البيضاءُ والذهبُ
يقول في العُسْرِ إنْ أيْسَرتُ ثانيةً … أقصَرْتُ عن بعضِ ما أُعطي وما أهَبُ
حتى إذا عادَ أيامُ اليسَارِ لَهُ … رأيتَ أموالَهُ في الناسِ تُنْتَهَبُ
وقال الواقدي (٤): ولد الزُّهريُّ سنة ثمانٍ وخمسين، [في آخرِ خلافةِ معاوية بن أبي سفيان، وهي السنةُ التي ماتتْ فيها عائشةُ زوجُ النَّبِيّ ﷺ ]، وقَدِمَ في سنةِ أرِبعٍ وعشرين ومئة إلى أمواله بثلاث (٥): بِشَغْب وبَدَا (٦) فأقام بها، فمرض هناك ومات. وأوصَى أنْ يُدفنَ على قارعةِ الطريق وكانتْ وفاتُه لسبعَ عشرةَ من رمضان في هذه السنة، وهو ابنُ خمسٍ وسبعين سنة. قالوا: وكان ثقةً كثيرَ الحديث والعلم
стр. 4711
والرواية، فقيهًا جامعًا. وقال الحسين بن المتوكِّل العَسْقلاني: رأيتُ قبرَ الزهري بشَغْب وبَدَا (١) من فِلَسْطينَ مُسَنَّمًا مُجَصَّصًا.
وقد وقف الأوزاعي يومًا على قبرِهِ فقال:
يا قبر كم فيك من علم ومن حلم … يا قبر كم فيك من علم ومن كرم
وكم جمعتَ رواياتٍ وأحكاما … .............................. (٢)
وقال الزُّبير بن بكار: توفي الزهري بأموالِهِ بِشَغْب (٣) ليلةَ الثلاثاء لسبعَ عشرةَ ليلةً خلتْ من رمضان سنة أربع وعِشرين ومئة، عن ثنتين وسبعينَ سنة، ودُفن على قارعةِ الطريق، ليدعُوَ له المارَّة. وقيل: إنه تُوفي سنةَ ثلاثٍ وعشرين ومئة. وقال أبو معشر: سنةَ خمسٍ وعشرين ومئة. والصحيح الأول. واللّه أعلم (٤).
وممنْ تُوفِّي في خِلافةِ هشام بن عبد الملك كما أوردَهُ ابنُ عساكر:
بلال بن سعد (١) بن تميم السَّكوني أبو عمرو، ويقال: أبو زُرْعة، إمامُ جامع دمشق أيامَ هشام، وقاصُّ أهلِ الشام؛ وكان من الزُّهاد الكِبَار، والعُبَّاد الصُّوَّام القُوَّام.
روَى عن أبيه، وكان أبوهُ له صُحْبَة، وعن جابر، وابنِ عمر، وأبي الدرداء، وغيرهم. وعنه جماعةٌ، منهم أبو عمرو الأوزاعي، وكان الأوزاعي يكتبُ عنه ما يَقُولُه من الفوائدِ العظيمةِ من قَصَصِهِ ووَعْظِه، وقال: ما رأيتُ واعِظًا قَطُّ مِثلَه.
وقال أيضًا: ما بلَغَني عن أحدٍ من العبادةِ ما بلَغَني عنه، كان يُصلِّي في اليومِ والليلةِ ألفَ رَكْعَة، قال غيره - وهو الأصمعي -: كان إذا نَعَسَ في ليلِ الشتاء ألقَى نفسَهُ في ثِيابِه في البِرْكة، فعاتَبَهُ بعضُ أصحابِه في ذلك فقال: إنَّ ماء البِرْكةِ أهوَنُ من صَديدِ جهنم.
وقال الوليدُ بن مسلم: كان إذا كبَّرَ في المِحراب سمعوا تكبيرَهُ من الأوْزاع، قلت: وهي خارج بابِ الفرادِيس، بِمَحلَّةِ سوق قُميلة اليوم، قال: وكنّا نتبيّنُ قراءتَهُ من عقَبَة الشيخ عند دار الضيافة (٢). يعني من عند دار الذهب داخل باب الفراديس.
وقال أحمد بن عبد اللّه العِجْلي - وهو شامي - تابعيٌّ ثِقَة.
وقال أبو زرعة الدمشقي: كان أحدَ العلماء، وكان قاصًّا، حسَنَ القَصَص، وقد اتَّهمَهُ رجاءُ بن
стр. 4716
حَيْوَة بالقَدَر، حتى قال بلال يومًا في وَعظِه: رُبَّ مسرورٍ مَغْبُون، ورُبَّ مَغْبُونٍ (١) لا يَشْعُر، فوَيلٌ لِمَنْ له الوَيْلُ وهو لا يَشْعُر، يأكلُ ويشرَبُ ويَضْحَك وقد حَقَّ عليه في قضاءَ الله أنَّهُ من أهلِ النار، فياوَيْل لك جسدًا! فلْتبكِ وِلْتبكِ عليك البواكي لطولِ الأبَد.
وقد ساق ابنُ عساكر شيئًا حَسنًا من كلامه في مواعظهِ البليغة، فمنْ ذلك قولُه: واللّهِ لكفَى به ذنبًا أنَّ اللهَ يُزَهِّدُنا في الدنيا ونحنُ نرغَبُ فيها. زاهِدُكم راغب، وعالمكم جاهل، ومجتهدُكم مقصِّر.
وقال أيضًا: أخٌ لك كلَّما لَقِيَكَ ذكَّركَ بنصيبكَ من اللّه، وأخبركَ بعَيْبٍ فيك أحَبُّ إليك وخيرٌ لك مِنْ أخٍ كلَّما لَقِيَكَ وضعَ في كفِّكَ دينارًا.
وقال أيضًا: لا تكنْ وَلِيًّا للهِ في العلانية، وعدوَّهُ في السِّرّ، [ولا تكنْ عدُوَّ إبليسَ والنفسِ والشَّهَواتِ في العلانية، وصديقَهم في السِّرّ] (٢). ولا تَكُنْ ذا وجهَيْنِ وذا لسانين فتظهرَ للناس أنك تخشَى اللّه ليحمَدُوك، وقلبُكَ فاجر.
وقال أيضًا: أيّها الناس، إنَّكم لم تُخلقُوا للفَنَاء وإنَّما خُلقتُمْ للبقاء، ولكنَّكم تَنْتقِلُون من دارٍ إلى دار، كما نُقلتمْ من الأصلابِ إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبورِ إلى المَوقْف، ومن الموقف إلى الجنَّةِ أو النار.
وقال أيضًا: عبادَ الرحمن، إنكم تعملونَ في أيامٍ قصار لأيامٍ طِوَال، وفي دارِ زَوَالٍ إلى دارِ مُقَام، وفي دارِ حُزْنِ ونَصَب، لِدارِ نعيمٍ وخلُود، فمن لم يعمَلْ على يقين فلا يتعَنَّ، عبادَ الرحمن، لو قد غُفرَتْ خطاياكمُ الماضية لكان فيما تستقبلون لكمْ شُغُلًا، لو عَمِلتم بما تعلمون لكنتم عبادَ اللّه حَقًّا. عبادَ الرحمن، أَمَّا ما وكَّلَكُمْ بهِ فتضيِّعونَه، وأَمَّا ما تكَفَّلَ اللّه لكُمْ بهِ فتطلبونه! ما هكذا نعَتَ اللّهُ عبادَهُ المُوقِنِين، أذَوُو عَقْلٍ في الدنيا وبُلْهٌ في الآخرة، عُمْيٌ عَمَّا خُلقْتمْ له، بُصَراء في أمرِ الدُّنيا! فكما ترجونَ رحمةَ الله بما تؤدُّونَ من طاعتِه، فكذلك أشفِقُوا من عَذَابِه بما تنتهِكُونَ من معَاصِيه. عبادَ الرحمن، هل جاءكمِ مُخبِرٌ يُخبرُكم أنَّ شيئًا من أعمالِكُمْ قد تُقُبِّلَ منكم؛ أو شيئًا مِنْ خطاياكم قد غُفِرَ لكم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، واللهِ لو عَجَّلَ لكم الثوابَ في الدنيا لاستقلَلْتُمْ ما فرض عليكم، أترغبون في طاعةِ الله لتعجيلِ دار هَمّ، ولا ترغبون وتُنافِسونَ في جنَّةٍ أكُلُها دائمٌ وظِلُّها؟ وعَرْضُها عرضُ الأرض والسماوات. ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥].
وقال أيضًا: الذِّكرُ ذِكْران، ذكرُ اللّهِ باللِّسان حَسَنٌ جميل، وذكرُ اللّهِ عندما أحَلَّ وحرَّم أفضل. عبادَ
стр. 4717
الرحمن، يقالُ لأحَدِنا تُحِبُّ أن تموت؟ فيقول: لا. فيقال له: لِمَ؟ فيقول: حتى أعمَل. فيُقال له: اعمَلْ. فيقول: سوف أعمل. فلا تُحِبُّ أنْ تموتَ ولا تُحبُّ أنْ تعمَل! وأحَبُ شيْءٍ إليه يُحِبُّ أنْ يؤخِّرَ عمَلَ اللّه، ولا يُحِبُّ أنْ يؤخِّرَ الله عنهُ عَرَضَ الدنيا!.
عبادَ الرحمن، إنَّ العبدَ ليعمَلُ الفريضةَ الواحدةَ من فرائضِ اللّه، وقد أضاعَ ما سِواها، فما يزالُ يُمَنِّيهِ الشيطانُ ويُزَيِّنُ له حتى ما يَرَى شيئًا دونَ الجنة مع إقامَتِهِ على مَعَاصي الله. عبادَ الرحمن، قبلَ أنْ تعمَلُوا أعمالَكمْ فانظروا ماذا تُريدون بها، فإنْ كانَتْ خالصة فامْضُوها، وإنْ كانت لغيرِ الله فلا تَشُقُّوا على أنفسكم، فإنَّ اللّه لا يقبلُ من العمل إلَّا ما كان لهُ خالصًا، فإنه قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وقال أيضًا: إنَّ الله ليس إلى عذابِكم بِسَرِيع، يقبَلُ المُقبِل ويَدْعو (١) المُدْبِر.
وقال أيضًا: إذًا رأيتَ الرجلَ مُتحرِّجًا لَجُوجًا مماريًا مُعجبًا برأيه فقد تَمَّتْ خسارَتُه.
وقال الأوزاعي: خرج الناسُ بدمشقَ يَسْتَسقون، فقام بهم بلالُ بنُ سعدٍ فقال: يا معشر مَنْ حَضَر، ألستُمْ مُقِرِّينَ بالإساءة؟ قالوا: نعم. فقال: اللَّهُمَّ إنَّكَ قلت: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وقد أقرَرْنا بالإساءة فاعفُ عنَّا واغفِرْ لنا. قال: فسُقُوا يومَهمْ ذلك.
وقال أيضًا: سمعتُه يقول: لقد أدرَكْتُ أقوامًا يشتدُّونَ بين الأغراض، ويضحَكُ بعضُهم إلى بعض، فإذا جَنَّهُمُ الليلُ كانوا رُهْبانًا (٢).
وسمعتُهُ أيضًا يقول: لا تَنظُرْ إلى صِغَرِ الذنب، وانظُرْ إلى مَنْ عصَيْت.
وسمعتُه يقول: من بادأَكَ بالوُدِّ فقدِ استرقَّكَ بالشُّكْر.
وكان من دعائه: اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من زَيْغِ القُلوب، ومن تَبِعاتِ الذنوب، ومن مُرْدِياتِ الأعمال، ومُضِلَّاتِ الفِتَن (٣).
стр. 4718
الجَعْدُ بن دِرْهَم (١): هو أول من قال بِخَلْقِ القرآن، وهو الذي يُنسَبُ إليه مروان الجَعْدِيّ، وهو مروانُ الحمار آخرُ خلفاءِ بني أمية. كان شيخُه الجعدَ بن دِرْهم، أصلُه من حَرَّان (٢)، ويقال: إنه من موالي بني مروان، سكن الجعدُ دمشق، وكان له بها دارٌ بالقُرب من القلانسيِّين إلى جانب الكنيسة، ذكره ابنُ عساكر. قلت: وهي مَحَلَّةٌ بالقرب من الخوَّاصِين اليوم، غربيها عند حمام القطَّانين الذي يقال له حمام قلينس.
قال ابنُ عساكر وغيرُه (٣): وقد أخذ الجَعْدُ بِدعَتَهُ عن أبان بن سمعان (٤)، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لَبِيد بن أعصم زوجِ ابنتِه، وأخذها لَبِيدُ بن أعصَم الساحر الذي سحرَ الرسولَ ﷺ عن يَهوديٍّ باليمن، وأخذ عن الجَعْد الجَهْم بن صفوان الخزري وقيل الترمذي، وقد أقامَ بِبلْخ، وكان يُصلّي مع مُقاتِل بن سليمان في مسجدِه، ويتناظران، حتى نُفِيَ إلى تِرْمِذ، ثم قُتل الجَهْم بأصبهان، وقيل بِمَرْو، قتله نائبُها سَلْم بن أحْوزَ ﵀ وجزاه عن المسلمين خيرًا، وأخذَ بِشْرٌ المريْسِي عن الجهم، وأخذ أحمد بن أبي دُوَاد عن بِشر. وأمَّا الجَعْدُ فإنه أقامَ بدمشق حتى أظهرَ القولَ بخَلقْ القرآن، فتطلَّبه بنو أمية، فهرب منهم، فسكن الكوفة، فلَقِيَهُ فيها الجَهْمُ بنُ صفوان، فتقلَّد هذا القول عنه. ثم إنَّ خالد بن عبد الله القَسْري قَتَل الجعدَ يومَ عيدِ الأضحى بالكوقة، وذلك أنَّ خالدًا خطَبَ الناسَ فقال في خُطْبَتِهِ تِلك: أيها الناس، ضَحُّوا يَقْبل اللّه ضحاياكم، فإنِّي مُضَحٍّ بالجَعْدِ بنِ دِرْهَم، إنَّه زَعَمَ أَنَّ الله لم يتَّخِذْ إبراهيمَ خليلًا، ولم يكلِّم موسى تكْلِيمًا، تعالى اللّه عمَّا يقولُ الجَعْدُ عُلُوًّا كَبيِرًا. ثم نزلَ فَذَبحَهُ في أصْلِ المِنْبَر بيدِه، أثابَهُ الله تعالى وتقبَّلَ منه، وذلك في أيام هشام بن عبد الملك، وقد كان هشامٌ صَلَبَهُ بدمشق حين أظهرَ ما أظهر، ثم إنَّه هربَ يعدَ ذلك، فكَتَبَ إلى نائبِهِ خالد بن عبد الله القَسْري أنْ يقتُلَه، فقتلَهُ كما ذكَرْنا.
стр. 4719
وقد روى قصَّتَه مع خالد البخاري في [خَلْق] أفعال العباد (١)، وابن أبي حاتم، وغير واحدٍ مِمَّنْ صنَّف في السنَّة، كالطبراني، وابن أبي عاصم، والبيهقي، وعبد الله بن أحمد، وذكرَهُ الحافظُ ابنُ عساكر في التاريخ (٢)، وذكر أنَّهُ كان يتردَّدُ إلى وَهْب بن مُنَبِّه، وأنه كان كلَّما راح إلى وَهْب يغتسل ويقول: أجْمَعُ للعَقْل. وكان يسألُ وَهْبًا عن صفاتِ الله ، فقال له وهبٌ يومًا: ويلك يا جعد، أقصرِ المسألةَ عن ذلك، إني لأظنُّكَ من الهالكين، لو لم يُخبِرْنا الله في كتابه أنَّ لَهُ يدًا ما قُلنا ذلك، وأنَّ لَهُ عينًا ما قُلنا ذلك، وأنَّ لَهُ نَفْسًا ما قُلنا ذلك، وأنَّ له سَمْعًا ما قُلنا ذلك. وذكَرَ الصفاتِ من العِلْمِ والكلامِ وغيرِ ذلك، ثم لم يَلْبَثِ الجَعْدُ أنْ صُلِبَ ثم قُتِل. ذكره ابنُ عساكر وذكرَ في ترجمتهِ أنَّه قال للحجَّاجِ بن يوسف، ويُروَى لِعمْرانَ بنِ حِطَّان (٣):
ليثٌ عليَّ وفي الحروب نَعَامةٌ … فَتْخاءُ تَجْفُلُ من صفِيرِ الصافِرِ
هلَّا بَرَزْتَ إلى غزالةَ في الوَغَى … بل كان قلبُكَ في جنَاحَيْ طَائِرِ
ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومئة
قال الحافظ أبو بكر البَزَّار (٤)؛ حَدَّثَنَا رزق اللّه بن موسى، حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيك، حَدَّثَنَا عبدُ الملك بن زَيد، عن مصعب بن مصعب، عن الزُّهري، عن أبي سَلَمَة بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "تُرفَعُ زِينةُ الدُّنيا سنةَ خمس وعشرين ومئة"، وكذا رواهُ أبو يعلى في مُسندِهِ (٥)
стр. 4720
عن أبي كُرَيب، عن ابنِ أبي فُديك، عن عبد الملك بن زيد بن سعيد بن نُفَيل، عن مصعب بن مصعب، عن الزُّهْري، به.
قلتُ: وهذا حديثٌ غَرِيبٌ مُنْكَر، ومُصْعَب بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري تكلَّمَ فيه وضعَّفَهُ على بن الحسين بن جنيد، وكذا تكلَّم في الراوي عنه أيضًا. والله أعلم.
وفيها غزا النعمانُ بن يزيد بن عبد الملك الصائفةَ من بلادِ الروم، وفي ربيع الآخِر منها تُوفِّي أميرُ المؤمنين:
هشامُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ مَرْوَان (١)
ذكر وفاته وترجمته ﵀:
هو هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبدِ شمس أبو الوليد القُرشي الأموي الدمشقي أمير المؤمنين، وأمه أُمُّ هشام بنت هشام بن إسماعيل المخزومي، وكانت دارُهُ بدِمَشق عند باب الخوَّاصين، وبعضُها اليوم مدرسةُ نورِ الدينِ الشهيد التي يُقالُ لها النُّورِيَّة الكبيرة، وتُعرَفُ بدارِ القَبَّابِين - يعني الذين يبيعون القِبَاب وهي الخِيَام - فكانت تلك المحلَّةُ دارَه، والله أعلم.
وقد بُويع له بالخِلافةِ بعدَ أخيه يزيدَ بنِ عبدِ الملك بعهدٍ منهُ إليه، وذلك يومَ الجمعة لأربعٍ بَقِينَ من شعبان سنةَ خمسٍ ومئة، وكان له من العمر يومئذٍ أربعٌ وثلاثون سنة، وكان جميلًا أبيضَ أحْوَل، يَخْضِبُ بالسَّوَاد، وهو الرابعُ من ولَدِ عبد الملك لِصُلْبِهِ الذين وَلُوا الخِلافة، وقد كان عبدُ الملك رأى في المنام كأنَّهُ بالَ في المِحراب أربعَ مَرَّات، فدسَّ إلى سعيدِ بن المسيَّب مَنْ سألَهُ عنها، ففسَّرَها له بأنَّهُ يَلِي الخلافةَ مِنْ وَلَد أربعة، فوقَعَ ذلك، فكانَ هشامٌ آخِرَهُمْ، وكان في خلافتِهِ حازمَ الرَّأي، جَمَّاعًا للأموال يُبَخَّل، وكان ذَكيًّا مُدَبِّرًا، له بصَرٌ بالأمور جَليلِها وحَقيرِها، وكان فيه حِلْمٌ وأنَاة، شتَمَ مرَّةً رجلًا من الأشرافِ فقال: أتشتُمُني وأنتَ خليفةُ اللهِ في الأرض!؟ فاستحيا وقال: اقتصَّ مِنِّي بدلَها - أو قال بمثلِها - قال: إذًا أكونُ سَفيهًا مثلَك. قال: فخذْ عِوَضًا منها. قال: لا أفعل. قال: فاتُركْها لله. قال: هي للّه، ثم لك. فقال هشامٌ عند ذلك: واللّه لا أعودُ إلى مثلِها.
وقال الأصمعي: أسمَعَ رجلٌ هشامًا كلامًا فقال له: أتقولُ لي مثل هذا وأنا خَلِيفتُك؟!
وغَضِبَ مرَّة على رجلٍ فقال له: اسكُتْ وإِلَّا ضرَبْتكَ سَوْطًا.
стр. 4721
وكان عليُّ بنُ الحسين قد اقترَضَ من مروان بنِ الحكم مالًا أربعةَ آلافِ دينار، فلم يتعرَّضْ لَهُ أحَدٌ من بني مروان، حتى استُخلف هشام، فقال: ما فعَلَ حَقُّنا قِبَلَك؟ قال: مَوْفورٌ مَشْكور. فقال: هو لك (١).
وكان هشامٌ من أكرَهِ الناسِ لسَفْكِ الدماء، ولقد دخلَ عليهِ من مَقْتَل زيدِ بن عليٍّ وابنه يحيى أمرٌ شدِيد وقال: وَدِدْتُ أني أفتدَيْتُهما [بجميع ما أملك].
وقال المدائنِي عن رجلٍ من غَنِيّ (٢) عن بشر مولى هشام، قال: أُتِيَ هشامٌ برجل عندَهُ قِيَان وخَمْرٌ وبَرْبَط، فقال: اكسِروا الطُّنْبُور على رأصه وقرنه، فبَكَى الشيخ، قال بشر: [فقلتُ له وأنا أُعَزِّيه: عليك بالصبر] فقال: أتُراني أبكي للضَّرْب، إنَّما أبكي لاحتقارِك البربطَ حتى سمَّيتَهُ طُنبورًا.
وأغلظ لهشامٍ رجلٌ يومًا في الكلام فقال: ليس لك أنْ تقولَ هذا لإمامك.
وتفقَّدَ أحدَ ولَدِهِ يومَ الجمعة، فبعث إليه: ما لَكَ لم تشهدِ الجُمعة؟ فقال: إنَّ بغلَتي عجزَتْ عني. فبعث إليه: أما كان يُمكِنكَ المشي؟ وحرمَةُ (٣) أن يركبَ سنةً، [وأن يشهدَ الجمعة ماشيًا].
وذكر المدائني أنَّ رجلًا أهدَى إلى هشام طيرَيْن، فأتى بهما السفير إلى هشام وهو جالسٌ على سرير في وسطِ داره، فقال له: أرسِلْهما في الدار. فأرسلهما ثم قال: جائزتي يا أميرَ المؤمنين فقال: ويحك! وما جائزتُكَ على هديةِ طيرَيْن؟ خُذْ أحدَهما، فجعل الرجلُ يسعىَ خلفَ أحدِهما، فقال: ويحك! ما بالُك؟ فقال: أختارُ أجودَهما. قال: وتختارُ أيضًا الجيِّدَ وتَترُكُ الرديء! ثم أمرَ له بأربعينَ أو خمسينَ درهمًا. وذكر المدائني عن قحذم (٤) كاتب يوسف بن عمر، قال: بعثنِي يوسفُ إلى هشام بياقوتةٍ حمراء ولؤلؤةٍ كانتا لرابعة (٥) جاريةِ خالد بن عبد الله القَسْري، مُشْترَى الياقوتةِ ثلاثةٌ وسبعون ألف دينار، قال: فدخلتُ عليه وهر على سريرٍ فَوْقَه فُرش، لم أرَ رأْسَهُ من عُلوِّ تلك الفُرش، فأوردتها له، فقال: كم زِنَتُها؟ فقلت: إنَّ مثلَ هذهِ لا مِثْلَ لها. فسكت.
стр. 4722
قالوا: ورأى قومًا يَفْرُطُون الزيتون، فقال: القطُوه لَقْطًا ولا تنفضوهُ نفضًا، فتُفقأ عيونُه، وتُكسرَ غصونُه.
وكان يقول: ثلاثةٌ. لا يَضَغْنَ الشريف: تعاهُدُ الضَّيْعة (١)، وإصلاحُ المعيشة، وطلَبُ الحَقِّ وإنْ قلّ.
وقال أبو بكر الخرائطي: يُقالُ إن هشامًا لم يَقُلْ من الشعرِ سوَى هذا البيت:
إذا أنتَ لم تعصِ الهوَى قادَكَ الهوَى … إلى كُلِّ ما فيهِ عليكَ مَقَالُ
وقد رُوِيَ له شعرٌ غيرُ هذا.
وقال المدائني عن ابن يسار (٢) الأعرجي، حدثني ابنُ أبي بجيلة (٣) عن عقال بن شبة قال: دخلتُ على هشامٍ وعليهِ قَبَاءُ فَنَكٍ (٤) أخضر، فوجَّهَني إلى خراسان، ثم جعل يُوصيني وأنا أنظُرُ إلى القباء ففَطِنَ فقال: ما لك؟ قلتُ: عليك قَباءُ فَنَكٍ أخضر، وكنتُ رأيتُ عليك مِثْلَهُ قبلَ أن تَلِيَ الخلافة، فجعلتُ أَتأمَّلُ هذا هو ذاك أمْ غيرُه؟ قال: واللهِ الذي لا إله غيرُه هو ذاك، ما لي قَبَاءٌ غيرُه، وما تَرَونَ مِنْ جَمْعِي لهذا المال وصَوْنهِ إلا لكم. قال عِقَال: وكان هشامٍ مَحْشُوًّا عقلًا (٥).
وقال عبدُ الله بن علي عَمُّ السَّفَّاح: جمعتُ دواوينَ بني أمية فلم أرَ أصلحَ للعامَّةِ والسُّلطانِ من ديوانِ هشام.
وقال المدائني عن غسان (٦) بن عبد الحميد: لم يكنْ أَحَدٌ من بني مروانَ أشدَّ نَظَرًا في أصحابِهِ ودواوينه ولا أَشدَّ مبالغةً قي الفَحْصِ عنهم من هشام! وهو الذي قتلَ غَيلانَ القَدَري، ولما أُحضِرَ بين يديه قال له: ويْحَك! قُلْ ما عندَك، إنْ كان حقًّا اتَّبَعْناه، وإن كانَ باطلًا رجعتَ عنه. فناظرَهُ مَيمونُ بن مِهْران، ققال لِمَيمون: أشاءَ اللهُ أنْ يُعْصَى؟ ققال له ميمون: أفَعُصِيَ اللهُ كارهًا؟ فسكتَ غَيلان، فقَيَّدَهُ حينئذٍ هشامٌ وقتَلَه.
стр. 4723
وقال الأصمعي عن أبي الزِّناد، عن منذر بن أبي ثَوْر، قال: أصَبْنا في خزائنِ هشام اثني عشرَ ألف قميص، كلُّها قد أثر بها.
وشكى هشامٌ إلى أبيه ثلاثًا: إحداها أنه يَهَابُ الصعودَ إلى المِنبر، والثانية قِلَّةُ تناولِ الطعام، والثالثة أنَّ عندَهُ في القصر مئةَ جاريةٍ من حسانِ النساء، لا يكادُ يَصِلُ إلى واحدةٍ منهن. فكتب إليه أبوه: أمَّا صعودُكَ إلى المنبر فإذا علَوْتَ فوقَهُ فارمِ ببَصَرِكَ إلى مؤخِّرِ الناس، فهو أهونُ عليك، وأمَّا قِلَّةُ تناوُلِ الطعام فمُرِ الطبَّاخَ فَلْيُكْثِر الألوان، فلعَلَّك أن تتناول من كل لَوْنٍ لُقْمَةً، وعليك بكل بيضَاءَ بَضَّة، ذاتِ جَمَالٍ وحُسْن.
وقال أبو عبد الله الشافعي: لما بَنَى هشامُ بن عبد الملك الرُّصَافةَ قال: أُحِبُّ أنْ أخلُوَ بِها يومًا لا يأتيني فيه خبَرُ غَمٍّ. فما انتصفَ النهار حتى أتَتْهُ رِيشةُ دَمٍ من بعضِ الثُّغُور، فقال: ولا يومًا واحدًا؟!.
وقد رُويتْ هذه الحِكاية من وَجْهٍ آخر لم يمكُثْ بعد ذلكَ إلّا شهرًا واحدًا.
وقال سفيان بن عُيينة: كان هشامٌ لا يُكتَبُ إليه بكتابٍ فيه ذكرُ الموت.
وقال أبو بكر بن أبي خَيْثَمة: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحِزَامي، حدثنا حُسين بن زيد، عن شهاب بن عبد رَبِّه، عن عمر بن علي، قال: مشَيْتُ معَ محمدِ بن عليّ - يعني ابنَ الحسين بن علي بن أبي طالب - إلى دارِهِ عند الحمام، فقلت له: إنَّهُ قد طالَ مُلكُ هشامٍ وسُلْطانُه، وقد قَرُبَ من العشرين سنة، وقد زَعَمَ الناسُ أنَّ سليمانَ سألَ ربَّهُ مُلكًا لا يَنبغي لأحدٍ من بعدِه، فزعم الناسُ أنها العشرون. فقال: ما أدْري ما أحاديثُ الناس، ولكنَّ أبي حدّثني عن أبيه، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لَنْ يَعْمُرَ اللهُ مُلْكًا في أمَّةِ نبيٍّ مَضَى قَبلَهُ ما بلَغَ ذلك النبيُّ من العُمر في أُمَّتِه، فإن الله عمَّرَ نَبيَّهُ ﷺ ثلاثَ عشرةَ سنة بمكَّة، وعشرًا في المدينة".
وقال أبو بكر بنُ أبي خَيثمة: ليس حديثٌ فيه توقيتٌ غيرَ هذا، قرأه يحيى بن مَعِين على كتابي فقال: منْ حدَّثك به؟ فقلت: إبراهيم. فتلهَّف أنْ لا يكونَ سمعَه. وقد رواه ابنُ جرير في تاريخه (١) عن أحمد بن زهير، عن إبراهيم بن المنذر الحِزَامي.
[وروى مسلم بن إبراهيم، حدّثنا القاسم بن الفضل، حدّثني عياد بن الْمَغْراء العَتكي (٢) عن عاصم بن المنذر بن الزبير، حدّثني (٣) عبدُ الله بن الزبير أنه سمع عليًّا يقول: هلاكُ مُلكِ بني أميةَ على رجلٍ أحول. يعني هشامًا] (٤).
стр. 4724
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا عن عمر بن أبي معاذ النُّمَيري عن أبيه، عن عمرِو بنِ كليع (١) عن سالم كاتبِ هشام بن عبد الملك، قال: خرجَ علينا يومًا هشامٌ وعليه كآبةٌ وقد ظهر عليه الحُزْن، فاستدعى الأبرشَ بنَ الوليد، فجاءه فقال: يا أمير المؤمنين، ما لي أراكَ هكذا؟ فقال: ما لي لا أكونُ وقد زعم أهلُ العلم بالنجوم أني أموت إلى ثلاث وثلاثينَ من يومي هذا؟! قال: فكتَبْنا ذلك، فلمّا كان آخرُ ليلةٍ من ذلك جاءني رسولُهُ في الليل يقول: أحضِرْ معك دواء للذَّبْحَة. وكان قد أصابتْهُ قبلَ ذلك، فاستعملَ منه فعُوفي فذهبتُ إليه ومعي ذلك الدواء، فتناولَهُ وهو في وَجَعٍ شديد، واستمرَّ فيه عامَّةَ الليل، ثم قال: يا سالم، أذهبْ إلى مَنْزلك، فقد وجدتُ خِفَّةً، وذرِ الدواءَ عِنْدي. فذهبتُ، فما هو إلَّا أنْ وصلتُ إلى منزلي حتى سمعتُ الصِّيَاحَ عليه، فجئتُ فإذا هو قد مات.
ولما ماتَ جاءتِ الخَزنة، فختموا على حواصله، وأرادوا تسخينَ الماء، فلم يقدِروا له على قُمْقُم (٢) حتى استعاروا له. وكان نقشُ خاتمِه الحكمُ للحَكَمِ الحَكيم. وكانتْ وفاتُه بالرُّصَافة يومَ الأربعاء، لِستٍّ بَقينَ من ربيعِ الآخِر سنةَ خمسٍ وعِشرين ومئة، وهو ابنُ بِضْعٍ وخمسين سنة. وقيل: إنه جاوزَ الستين، وصلَّى عليه الوليدُ بن يَزيد بن عبد الملك، الذي وَلي الخلافة بعدَه؛ وكانتْ خلافةُ هشام تسعَ عشرةَ سنة، وسبعةَ أشهر وأحدَ عشرَ يومًا؛ وقيل: وثمانية أشهر وأيام، فالله أعلم.
وقال ابنُ أبي فُدَيك: حدّثنا عبد الملك بن زيد، عن مُصْعب، عن الزُّهْري، عن أبي سَلَمَة بنِ عبدِ الرحمن، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "تُرْفَعُ زينةُ الدُّنيا سنةَ خمسٍ وعِشرينَ ومئة" (٣). قال ابنُ أبي فُديك: زِينتُها نورُ الإسلامِ وبَهْجتُه. وقال غيرُه: يعني الرجالَ. والله أعلم.
قلت: لما مات هشامُ [بن عبدِ الملك ماتَ ملكُ بني أميةَ] وتولَّى، [وأدبرَ أمرُ الجِهادِ في سبيلِ الله]، واضطرَبَ أمرُهُمْ جدًّا وإنْ كانتْ قد تأخرَتْ أيامُهم بعدَهُ نحوًا من سبعِ سنين، ولكنْ في اختلافٍ وهَيْج، وما زالوا كذلك حتى خرجَتْ عليهم بنو العباس فاستلبوهم [نعمتَهم و] مُلْكَهم [وقتلوا منهم خَلْقًا وسَلَبوهُمُ] الخِلافة (٤) [كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى ذلك مبسوطًا مقدَّرًا في مواضع، والله أعلم] (٥).
نهاية الجزء التاسع من نسخة القاهرة (ق)
стр. 4725
خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك (١)
قال الواقدي والمدائني: بُويع له بالخلافةِ يومَ ماتَ عمُّهُ هشام بن عبد الملك يوم الأربعاء لستٍّ خلَوْنَ من ربيعِ الآخر سنهَّ خمسٍ وعشرينَ ومئة.
وقال هشام بن الكلبي: بُويع له يومَ السبت في ربيع الآخر، وكان عُمرُه إذْ ذاكَ أربعًا وثلاثين سنة، وكان سببُ ولايتِهِ أنَّ أباه يَزيد بن عبد الملك كان قد جعلَ الأمرَ من بعدِهِ لأخيه هشام، ثم من بعدِهِ لولَدِهِ الوليد هذا، فلمَّا وَليَ هشامٌ أكرمَ ابنَ أخيه الوليد حتى ظهرَ عليه أمرُ الشرابِ وخُلَطَاءِ السَّوْء (٢)، ومجالسِ اللَّهْو، فأراد هشامٌ أن يقطعَ ذلك عنه، فأمَّره على الحجِّ سنةَ ستَّ عشرةَ ومئة، فأخذَ معهُ كلابَ الصَّيد خُفْيةً من عمِّه، حتى يُقال إنه جعلَها في صناديق، فسقطَ منها صندون فيه كلب، فسُمع صَوْت، فأحالوا ذلك على الجمَّال فضُرب على ذلك. قالوا: واصطنَعَ الوليدُ قُبَّةً على قَدْر الكعية، ومن عزمه أن ينصبَها فوقها، ويجلس هو وأصحابُه هنالك، واستصحَبَ معه الخمورَ [وآلاتِ الملاهي] وغيرَ ذلك عن المنكرات، فلما وصل إلى عكة هابَ أنْ يفعلَ ما كان قد عزمَ عليه عن الجلوسِ فوقَ ظهرِ الكعبة خوفًا من الناس ومن إنكارِهم عليه ذلك؛ فلما تحقَّق عمُّهُ ذلك منه نهاهُ مِرارًا فلم ينتهِ، واستمرَّ على حاله القبيحة، وعلى فعلهِ الرَّديء، فعزَم عمُّه على خَلْعِهِ مغ الخِلافة -[وليتَهُ فعَل]- وأن يولِّيَ بعدَه مَسْلمة بن هشام، وأجابَهُ إلى ذلك جماعةٌ من الأمراء، ومنْ أخوالهِ، وعن أهلِ المدينة ومن غيرِهم - وليتَ ذلك تمَّ - ولكنْ لم ينتظِمْ حتى قال هشامٌ يومًا للوليد: ويحك! واللهِ ما أدري أعَلى الإسلام أنتَ أم لا؟ فإنك لم تدعْ شيئًا عن المنكراتِ إلَّا أتَيْتَه، غيرَ مُتحاشٍ ولا مُستَتِر. فكتبَ إليه الوليدُ بن يزيد:
يا أيُّها السائلُ عن دِيننا … ديني على دينِ أبي شاكِرِ
نشْرَبُها صِرْفًا وممزوجةً … بالسُّخْنِ أحيانًا وبالفاترِ
стр. 4726
فغَضِبَ هشام على ابنِه مَسْلَمة، وكان يُكنَى بأبي شاكر، وقال له: يتشبَّهُ بكَ الوليد بن يزيد وأنا أرتَجيكَ للخلافة. وبعثَهُ على الْمَوْسم سنةَ تسعَ عشرةَ ومئة، فأظهر النُّسْكَ والوَقَار، وقسم بمكة والمدينة أموالًا، فقالا مولًى لأهلِ المدينة:
يا أيها السائلُ عن ديننا … نحنُ على دينِ أبي شاكِرِ
الواهبِ الجُرْدَ بأرسَانِها … ليس بزنْديقٍ ولا كافِرِ (١)
ووقعَتْ بن هشام وبينَ الوليد بن يزيدَ وَحْشةٌ عظيمةٌ بسببِ تَعَاطي الوليدِ ما كانَ يَتعاطاهُ من الفواحِشِ والمنكرات، فتنكَّرَ له هشامٌ وعزَمَ على خلْعِه وتوليةِ ولدِهِ مَسْلَمة ولايةَ العَهْد؛ ففرَّ منهُ الوليدُ إلى الصحراء، وجعلا يتراسلانِ بأقبحِ المراسلات، وجعل هشامٌ يتوعَّده وعيدًا شديدًا، ويتهدَّده، ولم يزل كذلك حتى مات هشام والوليدُ في البرِّيَّة، فلما كانتِ الليلةُ التى قدِمَ في صَبيحتِها عليه البُرُدُ بالخِلافة قَلِقَ الوليدُ تلك الليلةَ قلقًا شديدًا وقال لبعض أصحابه: ويحك قد أخَذَني الليلةَ قلقٌ عظيم، فارْكَبْ بنا لعلَّنا ننشَط، فسارَ مقدارَ ميلَيْن يتكلَّمانِ في هشام وما يتعلَّقُ بهِ من كُتبه إليه بالتهديدِ والوَعيد، ثم رأيا من بُعْدِ رَهَجًا وأصواتًا وَغُبارًا، ثم انكشف ذّلك عن بُرُدٍ يَقْصدونَهُ بالولاية، فقال لصاحبه: ويحك، إنَّ هذه رُسُلُ هشام؛ اللهمَّ أعطنا خيرها. فلما اقتربَتِ البُرُدُ منه وتَبيَّنُوهُ ترجَّلُوا إلى الأرض، وجاؤوا فسلَّموا عليه بالخِلافة، فبُهتَ وقال: وَيْحكم! أماتَ هشام؟ قالوا: نعم. قال: فمنْ بعثَكُمْ؟ قالوا: سالم ين عبد الرحمن صاحبُ ديوانِ الرسائلِ. وأعطَوْهُ الكتاب؛ فقرأه ثم سألهم عن أحوالِ الناس، وكيف مات عمُّه هشام؟ فأخبروه، فكتبَ من فوْرهِ بالاحتياطِ على أموالِ هشامٍ وحَوَاصلِه بالرُّصَافة، وقال في ذلك:
ليتَ هشامًا عاش حتى يرَى … مكيالَهُ الأوفرَ قد ضُيِّعا (٢)
كِلْناهُ بالصَّاع الذي كالَهُ … وما ظلَمْناهُ بهِ إصبعا
وما أتينا ذاك عن بدْعةٍ … أحلَّهُ الفُرْقانُ لي أجمَعَا (٣)
[وقد كان الزهري يَحُثُّ هشامًا على خَلْعِ الوليد هذا ويستنهِضُهُ في ذلك، فيُحجمُ هشام عن ذلك خَوْفَ الفَضيحةِ من الناس، ولئلا تتنكَّر قلوبُ الأجنادِ من أجلِ ذلك. وكان الوليدُ يفهمُ ذلك من الزُّهري ويُبْغضُه ويتوعَّدهُ ويتهدَّدُه، فيقول له الزهري: ما كانَ اللهُ ليُسلِّطَكَ عليَّ يا فاسق. ثم ماتَ الزهريُّ قبلَ ولايةِ الوليد؛ ثم فرَّ الوليدُ من عمِّه إلى البرِّيَّة، فلم يزَلْ بها حتى مات، فاحتاطَ على أموالِ عمِّه ثم ركب من فَوْرِهِ من البرِّيَّة، وقصَدَ دمشق، واستعملَ العُمَّال، وجاءَتْهُ البيعةُ من الآفاق، وجاءَتْهُ الوفود، وكتب
стр. 4727
إليه مروانُ بن محمد، وهو إذ ذاك نائبُ إرْمينية يُباركُ له في خلافةِ الله له على عبادِه، والتمكينِ في بلاده، ويهنِّئه بموتِ هشام، وظفَرِهِ به، والتحكُّم في أمواله وحواصله، ويذكر له أنه جدَّد البيعةَ له في بلاده، وأنَّهم فرحوا واستبشروا بذلك، ولولا خوفُهُ من الثَّغْر لاستنابَ عليه ورَكِبَ بنفسِهِ شوقًا إلى رؤيته، ورغبةً في مُشَافَهتِه، ثم إنَّ الوليدَ سارَ في الناسِ سيرة حسنةً في بادئِ الأمر، وأعطَى الزَّمْنى والمَجْذومين والعُمْيان، لكل إنسانِ خادمًا، وأخرج من بيتِ المال الطيبَ والتُّحَف لعيالات المسلمين، وزادَ في أُعطِيَاتِ الناس، ولاسيما أهل الشام والوفود، وكان كريمًا مُمَدَّحًا شاعرًا مُجيدًا، لا يُسألُ شيئًا قَطُّ فيقول لا، ومن شعرِهِ قولُه يَمْدحُ نفسَه بالكرم:
ضَمِنْتُ لكم إنْ لم تُعِقْني عوائقٌ … بأنَّ سماءَ الضُّرِّ عنكم سَتُقْلِعُ
سيوشكُ إلحاقٌ معًا وزيادةٌ … وأُعطيةٌ منِّي إليكم تَبَرُّعُ (١)
مُحَرَّمُكم ديوانُكم وعَطَاؤكم … به يكتب الكُتَاب شهرًا وتَطْبَع (٢)
وفي هذه السنة عقد الوليدُ البيعةَ لابنهِ الحكَم، ثم عثمان على أنْ يكونا وليَّي العَهْدِ من بعدِه، وبعثَ البيعة إلى يوسف بن عمر أميرِ العراق وخُراسان، فأرسلها إلى نائبِ خراسان نصرِ بنِ سيَّار، فخطَبَ بذلك نصرٌ خُطبة عظيمةً بليغةً طويلة، ساقها ابنُ جريرٍ بكمالِها (٣)، واستُوثِقَ للوليد الممالك في المشارِق والمغَارب، وأُخذتِ البيعةُ لولديهِ من بعدهِ في الآفاق. وكتب الوليدُ إلى نصرِ بن سيار بالاستقلال بولايةِ خُراسان، ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد، فسأله أن يردَّ إليه ولايةَ خُراسان، فردَّها إليه كما كانتْ في أيامِ هشام، وأن يكون نصرُ بن سيَّار وعُمَّاله من تحتِ يدِ يوسف بن عمر. فكتب عند ذلك يوسفُ بن عمر إلى نصرِ بن سَيَّار يَسْتوفِدُهُ إلى أميرِ المؤمنين بأهلِهِ وعِيَالهِ، وأنْ يُكثِرَ من استصحابِ الهدايا والتُّحف؛ فحمَلَ نصرُ بن سيَّار ألفَ مملوكٍ على الخيل، وألفَ وَصيفة، وشيئًا كثيرًا من أباريقِ الفِضةِ والذهب وغيرِ ذلكَ من التُّحَف. وكتب إليه الوليدُ يَسْتَحثُّهُ سريعًا، ويطلبُ منه أن يحمِلَ معه طنابيرَ وبَرَابط ومُغنيِّات، وبازات وبَرَاذين فُرْه، وغير ذلكَ من آلاتِ الطَّرَب والفِسْق. فكَرِه الناسُ ذلك منه، وكَرِهوه، وقال المنجِّمون لنصرِ بن سيار: إنَّ الفتنة قريبًا ستقعُ بالشام، فجعلَ يتثاقلُ في سيرِه، فلما أنْ كانَ ببعضِ الطريق جاءَتْهُ البُرُد، فأخبرُوهُ بأنَّ الخليفةَ الوليد قد قُتل، وهاجَتْ فتنةٌ عظيمةٌ في الناسِ بالشام، فعَدَلَ بمَا معَهُ من الهدايا والتحف والحواصل إلى بعضِ المُدُنِ فأقامَ بها، وبلَغَهُ أنَّ يوسفَ بن عمر قد هرَبَ من العراق، واضطرَبَتِ الأمور، وذلك بسببِ قَتْلِ الخليفة على ما سنذكره، وبالله المستعان.
стр. 4728
وفي هذه السنة ولَّى الوليدُ يوسفَ بن محمد بن يوسف الثقفي ولايةَ المدينةِ ومكةَ والطائف، وأمرَهُ أنْ يُقيمَ إبراهيم ومحمدًا ابني هشام بن إسماعيل المخزومي بالمدينة مُهانَيْن، لكونِهما خالَيْ هشام، ثم يبعثُ بهما إلى يوسُفَ بنِ عُمر نائب العراق، فبعثهما إليه، فما زالَ يعذِّبُهما حتى ماتا، وأخذ منهما أموالًا كثيرة.
وفي هذه السنة وُلِّي يوسفُ بن محمد بن يحيى بن سعيد الأنصاري قضاءَ المدينة.
وفيها بعث الوليدُ بن يزيد إلى أهلِ قُبْرُصَ جيشًا مع أخيه وقال: خيِّرْهُمْ، فمنْ شاءَ أنْ يتحوَّلَ إلى الشام، ومنْ شاء أنْ يتحوَّل إلى الرُّوم. فكان منهم منِ اختارَ جِوَارَ المسلمين بالشام، ومنهم من انتقلَ إلى بلادِ الرُّوم.
قال ابنُ جرير (١): وفيها قَدِم سُليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، ولاهز بن قريظ، وقَحْطبةُ بنُ شبيب مكة، فلقُوا في قولِ أهلِ السِّيَر محمدَ بن علي فأخبرَهُ بقصةِ أبي مسلم، فقال: أحُرٌّ هوَ أم لا؟ فقالوا: أمَّا هو فيزعُمُ أنَّهُ حُرّ، وأمَّا مولاه فيزعمُ أنه عبدُه، فاشتروهُ فأعتقوه، ودفعوا إلى محمد بن علي مئتي ألفِ درهم، وكسوة بثلاثين ألفًا، وقال لهم: لعلَّكم لا تلْقَوني بعدَ عامِكم هذا، فإنْ متُّ فإنَّ صاحبَكمْ إبراهيمُ بن محمد - يعني ابنه - فإنِّي أثقُ به، فأوصيكم به. وماتَ محمد بن علي في مُستهلِّ ذي القَعْدة في هذه السنة، بعد أبيهِ بسبعِ سنين.
وفيها قُتل يحيى بن يزيد بن علي بخراسان. وحجَّ بالناس فيها يوسفُ بن محمد الثقفي أميرُ مكةَ والمدينةِ والطائفِ، وأميرُ العراق يوسف بن عمر، وأميرُ خراسان نَصْرُ بن سيَّار، وهو في همَّةِ الوفودِ إلى الوليد بن يزيد أميرِ المؤمنين بما معهُ من الهدايا والتُّحف؛ فقُتل الوليدُ قبل أن يجتمعَ به.
وممَّن تُوفِّي فيها من الأعيان:
محمد بن علي (٢) بنِ عبدِ اللهِ بن عباس بن عبد المطلب، القرشي الهاشمي، أبو عبد الله المدني، وهو أبو السفاح والمنصور. روى عن أبيه، وجدِّه، وسعيد بن جُبير، وجماعة. وحدث عنه جماعةٌ منهمُ ابناه الخَلِيفتان أبو العباس عبد الله السفَّاح، وأبو جعفر عبد الله المنصور. وقد كان عبدُ الله بن محمد بن الحنَفيَّة أوصى إليهِ بالأمرِ من بعدِه، وكان عنده علمٌ بالأخبار، فبشَّرَهُ بأنَّ الخلافةَ ستكونُ في
стр. 4729
وَلَدك. فدعَا إلى نفسِه في سنةِ سبع وثمانين، ولم يزلْ أمرُهُ يتزايدُ حتى تُوفِّي في هذه السنة، وقيل في التي قَبْلها، وقيل في التي بعدَها، عن ثلاثٍ وستينَ سنة؛ وكان من أحسنِ الناسِ شَكْلًا، فأوصى بالأمرِ من بعدِهِ لولَدِهِ إبراهيم، فما أُبْرمَ الأمرُ إلَّا لوَلَدِهِ السفَّاح، فاستلبَ من بني أمية الأمرَ في سنةِ ثنتين وثلاثين كما سيأتي تفصيلُ ذلك.
وأمَّا: يحيى بن زَيْد (١) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فإنّهُ لمَا قُتل أبوهُ زَيْد في إحدى وعشرين ومئة لم يزَلْ يحيى مُختفيًا في خُراسان عند الحَريشِ بنِ عمرو بن داود بِبَلْخ، حتى مات هشام، فكتب عند ذلك يوسف بن عمر إلى نَصْر بن سيَّار يُخبرُه بأمرِ يحيى بن زيد، فكتب نصرٌ بن سيار إلى نائبِ بَلْخٍ مع عقيل بن معقل العِجْلي، فأحضر الحريش، فعاقبه ست مئةِ سوْط، فلم يَدُلَّ عليه، وجاء ولَدُ الحريش، فدلَّهم عليه، فحُبس، فكَتبَ نصرُ بن سيار إلى يوسفَ بذلك، فبعث يوسفُ إلى الوليد بن يَزيد يُخبرُهُ بذلك، فكتب الوليد إلى نصرِ بنِ سيَّار يأمرُه بأمانهِ وإطلاقِهِ من السِّجن، صُحْبةَ أصحابِه وتَجهيزهِم إليه، فأطلقهم وأطلق لهم وجهَّزَهم، فساروا إلى دمشق، فلمّا كانوا ببعض الطريق توهَّمَ نصرٌ منه غَدْرًا، فبعث إليه جيشًا فيه عشرة آلاف، فكسَرَهم يحيى بن زيد، وإنما معه سبعون رجلًا، وقتل أميرَهم، واستلَبَ عنهم أَموالًا كثرِة؛ ثم جاءَهُ جيشٌ آخر، فقتلوه واحتزُّوا رأسَه، وقتلوا جميعَ أصحابهِ ﵏.
ثم دخلت سنة ست وعشرين ومئة
فيها كان مَقْتلُ الوليدِ بنِ يزيد بن عبد الملك وهذه ترجمته (٢):
هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو العباس الأموي الدِّمَشْقي، أمير المؤمنين، بُويع لهُ بالخلافة بعدَ عمِّهِ هشام بن عبد الملك في السنة الخالية بعهدٍ من أبيه كما قدَّمْنا، وأمُّه أُّم الحجّاج بنتُ محمد بن يوسف الثقفي، وكان مولدُهُ سنةَ تسعين، وقيل ثنتين وتسعين، وقيل سبع وثمانين. وقتل يومَ الخميس لليلَتيْنِ بقيتا من جُمَادى الآخرة، سنةَ ستٍّ وعِشرين ومئة، ووقعَتْ بسَببِ ذلك فتنةٌ عظيمةٌ بين الناسِ بسببِ قَتْله وهو خليفة، وإنما قُتل لفِسْقِه، وقيل وزَنْدَقتِه، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدّثنا ابنُ عياش حدّثني الأوزاعي وغيرُه، عن
стр. 4730
الزهري، عن سعيد بن المسيِّب، عن عمرَ بنِ الخطاب، قال: وُلدَ لأخي أمِّ سلمة، زوجِ النبيِّ ﷺ غلامٌ فسمَّوْهُ الوليدَ، فقال النبيُّ ﷺ : "سَمَّيتُموهُ باسم فرَاعِنَتِكُم (١)! لَيكونَنَّ في هذه الأمةِ رجلٌ يُقالُ له الوليد، لهُوَ أشدُّ فسادًا لهذِهِ الأمةِ من فِرْعونَ لِقَومِه" (٢).
قال الحافظ ابنُ عساكر: وقد رواه الوليد بن مسلم ومَعقِل بن زياد، ومحمد بن كثير، وبشر بن أبي بكر عن الأوزاعي، فلم يذكروا عمر في إسناده وأرسلوه، ولم يذكر ابنُ كثير سعيدَ بن المسيِّب، ثم ساق طُرُقَه هذه كلَّها بأسانيدها وألفاظِها، وحُكي عن البيهقي أنه قال: هو مُرْسلٌ حسن، ثم ساقَ من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن زينب بنت أم سلمة عن أمها قالتْ: دخل عليَّ النبيُّ وعندي غلامٌ من آلِ المغيرة اسمُه الوليد. فقال: منْ هذا يا أمَّ سَلَمة؟ قالت: هذا الوليد. فقال النبيُّ ﷺ : "وقد اتخذتمُ الوليدَ حنانًا! غَيِّروا اسْمهُ، فإنه سيكونُ في هذه الأمة فِرْعونٌ يُقالُ له الوليد" (٣).
وروى الحافظُ ابنُ عساكر من حديث عبدِ الله بن محمد بن مسلم، حدّثنا محمد بن غالب الأنطاكي، حدّثنا محمد بن سليمان بن أبي داود، حدّثنا صدقة، عن هشام بن الغاز، عن مكحول، عن أبي ثعلبةَ الخُشَني، عن أبي عبيدة بن الجرَّاح، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يزالُ هذا الأمرُ قائمًا بالقِسْط، حتى يَثْلُمَهُ رجلٌ من بني أميَّة" (٤).
صفة مقتله وزوال دولته:
كان هذا الرجل مجاهرًا بالفواحش، مُصرًّا عليها، منتهكًا مَحارمَ الله [ ، لا يَتَحاشى من
مَعْصية]، وربما اتَّهمه بعضُهم بالزَّنْدقةِ والانحلال [من الدِّين] (٥)، فالله أعلم، لكن الذي يظهر أنَّهُ كان