اليمنى (١) حتى بلغَ قيْسَارِيةَ من بلادِ الروم.
وفيها عزلَ هشامُ بنُ عبد الملك أشرس بن عبد الله السُّلمي عن إمرةِ خُراسان، وولَّى عليها الجُنيد بن عبد الرحمن المُرِّي، وولَّى الجرَّاح بن عبد الله الحَكَمي أرْمِينيَّة.
وفيها قصدتِ التُركُ بلاد أذْرَبيجان، فلَقِيَهُمُ الحارث بن عمرو فهزَمَهُم، ولما وصَلَ الجُنيد بن عبد الرحمن إلى خراسان تلقَّتْهُ خيولُ الأتراكِ منهزِمين من المسلمين، وهو في سبعةِ آلاف، فتصافُّوا واقتتلوا قتالًا شديدًا، وطمِعوا فيه وفيمن معه لقلَّتِهم بالنسبة إليهم، ومعهم مَلِكُهم خاقان، وكادَ الجنيدُ أن يَهْلك، ثم أظفَرَهُ الله بِهم فهزمهم هزيمةً مُنكرَة، وأسرَ ابن أخي ملكِهم، وبعث به إلى الخليفة.
وحجَّ بالناسِ في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وهو أميرُ الحرمَيْن والطائف، وأمير العراق خالدٌ القَسْرِيّ، وأميرُ خراسان الجُنيد بن عبد الرحمن المُرِّيّ (٢).
ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومئة
فيها غزا معاويةُ بن هشام الصائفة، فافتتح حصونًا من ناحيةِ مَلطية. وفيها سارَت التُّركُ من اللَّان فلقيهم الجرَّاح بن عبد الله الحَكَمِيّ فيمَنْ معهُ من أهلِ الشام، وأذْرَبِيجان، فاقتتلوا قبلَ أن يتكاملَ إليه جيشُه، فاستشهد الجرَّاح ﵀ وجماعةٌ معه بِمرْجِ أرْدَبيل، وأخذَ العدوُّ أرْدَبِيل، فلما بلغ ذلك هشامَ بن عبد الملك بعث سعيدَ بن عمرو الحَرَشي (٣) بجيش، وأمرَهُ بالإسراع إليهم، فلحق التُّرك وهم يَسِيرون بأسارى المسلمين نحو ملكِهم خاقان، فاستنقذ منهم الأسارى ومَنْ كانَ معهم من نساءِ المسلمين، ومن أهلِ الذِّمَّة أيضًا، وقتلَ من التُّرك مقتلةً عظيمةً جدًّا، وأسرَ منهم خلقًا كثيرًا، فقتلَهم صَبْرًا، وشَفَى ما كان تغلث (٤) من القلوب، ولم يكتفِ الخليفة بذلك، حتى أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك في إثرِ التُّرك فسار إليهم في بردٍ شديد، وشتاءً عظيم، فوصل إلى باب الأبواب. واستخلف عنه أميرًا، وسار بمَنْ معَهُ في طلب الأتراك مَلِكِهم خاقان، وكان من أمْرِه معهم ما سنذكرُه، ونهض أمير خراسان في طلَبِ الأتراك أيضًا في جيشٍ كثيف، فوصلَ إلى نهر بَلْخ، ووجَّه إليهم سريَّةً ثمانيةَ عشرَ ألفًا، وأخرى عشرة آلاف يمنةً ويسرة، وجاشتِ التركُ وجيَّشَتْ، فأتَوا سَمَرْقَند، فكتب أميرُهم إليه يُعلمه بِهم، وأنَّه لا يقدِرُ على صَوْنِ
стр. 4657
سمرقنْدَ منهم، ومعهم ملِكُهم الأعظم خاقان، فالغوثَ الغوثَ. فسار الجُنيدُ مسرعًا في جيشٍ كثيف نحو سمرقند، حتى وصل إلى شِعب سَمَرْقند، وبقي بينه وبينها أربعةُ فراسخ، فصححَه خاقانُ في جَمعٍ عظيم، فحمل خاقان على مقدمة الجُنيد، فانحازوا إلى العسكر، والتركُ تتبَعُهم من كلِّ جانب، فتراءى الجَمعَان والمسلمون يتغدَّون، ولا يشعرونَ بانهزامِ مقدّمتهم وانحيازها إليهم، فنهضوا إلى السلاح واصطفُوا على منارلهم، وذلك في مجالٍ واسع، ومكانٍ بارز، فالتقَوْا، وحملتِ التركُ على ميمنةِ المسلمين وفيها بنو تميم والأزْد، فقتل منهم ومن غيرِهم خَلْق كثيرٌ ممن أراد الله كرامتَهُ بالشهادة، وقد برزَ بعضُ شجعانِ المسلمين لجماعةٍ من المشركين (١)، فناداهُ ترجمان الملك خاقان إنْ صِرْتَ إلينا جعَلْناك ممن يرفضُ الصنمَ الأعظم فنعبدَك. فقال: ويحكم! إنما أقاتلكم على أن تعبدوا الله وحدَهُ لا شريكَ له. ثم قاتلهم حتى قُتل ﵀، ثم تَنَاخَى المسلمون، وتداعَتِ الأبطالُ والشجعانُ من كل مكان، وصبروا وصابروا، وحملوا على التُرك حملةَ رجل واحد، فهزمَهم الله ، وقتلوا منهم خَلْقا كثيرًا، ثم عطفتِ التُركُ عليهم، فقتلوا من المسلمين خَلقًا، حتى لم يبقَ سوى ألفين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقُتل يومئذٍ سَوْرةُ بن الحرِّ، واستأسروا من المسلمين جماعة كثيرة، فحملوهم إلى الملِك خاقان، فأمَرَ بقَتْلِهم عن آخرِهم فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذه الوقعة يُقالُ لها وقعةُ الشِّعْب، وقد بسطها ابنُ جريرٍ جدًّا (٢).
وممن توفي فيها من الأعيان:
رجاء بن حَيْوَةَ الكِنْدِيّ (٣) أبو المِقْدام: ويقال أبو نَصْر الشامي، وهو تابعيٌّ جَلِيل، كبيرُ القَدْر، ثقة فاضلٌ عادل، وزيرُ صِدقٍ لخلفاءِ بني أمية. وكان مَكْحُول إذا سُئل يقول: سَلُوا شيخَنا وسيدنا رجاء بن حَيْوَة. وقد أثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة، ووثقوه في الرواية، وله رواياتٌ وكلامٌ حَسن، ﵀.
شَهْرُ بن حَوْشَب الأشعريُّ الحِمْصِي (٤) ويقال: إنه دمشقيٌّ تابعيٌّ جليل، روى عن مولاتِه أسماء بنت يزيد بن السَّكَن وغيرِها.
стр. 4658
وحدث عنه جماعةٌ من التابعين وغيرِهم، وكان عالمًا عابدًا ناسكًا، لكنْ تكلَّم فيه جماعةٌ بسبب أخذِه خريطةً من بيتِ المالِ بغيرِ إذنِ وليِّ الأمر، فعابوه ونزكوا عرضه (١)، وتركُوا حديثَه، وأنشدوا فيه الشعر (٢)؛ منهم شُعبة وغيرُه. ويقال إنه سرق غيرَها، فالله أعلم. وقد وثقه جماعةٌ آخرون (٣)، فالله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومئة
ففيها غَزَا مُعاويةُ بن هشام أرضَ الرُّوم من ناحيةِ مَرعَش، وفيها صار جماعةٌ من دُعاة بني العباس إلى خُراسان، وانتشروا فيها وقد أخذ أميرُها رجلًا منهم فقتلَه، وتوعَّدَ غيرَه بمثلِ ذلك، وفيها وَغَلَ مسلمةُ بن عبدِ الملك في بلاد التُّرْك فقتَلَ منهم خلقًا كثيرًا، وأُمَمًا منتشرةً، حتى قتلَ ابنَ خاقان، وفتح بلادًا كثيرة، ودانَتْ له تلك الممالكُ من ناحيةِ بَلَنْجَر (٤) وأعمالِها.
وفيها حجَّ بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك. قاله الواقدي، وأبو معشر؛ وقال ابن جرير عن بعضهم: إنه حج بالناس إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي؛ فالله أعلم (٥).
ونوَّاب البلاد هم المذكورون في التي قبلَها.
وممن تُوفي فيها من الأعيان:
قال ابن جرير (٦): فيها كان مَهْلِكُ:
الأمير عبد الوهاب بن بخت (٧): وهو مع البطَّال عبدِ الله بأرضِ الروم، قُتل شهيدًا. وهذه ترجمته،
стр. 4659
هو عبدُ الوهاب بن بُخْت أبو عُبيدة، ويقال أبو بكر مولى آلِ مروان، مَكِّيٌّ سكنَ الشام. ثم تحوَّل إلى المدينة، روى عن ابن عُمر، وأنس، وأبي هريرة، وجماعةٍ من التابعين، وعنه خَلْق، منهم أيُّوب، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعُبيد الله العمري. حديثُهُ عن أنس مرفوعًا: "نَضَّرَ الله امرَأً سمع مَقَالتي هذه فوَعَاها، ثم بلَّغَها غيرَه، فرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هو أفقهُ منه. ثلاثٌ لا يَغلُّ عليهنَّ صَدْرُ مؤمن: إخْلاصُ العمَلِ لله، ومُنَاصَحَةُ أولي الأمر، ولزومُ جماعةِ المسلمين، فإنَّ (١) دَعْوَتَهُمْ تُحيطُ من ورائهم (٢).
وروي عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا لَقيَ أحدُكم أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عليه، فإنْ حالَتْ بينهما شجرة، ثم لَقيه، فَلْيُسلِّمْ عليه (٣). وقد وثَّق عبدَ الوهاب هذا جماعاتٌ منْ أئمَّةِ العلماء.
وقال مالك: كان كثيرَ الحَجِّ والعُمْرَة والغَزْو حتى استشهد، ولم يكنْ أحقَّ بما في رَحْلهِ من رفقائِه. وكان سَمْحًا جَوَادًا. استشهد ببلادِ الروم مع الأمير أبي محمد عبدِ الله البطَال، ودُفِن هناك ﵀. وكانتْ وفاتُه في هذه السنة. قاله خَليفةُ وغيرُه. وذلك أنَّهُ لَقيَ العدو، ففرَّ بعضُ المسلمين، فجعلَ يُنادي ويركض فرسَهُ نحو العدوّ أنْ هَلُمُّوا إلى الجنَّة، ويْحكمْ! أفِرارًا من الجنَّة؟! أتفِرُّونَ من الجنة!؟ إلى أين؟ ويحكم! لا مُقامَ لكم في الدنيا ولا بقاء. ثم قاتَلَ حتى قُتل ﵀.
مكحول الشامي (٤): تابعيٌّ جليلٌ، كَبير القَدْر، إمامُ أهلِ الشام في زمانه، وكان مولى لامرأة من هُذيل، وقيل: مولى امرأةٍ من آلِ سعيدِ بن العاص، وكان نُوبِيًّا؛ وقيل: من سَبْي كابُل؛ وقيل: كان من الأبناء، من سُلالةِ الأكاسرة. وقد ذكرنا نسَبه في كتابنا "التكميل".
وقال محمد بن إسحاق: سمعتُهُ يقول: طُفتُ الأرض كلَّها في طلبِ العلم (٥).
стр. 4660
وقال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المُسيِّب بالحِجاز، والحسن البصري بالبصرة، والشعبي بالكوفة، ومكحول بالشام (١).
وقال بعضهم: كان لا يستطيعُ أن يقول: قُلْ، وإنما يقول: كُلْ. وكان له وجاهةٌ عند الناس مهما أمَرَ به من شيء يُفعل.
وقال سعيد بن عبد العزيز: كان أفقهَ أهلِ الشام، وكان أفقهَ من الزهري (٢).
وقال غير واحد: توفي في هذه السنة - وقيل بعدَها - والله أعلم (٣).
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومئة
فيها غَزَا معاويةُ بن هشام الصائفةَ اليسرى، وعلى اليمنى سليمانُ بن هشام بن عبدِ الملك، وهما ابنا أميرِ المؤمنين هشام، وفيها التقَى عبدُ الله البطَّال وملكُ الروم المسمَّى فيهم قُسْطنْطِين، وهو ابنُ هِرَقْلَ الأول الذي كتب إليهِ النبيُّ ﷺ ، فأسرَهُ البطَّال، فأرسلَهُ إلى سليمان بن هشام، فسار به إلى أبيه.
وفيها عَزَلَ هشامٌ عن إمرةِ مكةَ والمدينةِ والطائفِ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، وولَّى عليها أخاهُ محمدَ بن هشام، فحجَّ بالناس في هذه السنة - في قول - وقال الواقدي وأبو معشر: إنما حجَّ بالناس خالد بن عبد الملك بن مروان. والله أعلم (٤).
стр. 4661
وممن تُوفي فيها من الأعيان:
عطاء بن أبي رباح (١) الفِهْرِي: مولاهم أبو محمد المكى، أحدُ كبارِ التابعينَ الثقاتِ الرفعاء. يُقال: إنَّه أدرك مئتي صحابي. وقال ابن سعد (٢): سمعت بعضَ أهل العِلم يقول: كان عطاء أسودَ أعورَ أفْطس أشلَّ أعرج، ثم عَمي بعد ذلك؛ وكان ثقةً فقيهًا عالمًا كثيرَ الحديث.
وقال أبو جعفر الباقر وغيرُ واحد: ما بَقي أحدٌ في زمانِهِ أعلمَ بالمناسكِ منه. وزاد بعضهم: وكان قد حجَّ سبعين حجَّة، وعُمِّرَ مئةَ سنة؛ وكان في آخرِ عُمرِهِ يُفطرُ في رمضان من الكِبَرِ والضعف، ويَفْدي إفطارَهُ ويتأول الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ وكان يُنادي منادي بني أمية في أيَّامِ مِنَى: لا يُفْتي الناسَ في الحجَّ إلّا عَطاءُ بنُ أبي رَبَاح.
وقال أبو جعفر الباقر: ما رأيتُ فيمَنْ لَقيتُ أفقهَ منه! وقال الأوزاعي: مات عطاء يومَ مات وهو أرْضى أهلِ الأرضِ عندَهم.
وقال ابن جُريج: كان في المسجد فراش عطاء عشرين سنةً، وكان من أحسَنِ الناسِ به صلاة (٣).
وقال قتادة: كان سعيدُ بن المُسَيِّب، والحسن، وإبراهيم، وعطاء، هؤلاءَ أئمَّةُ الأمصار.
وقال عطاء: إنَّ الرجلَ ليُحدِّثني بالحديث فأنْصتُ له، كأني لم أكنْ سمعتُهُ وقد سمعتُهُ قَبْلَ أن يُولد، فأُريه أنِّي إنما سمعتُهُ الآن منه. وفي رواية: أنا أحفظُ منه له، فأريهِ أني لم أسمَعْه (٤).
والجمهور على أنه ماتَ في هذه السنة. رحمه الله تعالى. والله أعلم (٥).
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومئة
ففيها وقع طاعونٌ بالشام، وحجَّ بالناسِ فيها محمد بن هشام بن إسماعيل، وهو نائبُ الحرمَيْن والطائف، والنُّوَّابُ في سائرِ البلاد هُمُ المذكورون في التي قبلَها. والله أعلم.
وممن توفي فيها من الأعيان:
أبو جعفر البَاقِر (١): وهو محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بنِ أبي طالب القرشيُّ الهاشميُّ أبو جعفر
стр. 4665
البَاقِر. وأُمُّه أُمُّ عبدِ الله بنتُ الحُسين بن علي وهو تابعيٌّ جَلِيلُ القَدْر، كثيرُ العِلْم، أحَدُ أعلامِ هذه الأمّةِ عِلْمًا وعمَلًا وسيادةً وشرفًا، وهو أحَدُ مَنْ تَدَّعِي فيه طائفةُ الشيعةِ أنَّهُ أحَدُ الأئمِة الاثني عَشَر، ولم يكنِ الرجلُ على طريقِهم، ولا على مِنْوَالِهم، ولا يَدينُ بما وقع في أذْهانِهم وأوْهامِهم وخيالِهم، بل كان مِمَّنْ يُقَدِّمُ أبا بكرٍ وعمر، وذلك صحيحٌ عنهُ في الأثَر، وقال أيضًا: ما أدركتُ أحَدًا مِنْ أهلِ بيتي إلَّا وهو يتولّاهما. ﵄.
وقد روى عن غيرِ واحدٍ من الصحابة، وحدَّث عنه جماعةٌ من كبارِ التابعين وغيرِهم، فَمِمَّن رَوَى عنه ابنُه جعفر الصادِق، والحكم بن عتيبة، وربيعة، والأعمش، وأبو إسحاق السَّبِيعي، والأوزاعي، والأعرج - وهو أسَنُّ منه - وابنُ جُريج، وعَطاء، وعمرو بن دِينار، والزُّهْرِي.
وقال سفيان بن عيينة: عن جعفر الصادق، قال: حدثني أبي وكان خيرَ محمديٍّ يومئذٍ على وجه الأرض (١).
وقال العِجْلي: هو مدنيٌّ تابعيٌّ ثقة.
وقال محمد بن سعد (٢): كان ثقةً كثيرَ [العلم و] الحديث، وكانتْ وفاتُه في هذه السنةِ في قول، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها أو في التي هي بعدَها، وبعدَ بعدِها، والله أعلم. وقد جاوزَ السبعين. وقيل: لم يجاوزِ الستين. فالله أعلم (٣).
ثم دخلت سنة ست عشرة ومئة
ففيها غزا معاويةُ بن هشام الصائفةَ، وفيها وقع طاعونٌ عظيمٌ بالشامِ والعراق، وكان عُظْمُ ذلك في واسط.
وفي المحرَّم منها تُوفِّي الجُنيد بن عبد الرحمن المُرِّي أميرُ خُراسان من مرضٍ أصابَه في بطنِه، وكان قد تزوَّجَ الفاضلةَ بنتَ يزيدَ بنِ المهلَّب، فتغضَّبَ عليه أميرُ المؤمنين هشامُ بن عبد الملك، فعزلَهُ وولَّى مكانَهُ عاصمَ بنَ عبدِ الله على خُراسان وقال له: إنْ أدركتَهُ قبلَ أن يموتَ فأزهِقْ رُوحه. فما قَدِمَ عاصمُ بن عبد الله خُراسان حتى مات الجُنيد في المحرَّم منها بِمَرْو. وقد قال فيه أبو الجرير (١) عيسى بنُ عِصْمَةَ يَرْثيه -:
هَلكَ الجُودُ والجُنَيْدُ جميعًا … فعلى الجُودِ والجُنيدِ السلامُ
أصبحا ثاوِيَيْنِ في بَطْنِ مَرْوٍ … ما تَغَنَّى على الغصونِ الحَمَامُ
كنتُما نُهْزَةَ (٢) الكرامِ فلمَّا … مُتَ مات النَّدَى وماتَ الكرام (٣)
ولما قَدِم عاصم بنُ عبد الله خُراسانَ أخَذَ نُوابَ الجُنيد بالضربِ البَلِيغ وأنواعِ العوبات، وعَسَفَهُم (٤) في المصادراتِ والجنايات، فخرج عن طاعتِه الحارثُ بن شريح، فبارَزَهُ بالحَرْب، وجرَتْ بينهما أمورٌ يطولُ ذكرُها. ثم هُزِمَ في آخرِ الأمر الحارثُ بن سريح، وظهر عاصمٌ عليه.
قال الواقدي: وفيها حَجَّ بالناس الوليد بن يزيد بن عبد الملك (٥) وهو وليُّ الأمرِ من بعد. عَمِّهِ
стр. 4670
هشام بن عبد الملك أمير المؤمنين كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى.
ثم دخلت سنة سبع عشر ومئة
فيها غزا معاويةُ بن هشام الصائفة اليسرى، وسليمانُ بن هشام الصائفةَ اليُمنى، وهما ابنا أمير المؤمنين هشام.
وفيها بعث مروان بن محمد - وهو مروانُ الحمار (١) - وهو على أرْمِينِيَةَ بَعْثَيْن، ففتح حصونًا من بلاد اللَّان، ونزل كثيرٌ منهم على الأمان، وفيها عَزَلَ هشامٌ عاصمَ بن عبد الله الهلالي عن إمرةِ خُراسان، وضمَّها إلى خالد بن عبدِ الله القسري مع العراق (٢)، مُعادةً إليه جَرْيًا على ما سبق له من العادة، وكان ذلك عن كتاب عاصم بن عبد الله الهلالي المعزول عنها، وذلك أنه كتب إلى أمير المؤمنين هشام، أنَّ ولايةَ خُراسان لا تصلحُ إلّا مع ولايةِ العراق، رجاءَ أنْ يُضيفَها إليه، فانعكس الأمرُ عليه، فأجابه هشام إلى ذلك قبولًا لِنَصيحتِه وأضافها إلى خالدٍ القَسْري.
وفيها توفي:
قَتَادَةُ بنُ دعَامَةَ السّدُوسِيّ (٣) أبو الخطاب البصري الأعمَى: أحد علماء التابعين، والأئِمَّة العاملين.
стр. 4671
روَى عن أنس بن مالك، وجماعةٍ من التابعين، منهم سعيدُ بن المُسَيِّب، والبصري، وأبو العالية، وزُرَارَةُ بنُ أوفى، وعطاء، ومجاهد، ومحمد بن سيرين، ومسروق، وأبو مِجْلَز، وغيرهم.
وحدَّث عنه جماعاتٌ من الكبار، كأيُّوب، وحماد بن سَلَمة، وحُمَيد الطويل، وسعيد بن أبي عَروبة، والأعمش، وشُعبة، والأوزاعي، ومِسْعَر، ومَعْمَر، وهَمَّام.
قال سعيد بن المسيِّب: ما جاءني عراقيٌّ أفضلُ منه، وقال بكر المزني: ما رأيتُ أحفظَ منه. وقال محمد بن سِيرين: هو من أحفَظِ الناس، وقال مَطَر الورَّاق: كان قتادةُ إذا سمع الحديث يأخذُه العَوِيلُ والزَّوِيل (١) حتى يحفظَه.
وقال الزُّهْري: هو أعلَمُ من مَكْحُول. وقال معمر: ما رأيتُ أفقهَ من الزُّهري وحَمّاد وقتادة.
وقال قتادة: ما سمعتُ شيئًا إلَّا وعاهُ قلبي.
وقال أحمد بن حنبل: هو أحفظُ أهلِ البصرة، لا يسمع شيئًا إلَّا حَفِظه. وقُرئَ عليه صحيفةُ جابر مرَّةً واحدة، فحفِظَها. وذُكر يومًا فأثنى على علمهِ وفقههِ ومعرفتهِ بالاختلاف والتفسير وغير ذلك.
وقال أبو حاتم (٢): كانت وفاتُه بِوَاسط في الطاعون. يعني في هذه السنة، وعمرُه ستٌّ أو سبعٌ وخمسون سنة (٣).
وفيها تُوفي:
أبو الحُبَاب سعيدُ بن يَسَار، والأعرج.
стр. 4672
وابنُ أبي مُلَيكة.
وعبد اللّه بن أبي زكريا الخُزَاعي.
ومَيْمون بن مِهْران بن موسى بن وردان (١).
نافع مولى ابن عمر (١) أبو عبد اللّه المدني: من بلاد المغرب، وقيل من نيسابور، وقيل من كابُل،
وقيل غيرُ ذلك.
стр. 4678
روى عن مولاه عبد اللّه بن عمر، وجماعةٍ من الصحابة، مثل رافع بن خَدِيج، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأمِّ سَلَمة، وغيرِهم. ورَوَى عنه خَلْقٌ من التابعينَ وغييرهم، وكان من الثقاتِ النُّبَلاء، والأئمةِ الأجِلَّاء.
قال البخاري: أصَحُّ الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر (١).
وقال غيرُه: كان عمرُ بن عبد العزيز قد بعثَهُ إلى مصر يعلِّمُ الناسَ السُّنن، وقد أثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة ووثَّقوه.
ومات في هذه السنة على المشهور.
ذو الرُّمَّة الشاعر (٢): واسمه غَيلان بن عُقْبَة بن بُهَيش (٣)، من بني عبدِ مَنَاة بن أُدِّ بن طابخةَ بنِ إلْياس بن مُضَر، أبو الحارث، أحدُ فُحولِ الشعراء، وله ديوانٌ مشهور، وكان يتغزَّل في ميّ بنت مقاتل بن طِلْبة بن قيس بن عاصم المِنْقَري، وكانتْ جميلة، وكان هو دَمِيمَ الخَلق، أسودَ اللَّون، ولم يكنْ بينهما فُحْشٌ ولا خَنَا، ولم يكنْ رآها قطُ ولا رأَتْهُ، وإنما كانتْ تسمَعُ به ويَسمعُ بها. ويقال: إنَّها كانت تنذُرُ إنْ هي رأَتْهُ أنْ تذبح جَزُورًا، فلمّا رأْتُه قالتْ: واسوأتاه! ولم تُبدِ له وَجْهَها قَطُ إلَّا مرَّةً واحدة، فأنشأ يقول:
على وجهِ مَيٍّ لَمْحَةٌ من حلاوةٍ … وتحتَ الثيابِ العارُ لو كان بادِيَا
قال: فانسلخَتْ من ثيابها، فقال:
ألم ترَ أنَّ الماءَ يَخْبُثُ طَعمُهُ … وإنْ كان لونُ الماءِ أبيضَ صافِيَا
فقالت: تريدُ أنْ تذوقَ طعمَه؟ فقال: إي واللّه. فقالت: تذوقُ الموتَ قبلَ أنْ تذوقَه. فأنشأ يقول:
فوَاضَيعةَ الشعرِ الذي راحَ وانقضى … بِمَيٍّ ولم أملِكْ ضلالَ فؤادِيَا (٤)
قال ابن خَلِّكان (٥): ومن شعرهِ السائر بين الناس ما أنشده:
стр. 4679
إذا هبت الأرياحُ من نحوِ جانبٍ … بهِ أهلُ مَيٍّ هاجَ شَوْقِي هُبوبُها
هَوًى تَذْرِفُ العَيْنانِ منه وإنما … هَوَى كلِّ نفسِ أينَ حَلَّ حَبِيبُها (١)
ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومئة
فيها غزا معاويةُ وسليمانُ ابنا أميرِ المؤمنين هشامِ بن عبد الملك بلادَ الرُّوم. وفيها قصَدَ شخصٌ يُقال له عمار بن يزيد، ثم تَسَمَّى بِخِدَاش إلى بلادِ خُراسان، ودعا الناسَ إلى خلافةِ محمدِ بنِ علي بن عبد اللّه بن عباس، فاستجابَ لَهُ خَلْقٌ كثير، فلما التفُّوا عليه دعاهم إلى مَذْهَبِ الخُرَّمِيَّةِ الزنادقة (٢) وأباح لهم نساءَ بعضِهم بعضًا، وزعم لهم أنَّ محمد بن علي يقول ذلك، وقد كذَبَ عليه، فأظهر اللّه عليه الدولةَ فأُخذ فجيءَ به إلى خالد بن عبد اللّه القَسْري أميرِ العراق وخُراسان، فامر به فقُطعَتْ يدُه، وسُلَّ (٣) لسانُه، ثم صُلب بعدَ ذلك (٤).
وفيها حجَّ بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، أمير المدينة ومكة والطائف.
وقيل إنَّ إمْرَةَ المدينة كانتْ مع خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم، والصحيح أنه كان قد عُزل ووُلِّي مكانَهُ محمد بن هشام بن إسماعيل، وكانتْ إمْرَةُ العراق إلى خالد بن عبد اللّه القَسْري، ونائبه على خراسان وأعمالها أخوهُ أسد بن عبد الله القسري.
وفيها كانت وَفَاةُ:
عليِّ بنِ عبدِ اللّهِ بنِ عباس (٥) بن عبد المطلب: القرشيُّ الهاشميُّ أبو الحسن، ويُقال أبو محمد، وأمُّه
стр. 4680
زرْعَة بنتُ مِشْرَح بن مَعْدِيْكَرِب الكِنْدي أحد مُلوك الأربعةِ الأقيال، المذكور في الحديث الذي رواه أحمد، وهم مِشْرَح وجَمْد ومِخْوَس وأبْضَعَة (١) وأختهم العَمَرَّدة، وكان مَوْلد عليٍّ هذا يومَ قُتل عليُّ بنُ أبي طالب، فسماه أبوهُ باسمِه، وكنَّاهُ بكنيتِه، وقيل: إنه وُلد في حياةِ عليّ، وهو الذي سمّاه وكنَّاه ولقَّبَهُ بأبي الأملاك، فلمَّا وَفَدَ على عبدِ الملك بنِ مروان أجلَسَه معه على السَّرير، وسألهُ عن اسِمه وكنيتِه، فأخبره، فقال له: ألَكَ ولد؟ قال: نعم، وُلد لي ولد سَمَّيتُه محمدًا. فقال له: أنت أبو محمد، وأجْزَلَ عطيتَه، وأحسَنَ إليه، وقد كان هذا في غايةِ العبادةِ والزهادةِ والعِلم والعمَل، وحُسنِ الشَّكْلِ والعدالةِ والثِّقَة، وكانَ يُصَلِّي في كلِّ يومٍ وليلةٍ ألف رَكْعَةٍ.
قال عمرو بن علي الفَلَّاس: كان من خيرِ الناس، وكانت وفاتُه بالحُمَيْمَة من أرض الشَّرَاة (٢)، في هذه السنة وقد قارب الثمانين.
وقد ذكر ابن خَلِّكان (٣) أنه تزوَّجَ لُبَابة بنتَ عبدِ الله بن جعفر التي كانتْ تحتَ عبدِ الملك بن مروان فطلَّقها، وكان سببُ طلاقِهِ إياها أنَّه عَضَّ تفاحةً ثم رَمَى بها إليها، فأخذَتِ السِّكِّينَ فحزَّتْ من التفاحةِ ما مَسَّ فمَهُ منها فقال: ولمَ تفعلين هذا؟ قالت: أزِيلُ الأذَى عنها. وذلك لأنَّ عبدَ الملك كان أبْخَر، فطلَّقها عبدُ الملك، فلما تزوَّجها عليُّ بن عبد الله بن عباس هذا نَقَم عليه الوليدُ بن عبدِ الملك لأجلِ ذلك، فضرَبَهُ بالسِّيَاط وقال: إنما أرَدْتَ أن تُذِلَّ بنيها من الخلفاء، وضربه مرَّةً ثانيةً لأنه اشتهر عنه أنه قال: الخلافةُ صائرةٌ إلى بيتِه. فوقع الأمرُ كذلك.
وذكر المُبَرِّد (٤) أنَّه دخلَ على هشام بن عبد الملك ومعه ابناه السَّفَّاح والمنصور، وهما صغيران، فأكرَمَهُ
стр. 4681
هشامٌ وأَدْنَى مجلسَه، وأطْلَقَ له مئةً وثلاثين ألْفًا (١)، وجعل عليُّ بنُ عبد الله يُوصيِه بابنَيْه خَيْرًا، ويقول: إنَّهما سيليانِ الأمر، فجعل هشامٌ يتعجَّبُ من سلامةِ باطنِه، وينسُبُه في ذلك إلى الحُمْق! فوَقَع الأمرُ كما قال.
قالوا: وقد كان عليٌّ في غايةِ الجمال، وتمام القامة، كان بين الناس كأنَّه راكبٌ، وكان إلى مَنْكِبِ أبيه عبدِ الله، وكان عبدُ اللّه إلى مَنْكِبِ أبيه العباس، وكان العباسُ إلى مَنْكِبِ أبيه عبد المطلب، وقد بايع كثيرٌ من الناس لابنهِ محمدٍ بالخلافة قبلَ أن يموتَ عليٌّ هذا قبلَ هذه السنة بسنوات، ولكنْ لم يظهرْ أمرُهُ حتى مات، فقام بالأمرِ مِنْ بعدِه ولَدُه عبدُ الله أبو العباس السفَّاح، وكان ظهورُه في سنةِ اثنتين وثلاثين كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى.
وممن تُوفِّي في هذه السنة:
عمرو بن شُعيب.
وعُبَادَة بن نُسَيّ.
وأبو صخرة جامعُ بن شدَّاد.
وأبو عياش المعافري.
ثم دخلت سنة تسع عشرة ومئة
ففيها غزا الوليد بن القعقاع العَبْسي أرضَ الروم، وفيها قتل أسَدُ بن عبد الله القَسْريُّ مَلِكَ التُّرْكِ الأعظم خاقان، وكان سببَ ذلك أَنَّ أسَدَ بن عبد الله أميرَ خُراسان عَمِلَ نيابةً عن أخيه خالد بن عبد الله على العراق، ثم سار بجيوشهِ إلى مدينةِ خُتَّل (٢) فافتتحها وتفرَّقتْ في أرضها جنودُه يقتلون ويأْسِرون ويغنمون، فجاءتِ العيونُ إلى ملك الترك خاقان، أنَّ جيشَ أسد قد تفرَّقَ في بلاد خُتَّل، فاغتنم خاقانُ هذه الفرصة، فركب من فَوْرِهِ في جنودِهِ قاصدًا إلى أسد، وتزوَّدَ خاقانُ وأصحابُه سلاحًا كثيرًا وَقَدِيدًا ومِلْحًا، وساروا في خَلْقٍ عظيم. وجاءتِ العين الصافيةُ إلى أسد، فاعلمَتْهُ بقَصْدِ خاقانَ له في جيشٍ عظيمٍ كثيف، فتجهَّزَ لذلك، وأخذَ أُهْبَتَه، وأرسلَ من فَوْرِهِ إلى أطرافِ جيشهِ، فلَمَّها وأشاع بعضُ الناس أنَّ خاقانَ قد هَجَمَ على أسَدِ بن عبد الله فقتَلَهُ وأصحابَه، ليحصلَ بذلك خِذْلانٌ لأصحابِهِ فلا يجتمعونَ
стр. 4682
إليه، فرَدَّ اللّه كيدَهُمْ في نحورِهم، وجعل تدميرَهم في تدبيرِهم، وذلك أنَّ المسلمينَ لَمّا سمعوا بذلك أخذَتْهُمْ حَمِيَّةُ الإسلام وازدادوا حَنَقًا على عدوِّهم، وعَزَموا على الأخْذِ بالثأر، فقصدوا الموضعَ الذي فيه أسَد، فإذا هو حَيّ، قد اجتمعتْ عليه العساكرُ من كلِّ جانب، وسار أسَدٌ نحوَ خاقان، حتى أتى جبل المِلْح، وأراد أنْ يخوضَ نَهرَ بَلْخ، وكان معهم أغنامٌ كثيرة، فكَرِه أسَدٌ أنْ يتركَها وراءَ ظهرِه، فأمر كلَّ فارِسٍ أنْ يحمِلَ بين يديه شاةً وعلى عُنُقِهِ شاة، وتوعَّدَ منْ لم يفعلْ ذلك بقَطْع اليد، وحَمَل هو معه شاةً، وخاضوا النهر، فما خلَصُوا منه جيدًا حتى دَهِمَهُم خاقانُ من ورائهم في خيلٍ دُهْم، فقتلوا مَنْ وجدوه لم يقطَعِ النهرَ وبعضَ الضَّعَفَة، فلما وقفوا على حافةِ النهر أحجموا وظَنَّ المسلمون أنَّهم لا يقطعون إليهم النهر، فتشاور الأثراكُ فيما بينهم ثم اتفقوا على أنْ يحمِلوا حملةً واحدة، وكانوا خمسين ألفًا، فيقتحمون النهر فضربوا بكُوساتِهم (١) ضربًا شديدًا حتى ظنَّ المسلمون أنَّهم معهم في عسكرِهم، ثم رَمَوا بأنفسِهم في النهر رَمْيَةَ رجلٍ واحد، فجعلَتْ خيولهُم تَنْخُرُ أشدَّ النَّخِيرِ، وخرجوا منه إلى ناحيةِ المسلمين، فثبتَ المسلمونَ في معسكرِهم، وكانوا قد خَنْدَقوا حولَهم خندقًا لا يَخلُصون إليهم منه، فباتَ الجيشانِ تتراءى ناراهما، فلما أصبحا مالَ خاقان على بعض الجيوش، فَقَتلَ منهم خَلقًا، وأسَرَ أُمَمًا، وأخَذَ أموالًا كثيرة وإبلًا مُوقَرَة، ثم إنَّ الجيشَيْنِ تواجهوا في يوم عيدِ الفِطْر، حتى خاف جيشُ أسَدٍ أنْ لا يُصَلُّوا صلاةَ العِيد، فما صلَّوها إلَّا على وَجَل، ثم سار أسَدٌ بِمَنْ معه حتى نزلَ مَرْجَ بلخ، حتى انقَضَى الشتاء، فلما كان يومُ عيدِ الأضحى خَطَبَ أسَد الناس واستشارَهم في الذهاب إلى مَرْو أو في لقاء خاقان، أو في التحَصُّنِ ببَلْخ، فمنهم مَنْ قال نتحصَّنُ ببلخ، ونبعثُ إلى خالدٍ والخليفة، ومن قائل يشير بالذهابِ إلى مَرْوٍ، وأشار آخرون بِمُلتقاه والتوكُّلِ على اللّه، فوافق ذلك رأيَ أسَدٍ الأسَدّ، فقَصَد بجيشِهِ نحوَ خاقان، وصلَّى بالناسِ ركعَتيْنِ أطالَ فيهما، ثم دعا بدعاء طويل، ثم انصرف وهو يقول: نُصرتُمْ إن شاء اللّه - ثلاثًا. ثم سار بِمَنْ معه من المسلمين، فالتقَتْ مقدِّمَتُهُ بمقدِّمةِ خافان، فقَتَل المسلمون منهم بشرًا كثيرًا، وأسروا أميرَهم، وسبعةً معه، ثم ساق أسدٌ فانتهى إلى أغنامِهم، فاستاقها فإذا هي مئةُ ألف وخمسون ألف شاة، ثم التقى معَهم، وكان خاقانُ في هذا اليوم إنما معه أربعةُ آلاف أو نحوُها ومعه رجلٌ من العرَب قد خَامرَ إليه يقالُ له الحارث بن شُرَيح، فهو يدُلُّه على عَوْراتِ المسلمين، فلما أقبَلَ الناسُ هَرَبتِ الأتراك في كلِّ جانب، وانهزم خاقانُ ومعه الحارث بنُ شريح يحمِّيه ويُثبِّتُه، فتبعَهم أسد فلمَّا كان عندَ الظهيرة انخذلَ خاقانُ في أربعِمئةٍ من أصحابهِ، عليهمُ الخَزّ، ومعَهم الكُوسات (٢) فلما أدركَهُ المسلمون أمرَ بالكوساتِ فضُربَتْ ضربًا شديدًا ضَرْبَ الانصرافِ ثلاثَ مرَّات، فلم يستطيعوا الانصراف، فتقدَّم المسلمون فاحتاطوا على مُعسكرِهم فاحتازوه بما فيه من الأمتعةِ العَظيمة، والأواني من الذهب
стр. 4683
والفِضَّة، والنساء والصِّبْيانِ من الأتراك ومَنْ معَهم من الأسارى، من المسلماتِ وغيرِهم مما لا يُحَدُّ ولا يُوصَف لِكثْرَتِه، وعِظَمِ قِيمَتِهِ وحُسْنِه، غيرَ أنَّ خاقان لَمَّا أحَسنَ بالهلاك ضرَب امرأتَهُ بخِنجَرٍ فقتَلَها، فوصل المسلمون إلى المعسكر وهي في آخرِ رَمَق، تتحرَّك. ووجدوا قدورَهُم تغلي بأطعِماتِهم، وهرب خاقانُ بمَنْ معه، حتى دخل بعضَ المدن فتحصَّنَ بِها، فاتَّفَق أنه لعب بالنَّرد مع بعضِ الأمراءِ فَغَلبه الأمير، فتوَعَّدَه خاقانُ بقطعِ اليد، فَحَنِقَ عليه ذلك الأمير، ثم عَمِلَ على قتله فَقَتله، وتفرَّقَتِ الأتراكُ فِرَقًا يَعْدو بعضُهم على بعض، وينهَبُ بعضُهم بعضًا، وبعثَ أسَد إلى أخيه خالد يُعلِمه بما وقع من النصر والظَّفَرِ بخاقان، وبعث إليه بطبول خاقان، وكانتْ كِبارًا لها أصواتٌ كالرَّعْد وبشيءٍ كثيرٍ من حَوَاصله وأمتعتِه فَوَفدَ بها خالدٌ إلى أمير المؤمنين هشام، ففَرِح بذلك فرحًا شديدًا، وأطلقَ للرُّسُلِ أموالًا جَزِيلة كثيرة من بيتِ المال. وقد قال بعضُ الشعراء في أسَدٍ يَمْدَحُه على ذلك:
لو سرتَ في الأرضِ تَقِيسُ الأرضا … تبينُ منها طولَها والعَرْضَا
لم تلقَ خيرًا إمْرَة ونقضا … من الأميرِ أسدٍ وأمْضَى
أفضى إلينا الخيرَ حتى أفضَى … وجمَعَ الشَّمْلَ وكان ارْفَضَّا
ما فاتَهُ خاقانُ إِلَّا رَكْضَا … قد فَضَّ من جموعِهِ ما فَضَّا
يابنَ شُريحٍ قد لَقِيتَ حَمْضَا … حمْضًا به تَشفِي صُدَاع المَرْضَى
وفيها قتل خالدُ بن عبدِ الله القسري المغيرةَ بن سعيد وجماعةً من أصحَابِهِ الذين تابعوهُ على باطِله، وكان هذا الرجلُ ساحرًا فاجرًا شِيعِيًّا خَبِيثًا.
قال ابنُ جرير (١): حَدَّثَنَا ابنُ حُميد، حَدَّثَنَا جرير عن الأعمش قال: سمعتُ المغيرةَ بنَ سعيد يقول: لو أرادَ عليٌّ (٢) أنْ يُحيى عادًا وثمودَ وقُرونًا لأحياهم. قال الأعمش: وكان المغيرةُ هذا يَخرجُ إلى المَقْبُرَةِ فيتكلّم فيرَى مثلَ الجَرَاد على القبور أو نحو هذا من الكلام.
وذكر ابنُ جَرِيرِ له غيرَ ذلك من الأحوال (٣) التي تدلُّ على سِحْرِه وفُجورِه، ولما بلغ خالدًا أمرُه أمرَ بإحضاره، فجيء به في ستةِ نفر أو سبعةِ نفر، فأمر خالد فأبرزَ سريره إلى المسجد، وأمرَ بإحضار أطنانِ (٤) القَصَب والنِّفط فصُبَّ فوقها، وأمَر المغيرةَ أنْ يحتضنَ طنًّا منها فامتنع، فضُرب حتى احتَضَن منها واحدًا وصُبَّ فوقَ رأسِه النِّفط، ثم أُضرم بالنار، وكذلك فعل ببقيَّة أصحابه.
وفي هذه السنة خرج رجلٌ يُقال له بهلول بن بشر، ويُلَقَّب بكثارة، واتبعه جماعاتٌ من الخوارج دون
стр. 4684
المئة، وأمرهمِ أن يقتلوا خالدًا القَسْري، فبعث إليهم البُعوث، فكسروا الجيوش واستفحل أمرُهم جدًّا لشجاعتهم وجلدِهم، وقلةِ نُصح من يقاتلُهم من الجيوش، فردُّوا العساكرَ من الألوفِ المؤلَّفة ذواتِ الأسلحةِ والخيل المسوَّمة، هذا وهم لم يبلغوا المئة، ثم إنَّهم راموا قدومَ الشام لقَتْلِ الخليفة هشام فصَمَدوا (١) نحوَها، فاعترضهم جيشٌ بأرضِ الجزيرة، فاقتَتَلوا معهم قتالًا عظيمًا، وقُتل عامَّةُ أصحابِ بُهلول الخارجي، ثم إنَّ رجلًا من جَدِيلةَ يُكْنَى أبا الموت، ضرَبَ بُهلولًا ضربةً فصَرَعه، وتفرَّقَتْ عنه بقيةُ أصحابه، وكان جميعُهم سبعين رجلًا، وقد رثاهُمْ بعض أصحابِهم فقال:
بدلت بعد أبي بشر وصحبته … قومًا علي مع الأحزابِ أعوانا
بانوا كأنْ لم يكونوا من صحابَتِنا … ولم يكونوا لنا بالأمْسِ خِلَّانا
يا عينُ أذْرِي دموعًا منكِ تهتانًا … وابكي لنا صُحبةً بانُوا وجيرانا
خَلُّوا لنا ظاهرَ الدنيا وباطنَها … وأصبحوا في جِنانِ الخُلْدِ جِيرانا (٢)
ثم تجمَّع طائفةٌ منهم أخرى على بعضِ أُمرائهم فقاتلوا وقُتلوا، وجهَّزَ إليهم خالدٌ الجيوش، ولم يَزلْ حتى أباد خضراءَهم، ولم يبق لهم باقية.
وفيها غزا أسَدٌ القَسْريُّ بلادَ التُّرك، فعرض عليه مَلِكُهم بدر طُرْخان ألف ألف فلم يقبَلْ منه شيئًا، وأخَذَهُ قَهْرًا فقتلَهُ صبرًا بين يديه، وأخذَ مدينتَه وقلعتَه، وحَوَاصلَهُ ونساءَه وأموالهُ وأملاكَه.
وفيها خرج الصَّحاريُّ بن شَبِيب الخارجي، واتبعه طائفةٌ قليلة نحوٌ من ثلاثينَ رجلًا، فبعث إليهم خالدٌ القَسْري جُندًا، فقتلوهُ وجميعَ أصحابه، فلم يتركوا منهم رجلًا واحدًا.
وحجَّ بالناسِ في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وحجَّ معه ابنُ شهابٍ الزُّهْرِيّ ليُعَلِّمهُ مناسكَ الحَجِّ وشؤونه، وكان أميرُ مكةَ والمدينةِ والطائفِ محمدَ بن هشام بن إسماعيل، وأميرُ العراق والمشرق بكمالِه خالد بن عبد الله القسري، ونائبه على خُراسان بكمالِها أخوهُ أسد بن عبد الله القسري، وقد قيل؛ إنَّه تُوفي في هذه السنة، وقيل في سنةِ عشرين. فالله أعلم. ونائبُ أرْمِيِنيةَ وأذْرَبيجان مروان بن محمد بن مروان الملقب بالحمار. والله أعلم.
سنة عشرين ومئة من الهجرة
فيها غزا سُليمان بن هشام بن عبد الملك بلادَ الروم وافتتح هنالكَ حُصونًا.
وفيها غزا إسحاق بن مسلم العُقيلي تومان فماه وافتتحها وخرَّب أراضيَها.
стр. 4685
وفيها غزا مروانُ بن محمد الحمار بلادَ الترك.
وفيها كانتْ وفاةُ أسد بن عبد الله القَسْري أمير خُراسان وأعمالها، نيابةً عن أخيه خالد بن عبد الله، وكانتْ وفاته بسببِ أنَّه كانتْ لهُ دُبيلة في جَوْفِه، فلما كان مِهْرجانُ هذه السنة قَدِمَتِ الدَّهاقينُ - وهم امراء المدن الكبار - من سائر البلدان بالهدايا والتُّحَف على أسَد، وكان فيمن قَدِم نائبُ هَرَاةَ ودِهْقانُها واسم دهقانها خُراسان شاه، فقَدِمَ بِهدايا عظيمة، وتُحَفٍ عَزيزة (١)، وكان من جُملةِ ذلك قصرٌ من ذهب، وقصر من فِضَّة، وأباريق من ذهب، وصِحَاف من ذهبٍ وفِضة، وتفاصيلَ من حَريرِ تلك البلاد، ألوان ملونة (٢)، فوَضع ذلك كُلَّه بين يدَيْ أسد، حتى امتلأ المجلس، ثم قام الدِّهْقانُ خَطِيبًا، فامتدح أسَدًا بخصالٍ حسَنة، على عَقْلِه ورِياسَتِه وعَدْلِه، ومَنْعِه أهلَهُ وخاصَّتهُ أن يظلِمُوا أحدًا من الرَّعَايا بشيء قَل أو كَثُر، وأنه قهر الخاقان الأعظم، وكان في مئة ألف فكسرَهُ وقتَلَه، وأنَّهُ يَفرَحُ بما يَفِدُ إليه من الأموال، وهو بما خرج من عِندِه أفرَحُ وأشدُّ سُرورًا، فأثنى عليه أسَد، وأجلَسَهُ، ثم فَرَّقَ أسَدٌ جميعَ تلك الهدايا والأموال، وما هناك أجمَع على الأمراء والأكابرِ بين يديه، حتى لم يبقَ منه شيء، ثم قام من مجلسِه وهو عليلٌ من تلك الدُّبَيْلة، ثم أفاقَ إفاقةً وجيء بهديَّةِ كُمَّثرَى، فجعل يفرِّقُها على الحاضرينَ واحدة واحدة، فألقَى إلى دِهْقانِ خُراسانَ واحدة، فانفجرَت دُبَيْلَتُه، وكان فيها حَتْفُه، واستخلف على عملهِ جعفرَ بن حَنْظَلَةَ البَهْراني، فمكثَ أميرًا أربعةَ أشهر، حتى جاء عَهْدُ نصرِ بن سَيَّار في رجبٍ منها، فعلى هذا تكونُ وفاةُ أسدٍ في صفَر من هذه السنة، وقد قال ابنُ عرس العَبْدي يرثيه:
نَعَى أسدَ بنَ عبد الله ناعِ … فرِيعَ القلب للمَلِكِ المُطَاعِ
بِبلْخٍ وافَقَ المقدار (٣) يسري .... وما لقضاء رَبِّكَ من دِفَاعِ
فجودي عينُ بالعَبَراتِ سَحًّا … ألم يَحْزُنْكِ تَفْرِيقُ الجِمَاعِ
أتاهُ حِمَامُهُ في جَوْفِ صِيْغٍ (٤) … وكم بالصِّيغِ من بطلٍ شُجاعِ
كتائبُ قد يُجيبونَ المنادي … على جُردٍ مُسَوَّمَةٍ سِرَاع
سُقيتَ الغَيْثَ إنَّكَ كُنتَ غَيْثًا … مَرِيعًا عند مُرْتادِ النِّجَاعِ
وفيها عزل هشامٌ خالدَ بنَ عبدِ الله القَسْري عن نيابةِ العراق، وذلك أنَّه انحصرَ منه، لما كان يَبْلُغه من
إطلاقِ عبارةٍ فيه، وأنه كان يقول عنه: ابن الحمقاء، وكتب إليه كتابًا فيه غِلْظة، فردَّ عليه هشامٌ ردًّا
стр. 4686
عَنِيفًا. ويقال: إنَّه حسَدَه على سَعَةِ ما حَصَل له من الأموال والحواصل والغَلَّات، حتى قيل إنه كان دَخْلُه في كلِّ سنةٍ ثلاثةَ عشرَ ألف ألف دينار، وقيل: دِرْهَم. ولولدِه يزيد بن خالد عشرة آلاف ألف. وقيل إنه وفَد إليه رجلٌ من ألزامِ أمير المؤمنين من قريش يقالُ له ابنَ عمرو، فلم يُرِحِّبْ به ولم يَعْبأ به، فكتب إليه هشامٌ يُعنِّفُه ويُبَكِّتُه على ذلك، وأنَّه حالَ وصولِ هذا الكتاب إليه يقومُ مِن فوْرِهِ بِمَنْ حَوْلَه من أهلِ مجلسِه، فينطلق علىِ قدمَيْهِ حتى يأتيَ بابَ ابن عمرو صاغرًا ذليلًا مستأذنًا عليه، متنصِّلا إليه مما وقع، فإن أذِنَ لك، وإلَّا فقِفْ على بابِه حَوْلًا غيرَ مُتَحَلِّلٍ من مكانِكَ ولا زائل، ثم أمْرُكَ إليه إنْ شاء عزلك، وإن شاء أبْقاك، وإن شاء انتصر، وإنْ شاء عَفَا، وكتب إلى ابن عمرٍو يُعلِمُه بما كثب إلى خالد، وأمَرَهُ إنْ وقف بين يديه أنْ يَضْربَهُ عشرين سَوْطًا على رأسه إنْ رأى ذلك مصلحة.
ثم إنَّ هشامًا عزَلَ خالدًا وأخفَى ذلك، وبعث البريدَ إلى نائبهِ على اليَمن، وهو يوسف بن عمر، فولَّاهُ إمْرَةَ العراق، وأمَرَهُ بالمَسيرِ إليها والقدومِ عليها في ثلاثينَ راكبًا، فقدموا الكوفة وقت السَّحَر، فدخلوها، فلما أذَّنَ المؤذَنُ أمَرَهُ يوسفُ بالإقامة، فقال: إلى أنْ يأتيَ الإمامُ - يعني خالدًا - فانتهرَهُ، وأمرَهُ بالإقامة، وتقدَّمَ يوسفُ فصلَّى وقرأ: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾، و ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ ثم انصرف، فبعثَ إلى خالدٍ وطارقٍ وأصحابِهما فأُحضِروا، فأخذ منهم أموالًا كثيرة، صادَرَ خالدًا بمئة ألف ألف دِرْهَم.
وكانتْ وِلايةُ خالدٍ على العراق في شوالَ سنةَ خمسين ومئة، وعزل عنها في جمادى الأولى من هذه السنة، أعني سنة عشرين ومئة، وفي هذا الشهر قَدِمَ يوسفُ بنُ عمر على ولاية العراق مكانَ خالد بن عبد اللّه القسري، واستنابَ على خُراسان جُدَيْع بن علي الكَرْماني، وعَزَل جعفرَ بن حَنْظلةَ الذي كان استنابَهُ أسَد، ثم إنَّ يوسف بن عمر عزل جُدَيعًا في هذه السنة عن خُراسان وولَّى عليها نَصْرَ بن سَيار، وذهب جميعُ ما كان اقتناهُ وحَصَّلَهُ خالدٌ من العَقَار والأملاك وَهْلَةً واحدة، وقد كان أشار عليه بعضُ أصحابِه لما بلغهم عَتْبُ هشامٍ عليه، أنْ يبعثَ إليه يعرِضُ عليه بعضَ أملاكِه، فما أحَبَّ منها أخَذَه، وما شاء تَرَك، وقالوا له: لأنْ يذهبَ البعضُ ويبقَى البعضُ خيرٌ من أنْ يذهبَ الجميعُ مع العَزْل والإخراق، فامتنع من ذلك واغترَّ بالدنيا، وعزَّت نفسُهُ عليه أنْ يَذِلّ، ففجأَهُ العَزْل، وذهب ما كان حَصَّلَهُ وجمعَه ومنعَه، واستقرَّتْ ولايةُ يوسفَ بنِ عمر على العِراقِ وخُراسان، واستقرَّتْ ولايَتُهُ لِنَصْرِ بن سَيَّار على خُراسان، فتمهَّدَتِ البلاد، وأمِنَ العباد ولله الحمد والمنة.
وقد قال سوار بن الأشعر (١) في ذلك:
أضْحَتْ خُراسانُ بعدَ الخَوْفِ آمنةً … من ظُلم كلِّ غَشُومِ الحُكْمِ جَبَّارِ
стр. 4687
لَمَّا أتَى يوسفًا أخبارُ ما لَقِيَتْ … اِختارَ نَصْرًا لها نصرَ بنَ سَيَّارِ
وفي هذه السنة أستبطأتْ شيعةُ آلِ العباس كتابَ محمدِ بن علي إليهم، وقد كان عَتَب عليهم في اتباعِهم ذلك الزَّنْدِيق الملقَّب بَخِدَاش، وكان خُرَّمِيًّا، وهو الذي أحلَّ لهمُ المُنكراتِ، وولى (١) المحارم والمصاهرات، فقتله خالدٌ القَسْري كما تقدَّم، فعَتب عليهم محمد بن علي في تصديقِهم له، واتباعِهم إيَّاه على الباطل، فلما استبطؤوا كتابَهُ إليهم بعثوا إليهِ رسولًا يخبر لهم أمرَه، فلما جاء الرسول أعلمه محمدٌ بماذا عَتَب عليهم في قضية خِدَاش الخُرَّمي، وأرسل مع الرسول كتابًا مختومًا، فلما فتحوه لم يجدوا فيه سوى: بسم الله الرحمن الرحيم، تعلَّموا أنَّه إنما تعتَّبَ عليكم بسبب الخُرَّمي، ثم أرسلَ رسولًا إليهم، فلم يصدِّقْه كثيرٌ منهم وهَمُّوا به، ثم جاءتْ من جهتِه عَصا مَلْوِيٌّ عليها حديدٌ ونُحاس، فعلموا أنَّ هذا إشارةٌ لهم إلى أنَّهم عصاة، وأنَّهم مختلفون كاختلافِ ألوانِ النَّحاسِ والحديد.
قال ابنُ جَرير (٢): وحجَّ بِالناسِ في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المَخْزومي فيما قالهُ أبو معشر. قال: وقد قيل: إنَّ الذي حجَّ بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: ابنُه يزيد بن هشام. فالله أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومئة
ففيها غزا مسلمةُ بنُ هشام بلاد الرُّوم، فافتتحَ مَطَامِير - وهو حِصْن - وافتتح مروان بن محمد بلادَ صاحبِ الذهب. وأخذ قِلاعَهُ وخرَّب أرضَه، فأذعن له بالجِزْيةِ في كُلِّ سنة بألف رأسٍ يؤدِّيها إليه وأعطاه رَهْنًا على ذلك.
وفيها في صَفَر قُتل زيدُ بن علي بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب الذي تنتسبُ إليه الطائفةُ الزَّيدية في قولِ الواقدي، وقال هشام الكلبي: إنما قُتل في صفر من سنةِ ثنتينِ وعشرين. فالله أعلم.
وقد ساقَ محمدُ بنُ جرير (٣) سببَ مَقتَله في هذه السنة تبعًا للواقدي، وهو أنَّ زيدًا هذا وفَدَ على يوسف بن عمر، فسأله: هل أودَعَ خالدٌ القَسْريُّ عندَك مالًا؟! فقال له زيد بن علي: كيف يودعني الرجل مالًا وهو يشتم آبائي على منبره في كل جمعة؟ فأحلَفهُ أنَّه ما أودعَ عنده شيئًا، فأمر يوسف بن عمر بإحضار خالدٍ من السجن، فجيء به في عباءة، فقال: أنتَ أودعتَ هذا شيئًا نستخلصُه منه؟ قال: لا، وكيف وأنا أشتُمُ أباهُ كلَّ جمعة؟! فتركه عمر، وأعلمَ أميرَ المؤمنين بذلك، فعفا عن ذلك. يقال: بلِ
стр. 4688
استحضرَهم فحلفوا بما حلفوا، ثم إنَّ طائفةً من الشِّيعة التفَّتْ على زيد بن علي، وكانوا نحوًا من أربعين ألفًا، فنهاهُ بعضُ النُصحَاءِ عن الخروج، وهو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وقال له: إنَّ جدَّكَ خيرٌ منكَ، وقد التفَّتْ على بيعَتِه من أهل العراق ثمانون ألفًا، ثم إنهم خانوهُ أحوجَ ما كان إليهم، وإنِّي أحَذرُكَ من أهلِ العراق. فلم يقَبلْ، بلِ استمرَّ يبايع الناس في الباطن في الكوفة على كتابِ الله وسنةِ رسولِهِ، حتى استفحلَ أمرُهُ بها في الساكن، وهو يتحوَّلُ من مَنْزل إلى مَنزل، وما زال كذلك حتى دخلت سنةُ ثنتين عشرين ومئة، فكان فيها مَقتَلُه كما سنذكر قريبًا.
وفيها غزا نَصْرُ بنُ سَيَّار أميرُ خراسانَ غزَوَاتٍ متعدِّدةٍ في التُّرْك، وأسَرَ مَلِكَهم كورصول في بعض تلك الحروب وهو لا يعرفهُ، فلما تيقَّنَهُ وتحقَّقه سأل منه كورصول أن يُطلقَه على أنْ يُرسلَ له ألفَ بعيرٍ من إبلِ التُّرك - وهي البَخَاتِيّ - وألف بِرْذَوْن، وهو مع ذلك شيخٌ كبيرٌ جدًّا، فشاورَ نصرٌ مَنْ بحضرتِهِ من الأمراء في ذلك، فمنهم مَنْ أشارَ بإطلاقِه، ومنهم من أشارَ بقتلِه، ثم سأله نَصْرُ بن سيَّار: كم غزَوْتَ من غزوة؟ فقال: ثنتين وسبعين غزوة. فقال له نصر: ما مِثْلُكَ يُطلق، وقد شهدتَ هذا كفَه! ثم أمَرَ به فضُربَتْ عُنقه، وصَلَبَه. فلما بلغَ ذلك جيشَهُ من قَتْلِه باتوا تلك الليلة يجعُرون ويبكون عليه وجَذُّوا لِحاهم وشعورَهم وقطَعوا آذانَهم، وحرقوا خيامًا كثيرةً وقتلوا أنعامًا كثيرة. فلما أصبح أمرَ نصرٌ بإحراقِهِ لئلا يأخذوا جُثته، فكان حريقُه أشدَّ عليهم من قتلِه. وانصرفوا خائبين صاغرين خاسرين، ثم كرَّ نصرٌ على بلادِهم فقتل منهم خلقًا وأسَرَ أُمَمًا لا يُحصَوْنَ كثرةً، وكان فيمَنْ حضر بين يديه عجوزٌ كبيرةٌ جدًّا من الأعاجم أو الأتراك. وهي من بيت مملكة، فقالت لنصرِ بن سيَّار: كل ملكٍ لا يكونُ عندَهُ ستةُ أشياء فهو ليس بملك: وزيرٌ صادقٌ يَفصِلُ خصوماتِ الناس، ويشاوِرُه ويناصحُه، وطبَّاخٌ يصنَعُ له ما يشتهيه، وزوجةٌ حسناءُ إذا دخل عليها مغتَمًّا فنظر إليها سَرَّتْهُ وذهبَ غَمُّه، وحِصْنٌ مَنِيعٌ إذا فَزِعَ رعاياهُ لجَؤوا إليه فيه، وسيفٌ إذا قارعَ به الأقرانَ لم يخشَ خيانتَه، وذخيرةٌ إذا حملها فأينَ ما وقع من الأرض عاش بِها.
وحجَّ بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل نائبُ مكّةَ والمدينةِ والطائف، ونائبُ العراق يوسف بن عمر، ونائبُ خُراسان نصرُ بن سَيَّار، وعلى أرْمِينيَةَ مروان بن محمد بن مروان الحمار.
ذكرُ مَنْ تُوفِّيَ فيها من الأعيان:
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (١): والمشهور أنه قُتل في التي بعدَها كما سيأتي بيانُه إنْ شاء الله.
стр. 4689
مسْلَمة بن عبد الملك (١) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القُرَشيُّ الأمَويّ، أبو سعيد وأبو الأصْبَغ الدمشقي.
قال ابن عساكر (٢): وداره بدمشق في مَحَلَّةِ القِباب عند بابِ الجامعِ القبْلي، ووَليَ المَوْسِمَ أيَّام أخيه الوليد، وغزا الرُّوم غزواتٍ، وحاصرَ القُسْطَنْطِينيِّةَ وولَّاهُ أخوهُ يزيدُ إمرةَ العِراقينِ ثم عزله، ووُلِّي أرمِينية.
وروى الحديث عن عمرَ بن عبد العزيز. وعنه عبدُ الملك بن أبي عثمان، وعُبيد الله بن قُزَعَة، وعُيينة والدُ سُفيانَ بنِ عينية بن أبي عمران (٣)، ومعاوية بن حُدَيج (٤)، ويحيى بن يحيى الغساني.
قال الزُّبير بن بكَّار: كان مسلمةُ من رجالِ بني أمية، وكان يلقب بالجرَادةِ الصفراء، وله آثار كثيرة وحروبٌ ونِكَايةٌ في الرُّوم.
قلت: وقد فَتَح حصونًا كثيرة من بلادِهم، ولما وَلِي أرْمينيَة غزا التُّرك فبلغ بابَ الأبواب فهدَم المدينة التي عندَه، ثم أعادَ بناءَها بعد تسعِ سنين. وفي سنة ثمانٍ وتسعين غزا القُسْطنطينِية فحاصرَها وافتتحَ مدينةَ الصَّقَالِبَة، وكسر مَلِكَ البُرْجَان (٥)، ثم عاد إلى محاصرة القُسْطنطيِنيَّة.
قال الأوزاعي: فأخذَهُ وهو يُغازيهم صُدَاعٌ عظيمٌ في رأسِهِ، فبعث ملكُ الرُّوم إليه بقَلَنْسُوَة، وقال: ضعَها على رأسِكَ يذْهَبْ صُداعُك. فخَشي أنْ تكونَ مَكِيدة، فوضعها على رأسِ بهيمةء فلم يرَ إلَّا خيرًا، ثم وضعها على رأسِ بعض أصحابِه فلم يرَ إلَّا خيرًا، فوضعَها على رأسِه فذهَبَ صُدَاعُه، ففتقَها فإذا فيها سبعون سطرًا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، مكررة، لا غير. رواهُ ابنُ عساكر (٦).
وقد لَقِيَ مسْلمةُ في حصاره القُسْطنطينيَّة شدَّة عظيمة، وجاعِ المسلمونَ عندَها جُوعًا شديدًا، فلما وُلِّيَ عمرُ بن عبد العزيز أرسل إليهمُ البريدَ يأمرُهم بالقُفول، فحَلفَ مَسْلمةُ أنْ لا يُقلِعَ عنهم حتى يبنوا له
стр. 4690
جامعًا كبيرًا بالقُسْطنطيِنيَّة (١) فَبَنوا بها جامعًا ومنارةً، فهو بها إلى الآن يُصلِّي فيه المسلمون الجُمعة والجماعة.
قلتُ: وهي آخر ما يفتَحُه المسلمونَ قبلَ خروج الدجَّال في آخرِ الزمان، كما سنوِرِدُه في الملاحم والفِتَن من الحديث الصحيح عند مسلم ﵀ (٢). وبالجملة كانت لمسلمةَ مواقفُ مشهورةٌ مشهودة، وغزوات متتالية منثورة محمودة، وقد افتتح حصونًا وقلاعًا، وأحيا بعزمِهِ قصورًا وبقاعًا، وكان في زمانه في الغزوات نظيرَ خالدِ بن الوليد في أيامه في كثرةِ مَغَازيه، وكثرةِ فُتوحه، وقوَّةِ عزمه، وشدةِ بأسِه، وجَوْدَةِ تصرُّفِه في نقضِهِ وإبرامِه، وهذا مع الكرمِ والفصاحة، والرياسةِ والسَّماحة، والأصالةِ والرجاحة.
ومن كلام الحسن قوله: مروءتان ظاهرتان: الرياش والفصاحة. وقال يومًّا لِنُصَيبِ الشاعر: سلني. قال: لا. قال: ولم؟ قال: لأنَّ كفَّكَ بالجزيلِ أكثرُ من مسألتي باللسان. فأعطاهُ ألفَ دينار.
وقال أيضًا: الأنبياءُ لا يتثاءَبونَ كما يتثاءبُ الناس، ما تثاءَبَ نبيٌّ قَطّ.
وقد أوصىَ بثُلثِ عالِه لأهلِ الأدب وقال: إنها صِناعةٌ مَجْفُوٌّ أهلُها.
وقال الوليد بن مسلم وغيرُه: توفي يوم الأربعاء لسبعٍ مَضَيْنَ من المحرَّم، سنة إحدى وعشرين ومئة. وقيل: في سنة عشرين ومئة. وكانت وفاته بموضعٍ يُقالُ له الحانوت. وقد رثاه بعضُهم وهو ابنُ أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقال:
أقول وما البعدُ إلَّا الرَّدَى … أمَسْلَمُ لا تَبْعِدَنْ مَسْلَمَهْ
فقد كنتَ نورًا لنا في البلادِ … مضِيئًا فقد أصبحتْ مُظِلمَهْ
ونَكْتُمُ مَوْتَكَ نخشَى اليقينَ … فأبْدَى اليقينُ عنِ الجُمْجُمَه
نُمَيْر بن أُوَيس (٣) الأشعري، قاضي دمشق، تابعيٌّ جَلِيل، روى عن حُذيفة مرسلًا، وأبي موسى مرسلًا، وأبي الدرداء، وعن معاوية مرسلًا، وعن غيرِ واحدٍ من التابعين. وحدَّث عنه جماعةٌ كثيرون، منهم الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ويحيى بن الحارث الذِّمَارِي.
стр. 4691
ولَّاهُ هشام بنُ عبد الملك القضاءَ بعدَ عبد الرحمن بن الخشخاش العُذْري، ثم استعفى هشامًا فأعفاهُ، وولَّى مكانه يزيدَ بن عبد الرحمن بن أبي مالك، وكان نُمَيرٌ هذا لا يحكمُ باليمينِ مع الشاهد، وكان يقول: الأدَبُ من الآباء، والصلاحُ من الله.
وقال غيرُ واحد: تُوفِّي سنة إحدى وعشرين ومئة. وقيل: سنة ثنتين وعشرين ومئة. وقيل: سنة خمس عشرة ومئة - وهذا غريب جدًّا - واللّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومئة
ففيها كان مَقْتَلُ زيدِ بن عليِّ بنِ الحُسين بن عليِّ بن أبي طالب (١)، وكان سببُ ذلك أنَّه لمَّا أخذَ البَيْعَةَ مِمَنْ بايَعَهُ من أهلِ الكوفة أمرَهم في أَوَّلِ هذه السنةِ بالخُروجِ والتأهُّبِ له. فشرَعوا في أخْذِ الأُهْبَةِ لذلك، فانطلق رجلٌ يقالُ له سليمان بن سُرَاقة إلى يوسف بنِ عمر نائبِ العراق، فأخبره - وهو بالحِيرَةِ يومئذٍ - خبرَ زيدِ بن علي على هذا، وعندَ مَنْ يكونُ من أهلِ الكوفة، فبعثَ يوسفُ بن عمر يتطلَّبُه ويُلِحُّ في تطَلُّبِه، فلما علمتِ الشيعةُ ذلك اجتمعوا عند زَيد بن عليٍّ فقالوا له: ما قولُك - يرحمك الله - في أبي بكرٍ وعمر؟ فقال: غفر الله لهما، ما سمعتُ أحدًا من أهلِ بيتي تبرَّأ منهما، ولا يقولُ فيهما إِلَّا خيرًا. قالوا: فلم تطلُبْ إذًا بِدَمِ أهل البيت؛ فقال: إنَّا كُنَّا أحَقَّ الناسِ بإذا الأمر، ولكنَ القومَ استأثروا علينا به، ودفعونا عنه، ولم يبلُغْ ذلك عندنا بِهم كُفرًا، وقد وَلُّوا فعَدَلوا، وعمِلوا بالكتاب والسُّنَّة. قالوا: فلِمَ تُقاتِلُ هؤلاءِ إذًا؟ قال: إنَّ هؤلاء ليسوا كأولئك، إنَّ هؤلاء ظلموا الناسَ وظلموا أنفسَهم، وإني أدعو إلى كتابِ الله وسنةِ نبيه ﷺ ، وإحياء السُّنَن، وإماتةِ البِدَع، فإن تسمعوا يَكُنْ خيرًا لكم ولي، وإن تابَوْا فلستُ عليكم بوَكِيل. فرفضوهُ وانصرفوا عنه، ونقَضُوا بيعتَه وتركوه. فلهذا سُمُّوا الرَّافِضَةَ يومئذٍ، ومَنْ تابعه من الناس على قولهِ سُمُّوا الزَّيْدِيَّة، وغالب أهلِ الكوفةِ منهم رافضة، وغالبُ أهلِ مكةَ إلى اليوم على مذهبِ الزَّيدية، وفي مذهبهم حق، وهو تَعْدِيلُ الشيخَيْن، وباطلٌ وهو اعتقادُ تقديمِ عليٍّ عليهما، وليس عليٌّ مقدَّمًا عليهما، بل ولا عثمان على أصَحِّ قَوْلَيْ أهلِ السنَّةِ الثابتة والآثار الصحيحة الثابتةِ عن الصحابة ﵃. وقد ذكرنا ذلك في سيرةِ أبي بكرٍ وعمر فيما تقدَّم. ثم إنَّ زيدًا عزَمَ على الخروج بِمَنْ بَقِيَ معه من أصحابهِ، فواعَدَهم ليلةَ الأربعاء مُستَهَلَّ صَفَر من هذه السنة، فبلغ ذلك يوسفَ بنَ عمر فكتب إلى نائبِهِ على الكوفة - وهو الحكم بن الصَّلتْ - يأمرُهُ بِجَمْعِ الناسِ كلِّهم في المسجدِ الجامع، فجمعَ الناسَ لذلك في يوم الثلاثاء سَلْخَ المحرَّم، قبلَ خروجِ زيدٍ بيوم، وخرج زيدٌ بِمَنْ معَهُ ليلةَ الأربعاء في بردٍ شديد، ورفع أصحابُهُ النِّيرانَ وجعلوا ينادُون، يا منصور، يا منصور، فلمَّا طلَعَ
стр. 4692
الفجرُ إذا قدِ اجتمع معه مئتانِ وثمانيةَ عشرَ رجلًا فجعل زيدٌ يقول: سبحان الله! أينَ الناس؟ فقيل: هم في المسجد مَحْصورون. وكتب الحكمُ إلى يوسف بن عمر يعلِمهُ بخروجِ زيدِ بن عليّ، فبعث إليه سَرِيَّةً إلى الكوفة، وركبتِ الجيوشُ مع نائبِ الكوفة، وجاء يوسف بن عمر أيضًا في طائفةِ كبيرةٍ من الناس، فالتقى بِمَنْ معه جُرْثومةً منهم فيهم خمسُ مئةِ فارس فهزمهم، ثم أتَى الكُنَاسةَ، فحلَّ على جَمع من أهلِ الشام فهزمهم، ثم اجتازَ بيوسفَ بنِ عمر وهو واقفٌ فوقَ تلّ، وزيدٌ في مئتي فارس، ولو قصد يوسفُ بن عمر لقَتَلَه، ولكنْ أخذ ذاتَ اليمين، وكلَّما التقى طائفة من أهلِ الكوفةِ هزمهم، وجعل أصحابُهُ ينادون: يا أهلَ الكوفة، اخرجوا إلى الدِّينِ والعِزِّ والدنيا، لستم في دينٍ ولا عِزٍ ولا دنيا، ثم لما أمسَوْا انضاف إليه جماعةٌ من أهلِ الكوفة وقد قُتل بعضُ أصحابِه في أولِ يوم، فلما كان في اليوم الثاني اقتتل هو وطائفةٌ من أهلِ الشام، فقتلَ منهم سبعين رجلًا، وانصرفوا عنه بشرِّ حال، وأمسَوْا، فعبَّأ يوسفُ بن عمر جيشَه جيدًا، ثم أصبحوا فالتقَوْا مع زيد بن عليٍّ في أصحابه، فكشفَهم حتى أخرجهم إلى السَّبَخَة، ثم شدَّ عليهم حتى أخرجهم إلى بني سُليم، ثم تَبِعهم في خيلِه ورَجِله، حتى أخذوا على المُسَنَّاة (١) ثم اقتتلوا هناك قتالًا شديدًا جدًّا حتى كان جُنْحُ الليل، فرُمِيَ زيدٌ بسهم فأصاب جانبَ جَبهتِه اليُسرى، فوصل إلى دِمَاغِه، فرجع ورجع أصحابُه. ولا يَظنُّ أهلُ الشامِ أنَّهم رجعوا إِلَّا للمساء والليل، وأُدخل زيدٌ في دار سكةِ البَرِيد، وجيء بطبيب فانتَزعَ ذلك السهمَ من جبهتِه، فما عَدَا أن انتزعه حتى ماتَ في ساعتِهِ ﵀.
فاختلف أصحابُهُ أين يدفِنُونَه؟ فقال بعضهم: ألبِسُوهُ دِرْعَهُ وألْقُوهُ في الماء. وقال بعضُهم: احتزُّوا رأسَهُ واتركوه في القتلَى. فقال ابنُه: لا والله لا تأكلُ أبي الكلاب. وقال بعضُهم: ادفِنوه في الكناسة (٢) وقال بعضهم: ادفِنُوهُ في الحفرةِ التي يؤخذُ منها الطِّين. ففعلوا ذلك، وأجرَوْا على قبرِهِ الماءَ لئلا يُعرَف، وتفلَّلَ أصحابُه (٣)، حيثُ لم يبقَ لهم رأس يقاتلون به، فما أصبح الفجرُ ولهم قائمةٌ ينهضون بها وتتبَّعَ يوسف بن عمر الجَرْحَى هل يجدُ زيدًا بينهم؛ وجاء مولًى لِزَيْد سِنْديّ، قد شَهِدَ دفنَه، فدلَّ على قبره، فأُخِذَ من قبرِه، فأمر يوسفُ بن عمر بصَلْبِه على خشبةٍ بالكُناسة، ومعه نصرُ بن خُزيمة، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، وزياد النَّهْدي؛ ويُقال: إنَّ زيدًا مكَثَ مصلوبًا أربعَ سنين، ثم أُنزل بعدَ ذلك وأُحرق، واللّه أعلمُ.
стр. 4693
وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الطبري (١)، أنَّ يوسفَ بن عمر لم يعلمْ بشيءٍ من شأنِ زيدِ بن علي حتى كتب إليه هشامُ بن عبد الملك يقول له: إنَّك لغافل، وإنَّ زيد بن علي غارزٌ ذَنَبَهُ بالكوفة يُبايعُ له، فألِحَّ في طلبه وأعطِهِ الأمان، وإنْ لم يقبلْ فقاتِلْهُ. فتطلَّبه يوسف بن عمر حتى كان من أمْرِهِ ما تقدَّم، فلما ظهر على قبرِهِ حزَّ رأسَهُ وبعث به إلى هشام بن عبد الملك، فنصبه على باب دمشق؛ ثم أمر به فسارَ إلى المدينة حتى نصبوه على أحدِ أبوابها. وأمَّا جثته فلم تزلْ مصلوبةً تُحرسُ ليلًا ونهارًا، حتى انقضَتْ دولةُ هشام، وقام من بعدِه الوليدُ بن يزيد، فأمر به فأُنزل وحُرّق في أيامِه، قبَّح الله الوليدَ هذا.
فأمَّا ابنُه يحيى بن زيد بن علي فاستجار بعبدِ الملك بن بشر بن مروان؛ فبعث إليه يوسفُ بن عمر يتهدَّدُهُ حتى يحضرَه، فقال له عبدُ الملك بنُ بشر: ما كنتُ لآوي مثل هذا الرجل، وهو عدوُّنا وابنُ عدوِّنا. فصدَّقَهُ يوسفُ بن عمر في ذلك. ولما هدأ الطلَبُ عنه سيَّرهُ إلى خُراسان، فخرج يحيى بنُ زيد في جماعةٍ من الزيديَّة إلى خراسان، فأقاموا بها هذه المدة (٢).
قال أبو مِخْنَف: ولما قُتل زيد خطَبَ يوسفُ بن عمر أهلَ الكوفةِ فتهدَّدَهم وتوعَّدهم وشتمهم وأنَّبَهم، وقال لهم فيما قال: واللهِ لقد استأذنتُ أميرَ المؤمنين في قَتْلِ خَلْقٍ منكم، ولو أذِنَ لي لقتلتُ مقاتلتّكم وسبيتُ ذرارِيَّكم، وما صعِدْتُ لهذا المنبر إِلَّا لأسمعَكم ما تكرهون.
قال ابنُ جرير (٣): وفي هذه السنة قُتل عبدُ الله البطال في جماعةٍ من المسلمين بأرضِ الروم.
ولم يَزِدِ ابنُ جريرٍ على هذا، وقد ذكر هذا الرجلَ الحافظُ ابنُ عساكر في تاريخه الكبير فقال:
عبد اللّه أبو يحيى المعروف بالبَطَّال (٤)
كان يَنْزل أنطاكِية، حكى عنه أبو مروان الأنْطَاكي، ثم روى بإسناده أنَّ عبد الملك بن مروان حينَ عقَدَ لابنهِ مَسْلَمة على غزوِ بلادِ الروم ولَّى على رؤساءَ أهلِ الجزيرةِ والشام البَطَّال، وقال لابنه مسلمة: سَيِّرْهُ على طلائعِك، وأمُرْهُ فليعُسَّ بالليل العسكر، فإنَّهُ أمينٌ ثقةٌ مِقْدامٌ شجاعِ. وخرج معهم عبدُ الملك يُشيِّعُهم إلى بابِ دِمَشق. قال: فقدَّم مسلمةُ البطَّالَ على عشرةِ آلافٍ يكونون بين يديه تُرْسًا من الرُّوم أنْ يصلوا إلى جشِ المسلمين.
قال محمد بن عائذ الدمشقي: حَدَّثَنَا الوليد بن مسلمة، حدّثني أبو مروان شيخٌ من أهلِ أنطَاكِيَةَ قال:
стр. 4694
كنتُ أغازي مع البَطَّال، وقد أوطأ الرُّومَ ذُلًّا. قال البطال: فسألني بعضُ ولاةِ بني أمية عن أعجَبِ ما كان من أمري في مغازيَّ فيهم، فقلت فيهم: خرجتُ في سَرِيَّةٍ ليلًا، فدفعنا إلى قرية، فقلتُ لأصحابي: أرْخُوا لُجُمَ خيلِكم، ولا تحرِّكوا أحدًا بقتلٍ ولا بشيء حتى تَشْحَنوا (١) القرية فإنَّهم في نَوْبة. ففعلوا، وافترقوا في أزِقَّتِها، فدفعتُ في أناسٍ من أصحابي إلى بيتٍ يَزْهرُ سِرَاجُه (٢)، وإذا امرأةٌ تُسكِّتُ ابنَها من بكائه وهي تقول له: لَتسكتَنَّ أو لأدفعنَّكَ إلى البطَّال يذهَبُ بك. وانتشلَتْهُ من سريره وقالتْ: خُذْهُ يا بَطَّال. قال: فأخذتُه (٣).
وروى محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم، عن أبي مروان الأنطاكي، عن البطال، قال: انفردتُ مرَّةً على فرسي ليس معي أحدٌ من الجُند، وقد سمطتُ (٤) خلفي مِخْلاةً فيها شعير، ومعي مِنديل فيه خُبز وشِوَاء، فبينا أنا أسير لعلِّي ألقَى أحدًا منفردًا، أو أطَّلِعُ على خبر، إذا أنا ببستانٍ فيه بُقولٌ حسنة، فَنَزلْتُ وأكلتُ من ذلك بالخبزِ والشِّوَاء مع البَقْل، فأخذَني إسهالٌ عظيم، قمتُ منه مِرارًا، فخفتُ أنْ أضعُفَ من كثرةِ الإسهال، فركبتُ فرسي والإسهالُ مستمِرٌّ على حالِه، وجعلتُ أخشى إنْ أنا نزَلْتُ عن فرسي أنْ أضعُفَ عن الرُّكوب، وأفرطَ بي الإسهالُ في السَّرْج حتى خَشيتُ أنْ أسقُطَ من الضَّعْف، فأخذتُ بعِنَانِ الفرس، ونمتُ على وجهي، لا أدري أين يسيرُ الفرسُ بي، فلم أشعر إِلَّا بِقَرْعِ نعالِهِ على بَلاط، فأرفعُ رأسي فإذا دَيْر، وإذا قد خرج منه نِسْوةٌ صحبةَ امرأةٍ حسناء جميلةٍ جدًّا، فجعلَتْ تقولُ بلِسانها أنزِلْنَه. فأنزَلْنَني، فغسَلْنَ عني ثيابي وسَرْجي وَفَرَسي، ووضَعْنَني على سرير، وعَمِلْنَ لي طعامًا وشرابًا، فمكثتُ يومًا وليلةً مَسْبوتًا (٥) ثم أقمتُ بقيةَ ثلاثةِ أيام حتى تُردَّ إليَّ حالي، فبينا أنا كذلك إذْ قيل: جاء البِطْريقُ، وهو يريد أنْ يتزوَّجَها، فأمرَتْ بفرَسي فحُوِّلَ وعُلِّق على الباب الذي أنا فيه، وإذا هو بِطْريقٌ كبيرٌ فيهم، وقد جاء لخطبتها، فأخبرَهُ منْ كان هنالك بأن هذا البيتَ فيه رجلٌ وله فرَس، فهمَّ بالهجومِ عليّ، فمنعَتْهُ المرأةُ من ذلك، وأرسلَتْ تقولُ له: إنْ فَتح عليه الباب لم أقضِ حاجَته. فثناهُ ذلك عن الهجومِ عليّ؛ وأقامَ البِطْريقُ إلى آخرِ النهارِ في ضيافتهم، ثم ركبَ فرسَه، وركب معه أصحابُهُ وانطلق.
стр. 4695
قال البطال: فنهضتُ في أثَرِهم، فهَمَّتْ أنْ تمنعَني خوفًا عليَّ منهم، فلم أقبلْ، وسقتُ حتى لَحِقتُهم، فحمَلْتُ عليه، فانفرجَ عنه أصحابُه، وأرادَ الفِرَار، فألحقُهُ فاضرب عُنقَه، و استلَبْتُهُ، وأخذتُ رأسَه مُسْمطًا على فرسي، ورجعتُ إلى الدِّيْر، فخَرَجْنَ إليَّ ووقَفْنَ بين يديّ، فقلتُ اركَبْنَ، فرَكِبْنَ ما هنالكَ من الدوابّ، وسقتُ بهنَّ حتى أتيْتُ أميرَ الجيش، فدفعتُهن إليه، فنفَلَني ما شئتُ منهنَّ، فأخذتُ تلك المرأةَ الحسناءَ بعينِها، فهي أُمُّ أولادي. والبِطْريقُ في لغةِ الرُّوم عبارةٌ عن الأميرِ الكبيرِ فيهم. وكان أبوها بِطْريقًا كبيرًا فيهم. يعني تلك المرأة، وكان البطالُ بعدَ ذلك يُكاتبُ أباها ويُهادِيه.
وذكر محمد بن عائذ عن الوليد، سمعتُ عبدَ اللّه بن راشد مولى خزاعة، يُخبر عمَّن سمعه من البطال، أنَّ هشامَ بن عبد الملك بن مروان لما ولاه المِصِّيصَة بعثَ البطالُ سَريَّةً إلى أرض الروم، فغابَ عنهُ خبَرُها، فلم يَدْرِ ما صنعوا، فركب بنفسِهِ وحدَهُ على فرس له، وسار حتى وصل عَمُّوريَّة، فطرَقَ بابَها ليلًا فقال له البواب: منْ هذا؟ قال البطال: فقلتُ أنا سيَّافُ المَلِك ورسولُهُ إلى البِطْريق، فأخذَ لي طريقًا إليه، فلما دخلتُ عليه إذا هو جالسٌ على سرير، فجلستُ معه على السَّرير إلى جانبِه، ثم قلتُ له: إني قد جئتُكَ في رسالة، فمُرْ هؤلاءَ فَلْيَنصرِفوا. فأمَرَ منْ عندَهُ فذهبُوا، قال: ثم قام فأغلقَ بابَ الكنيسة عليَّ وعليه، ثم جاء فجلس مكانه، فاخترطتُ سيفي وضربتُ به رأسَه صفحًا وقلتُ له: أنا البطال، فاصْدُقْني عمَّا أسألُكَ عنه، وإلَّا ضربتُ عُنقكَ الساعة. قال: وما هو؟ قلتُ: السَّريَّة التي بعثتُها ما خبَرُها؟ فقال: هم في بلادي يَنتهبونَ ما تهيَّأَ لهم، وهذا كتابٌ قد جاءني يُخبرُ أنهم في وادي كذا وكذا، واللهِ لقد صدقتُك. فقلت: هاتِ الأمان. فاعطاني الأمان، فقلت: ائتِني بطعام. فأمر أصحابَهُ فجاؤوا بطعام، فوُضعَ لي، فأكلتُ، فقمتُ لأنصرف، فقال لأصحابه: اخرُجوا بين يدَيْ رسولِ الملك. فانطلقوا يتعادَوْن بين يديّ؛ وانطلقتُ إلى ذلك الوادي الذي ذكر، فإذا أصحابي هنالك، فأخذتُهم، ورجعتُ إلى المِصِّيصَة. فهذا أغربُ ما جرَى.
قال الوليد: وأخبرني بعضُ شيوخِنا أنَّهُ رأى البطالَ وهو قافلٌ من حجَّتِه، وكان قد شُغل بالجهادِ عن الحَجّ، وكان يسأل اللّه دائمًا الحَجَّ ثم الشهادة، فلم يتمكَّنْ من حجَّةِ الإسلام إِلَّا في السنة التي استشهد فيها. رحمه اللّه تعالى. وكان سببُ شهادَتِه أنَّ ليون مَلِكَ الرُّوم خرج من القُسْطَنْطينيَّةِ في مئةِ ألفِ فارس، فبعث البِطْريق - الذي البطالُ متزوجٌ بابنتِه التي ذكَرْنا أمرَها - إلى البطَّال يُخبرُه بذلك. فأخبرَ البطالُ أميرَ عساكرِ المسلمين بذلك، وكان الأميرُ مالك بن شَبيب، وقال له: إنَّ المصلحةَ تقتضي أنْ نتحَصَّنَ في مدينةِ حرَّان، فنكونُ بها حتى يقدَمَ علينا سُليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبَى عليهِ ذلك ودَهِمَهُمُ الجيش، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، والبطَالُ بين يدَي الأبطال، ولا يتجاسَرُ أحدٌ أنْ يُنوِّهَ باسمه خوفًا عليه من الروم؛ فاتَّفقَ أن فدَاهُ بعضُهم، وذكر اسمَه غلطًا منه، فلما سمع ذلك فُرسان الرُّوم حَمَلوا عليه حملةً واحدة، فاقتلعوهُ من سَرْجِهِ برماحِهم، فألقَوْهُ إلى الأرض، وساقوا وراءَ الناسِ يقتلون ويأسرون،