← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

وأبو الزبير المكِّي (١)، وأبو عِمْرانَ الجَوْنِي (٢)، وأبو قَبيل الْمَعَافِريّ (٣)؛ وقد ذكَرْنَا تراجِمَهُم في "التكميل". ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومئة فيها اجتمعتِ الخوارح بعدَ الخيبري على شيبانَ بنِ عبد العزيز بن الحليس اليشكري الخارجي، فأشار عليهم سُليمان بن هشام أن يتحصَّنوا بالمَوصل، ويجعلوها مَنْزلًا لهم، فتحوَّلوا إليها، وتَبِعهم مروانُ بن محمد أميرُ المؤمنين، فعسكروا بظاهرها، وخندقوا عليهم مما يلي جيش مروان، وقد خندق مروانُ على جيشِهِ أيضًا من ناحيتِهم، وأقام سنةً يُحاصِرُهم ويقتَتِلونَ في كُل يومٍ بُكْرَةً وعشيَّة. وظَفِرَ مروانُ بابنِ أخِ لسليمان بن هشام وهو أمية بن معاوية بن هشام، أسرَهُ بعضُ جيشِه، فأمر بهِ فقُطعتْ يدَاه، ثم ضرب عُنقه، وعمُّه سليمانُ والجيشُ ينظرون إليه؛ وكتب مروان إلى نائبِهِ بالعراق يزيدَ بنِ عمر بن هُبيرة يأمرُهُ بقتالِ الخوارجِ الذين في بلادِه، فجرَتْ له معهم وقعات عديدة، فظفر بهم ابنُ هُبيرة وأبادَ خَضْراءَهم، ولم يبقَ لهم بقيَّةٌ بالعراق، واستنقذَ الكوفة من أيدي الخوارج، وكان عليها المثنى بن عمران العائذي - عائذة قريش - في رمضان من هذه السنة. وكتب مروانُ إلى ابنِ هُبيرة لما فَرَغ من الخوارج أنْ يمُدَّهُ بعامر بن ضُبَارة (٤) - وكان من الشجعان - فبعثه إليه في سبعةِ آلاف أو ثمانية آلاف، فأرسلتِ الخوارجُ إليه سريَّة في أربعةِ آلاف، فاعترضوه في الطرق، فهزمهم ابنُ ضُبارة، وقتل أميرَهم الْجَوْنَ بن كلاب الشيباني الخارجي، وأَقبل نحو الموصل، ورجعَ فَلُّ الخوارجِ إليهم، فأشار سليمان بنُ هشام عليهم أنْ يرتحلوا عن الموصل، فإنه لم يكنْ يُمكِنهُم الإقامةَ بها؛ ومروانُ من أمامِهم وابنُ ضُبارةَ من ورائهم، وقد قطع عنهم المِيرَة، حتى يجدوا شيئًا يأكلونَه، فارتحلوا عنها، وساروا على حُلْوان إلى الأهواز. فأرسل مروانُ بن ضُبَارة في آثارِهم في ثلاثةِ آلاف، فاتَّبعَهمِ يقتلُ منْ تخلَّف منهم، ويلحقهم في مواطن فيقاتلهم، وما زال وراءهم حتى فرَّقَ شَمْلَهم شذَرَ مَذر وهلك أميرُهم شيبان بن عبد العزيز اليَشْكُريُّ بالأهواز في السنة القابلة، قتله خالدُ بن مسعود بن جعفر بن خُليد الأزْدي. وركب سليمان بن هشام في مواليه وأهلِ بيتِه السُّفُنَ وساروا إلى السِّنْد.

стр. 4762

ورجعَ مروانُ من الموصل فأقام بِمَنْزِله بِحَزَان، وقد وجد سرورًا بزوالِ الخوارج، ولكنْ لم يتمَّ سرورُه، بل أعقبه القدَرُ منْ هو أقوى شوكةً، وأعظَمَ أتباعًا، وأشدَّ بأسًا من الخوارج، وهو ظهور أبي مسلم الخُراساني، الداعيةُ إلى دولةِ بني عباس. أول ظهورِ أبي مسلم الخُرَاساني وفي هذه السنة ورَدَ كتابُ إبراهيمَ بنِ محمد الإمام العباسي بطلَبِ أبي مسلم الخُراساني من خُراسان، فسار إليه في سبعينَ من النُّقَبَاء، لا يمرُّونَ ببلدٍ إلَّا سَألوهم: إلى أين تذهبون؟ فيقول أبو مسلم: نُريدُ الحجّ. وإذا توَسَّمَ أبو مسلم من بعضِهم ميلًا إليهم دعاهم إلى ما هم فيه، فيُجيبُهُ إلى ذلك، فلما كان ببعضِ الطريق جاء كتابٌ ثانٍ من إبراهيمَ الإمام إلى أبي مسلم: إني بعثتُ إليك برايةِ النصر، فارجعْ إلى خُراسان، وأظهرِ الدَّعْوَة. وأمَرَ قحطبةَ بنَ شبيب أن يسيرَ بما معه من الأموال والتُّحَف إلى إبراهيم الإمام، فيوافيه في الموسم. فرجع أبو مسلم بالكتاب، فدخلَ خُراسان في أولِ يومٍ من رمضان، فرُفعَ الكتاب إلى سليمانَ بنِ كثير، وفيه: أنْ أظهرْ دعوتَك ولا تتربَّصْ. فقدَّموا عليهم أبا مسلمٍ الخُراساني داعيًا إلى بني العباس، فبعث أبو مسلم دُعاتهُ في بلاد خُراسان، وأميرُ خُراسان نصْرُ بن سَيَّار مشغولٌ بقتالِ الكَرْماني، وشيبانَ بنِ سلمةَ الحَرُوريّ، وقد بلغ من أمرِه أنه كان يُسلِّم عليه أصحابُه بالخلافة في طوائفَ كثيرةٍ من الخوارج. فظهر أمْرُ أبي مسلم، وقصَدَهُ الناسُ من كلِّ جانب، فكان ممَّنْ قصدَهُ في يومٍ واحدٍ أهلُ ستينَ قريةً، فأقام هناك اثنين وأربعين يومًا، ففُتحت على يديه أقاليمُ كثيرة، ولما كان ليلةُ الخميس لخمسٍ بَقِين من رمضان في هذه السنة عقدَ أبو مسلم اللواءَ الذي بعثَهُ إليه الإمامُ - ويُدْعَى الظِّل - على رُفحٍ طولُه أربعةَ عشرَ ذراعًا؛ وعقَدَ الرايةَ التي بعَثَ بها بها الإمام أيضًا - وتُدْعى السحاب - على رمع طولُه ثلاثةَ عشرَ ذراعًا؛ وهما سَوْداوان، وهو يتلو قولَهُ تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]؛ ولَبِسَ أبو مسلم وسليمانُ بن كثير ومنْ أجابهم إلى الدعوة السَّوَاد، وصارت شعارَهم؛ وأوْقَدوا في هذه الليلة نارًا عظيمةً يَدعونَ بها أهلَ تلكَ النواحي؛ وكانتْ علامةً بينهم، فتجمَّعوا، ومعنى تسميةِ إحدَى الرايتَيْن بالسحاب، أنَّ السحابَ كما يُطبقُ جميعَ الأرض، كذلك بنو العباس تطبقُ دعوتُهم أهلَ الأرض. ومعنى تسميةِ الأخرى بالظَّلّ أنَّ الأرضَ كما أنَّها لا تخلو من الظِّلّ، فكذلك بنو العباس لا تخلو الأرضُ من قائمٍ منهم. وأقبل الناسُ إلى أبي مسلمٍ من كلِّ جانب، وكثُرَ جيشُه. ولما كان يومُ عيدِ الفِطْر أمرَ أبو مسلمٍ سليمانَ بن كثير أنْ يُصلي بالناس، ونَصَبَ له مِنْبرًا، وأن يُخالفَ في ذلك بني أمية، ويعملَ بالسُّنَّة؛ فنُودِيَ للصلاة الصلاة جامعة، ولم يؤذِّنْ ولم يُقِم، خلافًا لهم، وبدأ بالصلاةِ قبلَ الخُطْبة، وكبَّرَ سبعًا في الأولى قبلَ القراءة لا أربعًا؛ وخمسًا في الثانية لا ثلاثًا،

стр. 4763

خلافًا لهم، وابتدأ الخطبةَ بالذِّكْرِ والتكبير، وختمها بالقراءة. وانصرفَ الناسُ من صلاةِ العيد وقد أعدَّ لهم أبو مسلمٍ طعامًا، فوضعهُ بين يدي الناس، وكتب إلى نصر بن سيار كتابًا بدأ فيه بنفسه ثم قال: إلى نصرِ بنِ سَيَّار، بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن الله عَيَّرَ أقوامًا في كتابهِ فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ إلى قوله: ﴿تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣]. فعَظُمَ على نصر أنْ قَدَّمَ اسمَهُ على اسمِه، وأطال الفِكْرَ وقال: هذا كتابٌ لهُ جواب. قال ابنُ جرير (١): ثم بعث نصرُ بن سيار خيلًا عظيمةً لمحاربةِ أبي مسلم، وذلك بعد ظهورِهِ بثمانيةَ عشرَ شهرًا، فأرسل أبو مسلم إليهم مالكَ بن الهيثم الخُزَاعي، فالتقَوْا، فدعاهُمْ مالكٌ إلى الرِّضا عن آلِ رسولِ الله ﷺ ، فأبوْا ذلك، فتصافُّوا من أوَّلِ النَّهار إلى العصر، فجاء إلى مالكٍ مدَد، فقَوي عليهم واستظهر، فظَفِرَ بهم مالك، وكان هذا أولُ موقفٍ اقتتَلَ فيه دعاةُ بني العباس وجندُ بني أمية. وفي ذي القعْدةِ من هذه السنة غلَبَ خازمُ بن خزيمة على مَرْوِ الرُّوذ، وقَتَلَ عاملَها من جهةِ نصرِ بن سَيَّار، وهو بِشْرُ بن جعفر السَّعدي، وكتب بالفَتْحِ إلى أبي مسلم، وكان أبو مسلم إذْ ذاك شابًّا قد اختاره إبراهيمُ لدعوتِهم، وذلك لشهامتِهِ وصرَامتِه، وقوةِ فهْمهِ وجَوْدةِ ذِهْنه، وأصلُهُ من سوادِ الكُوفة؛ وكان مولًى لإدريسَ بنِ مَعْقل العِجْلي، فاشتراهُ بعضُ دعاةِ بني العباس بأربع مئةِ دِرْهم، ثم أخذه محمدُ بن علي، ثم آلَ وَلاؤهُ لآلِ العباس، وزوَّجهُ إبراهيمُ الإمامُ بابنةِ أبي النَّجْم إسماعيلَ بنِ عمران، وأصدَقَها عنه، وكتب إلى دُعاتِهم بخراسان والعراق، أنْ يسمعوا له. فامتثلوا أمرَهُ في هذه المدَّة، وقد كانوا في السَّنة الماضية قبلَ هذه السنة ردُّوا عليه أمرَهُ لِصِغَرِهِ فيهم؛ فلمَّا كانتْ هذه السنةُ أكَّدَ الإمام كتابهُ إليهم في الوصاةِ به وطاعته، وكان في ذلك الخيرُ له ولهم، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. ولمَّا فَشَا أمرُ أبي مسلم بخراسان تعاقدَتْ طوائفُ من أحياءَ العربِ الذين بها على حَرْبِه ومُقاتلته، ولم يُكرَهِ الكرماني وشيبان لأنهما خرجا على نصر، وأبو مسلم مخالفٌ لنصر كحالِهما، وهو مع ذلك يَدْعو إلى خَلع مروانَ الحمار، وقد طلب نصرٌ من شيبانَ أنْ يكونَ معهُ على حَرْب أبي مسلم أو يكفَّ عنه حتى يتفرغَ لحَرْبِه، فإذا قتلَ أبا مسلم عادا إلى عداوتِهما؛ فأجابه إلى ذلك فبلغَ ذلك أبا مسلم، فبعث إلى الكَرْمانيِّ يُعلمُه بذلك، فلام الكرمانيِّ شيبانَ على ذلك وثناه عن ذلك، وبعث أبو مسلم إلى هَرَاة النضرَ بنَ نُعيم، فأخذها من عاملها عيسى بن عقيل الليثى، وكتب إلى أبي مسلم بذلك، وجاء عاملُها إلى نصرٍ هاربًا، ثم إنَّ شيبانَ وادَعَ نصرَ بن سيَّارٍ سنةً على تَرْك الحرب بينه وبينه، وذلك عن كُرْهٍ من الكَرْمانيّ، فبعث ابنُ الكرماني إلى أبي مسلم: إني معك على قتالِ نصر، ورَكِبَ أبو مسلم في خدمةِ ابنِ الكَرْمانيّ، فنَزلَ عنده، واجتمعا فاتفقا على حربِ نصرٍ ومخالفتِه، وتحول أبو مسلمٍ إلى موضعٍ فسيح،

стр. 4764

وكَثُرَ جُندُه، وعَظُمَ جيشُه، واستعمل على الحَرَسِ والشُّرطِ والرسائلِ والديوان وغير ذلك مما يحتاج إليه الملك عمّالًا، وجعل القاسمَ بن مجاشع التميميَّ - وكان أحد النقباء - على القضاء؛ وكان يصلِّي بأبي مسلم الصلوات، ويقصُّ بعض القصص، فيذكر محاسن بني هاشم، ويذم بني أمية، ثم تحوَّل أبو مسلم إلى قريةٍ يُقالُ لها بالين، وكان في مكانٍ منخفِض، فخشيَ أنْ يقطعَ عنه نصرُ بن سيارٍ الماء، وذلك في سادسِ ذي الحجَّة من هذه السنة، وصلَّى بهم يوم النَّحْر القاضي القاسم بن مجاشع، وسار نصرُ بنُ سيار في جحافلَ كالسحاب قاصدًا قتالَ أبي مسلم، واستخلف على البلاد نُوَّابًا، وكان من أمرهما ما سنذكرُه في السنةِ الآتية. مقتل ابن الكرماني ونَشِبتِ الحرب بين نصرِ بن سيارٍ وبين ابنِ الكَرْماني، وهو جديع بن علي الكَرْماني، فقُتل بينهما من الفريقَيْن خَلْقٌ كَثير، وجعل أبو مسلم يُكاتبُ كلًّا من الطائفتين، ويستميلُهم إليه، يكتبُ إلى نصر، وإلى ابنِ الكَرْماني: إنَّ الإمامَ قد أوصاني بكُمْ خيرًا، ولستُ أعدو رأيَهُ فيكم. وكتب إلى الكُور يَدْعو إلى بني العباس، فاستجاب له خَلْقٌ كَثير، وجَمٌّ غَفِير، وأقبل أبو مسلمٍ فَنزلَ بين خندقِ نصر، وخندقِ ابن الكرماني، فهابَهُ الفريقان جميعًا، وكتب نصرُ بن سيَّارٍ إلى مروانَ يُعلِمُهُ بأمرِ أبي مسلم وكثرةِ منْ معه، وأنه يدعو إلى إبراهيمَ بنِ محمد، وكتب في جملةِ كتابِه: أرى بين الرَّمَادِ وَمِيضَ جَمْرٍ … وأحْرَى أنْ يكونَ لَهُ ضِرَامُ فإنَّ النارَ بالعِيدانِ تُذْكَى … وإنَّ الحربَ مَبْدؤها الكلامُ فقلتُ من التعجُّب ليتَ شِعْري … أأيقاظٌ أميةُ أمْ نيام (١) فكتب إليه مروان: الشاهِدُ يرَى ما لا يراهُ الغائب. فقال نصر: إنَّ صاحبَكمْ قد أخبرَكم أنْ لا نَصْرَ عنده. وبعضُهم يرويها بلفظٍ آخر: أرى خَلَلَ الرَّمَادِ وَمِيضَ نارٍ … فيوشكُ أنْ يكونَ لَها ضِرَامُ فإنَّ النارَ بالزَّيْدَيْنِ تُورَى … ونارُ الحربِ أوَّلُها كلامُ فإن لم يُطْفِها عقلاءُ قومٍ … يكونُ وقودَها جُثَثٌ وهامُ فقلتُ من التعجُّبِ ليتَ شِعْري … أأيقاظٌ أميةُ أمْ نِيَامُ

стр. 4765

فإنْ كانوا لِحَيْنِهِمُ نيامًا … فقُلْ قوموا فقد حانَ القيامُ (١) قال ابنُ خَلِّكان (٢): وهذا كما قال بعضُ عَلَويَّةِ الكُوفة حين خرجَ محمدٌ وإبراهيمُ ابنا عبدِ الله بن الحسن على المنصور أخي السفاح: أرى نارًا تشبُّ على بِقَاعٍ … لهَا في كل ناحيةٍ شُعَاعُ وقد رَقَدَتْ بنو العباسِ عنها … وباتَتْ وهي آمنةٌ رِتَاعُ كما رقدَتْ أميةُ ثم هَبَّتْ … تُدَافعُ حين لا يُغْني الدِّفَاعُ وكتبَ نصرُ بن سيَّار أيضًا إلى نائبِ العراق يزيدَ بنِ عمر بنِ هُبيرة يستمِدُّه، وكتب إليه: أبلغْ يزيدَ وخيرُ القولِ أصدقُهُ … وقد تبيَّنْتُ أنْ لا خيرَ في الكذِب (٣) بأنَّ أرضَ خُراسانٍ رأيتُ بها … بيْضًا لو افْرَخَ قد حدَّثْتُ بالعَجَبِ (٤) فِرَاخُ عامَيْنِ إلَّا أنَّها كَبِرَتْ … لَمَّا يَطِرْنَ وقد سُرْبِلْنَ بالزَّغَب فإنْ يَطِرْنَ ولم يُحْتلْ لَهُنَّ بها … يُلْهبنَ نِيرانَ حَرْب أيَّما لَهَبِ (٥) فبعث ابنُ هُبَيرةَ بكتابِ نصرٍ إلى مروان، واتَّفَقَ في وصولِ الكتابِ إليه أنْ وجدوا رسولًا من جهةِ إبراهيم الإمام، ومعه كتابٌ منه إلى أبي مسلم، وهو يشتُمُه فيه ويسُبُّه، ويأمرُهُ أنْ يُناهضَ بنَ سَيَّارٍ وابنَ الكَرْماني، ولا يترُك هناك منْ يُحْسنُ العربية. فعند ذلك بعثَ مروانُ وهو مقيمٌ بحَرَّانَ كتابًا إلى نائبهِ بدمشق، وهو الوليد بن معاوية بن عبد الملك، يأمرُهُ أنْ يرسل كتابًا إلى نائبهمْ بالبَلْقاء، أنْ يَذْهب إلى الحُمَيْمَة (٦) - وهي البلدةُ التي فيها إبراهيمُ بن محمد الإمام - فيُقَيِّدَه ويُرسلَهُ إليه. فبعثَ نائبُ دمشقَ إلى نائبِ البَلْقاء، فذهب إلى مسجدِ البلدةِ المذكورة، فوجدَ إبراهيمَ الإمام جالسًا، فقيَّدهُ وأرسل به إلى دمشق، فبعثه نائبُ دمشقَ من فَوْرِهِ إلى مروان، فأمرَ بِهِ فسُجنَ ثم قُتل كما سيأتي. وأمَّا أبو مسلم فإنَّه لَمَّا توسَّطَ بين جيشِ نصرٍ وابنِ الكَرْمَانيّ، كاتَبَ ابنَ الكرماني: إني معك. فمالَ إليه، فكتبَ إليه نصر: وَيْحَك! لا تَغْتَرّ، فإنَّهُ إنما يُريد قتلَكَ وقتلَ أصحابِك، فهَلُمَّ حتى نكتبَ كتابًا بيننا بالْمُوَادَعَة. فدخلَ ابنُ الكَرْمانيِّ دارَهُ ثم خرج إلى الرَّحْبَةِ في مئةِ فارس، وبعث إلى نصر هَلُمَّ حتى

стр. 4766

نتكاتبَ، فأبصرَ نَصْرٌ غِرَّةً من ابنِ الكَرْمانيِّ فنهض إليهِ في خلْقٍ كثير، فحمَلوا عليه فقتلوه، وقتلوا من جماعتهِ جماعةً، وقُتل ابنُ الكرماني في المعركة، طعَنَهُ رجلٌ في خاصِرَتِه، فخَرَّ عن دابَّتِهِ، ثم أمر نصرٌ بصَلْبِه وصَلَب معه جماعةً، وصلَبَ معه سمكة، وانضافَ وَلَدُهُ إلى أبي مسلم الخُراساني، ومعه طوائفُ من الناسِ من أصحابِ ابنِ الكَرْماني، فصاروا كَتِفًا واحدًا على نصر. قال ابنُ جرير (١): وفي هذه السنة تغلَّبَ عبدُ الله بن معاوية بنِ عبد الله بن جعفر على فارسَ وكُورِها، وعلى حُلْوان، وقُومس، وإصْبهان، والرَّيّ، بعدَ حَرْبٍ يطولُ ذكرُها؛ ثم التقى عامر بن ضبَارة معه بإصْطَخر، فهزمه ابنُ ضُبَارة وأسَرَ من أصحابِهِ أربعينَ ألفًا، فكان منهم عبدُ الله بن علي بن عبد الله بن عباس، فنسبه ابنُ ضُبارة وقال له: ما جاء بكَ معَ ابنِ معاوية وقد علمتَ خِلافهُ لأميرِ المؤمنين؟ فقال: كان عليَّ دَيْنٌ فأتَيْتُهُ فيه. فقامَ إليه حَرْب بن قَطَنِ بن وهب الهلالي فاستوهَبَهُ منه وقال: هو ابنُ أختنا. فوهَبَهُ لهُ وقال: ما كنتُ لأقدِمَ على رجلٍ من قريش. ثم استعلَمَ ابنُ ضُبارةَ منه أخبارَ ابنِ معاوية، فذَمَّهُ ورَمَاهُ هو وأصحابَه باللِّوَاط؛ وجيء من الأسارَى بمئةِ غلامٍ عليهم الثيابُ المصبغة، وقد كان يعملُ معهمُ الفاحشة. وحمل ابنُ ضُبارة عبدَ الله بن علي على البريد لابن هُبيرة لِيُخبرَهُ بما أخبر به ابنُ ضبارة عن ابنِ معاوية، وقد كتب الله أنَّ زوالَ مُلكِ بني أمية يكونُ على يديْ هذا الرجل، وهو عبدُ الله بن علي بن عبد الله بن عباس، ولا يَشعُرُ واحدٌ منهم بذلك. قال ابنُ جرير (٢): وفي هذه السنة وافَى (٣) الموسمَ أبو حمزةَ الخارجي، فأظهر التحكيمَ والمخالفة لمروانَ، وتبرَّأ منه. فراسلهم عبدُ الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذٍ أميرُ مكَّةَ والمدينةِ والطائف، وإليهِ أمرُ الحَجِيج في هذه السنة، ثم صالحهم على الأمانِ إلى يومِ النَّفْر، فوقفوا على حِدَةٍ بين الناس بعرفات، ثم تحيَّزوا عنهم، فلما كان يومُ النَّفْرِ الأولِ تعَجَّلَ عبدُ الواحدِ وترَكَ مكةَ فدخلها الخارجيُّ بغيرِ قتال، فقال بعضُ الشعراء في ذلك: زارَ الحَجِيجَ عصابةٌ قد خالَفُوا … دِينَ الإلهِ فَفَرَّ عبدُ الواحدِ ترَكَ الحلائلَ والإمارةَ هاربًا … ومَضَى يُخبِّطُ كالبعيرِ الشَّارِدِ لو كان والدُهُ تنصَّلَ عِرْقَهُ … لصَفَتْ موارِدُهُ بِعِرْقِ الوالِدِ ولما رجع عبدُ الواحِدِ إلى المدينة شرَعَ في تجهيز السرايا إلى قتالِ الخارجي، وبَذْلِ النَّفَقات، وزادَ

стр. 4767

في أعطيةِ الأجناد، وسيَّرَهم سريعًا، وكان أمير العراق يزيد بن هُبيرة، وأمير خُراسان نصر بن سَيَّار، وقد استحوذَ على بعضِ بلادِه أبو مسلم الخراساني. ومِمَّنْ تُوفِّي فيها من الأعيان: سالم أبو النَّضر. وعلى بن زيد بن جُدْعان في قول. ويحيى بن أبي كثير. وقد ذكَرْنا تراجِمَهم في "التكميل" ولله الحمد. سنة ثلاثين ومئة في يوم الخميس لتسعٍ خلَوْنَ من جُمَادَى الأولى منها دخل أبو مسلم الخُراساني مدينةَ مَرْو، ونزَلَ دارَ الإمارةِ بِها وانتزَعَها من يَدِ نَصْرِ بن سَيَّار، وذلك بمساعدة علي بن الكَرْماني، وهرَبَ نصرُ بن سيَّار في شِرْذِمةٍ قليلةٍ من الناس، نحو من ثلاثة آلاف، ومعه امرأتُهُ الْمَرْزُبانة، ثم عجَّلَ الهَربَ حتى لَحِقَ سَرْخَس، وترك امرأتَهُ وراءَهُ ونَجَا بنفسِه، واستفحلَ أمْرُ أبي مسلمٍ جدًّا، والتفَّتْ عليه الطوائفُ من الناس وجماعةٌ من أحياء العرب. مَقْتَلُ شيبانَ بن سَلَمةَ الحَرُورِي ولما هربَ نصرُ بن سيَّار بَقِيَ شيبان، وكان مُمالئًا له على أبي مسلم، فبعث إليه أبو مسلم رسلًا، فحَبسَهم، فأرسل أبو مسلم إلى بسَّام بن إبراهيم مولى بني ليث، يأمرُه أنْ يركبَ إلى شيبانَ فيُقاتِلَه، فسار إليه، فاقتتلا، فهزمه بسَّامٌ فقتَلَه، واتَّبَعَ أصحابَهُ يقتُلُهم ويأسِرُهم، ثم قتلَ أبو مسلمٍ عليًّا وعثمانَ ابني الكَرْماني. وكان سببُ ذلك أنَّ أبا مسلم كان وَجَّه موسى بن كعب إلى أبِيوَرْدَ فافتتحهَا، وكتبَ إلى أبي مسلم يعلمه بذلك، ووجَّهَ أبا داودَ إلى بَلْخٍ فأخذَها من زياد بن عبد الرحمن القُشَيْري، فجمعَ زيادٌ خلقًا من الجنود من أهلِ تلك الناحية لقتالِ السُّود، فنهضَ إليهم أبو داود، فقاتلهم حتى كَسَرَهم، واستباحَ معسكرَهم، وقتل منهم خلقًا واصطفى أموالًا جَزِيلة، واستفحلَ أمرُهُ هناك، ثم وقعت كائنةٌ اقتضَتْ أن اتَّفَقَ رأيُ أبي مسلم مع أبي داود على قَتْلِ عثمان بن الكَرْماني في يومِ كذا وكذا، وفي ذلك اليوم بِعَيْنِه يقتل أبو مسلم عليَّ بن جديع الكَرْماني، فوقع ذلك كذلك. وفي هذهِ السنةِ وجَّهَ أبو مسلم قَحْطَبَةَ بن شَبيب إلى نَيْسابورَ لقتالِ نَصْرِ بن سيَّار، ومع قحطبةَ جماعةٌ من كبارِ الأمراء، منهم خالدُ بن بَرْمَك، وخلقٌ منهم، فالتقَوْا مع تميم بن نَصْرِ بن سيَّار وقد وجَّهَهُ أبوهُ لقتالِهم بِطُوس، فقتلَ قحطبةُ من أصحاب نصير نحوًا من سبعةَ عشرَ ألفًا في المعركة، وقد كان أبو مسلم

стр. 4768

بعث إلى قحطبةَ مددًا نحَو عشرةِ آلاف فارس، عليهم على بنُ مَعْقِل، فاقتتلوا، فقتلوا من أصحابِ نصرٍ خلقًا كثيرًا، وقتلوا تميمَ بنَ نَصْر، وغَنِموا أموالًا جَزِيلة جدًّا، ثم إنَّ يزيدَ بنَ عمر بنِ هُبيرةَ نائبَ مروانَ على العراق، بعث بسَريَّةٍ مددًا لنصرِ بنِ سيَّار، فالتقى معهم قحطبةُ في مُستهَلِّ ذي الحِجَّة، وذلك يوم الجُمعة، فقام قحطبةُ في الناس خطيبًا، فحثَّهم على الجهادِ والقتال، وذكَّرهم، وأمرهم بالمصابَرَة، ووعدَهم عن الإمام أنهم يُنصَرون في هذا اليوم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم جندُ بني أمية، وقُتل من أهل الشام وغيرِهم عشرةُ آلاف، منهم أميرُ المدد نُبَاتَةُ بن حنظلة عاملُ جُرْجان ورساتيقها لابن هُبيرة، فبعث قحطبةُ برأسِهِ إلى أبي مسلم. ذكرُ دخولِ أبي حمزةَ الخارجي المدينةَ النبويَّةَ واستيلائِهِ عليها مدة ثلاثة أشهر حتى ارتحل منها قال ابنُ جرير (١): وفي هذه السنةِ كانت وقعةٌ بقُدَيد من أرض الحجاز، بين أبي حمزةَ الخارجي الذي كان عامَ أول في أيامِ الموسم، فقتل من أهلِ المدينة من قريش وغيرهم خلقًا كثيرًا، ثم دخل المدينةَ وهرَبَ نائبُها عبدُ الواحد بنُ سليمان، فقتل الخارجيُّ من أهلِها خلقًا، وذلك لتسعَ عشرةَ ليلةً خلَتْ من صفرَ من هذه السنة، ثم خطبَ على مِنبرِ رسولِ الله ﷺ ، فوبَّخَ أهلَ المدينة وأنَّبَهمْ، وكان فيما وبَّخهمْ به أنْ قال: يا أهل المدينة، إني مررتُ بكمْ أيامَ الأحول - يعني هشامَ بنَ عبدِ الملك - وقد أصابَتْكُمْ عاهةٌ في ثمارِكم فكتبتُمْ إليه تسألونَهُ أنْ يضَعَ الخَرْص (٢) عن ثمارِكم فوضعه، فزاد غَنِيَّكم غِنىً، وزاد فقيرَكم فقرًا، فكتبتم إليه: جزاكَ الله خيرًا، فلا جَزَاهُ الله خيرًا. في كلام طويل. فأقام عندَهم ثلاثةَ أشهر بقيةَ صفر وشهرَيْ ربيع، وبعض جُمَادَى الأولى فيما قال الواقدي وغيرُه (٣). وقد روى المدائني، أنَّ أبا حمزةَ رَقِي يومًا منبرَ رسولِ الله ﷺ فحمد الله ثم أثنى عليه، ثم قال: تعلمون يا أهل المدينة أنَّا لم نخرُجْ من ديارِنا وأبنائنا بطَرًا ولا أشَرًا، ولا عبثًا، ولا لِدَوْلةِ مَلِكٍ نُريد أن

стр. 4769

نخوضَ فيه، ولا لِثأرٍ قَدِيم نِيلَ منَّا. ولكنَا لما رأينا مصابيحَ الهُدَى عُطِّلَتْ (١)، وضَعُفَ القائلُ بالحق، وقُتل القائمُ بالقسط، ضاقَتْ علينا الأرضُ بما رَحُبَتْ، وسمعنا داعيًا يدعو إلى طاعةِ الرحمن وحُكْمِ القرآن، فأجَبْنا داعيَ الله ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣٢]، أقبَلْنَا من قبائلَ شَتَى، النَّفَرُ مِنَا على بعيرٍ واحد، عليهِ زادُهُمْ وأنْفُسُهم، يتَعَاوَرُونَ لِحَافًا واحدًا، قليلونَ مُسْتَضْعَفونَ في الأرض فآوانا الله وأيَّدَنا بنصرهِ، فأصبَحْنا واللهِ بنعمةِ الله إخوانًا، ثم لَقِيَنا رجالُكمْ بِقُدَيْد، فدعَوْناهم إلى طاعةِ الرحمنِ وحُكْمِ القُرآن، ودعَوْنا إلى طاعة الشيطانِ وحُكم بني مروان، فشَتَانَ لعمرُ الله ما بين الغَيِّ والرُّشْد، ثم أقبلوا نحوَنا يُهْرَعُونَ، قد ضربَ الشيطانُ فيهم بِجِرَانِه، وغلَتْ بدمِائِهم مَرَاجِلُه، وصدَق عليهم ظَنُّهُ فاتَّبعوه، وأقبلَ أنصارُ الله عصائبَ وكتائبَ، بكُلِّ مُهَنَّدٍ ذي رونق، فدارَتْ رَحَانا، واستدارَتْ رَحَاهُمْ بضربٍ يَرْتابُ منه المُبْطِلون. وأنتم يا أهل المَدينة، إنْ تَنْصُروا مروانَ يُسْحِتكُمُ الله بعذابِ من عنده أو بأيدينا ويَشْفِ صدورَ قومٍ مؤمنين، يا أهلَ المدينة، أوَّلُكمْ خيرُ أول، وآخِرُكم شَرُّ آخِر، يا أهلَ المدينة، الناسُ مِنَّا ونحن منهم، إلَّا مُشْرِكًا عابدَ وَثَن، أو كافرًا أهلَ كتاب، أو إمامًا جائرًا، يا أهل المدينة، مَنْ زَعَم أنَّ الله يُكَلَّفُ نفسًا فوق طاقَتِها، أو يسألها ما لم يؤتِها فهو لله عدوّ، وأنا له حَرْب، يا أهلَ المدينة، أخبِروني عن ثمانيةِ أسْهُمٍ فرَضَها الله في كتابهِ على القويِّ والضعيف، فجاءَ تاسِعٌ ليس له منها ولا سهمٌ واحد، فأخذها لنفسِهِ مُكابِرًا محارِبًا لِرَبِّه، يا أهلَ المدينة، بَلَغَني أنكم تَنْتَقِصونَ أصحابي، قلتُمْ شَبَابٌ أحداث، وأعرابٌ جُفَاةٌ أجلاف، وَيْحكم! فهل كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ إلَّا شبابًا أحداثًا؟ شُبَّانٌ والله مُكْتَهِلُون في شَبَابِهم، غَضَّةٌ عن الشرِّ أعينُهم، ثَقِيلةٌ عن السَّعْيِ في الباطل أقدامُهم، قد باعوا للهِ أنفسًا تموت، بأنفسِ لا تموت، قد خالطوا كلالَهم بكلالِهم، وقيامَ ليلِهم بصيام نهارهِم، مُنحَنِيةٌ أصلابُهم على أجزاءَ القرآن، كلَّما مرُّوا بآيِةِ خوفٍ شَهَقُوا خوفًا من النار، وإذا مرُّوا بآيةِ شَوْقٍ شَهَقوا شوقًا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انتُضيَتْ، وإلى الرَّمَاحِ قد شُرعتْ وإلى السهامِ قد فُوِّقَتْ، وأرعدَتِ الكتيبةُ بصواعقِ الموت استخفُّوا واللهِ وَعِيدَ الكتيبةِ لِوَعِيدِ الله في القرآن، ولم يستخفُّوا وَعِيدَ الله لِوَعيدِ الكتيبة، فطُوبى لهم وحسنُ مآب. فكم من عينِ في مناقيرِ الطيرِ طالما فاضَتْ في جَوْفِ الليل من خشيةِ الله؟ وطالما بكَتْ خاليةً من خوفِ الله! وكم من يدٍ زالَتْ عن مَفْصِلها طالما ضرَبَتْ في سبيل الله! وجاهدَتْ أعداءَ الله، وطالما اعتمَدَ بها صاحبُها في طاعةِ الله! أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ من تقصيري، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكَّلتُ، وإليه أُنِيب (٢). ثم روى المدائني عن العباس، عن هارون، عن جَدِّه، قال: كان أبو حمزةَ الخارجي قد أحسن

стр. 4770

السيرةَ في أهلِ المدينة، فمالوا إليه حتى سمعوهُ يقول: بَرِحَ الخَفَاء، أين عن بابِك نذهب؟ ثم قال: مَنْ زَنَا فهو كافر، ومَنْ سَرَقَ فهو كافر. فعند ذلك أبغضوهُ ورجَعُوا عن محبَّتِه، وأقام بالمدينةِ حتى بعث مروانُ الحمار عبدَ الملك بن محمد بن عَطِيَّة، أحَدَ بني سعدٍ في خيلِ أهلِ الشام أربعة آلاف، قدِ انتخَبَها مروانُ من جيشِه، وأعْطَى كل رجلٍ منهم مئةَ دينار، وفرسًا عربيَّةً، وبَغْلًا لِثَقَلِه، وأمرَهُ أنْ يُقاتِلَهُ ولا يَرْجعَ عنه، ولو لم يَلْحَقْهُ إلَّا باليمن فلْيَتْبَعْهُ إليها، ولْيُقاتِلْ نائبَ صنعاء عبدَ الله بن يحيى، فسارَ ابنُ عطيَّة حتى بلَغَ وادي القُرَى، فتلقَّاهُ أبو حمزةَ الخارجيّ قاصدًا قتالَ مروانَ بالشام، فاقتتلوا هنالكَ إلى الليل، فقال له: وَيْحَك يا ابنَ عطية، إنَّ الله قد جعلَ الليلَ سكَنًا، فأخِّرْ إلى غد. فأبى عليهِ أنْ يُقلعَ عن قتاله، فما زال يُقاتلهم حتى كسرَهم فولَّوْا، ورجع فَلُّهم إلى المدينة، فنَهَضَ إليهم أهلُ المدينة، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، ودخل ابنُ عطيةَ المدينة وقد انهزَمَ جيش أبي حمزةَ عنها، فيقال إنه أقامَ بِها شهرًا ثم استخلف عليها، ثم استخلف على مكَّة وسار إلى اليمن، فخرج إليه عبدُ الله بن يحيى نائبُ صنعاء فاقتتلا، فقَتَله ابنُ عَطِيَّةَ وبعث برأسِهِ إلى مروان، وجاء كتابُ مروانَ إليه يأمرُهُ بإقامةِ الحجِّ للناس في هذِه السنة، ويستعجلُه في المسيرِ إلى مكة، فخرجَ من صنعاءَ في اثني عشر راكبًا، وتركَ جيشَه بصنعاء ومعه خُرْج (١) فيه أربعون ألفَ دينار، فلما كان ببعضِ الطريق نزلَ مَنْزِلًا إذْ أقبل إليه أميرانِ يُقال لهما ابنا جُمانة، من ساداتِ تلك الناحية، فقالوا: وَيْحَكم! أنتم لصوص. فقال: أنا ابنُ عَطِيَّةَ وهذا كتابُ أميرِ المؤمنينَ إليَّ بإمْرَةِ الحَجّ، فنحن نُعَجِّلُ السيرَ لِنُدرِكَ المَوْسِم، فقالوا: هذا باطل، ثم حَمَلوا عليهم فقتلوا ابن عطيةَ وأصحابهُ ولم يُفلِتْ منهم إلَّا رجلٌ واحد، وأخذوا ما معَهم من المال. قال أبو معشر: وحجَّ بالناس في هذه السنة محمدُ بن عبد الملك بن مروان، وقد جُعلت إليه إمرةُ المدينةِ ومكةَ والطائفِ، ونائبُ العراق ابنُ هُبيرة، وإمرةُ خُراسان إلى نَصْرِ بن سيار، غيرَ أن أبا مسلمٍ قدِ استحوَذَ على مُدُن وقُرىً كثيرةٍ من خُراسان وكُورًا ورَسَاتِيق، وقد أرسل نصرٌ إلى ابنِ هُبيرةَ يستَمِدُّهُ ويستنجِدُهُ، ويطلبُ أن يُمِدَّهُ من عند بعشرةِ آلافٍ قبلَ أنْ لايكفيَهُ مئةُ ألف، وكتبَ أيضًا إلى مروانَ يستَمِدُّه، فكتب مروانُ إلى ابنِ هُبيرةَ يُمِدُّه بما أراد. ومِمَّنْ تُوفِّي فيها من الأعيان: شُعيب بن الحَبْحَاب. وعبدُ العزيزِ بنُ صُهيب. وعبدُ العزيزِ بنُ رُفَيع. وكعب بن علقمة.

стр. 4771

ومحمد بن المُنْكَدِر. والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومئة في المحرَّمِ منها وجَّهَ قَحْطَبَةُ بن شَبِيب ولدَهُ الحسن إلى قُومِسَ لِقِتالِ نصرِ بنِ سيَّار، وأردَفَهُ بالأمْداد، فخامَرَ بعضُهم إلى نصر، وارتحل نصرٌ فنَزلَ الرَّيّ، فأقام بها يومين، ثم مَرِضَ فسار منها إلى هَمَذَان، فلمَّا كان بسَاوَة (١)، قريبًا من هَمَذان، تُوفِّيَ لمُضِيِّ ثنتَيْ عشرةَ ليلةً خلَتْ من ربيعِ الأول من هذه السنة، عن خمسٍ وثمانينَ سنة. فلَّما ماتَ نصرٌ تمكَّنَ أبو مسلمٍ وأصحابُه من بلادِ خُراسان، وقَوِيَتْ شَوْكتُهم جدًّا، وسار قحطبةُ من جُرْجَان، وقَدِمَ أمامَهُ زيادُ بن زُرارَةَ القُشَيري، وكان قد نَدِم على اتباعِ أبي مسلم، فترك الجيش وأخذَ جماعةً معه، وسلك طريقَ أصبَهَان ليأتِيَ ابنَ ضُبَارَة، فبعثَ قحطبةُ وراءَهُ جيشًا، فقتلوا عامَّةَ أصحابِه، وأقبل قحطبةُ ورَاءَهُ، فقَدِمَ قُومِسَ وقد افتتحها ابنُهُ الحسن، فأقام بها وبعث ابنَهُ بين يديه إلى الرَّي، ثم ساق وراءَهُ فوجدَهُ قد افتتحها، فأقام بها. وكتبَ إلى أبي مسلم بذلك، وارتحلَ أبو مسلمٍ من مَرْوَ، فنَزل نَيْسابور، واستفحل أمرُه، وبعث قحطبةُ بعدَ دخولهِ الرَّي ابنَهُ الحسن بين يديه إلى هَمَذان، فلما اقتربَ منها خرجَ منها مالكُ بن أدهم وجماعةٌ من أجنادِ الشام وخُراسان، فنَزلوا نَهَاوَنْد، فافتتح الحسنُ هَمَذان، ثم سار وراءَهُم إلى نَهَاوَنْد، وبعث إليه أبوهُ بالأمداد، فحاصرَهم حتى افتتحَها. وفي هذه السنة مات عامرُ بن ضُبَارة، وكان سببُ ذلك أنَّ ابنَ هُبَيرةَ كتب إليهِ أنْ يسيرَ إلى قحطبةَ وأمَدَّهُ بالعساكر، فسار ابنُ ضُبَارةَ حتى التقى مع قحطبة، وابنُ ضُبَارةَ في مئةٍ وخمسين ألفًا، وكان يقالُ له عسكر العساكر، وقحطبة في عشرين ألفًا، فلما تواجَهَ الفريقان رفَعَ قحطبةُ وأصحابُهُ المصاحفَ ونادى المنادي: يا أهلَ الشام إنَّا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف، فشَتَموا المنادِيَ وشتموا قحطبة، فأمر قحطبةُ أصحابَهُ أنْ يحمِلوا عليهم، فلم يكنْ بينَهم كبيرُ قتال حتى انهزم أصحابُ ابنِ ضُبَارَة، واتَّبعهم أصحابُ قحطبةَ فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وقتلوا ابنَ ضُبَارةَ في العسكر [لشجاعَتِه، فإنَّه لم يُوَلِّ] (٢) وأخذوا منْ عسكرِهم ما لا يُحدُّ ولا يُوصَف.

стр. 4772

وفيها حاصرَ قحطبةُ نَهَاونْدَ حصارًا شديدًا، حتَّى سألَهُ أهلُ الشام الذين بِها أنْ يُمْهِل (١) أهلَها حتَّى يفتحوا له الباب، ففتحوا له الباب وأخذوا لهم منه أمانًا، فقال لهم مَنْ بها من أهلِ خُرَاسان: ما فعلتُمْ؟ فقالوا: أخَذْنا لنا ولكم أمانًا. فخرجوا ظانِّين أنهم في أمان، فقال قحطبةُ للأمراء الذين معه: كلُّ مَنْ حَصَل عندَه أسيرٌ من الخراسانيِّين فَلْيضرِبْ عُنقَه، وَلْيأتنَا برأسِه، ففعلوا ذلك، ولم يبقَ ممن كان هرَبَ من أبي مسلم أحدٌ. وأطلقَ الشاميِّين وأوفى لهم عَهْدَهم، وأخذَ عليهمُ الميثاق أنْ لا يُمالئوا عليه عدوًّا. ثم بعث قحطبةُ أبا عَوْن إلى شَهْرَزُور عن أمر أبي مسلم في ثلاثين ألفًا، فافتتحها وقتل نائبَها عثمانَ بن سفيان، وقيل: لم يُقتَل، بل تحوَّلَ إلى المَوْصل والجزيرة، وبعث إلى قحطبةَ بذلك، ولما بلغ مروانَ خبَرُ قحطبةَ وأبي مسلم وما وقع من أمرِهما تحوَّلَ مروانُ من حَرَّان، فنَزل بمكانٍ يُقال له الزابُ الأكبر. وفيها قصد قحطبةُ في جيشٍ كثِيف نائبَ العراق يزيدَ بن عمر بن هُبيرة، فلما اقتربَ منه تقهقر ابنُ هُبيرةَ إلى ورائه، وما زال يتقهقَرُ إلى أنْ جاوز الفُرَات، وجاء قحطبةُ فجازها وراءَه، وكان من أمرِهما ما سنذكرُهُ في السنةِ الآتيةِ إنْ شاءَ اللَّه تعالى. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومئة في المحرَّمِ منها جاز قحطبة بنُ شَبِيب الفرات، ومعه الجنودُ والفرسان، وابنُ هُبيرةَ مُخيِّمٌ على فَمِ الفرات مما يلي الفَلُّوجَة (٢) في خلقٍ كثير، وجَمٍّ غَفِير، وقد أمِدَّ مروان بجنودٍ كثيرة، وانضاف إليه كلُّ مَنِ انهزَمَ من جيشِ ابن ضُبَارة، ثم إنَّ قحطبةَ عدَلَ إلى الكوفةِ ليأخذَها، فاتبعهُ ابنُ هُبيرةَ، فلما كانتْ ليلةُ الأربعاء لثمانٍ مضَيْنَ من المحرم اقتتلوا قتالًا شديدًا، وكَثُرَ القتلُ في الفريقَيْن، ثم ولَّى أهلُ الشامِ مُنْهَزِمين، واتبعهم أهلُ خُراسان، وفُقد قحطبةُ من الناس، فأخبرهم رجلٌ أنه قُتلَ وأوصى أنْ يكونَ أميرَ الناسِ من بعده ولدُهُ الحسنُ حاضرًا عند الجيش، فبايعوا حُمَيد بن قحطبةَ لأخيهِ الحسن، وذهبَ البريدُ إلى الحسن ليحضُر، وقُتل في هذه الليلةِ جماعةٌ من الأمراء، والذي قتلَ قحطبةَ مَعْنُ بن زائدة ويحيى بنُ حصين، وقيل: بل قتلَهُ رجلٌ ممن كان معه آخذًا بثأرِ ابني نصرِ بن سيَّار، فاللّه أعلم، ووُجدَ قحطبةُ في القتلى، فدُفن هنالك.

стр. 4773

وجاءَ الحسَنُ بنُ قحطبةَ فسار نحو الكوفة، وقد خرج بها محمدُ بن خالد بن عبد الله القَسْري، ودعا إلى بني العباسِ وسَوَّد، وكان خروجُهُ ليلةَ عاشوراء المحرم من هذه السنة، وأخرج عامِلَها من جهةِ ابنِ هُبيرةَ وهو زيادُ بن صالح الحارثي، وتحول محمد بن خالد إلى قَصْرِ الإمارة، فقصد حَوْثَرَةَ في عشرين ألفًا من جهةِ ابنِ هُبيرة، فلما اقترب من الكوفة أصحابُ حَوْثرَة يذهبون إلى محمد بن خالد، فيبايعونه لبني العباس، فلما رأى حوثرةُ ذلك ارتحل إلى واسط. ويقال: بل دخل الحسنُ بن قحطبةَ الكوفة، وكان قحطبةُ قد جعل وصيَّته أنْ تكونْ وزارةُ الخلافةِ إلى أبي سلمةَ حفصِ بنِ سليمان مولى السَّبِيع الكوفي الخلَّال، وهو بالكوفة، فلمَّا قَدِموا عليه أشار إلى أن يذهب الحسنُ بن قحطبةَ في جماعةٍ من الأمراء إلى قتالِ ابنِ هُبيرة بِوَاسِط، وأنْ يذهبَ أخوهُ إلى المدائن، وبعثَ البعوثَ إلى كلِّ جانبٍ يفتتحونَها، وفتحوا البصرة، افتتحها مسلمُ بن قُتيبة لابنِ هُبيرة، فلما قُتل ابنُ هُبيرةَ جاء أبو مالك عبدُ الله بنُ أسيد الخُزَاعي، فأخذ البصرة لأبي مسلم الخُراسانى (١). وفي هذه السنة ليلة الجمعة لثلاثَ عشرةَ خلَتْ من ربيعِ الآخر أُخذتِ البيعةُ لأبي العباس السفَّاح، وهو عبدُ الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. قاله أبو معشر وهشام الكلبي. وقال الواقدي: في جُمَادَى الأولى من هذه السنة، فالله أعلم. ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام وقد ذكرنا في سنةِ تسع وعشرين ومئة، أنَّ مروانَ اطَّلَعَ على كتابٍ من إبراهيمَ الإمام إلى أبي مسلم الخراساني يأمرُهُ فيه بأن لا يُبْقِي أحدًا بأرضِ خُراسانَ مِمَّنْ يتكلمُ بالعربيةِ إِلَّا أبادَ (٢)، فلما وقف مروانُ على ذلك سأل عن إبراهيمَ فقيل له: هو في البَلْقاء، فكَتَبَ إلى نائبِ دمشقَ أنْ يحضُر، فبعث نائبُ دمشق بريدًا ومعَهُ صِفَتُه ونَعْتُه، فذهب الرسولُ فوجد أخاهُ أبا العباس السفَّاحَ، فاعتقَدَ أنَهُ هو، فأخذَهُ، فقيل له: إنه ليس به، وإنما هو أخوه. فدُلَّ على إبراهيم، فأخذَهُ وذهبَ معَهُ بأمِّ وَلَدٍ كان يُحِبُّها، وأوصَى إلى أهلهِ أنْ يكونَ الخليفةَ من بعدِهِ أخوهُ أبو العباس، وأمرَهم بالمسيرِ إلى الكوفة، فارتحلوا من يومِهم (٣) إليها، وكانوا جماعةً، منهم أعمامُه الستة، وهم: عبدُ الله، وداودُ، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبدُ الصمد بنو علي، وأخواه أبو العباس عبد الله السفاح، ويحيى ابنا محمد بن علي، وابناه محمد وعبد الوهاب ابنا إبراهيم الإمام الممسوك، وخَلْقٌ سِواهم، فلمَّا دخلوا الكوفة أنزَلَهم أبو سلمة الخلَّال

стр. 4774

دارَ الوليدِ بن سعد مولى بني هاشم، وكَتَم أمرَهم نحوًا من أربعين ليلةً من القُوَّاد والأمراء، ثم ارتحلَ بِهم إلى موضعٍ آخر، ثم لم يزَلْ يَنقُلُهم من مكانٍ إلى مكان، حتَّى فُتحت البلاد، ثم بُويع للسَّفَّاح. وأما إبراهيمُ بن محمد الإمام فإنَّه سِيرَ به إلى أميرِ المؤمنينَ في ذلك الزمان مروانَ بنِ محمد، وهو بِحَرَّان، فحبسَه - كما قدَّمنا (١) - وما زال في السِّجْن إلى هذهِ السنة، فمات في صفر منها في السِّجن عن ثمانٍ وأربعينَ سنة، وقيل: إنه نجُمَّ بِمِرْفَقَةٍ (٢) وُضِعتْ على وجههِ حتَّى ماتَ عن إحدى وخمسين سنةً، وصلَّى عليهِ رجلٌ يُقال له بُهْلول بن صفوان، وقيل: إنه هُدِمَ عليه بيتٌ حتَّى مات، وقيل: بل سُقِيَ لبنًا مسمومًا فمات، وقيل: إنَّ إبراهيم الإمام شَهِدَ الموسم عامَ إحدى وثلاثين، واشتهَرَ أمرُه هنالك، لأنَّهُ وقف في أُبَّهَةٍ عظيمة، ونَجَائب كثيرة، وحُرْمَةٍ وافرة، فأُنْهِي أمره إلى مروان، وقيل له: إنَّ أبا مسلمٍ يَدْعو الناسَ إلى هذا، ويسمُّونَهُ الخليفة، فبعثَ إليه في المحرَّم من سنةِ ثنثين وثلاثين، وقله في صفر من هذه السنة. وهذا أصَحُ مِمَّا تقدَّم وقيل: إنما أخذَهُ من الكوفةِ لا من حُمَيْمَةِ البلقاء، واللّه أعلم. وقد كان إبراهيمُ هذا كريمًا وجوادًا، له فضائلُ وفواضل. وروَى الحديثَ عن أبيه، عن جَدِّه، وأبي هاشم عبدِ اللَّه بن محمد بنِ الحنَفِيَّة. وعنه أخواه عبدُ اللَّه السفاح، وأبو جعفر عبدُ الله المنصور، وأبو سلَمَة عبدُ الرحمن بن مسلم الخُراساني، ومالك بن هاشم. ومن كلامِهِ الحسَنِ: الكاملُ المروءة منْ أحرَزَ دِينَه، ووَصَلَ رَحِمَه، واجتنبَ ما يُلامُ عليه. خِلافةُ أبي العباس السَّفَّاح لما بلَغَ أهلَ الكوفةِ مقتَلُ إبراهيمَ بن محمد أراد أبو سَلَمةَ الخلَّال أنْ يحَوِّلَ الخِلافةَ إلى آلِ علي بنِ أبي طالب، فغلَبَهُ بقيَّةُ النُقَبَاء والأمراء، وأحضروا أبا العباس السفَّاح، وسلَّمُوا عليهِ بالخِلافة، وذلك بالكوفة، وكان عمرُهُ إذ ذاك سِتًّا وعشرين سنةً. وكان أولَ مَنْ سَلَّمَ عليه بالخِلافة أبو سلمةَ الخَلَّال، وذلك ليلةَ الجُمعة، لثلاثَ عشرةَ ليلة خلَتْ من ربيع الآخر من هذه السنة، فلما كان وقتُ صلاةِ الجُمعة خرَجَ السفاحُ على بِرْذَوْنٍ أبْلَق، والجنودُ مُلبَسَةٌ معه، حتَّى دخل دارَ الإمارة، ثم خرج إلى المسجدِ الجامع، وصلى بالناس ثم صَعِدَ المِنبَر، وبايَعَهُ الناسُ وهو على المِنْبَرِ في أعلاه، وعَمُّهُ داودُ بن علي واقفٌ دونَهُ بثلاث درج، وتكلَّمَ السفَّاحُ وكان أوَّلَ ما نطَقَ به أنْ قال: الحمدُ للّهِ الذي اصطَفَى لنفسهِ دِينًا، وكرَّمَهُ وشرَّفَهُ وعَظَمَهُ، واختارَهُ لنا، وأيَّدَهُ بنا، وجعلَنَا أهلَهُ وكَهْفَه، والقُوَّامَ به، والذَّابِّينَ عنه،

стр. 4775

والناصرينَ له، وألزمَنَا كلمةَ التقوَى، وجعلنَا أحقَّ بِها وأهلَها، خَصَّنا بِرَحِمِ رسول اللَّه ﷺ وقَرَابتَه، ووضَعَنا بالإسلامِ وأهلِهِ في المَوْضِع الرَّفِيع، وأنزلَ بذلك على أهلِ الإسلام كتابًا يُتلَى عليهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] وقل: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]. وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر: ٧]، الآية. فأعلمهم فضلنَا وأوجَبَ عليهم حقَّنا ومودَّتنا، وأجزل من الفَيْءَ والغَنِيمةِ نصيبنَا. تكرِمَةً لنا، وتَفْضِلَة (١) علينا، واللّه ذو الفضلِ العظيم، وزعمتِ السَّبَئيَّة الضُّلَّال أنَّ غيرَنا أحَقُّ بالرياسةِ والسِّياسةِ والخلافةِ منَّا، فشاهتْ وجوهُهم. أيُها الناس! بنا هَدَى اللَّه الناسَ بعدَ ضلالَتِهم ونصرَهم بعد جهالَتِهم، وأنقذَهُم بعد هَلَكَتِهم وأظهرَ بنا الحق وأدْحَضَ بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدًا ورفَعَ بنا الخسيسة، وأتمَّ النَّقِيصة، وجمع الفُرْقة، حتَّى عاد الناسُ بعد العداوةِ أهل تَعاطُفٍ وبِرٍّ ومواساةٍ في دنياهم، وإخوانًا على سُرُرٍ متقابِلِين في أخرَاهم، فتَحَ اللّهُ علينا ذلك مِنَةً ومِنْحَة بمحمدٍ ﷺ ، فلما قبَضَهُ إليه قام بذلك الأمرَ بعدَهُ أصحابُه، وأمْرُهُمْ شُورى بينهم، فحوَوْا مَوَاريثَ الأُمَم، فعدَّلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصًا منها، ثم وثب بنو حربٍ ومروان، فابتزوها لأنفسهم، وتداوَلوها، فجاروا فيها واستأثروا بها، وظلموا أهلَها، فأملى الله لهم ح ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، فانتزع منهم ما بأيديهمْ بأيدينا، وردَّ الله علينا حَقَّنا، وتدارَكَ بنا أُمَّتنا، وتولَّى أمرَنا والقيامَ بنصرِنا لِيَمُنَّ بنا على الذين استُضْعِفُوا في الأرض، وختَمَ بنا كما افتتح بنا. وإنِّي لأرجو أنْ لا يأتيَكُم الجَوْرُ من حيثُ جاءكمُ الخير، ولا الفسادُ من حيثُ جاءكمُ الصلاح، وما توفيقُنا أهلَ البيتِ إلَّا باللّه، يا أهلَ الكوفة، أنتم مَحَلُّ مَحبَّتنَا، ومَنْزِلُ مودَّتِنا، وأنتم أسعدُ الناسِ بنا، وأكرمُهم علينا؛ وقد زِدْتُكُمْ في أُعطياتِكم مئةَ دِرْهم، فاستعدُّوا، فأنا السَّفَّاحُ الهائج، والثائرُ الْمُبير. وكان به وَعْك، فاشتدَّ عليه حتَّى جلس على المنبر، ونهَضَ عمُّه داود فقال: الحمدُ للّه شكرًا، الذي أهلَكَ عدوَّنا، وأصارَ إلينا مِيراثنا من بيتنا. أيها الناس، الآنَ انقشعَتْ حَنَادسُ الظلماتِ وانكشف غِطَاؤها، وأشرقَتْ أرضُها وسماؤها، فطلعتْ شمسُ الخِلافةِ مِنْ مَطْلعها، وبَزَغَ القمرُ من مَبْزَغِه، ورجَعَ الحقُّ إلى نصابِه، في أهلِ نبيِّكُمْ، أهلِ الرأفةِ والرحمةِ والعَطْف، عليكم أيُّها الناس، إنَّا واللّهِ ما خرَجْنا لهذا الأمر، لِنَكْنزَ لُجَيْنًا ولا عِقْيَانًا، ولا لِنحفِرَ نَهْرًا ولا لِنَبْنيَ قصرًا، ولا لنجمعَ ذهبًا ولا فِضَّة، وإنما أخرجَتْنا الأنَفَةُ من انتزَاعِ حَقِّنا، والغضَب لبني عَمِّنا، ولِسُوء سيرةِ بني أميةَ فيكم،

стр. 4776

واستذلالِهم لكم، واستئثارِهِم بفَيْئكمْ وصدَقَاتِكم؛ فلكُمْ علينا ذِمَّةُ اللّهِ وذمَّةُ رسولِه، وذمَّةُ العباس أنْ نحكمَ فيكم بما أنزل اللَّه، ونعملَ بكتاب اللَّه، ونسيرَ في العامَّةِ والخاصَّةِ بسيرةِ رسولِ اللَّه. تَبًّا تَبًّا لبني أميةَ وبني مروان، آثروا العاجلةَ على الآجِلة، والدارَ الفانيةَ على الدارِ الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وارتكبوا المحارِم، وغَشُوا الجرائم، وجاروا في سيرَتِهم في العباد، وسُنَّتِهم في البلادِ التي بها استلذُّوا تسَرْبُلَ الأوزار، وتجَلْبُبَ الآصار، ومرَحُوا في أعِنَّةِ المعاصي، وركضوا في ميادين الغي، جهلًا منهم باستدراجِ اللَّه، وعُميًا عن أخذِ اللَّه، وأمنًا لِمَكْرِ اللَّه، فأتاهم بأسُ اللَّه بياتًا وهُمْ نائمون، فأصبحوا أحاديثَ ومُزِّقوا كلَّ مُمَزَّق؛ فبُعدًا للقوم الظالمين، وأدالنَا اللّهُ من مروان (١)، وقد غَرَّهُ باللّهِ الغَرور، أرسلَ عدوُّ اللَّه في عِنَانه، حتَّى عَثَرَ جوادُهُ في فَضْلِ خِطَامِه، أظنَّ عدوُّ الله أنْ لن يَقِدرَ عليه أحَد؛ فنادَى حزبَه، وجمعَ مكايدَة (٢)، ورمَى بكتائبه (٣)، فوجَدَ أمامَهُ ووراءَهُ وعن يمينِه وعن شمَالِه، ومن فوقِهِ ومن تحتِه من مكرِ اللَّه وبأسِهِ ونِقمتِه ما أماتَ باطلَه، ومَحَق ضلالَه، وأحلَّ دائرَةَ السَّوْءَ به، وأحيا شرفَنا وعزَّنا، وردَّ إلينا حقَّنا وإرْثَنا. أيُّها الناس، إنَّ أميرَ المؤمنين نصرَهُ اللَّه نصرًا عزيزًا، إنما غادَ إلى المنبرِ بعدَ صلاةِ الجمعة لأنه كَرِه أن يخلِطَ بكلامِ الجُمعةِ غيرَه، وإنما قطعَهُ عن استتمامِ الكلام شدَّةُ الوَعْك، فادْعوا اللّهَ لأميرِ المؤمنين بالعافية، فقد أبَدَلَكم الله بمروانَ عدوِّ الرحمن، وخليفةِ الشيطان، المتَّبعِ للسِّفْلَةِ الذين يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون، المتوكِّلَ على اللَّه، المقتدي بالأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرضَ بعدَ فسادِها بمعالمِ الهدى ومناهجِ التَّقوى. قال: فعَجَّ الناسُ له بالدُّعاءَ ثم قال: واعلموا يا أهل الكوفةِ، أنه لم يصعَدْ مِنبرَكم هذا خليفةٌ بعد رسولِ اللَّه ﷺ إلَّا أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب وأميرُ المؤمنين هذا - وأشارَ بيده إلى السفَّاح - واعلموا أنَّ هذا الأمرَ فينا ليس بخارجٍ عنا حتَّى نُسْلِمَهُ إلى عيسى ابن مريم ﵇ والحمدُ للّه ربّ العالمين على ما أبلانا وأولانا (٤). ثم نزل أبو العباس وداود حتَّى دخلا القصر، ثم دخلَ الناسُ يُبايعون إلى العَصْر، ثم من بعدِ العصر إلى الليل، ثم إنَّ أبا العباس خرج فعسكَرَ بظاهرِ الكوفة، واستخلَفَ عليها عمَّهُ داود بن علي، وبعث عمَّه عبدَ اللَّه بنَ علي إلى ابنِ عَوْن بن أبي يزيد، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسنِ بن قَحْطَبة، وهو يومئذٍ بواسط يُحاصرُ ابنَ هُبيرة، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس إلى حُميد بن قَحْطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز، وبعث سلمةَ بنَ عمرو بن عثمان إلى مالِكِ بنِ الطواف، وأقام هو بالعسكر أشهرًا؛ ثم ارتحل

стр. 4777

فنزل المدينةَ الهاشميةَ في قصرِ الإمارة وقد تنكَّر لأبي سلمةَ الخلَّال، وذلك لمَا كان بلَغَهُ عنه من العُدول بالخلافة عن ابن عباس إلى آلِ عليِّ بن أبي طالب؛ واللّه أعلم. ذكرُ مَقْتَلِ مروانَ بنِ محمد بن مروان آخرِ خلفاء بني أمية، وتحوُّل الخلافةِ إلى بني العباس. وذلك من قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٤٧] وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْك﴾ [آل عمران: ٢٦] الآية، وقد ذكَرْنا أنَّ مروان لَمَّا بلغَهُ خبرُ أبي مسلم وأتباعِه، وما جرَى بأرضِ خُراسان تحوَّلَ من حَرَّان، فنزل على نهرٍ قريبٍ من المَوْصل يقالُ له الزَّاب من أرضِ الجزيرة، ثم أبلغَهُ أنَّ السفَّاحَ قد بُويع له بالكوفة، والتفَّ عليه الجنود، واجتمع له أمرُه اشتدَّ عليه ذلك جدًّا، وجمع جنودَهُ، فتقدَّم إليه أبو عَون بن أبي يزيد في جيشٍ كثيف وهو أحدُ أمراص السفَّاح، فنازلهُ على الزَّاب، وجاءتْه الأمدادُ من جهةِ السفَّاح، ثم ندَبَ السفاحُ الناسَ ممن يلي القتال من أهل بيتِه، فانتدَبَ له عبدَ اللَّه بن علي، فقال: سِرْ على بركةِ الله. فسار في جنوب كثيرة، فقَدِم على أبي عَوْن، فتحوَّل له أبو عَون عن سُرَادِقِه، وخلَّاه لَهُ وما فيه؛ وجعل عبدُ اللَّه بن علي على شُرْطَتِه حَيَّاشَ بنَ حبيب الطائي، ونَصيرَ بن الْمُحْتَفِز، ووجَّه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلًا على البريد إلى عبدِ الله بن علي، يحُثُّهُ على مناجزَةِ مروان، والمبادرةِ إلى قتالهِ ونِزالِهِ قبلَ أن تحدُثَ أمورٌ، وتبردَ نيرانُ الحرب. فتقدَّمَ عبدُ الله بن علي بجنودِه حتَّى واجه جيشَ مروان، ونهض مروانُ في جنودِه، وتصافَّ الفريقانِ في أول النهار. ويقال إنه كان مع مروان يومئذِ مئةُ ألفٍ وخمسون ألفًا. ويقال: مئةٌ وعشرون ألفًا. وكان عبدُ اللَّه بن علي في عشرين ألفًا، فقال مروانُ لعبدِ العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إنْ زالتِ الشمسُ يومئذٍ ولم يقاتلونا كنَّا نحنُ الذين ندفَعُها إلى عيسى ابنِ مريم، وإنْ قاتلونا قبل الزوال فإنَّا للّه وإنَا إليه راجعون. ثم أرسل مروانُ إلى عبدِ اللَّه بن علي يسألُهُ المُوادَعةَ. فقال عبدُ اللَّه: كذَبَ ابنُ زُرَيق، لا تزولُ الشمسُ حتَّى أوطئَهُ الخيلَ إِن شاء الله. وكان ذلك يوم السبت لإحدى عشرةَ ليلةً خلَتْ من جُمادى الآخرة من هذه السنة، فقال مروان لأهلِ الشام: قفوا، لا تبتدئوهُمْ بقتال. وجعل ينظرُ إلى الشمس، فخالفهُ الوليدُ بن معاويةَ بنِ مروان - وهو خَتنُ مروانَ على ابنتِه - فحمَل، فغَضِبَ مروانُ فشتمَه فقاتَلَ أهلُ الميمنة، فانحاز أبو عون إلى عبدِ اللَّه بنِ علي، فقاتل موسى بن كعب لعبدِ اللَّه بن علي، فأمر الناسَ فنَزلوا، ونُودي: الأرضَ الأرض. فنَزلوا وأشرعوا الرماحَ وجثَوْا على الرُّكَب، وقاتلوهم، وجعل أهلُ الشامِ يتأخَّرون، كأنما يُدفعون، وجعل عبدُ اللَّه يمشي قُدُمًا، وجعل يقول: يا ربّ، حتَّى متى نُقتلُ فيك؛ ونادَى: يا أهلَ خُراسان، يا ثاراتِ إبراهيمَ الأمام، يا محمد، يا منصور. واشتدَّ القتالُ جدًّا بين

стр. 4778

الناس، فلا تَسْمعُ إلَّا وقعًا كالمرازب (١) على النحاس، فأرسل مروانُ إلى قُضاعةَ يأمرُهم بالنُّزول، فقالوا: قُلْ لبني سُليم فَلْيَنزلوا. وأرسلَ إلى السَّكَاسِكِ أن احْمِلوا، فقالوا: قُلْ لبني عامرٍ أنْ يحملوا. فأرسل إلى السَّكونِ أن احْمِلوا، فقالوا: قُلْ إلى غَطَفانَ فَلْيحملوا. فقال لصاحبِ شُرْطتِه: انزِلْ. فقال: لا واللّهِ لا أجعلُ نفسي غَرَضًا. قال: أمَا واللّهِ لأسوءَنَّك. قال: وَدِدْتُ لو قدَرْت على ذلك. ويُقال: إنه قال ذلك لابنِ هُبَيرة. قالوا: ثم انهزَمَ أهلُ الشام، واتبعَتْهُمْ أهلُ خُرَاسانَ في أدبارِهم يقتلون ويأسِرون، وكان منْ غَرِقَ من أهل الشَّام أكثَر ممَّنْ قُتل؛ وكان في جُملةِ منْ غَرِق إبراهيمُ بن الوليد بن عبدِ الملك المخلوع، وقد أمرَ عبدُ اللَّه بنُ علي بعَقْدِ الجِسْر، واستخرَجَ منْ غَرِف في الماء، وجعلَ يتلو قولهُ تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠] وأقام عبدُ اللَّه بن علي في موضعِ المعركهَ سبعةَ أيام، وقد قال رجلٌ من ولَدِ سعيدِ بنِ العاص في مروانَ وفِرَاره يومئذٍ: لَجَّ الفِرَارُ بمروانٍ فقلتُ لهُ .... عادَ الظَّلُومُ ظَليمًا همُّهُ الهَرَبُ أين الفِرَارُ وتَرْكُ الملكِ إذْ ذهبَتْ ..... عنك الهُوَيْنا فلا دينٌ ولا حسَبُ فراشة الحِلْم فِرْعون العقاب وإنْ ..... تطلبْ نَدَاهُ فكلبٌ دونَهُ كَلَب (٢) واحتاز عبدُ الله ما في مُعَسْكرِ مروان من الأموالِ والأمتعةِ والحواصل، ولم يجد فيه امرأةً سوى جاريةٍ كانتْ لعبدِ الله بن مروان. وكتب إلى أبي العباس السفاح بما فتحَ اللَّه عليه من النصر، وما حَصَلَ لهم من الأموال، فصلَّى السفَّاحُ ركعتَيْنِ شكرًا للهِ ، وأطلقَ لكلِّ من حضرَ الوقعة خمسَ مئةٍ خمسَ مئة، ورفعَ في أرزاقِهم إلى ثمانين، وجعل يَتْلو قوله: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. الآية. صِعفَةُ مَقْتلِ مَرْوان الحمار ويقال له الجَعْدي، لأنه تأدَّب على الجَعْدِ بنِ درهم، وهو آخرُ خلفاء بني أمية: لَمَّا انهزمَ مروانُ سارَ لا يَلْوي على أحد، فأقامَ عبدُ اللَّه بن علي في مكانِ المعركةِ سبعةَ أيام، ثم سار خلفَهُ بمنْ معَهُ من الجنود، وذلك عن أمرِ السَّفَّاح له بذلك، فلمَّا مَرَّ مروانُ بحَرَّانَ اجتازَها، وأخرجَ أبا محمدٍ السفيانيَّ من سِجنِه، واستخلف عليها أبانَ بنَ يزيد - وهو ابنُ أُختِه وزوجُ ابنتِه أم عثمان - فلمَّا قَدِمَ عبدُ الله على حَرَّان خرَجَ إليه أبانُ بنُ يزيد مُسودًا فأمَّنَه عبدُ الله بن علي، وأقرَّهُ على عملِه، وهدَمَ الدارَ التي سُجنَ فيها إبراهيم الإمام، واجتازَ مروانُ قِنَّسرِينَ قاصدًا حِمص، فلمَّا جاءها خرج إليه أهلُها

стр. 4779

بالأسواق والمعايش (١)، فأقام بها يومَيْنِ أو ثلاثة، ثم شَخَصَ منها، فلمَّا رأى أهلُ حمصَ قلَّةَ منْ معَه اتَّبَعوهُ لِيَقتُلوه، طمعًا فيه وقالوا: مَرْعُوبٌ مهزوم. فأدركوهُ بوَادٍ عندَ حِمْص، فأكمَنَ لهم أميرَيْن، فلما تلاحقوا بِمَرْوان عَطَفَ عليهم فأنشَدَهُمْ أنْ يَرْجِعوا، فأبَوا إلَّا مقاتَلَته، فثارَ القتالُ بينهم وثارَ الكَمينان من ورائهم، فانهزم الحِمْصيُّون، وجاء مروانُ إلى دمشق وعلى نيابتِها من جهتِه زوجُ ابنتِهِ الوليدُ بن معاويةَ بنِ مروان، فترَكهُ بها واجتاز عنها قاصدًا إلى الديارِ المِصْريَّة، وجعل عبدُ اللَّه بنُ علي لا يَمرُّ ببلدٍ إِلَّا خرجوا إليه وقد سوَّدُوا، فيُبايعونه ويعطيهمُ الأمان، ولما وصل إلى قِنَّسْرينَ وصل إليه أخوهُ عبدُ الصمد بنُ علي في أربعةِ آلاف، وفد بعثهمُ السفاح مددًا له؛ ثم سار عبدُ اللَّه حتَّى أتى حمصَ، ثم سار منها إلى بَعْلَبَكّ، ثم منها حتَّى أتى دمشق من ناحيةِ الْمِزَّة، فنزل بها يومين أو ثلاثة، ثم وصل إليه أخوه صالح بن علي في ثمانية آلاف مددًا من السفاح، فنزل صالحٌ بِمَرْجِ عَذْراء، ولما جاء عبدُ اللَّه بنُ علي دمشقَ نزلَ على البابِ الشرقي، ونزَلَ صالحٌ أخوه على بابِ الجابية، ونزل أبو عَوْن على بابِ كَيْسان، على الباب الصَّغِير، وحُمَيْد بن قَحْطَبة على باب تُوما. وعبدُ الصمد وَيحيى بنُ صفوان والعباسُ بن يزيد على باب الفراديس، فحاصرَها أيامًا ثم افتتَحَها يومَ الأربعاء لعشرٍ خلَوْنَ من رمضان هذه السَّنَة، فقتَلَ مِنْ أهلها خلفًا كثيرًا وأباحَها ثلاثَ ساعاتٍ وهَدَمَ سُورَها. ويُقال إنَّ أهلَ دمشقَ لما حاصرهم عبدُ اللَّه اختلفوا فيما بينهم ما بين عباسيٍّ وأُمويّ، فاقتتلوا، فقتَلَ بعضُهم بعضًا، وقتلوا نائبَهم، ثم سلَّموا البلد، وكان أولَ منْ صَعِدَ السُّور من ناحيةِ البابِ الشرقي رجلٌ يُقال له عبدُ الله الطائي، ومن ناحيةِ البابِ الصغير بسَّامُ بن إبراهيم. ثم أُبيحَتْ دمشقُ ثلاثَ ساعاتٍ حتَّى قيل: إنه قُتل بِها في هذه المُدَّة نحوٌ من خمسين ألفًا. وذكر ابنُ عساكر في ترجمة عبيد بن الحسن الأعرج (٢) من ولدِ جعفر بن أبي طالب، وكان أميرًا على خمسةِ آلافٍ مع عبد اللَّه بن علي في حصارِ دمشق، أنَّهم أقاموا محاصريها خمسةَ أشهر، وقيل مئةَ يوم، وقيل شهرًا ونصفًا، وأنَّ البلد كان قد حصَّنهُ نائبُ مروان تحصينًا عظيمًا، ولكن اختلف أهلُها فيما بينهم بسبب اليمانية والمُضَريَّة؛ وكان ذلك بسبب الفتح، حتَّى إنهم جعلوا في كلِّ مسجدٍ مِحْرابَيْن للقِبْلَتَيْن، حتَّى في المسجدِ الجامع منبرَيْن، وإمامَينِ يَخطُبانِ يومَ الجُمعة على المنبرَيْن. وهذا من عَجيبِ ما وقَع، وغَريب ما اتّفق، وفَظيعِ ما أُحدث بسبب الفتنة والهوى والعصبية نسأل الله السلامة والعافية. وقد بسط ذلك ابنُ عساكر في هذه الترجمة المذكور (٣).

стр. 4780

وذكر ﵀ في ترجمة محمد بن سليمان بن عبد اللَّه النَّوفَليّ قال (١): كنتُ مع عبدِ الله بن عليّ أولَ ما دخل دمشق، دخلها بالسيف، وأباح القتلَ فيها ثلاثَ ساعات، وجعل جامعَها سبعينَ يومًا إسطبلًا لدوابِّه وجمَاله، ثم نَبشَ قبورَ بني أمية، فلم يَجدْ في قبرِ مُعاوية إلَّا خيطًا أسودَ مثلَ الهَبَاء، ونَبشَ قبرَ عبدِ الملك بنِ مروان، فوجَدَ جُمْجُمتَه، وكان يجدُ في القبر العُضْوَ بعدَ العُضو، إلَّا هشامَ بنَ عبدِ الملك فإنَّه وجدَهُ صحيحًا لم يَبْلَ منه غيرُ أرنبةِ أنفِه، فضَرَبه بالسِّيَاطِ وهو ميت، وصلَبَهُ أيامًا ثم أحرَقَهُ ودَقَّ رمادَهُ ثم ذرَّهُ في الرّيح، وذلك أنَّ هشامًا كان قد ضرَبَ أخاهُ محمد بن عليٍّ حينَ كان قد اتُّهم بقتلِ ولدٍ له صغير سبعَ مئةِ سَوْط ثم نَفَاهُ إلى الحُمَيْمةِ بالبَلْقاء (٢). قال: ثم تتبعَّ عبدُ اللَّه بن علي بني أمية من أولادِ الخلفاءَ وغيرِهم، فقتَل منهم في يومٍ واحدٍ اثنينِ وتسعين ألفًا عندَ نهرٍ بالرَّمْلة، وبسَطَ عليهمُ الأنطاع، ومدَّ عليهم سماطًا، فأكلَ وهم يَختلجون تحتَه. وهذا من الجَبَروتِ والظُّلم الذي يُجازيهِ اللَّه عليه؛ وقد مَضى ولم يَدُمْ لهُ ما أرادَهُ ورَجاه - كما سيأتي في ترجمته - وأرسل امرأةَ هشامِ بنِ عبدِ الملك وهي عبدةُ بنت عبد اللَّه بن يزيدَ بنِ معاوية، صاحبةُ الخال مع نفرٍ من الخُراسانيَّة إلى البرِّيَّة ماشيةً حافية حاسرةً [عن وَجْهها وجسدها وثيابها]، أتَوْا بها ثم قتلوها، ثم أُحرق ما وُجِدَ منْ عَظْم ميتٍ منهم، وأقام بها عبدُ اللَّه خمسةَ عشر يومًا. وقد استدَعى بالأوزاعي، فأُوقفَ بين يديه، فقال له: يا أبا عمرو، ما تقولُ في هذا الذي صنعناه؟ قال: فقلتُ له لا أدري، غيرَ أنه قد حدَّثني يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّما الأعمالُ بالنيات" .. فذكر الحديث. قال الأوزاعي: وانتظرتُ رأسيَ أنْ يسقُطَ بين رِجْليّ، ثم أُخرجتُ، وبَعَث لي بمئةِ دينار، ثم سارَ وراءَ مروان، فنزل على نَهرِ الكُسوة (٣) ووجَّه يحيى بن جعفر الهاشميَّ نائبًا على دمشق، ثم سار وارتحلَ إلى الأُرْدُنّ، فأتَوْه وقد سَوَّدوا. ثم سار إلى بَيْسان، ثم سار فنَزل مَرْج الرُّوم، ثم أتَى نَهْرَ أبي فُطْرُس (٤)

стр. 4781

فوجد مروانَ قد هرَب، فدخل مصرَ وجاءَهُ كتابُ السَّفَّاح ابعثْ صالحَ بنَ عليٍّ في طلَبِ مَرْوان، وأقِمْ أنتَ في الشام نائبًا عليها، فسار صالحُ بن عليٍّ يطلبُ مروانَ في ذي القَعْدةِ من هذه السنة ومعه أبو عَوْن وعامر بن إسماعيل، فَنزلَ على ساحلِ البحر، وجَمع ما هناك من السُّفُن، وبلغَهُ أن مروانَ قد نَزلَ الفَرَما (١) وقيل الفَيُّوم، فجعلَ يسيرُ على الساحل والسُّفُنُ تُقادُ معه في البحر حتَّى أتى العَريش، ثم سار حتَّى نزلَ على النِّيل، ثم سار إلى الصَّعِيد، فعبرَ مروانُ النِّيل، وقطعَ الجِسرَ، وحرق ما حَوْلَهُ من العَلَفِ والطعام، ومَضَى صالحٌ في طَلَبه فالتقَى بخيل لِمروان، فهزَمَهم، ثم جعل كلَّما التَقَوْا مع خيل لِمروانَ يَهْزمُونَهم حتَّى سألوا بعضَ منْ أسرُوا عن مروان، فدلُّوهم عليه، وإذا به في كَنِيسَةِ بُوصير (٢) فوافَوْهُ من آخرِ الليل، فانهزم منْ معهُ من الجُند، وخرج إليهم مروانُ في نَفَر يَسيرٍ معَه، فأحاطوا به حتَّى قتلوهُ، طَعَنهُ رجلٌ من أهلِ البصرةِ يُقالُ له مُعَوِّذ ولا يَعرِفُه، حتَّى قال رجلٌ: صُرع أمير المؤمنين. فابتدرَهُ رجلٌ من أهلِ الكوفة كان يَبيع الرمان، فاحتزَّ رأسَه، فبعث به عامر بن إسماعيل أمير هذه السريَّة إلى أبي عَوْن، فبعث به أبو عون إلى صالح بن علي، فبعث به صالح مع رجل يقال له خُزيمة بن يزيد بن هانئ، كان على شرطته لأميرِ المؤمنين السفَّاح. وكان مقتلُ مروانَ يومَ الأحد لثلاثٍ بَقينَ من ذي الحجَّة، وقيل يوم الخميس لستٍّ مَضَيْنَ منها سنةَ ثِنتَيْنِ وثلاثين ومئة، وكانت خلافتُه خمسَ سِنين وعشرةَ أشهر وعشبرةَ أيام على المشهور. واختلفوا في سنه، فقيل أربعون سنة، وقيل ست، وقيل ثمان وخمسون سنة، وقيل ستون، وقيل اثنتان، وقيل ثلاثٌ، وقيل تسعٌ وستون سنة، وقيل ثمانون، والله أعلم. ثم إنَّ صالح بنَ عليٍّ سارَ إلى الشام، واستخلفَ على مصر أبا عَوْن بنَ أبي يزيد، والله سبحانه أعلم. وهذا شيءٌ من ترجمةِ مروانَ الحمار، وهو: مروان بن محمد ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي (٣) أبو عبد الملك، أميرُ المؤمنين، آخرُ

стр. 4782

خلفاءِ بني أمية، وأمُّهُ أمَةٌ كُرْديَّة يُقال لها لُبَابَة، وكانت لإبراهيمَ بنِ الأشتر النَّخَعي، أخذها محمد بن مروان يومَ قتلَه، فاستولدَها مروانَ هذا. ويُقال: إنها كانتْ أولًا لِمُصعَب بنِ الزُّبير، وقد كانتْ دارُ مروانَ هذا في سوق الأكَّافين. قاله ابنُ عساكر (١). بُويع له بالخلافة بعد قتلِ الوليدِ بنِ يزيد، وبعد موتِ يزيدَ بنِ الوليد، ثم قَدِمَ دمشق وخلَعَ إبراهيم بن الوليد، واستتبَّ لهُ الأمر في نصفِ صفر، سنةَ سبعٍ وعشرين ومئة. وقال أبو معشر: بُويع بالخلافة في ربيع الأول سنةَ تسبعٍ وعشرين ومئة، وكان يُقال له مروان الجَعْدِي نسبةً إلى رأي الجَعدِ بنِ دِرْهَم، وتلقَّبَ بالحمار، وهو آخرُ منْ ملَكَ من بني أمية. وكانت خلافتُهُ منذُ سلمَ إليه إبراهيمَ بن الوليد إلى أن بويع السفَّاح خمسَ سنين وعشرةَ أشهرٍ وعشرةَ أيَّام وقيل خمس سنين وشهرًا. وبَقيَ بعدَ أن بُويع للسَّفاح تسعةَ أشهر. وكانَ أبيضَ مُشربًا بالحُمرة، أزرقَ العينَيْن، كبيرَ اللِّحْية، ضخمَ الهامة، رَبْعَةً، ولم يكن يَخْضب. ولَّاهُ هشامٌ نيابةَ أذْرَبيجانَ وإرْمينيَةَ، والجزيرة في سنةِ أربعَ عشرةَ ومئة، ففتح بلادًا كثيرةً وحُصونًا متعددةً في سنينَ كثيرة، وكان لا يُفارقُ الغزوَ في سبيلِ اللَّه، وقاتَلَ طوائفَ من الناس الكفارِ ومن التُّرْكِ والخَزَرِ واللَّان وغيرِهم، فكسرَهم وقهرَهم؛ وقد كان شُجاعًا بطَلًا مِقْدامًا، حازمَ الرأي، لولا أنَّ جُندَهُ خَذَلوه بتقديرِ اللَّه ، لِمَا لَهُ من ذلك من حكمةِ سَلْبِ الخلافة، لِشجاعتِهِ وصرامَتِه؛ ولكنْ منْ يَخْذِلِ اللَّه يُخْذَلْ، ومنْ يُهنِ اللَّه فما لَهُ من مُكْرِم. قال الزُّبَير بن بَكَّار عن عَمِّهِ مُصعب بن عبد اللَّه: كان بنو أمية يرَوْنَ أنَّهُ تذهَبُ منهمُ الخلافةُ إذا وَليها مَنْ أُمُّهُ أمَة؛ فلمَّا وَليها مروانُ هذا أُخِذَتْ منهم في سنةِ ثنتين وثلاثين ومئة. وقد قال الحافظُ ابن عساكر (٢): أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن، أخبرنا سهل بن بشر، أنبأ الخليل بن هبة اللَّه بن الخليل، أنبا عبد الوهاب الكلابي، حَدَّثَنَا أبو الجهم أحمد بن الحسين، أنبأ العباس بن الوليد بن صبح، حَدَّثَنَا عباس بن نجيح (٣) أبو الحارث، حدثني الهيثم بن حُميد، حدثني راشد بن داود، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تزالُ الخِلافةُ في بني أمية يتلَقَّفُونَها تلَقُّفَ الغِلمانِ الكُرَة، فإذا خرجتْ من أيديهِمْ فلا خيرَ في عيش". هكذا أورده ابنُ عساكر وسكت عليه، وهو منكرٌ جدًّا، وقد سأل الرشيدُ أبا بكر بن عيَّاش: خيرُ

стр. 4783

الخلفاءِ نحنُ أو بنو أُميَّة؟ فقال: هم كانوا أنفعَ للناس، وأنتم أقومُ للصلاة. فأعطاهُ ستةَ آلاف. قالوا: وقد كان مروانُ هذا كثيرَ المروءة، كثيرَ العَجَب، يُعجبهُ اللَّهْوُ والطرَب، ولكنَّهُ كان يشتغلُ عن ذلك بالحرب. قال ابنُ عساكر (١): قرأت بخط أبي الحسن عليِّ بن مقلد بن نصر بن مُنقِذ ابن الأمير، في مجموعٍ له: كتب مروانُ بنُ محمد إلى جاريةٍ لهُ ترَكَها بالرَّمْلةِ عندَ ذهابهِ إلى مصرَ منهزمًا: وما زال يدعوني إلى الصبرِ ما أرى … فآبى ويُدنِيني الذي لكِ في صَدْري وكان عزيزًا أنْ تَبيتي وبيننا .... حِجَابٌ فقد أمسَيْتِ منِّي على عَشْرِ وأنكاهما واللّهِ للقلبِ فاعلمي … إذا زدتِ مِثلَيْها فَصِرت على شهرِ وأعظمُ من هذينِ واللّهِ أنَّني .... أخافُ بأنْ لا نلتقي آخرَ الدَّهْرِ سأبكيكِ لا مُستبقيًا فيضَ عَبْرةٍ … ولا طالبًا بالصبرِ عاقبةَ الصَّبرِ وقال بعضُهم: اجتاز مروانُ وهو هاربٌ براهب، فاطَّلَعَ عليه الراهب، فسلَّمَ عليه، فقال له: يا راهب، هل عندك علمٌ بالزمان؟ قال: نعم، عندي مِن تَلَوُّنِهِ ألوان. قال: هل تبلغُ الدنيا من الإنسانِ أنْ تجعلَهُ مملوكًا بعدَ أنْ كان مالِكًا؟ قال: نعم. قال: فكيف؟ قال: بِحُبِّهِ لهَا وحِرْصِهِ على نَيْلِ شهواتها، وتَضْييعِ الحَزْمِ، وتَرْكِ انتهازِ الفُرَص؛ فإنْ كنتَ تُحبُّها فإنَّ عبدَها منْ أحبَّها. قال: فما السبيلُ إلى العَتق؛ قال: بِبُغضها والتجافي عنها. قال: هذا ما لا يكون. قال الراهب: أمَا إنَّه سيكون، فبادرْ بالهرَبِ منها قبلَ أنْ تُسلبَها. قال: هل تعرفُني؟ قال: نعم. أنت مَلِكُ العَرَب مروان، تُقتلُ في بلاد السُّودان، وتُدفنُ بلا أكفان. فلولا أنَّ الموتَ في طلبك لدَلَلْتُكَ على مَوْضعِ هَرَبِك. قال بعض الناس: كان يُقال في ذلك الزمان: يَقْتُل ع بن ع بن ع [بن ع] م بن م بن م. يَعْنُونَ يَقْتُلُ عبدُ اللَّه بنُ عليِّ [بن عبد اللَّه] بنِ عباس مروانَ بنَ محمدِ بنِ مروان. وقال بعضُهم: جلس مروانُ يومًا وقد أُحيطَ به، وعلى رأسِهِ خادمٌ قائمٌ فقال مروانُ لبعضِ مَنْ يُخاطِبُه: ألا ترى ما نحنُ فيه، لَهْفِي على يدٍ ما ذُكرَتْ، ونعمةٍ ما شُكرت، ودولةٍ ما نُصرَتْ. فقال له الخادم: يا أميرَ المؤمنين، من ترَكَ القليلَ حتَّى يَكْثُر، والصغيرَ حتَّى يَكْبَر، والخَفِيَّ حتَّى يظهرَ، وأخَّرَ فعلَ اليومِ لغَدٍ حَلَّ بِهِ أكثرُ مِنْ هذا، فقال مروان: هذا القولُ أشدُّ عليَّ مِنْ فَقْدِ الخِلافة. وقد قيل: إنَّ مروانَ قُتل يومَ الإثنين، لثلاثَ عشرةَ خلَتْ من ذي الحِجَّة سنة ثنتين وثلاثين ومئة، وقد جاوز السِّتِّينَ وبلَغَ الثمانين. وقيل: إنما عاش أربعينَ سنةً. والصحيحُ الأول، وكانتْ خِلافتُه خمسَ سنين وكسرًا. وهو أخِرُ خلفاءِ بني أمية، به انقضَتْ دولتُهم.

стр. 4784

ذكرُ ما ورد في انقضاءِ دولةِ بني أمية وابتداءِ بني العباس من الأخبار النبويَّة وغيرها قال العلاءُ بنُ عبدِ الرحمن عن أبيه. عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا بَلَغَ بنو [أبي] العاص أربعين رجلًا اتخذوا دينَ اللّهِ دَغَلًا، وعبادَ اللَّه خَوَلًا، ومالَ اللّهِ دُوَلًا (١) ". ورواهُ الأعمش عن عَطيّة، عن أبي سعيد مرفوعًا بنحوِهِ (٢). وروى ابنُ لَهِيعةَ عن أبي قَبِيل، عن ابن وَهْبٍ أنَّه كان عندَ معاوية، فدخل عليه مروانُ بنُ الحكم، فتكلَّم في حاجة، فقال: اقضِ حاجتي، فإنِّي لأبو عشرة، وأخو عشرة، وعمُّ عشرة. فلما أدبرَ مروانُ قال معاويةُ لابنِ عباس وهو معه على السرير: أما تعلَمُ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلًا اتَّخذوا مالَ اللّهِ بينهم دُوَلًا، وعبادَ اللّهِ خَوَلًا، وكتابَ اللّهِ دَغَلًا، فإذا بلغوا سبعةً وتسعين وأربع مئة كان هلاكُهُمْ أسرعَ من لَوْكِ تَمْرَة"؟ فقال ابنُ عباس: اللهمَّ نعم. فلما أدبرَ عبد الملك (٣) قال معاوية: أنْشُدُكَ بالله يا بن عباس، أما تعلَمُ أنَّ رسولَ الله ﷺ ذكرَ هذا، فقال: "أبو الجبابرة الأربعة"؟ فقال ابنُ عباس: اللهّمَ نعم. وقال أبو داود الطيالسي (٤): حَدَّثَنَا القاسم بن الفضل، حَدَّثَنَا يوسف بن مازن الراسبي قال: قام رجلٌ إلى الحسن بن علي فقال: يا مسوِّدَ وجوهِ المؤمنين. فقال الحسن: لا تؤنِّبْنِي - رحمك الله - فإنَّ رسول اللهِ ﷺ رأى بني أميةَ يَخطُبون على مِنبرِهِ رجلًا رجلًا فساءهُ ذلك، فَنزلتْ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ وهو نهرٌ في الجنة، ونَزلَتْ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ السورة إلى قوله: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١ - ٣] مملكة بني أمية. قال: فحَسَبْنَا ذلك، فإذا هو كما قال، لا يَزِيدُ ولا يَنْقُص. وقد رواه الترمذي (٥) عن محمود بن غَيلان، عن أبي داود الطيالسي، ثم قال: غريبٌ لا نعرِفُهُ إِلَّا من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة، وثَّقَهُ يحيى القطَّان وابنُ مهدي. قال: وشيخُه يوسف بن سعد - ويقال: يوسف بن مازن - رجلٌ مجهول، ولا نعرفُ [هذا الحديث] بهذا اللفظ إلَّا من هذا الوجه، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٦) من حديث القاسم بن الفضل الحُدَّاني. وقد تكلَّمتُ على نكارةِ هذا

стр. 4785

الحديث في التفسير (١) بكلامٍ مبسوط وللّه الحمدُ والمِنَّة، وإنما يكونُ متجهًا إذا قيل إنَّ دولَتهم ألف شهر بأن نُسقط منها أيامَ عبدِ اللَّه بن الزُّبير، وذلك أنَّ معاويةَ بُويع له مستقلًا بالمُلك في سنةِ أربعين، وهي عامُ الجماعة حينَ سَلَّم إليه الحسَنُ بن علي الأمرَ بعدَ ستةِ أشهرٍ من قتل علي. ثم زالتِ الخلافةُ عن بني أُمية في هذه السنة وهي سنةُ ثنتينِ وثلاثين ومئة، وذلك ثنتان وتسعونَ سنة وإذا أُسقط منها تسعُ سنين خلافةُ ابنِ الزُّبير بقِيَ ثلاثٌ وثمانون سنة، وهي مُباينةٌ لِمَا وَرَدَ في هذا الحديث، ولكنْ ليس هذا الحديثُ مرفوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ أنه فسَّر الآيةَ بهذا العدد، وإنما هذا من قَوْلِ بعضِ الرواة، وقد تكلَّمنا على ذلك مطوَّلًا في التفسير (٢) وتقدَّم في الدلائل أيضًا تقريرُهُ، واللّه أعلم. وقال عليُّ بنُ المديني عن يحيى بن سعيد، عن سفيانَ الثوريّ، عن عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "رأيتُ بني أميةَ يصعدون مِنبري، فشقَّ ذلك عليّ، فأُنزلَتْ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. فيه ضَعفٌ وإرسال (٣). وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حَدَّثَنَا يحيى بن مَعِين، حَدَّثَنَا عبد الله بن نُمير، عن سفيان، عن عليِّ بنِ زيد، عن سعيد بن المسيِّب في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: رأى ناسًا من بني أميةَ على المنابرِ، فساءه ذلك، فقيل له: إنما هي دُنيا يُعطَوْنَها وتَضْمَحِلُّ عن قليل، فسُرِّيَ عنه (٤). وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع قال: لَمَّا أُسري برسول الله ﷺ رأى فلانًا وهو من بعضِ بني أمية على المنبر يخطُبُ الناس، فشق ذلك عليه، فأنزل الله ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: ١١١] (٥). وقال مالك بن دينار: سمعتُ أبا الجوزاء يقول: واللّه لَيُعِزَّنَّ (٦) اللَّه مُلكَ بني أمية كما أعزَّ مُلكَ مَنْ

стр. 4786

كان قبلَهم، ثم لَيُذِلَّنَّ مُلكَهم كما أذلَّ مُلكَ مَنْ كان قبلَهم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] [فيه ضعف وإرسال]. وقال ابنُ أبي الدنيا (١): حدثني إبراهيمُ بن سعيد، حَدَّثَنَا أبو أسامة، حَدَّثَنَا عمر بن حمزة، أخبرني عمر بن سيف (٢) مولًى لعثمانَ بن عفان، ثم قال: سمعتُ سعيدَ بنَ المُسَيِّب وهو يقولُ لأبي بكرِ بنِ عبد الرحمن، ولأبي بكر بن سُليمانَ بنِ أبي خيثمة، وذكروا بني أمية فقال: لا يكونُ هلاكُهم إلَّا بينَهم، قالوا: كيف؟ قال: يَهْلِكُ خُلفاؤهم ويَبْقَى شرارُهم، فيتنافسونها، ثم يكثرُ الناسُ عليهم فيُهلِكُونَهم. وقال يعقوب بن سفيان: أنب [أحمد بن محمد الأزرقي، حَدَّثَنَا الزَّنْجِي عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "رأيتُ في النوم بني أبي الحكم، أو بني أبي العاص يَنْزونَ على مِنْبَري كما تَنْزو القِردَة". قال: فما رُئيَ رسولُ الله ﷺ مستجمعًا ضاحكًا بعدَها حتَّى تُوفِّي (٣). قال أبو محمد عبدُ اللَّه بن عبد الرحمن الدَّارِمِي (٤): حَدَّثَنَا مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنَا سعيد بن زيد - أخو حَمَّاد بن زيد - عن علي بن الحكم البُنَاني، عن أبي الحسن هو الحمصي، عن عمرو بن مُرَّةَ - وكانت له صُحْبة - قال: جاء الحكمُ بنُ أبي العاص يستأذِنُ على رسول الله ﷺ فعرَفَ كلامَهُ فقال: "ائذنوا له، صُبَّتْ عليه لعنةُ اللَّه وعلى مَنْ يَخْرُجُ من صُلْبِه، إِلَّا المؤمنين، وقَلِيلٌ ما هم، يُشَرَّفون في الدنيا ويُوضَعونَ في الآخرة، ذَوُو دَهَاء وخَدِيعة، يُعْطَوْنَ في الدُّنيا وما لَهُمْ في الآخرِةِ مِنْ خَلاق" (٥). وقال أبو بكر الخطيب البغدادي: أنبأ أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد بن محمد، أنبأ محمد بن المظفر الحافظ، أنبأ أبو القاسم تمام بن خريم بن محمد بن مروان الدمشقي، أنبأ أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملابس، حَدَّثَنَا أبو النظر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد مولى أمَّ الحكم بنت عبد العزيز، حَدَّثَنَا يزيد بن ربيعة، حَدَّثَنَا أبو الأشعث الصَّنْعاني، عن ثوبان، قال: كان رسولُ الله ﷺ نائمًا، واضعًا رأسه على فَخِذِ أمِّ حَبِيبة بنتِ أبي سفيان، فنَحَب ثم تبسَّم، فقالوا: يا رسول اللَّه، رأيناك نَحَبْتَ ثم تبسَّمْتَ!

стр. 4787

فقال: "رأيتُ في منامي بني أميةَ يتعاوَرُونَ على مِنْبَرِي. فساءني ذلك، ثم رأيتُ بني العباس يتعاورون على مِنبري فسرَّني ذلك" (١). وقال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن خالد بن العباس، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حدثني أبو عبد الله عن الوليد بن هشام الْمُعَيطِي، عن أبان بن الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط (٢)، قال: قدم ابنُ عباس على معاويةَ وأنا حاضر، فأجازه فأحسَنَ جائزتَه، ثم قال: يا أبا العباس، هل يكونُ لكُمْ دَوْلة؟ فقال: اعْفِني يا أمير المؤمنين. فقال: لَتُخْبِرَنِّي. قال: نعم. قال: فمن أنصارُكم؟ قال: أهلُ خُراسان، ولبني أميةَ من بني هاشمٍ نَطَحات (٣). وقال المِنْهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبير: سمعتُ ابنَ عباس يقول: يكونُ مِنَّا ثلاثةٌ أهلَ البَيْت: السَّفَّاح، والمنصور، والمَهْدي. رواه البيهقيّ من غيرِ وَجْه، ورواه الأعمَشُ عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا (٤). وروى ابن أبي خيثمة عن ابن مَعِين، عن سفيان بن عُيَينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس قال: كما افتَتَح اللَّه بأوَّلِنا فأرجو أنْ يَخِتمَهُ بآخرنا. وهذا إسنادٌ صحيح إليه، وكذا وقع ويَقَعُ للمَهْديِّ إنْ شاء الله. وروى البيهقيُّ عن الحاكم، عن الأصَمّ، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يخرُجُ رجلٌ من أهلِ بيتي عنِ انقطاع من الزمان، وظهورٍ من الفتن، يُقالُ له السَّفَّاح، يُعطي المالَ حَثْيًا" (٥).

стр. 4788

وقال عبد الرزاق (١): حَدَّثَنَا الثوري عن خالد الحذَّاء، عن أبي قِلابة عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقتتل عند حَرَّتِكُم هذه ثلاثةٌ كلُّهم وَلَدُ خليفة، لا تَصِيرُ إلى واحدٍ منهم، ثم تُقبِلُ الراياتُ [السود] من خُراسان، فيقتلونكم مَقْتَلَةً لم يُرَ مثلها - ثم ذكر شيئًا - فإذا كان كذلك فأتُوهُ ولو حَبْوًا على الثَّلْج، فإنَّهُ خليفةُ اللَّه المَهْدِي". رواه بعضُهم عن ثوبان، فوَقَفَه، وهو أشبه (٢)، واللّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٣): حدثني يحيى بن غيلان، وقتيبة بن سعيد، قالا: حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بن سعد، [قال يحيى بن غَيْلان في حديثه:] حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن قَبِيصة - هو ابن ذؤيب - عن أبي هُريرة، عن رسولِ اللَّه ﷺ أنه قال: "يخرج من خُراسانَ راياتٌ سُود، لا يَرُدُّها شيء حتَّى تُنصَبَ بإيلياء". وقد رواه البيهقيّ في الدلائل من حديث رِشْدِين بن سعد المصري (٤)، وهو ضَعِيف، ثم قال: قد رُوي قريبًا من هذا عن كعب الأحبار - وهو أشبه - ثم قال: من طريق يعقوب بن سفيان حَدَّثَنَا محدِّثٌ عن أبي المغيرة عبد القدوس، عن ابن عباس، يحدثه عن كعب أيضًا قال: "تظهر راياتٌ سود لبني العباس حتَّى ينزلوا الشام، ويَقتُلُ اللَّه على أيديهم كلَّ جبَّارٍ وعَدُوٍّ لهم" (٥). وروى إبراهيمُ بن الحسين بن ديزيل، عن ابن أبي أُوَيس عن ابن أبي ذؤيب (٦)، عن محمد بن عبد الرحمن العامري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال للعباس: "فيكم النبوَّة وفيكمُ المَمْلَكة" (٧). وروى عبد اللَّه بن أحمد عن ابن مَعِين، عن عبيد بن أبي قُرَّة، عن الليث، عن أبي قَبِيل، عن

стр. 4789

أبي مَيْسرة مولى العباس، قال: سمعتُ العباسَ يقول: كنتُ عندَ رسولِ الله ﷺ ذاتَ ليلة، فقال: "انظُرْ، هل ترى في السماء من شيء؟ " قلت: نعَمْ. قال: "ما ترى؟ " قلتُ: الثُّرَيَّا. قال: "أما أنَّهُ سَيمْلِكُ هذه الأمة بِعَدَدِها من صُلْبِكَ". قال البخاري: عُبيد بن أبي قُرَّة لا يُتابَعُ على حديثِه (١). وروى ابنُ عدي (٢) من طريق سويد بن سعيد، عن حجاج بن تميم، عن مَيمون بن مِهْران، عن ابن عباس قال: مررتُ برسولِ الله ﷺ ومعه جِبريل وأنا أظنُّهُ دِحْيَةَ الكلبي، فقال جبريلُ لرسولِ الله ﷺ : إنه لَوَسِخُ الثياب، وسيلبَسُ ولَدُهُ من بعدِه السواد. وهذا منكَرٌ من هذا الوَجْه. ولا شكَّ أنَّ بني العباس كان السوادُ من شِعارِهم، أخذوا ذلك من دخولِ رسولِ الله ﷺ مكةَ يومَ الفَتْح، وعلى رأسه عِمَامَةٌ سَوْداء، فأخذوا بذلك وجعَلُوهُ شعارَهُم في الخُطَبِ والأعياد والجُمَعِ والمَحافل. وكذلك كان جُنْدُهم لا بدَّ من أن يكونَ على أحدِهم شيءٌ من السَّوَاد، ومن ذلك ما يُلْبِسُهُ الملوكُ لِلأُمَراء حين يُخلَعُ عليهم بالإمرة، لا بدَّ وأن يلبَسَ شيئًا من السواد، وهو الشَّرْبُوش، وكذلك دخل عبد الله بن علي دمشق يوم دخلها وعليه السواد، فجعل النساءُ والغِلْمان يعجَبُون من لباسِه، وكان دخولُهُ من بابِ كَيْسان، وقد خطَبَ الناسَ يوم الجمعة، وصلَّى بِهم وعليهِ السواد. وقد رَوَى ابنُ عساكر عن بعض الخُراسانية قال: لَمَّا صلَّى عبدُ اللَّه بن علي بالناسِ يومَ الجمعة صلَّى إلى جانبي رجلٌ فقال: اللَّه أكبر، سبحانك اللهمَّ وبحمدك! وتبارَكَ اسْمُكَ، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرُك، انظروا إلى عبدِ اللَّه بن علي، ما أقبحَ وجهَه! وأشْنَعَ سوادَه!. وما زال السوادُ شعارهم إلى يومكَ هذا كما تراه على الخُطباء يومَ الجمعةِ والأعياد.

стр. 4790

ذِكرُ استقلالِ أبي العباس عبدِ الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الملقَّب بالسَّفَّاح بالخلافة وما اعتمدَهُ في أيامه من السيرة الحسنة قد تقدَّم أنه أول ما بُويع له بالخِلافة بالكوفة يومَ الجمعةِ الثاني عشر من ربيعِ الآخر، وقيل: الأول من هذه السنة سنةِ ثنتَيْنِ وثلاثين ومئة. ثم جرَّد الجيوش إلى مروان [الحمار] فطرَدُوهُ عن المملكة، وأجلَوْهُ عنها، وما زالوا خَلْفَهُ حتى قتلوه بِبُوصيرَ من بلادِ الصَّعيد بأرضِ مِصْر، في العشر الأخير من ذي الحِجَّة من هذه السنة - على ما تقدَّم بيانه - وحينئذ استقلَّ السفاحُ بالخلافة، واستقرَّتْ يَدُهُ على بلادِ العراقِ وخُراسانَ والحِجَاز والشامِ والديارِ المصرية، لكنْ لم يحكمْ على بلادِ الأندلس، ولا على بلادِ المغرب، فإنَّهُ لم يَحْكُمْ عليها ولا وَصَلَ سلطانُه إليها، وذلك أن بعضَ مَنْ دخلَها من بني أميةَ استحوَذَ عليها ومَلَكَها كما سيأتي بَيَانُه. وقد خرَج على السفَّاحِ في هذه السنةِ طوائفُ، فمنهم أهلُ قِنَّسْرينِ بعدَما بايعوه على يدَيْ عَمِّهِ عبدِ اللَّه بن علي، وأقرَّ عليهم أميرَهم وهو أبو الوَرْد مَجْزَأة بن الكَوْثَر بن زُفر بن الحارث الكِلابيّ، وكان من أصحاب مروانَ وأُمرائه، فخَلَعَ السفاح ولَبِسَ البياض، وحمل أهلَ البلدِ على ذلك، فوافقوه، وكان السفَّاحُ يومئذٍ بالحِيرة، وعبدُ اللَّه بنُ علي مشغولٌ بالبَلْقاء، يقاتِلُ بها حَبِيبَ بنَ مُرَّةَ المُرِّي (١) ومَنْ وافَقَهُ من أهلِ البَلْقاء والبَثَنِيَّةِ (٢) وحَوْرَان على خَلْعِ السفاح، فلمَّا بلَغَهُ عن أهلِ قِنَّسْرِينَ ما فعلوا صالَحَ حَبِيبَ بن مُرَّة، وسارَ نحو قِنَّسْرين، فلمَّا اجتازَ بدمشق - وكان بها أهلُه وثَقَلُه - استخلف عليها أبا غانم عبدَ الحميد بن رِبْعِي الكِنَاني في أربعةِ آلاف، فلمَّا جاوزَ البلد وانتهى إلى حِمص نَهَضَ أهلُ دمشقَ مع رجل يُقالُ له عثمان بن عبد الأعلى بن سُرَاقة، فخلَعُوا السفَّاح وبيَّضوا، وقَتلوا الأميرَ أبا غانم، وقتلوا جماعةً من أصحابهِ، وانتهبوا ثَقَلَ عبدِ اللَّه بن علي وحواصِلَه، ولم يتعرَّضُوا لأهلِه، وتفاقَمَ الأمرُ على عبدِ اللَّه بن علي، وذلك أنَّ أهلَ قِنَّسْرِين تراسلوا مع أهل حِمص وتَدْمُر، واجتمعوا على أبي محمد السُّفْياني، وهو أبو محمد بن عبدِ اللَّه بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فبايعوهُ بالخِلافة، وقام معَهُ نحوٌ من أربعين ألفًا، فَقَصَدَهُمْ عبدُ الله بنُ علي، فالتقَوْا بِمَرْجِ الأخْرَم، فقدَّمَ عبدُ اللَّه بنُ علي أخاهُ عبدَ الصمد بن علي في عشرة آلاف من الفرسان بين يدَيْه، فاقتتلوا مع مقدِّمةِ السُّفياني وعليها أبو الوَرْد، فاقتتلوا قتالًا شديدًا وهَزَموا عبد الصَّمَد، وقُتل من الفريقَيْنِ ألوف، فتقدم إليهم عبدُ الله بن علي ومعه

стр. 4791

حُميد بن قَحْطبة بمن معه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا جدًّا، وجعل أصحابُ عبدِ اللَّه يَفِرُّون، وهو ثابتٌ هو وحُميد، وما زال حتَّى هزم أصحاب أبي الورد، وثبَتَ أبو الورد في خمسمئةِ فارس من أهل بيتِه وقومِه فقُتلوا جميعًا. وهرب أبو محمد السُّفياني ومَنْ معَهُ حتَّى لَحِقوا بتَدْمُر، وأمَّنَ عبدُ اللَّه أهلَ قِنَّسْرين، وسوَّدوا وبايعوه ورجعوا إلى الطاعة، ثم كرَّ عبدُ الله راجعًا إلى دمشق، وقد بلَغهُ ما صنعوا، فلما دَنَا منها تفرَّقوا عنها وهرَبوا، ولم يكنْ منهم قتال، فأمَّنهم ودخلوا في الطاعة، وسوَّدوا موافقةً للخليفة، وكان ذلك شعارَ السمعِ والطاعة. وأما أبو محمد السُّفياني فإنه ما زال مُضَيَّعًا، ومشتتًا من بلدٍ إلى بلد، حتَّى لَحِقَ بأرضِ الحِجَاز فقاتَلَهُ نائبُ أبي جعفر المنصور في أيامِ المنصور، فقتله وبعثَ برأسِهِ وبابنينِ له أخذَهما أسيرَيْن، فأطلقهما المنصورُ في أيامه. وقد قيل إنَّ وقعةَ السفيانيِّ يوم الثلاثاء آخر يومٍ من ذي الحِجَّة سنةَ ثنتين وثلاثين ومئة، واللّه أعلم. ومِمَّنْ خلعَ السفَّاح أيضًا أهلُ الجزيرة حين بلَغَهم أنَّ أهْلَ قِنَسْرينَ خلَعوا، فوافَقوهم وبيَّضوا ورَكِبوا إلى نائب حَرَّان من جهةِ السفَّاح، وهو موسى بن كعب، وكان في ثلاثةِ آلاف قد اعتصم بالبلد، فحاصروه قريبًا من شهرَيْن، ثم بعث السفاحُ أخاه أبا جعفر المنصور فيمَنْ كان بواسطةِ محاصِرِي ابنِ هُبيرة، فمَرَّ في مسيرهِ إلى حَزَان بِقَرْقِيسيا (١) وقد بيَّضوا، فغلَّقوا أبوابَها دونَه، ثم مَرَّ بالرَّقَة وعليها بَكَّار بن مسلم، وهم كذلك، ثم بِحَاجِر (٢)، وعليها إسحاق بن مسلم، فيمن معه من أهل الجزيرة يحاصرونَها. فرحل إسحاقُ عنها إلى الرُّهَا. وخرج موسى بنُ كعب فيمَنْ معه من جُند حَرَّان، فتلقَّاهُ المنصور، ودخلوا في جيشه، وقَدِمَ بكَّار بن مسلم على أخيه إسحاقَ بنِ مسلم بالرُّهَا، فوجَّهَهُ إلى جماعةِ ربيعة بدارا وماردِين، ورئيسُهم حَرُورِيٌّ يُقال له بُريكة، فصارا حزبًا واحدًا، فقصد إليهم أبو جعفر فقاتلهم قتالًا شديدًا، فقُتل بُريكة في المعركة، وهرب بكَّارٌ إلى أخيه بالرُّهَا، فاستخلَفَهُ بها ومَضَى بِمُعظَمِ العسكر حتَّى نزل سُمَيْساط، وخندَقَ على عسكرِه، وأقبل أبو جعفر فحاصر بكَّارًا بالرُّهَا، وجرت له معه وقعات، وكتب السفَّاحُ إلى عمّه عبدِ اللَّه بن علي أن يسيرَ إلى سُميساط وقد اجتمع على إسحاقَ بنِ مسلم ستون ألفًا من أهل الجزيرة، فسار إليهم عبدُ اللَّه، واجتمع إليه أبو جعفر المنصور، فكاتبهم إسحاقُ وطلب منهم الأمان، فأجابوهُ إلى ذلك على إذْنِ أمير المؤمنين.

стр. 4792

وولَّى السفَّاح أخاه أبا جعفر المنصور الجزيرةَ وأذْرَبِيجانَ وأرْمِيِنيةَ، فلم يزَلْ عليها حتَّى أفَضَتْ إليه الخلافةُ بعد أخيه، ويُقال إن إسحاق بن مسلم العُقيلي إنمَّا طلبَ الأمانَ لَمَّا تحقَّقَ أنَّ مروانَ قد قُتل، وذلك بعد مُضِيِّ سبعةِ أشهر وهو محاصر، وقد كان صاحبًا لأبي جعفر المنصور فآمنه. وفي هذه السنة ذهب أبو جعفر المنصور عن أمْرِ أخيه السفَّاح إلى أبي مسلم الخُراساني، وهو أميرها (١) ليستطلعَ رأيَهُ في قتلِ أبي سلَمَة، حفص بن سليمان الوزير، وكان سببُ ذلك أن السفَّاحَ سَمَرَ ليلَةً مع أهلِ بيته، فتذاكروا ما كان من أمرِ أبي سلَمَة حين كان أرادَ أنْ يصرِفَ الخلافةَ عن بني العباس، فسألَ سائلٌ: هل ذلك كان عن مُمَالأةِ أبي مسلم لأبي سَلَمَةَ في ذلك أم لا؟ فسكت القوم، فقال السفاح: لئن كان هذا عن رأيِه، إنا لَبِعُرْضِ بَلاءً عظيم، إِلَّا أنْ يدفعَهُ اللَّه عنا. قال أبو جعفر: فقال لي أخي: ما تَرَى؟ فقلت: الرأيُ رأيُك. فقال: إنه ليس أحدٌ أخَصَّ بأبي مسلم منك، فاذهبْ إليهِ فاعلَمْ لي عِلْمَه، فإن كان عن رأيِهِ احتَلْنا له، وإنْ لم يكنْ عن رأيِهِ طابَتْ أنفسُنا. قال أبو جعفر: فخرَجْتُ إليه قاصدًا على وَجَل. قال المنصور: فلمَّا وصلتُ إلى الريّ إذا كتابُ أبي مسلم إلى نائبِها يستحثني إليه في المسير، فازدَدْتُ وَجَلًا، فلما انتهيت إلى نيسابور إذا كتابُه يستحثُّني أيضًا، وقال لنائبها: لا تدَعْهُ يَقَرُّ ساعة واحدةً، فإنَّ أرضَكَ بِها خوارجُ كثيرة. فانشَرَحْتُ لذلك، فلما صرتُ من مَرْوَ على فرسخَيْن، خرج يتلقَّاني ومعه الناس، فلما واجَهَني ترخلَ، فقبَّلَ يدي، فأمَرْتُهُ فركِب، فلما دخلتُ مَرْوَ ونزلتُ في دارِه، فمكثتُ ثلاثًا لا يسألُني في أيِّ شَيْءٍ جئت؛ فلما كان اليومُ الرابع سأَلني: ما أقدَمَكَ؟ فأخبَرْتُهُ بالأمر. فقال: أفَعَلَها أبو سَلَمَة؟! أنا أكفيكُمُوه. فدعا مرارَ بن أنس الضَّبِّيَّ فقال: اذهَبْ إلى الكوفة، فحيثُ لَقِيتَ أبا سَلَمَة فاقتُلْه، وانتَهِ في ذلك إلى رأي الإمام. فقَدِمَ مرارٌ الكوفة الهاشمية، وكان أبو سَلَمة يَسْمُرُ عند السفَّاح، فلمَّا خرج قتَلَهُ مرار. وشاعَ أنَّ الخوارجَ قتلوه. وغلّقت البلد، ثم صلَّى عليه يحيى بن محمد بن علي، أخو أميرِ المؤمنين، ودُفن بالهاشمية، وكان يقال له وزيرُ آلِ محمد، ويقال لأبي مسلم أميرُ آل محمد. قال الشاعر: إنَّ الوزيرَ وزير آلِ محمدٍ ..... أوْدَى فمَنْ يَشْنَاكَ كان وَزِيرا ويُقال: إنَّ أبا جعفر إنما سار إلى أبي مسلم بعد قتْلِ أبي سَلَمَة، وكان معه ثلاثون رجلًا على البريد، منهم الحجَّاج بن أرطاة وإسحاق بن الفضل الهاشمي، وجماعةٌ من السادات، ولما رجع أبو جعفر من خُراسان قال لأخيه: لستَ بخليفةٍ ما دام أبو مسلمٍ حيًّا حتَّى تقتلَه. لِمَا رأى من طاعةِ العساكرِ والأمراءَ له، فقال له السفَّاح اكُتمْها. فسكت، ثم إنَّ السفَّاح بعثَ أخاهُ أبا جعفر إلى قتالِ ابنِ هُبيرة بواسط، فلما اجتاز بالحسن بن قَحْطبة أخَذَهُ معه، فلما أُحيط بابن هُبيرة كتب إلى محمد بن عبد اللَّه بن الحسن لِيُبايع له

стр. 4793

بالخِلافة، فأبطأ عليه جوابُه، فمال إلى مُصالحةِ أبي جعفر، فاستأذن أبو جعفر أخاهُ السفَّاح في ذلك، فأذِنَ له في المصالحة، فكتب له أبو جعفر كتابًا بالصُّلح، فمكَثَ ابنُ هُبيرة يُشاور فيه العلماء أربعين يومًا، ثم خرج يزيد بن عمر بن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاث مئة من البخاريَّة، فلمَّا دَنَا من سُرَادِق أبي جعفر همَّ أنْ يدخلَ بفرسَهِ فقال الحاجب سلام: انزِلْ أبا خالد. وكان حولَ السُّرادِق عشرة آلاف من أهل خُراسان، ثم أذن له في الدخول، فقال: أنا ومَنْ معي؟ قال: لا، بل أنتَ وحدَك. فدَخل، ووُضعت له وساد فجلس عليها، فحادثه أبو جعفر ساعة، ثم خرج من عندِهِ، فأتْبعَه أبو جعفر بصَرَه، ثم جعل يأتيهِ يومًا بعدَ يوم في خمس مئةِ فارس وثلاث مئة راجل، فشكوا ذلك إلى أبي جعفر، فقال أبو جعفر للحاجب: مُرْهُ فَلْيَأتِ في حاشيته. فكان يأتي في ثلاثين نفسًا، فقال الحاجب: كأنَّك تأتي متأهِّبًا (١). فقال: لو أمرتموني بالمشي لمشَيْتُ إليكم. ثم كان يأتي في ثلاثةِ أنفس، وقد خاطَبَ ابنُ هُبيرة يومًا لأبي جعفر فقال في غبون (٢) كلامه: يا هناه - أو قال: يا أيها المرء - ثم اعتذر إليه بأنه قد سبَقَ لسانُهُ إلى ذلك، فأعذَرَه. وقد كان السفَّاحُ كتَبَ إلى أبي مسلم يستشيرُه في مصالحةِ ابنِ هُبيرة، فنَهاه عن ذلك، وكان السفَّاحُ لا يقطَعُ أمرًا دُونَ مراجعةِ أبي مسلم، فلما وَقَعَ الصُلْحُ على يدي أبي جعفر لم يحبَّ السفاحُ ذلك ولم يُعجِبْه. وكتب إلى أبي جعفر يأمرُ بِقَتْلِه، فراجَعَهُ أبو جعفر مرارًا لا يُفيدُهُ ذلك شيئًا، حتَّى جاء كتابُ السفَّاح: أن اقتُلْهُ لا محالة، لا حول ولا قوة إِلَّا باللّه العلي العظيم! كيف يُعطي الأمانَ ويَنْكُث؟! هذا فعلُ الجبابرة. وأقسم عليه في ذلك، فأرسل إليه أبو جعفر طائفة من الخُراسانية، فدخلوا عليه وعندَهُ ابنُه داود، وفي حجْرِهِ صبيٌّ صغير، وحوله مَوَاليه وحاجِبُه، فدافع عنه ابنُهُ حتَّى قُتل، وقُتل خلقٌ من مَوَاليه، وخَلَصوا إليه، فألقَى الصبيَّ من حجرِهِ وخَرَّ ساجدًا، فقُتل وهو ساجد. واضطربَ الناسِ، فنادى أبو جعفر في الناس بالأمان، إِلَّا عبدَ الملك بن بشر، وخالد بن سلمة المخزومي، وعمر بن ذَرّ. فسكَنَ الناس، ثم استؤمن لبعض هؤلاء وقُتل بعضهم. وفي هذه السنة بعث أبو مسلم الخراساني محمد بن الأشعث إلى فارس، وأمرَهُ أنْ يأخذَ عُمَّالَ أبي سلمةَ الخلَّال فيضربَ أعناقَهم، ففعل ذلك. وفيها ولَّى السفَّاحُ أخاه يحيى بن محمد الموصلَ وأعمالَها، وولَّى عمَّهُ داودَ مكَّةَ والمدينة واليمن

стр. 4794

واليمامة، وعزلَهُ عن الكوفة، وولَّى مكانَهُ عليها عيسى بن موسى، وولَّى قضاءَها ابنَ أبي ليلى، وكان على نيابةِ البصرة سفيانُ بن معاوية المهلَّبي، وكان على قضائها الحجَّاج بن أرطاة، وعلى السِّنْد منصور بن جُمهور، وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى أرميِنيَةَ وأذْرَبِيجَانَ والجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى الشام وأعمالِها عبدُ الله بن علي عمُّ السفّاح، وعلى مصر أبو عَوْن عبدُ الملك بن يزيد، وعلى خُراسان وأعمالِها أبو مسلم الخُراساني، وعلى ديوان الخراج خالد بن بَرْمَك. وحجَّ بالناس فيها داودُ بن علي. ذِكرُ مَنْ تُوفِّى فيها من الأعيان: مروان بن محمد بن مروان بن الحكم أبو عبد الملك الأموي آخر خلفاء بني أمية، فقُتل في العشر الأخير من ذي الحِجَّة من هذه السنة، كما تقدَّمَ ذلك مبسوطًا (١)، ووزيرُهُ: عبدُ الحميد بن يحيى بن سعد (٢): مولى بني عامر بن لؤي، الكاتبُ البَلِيغ، الذي يُضرَبُ به المَثلُ فيقال: فُتحتِ الرسائلُ بعبد الحميد، وخُتمتْ بابنِ العَمِيد. وكان إمامًا في الكتابةِ وجميعِ فنونِها، وهو القدوةُ فيها، وله رسائلُ في ألفِ ورَقة، وأصلُهُ من قَيْسَارِيَّة، ثم سكن الشام، وتعلم هذا الشأنَ من سالم مولى هشام بن عبد الملك، وكان يعقوبُ بن داود وزيرُ المهدي يكتبُ بين يديه، وعليه تخرَّج، وكان ابنُه إسماعيل بن عبدِ الحميد ماهرًا في الكتابة أيضًا. وقد كان أولًا يُعلِّمُ الصِّبيان، ثم تقلَّبَتْ به الأحوال حتَّى وَزَرَ لمروان، وقَتَلَهُ السفَّاحُ ومَثَّلَ به، وكان اللائقُ بمثلِهِ العَفْوَ عنه. ومن مُستجاد كلامِه: العلمُ شجرةٌ ثَمَرَتُها الألفاظ، والفكرُ بحرٌ لؤلؤهُ الحِكْمَة. ومن كلامه وقد رأى رجلًا يكتُبُ خطًا رديئًا، فقال: أطِلْ جَلْفَةَ قَلَمِكَ وأسْمِنْها، وحَرِّفْ قَطتَكَ وأيمِنْها. قال الرجل: ففعلتُ ذلك، فجادَ خَطِّي (٣). وسأله رجلٌ أن يكتبَ له كتابًا إلى بعضِ الأكابر يُوصيهِ به، فكتب إليه: حَقُّ موصِلِ كتابي إليك كَحَقِّهِ علي إذ رآكَ مَوْضِعًا لأمَلِه، ورآني أهلًا لحاجتهِ، وقد قضيتُ أنا حاجتَه فصَدِّقْ أنتَ أمله (٤). وكان كثيرًا ما يُنشِدُ هذا البيت:

стр. 4795

إذا خرج (١) الكُتّابُ كان دوِيُّهُمْ … قِسِيًّا وأقلامُ القِسِيِّ لهم نَبْلًا (٢) وأبو سلمة حفصُ بن سُليمان (٣): هو أولُ من وزَرَ لآلِ العباس، قتَلَهُ أبو مسلم بالأنبار عن أمرِ السفَّاح بعدَ ولايتِهِ بأربعة أشهر في شهر رجب، وكان ذا هيئةٍ فاضلًا حسنَ المفاكهة وكان السفاحُ يأنَسُ به، ويحبُ مسامرَتَه لِطيبِ مُحاضرته، ولكنْ توَهَّمَ مَيْلَهُ لآلِ عليّ، فدَسَّ أبو مسلم عليه مَنْ قتَلَهُ غِيلَة كما تقدَّم، فأنشد السفاحُ عند قتله: إلى النارِ فَلْيذْهَبْ ومَنْ كان مِثْلَهُ ....... على أيِّ شيءٍ فاتَنَا منه نأسَفُ (٤) كان يقالُ له وزيرَ آلِ محمد، ويُعرف بالخَلّال لِسُكْناهُ الخَلَّالِين بالكوفة، وهو أولُ مَنْ سُمِّي بالوزير. وقد حكى ابن خَلِّكان (٥) عن ابن قُتيبة أنَّ اشتقاقَ الوزير من الوِزْر، وهو الحِمْل، فكأنَّ السلطانَ حَمَّلَهُ أثقالًا لاستنابٍ إلى رأيه، وقال الزجَّاج: هو مشتقٌّ من الوَزَر، وهو الجبَل، وكأنَ السلطانَ لجَأَ إلى رأيِهِ كما يلجأ الخائفُ إلى جبَل يعتصِمُ به. واللّه أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئة فيها ولَّى السفَّاح عمَّه سليمانَ بن علي البصرةَ وأعمالَها، وكُورَ دِجْلةَ والبحرَين وعُمَان، ووجَّه عمَّه إسماعيل بن علي إلى كُورِ الأهْوَاز. وفيها قَتَل داودُ بنُ علي من بمكَّةَ والمدينة من بني أمية. وفيها تُوفِّي داودُ بنُ علي بالمدينة في شهر ربيع الأول، واستخلف ابنَهُ موسى على عملِه، وكانت ولايتُهُ على الحجاز ثلاثةَ أشهر، فلمَّا بلغ السفَّاحَ موتُه استنابَ على الحجاز خالَهُ زيادَ بن عبيد اللَّه بن عبد الدار (٦) الحارثي، وولَّى اليمن لابنِ خالِه محمد بن يزيد بن عبيد اللَّه بن عبد الدار، وجعل إمرةَ الشام لعمَّيه عبدِ اللَّه وصالح ابني علي، وأقرَّ أبا عَوْن على الديارِ المصرية نائبًا.

стр. 4796

وفيها توجَّه محمد بن الأشعث إلى إفْرِيقِيَةَ، فقاتلهم قتالًا شديدًا، حتَّى فتحها. وفيها خرجَ شَرِيك ابن شيخ المهري بِبُخَارى على أبي مسلم، وقال: ما على هذا بايَعْنا آلَ محمد، على سفكِ الدماء وقتلِ الأنفُس، واتَّبَعه على ذلك نحوٌ من ثلاثينَ ألفًا، فبعث إليه أبو مسلم زيادَ بن صالح الخزاعي فقاتله فقَتَله. وفيها عزَلَ السفَّاحُ أخاه يحيى بن محمد عن المَوْصل وولَّى عليه عمَّه إسماعيل. وفيها ولَّى الصائفةَ من جهتِه صالحَ بن علي بن سعيد بن عبيد اللَّه، وغزا ما وراءَ الدُّروب، وحجَّ بالناس خالُ السفَّاح زياد بن عُبيد اللَّه بن عبد الدار الحارثي، ونُوَّابُ البلادِ همُ الذين كانوا في التي قبلَها سوى مَنْ ذكَرْنا أنه عُزل. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومئة فيها خلَعَ بسامُ بن إبراهيم بن بسام الطاعة، وخرج على السفَّاح، فبعث إليه خازم بن خزيمة فقاتله، فقتَلَ عامةَ أصحابِه واستباح عسكرَه، ورَجَع فمر بملأٍ من بني عبدِ الدار أخوالِ السفَّاح فسألهم عن بعضِ ما فيه نُصرة للخليفة فلم يردُّوا عليه، واستهانوا به، وأمرَ بضَرْبِ أعناقِهم، وكانوا قريبًا من عشرين رجلًا ومثلِهم من مواليهم، فاستعدى بنو عبدِ الدار على خازم بن خزيمة إلى السفاح، وقالوا: قَتَل هؤلاء بلا ذنب، فهم السفَّاحُ بقتلِه، فأشار عليه بعضُ الأمراء بأنْ لا يقتُلَه، ولكنْ لِيبْعَثَهُ مبعثًا صعْبًا. فإنْ سَلِم فذاك، وإنْ قُتل كان الذي أراد، فبعثَهُ إلى عُمَان وكان بها طائفةٌ من الخوارج قد تمرَّدوا، وجهَّز معه سبعَ مئةِ رجل، وكتبَ إلى عمِّه سليمانَ بالبصرةِ أنْ يحمِلَهم في السفن إلى عُمَان ففعل، فقاتل الخوارجَ فكسرَهم وقهرَهم واستحوذَ على ما هنالك من البلاد، وقتلَ أميرَ الخوارجِ الصُّفْريَّة، وهو الجُلنْدَى، وقتَلَ من أصحابِهِ وأنصارِهِ نحوًا من عشرةِ آلاف، وبعث بِرؤوسِهم إلى البصرة، فبعث بها نائبُ البصرة إلى الخليفة، ثم بعدَ أشهر كتب إليه السفَّاح أن يرجِع، فرجع سألمًا غانمًا منصورًا. وفيها غزا أبو مسلم بلاد الصُّغْد (١)، وغزا أبو داود أحدُ نُوَّابِ أبي مسلم بلادَ كَشّ (٢)، فقَتَل خلقًا كثيرًا، وغَنِمَ من الأواني الصَيِنيَّة المنقوشةِ بالذهبِ شيئًا كثيرًا جدًّا.

стр. 4797

وفيها بعث السفَّاحُ موسى بن كعب إلى منصور بن جُمهور وهو بالهند في اثني عشر ألفًا، فالتقاهُ موسى بن كعب وهو في ثلاثةِ آلاف، فهزَمَهُ واستباحَ عسكرَه. وفيها مات عامل اليمن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد الدار، فاستخلف السفاحُ عليها عمَّه، وهو خالُ الخليفة. وفيها تحوَّلَ السفاحُ من الحِيرة إلى الأنبار. وحجَّ بالناس نائبُ الكوفة عيسى بن موسى، ونوَّابُ الأقاليم هم هم. وفيها توفي من الأعيان: أبو هارون العَندي. وعُمارة بن جُوين. ويزيد بن جابر الدمشقي. والله أعلم. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومئة فيها خرج زياد بن صالح من وراءِ نَهرِ بَلْخ على أبي مسلم فأظفَرهُ اللَّه بهم، فبدَّد شملَهم، واستأصل خضراءهم، واستقرَّ أمرُه بتلك النواحي، وحج بالناس فيها سليمان بن علي نائبُ البَصْرة، والنوَّاب همُ المذكورون قبلَها. وممن تُوفِّي فيها من الأعيان: يزيدُ بن سِنان، وأبو عَقِيل زهرةُ بن مَعْبَد، وعطاء الخراساني. ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومئة فيها قدم أبو مسلم من خُراسان على السفَّاح بالعراق، وذلك بعد استئذانه الخليفةَ في القُدومِ عليه، فكتب إليه أنْ يقدَمَ في خمسِ مئةٍ من الجند، فكتب إليه: إني قد وَتَرْتُ الناس، وإني أخشى من قِلَّةِ الخمس مئة، فكتبَ إليه أن يقدَمَ في ألف، فقدِمَ في ثمانيةِ آلاف، فرَّقهم وأخذ معه من الأموال والتُّحَفِ والهدايا شيئًا كثيرًا. ولما قدم لم يكنْ معَهُ سوى ألفٍ من الجُند، فتلقَّاه القوَّادُ والأمراء إلى مسافةٍ بعيدة،

стр. 4798

ولما دخل على السفاح أكرَمَهُ وعظَّمَهُ واحترَمَه، وأنزله قريبًا منه، وكان يأتي إلى الخدمةِ كلَّ يوم، واستأذَنَ الخليفةَ في الحجِّ فأذِنَ له وقال: لولا أنِّي عَيَّنْتُ الحجَّ لأخي أبي جعفر لأمَّرْتُكَ على الحَجّ. وكان الذي بين أبي جعفر وأبي مسلم خرابًا، وكان يُبغِضُه، وذلك لِمَا رأى ما هو فيه من الحُرْمَةِ حين قَدِم عليه نَيْسابور في البَيْعَةِ للسفَّاح وللمنصورِ من بعده، فحارَ في أمره لذلك، فحقَدَ عليه المنصور، وأشار على السفَّاح بقَتلِه، فأمَرَهُ بِكَتْمِ ذلك، وحين قَدِم أمَرَهُ بقَتْلِهِ أيضًا، وحرَّضَهُ على ذلك، فقال له السفَّاح: قد علمتَ بلاءَهُ معَنا وخدمَتَهُ لنا! فقال أبو جعفر: يا أمير المؤمنين، إنما ذلك بدَوْلَتِنا، واللّه لو أرسلتَ سِنَّوْرًا لسَمِعوا لها وأطاعوا، وإنِّك إنْ لم تتعشَّ بهِ تغدَّى بك هو، فقال له: كيف السبيل إلى ذلك؟ فقال: إذا دخل عليك فحادِثْهُ، ثم أجيء أنا من ورائِهِ فأضْرِبُهُ بالسيف. قال: كيف بِمَنْ معه؟ قال: هم أذَلُّ وأقل. فأذِنَ له في قَتْلِه، فلما دخل أبو مسلم على السفَّاح نَدِم على ما كان أذِنَ لأخيه فيه، فبعث إليه الخادمَ يقول له: إنَّ ذاك الذي بينك وبينه نَدِمَ عليه فلا تفعَلْه، فلما جاءه الخادمُ وجَدَهُ محتبيًا بالسيف، قد تهيَّأ لِمَا يُريد من قَتْلِ أبي مسلم، فلما نهاهُ عن ذلك غَضِب أبو جعفر غضبًا شديدًا. وفيها حَجَّ بالناسِ أبو جعفر المنصور عن ولايةِ أخيه السفَّاح، وسار معه إلى الحجاز أبو مسلم الخراساني عن أمرِ الخليفة، وأذِنَ له في الحَجّ، فلمَّا رجعا من الحجّ، وكانا بذاتِ عِرْق جاء الخبَرُ إلى أبي جعفر - وكان يسير قبلَ أبي مسلم بمرحلة - بِمَوْتِ أخيه السفَّاح، فكتب إلى أبي مسلم أنْ قد حدَثَ أمرٌ فالعَجَلَ العجَل. فلمَّا استعلم أبو مسلم الخبَر عَجَّلَ السَّيْرَ وراءه، فلَحِقَهُ إلى الكوفة، وكانتْ بيعةُ المنصور على ما سيأتي بيانُه وتفصيلُه قريبًا، واللّه أعلم. ترجمة أبي العباس السفَّاح أولِ خلفاء بني العباس وذكر وفاته (١) هو عبد اللَّه السفاح - ويقال له المرتضى والقاسم أيضًا - ابن محمد بن الإمام ابن علي السَّجَّاد بن عبد اللَّه الحَبْر بن العباس ذي الرأي ابن عبد المطلب، شيبةِ الحَمْد، هاشم بن عمرو بن عبد مناف بن قُصَيّ، أبو العباس القرشيُّ الهاشميّ، أميرُ المؤمنين الملَقَّب بالسفَّاح، وهو أول خلفاء بني العباس، وأمُّه رَيْطَة - ويُقال رائطة - بنت عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عبد الْمَدَان بن الدَّيَّان الحارثي. كان مولد السفاح بالحُمَيْمَةِ من أرضِ الشَّرَاةِ من البَلْقَاءِ بالشام، ونشأ بها حتَّى أخذ مروانُ أخاهُ في حياة مروانَ يومَ الجمعة، الثاني عشر من ربيع الأول بالكوفةِ كما تقدَّم. وتُوفِّي بالْجُدَرِيِّ بالأنْبَار يوم الأحد الحادي عشر - وقيل

стр. 4799

الثالث عشر - من ذي الحِجَّة سنةَ سِتٍّ وثلاثين ومئة، وكان عمرهُ ثلاثًا - وقيل: ثنتين، وقيل: إحدى - وثلاثين سنة، وقيل ثمان وعشرين سنة. قال غير واحد: وكانتْ خلافتهُ أربعَ سنين وتسعةَ أشهر، وكان أبيضَ جميلًا طويلًا أقْنَى الأنف، جَعْدَ الشعر. حسن اللَّحْيَة، حسنَ الوَجْه، فصيحَ الكلام، حسنَ الرَّأي، جيدَ البَدِيهة، دخل عليه في أول ولايته عبدُ اللَّه بن حسن بن حسن بن عليّ ومعه مُصحف، وعند السفَّاح وجوهُ بني هاشم من أهل بيتِه وغيرِهم، فقال له: يا أمير المؤمنين، أعطِنا حقَّنا الذي جعلَهُ اللَّه لنا في هذا المصحف. قال: فأشفَقَ عليه الحاضرونَ أن يَعْجَلَ السفَّاحُ عليه بشيء، أو يَعْيَا بِجوابِه فيبقَى ذلك سُبَّة عليه وعليهم، فأقبل السفاح عليه غيرَ مُغْضبٍ ولا مُنْزَعِج فقال: إنَّ جَدَّكَ عليًّا كان خيرًا مِنِّي، وأعدَل، وقد وَلِيَ هذا الأمر، فأعطَى جدَّيك الحسنَ والحُسين - وكانا خيرًا منك - شيئًا قد أعطيتكهُ وزدْتُكَ عليه، فما كان هذا جزائي منك. قال: فما ردَّ عليه عبدُ اللَّه بن حسن جوابًا، وتعجَّبَ الناسُ من سُرعةِ جوابِه، وجِدَّتِه وجَوْدَتِه على البديهة. وقد ورد في حديثٍ ذكره ﵀ فقال الإمامُ أحمد في مسند (١): حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جرير عن الأعمش، عن عطيَّة العَوْفي، عن أبي سعيد الخُدْري، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يخرجُ عند انقطاع من الزمان وظهورٍ من الفِتَن رجلٌ يُقالُ له السفَّاح، يكونُ إعطاؤه المال حَثْيًا" (٢). وكان رواه زائدةُ وأبو معاوية عن الأعمش به، وهذا الحديث في إسناده عطيةُ العَوْفي وقد تكلَّموا فيه، وفي أنَّ المراد بهذا الحديث هذا السفَّاح نَظَرٌ، واللّه أعلم. وقد ذكَرْنا فيما تقدَّم عند زوالِ دولةِ بني أميةَ أخبارًا وآثارًا في مثلِ هذا المعنى (٣). وقال الزُّبَير بن بَكَّار: حدثني محمد بن سلمة بن محمد بن هشام، أخبرني محمد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثني داود بن عيسى عن أبيه، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - وهو السفَّاح - قال: دخلتُ على عمرَ بن عبد العزيز وعنده رجلٌ من النصارَى، فقال له عمر: من تجدونَ الخليفةَ بعدَ سليمان؟ قال له النصراني: أنت. فأقبل عمر بن عبد العزيز فقال له: زِدْني من بيانِك. فقال: ثم آخر، إلى أنْ ذكر خلافةَ بني أمية إلى آخرِها، قال محمد بن علي: فلما كان بعد ذلك جعلتُ ذلك النصراني في بالي، فرأيتُه يومًا، فأمرتُ غلامي أن يحبِسَهُ علي، وذهبتُ إلى منزلي، فسألته عَمَّا يكونُ

стр. 4800

في خلفاءِ بني أمية، فذكرهم واحدًا واحدًا، وتجاوز عن مروانَ بنِ محمد، قلت: ثم مَنْ؟ قال: ابنُ الحارثيَّة، وهو ابنُك. قال: وكان ابني ابنُ الحارثية إذا ذاك حَمْلًا. قال: ووفد أهلُ المدينة على السفَّاح، فبادروا إلى تقبيلِ يدهِ غيرَ عمرانَ بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن مطيع العَدوِي، فإنه لم يُقبِّل يده، إنما حيَّاهُ بالخلافةِ فقط وقال: واللّهِ يا أميرَ المؤمنين، لو كان تقبيلُها يَزِيدُكَ رفعةً ويزيدُني وَسيلةً إليك ما سَبَقَني إليها أحدٌ من هؤلاء، وإنِّي لَغَنِيٌّ عمَّا لا أجرَ فيه، ورُبَّما قادَنَا عمَلُهُ إلى الوِزْر. ثم جلس. قال: فواللَّه ما نَقَصَهُ ذلك عندَهُ حظًّا من حط أصحابِه بل أحبَّهُ وزادَه. وذكر القاضي الْمُعافَى بن زكريَّا أنَّ السَّفَّاح بعث رجلًا يُنادي في عَسْكَرِ مروانَ بهذَيْنِ البيتَيْنِ ليلًا ثم رجع: يا آلَ مروانَ إنَّ اللَّه مُهْلِكُكُمْ ...... ومُبْدِلٌ أمنَكُمُ خوفًا وتَشْريدا لا عَمَّرَ اللَّه من أنسألِكُم أحدًا ...... وبَثَّكمْ في بلادِ الخَوْفِ تَطْرِيدا (١) وروى الخطيب البغدادي (٢) أنَّ السفَّاح نظرَ يومًا في المرآة وكان من أجملِ الناسِ وجهًا - فقال: اللهمَّ لا أقولُ كما قال سُليمانُ بن عبدِ الملك: أنا الخليفةُ الشابّ، ولكن أقول: اللهمَّ عَمِّرْني طويلًا في طاعتك، مُمَتَّعًا بالعافية، فما استتَمَّ كلامهُ حتَّى سمع غلامًا يقولُ لآخر: الأجَلُ بيني وبينك شهرانِ وخمسةُ أيام، فتطَيَّرَ من كلامِهِ وقال: حسبي اللَّه لا قوةَ إِلَّا باللّه، عليه توكَّلْتُ وبه أستعين. فمات بعدَ شهرَيْن وخمسةِ أيام. وذكر محمد بن عبد اللَّه بن مالك الخُزَاعي، أنَّ الرَّشيد أمرَ ابنَهُ أنْ يسمعَ من إسحاق بن عيسى بن على ما يرويه عن أبيه في قصةِ السفَّاح، فأخبره عن أبيه عيسى، أنه دخل على السفَّاح يومَ عرَفَةَ بُكْرَةً فوجدَهُ صائمًا، فأمرَهُ أنْ يحادِثَهُ في يومِهِ هذا، ثم يختِمُ ذلك بفِطْرِه عندَه، قال: فحادَثْتُه حتَّى أخذَهُ النَّوم، فقمتُ عنهُ وقلت: أقِيلُ في مَنْزِلي، ثم أجيءُ بعدَ ذلك، فذهبتُ فنمتُ قليلًا ثم قمتُ فأقبلتُ إلى دارِه، فإذا على بابهِ بَشِيرٌ يُبَشِّرُ بفتحِ السِّند وبيعتِهمْ للخليفة، وتسليم الأمور إلى نُوَّابِه، قال: فحَمِدتُ اللَّه الذي وفَّقني في الدخولِ عليهِ بِهذه البِشارة، فدخلتُ الدَّار، فإذا بشير آخر معه بشارةٌ بفتحِ إفْريقيَة، فحمِدت اللَّه، فدخلت عليه فبشَّرْتُهُ بذلك وهو يُسَرِّحُ لِحيتَهُ بعدَ الوضوء، فسقط المشطُ من يدِه ثم قال: سبحان اللَّه! كلُّ شيءٍ بائدٌ سواه، نُعِيَتْ واللّهِ إليَّ نفسي، حدثني إبراهيمُ الإمام عن أبي هاشم، عن عبد اللَّه بن محمد بن عليِّ بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "يَقْدَمُ عليَّ في مَدينتي
следующие страницы →