وفيها توجَّه محمد بن الأشعث إلى إفْرِيقِيَةَ، فقاتلهم قتالًا شديدًا، حتَّى فتحها. وفيها خرجَ شَرِيك ابن شيخ المهري بِبُخَارى على أبي مسلم، وقال: ما على هذا بايَعْنا آلَ محمد، على سفكِ الدماء وقتلِ الأنفُس، واتَّبَعه على ذلك نحوٌ من ثلاثينَ ألفًا، فبعث إليه أبو مسلم زيادَ بن صالح الخزاعي فقاتله فقَتَله.
وفيها عزَلَ السفَّاحُ أخاه يحيى بن محمد عن المَوْصل وولَّى عليه عمَّه إسماعيل.
وفيها ولَّى الصائفةَ من جهتِه صالحَ بن علي بن سعيد بن عبيد اللَّه، وغزا ما وراءَ الدُّروب، وحجَّ بالناس خالُ السفَّاح زياد بن عُبيد اللَّه بن عبد الدار الحارثي، ونُوَّابُ البلادِ همُ الذين كانوا في التي قبلَها سوى مَنْ ذكَرْنا أنه عُزل.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومئة
فيها خلَعَ بسامُ بن إبراهيم بن بسام الطاعة، وخرج على السفَّاح، فبعث إليه خازم بن خزيمة فقاتله، فقتَلَ عامةَ أصحابِه واستباح عسكرَه، ورَجَع فمر بملأٍ من بني عبدِ الدار أخوالِ السفَّاح فسألهم عن بعضِ ما فيه نُصرة للخليفة فلم يردُّوا عليه، واستهانوا به، وأمرَ بضَرْبِ أعناقِهم، وكانوا قريبًا من عشرين رجلًا ومثلِهم من مواليهم، فاستعدى بنو عبدِ الدار على خازم بن خزيمة إلى السفاح، وقالوا: قَتَل هؤلاء بلا ذنب، فهم السفَّاحُ بقتلِه، فأشار عليه بعضُ الأمراء بأنْ لا يقتُلَه، ولكنْ لِيبْعَثَهُ مبعثًا صعْبًا. فإنْ سَلِم فذاك، وإنْ قُتل كان الذي أراد، فبعثَهُ إلى عُمَان وكان بها طائفةٌ من الخوارج قد تمرَّدوا، وجهَّز معه سبعَ مئةِ رجل، وكتبَ إلى عمِّه سليمانَ بالبصرةِ أنْ يحمِلَهم في السفن إلى عُمَان ففعل، فقاتل الخوارجَ فكسرَهم وقهرَهم واستحوذَ على ما هنالك من البلاد، وقتلَ أميرَ الخوارجِ الصُّفْريَّة، وهو الجُلنْدَى، وقتَلَ من أصحابِهِ وأنصارِهِ نحوًا من عشرةِ آلاف، وبعث بِرؤوسِهم إلى البصرة، فبعث بها نائبُ البصرة إلى الخليفة، ثم بعدَ أشهر كتب إليه السفَّاح أن يرجِع، فرجع سألمًا غانمًا منصورًا.
وفيها غزا أبو مسلم بلاد الصُّغْد (١)، وغزا أبو داود أحدُ نُوَّابِ أبي مسلم بلادَ كَشّ (٢)، فقَتَل خلقًا كثيرًا، وغَنِمَ من الأواني الصَيِنيَّة المنقوشةِ بالذهبِ شيئًا كثيرًا جدًّا.
стр. 4797
وفيها بعث السفَّاحُ موسى بن كعب إلى منصور بن جُمهور وهو بالهند في اثني عشر ألفًا، فالتقاهُ موسى بن كعب وهو في ثلاثةِ آلاف، فهزَمَهُ واستباحَ عسكرَه.
وفيها مات عامل اليمن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد الدار، فاستخلف السفاحُ عليها عمَّه، وهو خالُ الخليفة.
وفيها تحوَّلَ السفاحُ من الحِيرة إلى الأنبار. وحجَّ بالناس نائبُ الكوفة عيسى بن موسى، ونوَّابُ الأقاليم هم هم.
وفيها توفي من الأعيان:
أبو هارون العَندي.
وعُمارة بن جُوين.
ويزيد بن جابر الدمشقي. والله أعلم.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومئة
فيها خرج زياد بن صالح من وراءِ نَهرِ بَلْخ على أبي مسلم فأظفَرهُ اللَّه بهم، فبدَّد شملَهم، واستأصل خضراءهم، واستقرَّ أمرُه بتلك النواحي، وحج بالناس فيها سليمان بن علي نائبُ البَصْرة، والنوَّاب همُ المذكورون قبلَها.
وممن تُوفِّي فيها من الأعيان:
يزيدُ بن سِنان،
وأبو عَقِيل زهرةُ بن مَعْبَد،
وعطاء الخراساني.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومئة
فيها قدم أبو مسلم من خُراسان على السفَّاح بالعراق، وذلك بعد استئذانه الخليفةَ في القُدومِ عليه، فكتب إليه أنْ يقدَمَ في خمسِ مئةٍ من الجند، فكتب إليه: إني قد وَتَرْتُ الناس، وإني أخشى من قِلَّةِ الخمس مئة، فكتبَ إليه أن يقدَمَ في ألف، فقدِمَ في ثمانيةِ آلاف، فرَّقهم وأخذ معه من الأموال والتُّحَفِ والهدايا شيئًا كثيرًا. ولما قدم لم يكنْ معَهُ سوى ألفٍ من الجُند، فتلقَّاه القوَّادُ والأمراء إلى مسافةٍ بعيدة،
стр. 4798
ولما دخل على السفاح أكرَمَهُ وعظَّمَهُ واحترَمَه، وأنزله قريبًا منه، وكان يأتي إلى الخدمةِ كلَّ يوم، واستأذَنَ الخليفةَ في الحجِّ فأذِنَ له وقال: لولا أنِّي عَيَّنْتُ الحجَّ لأخي أبي جعفر لأمَّرْتُكَ على الحَجّ. وكان الذي بين أبي جعفر وأبي مسلم خرابًا، وكان يُبغِضُه، وذلك لِمَا رأى ما هو فيه من الحُرْمَةِ حين قَدِم عليه نَيْسابور في البَيْعَةِ للسفَّاح وللمنصورِ من بعده، فحارَ في أمره لذلك، فحقَدَ عليه المنصور، وأشار على السفَّاح بقَتلِه، فأمَرَهُ بِكَتْمِ ذلك، وحين قَدِم أمَرَهُ بقَتْلِهِ أيضًا، وحرَّضَهُ على ذلك، فقال له السفَّاح: قد علمتَ بلاءَهُ معَنا وخدمَتَهُ لنا! فقال أبو جعفر: يا أمير المؤمنين، إنما ذلك بدَوْلَتِنا، واللّه لو أرسلتَ سِنَّوْرًا لسَمِعوا لها وأطاعوا، وإنِّك إنْ لم تتعشَّ بهِ تغدَّى بك هو، فقال له: كيف السبيل إلى ذلك؟ فقال: إذا دخل عليك فحادِثْهُ، ثم أجيء أنا من ورائِهِ فأضْرِبُهُ بالسيف. قال: كيف بِمَنْ معه؟ قال: هم أذَلُّ وأقل. فأذِنَ له في قَتْلِه، فلما دخل أبو مسلم على السفَّاح نَدِم على ما كان أذِنَ لأخيه فيه، فبعث إليه الخادمَ يقول له: إنَّ ذاك الذي بينك وبينه نَدِمَ عليه فلا تفعَلْه، فلما جاءه الخادمُ وجَدَهُ محتبيًا بالسيف، قد تهيَّأ لِمَا يُريد من قَتْلِ أبي مسلم، فلما نهاهُ عن ذلك غَضِب أبو جعفر غضبًا شديدًا.
وفيها حَجَّ بالناسِ أبو جعفر المنصور عن ولايةِ أخيه السفَّاح، وسار معه إلى الحجاز أبو مسلم الخراساني عن أمرِ الخليفة، وأذِنَ له في الحَجّ، فلمَّا رجعا من الحجّ، وكانا بذاتِ عِرْق جاء الخبَرُ إلى أبي جعفر - وكان يسير قبلَ أبي مسلم بمرحلة - بِمَوْتِ أخيه السفَّاح، فكتب إلى أبي مسلم أنْ قد حدَثَ أمرٌ فالعَجَلَ العجَل. فلمَّا استعلم أبو مسلم الخبَر عَجَّلَ السَّيْرَ وراءه، فلَحِقَهُ إلى الكوفة، وكانتْ بيعةُ المنصور على ما سيأتي بيانُه وتفصيلُه قريبًا، واللّه أعلم.
ترجمة أبي العباس السفَّاح أولِ خلفاء بني العباس وذكر وفاته (١)
هو عبد اللَّه السفاح - ويقال له المرتضى والقاسم أيضًا - ابن محمد بن الإمام ابن علي السَّجَّاد بن عبد اللَّه الحَبْر بن العباس ذي الرأي ابن عبد المطلب، شيبةِ الحَمْد، هاشم بن عمرو بن عبد مناف بن قُصَيّ، أبو العباس القرشيُّ الهاشميّ، أميرُ المؤمنين الملَقَّب بالسفَّاح، وهو أول خلفاء بني العباس، وأمُّه رَيْطَة - ويُقال رائطة - بنت عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عبد الْمَدَان بن الدَّيَّان الحارثي. كان مولد السفاح بالحُمَيْمَةِ من أرضِ الشَّرَاةِ من البَلْقَاءِ بالشام، ونشأ بها حتَّى أخذ مروانُ أخاهُ في حياة مروانَ يومَ الجمعة، الثاني عشر من ربيع الأول بالكوفةِ كما تقدَّم. وتُوفِّي بالْجُدَرِيِّ بالأنْبَار يوم الأحد الحادي عشر - وقيل
стр. 4799
الثالث عشر - من ذي الحِجَّة سنةَ سِتٍّ وثلاثين ومئة، وكان عمرهُ ثلاثًا - وقيل: ثنتين، وقيل: إحدى - وثلاثين سنة، وقيل ثمان وعشرين سنة.
قال غير واحد: وكانتْ خلافتهُ أربعَ سنين وتسعةَ أشهر، وكان أبيضَ جميلًا طويلًا أقْنَى الأنف، جَعْدَ الشعر. حسن اللَّحْيَة، حسنَ الوَجْه، فصيحَ الكلام، حسنَ الرَّأي، جيدَ البَدِيهة، دخل عليه في أول ولايته عبدُ اللَّه بن حسن بن حسن بن عليّ ومعه مُصحف، وعند السفَّاح وجوهُ بني هاشم من أهل بيتِه وغيرِهم، فقال له: يا أمير المؤمنين، أعطِنا حقَّنا الذي جعلَهُ اللَّه لنا في هذا المصحف. قال: فأشفَقَ عليه الحاضرونَ أن يَعْجَلَ السفَّاحُ عليه بشيء، أو يَعْيَا بِجوابِه فيبقَى ذلك سُبَّة عليه وعليهم، فأقبل السفاح عليه غيرَ مُغْضبٍ ولا مُنْزَعِج فقال: إنَّ جَدَّكَ عليًّا كان خيرًا مِنِّي، وأعدَل، وقد وَلِيَ هذا الأمر، فأعطَى جدَّيك الحسنَ والحُسين - وكانا خيرًا منك - شيئًا قد أعطيتكهُ وزدْتُكَ عليه، فما كان هذا جزائي منك. قال: فما ردَّ عليه عبدُ اللَّه بن حسن جوابًا، وتعجَّبَ الناسُ من سُرعةِ جوابِه، وجِدَّتِه وجَوْدَتِه على البديهة.
وقد ورد في حديثٍ ذكره ﵀ فقال الإمامُ أحمد في مسند (١): حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جرير عن الأعمش، عن عطيَّة العَوْفي، عن أبي سعيد الخُدْري، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يخرجُ عند انقطاع من الزمان وظهورٍ من الفِتَن رجلٌ يُقالُ له السفَّاح، يكونُ إعطاؤه المال حَثْيًا" (٢).
وكان رواه زائدةُ وأبو معاوية عن الأعمش به، وهذا الحديث في إسناده عطيةُ العَوْفي وقد تكلَّموا فيه، وفي أنَّ المراد بهذا الحديث هذا السفَّاح نَظَرٌ، واللّه أعلم. وقد ذكَرْنا فيما تقدَّم عند زوالِ دولةِ بني أميةَ أخبارًا وآثارًا في مثلِ هذا المعنى (٣).
وقال الزُّبَير بن بَكَّار: حدثني محمد بن سلمة بن محمد بن هشام، أخبرني محمد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثني داود بن عيسى عن أبيه، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - وهو السفَّاح - قال: دخلتُ على عمرَ بن عبد العزيز وعنده رجلٌ من النصارَى، فقال له عمر: من تجدونَ الخليفةَ بعدَ سليمان؟ قال له النصراني: أنت. فأقبل عمر بن عبد العزيز فقال له: زِدْني من بيانِك. فقال: ثم آخر، إلى أنْ ذكر خلافةَ بني أمية إلى آخرِها، قال محمد بن علي: فلما كان بعد ذلك جعلتُ ذلك النصراني في بالي، فرأيتُه يومًا، فأمرتُ غلامي أن يحبِسَهُ علي، وذهبتُ إلى منزلي، فسألته عَمَّا يكونُ
стр. 4800
في خلفاءِ بني أمية، فذكرهم واحدًا واحدًا، وتجاوز عن مروانَ بنِ محمد، قلت: ثم مَنْ؟ قال: ابنُ الحارثيَّة، وهو ابنُك. قال: وكان ابني ابنُ الحارثية إذا ذاك حَمْلًا. قال: ووفد أهلُ المدينة على السفَّاح، فبادروا إلى تقبيلِ يدهِ غيرَ عمرانَ بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن مطيع العَدوِي، فإنه لم يُقبِّل يده، إنما حيَّاهُ بالخلافةِ فقط وقال: واللّهِ يا أميرَ المؤمنين، لو كان تقبيلُها يَزِيدُكَ رفعةً ويزيدُني وَسيلةً إليك ما سَبَقَني إليها أحدٌ من هؤلاء، وإنِّي لَغَنِيٌّ عمَّا لا أجرَ فيه، ورُبَّما قادَنَا عمَلُهُ إلى الوِزْر. ثم جلس. قال: فواللَّه ما نَقَصَهُ ذلك عندَهُ حظًّا من حط أصحابِه بل أحبَّهُ وزادَه.
وذكر القاضي الْمُعافَى بن زكريَّا أنَّ السَّفَّاح بعث رجلًا يُنادي في عَسْكَرِ مروانَ بهذَيْنِ البيتَيْنِ ليلًا ثم رجع:
يا آلَ مروانَ إنَّ اللَّه مُهْلِكُكُمْ ...... ومُبْدِلٌ أمنَكُمُ خوفًا وتَشْريدا
لا عَمَّرَ اللَّه من أنسألِكُم أحدًا ...... وبَثَّكمْ في بلادِ الخَوْفِ تَطْرِيدا (١)
وروى الخطيب البغدادي (٢) أنَّ السفَّاح نظرَ يومًا في المرآة وكان من أجملِ الناسِ وجهًا - فقال: اللهمَّ لا أقولُ كما قال سُليمانُ بن عبدِ الملك: أنا الخليفةُ الشابّ، ولكن أقول: اللهمَّ عَمِّرْني طويلًا في طاعتك، مُمَتَّعًا بالعافية، فما استتَمَّ كلامهُ حتَّى سمع غلامًا يقولُ لآخر: الأجَلُ بيني وبينك شهرانِ وخمسةُ أيام، فتطَيَّرَ من كلامِهِ وقال: حسبي اللَّه لا قوةَ إِلَّا باللّه، عليه توكَّلْتُ وبه أستعين. فمات بعدَ شهرَيْن وخمسةِ أيام.
وذكر محمد بن عبد اللَّه بن مالك الخُزَاعي، أنَّ الرَّشيد أمرَ ابنَهُ أنْ يسمعَ من إسحاق بن عيسى بن على ما يرويه عن أبيه في قصةِ السفَّاح، فأخبره عن أبيه عيسى، أنه دخل على السفَّاح يومَ عرَفَةَ بُكْرَةً فوجدَهُ صائمًا، فأمرَهُ أنْ يحادِثَهُ في يومِهِ هذا، ثم يختِمُ ذلك بفِطْرِه عندَه، قال: فحادَثْتُه حتَّى أخذَهُ النَّوم، فقمتُ عنهُ وقلت: أقِيلُ في مَنْزِلي، ثم أجيءُ بعدَ ذلك، فذهبتُ فنمتُ قليلًا ثم قمتُ فأقبلتُ إلى دارِه، فإذا على بابهِ بَشِيرٌ يُبَشِّرُ بفتحِ السِّند وبيعتِهمْ للخليفة، وتسليم الأمور إلى نُوَّابِه، قال: فحَمِدتُ اللَّه الذي وفَّقني في الدخولِ عليهِ بِهذه البِشارة، فدخلتُ الدَّار، فإذا بشير آخر معه بشارةٌ بفتحِ إفْريقيَة، فحمِدت اللَّه، فدخلت عليه فبشَّرْتُهُ بذلك وهو يُسَرِّحُ لِحيتَهُ بعدَ الوضوء، فسقط المشطُ من يدِه ثم قال: سبحان اللَّه! كلُّ شيءٍ بائدٌ سواه، نُعِيَتْ واللّهِ إليَّ نفسي، حدثني إبراهيمُ الإمام عن أبي هاشم، عن عبد اللَّه بن محمد بن عليِّ بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "يَقْدَمُ عليَّ في مَدينتي
стр. 4801
هذِهِ وافدان، وافدُ السِّنْد، والآخر وافدُ إفريقِيَةَ بسَمْعِهم وطاعَتِهم وبَيْعَتِهم، فلا يَمضي بعدَ ذلك ثلاثةُ أيام حتَّى أموت". قال: وقد أتاني الوافدان، فأعظَمَ اللّهُ أجرَكَ يا عَمُّ في ابن أخيك، فقلت: كلَّا يا أميرَ المؤمنين إن شاء الله، قال: بلا إن شاء اللَّه. لئن كانتِ الدنيا حبيبةً فالآخرةُ أحَبُّ إليَّ، ولقاءُ رَبِّي خيرٌ لي. وصحَّةُ الروايةِ عن رسولِ الله بذلك أحَبُّ إلي منها، والله ما كَذَبْت ولا كُذِبْت. ثم نهض ودخل مَنْزِله، وأمرَني بالجلوس، فلما جاء المؤذِّنُ يُعلِمُه بوقتِ الظُّهر خرج الخادم يُعلمني أنْ أصلِّيَ عنه، وكذلك العصرَ والمغربَ والعشاء، كل ذلك يخرجُ الخادم فيأمرني أن أصلِّي عنه، وبِتُّ هناك، فلما كان وقتُ السَّحَر أتاني الخادمُ بكتاب معه، يأمرُني أنْ أصلِّيَ عنه الصُّبحَ والعِيد، ثم أرجعُ إلى داره، وفيه يقول: يا عَمّ. إذا متُّ فلا تُعلِمِ الناسَ في موتي حتَّى تقرأَ عليهم هذا الكتاب، فيُبايعوا لِمَنْ فيه، قال: فصلَّيت بالناس، ثم رجعتُ إليه، فإذا ليس به بأس، ثم دخلتُ عليه من آخرِ النهار، فإذا هو على حالِه، غيرَ أنه قد خرجَتْ في وجههِ حبَّتان صغيرتان ثم كَبُرتَا ثم صار في وجهه حَبٌّ صغار بِيض، يُقالُ إنه جُدَرِيّ، ثم بكَّرتُ إليه في اليوم الثاني من أيَّامِ التشريق. فإذا هو قد هُجِر، وذهبَتْ عنه معرفتي ومعرفةُ غيري، ثم رجعتُ إليه بالعَشِي، فإذا هو انتفخَ حتَّى صار مثل الزِّقّ، وتُوفيَ اليومَ الثالث من أيام التشريق، فسَجَّيتُهُ كما أمَرني، وخرجتُ إلى الناس فقرأتُ عليهم كتابَه، فإذا فيه: من عبدِ الله أميرِ المؤمنين إلى الرسولِ والأولياء وجماعة المسلمين، سلامٌ عليكم، أمَا بعد، فقد قَلَّدَ أميرُ المؤمنمِن الخلافةَ عليكم بعدَ وفاتِهِ أخاه، فاسمعوا وأطيعوا، وقد قلَّدها من بعدِه عيسى بنَ موسى إنْ كان. قال: فاختلف الناسُ في قولهِ إنْ كان، قيل إنْ كان أهلًا لها، وقال آخرون: إنْ كان حيًا. وهذا القول الثاني هو الصواب. ذكره الخطيب (١) وابنُ عساكر مطوَّلًا (٢)، وهذا مُلَخَّصٌ منه، وفيه ذكرُ الحديثِ المرفوع، وهو مُنكَر جِدًّا.
وذكر ابنُ عساكر (٣) أن الطبيبَ دخل عليه فأخذ بيده، فأنشأ يقول عند ذلك:
انظُرْ إلى ضَعْفِ الحرَا ..... كِ وذُلِّهِ بعدَ السُّكُونْ
يُنْبِيكَ أنَّ بيانَهُ .... هذا مقدِّمةُ الْمَنُونْ
قال الطبيب: أنتَ صالح. فأنشأ يقول:
يُبَشِّرُنِي بأنِّي ذو صلاح … يَبِينُ لَهُ وبي داءٌ دَفينُ
لقد أيقنتُ أنِّي غيرُ باقٍ … ولا شَكٌّ إذا وَضَحَ اليَقِينُ
стр. 4802
قال أهلُ العلم: كان آخرَ ما تكلَّمَ به السفَّاح: الملكُ لله الحَيِّ القَيُّوم، ملكِ الملوك، وجبَّارِ الجبابرة، وكان نقشُ خاتَمهِ: اللَّه ثقةُ عبد اللَّه. وكان موتُهُ بالجُدَرِيّ، في يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحِجَّة سنةَ ستٍّ وثلاثين ومئة بالأنبارِ العَتيقة، عن ثلاثٍ وثلاثينَ سنة، وكانتْ خلافتُهُ أربعَ سنين وتسعةَ أشهر على أشهر الأقوال، وصلَّى عليه عمُّه عيسى بن علي. ودُفن في قصرِ الإمارةِ من الأنبار، وتَرَك تسع جِباب، وأربعةَ أقمصة، وخمسَ سراويلات، وأربعة طيالِسَة، وثلاثةَ مَطَارِفِ خَزٍّ، وقد ترجَمَهُ ابنُ عساكر فذكر بعضَ ما أورَدْنا (١) والله أعلم.
وممن تُوفي فيها من الأعيان:
السفَّاح كما تقدَّم،
وأشعَثُ بن سَوَّار،
وجعفر بنُ أبي ربيعة
وحُصين بن عبد الرحمن،
ورَبيعة الرأي،
وزيد بن أسلم،
وعبد الملك بن عُمير،
وعبد اللَّه بن أبي جعفر،
وعطاء بن السائب، وقد ذكرنا تراجمهم في "التكميل" وللّه الحمد.
خلافة أبي جعفر المنصور
واسمه عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، قد تقدَّمَ أنَّهُ لَمَّا مات السفَّاح كان في الحجاز، فبلَغَهُ موتُه وهو بذاتِ عِرْق راجعًا من الحَجّ، وكان معه أبو مسلم الخُرَاساني فعجَّل السَّير، وعزَّاهُ أبو مسلم في أخيه، فبَكَى المنصور عندَ ذلك، فقال له: أتبكي وقد جاءَتْك الخلافة، أنا أكفيكَها إنْ شاء اللَّه، فسُرِّيَ عنه. وأمر زيادَ بنَ عُبيد اللَّه أنْ يرجعَ إلى مكَّة واليًا عليها، وكان السفَّاحُ قد عزلَهُ عنها بالعباس بن عبد اللَّه بن معبد بن عباس، فأقَرَّهُ عليها. والنُوَّابُ على أعمالِهم حتَّى انسلخَتْ هذه السنة. وقد كان عبدُ الله بن علي قَدِم على ابن أخيه السَّفَّاح الأنبارَ فأمَّرَهُ على الصائفة، فركب في جيوشٍ عظيمةٍ
стр. 4803
إلى بلادِ الرُّوم، فلما كان ببعضِ الطريق بلغَهُ موتُ السفَّاح فكَرَّ راجعًا إلى حَرَّان، ودعا إلى نفسه، وزعم أن السفَّاحَ كان عهِد إليه حينَ بعثه إلى الشام أنْ يكونَ وليَّ العهدِ من بعدِه، فالتفَّتْ عليه جيوشٌ عظيمة، وكان من أمرِهِ ما سنذكرُهُ في السنةِ الآتية إنْ شاء اللَّه تعالى.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئة
ذكر خروج عبد اللَّه بن علي بن عبد اللَّه بن العباس على ابنِ أخيه المنصور
لما رجَعَ أبو جعفر المنصور من الحج بعدَ موتِ أخيه السفَّاح دخل الكوفةَ فخطَبَ بأهلِها يوم الجمعة، وصلَّى بِهم، ثم ارتحل منها إلى الأنبار وقد أخذَتْ له البَيْعَةُ من أهل العراق وخُراسان وسائرِ البلاد سوى الشام، وقد ضبط عيسى بنُ علي بيوتَ الأموالِ والحواصلِ للمنصور حتَّى قَدِمَ فسلَّمَ إليه الأمر، وكتب إلى عمِّهِ عبدِ اللَّه بنِ علي - وهو بالرُّوم - يُعلِمُهُ بوفاةِ السفَّاح، فلما بلَغَهُ الخبَرُ نادَى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الأمراءُ والناس فقرَأَ عليهم وفاةَ السفَّاح، ثم قام فيهم خطيبًا، فذكر أنَّ السفَّاح كان عَهِدَ إليه حين بعثه إلى مروان أنْ يكونَ الأمرُ إليه من بعدِه، وشهد له بذلك بعضُ أمراءَ العِراق، ونهضوا إليه فبايعوه، ورجَعَ إلى حَرَان فتسلَّمَها من نائبِ المنصور بعدَ محاصرةٍ أربعينَ ليلة، وقتل مقاتل العَتكِي نائبُها، فلمَّا بلغ المنصورَ ما كان من أمرِ عمِّه بعثَ إليه أبا مسلمٍ الخُراسانيَّ ومعه جماعةٌ من الأمراء، وقد تحصَّنَ عبدُ الله بن علي بِحَرَّان، وأرصد عنده مما يحتاجُ إليه من الأطعمةِ والسلاح شيئًا كثيرًا جدًّا، فسار إليه أبو مسلمٍ الخُراسانيّ، وعلى مقدّمتهِ مالكُ بن هيثم الخُزَاعي، فلما تحقَّق عبدُ الله قدومَ أبي مسلم إليه خَشِيَ من جيشِ العراق الذين معَهُ أنْ لا يُناصحوه، فقَتَلَ منهم سبعةَ عشرَ ألفًا، وأراد قتلَ حُميد بن قَحْطَبة، فهرَبَ منه إلى أبي مسلم، فركب عبدُ اللَّه بن علي فنَزل على نَصِيبِين، وخندَقَ حولَ عسكرِه وأقبل أبو مسلم فنَزل ناحيته، وكتب إلى عبدِ اللَّه: إني لم أومَرْ بقتالِك، وإنما بعثني أميرُ المؤمنين واليًا على الشام، فأنا أريدها. فخاف جنودُ الشام من هذا الكلام فقالوا: إنَّا نخافُ على ذَرَارِينا وديارِنا وأموالِنا، فنحن نذهبُ إليها نَمْنَعُهم منه. فقال عبدُ اللَّه: ويحكم، واللّهِ لم يأتِ إلَّا لقتالِنا، فأبَوْا إلَّا أنْ يَرتحلوا نحو الشام، فتحوَّل عبدُ اللَّه من مَنْزليِ ذلك، وقصَدَ ناحيةَ الشام، فنهض أبو مسلم فنَزَل موضعَهُ، وغوَّر ما حولَهُ من المياه، وكان موضعُ عبدِ اللَّه الذي تحوَّلَ منه موضعًا جيدًا جدًّا، فاحتاجَ عبدُ اللَّه وأصحابُه فنَزلوا في موضعِ أبي مسلم فوجدوه مَنْزلًا رديئًا.
ثم أنشأ أبو مسلمٍ القتال، فحَاربَهم خمسةَ أشهر، وكان على خيلِ عبدِ اللَّه أخوهُ عبدُ الصمدِ بن علي، وعلى ميمنتِهِ بَكَّارُ بن مسلم العُقَيلي، وعلى ميسرته حَبِيب بن سُويد الأسدي، وعلى ميمنةِ أبي مسلم الحسنُ بن قَحْطبة، وعلى ميسرَتِهِ أبو نصر خازم بن خُزَيمة، وقد جرَتْ بينهم وقعات، وقُتل منهم جماعاتٌ في أيامٍ نَحِسات، وكان أبو مسلم إذا حمَل يرتجزُ ويقول:
стр. 4804
مَنْ كانَ يَنْوِي أهلَهُ فلا رَجَعْ ....... فَرَّ من الموتِ وفي الموت وَقَعْ
وكان يُعمل له عريش، فيكونُ فيه إذا التَقَى الجيشان، فما رأى في جيشِهِ من خلَل أرسل فأصلَحَه، فلمَّا كان يومُ الثلاثاء أو الأربعاء لسبعٍ خَلَوْنَ من جُمادَى الآخرة التَقَوْا فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فمَكَرَ بِهم أبو مسلم، بعث إلى الحسن بن قَحْطَبة أميرِ الميمنة فأمرَهُ أن يتحوَّل بِمَنْ معه إِلَّا القليل إلى الميسرة، فلما رأى ذلك أهلُ - الشام انحازوا إلى الميمنة بإزاءِ الميسرة التي تعمَّرَتْ، فأرسل حينئذٍ أبو مسلمٍ إلى القلب أنْ يَحمِلَ بمَنْ بقي في الميمنة على ميسرةِ أهلِ الشام، فحَطَموهُمْ، فجالَ أهلُ القلب والميمنةِ من الشاميِّين، فحمل الخراسانيُّون على أهلِ الشام، وكانتِ الهزيمة، وانهزم عبدُ اللَّه بن علي بعد تلوُّم، واحتاز أبو مسلم ما كانَ في مُعَسكرِهم من الأموالِ. والحَوَاصل، وأمَّنَ أبو مسلم بقيَّةَ الناس، فلم يقتلْ منهم واحدًا، وكتب إلى المنصور بذلك، فأرسل المنصورُ مولاه أبا الخصيب، لِيُحصِيَ ما وجدوا في معسكر عبد اللَّه، فغضب من ذلك أبو مسلم الخراساني.
واستوسقتِ الممالكُ لأبي جعفر المنصور، ومضى عبدُ اللَّه بن علي وأخوه عبدُ الصمد على وجهَيْهِما، فلمَّا مَرَّا بالرُّصافة أقام بها عبدُ الصمد، فلما رجع أبو الخصيب وجدَهُ بِها، فأخذه معَهُ مقيَّدًا في الحديد، فأدخله على المنصور فدفعَهُ إلى عيسى بن موسى، فاستأمَنَ له المنصور، وقيل: بل استأمنَ له إسماعيلُ بنُ علي، وأمَّا عبدُ اللَّه بنُ علي فإنَّهُ ذهبَ إلى أخيه سُليمانَ بنِ علي بالبصرة، فأقام عندَهُ زمانًا مختفيًا، ثم علم به المنصور، فبعث إليه فسجنَهُ [في بيتِ بني أساسهُ على الملح، ثم أطلق عليه الماء، فذابَ المِلْحُ وسقطَ البيتُ على عبدِ اللّه فمات. وهذه من بعضِ دواهي المنصور، واللّه سبحانه أعلم] (١). فلَبِثَ في السّجْنِ سبعَ سنين، ثم سقط عليه في البيت الذي هو فيه فمات كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
مَهْلِكُ أبي مسلم الخراسانيّ
في هذه السنة أيضًا لَمَّا فرغ أبو مسلم من الحَجّ سبق الناسَ بِمَرْحَلَة، فجاءه خبَرُ السفَّاح في الطريق، فكتب إلى أبي جعفر يُعَزِّيِه في أخيه، ولم يهنئِّهُ بالخلافة، ولا رَجَعَ إليه، فغَضِبَ المنصورُ من ذلك مع ما كان قد أضمرَ له من السُّوءِ إذا أَفْضَتْ إليه الخلافة، وقيل: إنَّ المنصور هو الذي كان قد تقدَّمَ بين يدَيِ الحَجِّ بمَرْحلة، وإنه لَمَّا جاء خبَرُ موت أخيه كتبَ إلى أبي مسلم يستعجلُهُ في السيرِ كم قدَّمنْا (٢)، فقال لأبي أيوب: اكتُبْ له كتابًا غليظًا. فلمّا بلغَهُ الكتابُ أرسلَ يُهنئِّهُ بالخلافة، وانقَمَع من ذلك، وقال بعضُ
стр. 4805
الأمراء للمنصور: إنَّا نرى أنْ لا تُجامعَهُ في الطريق، فإنَّ معه من الجنودِ مَنْ لا يُخالفُه، وهم لَهُ أهْيَب، وعلى طاعَتِهِ أحرص، وليس معَكَ أحد. فأخذ المنصورُ برأيه، ثم كان من أمرِهِ في مبايعته لأبي جعفر ما ذكَرْنا، ثم بعث إلى عَمَّه عبدِ اللَّه فكسَرَهُ كما تقَدَّم.
وقد بعثَ في غُبونِ ذلك (١) الحسنَ بن قَحْطَبَة لأبي أيُّوب كاتِبِ رسائلِ المنصور يشافههُ ويُخبِرُهُ بأنَّ أبا مسلمٍ متَّهَمٌ عند أبي جعفر، فإنَّهُ إذا جاءه كتابٌ منه يقرؤهُ ثم يَلْوِي شدقَيْه، وَيرْمِي بالكتابِ إلى أبي نصر، ويضحكانِ استهزاءً. فقال أبو أيوب: إنَّ تُهمة أبي مسلم عندنا أظهَرُ من هذا.
ولَمَّا بعث أبو جعفر مولاهُ أبا الخصيب يقطين ليحتاطَ على ما أُصيب من معسكر عبدِ اللَّه من الأموال والجواهر الثمينةِ وغيرِها غضب أبو مسلم، فشتَمَ أبا حعفرٍ وهَمَّ بأبي الخَصِيب حتَّى قيل له: إنما هو رسول، فتركَهُ ورجع أبو الخصيب. فلما قدم أخبر المنصورَ بما كان، وبما هَمَّ به أبو مسلم من قتلِه، فغضب المنصورُ وخشي أن يذهب أبو مسلم من مكانِه إلى خراسان فيشقُّ عليه تحصيلُهُ بعدَ ذلك، وأن تحدث حوادِثُ. فكتب إليه مع يقطين: إني قد ولَّيتك الشامَ ومِصر، وهما خيرٌ من خراسان، فابعَثْ إلى مصرَ مَنْ شئتَ وأقِمْ أنتَ بالشام لتكونَ أقربَ إلى أميرِ المؤمنين إذا أرادَ لقاءك كنتَ منه قريبًا. فغضب أبو مسلم من ذلك وقال: قد ولاني الشام ومصر، ولي ولايةُ خراسان، فإذًا أذهبُ إليها وأستخلفُ على الشام ومصر. فكتب إلى المنصور بذلك، فقَلِقَ المنصورُ من ذلك كثيرًا.
ورجع أبو مسلم من الشام قاصدًا خُراسانَ وهو عازِمٌ على مخالفةِ المنصور، فخرج المنصورُ من الأنبار إلى المدائن، وكتب إلى أبي مسلم بالمصيرِ إليه، فكتب إليه أبو مسلم وهو على الزَّاب عازِمٌ على الدخول إلى خُراسان، أنه لم يبقَ لأميرِ المؤمنين عدوٌّ إِلَّا مَكَّنَهُ الله منه، وقد كُنَّا نَرْوِي عن ملوكِ آلِ ساسان أنَّ أخوفَ ما يكونُ الوزراء إذا سكَنتِ الدهماء، فنحن نافرونَ من قُرْبِك، حريصون على الوفاءِ بعهدك ما وفيت، حَريُّونَ بالسمعِ والطاعة، غيرَ أنَّها من بعيد حيثُ يُقارِنُها السلامة، فإنْ أرضاكَ ذلك فأنا كأحسَنِ عبيدك، وإنْ أبيتَ إِلَّا أنْ تُعطيَ نفسك إرادَتَها نقَضْتُ ما أبرمتُ من عهدِكَ ضَنًّا بنفسي عن مقاماتِ الذُّلِّ والإهانة. فلما وصل الكتابُ إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم: قد فهمتُ كتابَك، وليستْ صِفَتُكَ صِفَةَ أولئك الوزراء الغَشَشَة إلى ملوكِهم الذين يتمنَّوْنَ اضطرابَ حبلِ الدولةِ لكثرةِ جرائمهم، وإنما راحتهم في تبدُّدِ نظام الجماعة، فلِمَ سوَّيتَ نفسَكَ بهم وأنتَ في طاعتك ومُناصحتِك واضطلاعِكَ بما حملتَ من أعباء هذا الأمر على ما أنتَ به، وليس مع الشريطةِ التي أوجبَتْ منك سمعٌ ولا طاعة، وقد حمَّلَ أمير المؤمنين عيسى بن موسى إليك رسألةً ليسكُنَ إليها قلبُكَ إنْ أصغيتَ إليها، وأسألُ اللّهَ أنْ يحولَ
стр. 4806
بين الشيطانِ ونزَغَاتِهِ وبينك، فإنَّهُ لم يجدْ بابًا يُفسِدُ به نِيَّتَك أوكدَ عندَهُ من هذا، ولا أقربَ من طبّهِ (١) من الباب الذي فَتَحَهُ عليك.
ويُقال: إن أبا مسلم كتب إلى المنصور: أمَّا بعد، فإني اتَّخذتُ رجلًا إمامًا، ودليلًا على ما افترض اللَّه على خلقِه، وكان في محلَّةِ العلمِ نازلًا، وفي قرابتِهِ من رسولِ الله ﷺ قريبًا، فاستجهَلَني بالقرآنِ فحرَّفَهُ عن مواضعِهِ، طمعًا في قليل قد تعافاهُ اللَّه إلى خلقِه، وكان كالذي دَلَّى بغَرُور، وأمرني أنْ أُجَرّدَ السيفَ وأرفعَ المَرْحَمَة، ولا أقبلَ المعذِرَة، ولا أُقيلَ العَثَرة، ففعلتُ توطيدًا لسلطانِكُمْ، حتَّى عرَّفكم اللَّه مَنْ كان يجهَلُكم، وأطاعَكم مَنْ كان عدوَّكم، وأظهركم اللَّه بي بعد الإخفاء والحقارَةِ والذُّلّ، ثم استنقذني اللَّه بالتَّوبة، فإنْ يعفُ عني فقديمًا عُرف به، ونُسب إليه، وإنْ يعاقِبْني فبما قدَّمَتْ يداي، فما اللَّه بظلامٍ للعبيد. ذكره المدائني عن شيوخه (٢).
وبعث المنصورُ إليه جريرَ بنَ يزيدَ بنِ عبدِ اللَّه البَجَلي، وقد كان أوحدَ أهلِ زمانهِ في جماعةٍ من الأمراء، وأمرَهُ أنْ يُكَلّمَ أبا مسلمٍ باللّين كلامًا يقدِرُ عليه، وأن يكون في جملةِ ما يكلِّمُه به أنه يُريدُ رفعَ قَدْرِك، وعلوَّ مَنْزلتِك، والإطلاقاتِ لك، فإنْ جاء بهذا فذاك، وإنْ أبَى فقلْ: هو بريءٌ من العباس إنْ شققتَ العَصَا على وجهك، لَيُدْرِكَنَّكَ بنفسِه، وليقاتلَنَّك دونَ غيرِه، ولو خُضتَ البحرَ الخِضَمَّ لخاضَهُ خلفَك حتَّى يدركَكَ فيقتلكَ أو يموتَ قبل ذلك، ولا تقلْ له هذا حتَّى تيأسَ من رجوعِهِ بالتي هي أحسن.
فلمَّا قَدِمَ عليه أمراءُ المنصورِ بِحُلْوان دخلوا عليه، ولامُوهُ فيما هَمَّ بهِ من مُنابَذَةِ أميرِ المؤمنين وما هو فيه من مخالفتِه، ورغَّبوهُ الرجوعَ إلى الطاعة، فشاوَرَ ذوي الرأي من أمرائِه، فكلُّهم نَهاهُ عن الرجوعِ إليه وأشاروا بأنْ يُقيمَ في الرَّيّ، فتكونُ خراسانُ تحتَ حُكمِه، وجنودُه طوعًا له، فإن استقام لَهُ الخليفةُ وإلَّا كانَ في عِزٍّ ومَنَعَةٍ من الجُند، فعند ذلك أرسلَ أبو مسلم إلى أمراءَ المنصور فقال لهم: ارجِعوا إلى صاحبِكم، فلستُ ألقاه، فلمّا استيأسوا منه قالوا ذلك الكلامَ الذي كان المنصور أمرَهم به، فلما سمع ذلك كَسَرَهُ جِدًّا وقال: قوموا عني الساعة.
وكان أبو مسلم قدِ استخلف على خُراسان أبا داود إبراهيم بن خالد، فكتب إليه المنصورُ في غَيبةِ أبي مسلم حين اتُّهم: إنَّ ولايةَ خُراسانَ لكَ ما بَقِيت، فقد ولَّيتكَها وعزَلْتُ عنها أبا مسلم. فعند ذلك كتَبَ أبو داودَ إلى أبي مسلمٍ حينَ بلَغَهُ ما عليه من مُنَابَذَةِ الخليفة أنه ليس يليقُ بنا منابذةُ خلفاءِ أهلِ بيتِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فارجِعْ إلى إمامِكَ سامعًا مُطيعًا والسلام. فزادَهُ ذلك كسرًا أيضًا، فبعث إليهم أبو مسلم: إني سأبعثُ إليه أبا إسحاق، وهو مِمَّنْ أثِقُ به، فبعث أبا إسحاق إلى المنصور، فأكرمه
стр. 4807
ووَعَدَهُ بنيابةِ العرافِ إنْ هو ردَّه، فلمَّا رجع إليه أبو إسحاق قال له: ما وراءك؛ قال: رأيتُهم مُعظِمينَ لك، يعرفون قدرَك. فغَرَّهُ ذلك، وعزم على الذهاب إلى الخليفة، فاستشار أميرًا يُقالُ له نَيْزَك فنهاه، فصمَّمَ على الذهاب، فلما رآهُ نيزك عازمًا على الذهاب تمثَّلَ بقولِ الشاعر:
ما لِلرِّجَالِ مع القضاءَ محَالَةٌ .... ذهب القضاءُ بِحِيلَةِ الأقوامِ
ثم قال له: احفظْ عني واحدةً. قال: وما هي؟ قال: إذا دخلتَ عليه فاقتُلْهُ ثم بايعْ مَنْ شئتَ بالخلافة، فإنَّ الناسَ لا يخالفونك. وكتب أبو مسلم يُعِلمُهُ بقُدومِهِ عليه. قال أبو أيوب كاتبُ الرسائل: فدخلت على المنصور وهو جال في خِبَاءَ شعَر، جال في مُصَلاهُ بعدَ العَصْر، وبين يديه كتاب، فألقاهُ إليّ، فإذا هو كتابُ أبي مسلم يُعلمه بالقُدوم عليه، ثم قال الخليفة: والله لئن ملأتُ عيني منه لأقتلَنَّه. قال أبو أيوب: فقلتُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّاَ إِليهِ رَاجُعونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] وبِتُّ تلك الليلةَ لا يأتيني نَوْم، وأفكِّرُ في هذه الواقعة، وقلت: إنْ دخل أبو مسلم خائفًا ربما يَبدو منه شرٌّ إلى الخليفة، والمصلحةُ تقتضي أن يدخلَ آمنًا ليتمكَّنَ منه الخليفة، فلما أصبحتُ طلبتُ رجلًا من الأمراء وقلتُ له: هل لك أن تتولَّى مدينةَ كَسْكَر (١) فإنها مُغِلَّةٌ في هذه السنة. فقال: ومَنْ لي بذلك؟ فقلت له: فاذهَبْ إلى أبي مسلم فتلقَّاهُ في الطريق فاطلبْ منه أنْ يُولِّيَكَ تلك البلد، فإنَّ أمير المؤمنين يُريد أن يُولِّيَهُ ما وراء بابه ويستريحَ لنفسه. واستأذنتُ المنصورَ له أنْ يذهبَ إلى أبي مسلم، فأذِنَ له وقال له: سَلِّمْ عليه وقُلْ له: إنَّا بالأشواق إليه. فسار ذلك الرجلُ وهو سلمة بن فلان (٢) إلى أبي مسلم فأخبرَهُ باشتياقِ الخليفةِ إليه، فسرَّهُ ذلك وانشرح، وإنما هو غرورٌ ومَكْرٌ به، فلما سمع أبو مُسلم بذلك عجَّلَ الشَيْرَ إلى مَنِيَّتِه، فلما قرب من المدائن أمر الخليفةُ القوَّادَ والأمراءَ أنْ يتلقَّوه، وكان دخولُه على المنصور من آخرِ ذلك اليوم، وقد أشار أبو أيوب على المنصور أنْ يؤخِّرَ قتلَهُ في ساعتِهِ هذه إلى الغد، فقبل ذلك منه، فلما دخل أبو مسلم على المنصور من العَشِيّ أظهر له الكرامةَ والتعظيم، ثم قال: اذهَبْ فأرح نفسَك، وادخُلِ الحمَّام، فإذا كان الغَدُ فأْتِني، فخرج من عنِده، وجاءه الناسُ يُسلِّمون عليه، فلما كان الغدُ طلب الخليفةُ بعضَ الأمراء فقال له: كيف بلائي عندَك؟ فقال: واللّه يا أمير المؤمنين لو أمرتَني أن أقتلَ تفسي لقتلتُها. قال: فكيف بك
стр. 4808
لو أمرتُكَ بقتلِ أبي مسلم؟ قال: فوَجَم ساعةً ثم قال له أبو أيوب: ما لَكَ لا تتكلَّم؟ فقال قولةً ضعيفة: أقتلُه. ثم اختار له من عيونِ الحرَس أربعةً، فحرَّضَهم على قتله، وقال لهم: كونوا من وراء الرُّوَاق، فإذا صفَّقتُ بيدي فاخرجوا عليه فاقتلوه. ثم أرسل المنصورُ إلى أبي مسلم رسلًا تَتْرَى يتبع بعضُهم بعضًا، فأقبل أبو مسلم فدخل دارَ الخلافة، ثم دخل على الخليفة وهو يبتسِم، فلمَّا وقف بين يديه جعل المنصورُ يعاتِبُهُ في الذي صنَعَ واحدةً واحدةً، فيعتذِرُ عن ذلك كلِّه، فيما كان اعتمدَهُ من الأمور التي تسَرَّعَ فيها، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أرجو أن تكونَ نفسُكَ قد طابَتْ عليّ. فقال المنصور: أما واللّه ما زادَني هذا إلَّا غَيْظًا عليك. ثم ضرَبَ بإحدى يديه على الأخرى، فخرج عثمانُ وأصحابُه فضربوه بالسيوف حتَّى قتلوه ولفُّوهُ في عباءة، ثم أمَرَ بإلقائه في دِجْلَة، وكان آخرَ العَهْدِ به، وكان مقتَلُهُ في يومِ الأربعاء لأربع بَقِينَ من شعبان سنةَ سبعٍ وثلاثين ومئة. وكان من جُملة ما عاتبه به المنصور أن قال: كتبتَ إليَّ مرَّاتٍ تبدأ بنفسِك، وأرسلتَ تخطبُ عمَّتي أمينة، وثزعمُ أنك ابن سليط بن عبد اللَّه بن عباس إلى غيرِ ذلك. فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين لا يُقال لي هذا وقد سعَيْتُ في أمرِكم بما عَلِمَهُ كلُّ أحد. فقال: وَيْلَك! لو قامَتْ في ذلك أمَةٌ سوداء لأتَمهُ اللَّه لجِدّنا وحَيْطَتِنا. ثم قال: واللّه لأقتلَنَّك. فقال: استبقِني يا أميرَ المؤمنين لأعدائك. فقال: وأيّ عدوٍّ لي أعدَى منك؛ ثم أمر بقتلِهِ كما تقدَّم. فقال له بعضُ الأمراء: يا أميرَ المؤمنين الآنَ صرتَ خليفة.
ويقال: إنَّ المنصور أنشدَ عندَ ذلك:
فألقَتْ عصاها واستقرَّ بِها النَّوَى … كما قَرَّ عينًا بالإيابِ المسافرُ
وذكر ابنُ خَلِّكان أنَّ المنصور لَمَّا أرادَ قتلَ أبي مسلم تحيَّرَ في أمره، هل يستشيرُ أحدًا في ذلك أو يستبدُّ هو لئلا يَشِيعَ وينتشر؟ ثم استشار واحدًا مَن نُصَحاء أصحابِه، فقال: يا أمير المؤمنين، قال اللَّه تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. فقال له: لقد أودعتَها أُذُنًا واعية. ثم عزم على ذلك.
ترجمة أبي مسلم الخراساني (١)
هو عبدُ الرحمن بن مسلم أبو مسلم، صاحبُ دولةِ بني العباس، ويُقالُ له أميرُ آلِ بيتِ رسولِ اللَّه ﷺ .
стр. 4809
وقال الخطيب (١): يقال له عبد الرحمن بن مسلم بن سنفيرون بن اسفنديار، أبو مسلم المروزِيّ، صاحبُ الدولةِ العباسية، يَرْوي عن أبي الزُّبَير [محمد بن مسلم المكِّي]، وثابت البُنَاني، وإبراهيم، وعبدِ الله بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس. زاد ابن عساكر (٢) في شيوخه: محمد بن علي، وعبد الرحمن بن حَرْمَلة، وعكرمة مولى ابن عباس.
قال ابنُ عساكر (٣): روى عنه إبراهيم بن ميمون الصائغ، وبشر والد مُصعَب بن بشر، وعبد الله بن شُبْرُمَة، وعبدُ اللَّه بن مُنِيب المروزي، وقُديد بن مَنِيع، صِهْر أبي مسلم.
قال الخطيب (٤): وكان أبو مسلم فاتكًا ذا رأي وعقل وتدبير وحزم، قتله أبو جعفر المنصور بالمدائن:
وقال أبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان: كان اسمه عبد الرحمن بن عثمان بن يسار، قيل إنه ولد بأصبهان، وروى عن السُّدِّي وغيرِه، وقيل اسمه إبراهيم بن عثمان بن يسار بن سندوس بن جودرن، من ولدِ بُزُرْجمْهر، وكان يُكنى أبا إسحاق، ونشأ بالكوفة، وكان أبوه أوصى به إلى عيسى بن موسى السرَّاج، فحمله إلى الكوفة وهو ابنُ سبعِ سنين، فلما بعثه إبراهيم بن محمد الإمام إلى خراسان قال له غَيِّرِ اسْمَكَ وكُنْيَتَك؛ فتَسَمَّى عبد الرحمن بن مسلم، واكتنى بأبي مسلم، فسار إلى خُراسان وهو ابنُ سبعَ عشرةَ، راكبًا على حمارٍ بإكاف، وأعطاهُ إبراهيم بن محمد نفقة من عنده، فدخل خراسانَ وهو كذلك، ثم آلَ به الحال حتَّى صارَتْ له خُراسانُ بأزِمَّتِها وحَذَافيرِها.
وذكر بعضُهم أنه في ذهابهِ إليها عدا رجلٌ من بعضِ الحانات (٥) على حمارِهِ فهَلَبَ ذنَبه (٦)، فلما تمكَن أبو مسلم جعل ذلك المكان دَكًّا، فكان بعدَ ذلك خرابًا.
وذكر بعضُهم أنه أصابه سِبَاءٌ في صِغَرِهِ، وأنه اشتراهُ بعضُ دعاةِ بني العباس بأربعمئة درهم، ثم إن إبراهيم بن محمد الإمام استوهَبَهُ واشتراه، فانتمى إليه، وزوَّجهُ إبراهيمُ بنتَ أبي النَّجْم عمرانَ بنِ إسماعيل الطائيِّ أحَدِ دُعاتِهم لمَّا بعثه إلى خراسان، وأصدَقَها عنه أربعمئة درهم، فوُلد لأبي مسلم بنتان، إحداهما أسماءُ أعقبَتْ، وفاطمة لم تُعقب.
стр. 4810
وقد تقدَّمَ ذكرُ كيفيةِ استقلالِ أبي مسلم بأمورِ خُراسانَ في سنةِ تسع وعشرين ومئة، وكيف نشر دعوةَ بني العباس. وقد كان ذا هيبةٍ وصَرَامةِ وإقدام وتسَرُّعٍ في الأمور، وقد روى ابنُ عساكر (١) من طريقِ مصعب بن بشر، عن أبيه قال: قام رجلٌ إلى أبي مسلم وهو يخطب فقال: ما هذا السوادُ الذي أرى عليك؛ فقال: حدثني أبو الزُّبَير عن جابر بن عبدِ الله، أن رسول الله ﷺ دخل مكة يومَ الفتح وعليهِ عمَامةٌ سوداء، وهذهِ ثيابُ الهيبةِ (٢) وثيابُ الدولة، يا غلام، اضربْ عُنقَه.
وروى (٣) من حديث عبد الله بن مُنيب عنه (٤) عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جدِّهِ عبدِ الله بن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "منْ أراد هوانَ قُريشٍ أهانَهُ الله" (٥).
وقد كان إبراهيمُ بن ميمون الصائغُ من أصحابِهِ وجلسائهِ في زمَنِ الدعوة، وكان يَعِدُهُ إذا ظهَرَ أنْ يُقيمَ الحُدود، فلمَّا تمكَّنَ أبو مسلم ألحَّ عليهِ إبراهيمُ بن ميمون في القيام بما وَعَدهُ به حتَّى أحرَجَه، فأمرَ بضَرْبِ عُنقه بعد ما قال له: هلَّا تُنكرُ على نصرِ بنِ سيَّارٍ وهو يعملُ أوانيَ الخمر من الذهب فيبعثها إلى بني أمية؟ فقال له: إنَّ أولئك لم يُقرِّبوني من أنفسِهم ويَعِدُوني منها ما وعَدْتَني أنت.
وقد رأى بعضُهم - في المنام لإبراهيمَ بنِ مَيْمون هذا منازلَ عالية في الجنة بصَبْرِهِ على الأمرِ بالمعروفِ والنَّهْي عن المنكر، فإنه كان آمرًا ناهيًا قائمًا في ذلك، فقتله أبو مسلم ﵀.
وقد ذكرنا طاعةَ أبي مسلمٍ للسَّفَاح واعتناءَهُ بأمرِه، وامتثالِ مَرَاسيمِه، فلمّا صار الأمرُ إلى المنصور استخفَّ بهِ واحتقرَهُ، ومع هذا بعثه إلى عمِّه عبدِ الله إلى الشام فكسرَهُ واستنقذ منه الشام ورَدَّها إلى حُكمِ المنصور، ثم شَمَختْ نفسُهُ على المنصور، وهمَّ بقتله، ففَطِنَ لذلك المنصور مع ما كان مُبْطنًا له من البِغْضَة في نفس الأمر، وقد سأل أخاهُ السفاحَ غيرَ مرَّةٍ أنْ يقتُلَهُ فصدَفَ عن ذلك؛ وذكرْنا أيضًا ما كان من أمرِ أبي مسلم والمنصور من المراسلات والمكاتبات حين استوحش منه المنصور، واتَّهَمهُ بسوء النِّيَّة،
стр. 4811
وما زال يراسِلُهُ ويستدعيه ويَخْدَعُه ويُماكِرُهُ حتَّى استحضَرَهُ فقتَلَه كما قدَّمنا بيانه (١).
قال بعضُهم كتبَ المنصورُ إلى أبي مسلم: أمَّا بعد، فإنه يُرينُ على القلوب، ويَطْبَعُ عليها المعاصي فعِ أيها الطائش، وأفِقْ أيُّها السَّكْران، وانتبِهْ أيها النائم، فإنَّك مغرورٌ بأضغاثِ أحلام كاذبة، في بَرْزَخ دُنيا قد غرَّتْ منْ كانَ قَبْلَك، وُسِمَ بها سوالفُ القُرون ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] وإن اللَّه لا يُعجِزُهُ منْ هرَب، ولا يَفُوته من طلب، فلا تغترّ بمن معك من شيعتي وأهلِ دعوتي، فكأنَّهم قد صالوا عليك بعدَ أنْ صالوا معكَ إنْ أنتَ خلعتَ الطاعةَ وفارقتَ الجماعة، وبدا لَكَ من اللَّه ما لم تكنْ تحتسِب، مهلًا مهلًا، احذرِ البغيَ أبا مسلم، فإنه من بَغَى واعتَدَى تخفَى الله عنه، ونصر عليه منْ يصرَعُهُ لليدينِ والفمِ، واحذرْ أنْ تكونَ سُنَّةً في الذين قد خَلَوْا من قبلك، ومُثْلةً لمن يأتي بعدَك، فقد قامتِ الحُجة، وأعذرتُ إليك وإلى أهل طاعتي فيك. قال تعالى: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥].
فأجابه أبو مسلم: أما بعد فقد قرأتُ كتابَك، فرأيتُك فيه للصواب مجانبًا، وعن الحقِّ حائدًا، إذ تضربُ فيه الأمثالَ على غيرِ أشكالِها، وكتبتَ إليَّ فيه آياتٍ مُنْزلةً من الله للكافرين، وما يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وإنَّني والله ما انسلختُ من آياتِ الله، ولكنَّني يا عبدَ اللّهِ بن محمد، كنتُ رجلًا متأوِّلًا فيكم من القرآن آياتٍ أوجبَتْ لكمُ الولايةَ والطاعة، فأتمَمْتُ بأخوينِ لك من قبلِك، ثم بكَ من بعدِهما، فكنتُ لهما شيعةً متديِّنًا، أحسبُني هاديًا مُهتدِيًا، وأخطأتُ في التأويل، وقِدْمًا أخطأ المتأوِّلون، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]؛ وإنَّ أخاكَ السفِّاحَ ظَهَرَ في صورةِ مَهْدِيّ، وكان ضالًا، فأمَرَنِي أن أُجَرِّدَ السيف وأقتلَ بالظِّنَّة، وأُقدمَ بالشُّبْهَة، وأرفعَ الرَّحْمَة، ولا أُقيلَ العَثَرة، فوترتُ أهلَ الدُّنْيا في طاعتِكم، وتَوْطِئَة سُلطانكم، حتَّى عرَّفكم اللَّه منْ كانَ جَهِلَكُم، ثم إن الله تدارَكَني منه بالنَّدَم، واستنقذني بالتَّوبة، فإنْ يَعْفُ عنِّي ويصفَح، فإنه كان للأوَّابين غفورًا، وإنْ يُعاقِبْني فبذنوبي، وما ربُّكَ بظلامٍ للعَبيد.
فكتب إليه المنصور: أمَّا بعدُ أيها المجرمُ العاصي، فإنَّ أخي كان إمامَ هُدى، يَدْعو إلى الله على بَيِّنةٍ من رَبّه، فأوضح لك السبيل، وحَمَلكَ على المنهِج السَّديد، فلو بأخي اقتديت لمَا كنتَ عن الحقِّ حائدًا، وعن الشيطانِ وأوامرِهِ صادرًا، ولكنَّه لم يسنحْ لكَ أمرانِ إِلَّا كنتَ لأرشَدِهما تاركًا، ولأغواهُما راكبًا، تقتُل قتلَ الفراعنة، وتبطِشُ بطشَ الجبابرة، وتَحكُمُ بالجَوْرِ حُكْمَ المفسدين، وتبذِرُ المالَ وتضَعُه في غير مَوَاضعِهِ فعلَ المسرفين؛ ثم من خَبَري أيها الفاسق، أنِّي قد ولَّيتُ موسى بن كعبٍ
стр. 4812
خُراسان، وأمَرْتُهُ أنْ يُقيمَ بنَيْسابور، فإنْ أردتَ خُراسان لَقيَكَ بمَنْ معه من قُوَّادي وشيعتي، وأنا مُوَجِّهٌ للقائك أقرانَك، فاجْمَعْ كَيْدك وأمْرُكَ غيرُ مسدَّدٍ ولا مُوَفَّق؛ وحَسْبُ أميرِ المؤمنينَ ومَنِ اتَّبَعَهُ اللَّه ونعمَ الوَكيل.
ولم يزَلِ المنصورُ يُراسلهُ تارةً بالرغبة، وتارةً بالرَّهْبة، ويستخِفُّ أحلامَ منْ حَوْلَهُ من الأمراءَ والرسُل الذين يبعثهم أبو مسلم إلى المنصور، ويَعِدُهم حتَّى حَسَّنوا لأبي مسلم في رأيه القُدومَ عليه سوى أمير معه يُقال له نَيْزك، فإنَّه لم يُوافقْ على ذلك، فلمَّا رأى أبا مسلم وقد انصاعَ لهم أنشدَ عن ذلك البيت المتقدِّم (١) وهو:
ما للرجال مع القضاء مُحالةٌ .... ذهب القضاءُ بحيلةِ الأقوام
وأشار عليه بأن يقتلَ المنصور ويستخلفَ بدَلَه؛ فلم يُمْكِنْهُ ذلك، فإنَّه لما قَدِمَ المدائن تلقَّاهُ الأمراءُ عن أمرِ الخليفة، فما وصل إلَّا آخرَ النهار، وقد أشار أبو أيوب كاتبُ الرسائل أنْ لا يَقْتُلَهُ يومَهُ هذا كما تقدَّم. فلما وقف بين يدي الخليفة أكرَمهُ وعَظَمهُ وأظهرَ احترامَه وقال: اذهبِ الليلةَ فأذهبْ عنك وعْثاءَ السَّفَر ثم ائتِني من الغد. فلما كان الغَدُ أرصَدَ لهُ من الأمراءَ منْ يَقْتُلُه منهم عثمان بن نَهِيك، وشبيب بن واج، وأرسل إليه رسلًا تترى ليقدم عليه، فقتلوه كما تقدَّم (٢).
ويُقال بل أقام أيامًا يُظهِرُ له المنصورُ الإكرام والاحترام، ثم بَدَا له منه الوَحْشةُ، فخاف أبو مسلم، واستشفَعَ بعيسى بنِ موسى، واستجارَ به وقال: إني أخافُهُ على نفسي. فقال: لا بأس عليك. فانطلِقْ فإنِّي آتٍ وراءَكَ، أنتَ في ذمَّتي حتَّى آتيَكَ. ولم يكنْ مع عيسى خبرٌ بما يُريدُ بهِ الخليفة؛ فجاء أبو مسلم يستأذنُ المنصور، فقالوا له: اجلِسْ هاهنا، فإنَّ أميرَ المؤمنين يتوضأ، فجلس وهو يودُّ أنْ يطولَ مجلسُه، ليجيءَ عيسى بنُ موسى، فأبطأ، وأذنَ له الخليفة، فدخل عليه، فجعل يُعاتِبُهُ في أشياءَ صدَرَتْ منه، فيعتذرُ عنها جيدًا، حتَّى قال له: فلِمَ قتلتَ سليمان بن كَثير، وإبراهيمَ بنَ ميمون وفلانًا وفلانًا؛ قال: لأنَّهم عصَوْني وخالفوا أمْري. فغَضبَ عندَ ذلكَ المنصور وقال: وَيْحَك! أنتَ تقتُلُ إذا عُصيت، وأنا لا أقتُلُكَ وقد عصَيْتَني؟! وصَفَّقَ بيدَيْه، وكانتِ الإشارةَ بينه وبين أولئكَ المُرْصَدِين لقَتْلِه، فتبادروا إليه ليقتلوه، فضرَبَهُ أحدُهم فقطَعَ حمائلَ سيفِه، فقال: يا أميرِ المؤمنين استبقِني لأعدائك. فقال: وأيُّ عدوٍّ أعْدَى منك؟! ثم زجَرَهُم المنصور، فقطَّعوهُ قِطَعًا ولفُوْهُ في عباءة، ودخل عيسى بن موسى على إثْر ذلك، فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا أبو مسلم. فقال: إنا للّه وإنَّا إليه راجعون. فقال له المنصور: أحمد اللَّه الذي هجمت عليَّ نِعَمُه، ولم تَهجُمْ عليَّ نِقَمُه. ففي ذلك يقول أبو دُلامة:
стр. 4813
أبا مسلم ما غيَّرَ اللّهُ نِعمةً ..... على عبدِهِ حتَّى يُغيِّرَها العَبْدُ
أبا مسلمٍ خَوَّفتَني القتلَ فانْتحى ..... عليك بما خَوَّفتَني الأسَدُ الوَرْدْ (١)
وذكر ابنُ جرير (٢) أنَّ المنصور تقدَّمَ إلى عثمانَ بنِ نَهيك، وشبيب بن واج، وأبي حنيفة حرب بن قيس، وآخر من الحرس، أن يكونوا قريبًا منه، فإذا دخل عليه أبو مسلم وخاطبه، وضرب بإحدى يديه على الأخرى فَلْيَقتلوه. فلما دخل عليه أبو مسلم قال له المنصور ما فعلَ السيفانِ اللذانِ أصبتَهما من عبدِ الله بن علي؟ فقال: هذا أحدُهما. فناوله السيف فوضعه تحت ركبته، ثم قال له: ما حملك على أن تكتب لأبي عبد الله السفاح تنهاهُ عن الموات، أردتَ أنْ تعلِّمَنا الدِّين؟! قال: إنَّني ظننتُ أنَّ أخْذَهُ لا يَحِلّ، فلما جاءني كتابُ أميرِ المؤمنين علمتُ أنه وأهلَ بيته مَعْدِنُ العِلْم. قال: فلِمَ تقدَّمتَ عليَّ في طريقِ الحجّ؟ قال: كرهتُ اجتماعَنا على الماء، فيضرّ ذلك بالناس، فتقدَّمْتُ التماسَ الرِّفق. قال: فلِمَ لا رجعتَ إليَّ حين أتاكَ خبرُ موتِ أبي العباس؟ قال: كرهتُ التضييقَ على الناسِ في طريقِ الحجِ، وعرفتُ أنَّا سنجتمعُ بالكوفة، وليس عليكَ مني خلاف. قال: فجاريةُ عبدِ اللَّه بنِ علي أردتَ أن تتَّخِذها لنفسِك؟ قال: لا، ولكنْ خفتُ أن تَضِيعَ فحمَلْتُها في قُبَّة، ووكَلْتُ بِها من يَحفَظُها. ثم قال: ألستَ الكاتبَ إليَّ تبدأُ بنفسِك؟ والكاتب إليَّ تَخطُبُ أمينةَ بنتَ علي، وتزعمُ أنك ابنُ سَليط بن عبدِ الله بن عباس؟ هذا كلُّه ويَدُ المنصورِ في يَدِهِ يَعْرِكُها ويُقَبِّلُها ويعتذر؛ ثم قال له: فما حَمَلكَ على مُرَاغمتي ودخولكَ إلى خُراسان؟ قال: خِفْتُ أنْ يكونَ دَخَلكَ منِّي شيء، فأردتُ أنْ أدخُلَ خراسانَ وأكتبَ إليكَ بعُذْري. قال: فلِمَ قتلتَ سليمانَ بنَ كَثير وكان من نُقبانا ودُعاتنا قَبْلَك؟ قال: أرادَ خِلافي. فقال: وَيْحك! وأنتَ أردتَ خلافي وعَصَيتني، قَتَلَني اللَّه إنْ لم أقتُلْك. ثم ضرَبَهُ بعمودِ الخيمة، وخرج إليه أولئك، فضربه عثمانُ فقطَعَ حمائلَ سيفه، وضرَبَهُ شبيبٌ فَقَطعَ رِجْلَه، وحمَلَ عليه بقيتُهُمْ بالسيوف، والمنصورُ يَصيح: ويحكم اضربوه، قطَعَ اللَّه أيديكم. ثم ذبَحوه وقطَّعوه قطعًا قِطَعًا، ثم أُلقي في دِجْلة.
ويُروى أنَّ المنصورَ لمَّا قتلَه وقف عليه فقال: رَحِمكَ الله أبا مسلم بايعتَنا فبايعناك، وعاهدتَنا وعاهَدْناك، ووفيتَ لنا فوَفيْنا لك، وإنَّا بايعناك على أنْ لا يَخرجَ علينا أحدٌ في هذه الأيام إِلَّا قَتَلْناه، فخرَجْتَ علينا فقتَلْناك وحَكَمْنا عليك حُكْمكَ على نفسِك لنا. ويُقال: إنَّ المنصور قال: الحمدُ لله الذي أرانا يومكَ يا عدوَّ اللَّه.
стр. 4814
قال ابنُ جرير (١): وقال المنصورُ عند ذلك:
زعمتَ أنَّ الدَّيْن لا يُقتضَى .... فاستوفِ بالكَيْلِ أبا مُجْرِمِ
سُقيتَ كأسًا كنتَ تَسْقِي بها .... أمَرَّ في الحَلْق من العَلْقم
ثم إنَّ المنصورَ خطَبَ في الناسِ بعدَ قتلِ أبي مسلم فقال: أيها الناس، لا تُنَفِّروا أطيارَ النِّعَم بتَرْكِ الشُّكْر، فتَحِلَّ بكُمُ النِّقَم، ولا تُسِرُّوا غِشَّ الأئمَّة، فإنَّ أحدًا لا يُسِرُّ منكمْ شيئًا إِلَّا ظَهَرَ في فَلَتاتِ لسانِه، وصَفَحاتِ وَجْهِه، وطوالِعِ نَظَرِه، وإنَّا لنْ نجهَلَ حقوقَكُمْ ما عرَفْتُمْ حَقَّنا، ولا نَنْسى الإحسانَ إليكم ما ذكرتُمْ فضلَنا، ومنْ نازَعَنا هذا القَميص أوطأَنا أمَّ رأسِهِ حتَّى يستقيمَ رجالُكم، وترتَدِعَ عُمَّالُكم، وإنَّ هذا الغَمْرَ أبا مسلم، بايَعَ على أنَّهُ منْ نَكَثَ بيعتَنا، وأظهرَ غِشَّنا، فقد أباحَنا دَمَه، فنكَثَ وغدَرَ وفجَرَ وكفَر، فحكَمْنا عليه لأنفسنا حُكْمَهُ على غيرِه لنا؛ وإنَّ أبا مسلمٍ أحسَنَ مُبتديًا وأساءَ منتهيًا، وأخذَ من الناسِ بنا لنفسِهِ أكثرَ ممَّا أعطانا، ورَجَّحَ قبيحَ باطِنِه على حُسْنِ ظاهِرِه، وعَلِمْنا من خُبْثِ سريرَتِه وفسادِ نِيَّتِهِ ما لو علم اللائمُ لنا فيه لما لام، ولو اطَّلع على ما اطَّلَعْنا عليه منه لعَذَرَنا في قَتْلِه، وعَنَّفَنا في إمْهالِه، وما زال يَنْقُضُ بيعتَه، ويَخْفِرُ ذمَّتَه حتَّى أحلَّ لنا عقوبتَه، وأباحَنا دَمَه، فحكمنا فيه حُكْمهُ في غيرِهِ مِمَّنْ شقَّ العَصَا، ولم يمنَعْنا الحقُ له من إمضاءِ الحقِّ فيه، وما أحسن ما قالَ النابغةُ الذبياني للنعمان - يعني ابنَ المنذر:
فمنْ أطَاعكَ فانفَعْهُ بطاعتِهِ .... كما أطاعَكَ وادْلُلْهُ على الرَّشَدِ
ومنْ عصاكَ فعاقِبْهُ مُعاقبةً ..... تَنْهى الظلومَ ولا تَقْعُدْ على ضَمَدِ (٢)
وقد روى البيهقيُّ عن الحاكمِ بسندِه، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ المبارك سُئل عن أبي مسلم، أهو خيرٌ أمِ الحجَّاح؟ فقال: لا أقولُ أنَّ أبا مسلمٍ كان خيرًا من أحد، ولكنْ كان الحجَّاج شرًّا منه، قد اتهمَهُ بعضُهم على الإسلام، ورَمَوْهُ بالزَّنْدقة؛ ولم أرَ فيما ذكروهُ عن أبي مسلم ما يدلُّ على ذلك، بل على أنه كان ممَّنْ يخافُ الله من ذنوبهِ، وقد ادَّعَى التَّوْبة فيما كان منه من سَفْكِ الدماء في إقامةِ الدولة العباسية، والله أعلمُ بأمرِه.
وقد روى الخطيب (٣) عنه أنه قال: ارتديتُ الصَّبْر، وآثرتُ الكفاف (٤)، وحالفْتُ الأحزانَ والأشجان، وشامَخْتُ (٥) المقاديرَ والأحكام، حتَّى بلغتُ غايةَ همَّتي، وأدركتُ نهايةَ بُغْيتي ثم أنشأ يقول:
стр. 4815
قد نلتُ بالعَزْم والكِتْمانِ ما عَجَزتْ … عنه ملوكُ بني مروانَ إذْ حَشَدوا
ما زلتُ أضرِبُهم بالسيفِ فانتبهوا ..... من رَقْدةٍ لم ينَمها قبلَهم أحدُ
وطُفْتُ أسعى عليهم في ديارِهم ..... والقومُ في مُلكِهم في الشامِ قد رَقدوا
ومنْ رَعى غنمًا في أرضِ مَسْبعةٍ ..... ونامَ عنها تولَّى رَعْيَها الأسدُ
وقد كان قتلُ أبي مسلم بالمدائن يومَ الأربعاء لسبعٍ خلَوْنَ - وقيل لخمسٍ بَقين، وقيل لأربعٍ، وقيل لليلتينِ بَقِيتا - من شعبان من هذه السنة، أعني سنةَ سبعٍ وثلاثين ومئة.
قال بعضُهم: كان ابتداءُ ظهورِهِ في رمضان من سنةِ تسعٍ وعشرين ومئة، وقيل: في شعبان سنة سبعٍ وعشرين ومئة.
وزعم بعضُهم أنه قُتل ببغداد في سنةِ أربعين؛ وهذا غلَطٌ من قائله، فإنَّ بغدادَ لم تكُنْ بُنيت بعدُ كما ذكرَهُ الخطيب في تاريخ بغداد، وردَّ هذا القول.
ثم إنَّ المنصور شرع في تأليف أصحابِ أبي مسلم بالأُعطية والرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ والولايات، واستدعى أبا إسحاق - وكان من أعزِّ أصحابِ أبي مسلم - وكان على شرطة أبي مسلم، وهمَّ بضَرْبِ عُنقه، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما أمنتُ قطُّ إِلَّا في هذا اليوم، وما من مرَّةٍ كنتُ أدخلُ عليك إِلَّا تحنَّطْتُ ولبستُ كفَني، ثم كشف عن ثيابِهِ التي تَلِي جسَدَه، فإذا هو مُحنَّطٌ وعليه أدراعُ أكفان، فرن له المنصور وأطلَقَه.
وذكر ابنُ جرير (١) أن أبا مسلم قتل في حروبه وما كان يتعاطاهُ لأجل دولةِ بني العباس ستَّمئةِ ألفٍ صَبْرًا زيادة عن منْ قتلَ بغيرِ ذلك. وقد قال للمنصور وهو يعاتبهُ على ما كان يصنعه: يا أمير المؤمنين لا يُقال لي هذا بعد بلائي وما كان مني. فقال له: يا بن الخبيثة، لو كانتْ أمةٌ مكانَكَ لأجزأتْ ناحيتها، إنما عملتَ ما عملتَ بدولتِنا وبريحِنا، ولو كان ذلك إليك لما قطعتَ فَتيلًا. ولمَّا قتله المنصور لُفَّ في كساءً وهو مقطَعٌ إرْبًا إرْبًا، فدخل عيسى بن موسى فقال: يا أمير المؤمنين، أين أبو مسلم؟ قال: قد كان هاهنا آنفًا. فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفتَ طاعتَهُ ونَصِيحتَه، ورأيَ إبراهيمَ الإمامِ فيه! فقال له: يا أنْوَك، واللّه ما أعلمُ في الأرض عدوًّا أعدَى لكَ منه، هاهو ذاك في البِساط. فقال: إنا للّه وإنا إليه راجعون. فقال له المنصور: خلَعَ اللَّه قلبَك، وهل كان لكم مكانٌ أو سلطان أو أمرٌ أو نَهْيٌ مع أبي مسلم؟ ثم استدعى المنصورُ برؤوسِ الأُمَرَاءِ فجعل يستشيرُهم في قتلِ أبي مسلم قبلَ أنْ يعلموا بقتلِه، فكلُّهم يُشيرُ بقتلِه، ومنهم منْ كانَ إذا تكلَّم أسَرَّ كلامَهُ خوفًا من أبي مسلم لئلا يُنقل إليه. فلمَّا
стр. 4816
أطلعَهم على قَتْلِه أفزَعهم ذلك، وأظهروا سرورًا كثيرًا. ثم خطب المنصور الناس بذلك كما تقدَّم.
ثم كتب المنصورُ إلى نائبِ أبي مسلم على أموالِهِ وحواصِلِهِ بكتابٍ على لسان أبي مسلم، أنْ يقدمَ بجميعِ ما عندَهُ من الحواصلِ والذخائرِ والأموالِ والجواهر. وختم الكتابَ بخاتم أبي مسلم بكمالِه مطبوعًا بكلِّ فَصِّ الخاتم، فلما رآه الخازنُ استرابَ في الأمر، وقد كان أبو مسلم تقدَّمَ إلى خازِنِه، أنَّهُ إذا جاءك كتابي فإنْ رأيتَهُ مختومًا بنصفِ الفَصّ فامضِ لما فيه، فإني إنما أختمُ بنصفِ فَصِّهِ على كُتبي، وإذا جاءك الكتاب مختومًا عليه بكمالِهِ فلا تقبَلْ ولا تُمْضِ ما فيه. فامتَعَ عندَ ذلك خازنُه أنْ يقبلَ ما بعثَ به المنصور، فأرسلَ المنصورُ بعد ذلك إليه منْ أخذَ جميعَ ذلك. وقتَلَ ذلك الرجلَ الخازن.
وكتب المنصور إلى أبي داود إبراهيمَ بنِ خالد بإمْرَةِ خُراسان كما وَعَدهُ قبلَ ذلك عوضًا عن أبي مسلم.
وفي هذه السنة خرج سنباذ يطلُبُ بدمِ أبي مسلم، وقد كان سنباذُ هذا مجوسيًّا، تغلَّبَ على قُومِسَ (١) وأصبهان، ويُسمَّى بفيروز إصْبَهَبذ، فبعث إليه أبو جعفر المنصور جيشًا هم عشرة آلاف فارس، عليهم جَهْوَر بن مرار العِجْلي، فالتقَوْا بين هَمَذانَ والرَّيِّ بالمفازة، فهزم جَهْوَرُ لسنباذ، وقتل من أصحابِهِ ستينِ ألفًا وسَبَى ذرارِيَّهُمْ ونساءَهم، وقتل سنباذَ بعدَ ذلك، فكانتْ أيامُهُ سبعينَ يومًا، وأخَذَ ما كان استحوَذ عليهِ من أموالِ أبي مسلمٍ التي كانتْ بالرَّيّ (٢).
وخرج في هذه السنةِ أيضًا رجلٌ يُقالُ له مُلْبد بن حَرْمَلة الشيباني في ألفٍ من الخوارجِ بالجزيرة، فجهَّزَ إليه المنصورُ جيوشًا متعدِّدة كثيفة، كلُّها تنفرُ منه وتنكسِر، ثم قاتله حُميدُ بن قحطبة نائبُ الجزيرةِ فهزمَهُ مُلْبِد، وتحصَّنَ منه حُميد في بعضِ الحُصون، ثم صَالحَهُ حُميد بن قَحْطَبة على مئةِ ألف، فدفعها إليه وقَبِلَها مُلْبِد وانقلعَ عنه (٣).
وحج بالناس في هذه السنة عمُّ الخليفة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس، قال الواقدي: وكان نائبَ المَوْصِل - يعني عمَّ المنصور - وعلى نيابةِ الكوفةِ عيسى بن موسى، وعلى البصرة سليمان بن علي، وعلى الجزيرة حُميد بن قحطبة، وعلى مصر صالح بن علي، وعلى خراسان أبو داود إبراهيم بن خالد، وعلى الحجاز زياد بن عبد الله. ولم يكن للناس في هذه السنة صائفةٌ لشُغلِ الخليفةِ بسنباذ وغيرِه.
стр. 4817
ومن مشاهير منْ تُوفِّي فيها:
أبو مسلم الخراساني كما تقدَّم.
ويزيدُ بن أبي زياد، أحدُ منْ تُكُلِّمَ فيه، كما ذكرناهُ في التكميل. والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومئة
فيها دخل قسطنطين ملكُ الرُّوم مَلَطيَةَ عَنْوة، فهدَمَ سورَها، وعَفَا عمَّنْ قدَرَ عليه من مُقاتليها.
وفيه غزا الصائفة صالحُ بنُ علي، نائبُ مصر، فبَنى ما كان هدَمَ ملكُ الروم من سُورِ مَلَطية، وأطلقَ لأخيهِ عيسى بنِ علي أربعين ألفَ دينار، وكذلك أعطى لابن أخيه العباسِ بن محمد بن علي أربعين ألفَ دينار.
وفيها بايع عبدُ الله بن علي الذي كسَرَهُ أبو مسلم، وانهزَمَ إلى البصرة، واستجار باخيهِ سليمان بن علي حتَّى بايعَ للخليفةِ في هذه السنة ورجَعَ إلى طاعَتِهِ، ولكنْ حُبس في سجنِ بغداد كما سيأتي.
وفيها خَلَعَ جَهْوَرُ بن مرار العِجليُّ الخليفةَ المنصورَ بعدما كسرَ سنباذَ واستحوذَ على حواصلِه وعلى أموالِ أبي مسلم، فقويَتْ نفسهُ بذلك، وظنَّ أنه يقدرُ على منابذَةِ الخليفةِ بتلك الأموال، فأرسل إليه الخليفةُ محمدَ بن الأشعث الخُزاعيَّ في جيشٍ كَثيف، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهُزم جَهْوَر، وقُتل عامَّةُ منْ معه، وأُخذ ما كان معه من الأموالِ والحواصِلِ والذخائر، ثم لَحِقُوهُ فقتلوه.
وفيها قُتل المُلْبدُ الخارجيُّ على يدَيْ خازِم بن خُزيمة في ثمانية آلاف، وقُتل من أصحابِ المُلْبِد ما يزيدُ على ألف، وانهزم بقيَّتُهم.
قال الواقدي (١): وحَجَّ بالناسِ فيها الفضلُ [بن صالح] بن علي [بن عبد الله بن عباس] والنوابُ فيها همُ المذكورونَ بالتي قبلَها.
وممَّن تُوفِّي فيها من الأعيان:
زيدُ بن واقد.
والعلاء بن عبد الرحمن.
وليث بن أبي سُليم في قول.
стр. 4818
وفيها كانتْ خلافةُ الداخلِ من بني أمية إلى بلادِ الأندلس؛ وهو عبدُ الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الهاشمي [قلتُ: ليس هو بهاشمي إنما هو من بني أمية، ويُسمَّى أمويًّا] (١)، كان قد دخل إلى بلادِ المغرب [فِرَارًا من عبدِ اللَّه بن علي بن عبدِ اللَّه بن عباس] فاجتازَ بمَنْ معه من أصحابِه [الذين فَرُّوا معه] بقويم يقتتلونَ على عصبيَّةِ اليمانيةِ والمضريَّة؛ فبعث مولاه بدرًا إليهم فاستمالَهم إليه، فبايعوه ودخل بِهم، ففتح بلادَ الأندلس، واستحوذَ عليها، وانتزَعها من نائبِها يوسفَ بنِ عبدِ الرحمن بن حبيب بن أبي عُبيدة بن عُمبةَ بنِ نافع الفِهْرِي، وقتله وسكن عبدُ الرحمن قُرْطُبَة، واستمرَّ في خلافته في تلك البلاد من هذهِ السنة أعني سنةَ ثمان وثلاثين ومئة، إلى سنة ثنتَيْنِ وسبعين ومئة، فتوفِّي فيها ولَهُ في الملك أربعٌ وثلاثون سنةً وأشْهُرٌ، ثم قام من بعد ولَدُه هشام ستَّ سنين وأشهرًا، ثم مات فوَليَ بعدَهُ الحكَمُ بن هشام ستًا وعشرين سنةً وأشهرًا، ثم مات، ثم ولي بعده ولَدُه عبدُ الرحمن بن الحكم ثلاثًا وثلاثين سنة، ثم مات، ثم ولي بعدَهُ محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ستًا وعشرين سنة، ثم ابنه المنذر بن محمد، ثم أخوه محمد بن المنذر، وكانت أيامُه بعد الثلاث مئة بدَهْر. ثم زَالتْ تلك الدولةُ كما سنذكرُه من زوالِ تلك السنين وأهلِها، [وما قضَوْا من النعيمِ والعيش الرغيد، والنساء الحسان:
ثم انقضَتْ تلك السنونُ وأهلُها] ...... فكأنَّهم كانوا على ميعاد (٢)
[ثم أضحَوْا كأنَّهم ورَقٌ جَفّ … فألوَتْ عليهِ الصَّبا والدَّبُورُ] (٣)
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومئة
فيها أكمل صالحُ بن علي بناءَ مَلَطْيَة، ثم غزا الصائفةَ على طريق الحدث، فوَغَلَ في بلادِ الروم، وغزا معه أختاه أمُّ عيسى ولُبَابَةُ ابنتا علي، وكانتا نذَرَتا إنْ زال ملكُ بني أميَّةَ أنْ يُجاهدا في سبيلِ اللَّه .
وفيها كان الفداءُ الذي حصَلَ بين المنصور وبين ملكِ الرُّوم، فاستنقذَ بعض أسرى المسلمين، ثم لم يكنْ للناس صائفةٌ في هذه السنةِ إلى سنةِ ستٍّ وأربعين، وذلك لاشتغالِ المنصور بامرِ ابني عبدِ الله بن
стр. 4819
حسَن، كما سنذكره. ولكنْ ذكرَ بعضُهم أنَّ الحسن بن قَحْطَبة غزا الصائفةَ مع عبدِ الوهاب بنِ إبراهيم الإمام سنةَ أربعين، فاللّه أعلم.
وفيها وسَّع المنصور المسجدَ الحرام، وكانت هذه السنةُ خِصْبَة جدًّا، أي: كثيرَةَ الخِصْبِ، فكان يُقال لها السنة الخِصْبة، وقيل: إنما كان ذلك في سنةِ أربعين.
وفيها عزَلَ المنصورُ عمَّهُ سُليمان عن إمْرَةِ البصرة، فاختفى عبدُ اللَّه بن علي وأصحابهُ خوفًا على أنفسهم، فبعث المنصورُ إلى نائبِهِ على البصرة - وهو سفيان بن معاوية - يستحثُّهُ في إحضارِ عبدِ الله بن عليٍّ إليه، فبعثه في أصحابِه، فقتَلَ بعضهم، وسجَنَ عبدَ الله بن عليٍّ عمَّهُ، وبعث بقيةَ أصحابه إلى أبي داود، نائبِ خُراسان، فقتلهم هناك.
وحَجَّ بالناس فيها العباسُ بن محمد بن علي بن عبدِ اللَّه بن عباس.
وفيها تُوفِّي:
عمرو بن مجاهد.
ويزيد بن عبد الله بن الهاد.
ويونس بن عُبيد، أحَدِ العُبَّاد، وصاحبُ الحسن البصري.
ثم دخلت سنة أربعين ومئة
فيها ثار جماعةٌ من الجند على أبي داود نائبِ خُراسان، وحاصروا دارَه، فأشرف عليهم وجعَلَ يستغيثُ بجندِهِ ليَحْضُروا إليه، واتَّكأ على آجُرَّةٍ في الحائط فانكسرَتْ به، فسقط فانكسَرَ ظهرُهُ فمات، فخَلَفَهُ على خراسان عاصمٌ صاحبُ الشُّرطة، حتَّى قدِمَ الأميرُ من جهةِ الخليفةِ عليها، وهو عبدُ الجبار بن عبدِ الرحمن الأزْدي، فتسلَّمَ بلادَ خُراسان، وقتَلَ جماعة من الأمراء، لأنه بلغَهُ عنهم أنهم يدعون إلى خلافةِ آلِ عليِّ بن أبي طالب، وحبَسَ آخرين، وأخذ نُوَّابَ أبي داود بِجبِاية الأموالِ المنكسرةِ عندَهم.
وفيها حَجَّ بالناس الخليفةُ المنصور، أحرَمَ من الحِيرة، ورَجَعَ بعدَ انقضاءِ الحج إلى المدينة، ثم رَحَلَ إلى بيتِ المقدِس، فزارَهُ ثم سلك الشام إلى الرَّقهّ، ثم سار إلى الهاشمية، هاشميةِ الكوفة، ونُوَّابُ الأقاليم همُ المذكورون في التي قبلَها سوى خراسان، فإنه مات نائبُها أبو داود، فخلَفَهُ مكانَهُ عبدُ الجبار الأزْدي.
وفيها تُوفِّي:
داودُ بن أبي هِنْد.
стр. 4820
وأبو حازم سلمَةُ بن دِينار.
وسُهيل بنُ أبي صالح.
وعُمَارة بن غَزِيَّة.
وعمرو بن قيس السَّكُونيّ.
ثم دخلت سنة وإحدى وأربعين ومئة
فيها خرجَتْ طائفةٌ يُقال لها الرَّاوَنْدِيَّة على المنصور.
ذكَرَ ابنُ جَرِير (١) عن المدائني أنَّ أصلَهُمْ من خُراسان، وهم على رأي (٢) أبي مسلم، كانوا يقولونَ بالتناسُخ، ويَزْعُمون أنَّ رُوح آدَمَ انتقلَتْ إلى عثمان بن نَهِيك، وأنَّ رَبَّهم الذي يُطعمهم ويسقيهم أبو جعفر المنصور، وأنَّ الهيثم بن معاوية جبريل. قبَّحهم اللَّه.
قال ابنُ جرير (٣): فأتَوْا يومًا قصرَ المنصور، قد جعلوا يطوفونَ به ويقولون: هذا قصرُ رَبِّنا، فأرسل المنصورُ إلى رؤسائهم، فحبس منهم مئتين، فغَضِبوا من ذلك وقالوا: علامَ تحبسُهم؟ ثم عمدوا إلى نَعْشٍ فحملوهُ على كواهِلِهم، وليس عليه أحد، واجتمعوا حَوْلَه، كأنَّهم يشيِّعون جنازةً، واجتازُوا ببابِ السِّجْن، فألقَوُا النعشَ ودخلوا السجنَ قَهْرًا، واستخرجوا مَنْ فيهِ من أصحابِهم، وقصدوا نحو المنصور، وهم في ست مئة، فتنادَى الناسُ وغُلِّقَتْ أبوابُ البلد، وخرج المنصور من القصر ماشيًا، لأنه لم يَجِدْ دابةً يركبها، ثم جيء بدابَّة فركبها، وقصد نحو الراوندِيَّة، وجاء الناسُ من كلِّ ناحية، وجاء معنُ بن زائدة، فلما رأى المنصورَ ترجَّلَ وأخَذَ بلِجَام دابَّةِ المنصورِ وقال: يا أميرَ المؤمنين، ارجِعْ نحنُ نَكْفيكَهم، فأبَى، وقامَ أهلُ الأسواقِ إليهم فقاتلوهم، وجاءتِ الجيوش، فالتفُّوا عليهم من كلِّ ناحية، فحصدوهم عن آخرِهم، ولم يبقَ منهم بقيَّة، وجرحوا عثمانَ بن نَهيك بشهمٍ بين كتفَيْه، فمرض أيامًا ثم مات، فصلَّى عليه الخليفة، وقام على قبرِه حتَّى دُفن، ودَعَا له، وولَّى أخاه عيسى بن نَهِيك على الحرس، وكان ذلك كُلُّه بالمدينة الهاشميةِ بالكوفة، ولَمَّا فرغ المنصورُ من قتال الرَّاوَنْدِيَّةِ ذلك اليوم صلَّى بالناسِ الظُّهر في آخرِ وقتِها، ثم أُتِيَ بالطعام فقال: أين مَعْنُ بن زائدة؟ وأمسك عن الطعام حتَّى جاء مَعْن، فأجلسَهُ إلى جَنْبِه، ثم أخَذَ في شُكْرِهِ لِمَنْ بِحَضرته، لمَا رأى من شهامتِهِ يومئذٍ، فقال مَعْن:
стр. 4821
واللّه يا أميرَ المؤمنين، لقد جئتُ وإني لوَجِل، فلمَّا رأيتُ استهانتَكَ بِهِمْ وإقدامَك عليهم قَوِيَ قَلْبي واطمأنّ، وما ظننتُ أنَّ أحدًا يكونُ في الحَرْب هكذا، فذاك الذي شجَّعني يا أمير المؤمنين، فأمر له المنصور بعشرةِ آلاف، ورضي عنه، وولَّاهُ اليمن، وكان مَعْنُ بن زائدةَ قبلَ ذلك متخفيًا، لأنَّهُ قاتَلَ المسوِّدَةَ مع ابنِ هُبيرة، فلم يظهروا إِلَّا في هذا اليوم، فلمَّا رأى الخليفةُ صِدْقَهُ في قتالِه رضي عنه.
ويُقال: إن المنصور قالَ عن نفسِه: أخطأتُ في ثلاث: قتلتُ أبا مسلم وأنا في جماعةٍ قليلة، وحين خرجتُ من الشام، ولو اختلف سيفان بالعراق لذهبَتِ الخلافة، ويوم الراوَنْدِيَّة، لو أصابني سَهْمٌ غَرْبٌ لذهبْتُ ضيَاعًا. وهذا من حَزْمِهِ وصرَامَتِه.
وفي هذه السنة ولَّى المنصورُ ابنَهُ محمدًا العَهْدَ من بعدِه، ودعاهُ بالمَهْدِيّ، وولَّاهُ بلادَ خُراسان، وعزَلَ عنها عبدَ الجبار بن عبد الرحمن، وذلك أنه قتَلَ خَلْقًا من شيعةِ الخليفة، فشكاهُ المنصورُ إلى أبي أيوب كاتبِ الرسائل، فقال: يا أمير المؤمنين، أكتُبْ إليه لِيَبْعَثْ جيشًا كَثِيفًا من خُراسان إلى غَزْوِ الروم، فإذا خرجوا بعثتَ إليه مَنْ شئتَ فأخرجوه من بلادِ خراسانَ ذَلِيلًا. فكتب إليه المنصورُ بذلك، فردَّ الجوابَ بأنَّ بلادَ خراسان قد عاثَّتْ بِهَا الأتراك، ومتى خرَجَ منها جيشٌ خِيفَ عليها، وفسَدَ أمرُها. فقال المنصور لأبي أيوب: ماذا ترى؟ قال: فاكتُبْ إليه: إن بلادَ خراسان أحَقُّ بالمَدَدِ لثغورِ المسلمين من غيرِها، وقد جهَّزْتُ إليك الجنود، فكتب إليه أيضًا: إنَّ بلادَ خُراسان ضيقَةٌ في هذا العامِ أقواتُها، ومتى دخلها جيشٌ أفسدَها. فقال الخليفةُ لأبي أيوب: ماذا تقول؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هذا رجلٌ قد أبدَى صفحتَه وخُلع، فلا تُناظِرْه. فحينئذٍ بعث المنصورُ ابنَهُ محمدًا المهديَّ لِيُقيمَ بالرَّيّ. فبعث المهديُّ بين يديه خازمَ بن خُزَيمة، مقدمةً إلى عبدِ الجبار، فما زال به يَخْدَعُهُ ومَنْ معه حتَّى هرَبَ مَنْ معه، وأخذوهُ هو، فأركبوه بعيرًا محوَّلًا وجهُهُ إلى ناحيةِ ذَنَبِ البعير، وسَيَّروهُ كذلك في البلاد، حتَّى أقدموه على المنصور، ومعه ابنُه وجماعةٌ من أهلِه، فضَرَبَ المنصورُ عُنقَه، وسيَّرَ ابنَهُ ومَنْ معه إلى جزيرةٍ في طرَفِ اليمن، فأسرَتْهُمُ الهنودُ بعدَ ذلك، ثم فُودي بعضُهم بعدَ ذلك، واستقرَّ المهديُّ نائبًا على خراسان، وأمرَهُ أبوهُ أنْ يَغْزُوَ طَبَرِسْتان، وأنْ يُحاربَ الإصْبَهْبَذ بِمَنْ معه من الجنود، وأمدَّهُ بجيشٍ عليهم عمر بن العلاء، وكان من أعلمِ الناس بِحَرْبِ طَبَرسْتان، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
فقلْ للخليفة إن جئتَهُ .... نَصِيحًا ولا خيرَ في المتَّهَمْ
إذا أيقَظَتْكَ حُروبُ العِدَا .... فَنبِّهْ لَهَا عُمَرًا ثُمَّ نَمْ
فَتىً لا ينامُ على دِمْنَةٍ .... ولا يشرَبُ الماءَ إِلَّا بِدَم (١)
стр. 4822
فلما تواقفتِ الجيوش على طَبَرِسْتانَ فتحوها، وحصروا الأصبَهْبَذ حتى ألجؤوهُ إلى قلعتِه، فصالَحَهم على ما فيها من ذخائر.
وكتب المهديُّ إلى أبيه بذلك، ودخل الأصبهبَذُ بلادَ الدَّيْلَم، فمات هناك، وكسروا أيضًا ملكَ التُّرك الذي يُقال له المَصْمَغان، وأسَرُوا أُمَمًا من الذَّرَارِي، فهذا فتحُ طَبَرِسْتانَ الأول.
وفيها فرغ بناء المصيصة على يَدَيْ جبريلَ بنِ يحيى الخراساني، وفيها رابَطَ محمدُ بن إبراهيم الإمام ببلادِ مَلَطْيَة.
وفيها عزَلَ المنصورُ زيادَ بن عبيد اللّه عن إمرةِ الحجاز، وولَّى المدينةَ محمد بن خالد القَسْري، وقَدِمَها في رجب. وولَّى مكةَ والطائف الهيثم بن معاوية العَكِّيّ، وفيها تُوفِّي موسى بن كعب، وهو على شُرْطةِ المنصور، وعلى مصر مَنْ كان عليها في السنةِ الماضية، ثم ولَّى مصر محمد بن الأشعث، ثم عزله عنها وولَّى نَوْفلَ بن الفرات.
وحجَّ بالناس فيها صالحُ بنُ علي، وهو نائبُ قِنَّسْرِينَ وحِمْصَ ودمشق، وبقيةُ البلاد عليها مَنْ ذكَرْنا في التي قبلَها، واللّه أعلم.
وفيها توفِّي:
أبانَ بن تغلب.
وموسى بن عُقْبَة صاحبُ المغازي.
وأبو إسحاق الشَّيباني في قول، واللّه سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين ومئة
فيها خلَعَ عُيَينةُ بن موسى بنِ كعب نائبُ السِّنْد الخليفة، فجهَّزَ إليه العساكر صُحبةَ عمرَ بنِ حفص بن أبي صُفْرَة، وولَّاهُ السِّنْدَ والهِنْد، فحاربه عمر بنُ حفص وقهَرَهُ على الأرض، وتسلَّمها منه.
وفيها نكَثَ أصبَهْبَذُ طَبَرِسْتانَ العَهْدَ الذي كان بينَهُ وبين المسلمين، وقتل طائفةً مِمَّنْ كان بطَبَرسْتان، فجهَّز إليه الخليفةُ الجيوش صُحبةَ خازم بن خُزيمة، ورَوْح بن حاتم، ومعهم مَرْزوق أبو الخَصِيب مولى المنصور، فحاصروهُ مُدَّة طويلة، فلما أعياهُمْ فَتْحُ الحِصْنِ الذي هو فيه احتالوا عليه، وذلك أنَّ أبا الخَصِيب قال: اضرِبُوني واحلِقُوا رأسِي ولحْيتي، فذهب إليه كأنَّهُ مُغاضِبٌ للمسلمين، قد ضربوه وحَلَقوا لِحْيتَه، فدخل الحِصْنَ، ففرِحَ به الأصْبَهْبَذ، وأكرَمَهُ وقرَّبه، وجعل أبو الخَصِيب يُظْهِرُ له النُّصْحَ والخِدْمة حتى خدَعَهُ وحظي عندَه جِدًّا، وجعله من جُملةِ مَنْ يتولَّى فتحَ الحِصْنِ وغَلْقَه، فلمَّا تمكَن من
стр. 4823
ذلك كاتَبَ المسلمين وأعلَمَهم أنه الليلةَ الفلانية في حرَسِه، فاقترِبُوا من الباب حتى أفتحَهُ لكم. فلما كانتْ تلك الليلة فتَحَ لهم بابَ الحصن، فدخلوا فقتلوا مَنْ فيهِ من المقاتِلة، وسبَوْا الذُرِّيَّة، وامتصَّ الأصْبَهْبَذُ خاتمًا مسمومًا فمات. وكان فيمن أَسِروا يومئذٍ أُمُّ منصورٍ بن المهدي، وأُمُّ إبراهيم بن المهدي، وكانتا من بناتِ الملوك الحِسَان.
وفيها بَنَى المنصورُ لأهلِ البَصرةِ قبلتَهم التي يُصلُّون عندها بالجَبَّان، وتولى بناءها سَلَمَةُ بن سعيد بنِ جابر نائبُ الفرات والأُبُلَّة. وصام المنصورُ شهر رمضانَ بالبصرة، وصلَّى بالناسِ العِيدَ في ذلك المصلَّى.
وفيها عزَلَ المنصور نوفلَ بن الفُرَات عن إمْرَةِ مصر، وولَّى عليها حُميدَ بن قَحْطَبة، وحجَّ بالناسِ فيها إسماعيلُ بن علي.
وفيها تُوفي:
سليمانُ بن علي بن عبدِ اللّه بن عباس (١): عَمُّ الخليفة، ونائبُ البصرة، كان ذلك يومَ السبت لسبعٍ بَقِينَ من جُمَادَى الآخرة وهو ابنُ تسع وخمسين سنة، وصلى عليه أخوهُ عبدُ الصمَد، ورَوَى عن أبيه وعكرمة، وأبي بُرْدَةَ بنِ أبي موسى. وعنه جماعةٌ منهم بنوهُ جعفر، ومحمد، وزينب، والأصمعي.
وكان قد شاب وهو ابنُ عشرين سنة، وخضب لحيته من الشيب في ذلك السن. وكان كريمًا جوادًا مُمَدَّحًا، وكان يُعتِقُ عشيةَ عرفة في كل سنة مئةَ نسمة، وبلغتْ صِلاتُهُ لبني هاشم وسائرِ قريش والأنصار خمسةَ آلافِ ألف. واطَّلعَ يومًا من قصره، فرأى نسوةً يَغْزِلْنَ في دارٍ من دورِ البصرة، فاتفق في نظرِهِ إليهن أنْ قالَتْ واحدةٌ منهنّ: لو أنَّ الأمير نظَرَ إلينا واطلع على حالِنا فأغنانا عن الغَزْل. فنهض من فوره، فجعل يدورُ في قصره، ويجمَعُ من حُلِي نسائهِ من الذهبِ والجواهر وغيرِها ما ملأ به مِنْديلًا كبيرًا، ثم دَلَّاهُ إليهن ونثَرَ عليهنَّ من الدنانير والدراهمِ شيئًا كثيرًا، فماتَتْ إحداهنَّ من شدَّةِ الفرَح، فأعْطَى دِيَتَها، وما تركَتْهُ من ذلك لورَثَتِها.
وقد وليَ الحجَّ في أيامِ السفَّاح، ووَليَ البصرةَ أيامَ المنصور، وكان من خِيَارِ بني العباس، وهو أخو إسماعيل، وداودَ وصالحٍ وعبدِ الصمد وعبدِ الله وعيسى ومحمد، وهو عَمُّ السفَّاحِ والمنصور.
стр. 4824
وممن تُوفِّي فيها من الأعيان:
خالدٌ الحذَّاء.
وعاصمٌ الأحول.
وعمرو بن عُبيد القَدَريُّ في قول، وهو: عمرو بن عُبيد بن باب (١) ويُقال: ابن كيسان التميمي، مولاهم، أبو عثمان البصري، من أبناءِ فارِس، شيخِ القَدَرِيَّة والمعتزلة. روى الحديث عن الحسن البصري، وعبيد اللّه بن أنس، وأبي قِلابة. وعنه الحمَّادان، وسفيان بن عُيينة، والأعمش - وكان من أقرانه - وعبدُ الوارث بن سعيد، وهارون بن موسى، ويحيى القطَّان، ويَزِيد بن زُرَيع.
قال الإمام أحمد بن حنبل (٢): ليس بأهلٍ أن يُحدَّث عنه.
وقال علي بن المديني ويحيى بن معين: ليس بشيء. وزاد ابنُ مَعِين: وكان رجلَ سَوْء، وكان من الدَّهْرِيَّة الذين يقولون: إنما الناس مثلُ الزَّرْع (٣).
وقال الفلَّاس: متروك، صاحبُ بِدْعَة، كان يحيى القطَّان يحدِّثنا عنه ثم تركه. وكان ابنُ مهدي لا يحدِّث عنه. وقال أبو حاتم: متروك. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال شعبة عن يونس بن عبيد: كان عمرو بن عُبيد يكذِبُ في الحديث. وقال حماد بن سلمة: قال لي حُميد: لا تأخُذْ عنه، فإنه كان يكذِبُ على الحسَنِ البصري. وكذا قال أيوب وعوف وابنُ عَوْن. وقال أيوب: ما كنتُ أعدُّ لهُ عَقْلًا. وقال مطر الوزَاق: واللّه لا أُصدِّقُه في شيء. وقال ابنُ المبارك: إنما تركوا حديثه لأنه كان يدعو إلى القَدَر.
وقد ضعَّفه غيرُ واحدٍ من أئمة الجرح والتعديل، وأثنى عليه آخرون في عبادته وزُهدِهِ وتقشُّفه. قال الحسن البصري: هذا سيدُ شبابِ القُرَّاء ما لم يُحدِث. قالوا فأحدثَ واللّه أشدَّ الحدَث.
وقال ابن حبّان (٤): كان من أهلِ الورع والعبادةِ إلى أن أحدَثَ ما أحدث، واعتزَلَ مجلسَ الحسَن هو
стр. 4825
وجماعةٌ معه، فسُمُّوا المعتزلة، وكان يشتُمُ الصحابةَ ويكذِبُ في الحديث وَهْما لا تعَمُّدًا.
وقد رُوي عنه أنه قال: إنْ كانتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] في اللَّوح المحفوظ فما تُعَدُّ منه على ابنِ آدمَ حُجَّة (١).
ورُوي له حديثُ ابنِ مسعود: حدثنا الصادف المصدوق "إنَّ خَلْقَ أحَدِكم يُجمَعُ في بطنِ أُمِّه أربعين يومًا" حتى قال: "فيؤمر بأربعِ كلماتٍ رزقِهِ وأجَلِهِ وعمَلِهِ وشقيٌّ أمْ سعيد" (٢) إلى آخره، فقال: لو سمعتُ الأعمش يرويه لكذبتُه، ولو سمعتُه من زيد بنِ وَهْب لما أحببتُه، ولو سمعتُه من ابنِ مسعود لما قَبِلْتُه، ولو سمعتُه من رسول الله ﷺ لردَدْتُه، ولو سمعتُ اللّه يقولُ هذا لقلتُ ما على هذا أخذتَ علينا الميثاق. وهذا أقبحُ من الكفر، لعنه الله إنْ كان قال هذا، وإذا كان مكذوبًا عليه فعلى مَنْ كذَبَهُ عليه ما يستحقُّه.
وقد قال عبدُ الله بن المبارك ﵀:
أيها الطالبُ علمًا … إيتِ حَمَّادَ بنَ زَيْد
فخُذِ العلمَ بِحِلْمٍ … ثُمَّ قَيِّدْهُ بِقَيْدِ
وذَرِ (٣) البِدْعَةَ مِنْ آ … ثارِ عَمْرِو بن عُبَيْدِ (٤)
وقال ابنُ عدي (٥): كان عمرٌو يغزُ الناس بتقَشُّفِهِ، وهو مذمومٌ ضعيفُ الحديثِ جدًّا، مُعْلِنٌ بالبِدَع.
وقال الدارَقُطْني: ضعيف الحديث. وقال الخطيب البغدادي (٦): جالس الحسن واشتهرَ بصُحْبَتِه، ثم أزالَهُ واصلُ بنُ عطاء عن مذهبِ أهلِ السُّنَة، وقال بالقَدَر ودَعَا إليه، واعتزَلَ أصحابَ الحديث، وكان له سمت (٧) وإظهار زُهْد.
стр. 4826
وقد قيل: إنه وواصل بن عطاء ولدا سنة ثمانين. وحكى البخاري (١) أن عَمْرًا مات سنة ثنتين أو ثلاثٍ وأربعين ومئة بطريق مكة.
وقد كان عمرو مَحْظِيًّا عند أبي جعفر المنصور، كان المنصورُ يُحبُّه ويعظّمه لأنه كان يَفِدُ على المنصور مع القرَّاء فيعطيهم المنصور فيأخذون، ولا يأخذُ عمرٌو منه شيئًا، وكان يسألُهُ أنْ يقبلَ كما يقبَلُ أصحابهُ فلا يقبَلُ منه، فكان ذلك مما يغُزُ المنصور ويروج به عليه حالُه، لأنَّ المنصورَ كان بخيلًا، وكان يُعجِبُهُ ذلك منه ويُنشد:
كلُّكمْ يَمْشِي رُويْدْ … كلُّكُمْ يَطلُبُ صَيْدْ
غيرَ عمرِو بنِ عُبَيْد (٢)
ولو تبصَّرَ المنصور لعلم أنَّ كلَّ واحد من أولئك القراء خيرٌ من مِلْءِ الأرض مثل عمرو بن عبيد، والزُّهد لا يدلُّ على صلاح، فإنَّ بعضَ الرُّهبان قد يكونُ عنده من الزُّهد ما لا يُطِيقُهُ عمرو. ولا كثيرٌ من المسلمين في زمانه.
وقد روَيْنا عن إسماعيل بن خالد القَعْنَبي، قال: رأيتُ الحسنَ بن جعفر في المنام بعدَما مات بعَبَّادان فقال لي: أيوب ويونس وابن عَوْن في الجنة. قلتُ: فعمرو بن عُبيد؟ قال: في النار. ثم رآه مرَّةً ثانية - ويُروى ثالثة - فيسأله فيقول له مثلَ ذلك، وقد رُئيت له مناماتٌ قَبِيحة، وقد أطال شيخُنا في تهذيبه في ترجمَتِهِ (٣) ولَخَّصنا حاصلَها في كتاب "التكميل" وإنما أشَرْنا هاهنا إلى نُبْذَةٍ من حالِهِ ليُعرَف فلا يُغْتَرّ به. واللّه أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومئة
فيها ندب المنصورُ الناسَ إلى غَزْوِ الدَّيْلَم لأنَّهم قتلوا من المسلمين خلقًا، وأمر أهلَ الكوفة والبصرة مَنْ كان منهم يقدِرُ على عشرةِ آلافِ فصاعدًا فَلْيَذْهَبْ مع الجيش إلى الدَّيْلَم، فانتدب خلقٌ كثير، وجَمٌّ غَفِيرٌ لذلك.
وحجَّ بالناس فيها عيسى بن موسى نائبُ الكوفة وأعمالِها.
стр. 4827
وفيها تُوفي:
حجَّاجُ الصواف.
وحُميد بن زاذويه الطويل.
وسليمان بن طرخان التميمي - وقد ذكرناهُ في التي قبلَها -.
وعمرو بن عُبيد في قول.
وليث بن أبي سُليم على الصحيح،
ويحيى بن سعيد الأنصاري.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومئة
فيها سار محمد بن أبي العباس السفاح عن أمرِ عمه المنصور إلى بلاد الدَّيلم، ومعه الجيوشُ من الكوفةِ والبصرةِ وواسط والموصل والجزيرة.
وفيها قدم محمد بن جعفر المنصور المهدي على أبيه من بلادِ خُراسان، ودخل بابنةِ عَمِّهِ رائطة بنتِ السفاح بالحِيرَة.
وفيها حَجَّ بالناس أبو جعفر المنصور، واستخلف على الحِيرة والعسكر خازمَ بن خُزيمة، وولَّى رباح بن عثمان الْمُرِّي المدينة، وعزَلَ عنها محمدَ بن خالد القَسْري، وتلقَّى الناسُ أبا جعفرٍ المنصور إلى أثناء طريقِ مكة في حَجِّهِ في سنة أربعٍ وأربعين ومئة؛ وكان من جُملة من تلقاه عبدُ الله بن حسن بن حسن بن عليِّ بن أبي طالب، فأجلسه المنصورُ معه على السِّمَاط، ثم جعل يُحادثهُ بإقبالٍ زائد، بحيثُ إنَّ المنصور اشتغلَ بذلك عن عامَّةِ غَدَائه، وسأاله عن ابنَيْهِ إبراهيم ومحمد: لِمَ لا جاأاني مع الناس؟ فحلَفَ عبدُ الله بن حسن أنه لا يدري أين صارا من أرض اللّه؟ وصدق في ذلك، وما ذاك إلا أن محمد بن عبد اللّه بن حسن كان قد بايَعَهُ جماعةٌ من أهلِ الحجاز في أواخرِ دولةِ مروانَ الحمار بالخلافةِ وخَلْعِ مروان، وكان في جُمْلة منْ بايَعَهُ على ذلك أبو جعفر المنصور، وذلك قبلَ تحويلِ الدولةِ إلى بني العباس، فلما صارتِ الخلافةُ إلى أبي جعفر المنصور خاف محمدُ بن عبدِ اللّه بن الحسن وأخوه إبراهيم منهُ خوفًا شديدًا؛ وذلك لأن المنصور توهَّمَ منهما أنهما لا بدَّ أنْ يخرجا عليه كما أرادا أنْ يخرُجا على مروان؛ والذي توَهَّم منه المنصورُ وقع فيه؛ فذهبا هرَبًا في البلاد التاسعة، فصارا إلى اليمن ثم سارا إلى الهند فاختفيا بها، فدلَّ على مكانِهما الحسنُ بن زيد، فهرَبَا إلى موضع آخر، فاستدلَّ عليهِ الحسنُ بن زيد ودَلَّ عليهما، وانتصَبَ إلْبًا عليهما عندَ المنصور؛ والعجب منه أنه من أتباعِهما! واجتهد المنصورُ بكل
стр. 4828
طريقٍ على تحصيلِهما فلم يَتَّفِقْ له ذلك وإلى الآن؛ فلما سأل أباهما عنهما حلَفَ أنه لا يَدْري أين صارا من أرضِ اللّه، ثم ألَحَّ المنصورُ على عبدِ اللّه في طلَبِ ولدَيْه، فغضب عبدُ اللّه من ذلك وقال: واللّهِ لو كانا تحتَ قدمي ما دلَلْتُكَ عليهما. فغضب المنصورُ وأمر بسَجْنِه، وأمَرَ ببيعِ رقيقِهِ وأموالِه، فلبث في السجنِ ثلاثَ سنين، وأشاروا على المنصور بحَبْس بني حسن عن آخرِهم، فحبسهم وجدَّ في طلب إبراهيمَ ومحمدٍ جدًّا، هذا وهما يحضرانِ الحجَّ في غالب السنين، ويَكْمُنانِ في المدينةِ في غالبِ الأوقات ولا يَشْعُرُ بهما من يَنِمُّ عليهما وللّه الحمد؛ والمنصور يعزلُ نائبًا عن المدينة ويُوَلِّي عليها غيرَه، ويُحرِّضُهُ على إمساكهما والفَحْصِ عنهما، وبَذْلِ الأموالِ في طلَبِهما، وتُعْجزُهُ المقاديرُ عنهما لمَا يُريدُهُ اللّهُ .
وقد واطأهما على أمرِهما أميرٌ من أمراءَ المنصور يُقالُ له أبو العساكر خالدُ بن حسان، فحزموا في بعضِ الحجَّاتِ على الفتكِ بالمنصور بين الصَّفَا والمَرْوَة، فنهاهُمْ عبدُ اللّه بن حسن لِشَرَفِ البُقْعة، وقد اطَّلَعَ المنصورُ على ذلك، وعلم بما مالأهما ذلك الأمير، فعذَّبه حتى أقرَّ بما كانوا تمالؤوا عليه من الفَتْكِ به، فقال: وما الذي صرَفَكُمْ عن ذلك؟ فقال: عبدُ اللّه بن حسن نهانا عن ذلك، فأمر به الخليفةُ فغُيِّبَ في الأرض، فلم يَظْهَر حتى الآن. وقد استشار المنصور منْ يَعْلَم من أمرائِهِ ووزرائه من ذوي الرأي في أمرِ ابني عبدِ اللّه بن حسن؛ وبعث الجواسيس والقُصَّادَ في البلاد، فلم يقَعْ لَهُما على خبر، ولا ظهر لهما على عَيْنٍ ولا أثر، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، وقد جاء محمدُ بن عبد اللّه بن حسن إلى أمِّه فقال: يا أُمَّه، إني قد شَفِقْتُ على أبي وعُمومتي، ولقد هممتُ أن أضعَ يدي في يد هؤلاء لأريحَ أهلي، فذهبَتْ أمُّه إلى السجن، فعرضَتْ عليهم ما قال ابنُها، فقالوا: لا ولا كرامة، بل نصبِرُ على أمرِه، فلعلَّ اللّه يفتَحُ على يديه خيرًا، ونحن نصبِرُ وفرَجُنا بيدِ اللّه، إنْ شاء فرَّجَ عنَّا وإنْ شاء ضيَّق وتمالؤوا كلُّهم على ذلك ﵏.
وفيها نُقل آلُ حسنٍ من حَبْسِ المدينة إلى حَبْسٍ بالعراق وفي أرجُلِهمُ القيود، وفي أعناقهم الأغلال، وكان ابتداءُ تقييدِهم من الرَّبَذَة بأمرِ أبي جعفر المنصور، وقد أشخَصَ معهم محمدَ بنَ عبدِ اللّه العثماني - وكان أخا عبدِ اللّه بن حسن لأمِّه - وكانتِ ابنتُه تحتَ إبراهيمَ بنِ عبدِ اللّه بن حسن، وقد حملَتْ قريبًا، فاستحضرَهُ الخليفةُ وقال: قد حلفتَ بالعتاقِ والطلاق إنك لم تغشَّني وهذه ابنتُك حامل، فإنْ كان من زوجِها فقد حَبِلَتْ منهُ وأنتَ تعلمُ به، وإنْ كان من غيرِه فأنتَ ديُّوث. فأجابه العثمانيُّ بجوابٍ أحفَظَهُ به، فأمر به فجُرِّدتْ عنه ثيابُه، فإذا جسمُهُ مثلُ الفضَّةِ النقيَّة ثم ضرَبَهُ بين يديهِ مئةً وخمسين سَوْطًا، منها ثلاثونَ فوق رأسِه أصابَ أحدُها عينَهُ فسالَتْ، ثم ردَّهُ إلى السجن، وقد بقيَ كأنه عبدٌ أسود من زُرْقَةِ الضَّرْبِ وتراكُمِ الدِّماءِ فوقَ جِلْدِه، فأُجلس إلى جانبِ أخيهِ لأُمِّه عبدِ اللّه بن حسن، فاستسقى ماءً، فما جَسَرَ أحدٌ أنْ يَسْقيهُ حتى سقاهُ خُراسانيٌّ من جملةِ الجلاوزة الموكَّلين بهم.
ثم ركب المنصورُ هوْدَجَهُ وأركبوا أولئك في مَحَامِلَ ضيقة وعليهمُ القيودُ والأغلال، فاجتاز بهم
стр. 4829
المنصورُ وهو في هَوْدَجه، فناداهُ عبدُ اللّه بن حسن: واللّه يا أبا جعفر ما هكذا صنَعْنا بأسراكُمْ يومَ بَدْر! فأخسأ ذلك المنصور، وثَقُلَ عليه، ونفرَ عنهم. ولما انتهَوْا إلى العراق حُبسوا بالهاشمية وكان فيهم محمدُ بن إبراهيم بن عبدِ اللّه بن حسن، وكان جميلًا فتيًا، فكان الناس يذهبون لينظروا إلى حُسنهِ وجَمَالِه، وكان يُقال له الدِّيباج الأصفر، فأحضرَهُ المنصورُ بين يديه وقال له: أما لأقتلَنَّكَ قتلةً ما قتلتُها أحدًا. ثم ألقاهُ بين أسْطُوانتَيْن، وسدَّ عليه حتى مات. فعلى المنصورِ ما يَسْتَحِقُّهُ من عذابِ اللّهِ ولعنتِه.
وقد هَلَك كثيرٌ منهم في السجن، حتى فرِّجَ عنهم بعدَ هلاكِ المنصور على ما سنذكُرُه. فكان فيمن هلَكَ في السجن عبدُ اللّه بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب؛ وقد قيل: والأظهَرُ أَنَّهُ قُتل صبرًا، وأخوهُ إبراهيمُ بن الحسن وغيرُهما؛ وقل منْ خرَجَ منهم من الحَبْس؛ وقد جعلَهُمُ المنصورُ في سجنٍ لا يسمعون فيه أذانًا ولا يعرفون فيه وقتَ صلاة إلَّا بالتلاوة. ثم بعث أهلُ خراسانَ يَشفعونَ في محمدِ بنِ عبدِ الله العثماني، فأمر به فضُربَتْ عُنقُه، وأرسل برأسِهِ إلى أهلِ خُراسان - لا جزاهُ الله خيرًا - ورحم اللّه محمدَ بن عبدِ اللّه العثماني، وهو:
محمد بن عبدِ اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي (١) ﵀، أبو عبدِ الله المدني المعروف بالدِّيباج لِحُسْنِ وجههِ، وأمُّهُ فاطمةُ بنت الحسين بن علي. رَوَى الحديثَ عن أبيه وأُمِّه، وخارجةَ بنِ زيد، وطاوس، وأبي الزناد، والزُّهْري، ونافع، وغيرِهم. وحاث عنه جماعة، ووثَّقَهُ النَّسائي وابنُ حبَّان. وكان أخا عبدِ الله بنِ حسن لأمِّه. وكانتِ ابنتُه رُقيَّة زوجةَ ابنِ أخيه إبراهيم بن عبدِ اللّه، وكانتْ من أحسنِ النساء، وبِسَبَبِها قَتَلهُ أبو جعفر المنصور في هذه السنة، وكان كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا.
قال الزُّبير بن بَكَّار: أنشَدَني سليمانُ بن عباس السَّعدي لأبي وَجْزَةَ السَّعْدي يَمْدَحُه:
وجدْنا الْمَحْضَ الأبيضِ من قريشٍ … فَتًى بين الخليفةِ والرسولِ
أتاك المجدُ من هذا وهذا (٢) … وكنتَ له بِمُعْتَلجِ السُّيُولِ
فما للمجد دونك منْ مَبيتٍ … وما للمجدِ دونك منْ مَقيلِ
ولا يمضي وراءك يبتغيهِ … ولا هو قابلٌ بكَ منْ بَدِيل (٣)
стр. 4830
ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئة
فمما كان فيها من الأحداث مَخْرَجُ محمدِ بن عبدِ الله بن حسن بالمدينة وأخيه إبراهيم بالبصرة على ما سَنُبيِّنُهُ إنْ شاء اللّه.
أمَّا محمد فإنه خرج على أثَرِ ذهابِ أبي جعفر المنصور بأهلِهِ بني حَسَن من المدينة إلى العراق على الصفةِ والنعتِ الذي تقدَّم ذكرُه، وسجَنَهم في مكانٍ ساء مُستقرًّا ومُقامًا، لا يسمعون فيه أذانًا، ولا يعرفون فيه دخولَ أوقاتِ صلوات إلَّا بالأذكار والتلاوة؛ وقد مات أكثرُ أكابرِهم هنالك ﵏. هذا كلُّه ومحمد الذي يطلبه مُختفٍ بالمدينة، حتى إنه في بعض الأحيان اختفى في بئرٍ نزل في مائه كلِّه إلا رأسَه وباقيه مغمور بالماء، وقد تواعد هو وأخوه وقتًا معيَّنًا يظهران فيه هو بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، ولم يزَلِ الناسُ - أهلُ المدينة وغيرُهم - يؤنِّبون محمدَ بن عبدِ اللّه في اختفائه وعدَمِ ظهوره، حتى عزم على الخروج، وذلك لما أضرَّ به شدَّةُ الاختفاء، وكثرةُ إلحاحِ رَبَاحٍ نائبِ المدينة في طلبه ليلًا ونهارًا؛ فلمَّا اشتدَّ به الأمرُ وضاق الحالُ واعَدَ أصحابَهُ على الظهورِ في الليلةِ الفلانية، فلما كانتْ تلكَ الليلة جاء بعضُ الوشاة إلى متولِّي المدينة، فأعلَمَهُ بذلك فضاقَ ذَرْعًا، وانزعج لذلك انزعاجًا شديدًا، وركب في جَحَافِلِهِ، فطاف المدينةَ وحولَ دارِ مروان، وهم مجتمعون بها، فلم يُشْعَرْ بهم، فلما رجَعَ إلى مَنْزِلهِ بعث إلى بني حُسين بن علي فجمعهم ومعهم رؤوسٌ من ساداتِ قريش وغيرِهم، فوعَظَهُمْ وأنَّبهم وقال: يا معشرَ أهلِ المدينة، أميرُ المؤمنين يتطلَّبُ هذا الرجلَ في المشارقِ والمغارب، وهو بين أظهُركم!؟ ثم ما كفاكم حتى بايَعْتُموه على السمعِ والطاعة! واللّه لا يبلُغني عن أحدٍ منكم خرَجَ معه إلَّا ضربتُ عُنقَه. فأنكر الذين هُمْ هنالكَ حاضرون أنْ يكونَ عندَهم علمٌ أو شعورٌ بشيء من هذا وقالوا: نحن نأتيك برجالٍ مُسَلَّحين يُقاتلون دونَكَ إنْ وَقَعَ شيءٌ من ذلك. فنهضوا، فجاؤوه بجماعةٍ مسلَّحين، فاستأذنوه في دخولِهم عليه، فقال: لا إذنَ لهم، إني أخشى أنْ يكونَ ذلك خديعة. فجلس أولئك على الباب، ومكث الناسُ جلوسًا حولَ الأمير وهو واجمٌ لا يتكلَّمُ إلَّا قليلًا؛ حتى ذهبتْ طائفةٌ من الليل، ثم ما فُجئ الناسُ إلَّا وأصحابُ محمد بن عبدِ اللّه قد ظهروا وأعلنوا بالتكبير، فانزعج الناسُ في جوف الليل، وأشارَ بعضُ الناسِ على الأمير أنْ يضربَ أعناقَ بني حُسين. فقال أحدُهم: علامَ ونحن مُقِرُّونَ بالطاعة؟! واشتغل الأميرُ عنهم بما فجأهُ من الأمر، فاغتنموا الغفلةَ ونَهضوا سِراعًا، فتسوَّروا جدارَ الدار، وألقَوْا أنفسَهُمْ على كُنَاسةٍ هنالك؛ وأقبلَ محمدُ بن عبدِ اللّه بن حسن في مئتين وخمسين، فمرَّ بالسِّجنِ فأخرج منْ فيه، وجاء دارَ الإمارة فحاصرَها فافتتحها، ومسك الأميرَ رَبَاحَ بنَ عثمان نائبَ المدينة، فسجنه في دارِ مروان، وسجن معه ابن مُسلم بن عُقْبة، وهو الذي أشار بقتلِ بني حُسين في أولِ هذه الليلة، فنجَوْا وأُحيط به. وأصبح محمد بن عبد اللّه بن حسن وقد استظهر على المدينة، ودانَ له أهلُها، فصلَّى بالناسِ
стр. 4831
الصُّبح، وقرأ فيها سورةَ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، وأسفرَتْ هذه الليلة عن مُستهلِّ رجل من هذه السنة، وقد خطَبَ محمدُ بن عبد اللّه أهلَ المدينة في هذا اليوم، فتكلَّم في بني العباس، وذكر عنهم أشياءَ ذَمَّهُمْ بها، وأخبرَهم أنه لم ينْزِلْ بلدًا من البلدان، إلَّا وقد بايعوه على السمعِ والطاعة، فبايعه أهل المدينةِ كلُّهم إلَّا القليل.
وقد روى ابنُ جرير (١) عن الإمام مالك، أنه أفتَى الناسَ بمبايعته؛ فقيل له: فإن في أعناقنا بيعة للمنصور. فقال: إنما كنتمْ مُكْرَهين، وليس لِمُكْرَهٍ بَيْعة. فبايعَهُ الناسُ عندَ ذلك عن قولِ مالك. ولزِمَ مالكٌ بيتَه. وقد قال له إسماعيل بنُ عبدِ اللّه بن جعفر حين دعاه إلى بيعتِه: يا ابنَ أخي، إنك مقتول. فارتدَعَ بعضُ الناسِ عنه، واستمرَّ جُمهورهُم معه. فاستنابَ عليهم عثمانَ بنَ محمد بن خالد بن الزبير، وعلى قضائها عبدَ العزيزِ بن المطلب بن عبدِ اللّه المخزومي، وعلى شُرْطتها عثمانَ بن عبدِ اللّه بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبدَ اللّه بن جعفر بن عبدِ اللّه بن مِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ، وتلقَّبَ بالْمَهْديِّ طمعًا في أن يكونَ المذكورَ في الأحاديث التي سنوردُها في كتاب "الفتن والملاحمِ" فلم يكنْ إياه، ولا تمَّ له ما رَجَاه، ولا ما تمنَّاه، فإنَّا للّه. وقد ارتحل بعضُ أهلِ المدينةِ عنها ليلةَ دخَلها؛ فطوَى المراحلَ البعيدةَ إلى المنصور في سبعِ ليالٍ فورَدَ عليه، فوجَدَهُ نائمًا في الليل، فقال للربيع الحاجب: استأذنْ على الخليفة. فقال: إنه لا يُوقظُ في هذه الساعة. فقال: إنه لا بُدَّ من ذلك. فاخبرَ الخليفةَ فخرج، فقال: ويحك! ما وراءك. فقال: إنه خرج ابنُ حسن بالمدينة، فلم يُظهرِ المنصورُ لذلك اكتراثًا وانزعاجًا، بل قال: أنتَ رأيتَه؟ قال: نعم. فقال: هَلَك واللّهِ وأهلَكَ منِ اتَّبَعَه. ثم أمرَ بالرجلِ فسُجن، ثم جاءتِ الأخبارُ بذلك فتواترتْ، فأطلقهُ المنصور، وأطلَقَ لهُ عن كل ليلةٍ ألفَ دِرْهم، فأعطاهُ سبعةَ آلافِ درهم.
ولما تحقَّقَ المنصورُ الأمرَ من خروجِه ضاقَ ذَرْعًا، فقال له بعضُ المنجِّمين: يا أمير المؤمنين، لا عليكَ منه، فوالله لو ملَكَ الأرضَ بِحَذَافيرِها فإنه لا يُقيم أكثرَ من سبعين يومًا. ثم أمر المنصورُ جميعَ رؤوس الأمراء أنْ يذهبوا إلى السجن، فيجتمعوا بعبدِ اللّه بن حسن والدِ محمد فُيخبروه بما وَقَعَ من خروجِ ولدِه، ويسمعوا ما يقولُ لهم. فلمَّا دخلوا عليه أخبروه بذلك، فقال: ما ترونَ ابنَ سلامة فاعلًا - يعني المنصور - فقالوا: لا ندري. فقال: واللّه لقد قَتَلَ صاحبَكُمُ البُخل، ينغي له أنْ يُنفقَ الأموال، ويستخدم الرجال، فإنْ ظهر فاسترجاعُ ما أنفقَ سَهْل، وإلَّا لم يكن لصاحبكم شيءٌ في الخزائن، وكان ما خَزَنَ لغيرِه. فرجعوا إلى الخليفةِ فأخبروه بذلك، وأشار الناس على الخليفة بمناجَزَتِهِ؛ فاستدعَى عيسى بن موسى فنَدَبه إلى ذلك ثم قال: إني سأكتُبُ إليه كتابًا أنْذِرُهُ بهِ قبلَ قتالِهِ. فكتب إليه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبدِ اللّه أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله، ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ
стр. 4832
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، الآية إلى قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. ثم قال: فلَكَ عَهْدُ اللّهِ وميثاقُه، وذِمَّتُهُ وذِمَّةُ رسوله، إنْ أنتَ رجعتَ إلى الطاعة لأؤمِّنكَ ومَنِ اتَّبَعَك، ولأعطينَّكَ ألفَ ألفِ دِرْهم، ولأدَعنَّكَ في أحبِّ البلادِ إليك، ولأقضيَنَّ لك جميعَ حوائجكَ … في كلامٍ طويل.
فكتب إليه محمدٌ جوابَ كتابِه:
من عبدِ اللّه المهدي محمد بن حسن، بسم اللّه الرحمن الرحيم ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ١ - ٥]. ثم قال: وإني أعرضُ عليكَ من الأمانِ ما عرضتَ عليّ، فأنا أحقُّ بهذا الأمرِ منكم، وأنتم إنما وصلتُمْ إليه بِنَا، فإنَّ عليًّا كان الوَصِيَّ وكان الإمام، فكيف وَرِثْتُمْ ولايَتَهُ وولَدُهُ أحياء، ونحن أشرَفُ أهلِ الأرض نسَبًا، فرسولُ اللّه خيرُ الناس، وهو جدُّنا، وجدَّتُنا خديجةُ، وهي أفضلُ زوجاتِه، وفاطمةُ ابنتُهُ أُمُّنا، وهي أكرمُ بناتِه، وإنَّ هاشمًا وَلَدَ عليّا مرَّتَيْن، وإنَّ حَسَنًا ولَدَهُ عبدُ المطلب مرَّتَيْنِ، وهو وأَخوه سيِّدا شبابِ أهلِ الجنة، وإنَّ رسولَ اللّه ﷺ وَلَدني مرَّتَيْن، [منْ قِبَلِ حسن وحسين] وإني أوسطُ بني هاشم نسبًا، [وأصرَحُهم أبًا، لم تُعرقْ فيَّ العَجَم، ولم تنازعْ فيَّ أمهاتُ الأولاد] (١).
فأنا ابنُ أرفعِ الناس درجةً في الجنة، وأخفِّهم عذابًا في النار، فأنا أولى بالأمر منك، وأولى بالعهد، وأوفى به منك، فإنك تُعطِي العَهْدَ ثم تَنْكُثُ ولا تَفِي، كما فعلتَ بابنِ هُبيرة، فإنَّك أعطَيْتَهُ العهدَ ثم غدَرْتَ به؛ ولا أشدُّ عذابًا من إمامٍ غادِر، وكذلك فعلتَ بعمِّك عبدِ اللّه بن علي، وأبي مسلم الخراساني؛ ولو أعلم أنك تصدُق لأجبتُكَ لمَا دعوتَني إليه، ولكنَّ الوفاءَ بالعهدِ من مثلِكَ لِمِثلي بعيد. والسلام.
فكتب إليه أبو جعفر جوابَ ذلك في كتابٍ طويل، حاصلُه: أمَّا بعد، فقد قرأتُ كتابَك، فإذا جُلُّ فَخْرِكَ وإدْلالِكَ قرابةُ النساء، لِتُضلَّ به الجُفَاةَ والغَوْغاء، ولم يجعلِ اللّه النساءَ كالعمومةِ والآباء، لا كالعُصوبةِ (٢) والأولياء، وقد أنزل اللّه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]؛ وكان حينئذٍ لَهُ
стр. 4833
أربعةُ أعمام، فاستجاب له اثنان، أحدُهُما جَدُّنا، وكفر اثنان، أحدُهما أبوك - يعني جدَّهُ أبا طالب - فقطع الله ولايتهما منه، ولم يجعلْ بينهما إلَّا ولا ذِمَّة، وقد أنزل اللّه في عدم إسلامِ أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]؛ وقد فَخرْتَ به وأنَّهُ أخَفُّ أهلِ النار عذابًا، وليس في الشرِّ خِيَار، ولا ينبغي لمؤمنٍ أنْ يفخرَ بأهلِ النار؛ وفخرتَ بأن عليًا ولَدَهُ هاشم مرَّتَيْن، وأنَّ حسنًا ولَدَهُ عبدُ المطلب مرَّتين، فهذا رسولُ اللّه ﷺ إنما ولَدَهُ عبدُ اللّه مرةً واحدة؛ وقولُكَ إنَّكَ لم تلِدْكَ أمهاتُ أولاد؛ فهذا إبراهيمُ ابنُ الرسول ﷺ من مارية، وهو خيرٌ منك، وعليُّ بن الحسن منْ أُمِّ وَلَد، وهو خير منك، وكذلك ابنُه محمد بن علي، وابنُه جعفر بن محمد جَدَّاتُهما أمهاتُ أولاد، وهما خيرٌ منك، وأما قولُكَ بنو الرسولِ فقد قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]؛ وقد جاءتِ السنَّةُ التي لا خلافَ فيها بين المسلمين أنَّ الجَدَّ أبا الأمِّ والخال والخالة لا يُورَّثون، ولم يكنْ لفاطمةَ مِيراثٌ من رسولِ اللّه ﷺ بنَصِّ الحديث، وقد مَرض رسولُ اللّه ﷺ وأبوك حاضر، فلم يأمُرْهُ بالصلاةِ بالناس، بل أمَرَ غيرَه؛ ولما تُوفي لم يَعْدِلِ الناسُ بأبي بكرٍ وعُمرَ أحدًا، ثم قدَّموا عليه عثمانَ في الشُّورى والخلافة؛ ثم لما قُتل عثمان اتَّهمَهُ بعضُهم به، وقاتله طلحةُ والزبير على ذلك وامتنع سعد من مبايعتِه، ثم بعد ذلك معاوية، ثم طلبها أبوك وقاتل عليها الرجال، ثم اتفق على التحكيم فلم يَفِ به، ثم صارت إلى الحسن فباعَها بِخِرَقٍ ودراهم، وأقام بالحجاز مالًا من غيرِ حِلِّه، وسلَّم الأمرَ إلى غيرِ أهله، وترك شيعَتَهُ في أيدي بني أميةَ ومعاوية. فإنْ كانتْ لكم فقد تركتموها وبعتموها بثمنِها؛ ثم خرج عمُّكَ حُسينٌ على ابن مَرْجانة، وكان الناسُ معهُ عليه، حتى قتلوه وأتَوْا برأسِهِ إليه، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جُذوع النخل، وحرقوكم بالنار، وحملوا نساءكم على الإبل كالسبايا إلى الشام، حتى خرَجْنا عليهم نحن، فأخَذْنا بثأركم وأدْرَكْنا بدمائكم وأورثناكم أرضَهم وديارَهم، وذكَرْنا فضلَ سَلَفكمْ، فجعلتَ ذلك حُجَّةً علينا، وظننتَ أنَّا إنَّما ذكَرْنا فَضْلَهُ على أمثالِه، على حمزةَ والعباس وجعفر، وليس الأمر كما زعمت، فإن هؤلاء مضوْا ولم يدخلوا الفِتَن، وسَلِموا من الدنيا، فلم تنقصْهم شيئًا، فاستوفوا ثوابَهم كاملًا، وابتُليَ بذلك أبوك، وكانتْ بنو أمية تَلْعنُهُ كما تلعنُ الكفرةَ في الصلواتِ المكتوبات، فأحيينا ذكرَه، وذكَرْنا فضلَه، وعنَّفْناهم بما نالوا منه. وقد علمتَ أنَّ مَكْرُمتنا في الجاهلية بسقاية الحجيج الأعظم، وخدمةِ زَمْزَم، وحَكَمَ رسولُ اللّه ﷺ لنا بها، ولما قُحط الناس زمنَ عمر استَسْقى بأبينا العباس، وتوسَّل به إلى ربِّه، وأبوكَ حاضِر، وقد علمتَ أنه لم يبقَ أحدٌ من بني عبد المطلب بعد رسولِ الله ﷺ إلا العباس، فالسقايةُ سقايتُه، والوراثةُ وِرَاثته، والخلافةُ في وَلَدِه، فلم يبق شرَفٌ في الجاهلية والإسلام (١) إلا والعباس وارِثُهُ ومُوَرثه. في كلامٍ طويل، فيه بحثٌ ومناظرةٌ وفصاحة، وقد استقصاهُ ابنُ جرير بطوله، واللّه سبحانه أعلم.
стр. 4834
فصل في ذكر مقتل محمد بن عبد اللّه بن حسن (١)
بعَثَ محمدُ بن عبد الله بن حسن في غبونِ (٢) ذلك رسولًا إلى أهلِ الشام يدعوهم إلى بيعتِهِ وخِلافَتِه، فأبَوْا قَبُولَ ذلك منه، وقالوا: قد ضَجِرنا من الحروب، ومَلِلْنا القتال. ولم يكترثوا بأصحابه، فرجعوا إليه بعدَ ما خافوا على أنفسِهم؛ وجعل يستميلُ رؤوسَ أهلِ المدينة، فمنهم من أجابَه، ومنهم منِ امتنع عليه، وقال له بعضُهم: كيف أُبايعُك وقد ظهرتَ في بلدٍ ليس فيه مالٌ تستعينُ به على استخدامِ الرجال؟. ولَزِمَ بعضُهم مَنْزلَهُ فلم يخرُجْ حتى قُتل محمد.
وبعَثَ محمدٌ الحسنَ بن معاوية (٣) في سبعين رجلًا ونحوًا من عشرةِ فوارس إلى مكةَ نائبًا إنْ هو دخلَها، فساروا إليها، فلما بلغ أهلَها قدومُهم خرجوا إليهم في ألوفٍ من المقاتلة، فقال لهم الحسن بن معاوية: علامَ تُقاتلون وقد ماتَ أبو جعفر؟ فقال السريُّ بنُ عبدِ الله زعيمُ أهلِ مكة: إنَّ بُرُدَهُ جاءتنا من أربعِ ليالٍ وقد أرسلتُ إليه كتابًا فأنا أنتظرُ جوابهُ إلى أربع؛ فإنْ كان ما تقولون حقًا سلَّمتكم البلدَ وعليَّ مؤنة رجالِكم وخيلكم، فامتنع الحسنُ بنُ معاوية من الانتظار وأبى إلا المناجزة، وحلف لا يبيتُ الليلةَ إلا بمكَّة إلَّا أن يموت؛ وأرسل إلى السري، أن ابرُزْ من الحرَم إلى الحل حتى لا تُراقَ الدماءُ في الحرم. فلم يخرُجْ فتقدَّموا إليهم فصافُّوهم، فحملَ عليه الحسن وأصحابُه حملةً واحدة، فهزموهم وقتلوا منهم نحو سبعة، ودخلوا مكة، فلما أصبحوا خطَبَ الحسنُ بن معاوية الناسَ وعَزَّاهم (٤) بأبي جعفر، ودعاهم إلى محمد بن عبد الله بن حسن المهدي.
خروج أخيه إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن
وظهر بالبصرة أيضًا إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وجاء البريدُ إلى أخيه محمد، فانتهى إليه فاستؤذن له عليه وهو بدارِ مروان، فطرق بابها فقال: اللهم إني أعوذُ بك من شرِّ طوارقِ الليلِ والنهار إلا طارقًا يطرُقُ بخيرٍ يا رحمن. ثم خرج فأخبر أصحابَه عن أخيه، فاستبشروا جدًّا وفرحوا كثيرًا، كان يقول للناسِ بعدَ صلاةِ الصُّبحِ والمغرب: ادعوا الله لإخوانكم أهلِ البصرة، وللحسن بن معاوية بمكّة، واستنصروهُ على أعدائكم.
стр. 4835
وأما ما كان من المنصور فإنه جهَّز الجيوشَ إلى محمد بن عبد اللّه بن حسن صحبةَ عيسى بن موسى عشرةَ آلاف فارس من الشجعان المنتخَبين، منهم محمد بن أبي العباس، وجعفر بن حنظلة البهراني، وحُميد بن قَحْطَبة. وكان المنصورُ قد استشارَهُ فيه فقال: يا أمير المؤمنين ادعُ بمنْ شئتَ مِمَّنْ تَثِقُ به من مواليك، فابعَثْ بهم إلى وادي القُرى يمنعونَهم من ميرِةِ الشام، فيموتُ هو ومنْ معه جُوعًا، فإنه ببلدٍ ليس فيه مالٌ ولا رجالٌ ولا كُرَاع ولا سلاح. وقدم بين يديه كثير بن الحصين العبدي، وقد قال المنصور لعيسى بن موسى حين ودَّعه: يا عيسى إني أبعثُكَ إلى ما بين جنبيَّ هذين، فإنْ ظَفِرت بالرجل، فشِمْ سيفَك، ونادِ في الناس بالأمان، وإنْ تغيَّب فضَمِّنْهُمْ إيَّاهُ حتى يأتوكَ به، فإنَّهمْ أعلمُ بمذاهبه. وكتب معه كُتبًا إلى رؤساءَ قريش والأنصارِ من أهلِ المدينة يدفعُها إليهم خُفْية، يدعوهم إلى الرجوعِ إلى الطاعة. فلما اقترب عيسى بن موسى من المدينة بعث الكُتبَ مع رجل، فأخذه حرسُ محمدِ بن عبد اللّه بن حسن، فوجدوا معه تلك الكُتب، فدفعوها إلى محمد، فاستحضر جماعةً من أولئك فعاقبهم وضرَبهم ضربًا شديدًا وقيَّدهم قيودًا لْقالًا، وأودَعهم السجن. ثم إنَّ محمدًا استشارَ أصحابَهُ بالقيام بالمدينة حتى يأتيَ عيسى بن موسى فيُحاصرهم بها أو أنه يخرجُ بمنْ معه فيقاتل أهلَ العراق، فمنهم من أشار بهذا، ومنهم من أشار بذاك، ثم اتفق الرأيُ على المقامِ بالمدينة، لأنَّ رسولَ اللّه ﷺ نَدِمَ يومَ أحُد على الخروجِ منها؛ ثم اتّفقوا على حفرِ خندقٍ حولَ المدينةِ كما فعل رسولُ اللّه ﷺ يومَ الأحزاب، فأجابَ إلى ذلك كلِّه، وحَفَرَ مع الناسِ في الخندق بيدِهِ اقتداءً برسولِ اللّه ﷺ ، وقد ظهر لهم لَبِنةٌ من الخندقِ الذي حفرَهُ رسولُ الله ﷺ ، ففرحوا بذلك وكَبَّروا، وبشَّروهُ بالنَّصْر، وكان محمدٌ حاضرًا عليه قَباءٌ أبيض، وفي وسطه مِنْطقة، وكان شَكِلًا (١) ضخمًا أسمرَ عظيمَ الهامة.
ولما نزل عيسى بنُ موسى الأعْوَص (٢) واقترب من المدينة صَعِدَ محمدُ بن عبد اللّه المنبرَ، فخطب الناسَ وحثَّهم على الجهاد، وكانوا قريبًا من مئة ألف، فقال لهم في جملةِ ما قال: إنِّي جعلتكم في حِلٍّ من بيعتي، فمنْ أحبَّ منكم أنْ يُقيم عليها فعَل، ومَنْ أحبَّ أنْ يترُكَها فعَل. فتسلَّلَ كثيرٌ منهم أو أكثرُهم عنه، ولم يبقَ إلَّا شِرْذمةٌ قليلةٌ معه؛ وخرج أكثرُ أهل المدينة بأهلِهم منها لئلا يشهَدوا القتالَ بها؛ فنَزَوا الأعراضَ ورؤوسَ الجبال (٣)، وقد بعث محمدٌ أبا الليث ليردَّهم! عن الخروج فلم يُمكنْهُ ذلك في أكثرِهم، واستمرُّوا ذاهبين؛ وقال محمدٌ لرجل: أتأخذُ سيفًا ورُمحًا وتردُّ هؤلاء الذين خرجوا من