← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

وفيها تُوفي: أشعَبُ الطامِع (١): وهو أشعبُ بن جُبير أبو العلاء، ويقال: أبو إسحاق المدَني، ويُقال له: ابن أُمِّ حُميدة، وكان أبوهُ مولًى لابنِ الزُّبير، قتلَهُ المختار، وهو خالُ الواقدي. وروى عن عبدِ اللّه بن جعفر أنَّ رسولَ اللّه ﷺ كان يتخَتَّمُ في اليمين (٢). وأبان بن عثمان وسالم وعكرمة، وكان ظريفًا ماجنًا، يُحبُّه أهلُ زمانِهِ لخلاعتِه وطمَعِه؛ وكان يُجيدُ الغناء، وقد وَفَد على الوليد بن يزيد، فتَرْجَمَهُ ابنُ عساكر ترجمة ذكر عنه فيها أشياءَ مضحكة (٣)؛ وأسنَدَ عنه حديثَيْن. ورُوي عنه أنه سُئل يومًا أنْ يحدِّث فقال: حدّثني عكرمةُ عن ابنِ عباس أنَّ رسولَ اللّه ﷺ قال: "خَصْلتانِ منْ عمل بِهما دخلَ الجنة"، ثم سكت، فقيل له: ما هما؟ فقال: نَسِي عكرمةُ الواحدة، ونسيتُ أنا الأخرى. وكان سالم بنُ عبدِ الله بن عمر يستخِفُّه ويستحليه ويضحكُ منه؛ ويأخذُهُ معه إلى الغابة، وكذلك كان غيرُه من أكابرِ الناس. وقال الشافعي: عَبَثَ الوِلْدانُ يومًا بأشعب، فقال لهم: إن هاهنا أناسًا يُفَرِّقون الجوز؛ لِيطرُدَهُمْ عنه، فتسارَعَ الصبيانُ إلى ذلك، فلمَّا رآهم مسرعين قال: لعلَّهُ حقّ؛ فتَبعَهم. وقال له رجل: ما بلغَ من طَمَعك؟ فقال: ما زُفَّتْ عروسٌ بالمدينة إلَّا رجَوْتُ أنْ تُزَفَّ إليّ، فأكسحُ داري، وأنظِّفُ بابي، وأكنسُ بيتي. واجتاز يومًا برجلٍ يصنعُ طبقًا من قَشّ، فقال له: زِدْ فيه طَوْرًا أو طورَيْن، لعلَّهُ أنْ يُهدَى يومًا لنا فيه هديَّة.

стр. 4867

وروى ابنُ عساكر (١) أنَّ أشعبَ غَنَّى يومًا لسالم بنِ عبدِ اللّه بنِ عمر قولَ بعضِ الشعراء: مُغِيريَّةٌ كالبدرِ سُنَّةُ وجهِها … مطهَّرةُ الأثوابِ والدِّينُ وافرُ (٢) لها حسبٌ زاكٍ وعِرْضٌ مُهذَّبٌ … وعن كُلِّ مَكْرُوهٍ من الأمرِ زاجرُ من الخَفِراتِ البيضِ لم تلقَ ريبَةً … ولم يستَمِلْها عن تُقَى اللّهِ شاعرُ فقال له سالم: أحسنتَ فزِدْنا. فغنَّاه: ألمَّتْ بنا والليلُ داجٍ كأنَّهُ … جناحُ غرابٍ عنه قد نفَضَ القَطْرا فقلتُ أعطَّارٌ ثَوَى في رِحالِنا … وما حَمَلَتْ ليلى سوى رِيحِها عِطْرا فقال له: أحسنتَ! ولولا أنْ يتحدَّثَ الناسُ لأجزَلْتُ لك الجائزة، وإنَّكَ من الأمرِ لَبِمَكان!. وفيها تُوفي: جعفرُ بن بُرقان. والحكم بن أبان. وعبد الرحمن بن زيد بن جابر. وقُرَّة بن خالد. وأبو عمرو بن العلاء (٣): أحدُ أئمَّةِ القُرَّاء، واسمُه كنيتُه؛ وقيل: اسمه زَبَّان؛ والصحيح الأول. وهو أبو عمرو بنُ العلاءِ بن عمار بنِ العُرْيان بنِ عبدِ الله بن الحُصين التميميُّ المازنيُّ البصري. وقيلَ غيرُ ذلك في نسبه. كان علَّامةَ زمانِه في الفقهِ والنَّحْوِ وعِلْمِ القراءات؛ وكان من كبارِ العلماء العاملين؛ يقال: إنه كتب مِلْءَ بيتٍ من كلامِ العرب، ثم تزَهَّدَ فأحرقَ ذلك كلَّه؛ ثم راجَعَ الأمرَ الأول، فلم يكنْ عندَهُ إلَّا ما كان يحفظُه من كلامِ العرب. وكان قد لَقيَ خلقًا كثيرًا من أعرابِ الجاهليَّة. كان مقدَّمًا أيامَ الحسن البصري، ومن بعدِه. ومن اختياراته في العربية قولُهُ في تفسيرِهِ الغُرَّةَ في الجَنين أنَّها لا يقبلُ إِلَّا

стр. 4868

أبيضَ غلامًا كان أو جارية. فَهِمَ ذلك من قولهِ ﵇: "غُرَّةٌ عبدٌ أو أمَة" (١)، ولو أُريدَ أي عبد كان أو جارية لما قَيَّدَهُ بالغُرَّة، وإنما الغُرَّةُ البياض. قال ابنُ خَلِّكان: وهذا غريب، ولا أعلَمُ هل يوافق قول أحدٍ من الأئمة المجتهدين أم لا؟. وذُكر عنه أنه كان إذا دخل شهرُ رمضان لا يُنشدُ بيتًا حتى ينسلخ، وإنما كان يقرأ القرآن؛ وأنه كان يشتري له كل يومٍ كوزًا جديدًا وريحانًا طريًّا. وقد صَحِبَهُ الأصمعي نحوًا من عشرِ سنين. كانت وفاتُه في هذه السنة، وقيل في سنةِ ستٍّ وخمسين، وقيل سبعٍ وخمسين ومئة فاللّه أعلم، وقد قَارَبَ التسعين، وقيل: إنه جاوزَها فاللّه أعلم. وقبرُه بالشام، وقيل بالكوفة، فاللّه أعلم. وقد روى ابنُ عساكر (٢) في ترجمةِ صالح بن علي بن عبد اللّه بن العباس عن أبيه عن جدِّه عبد اللّه بن عباس مرفوعًا: "لأنْ يُرَبِّي أحدُكم بعدَ أربعٍ وخمسين ومئة جَرْوَ كلبٍ خيرٌ له من أنْ يُرَبِّي ولدًا لِصُلْبِه". وهذا مُنْكرٌ جدًّا. وفي إسنادِهِ نظَر. ذكرَهُ من طريقِ تَمَّام، عن خيثمة بنِ سليمان، عن محمد بن عوف الحمصي، عن أبي المغيرة عن عبد اللّه بن السمط، عن صالح به؛ وعبد اللّه بن السمط هذا لا أعرفُه، وقد ذكرَهُ شيخنا الحافظُ الذهبي في كتابهِ الميزان (٣) وقال: رَوَى عن صالحِ بنِ علي حديثًا موضوعًا. ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومئة فيها دخلَ يزيدُ بن حاتم بلادَ إفريقيَة، فافتتحها عودًا على بَدْء، وقَتَلَ منْ كان فيها ممَّنْ تغلَّبَ عليها من الخوارج، وقتَلَ أمراءَهم، وأسَرَ كُبَراءهم، وأذلَّ أشرافَهم، وأرغَمَ آنافَهم، وبدَّدَ آلافَهم، واستبدلَ أهلَ تلك البلادِ بالخَوفِ أمْنًا وسلامةً، وبالإهانةِ كرامةً.

стр. 4869

وكانَ من جُملةِ منْ قَتلَ من أمرائهم أبو حاتم، وأبو عبَّاد، الخارجيَّان، ثم لمّا استقامَتْ له وبه الأمورُ في البلدان دخل بعدَ ذلك بلادَ القَيْروان، فمَهَّدَها وأطَّرها (١) وأقرَّ أهلَها، وقرَّرَ أمورَها، وأزال محذورَها. والله سبحانه أعلم. بناءُ الرَّافِقَة المدينة المشهورة وفيها أمَرَ المنصورُ ولدَهُ الْمَهْديَّ ببناء الرَّافِقَة على مِنْوالِ بناءِ بغداد في هذه السنة؛ وأمرَ فيها ببناءِ سُورٍ وعمَلِ خندَقٍ حولَ الكوفة. وأخذَ ما عزَمَ على ذلك من أموالِ أهلِها، من كلِّ إنسانٍ من أهلِ اليسار أربعين درهمًا. وقد فرَضها أولًا خمسةَ دراهم، ثم جباها أربعين أربعين؛ فقال في ذلك بعضُهم: يا لَقَوْمي ما رأينا … في أميرِ المؤمنينا قسَمَ الخمسةَ فينا … وجَبَانا أربعينا وفيها غَزَا الصائفةَ يزيدُ بن أسد السُّلَمي. وفيها طلبَ ملكُ الرُّوم الصلحَ من المنصور، على أنْ يَحْمِلَ إليه الجزية. وفيها عزلَ المنصورُ أخاهُ العباس بن محمد عن الجزيرة، وغرَّمَهُ أموالًا كثيرة. وفيها عزَلَ محمد بن سليمان بن علي عن إمرةِ الكوفة، فقيل: لأُمور بلغَتْهُ عنه، في تعاطي منكراتٍ وأمورٍ لا تَليقُ بالعمَّال؛ وقيل: لِقَتْلِهِ محمد بن أبي العَوْجاء، وقد كان ابنُ أبي العوجاء هذا زِنْديقًا، يُقال إنه لما أمَرَ بضرْبِ عُنقه اعترفَ على نفسِه بوضعِ أربعةِ آلافِ حديث يُحلُّ فيها الحرام، ويُحَرِّمُ فيها الحلال، ويصوِّمُ الناسَ يومَ الفِطْر، ويُفَطِّرُهم في أيام الصيام، فأرادَ المنصورُ أن يجعلَ قتلَهُ لهُ ذنبًا؛ فعزلَهُ به؛ وإنما أرادَ أنْ يُقيدَهُ منه، فقال له عيسى بن موسى: يا أميرَ المؤمنين لا تعزِلْهُ بهذا، ولا تقتُلْهُ به، فإنه إنما قتلَهُ على الزَّنْدَقة، ومتى عزلتَهُ به شكرَهُ العامَّةُ وذمُّوك. فترَكَهُ حينًا ثم عزلَهُ وولَّى مكانَهُ على الكوفة عمرَ بن زهير. وفيها عزل المنصورُ عن المدينة الحسن بن زيد وولَّى عليها عمَّهُ عبدَ الصمد بن علي، وجعل معه فليح بن سليمان مشرفًا عليه. وعلى إمرةِ مكة محمدُ بن إبراهيم بن محمد؛ وعلى البصرة الهيثمُ بن معاوية؛ وعلى مصر محمد بن سعيد؛ وعلى إفريقيَةَ يزيدُ بن حاتم. وفيها تُوفِّي: صفوان بن عمر. وعثمان بن أبي العاتكة الدمشقيان.

стр. 4870

وعثمان بن عطاء. ومِسْعَر بن كِدَام. وحَمَّاد الرَّاوية (١) وهو ابنُ أبي ليلى ميسرة، ويقال سابور بن المبارك بن عُبيد الدَّيْلميُّ الكوفيّ، مولى بُكير بن زيد الخيل الطائي. كان من أعلمِ الناس بأيامِ العرب وأخبارِها وأشعارِها ولغاتِها؛ وهو الذي جمعَ السبعَ المعلَّقاتِ الطِّوال؛ وإنما سُمِّي الراويةَ لكثرةِ روايتِهِ الشعرَ عن العرب. اختبرَهُ الوليدُ بن يزيد بن عبدِ الملك أميرُ المؤمنين في ذلك، فأنشدَهُ تسعًا وعشرينَ قصيدةً على حروفِ المعجم، كلُّ قصيدةٍ نحوٌ من مئةِ بيت. وزعم أنه لا يُسمَّى شاعرٌ من شعراءِ العرب إلَّا أنشدَ له ما لا يحفظُه غيرُه. فأطلق له مئةَ ألفِ درهم. وذكر أبو محمد الحريري في كتابِهِ "دُرَّة الغَوَّاص" أنَّ هشام بن عبد الملك استدعاهُ من العراق من نائبِهِ يوسف بن عمر، فلما دخل عليه إذا هو في دارٍ قَوْرَاء (٢)، مُرَخَّمةٍ بالرُّخامِ والذهب، وإذا عنده جاريتانِ حسَنَتان جدًّا، فاستنشدَهُ شيئًا، فأنشده، فقال له: سَلْ حاجَتَك. فقال: كائنةً ما كانت يا أمير المؤمنين؟ فقال: وما هي؟ فقال: تُطلِّق لي إحدى هاتين الجاريتَيْن. فقال: هما وما عليهما لك. وأخلاهُ في بعض دارِه وأطلقَ له مئةَ ألفِ درهم. هذا مُلَخَّصُ الحكاية، والظاهرُ أنَّ هذا الخليفةَ إنما هو الوليدُ بن يزيد، فإنه ذكَرَ أنه شَرِبَ معهُ الخمر، وهشامٌ لم يكنْ يشرَب، ولم يكنْ نائبَهُ على العراق يوسُف بن عمر، إنما كان نائبَهُ خالدُ بن عبدِ اللّه القَسْري، وبعدَهُ يوسف بن عمر بن عبد العزيز. وكانت وفاةُ حمَّاد في هذه السنة، عن ستين سنة. قال ابنُ خَلِّكان (٣): وقيل إنه أدرك أوَّلَ خلافةِ المهدي في سنةِ ثمانٍ وخمسين. فاللّه أعلم. وفيها قُتل: حَمَّاد عَجْرَد (٤) على الزَّنْدَقَة، وهو حَمَّاد بن عمر بن يونس بن كُليب الكوفي، ويقال إنه واسطي،

стр. 4871

مولى بني سواد، وكان شاعرًا ماجنًا ظريفًا زنديقًا خَليعًا، مُتَّهمًا على الإسلام، وقد أدرك الدولتين الأمويَّةَ والعباسية، ولم يشتهر إِلَّا في أيام بني العباس، وكان بينه وبين بشَّار بن بُرْد مُهاجاةٌ كثيرة، وقد قُتل بشارٌ هذا على الزَّنْدَقةِ أيضًا كما سيأتي، ودُفن مع حماد هذا جانب قبرِه. وقيل: إنَّ حماد عجرد ماتَ سنةَ ثمانٍ وستين، وقيل: إحدى وستين ومئة. فالله أعلَم. ثم دخلت سنة ست وخمسين ومئة فيها ظَفِر الهيثمُ بن معاوية نائبُ المنصور على البصرة بعمرو بن شدَّاد، الذي كان عاملًا لإبراهيم بن عبد الله على فارس؛ فقيل: أمر فقُطِعَتْ يداهُ ورِجلاه وضُربت عُنقه ثم صُلب. وفيها عزل المنصورُ الهيثمَ بن معاوية هذا الذي فعل هذه الفَعْلَةَ عن البصرة، وولَّى عليها قاضيها سَوَّار بنَ عبدِ الله، فجمع له بين القضاء والصلاة، وجعل على شُرْطتِها وأحداثِها سعيدَ بنَ دَعْلَج، ورجع الهيثمُ بن معاوية قاتلُ عمرِو بن شدَّاد إلى بغداد، فمات فيها فجأةً في هذه السنة، وهو على بطنِ جاريةٍ له، وصلَّى عليه المنصور، ودُفن في مقابر بني هاشم، ويُقال: أصابَهُ عمرو بن شدَّاد الذي قتله تلك القِتْلَة. فليتَّقِ العبدُ الظلم. وحجَّ بالناسِ العباسُ بن محمد أخو المنصور؛ ونُوَّابُ البلاد همُ المذكورون في التي قبلَها؛ وعلى فارس والأهواز وكُوَرِ دِجْلَةَ عمارةُ بن حمزة؛ وعلى كَرْمانَ والسِّنْد هشام بن عمرو. وفيها تُوفِّي: حمزَةُ الزيَّات (١) في قول وهو أحدُ القرَّاء المشهورين، والعُبَّاد المذكورين، وإليه تُنسب المُدودُ الطويلة في الراءة اصطلاحًا من عندِه، وقد تكلَّم فيه بسببِها بعضُ الأئمة، وأنكروها عليه. وسعيد بن أبي عَرُوبة وهو أولُ منْ جمَعَ السُّنَن في قول. وعبدُ اللّه بن شَوْذَب. وعبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم الإفريقي. وعُمَرُ بن ذَرّ.

стр. 4872

ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومئة فيها بَنَى المنصورُ قصرَهُ المسمَّى بالخُلْد في بغداد، تفاؤلًا بالتَّخْليدِ في الدنيا، فعندَ كمالِهِ مات، وخَرِبَ القصرُ من بعدِه؛ وكان المستحثَّ في عمارته أبانُ بن صدقة، والربيعُ مولى المنصور -وهو حاجبُه- وفيها حوَّل المنصورُ الأسواقَ من قُرْبِ دارِ الإمارةِ إلى باب الكَرْخ. وقد ذكرنا فيما تقدَّم سببَ ذلك (١). وفيها أمر بتوسعةِ الطُّرقات، وفيها أمَرَ بعمَلِ جسرٍ عند باب الشعير، وفيها استعرَضَ المنصورُ جُنْدَهُ وهم مُلْبسون السلاح، وهو أيضًا لابسٌ سلاحًا عظيمًا؛ وكان ذلك عند دِجْلة. وفيها عَزَلَ عن السِّنْد هشامَ بن عمرو وولَّى عليها معبد بن الخليل (٢). وفيها غزا الصائفةَ يزيدُ بن أسيد السُّلَمي، فأوْغَلَ في بلادِ الروم، وبعث سِنَانًا مولى البَطَال مقدِّمةً بين يديه، ففتح حصونًا، وسَبَى وغَنِم. وفيها حَجَّ بالنالسِ إبراهيمُ بن يحيى بن محمد بن عليّ، ونُوَّابُ البلاد همُ المذكورونَ في التي قبلَها. وفيها تُوفي: الحسين بن واقد. والإمام الجليل علَّامةُ الوقت أبو عمرو. عبد الرحمن بن عمرو الأوْزَاعيّ (٣) فقيهُ أهلِ الشام وإمامُهم، وقد بقي أهلُ دمشق وما حولَها من البلاد على مذهبِهِ نحوًا من مئتين وعشرين سنة.

стр. 4873

شيء من ترجمة الأوزاعي ﵀ هو عبدُ الرحمن بن عمرو بن يُحْمِد، أبو عمرو الأوزاعي، والأوْزَاع بطنٌ من حِمْيَر، وهو من أنفسِهم. قاله محمدُ بن سعد (١). وقال غيرُه: لم يكن من أنفُسهم، وإنما نزلَ في مَحَلَّةِ الأوزاع؛ وهي قريةٌ خارجَ بابِ الفراديس من قُرَى دمشق؛ وهو ابنُ عمِّ يحيى بن عمرو الشيباني. قال أبو زُرْعة: وأصلُهُ من سبي السِّنْد، فنَزَلَ الأوْزاع، فغلَب عليه النسبةُ إليها. وقال غيره: ولد ببَعْلَبَك، ونشأ بالبقاع يتيمًا في حِجْرِ أُمِّه، وكانت تنتقلُ بهِ من بلدٍ إلى بلد، وتأدَّب بنفسِه، فلم يكنْ في أبناءِ الملوكِ والخلفاءِ والوزراءِ والتُّجَّارِ وغيرهم أعقلَ منه، ولا أوْرَع ولا أعلم ولا أفصَح ولا أوْقَرَ ولا أحلمَ ولا أكثرَ صَمْتًا منه؛ ما تكلَّم بكلمةٍ إلَّا كان المتعيِّنُ على منْ سَمِعها من جلسائه أنْ يكتبَها عنهُ من حسنِها. وكان يُعاني الرسائلَ والكتابة، وقد اكتتبَ مرَّةً في بعثٍ إلى اليمامة؛ فسمع الحديث من يحيى بن أبي كثير، وانقطعَ إليه، فأرشدَهُ إلى الرحلة إلى البصرةِ ليسمعَ من الحسنِ وابنِ سيرين، فسارَ إليه فوجد الحسنَ قد تُوفِّيَ من شهرَيْن، ووجد ابنَ سيرين مريضًا، فجعل يتردَّدُ لعيادتِه، فقَوي المرضُ به ومات؛ ولم يسمع منه الأوزاعيُّ شيئًا. ثم جاء فنزل دمشقَ بمحلَّةِ الأوْزَاع -خارجَ بابِ الفَرَاديس- وسادَ أهلَهَا في زمانِه وسائرَ البلادِ في الفِقْهِ والحديثِ والمغازي وغيرِ ذلك من علومِ الإسلام؛ وقد أدركَ خلقًا من التابعين وغيرهم، وحدَّثَ عنه جماعاتٌ من ساداتِ المسلمين، كمالكِ بن أنس، والثوري والزُّهري -وهو من شيوخِه- وأثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة، وأجمع المسلمونَ على عدالتِهِ وإمامتِه. قال مالك: كان الأوزاعي إمامًا يُقتدى به. وقال سفيانُ بن عُيينة وغيره: كان الأوزاعيُّ إمامَ أهل زمانهِ؛ وقد حجَّ مرةً فدخلَ مكةَ وسفيانُ الثوري آخذٌ بزمامِ جمَلِه، ومالكُ بن أنس يسوقُ به، والثوريُّ يقول: افسحوا للشيخ؛ حتى أجلساه عندَ الكعبة، وجلَسَا بين يديه يأخذانِ عنه. وقد تذاكَرَ مالكٌ والأوزاعي مرَّةً بالمدينةِ من الظهر حتى صلَّيَا العصر، ومن العصرِ حتى صلَّيَا المغرب؛ فغَمَرَهُ الأوزاعيُّ في المغازي، وغمَرَهُ مالكٌ في الفقه، أو في شيء من الفقه. وتناظَرَ الأوزاعيُّ والثوريُّ في مسجدِ الخليفةِ في مسألةِ رفعِ اليدَيْنِ في الركوعِ والرَّفْعِ منه، فاحتجَّ الأوزاعيُّ على الرفعِ في ذلك بما رواهُ عن الزُّهري عن سالم، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يرفعُ يدَيْهِ

стр. 4874

في الرُّكوع والرفعِ منه؛ واحتجَّ الثوريُّ بحديثِ يزيدَ بنِ أبي زياد، فغضِبَ الأوزاعيُّ وقال: تُعارضُ حديثَ الزهري بحديثِ يزيدَ بن أبي زياد وهو رجلٌ ضعيف؟! فاحمارَّ وجهُ الثوري، فقال الأوزاعي: لعلَّكَ كرهتَ ما قلتُ؟ قال: نعم. قال: فقُمْ بنا حتى نلتعنَ عندَ الرُّكْن أيُّنا على الحق. فسكت الثوريُّ. وقال هِقْلُ بن زِيَاد: أفَتى الأوزاعيُّ في سبعينَ ألفِ مسألةٍ بحدَّثَنا وأخبرَنا. وقال أبو زُرْعة: روي عنه ستونَ ألفَ مسألة. وقال غيرُهما: أفتى في سنةِ ثلاثَ عشرةَ ومئة، وعمرُه إذْ ذاك خمسٌ وعشرون سنة؛ ثم لم يزلْ يُفتي حتى مات، وعَقْلُهُ زاكٍ. وقال يحيى القطَّان عن مالك: اجتمع عندي الأوزاعيُّ والثوريُّ وأبو حَنيفة، فقلتُ: أيُّهم أرجح؟ قال: الأوزاعي. وقال محمد بن عَجْلان: لم أرَ أحدًا أنصَحَ للمسلمينَ من الأوزاعي. وقال غيرُه: ما رُئيَ الأوزاعيُّ ضاحكًا مقهقِهًا قط، ولقد كان يَعِظُ الناس، فلا يَبقَى أحدٌ في مجلسه إلَّا بَكَى بعينهِ وبقلبِه؛ وما رأيناهُ يَبْكي في مجلسِهِ قطّ، وكان إذا خَلا بكَى حتى يُرْحَم. وقال يحيى بن مَعين: العلماءُ أربعة: الثوريُّ، وأبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي. قال أبو حاتم: كان ثقةً مُتَّبعًا لما سمِع. قالوا: وكان الأوزاعيُّ لا يَلْحَنُ في كلامِه، وكانت كُتُبُه تَردُ على المنصور فينظرُ فيها ويتأمَّلُها ويتعجَّبُ من فصاحتِها وحلاوةِ عباراتِها؛ وقد قال المنصورُ يومًا لأحْظَى كُتَّابهِ عندَه -وهو سليمانُ بن مجالد-: ينبغي أنْ نجيبَ الأوزاعيَّ على ذلك دائمًا لنستعينَ بكلامِهِ فيما نُكاتبُ به إلى الآفاق إلى منْ لا يعرفُ كلامَ الأوزاعي. فقال: واللَّه يا أميرَ المؤمنين، لا يَقدِرُ أحدٌ من أهلِ الأرضِ على مثلِ كلامِه، ولا على شيءٍ منه. وقال الوليد بنُ مسلم: كان الأوزاعي إذا صلَّى الصُّبْح جلس يذكرُ اللَّه حتى تطلُعَ الشمس؛ وكان يَأثِرُ عن السلف ذلك، قال: ثم يقومون فيتذاكرون في اللغةِ والفقهِ والحديث. وقال الأوزاعي: رأيتُ ربَّ العزَّةِ في المنام فقال: أنت تأمرُ بالمعروف وتنهَى عن المنكر؟ فقال: بفَضْلِكَ أيْ ربّ؛ ثم قلت: يا ربّ، أمِتْني على الإسلام. فقال: وعلى السُّنَّة. وقال محمد بن سابور: قال لي شيخٌ بجامعِ دمشق: أنا ميتٌ في يومِ كذا وكذا. فلمّا كان في ذلك اليوم رأيتُهُ في صحنِ الجامع يتفلَّى، فقال لي: اذهبْ إلى سريرِ الموتى فأحرِزْهُ لي عندك قبل أن تُسبق إليه. فقلت: ماذا تقول؟ فقال: هو ما أقولُ لك، وإني رأيتُ كأنَّ قائلًا يقول: فلانٌ قَدَري، وفلان

стр. 4875

كذا، وعثمانُ بن أبي العاتكة نعمَ الرجل، وأبو عمرو الأوزاعي خيرُ منْ يمشي على وجه الأرض؛ وأنتَ ميِّتٌ في يومِ كذا وكذا. قال محمد بن شُعيب: فما جاء الظهر حتى مات، وصلَّينا عليه بعدَها، وأُخرجت جنازتُه. ذكر ذلك ابنُ عساكر (١). وكان الأوزاعي ﵀ كثيرَ العبادة، حسنَ الصلاة، وَرِعًا ناسِكًا، طويلَ الصمت، وكان يقول: منْ أطالَ القيامَ في صلاة الليل هَوَّنَ اللَّه عليه طُولَ القيامِ يوم القيامة. أخذَ ذلك من قولهِ تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦ - ٢٧]. وقال الوليد بن مسلم: ما رأيتُ أحدًا أشدَّ اجتهادًا من الأوزاعي في العبادة. وقال غيرُه: حجَّ فما نامَ على الراحلة، إنما هو في صلاة، فإذا نَعَسَ استندَ إلى القَتَب؛ وكان من شدَّة الخشوع كأنه أعمى. ودخلتِ امرأةٌ على امرأةِ الأوزاعي، فرأتِ الحصيرَ الذي يُصلِّي عليه مبلولًا، فقالت لها: لعلَّ الصبيَّ بال هاهنا. فقالت: هذا أثرُ دموعِ الشيخ من بكائهِ في سجودِه هكذا يصبحُ كلَّ يوم. وقال الأوزاعي: عليك بآثارِ منْ سلَفَ وإنْ رَفَضَكَ الناس، وإياك وأقوالَ الرجالِ وإنْ زخرفوهُ وحسَّنوه، فإنَّ الأمر ينجلي وأنت منه على طريقٍ مستقيم. وقال أيضًا: اصبِرْ على السُّنَّة، وقفْ حيثُ يقفُ القوم، وقل ما قالوا، وكُفَّ عمَّا كفُّوا؛ ولْيَسَعْكَ ما وَسِعَهم. وقال: العلمُ ما جاء عن أصحابِ محمد، وما لم يجئ عنهم فليس بعلم. وكان يقول: لا يجتمعُ حبُّ عليٍّ وعثمانَ إلَّا في قلبِ مؤمن. وإذا أراد اللَّه بقومٍ شرًا فتح عليهم باب الجدَل، وسدَّ عنهم باب العِلم والعمَل. قالوا: وكان الأوزاعيُّ من أكرمِ الناسِ وأسخاهم، وكان له في بيت المال على الخلفاء إقطاعٌ صار إليه في بني أمية، وقد وصل إليه من خلفاء بني أمية وأقاربِهم وبني العباس نحو سبعين ألف دينار، فلم يُمسِكْ منها شيئًا، ولا اقتنى شيئًا من عقارٍ ولا غيرِه، ولا ترك يومَ ماتَ سوى سبعةِ دنانيرَ كانتْ جهازه؛ بل كان يُنفق ذلك في سبيل اللَّه وفي الفقراء والمساكين. ولما دخل عبدُ اللَّه بن علي [عمُّ السفَّاح الذي أجلى بني أمية عن الشام، وأزال اللَّه دولتهم على يدِهِ] (٢) دمشقَ فطلبَ الأوزاعي، فتغيَّب عنه ثلاثةَ أيام، ثم حضَرَ بين يديه، قال الأوزاعي: دخلتُ عليه وهو على سرير، وفي يده خَيْزُرَانة، والمسوِّدَةُ عن يمينِهِ وشمالِه، معهم السيوفُ مُصْلَتَة،

стр. 4876

والعُمد الحديد، فسلمتُ عليه فلم يَرُدّ، ونَكَتَ بتلك الخيْزُرَانةِ التي في يده ثم قال: يا أوزاعي، ما ترى فيما صنَعْنا من إزالةِ أيدي أولئك الظلمةِ عن العباد والبلاد؟ أجهادًا ورِباطًا هو؟ قال: فقلت: أيُّها الأمير، سمعتُ يحيى بن سعيد الأنصاريَّ يقول: سمعتُ محمد بن إبراهيم التيميَّ يقول: سمعتُ علقمةَ بن وقَّاصٍ يقول: سمعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنما الأعمالُ بالنِّيَّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نَوَى، فمنْ كانتْ هجرَتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِه، فهجرتُهُ إلى اللَّه ورسولِه، ومنْ كانتْ هجرتُهُ لِدُنيا يُصيبها، أو امرأةٍ يتزوَّجُها فهجرتُهُ إلى ما هاجَرَ إليه" (١). قال: فنكَتَ بالخَيْزُرانةِ أشدَّ مما كان ينكُت؛ وجعل منْ حَوْلهُ يقبضُونَ أيديَهم على قبضاتِ سُيوفِهم؛ ثم قال: يا أوزاعيّ، ما تقولُ في دماء بني أمية. فقلت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لا يَحِلُّ لمسلم دَمُ امْريءٍ مسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاث: النفسُ بالنفس، والثَّيِّبُ الزَّاني، والتاركُ لدينِه المفارقُ للجماعة" (٢). فنَكَتَ بها أشدَّ من ذلك، ثم قال: ما تقولُ في أموالِهم؟ فقلت: إنْ كانتْ في أيديهم حرامًا فهي عليك أيضًا؛ وإنْ كانتْ لهم حلًّا فلا تَحِلُّ لك إلا بطريقٍ شرعي. فنَكَتَ أشدَّ ممَّا كان ينكُتُ قبلَ ذلك؛ ثم قال: ألا نُوَلِّيك القضاء؟ فقلت: إنَّ أسلافَكَ لم يكونوا يَشُقُّونَ عليَّ في ذلك، وإني أُحِبُّ أن يتمَّ ما ابتدؤوني به من الإحسان. فقال: كأنَّكَ تحبُّ الانصراف. فقلت: إنَّ ورائي حُرَمًا، وهم محتاجونَ إلى القيامِ عليهنَّ وسترِهنّ، وقلوبُهنَّ مشغولةٌ بسببي. قال: وانتظرتُ رأسي أنْ يسقُطَ بين يدي؛ فأمَرَني بالانصراف، فلما خرجتُ إذا برسولِهِ من ورائي، وإذا معه مئتا دينار، فقال: يقولُ لك الأمير: استنفِقْ هذه. قال: فتصدَّقْتُ بها. وإنما أخذتُها خوفًا. قال: وكان في تلك الأيام الثلاثة صائمًا، فيقال: إنَّ الأمير لمّا بلغه ذلك عرَضَ عليه الفِطْرَ عندَهُ فأبَى أن يُفطرَ عندَه. قالوا: ثم رحل الأوزاعيُّ من دمشق، فنزل بيروتَ مُرابطًا بأهله وأولادِه. قال الأوزاعي: وأعجبني في بيروت أنِّي مررتُ بقبورِها، فإذا امرأة سوداءُ في القبور فقلتُ لها: أين العِمَارةُ يا هَنَتَاه (٣)؟ فقالت: إنْ أردتَ العِمَارَةَ فهي هذه -وأشارت إلى القبور- وإنْ كنتَ تُريدُ الخرابَ فأمامَك -وأشارت إلى البلد- فعزمتُ على الإقامةِ بها. وقال محمد بن كثير: سمعتُ الأوزاعيَّ يقول: خرجتُ يومًا إلى الصحراء، فإذا رِجْلُ جرادٍ (٤)،

стр. 4877

وإذا شخصٌ راكبٌ على جَرَادة منها وعليه سلاحُ الحديد، وكلَّما قال بيدِهِ هكذا -إلى جهةٍ- مالَ الجرادُ مع يده وهو يقول: الدنيا باطل باطل باطل، وما فيها باطل باطل باطل. وقال الأوزاعي: كان عندنا رجلٌ يخرجُ يومَ الجمعةِ إلى الصيد، ولا ينتظرُ الجمعة، فخُسف ببغلتِه، فلم يبقَ منها إلا أُذُناها. وخرج الأوزاعيُّ (١) يومًا من بابِ مسجدِ بيروت، وهناك كان فيه رجلٌ يبيعُ النَّاطِف (٢)، وإلى جانبِهِ رجلٌ يبيع البصل وهو يقول له: يا بصل أحلى من العسل؛ أو قال: أحلى من الناطف. فقال الأوزاعي: سبحان اللَّه! [أيظنُّ هذا أنَّ شيئًا من الكذبِ يُباح؟ فكأنَّ هذا] (٣) ما يَرَى في الكذبِ بأسًا. وقال الواقدي: قال الأوزاعي: كُنَّا قبل اليوم نضحكُ ونلعب، أمَّا إذْ صِرْنا أئمَّة يُقتدَى بنا فلا نرى أنْ يسعَنا ذلك، وينبغي أن نتحفَّظ. وكتب إلى أخٍ له: أمَّا بعد، فقد أُحيط بك من كلِّ جانب، وانه يُسارُ بك في كلِّ يومٍ وليلة، فاحذرِ اللَّه والقيامَ بين يديه، وأنْ يكون آخرَ العهدِ بك، والسلام. وقال ابنُ أبي الدنيا (٤): حدّثني محمد بن إدريس، سمعتُ أبا صالحٍ كاتبَ اللَّيث يذكُرُ عن الهِقْل بنِ زياد، عن الأوزاعي أنه وعَظَ فقالَ في موعظته: أيها الناس تقوَّوْا بهذه النِّعَم التي أصبحتم فيها على الهرَبِ من نار اللَّه الموقدة، التي تطَّلِعُ على الأفئدة، فإنَّكم في دارٍ الثَّوَاءُ فيها قليل، وأنتم عمَّا قليل عنها راحلون، خلائف بعدَ القرون الماضية، الذين استقبلوا من الدنيا آنَقَها وزهرتَها، فهم كانوا أطولَ منكم أعمارًا، وأمَدَّ أجسامًا، وأعظمَ أحلامًا، وأكثرَ أموالًا وأولادًا؛ فخدَّدوا الجبال، وجابوا الصخرَ بالواد، وتنقَّلوا في البلاد، مؤيَّدينَ ببطشٍ شديد وأجسادٍ كالعماد، فما لَبِثَتِ الأيامُ والليالي أنْ طوَتْ آثارَهم، وأخربتْ منازلَهم وديارَهم، وأنْسَتْ ذكرَهم، فـ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨]، كانوا بِلَهْوِ الأمل آمنين، وعن ميقاتِ يومِ موتِهم غافلين، فآبوا إيابَ قومٍ نادمين، ثم إنكم قد علمتمُ الذي نزَلَ بساحتِهم بياتًا من عقوبة اللَّه، فأصبح كثيرٌ منهم في ديارِهم جاثِمين، وأصبح الباقون المتخلِّفون يُبصرون في نعمةِ اللَّه، وينظرون في آثار نِقْمَتِه، وزوالِ نعمتِه عمَّنْ تقدَّمَهم من الهالِكين، ينظرونَ واللَّهِ في مساكنَ خاليةٍ خاوية، وقد كانتْ بالعِزِّ مَحْفوفة، وبالنعم معروفة، والقلوب إليها

стр. 4878

مصروفة، والأعين نحوها ناظرة، فأصبحتْ آيةً للذين يخافونَ العذابَ الأليم، وعبرةً لمن يَخْشَى، وأصبحتُم بعدَهم في أجلٍ مَنْقوص، ودنيا منقوصة، في زمانٍ قد وَلَّى عَفْوُه، وذهب رجاؤُه وخَيْرُهُ وصفوُه، فلم يبقَ منه إلَّا جُمَّةُ شَرّ (١)، وصُبَابةُ كَدَر، وأهاويلُ عِبَر، وعُقوباتُ غِيَر، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذالة خَلَف؛ بهم ظهر الفسادُ في البرِّ والبحر، [يضيِّقونَ الديار، ويُغلونَ الأسعار، بما يرتكبونه من العارِ والشَّنَار] (٢)؛ فلا تكونوا أشباهًا لِمَنْ خدَعَهُ الأمل، وغَرَّهُ (٣) طولُ الأجَل، ولعبَتْ به الأماني؛ نسألُ اللَّه أن يجعلَنا وإيَّاكم ممَّنْ إذا دُعي بَدَر، وإذا نُهي انتهى وعَقَل مثواه (٤)، فمهد لنفسه. وقد اجتمع الأوزاعيُّ بالمنصور حين دخل الشام، ووعَظَهُ وأحبَّهُ المنصور وعظَّمه، ولما أراد الانصرافَ من بين يديه استأذنه في أنْ لا يلبسَ السواد، فأذِنَ له، فلما خرج قال المنصور للربيع الحاجب: الْحَقْهُ فاسألْهُ لِمَ كَرِهَ لُبْسَ السواد؟ ولا تُعلِمْهُ أنِّي قلتُ لك. فسألَهُ الربيع، فقال: لأني لم أرَ مُحْرِمًا أحرَمَ فيه، ولا ميتًا كُفِّن فيه، ولا عروسًا جُليَتْ فيه، فلهذا أكرهُه. وقد كان الأوزاعيُّ في الشام معظَّمًا مُكَرَّمًا، أمرُهُ أعزُّ عندَهم من أمرِ السلطان، وقد همَّ به بعضُ الولاةِ مرَّةً، فقال له أصحابُه: دَعهُ عنك، واللَّهِ لو أمرَ أهلَ الشامِ أنْ يقتلوك لقتلوك. ولما مات جلس على قبرِهِ بعضُ الولاة فقال: رحمك اللَّه، فواللَّه لقد كنتُ أخافُ منك أكثرَ ممَّا أخافُ من الذي ولَّاني - يعني المنصور. وقال ابنُ أبي العشرين: ما مات الأوزاعيُّ حتى جلسَ وحدَه، وسمع شَتْمهُ بأذنه. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدّثنا محمد بن عُبيد الطَّنَافسي، قال: كنتُ جالسًا عند الثوري، فجاءه رجلٌ فقال: رأيتُ كأنَّ ريحانةً من المغرب -يعني قُلعَتْ- قال: إنْ صدقَتْ رؤياك فقد مات الأوزاعي. فكتبوا ذلك، فجاء موتُ الأوزاعيِّ في ذلك اليوم. وقال أبو مُسْهر: بلَغَنا أن سببَ موتِهِ أنَّ امرأته أغلقَتْ عليه بابَ حمَّام فمات فيه، ولم تكنْ عامدةً ذلك، فأمَرَها سعيدُ بن عبدِ العزيز بِعتْقِ رقبة. قال: وما خَلَّفَ ذهبًا ولا فضَّةً ولا عَقَارًا، ولا متاعًا، إلَّا ستةً وثمانين فضَلَتْ من عَطَائِه. وكان قد اكتُتِبَ في ديوانِ السَّاحل.

стр. 4879

وقال غيره: كان الذي أغلَقَ عليه بابَ الحمّام صاحبُ الحمَّام، أغلقَهُ وذهبَ لحاجةٍ له، ثم جاء ففتح الحمَّام فوجدَهُ ميتًا قد وضع يدَهُ اليُمنَى تحت خدِّه وهو مستقبِل القبلة. ﵀. قلتُ: لا خلافَ أنه ماتَ ببيروتَ مُرَابطًا، واختلفوا في سنةِ وفاتِه، فروى يعقوبُ بن سفيان عن سلمة، قال: قال أحمد: رأيتُ الأوزاعيَّ وتوفي سنةَ خمسين ومئة. قال العباس بن الوليد البيروتي: تُوفي يومَ الأحد أولَ النهار لليلتين بقيتا من صفر سنة سبع وخمسين ومئة، وهو الذي عليه الجمهور، وهو الصحيح، وهو قولُ أبي مُسهر، وهشام بن عمار، والوليد بن مسلم -في أصحِّ الرواياتِ عنه- ويحيى بن معين، ودُحَيم، وخليفة بن خياط، وأبي عُبيد، وسعيد بن عبد العزيز، وغير واحد. قال العباس بن الوليد: ولم يبلغ سبعين سنة. وقال غيره: جاوز السبعين. والصحيح سبع وستون سنة، لأنَّ ميلادَهُ في سنةِ ثمانٍ وثمانين على الصحيح. وقيل: إنه ولد سنة ثلاثٍ وسبعين. وهذا ضعيف. وقد رآه بعضُهم في المنام فقال له: دُلَّني على عملٍ يُقربُني إلى اللَّه. فقال: ما رأيتُ في الجنةِ درجةً أعلى من درجةِ العلماء العاملين ثم المحزونين. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومئة فيها تكامل بناء قصرِ المنصور المسمَّى بالخُلْد، وسكنَهُ أيامًا يسيرَة ثم مات وتركَه. وفيها مات طاغيةُ الروم. وفيها وجَّه المنصور ابنَهُ المهديَّ إلى الرقة، وأمرَهُ بعَزْل موسى بن كعب عن الموصل، وأن يُولِّيَ عليها خالد بن بَرْمَك، وكان ذلك بعد نُكْتَةٍ غريبةٍ اتفقتْ ليحيى بن خالد، وذلك أنَّ المنصور كان قد غَضِبَ على خالد بن بَرْمَك، وألزَمَهُ بِحَمْل ثلاثةِ آلاف ألف، فضاق ذَرْعًا بذلك، ولم يبقَ له مالٌ ولا حال، وعجَزَ عن أكثرِ ما طلَبَهُ منه، وقد أجَّلَهُ ثلاثةَ أيام، وأن يحمل ذلك في هذه الثلاثة أيام وإلَّا فدَمُهُ هَدَر. فجعل يُرسِلُ ابنَهُ يحيى إلى أصحابِه من الأمراء يستقرضُ منهم، فكان منهم مَنْ أعطاهُ مئةَ ألف، ومنهم أقلَّ وأكثر. قال يحيى بن خالد: فبينا أنا ذاتَ يومٍ من تلك الأيامِ الثلاثة على جسرِ بغداد وأنا مَهْمُومٌ في تحصيل ما طُلب منَّا مِمَّا لا طاقةَ لنا به إذْ وثَبَ إليَّ زاجرٌ من أولئك الذين يكونون عند الجسر، من الطُّرُقِيَّة، فقال لي: أبشِرْ. فلم ألتفِتْ إليه، فتقدم حتى أخذ بلِجامِ فرسي ثم قال لي: أنت مَهْموم، لَيُفَرِّجَنَّ اللَّه هَمَّك، ولَتَمُرَّنَ غدًا في هذا الموضع واللواءُ بين يديك، فإنْ كان ما قلتُ لكَ حقًّا فلي عليك خمسةُ آلاف. فقلت: نعم، ولو قال خمسون ألفًا لقلتُ نعم، لِبُعْدِ ذلك عندي، وذهبت لشأني، وقد بقي علينا من الحمل ثلاثُ مئةِ ألف، فوَرَدَ الخَبَرُ إلى المنصور بانتقاضِ المَوصِل، وانتشارِ الأكرادِ فيها، فاستشار المنصورُ الأمراءَ مَنْ يصلحُ للمَوْصل؟ فأشار بعضُهم بخالد بن بَرْمَك، فقال له المنصور: أوَ يَصْلُحُ لذلك بعد ما فعَلْنا به؟ فقال: نعم، وأنا الضَّامِنُ أنه يصلُحُ لها. فأمر بإحضارِه،

стр. 4880

فولاهُ إياها، ووضَعَ عنه بقيَّةَ ما كان عليه، وعقَدَ له اللِّوَاء، ووَلَّى ابنَهُ يحيى أذْرَبِيجان، وخرج الناسُ في خدمتِهما. قال يحيى: فمرَرْنا بالجِسْر، فثار لي ذلك الزاجِرُ فطالَبَني بما وعدتُه بِه، فأمَرْتُ له به، فقَبَضَ خمسةَ آلاف. وفي هذه السنة خرج المنصور إلى الحج، فساق الهَدْيَ معه، فلما جاوز الكوفةَ بمرَاحِل أخذَهُ وجَعُهُ الذي ماتَ به، وكان عنده سوءُ مِزَاج، فاشتدَّ عليه من شدَّةِ الحَرِّ وركوبِهِ في الهواجِر، وأخَذَهُ إسهال، وأفرَطَ به، فقَوِيَ مرضهُ، ودخل مكةَ فتُوفِّي بها ليلةَ السبت، لِسِتٍّ مَضَيْنَ من ذي الحِجَّة، وصُلِّيَ عليه، ودُفن بكَدَاء عندَ ثَنِيَّةِ بابِ الْمَعْلاةِ التي بأعلى مكة، وكان عُمُرهُ يومئذٍ ثلاثًا -وقيل أربعًا وقيل خمسًا- وستين، وقيل: إنه بلغ ثمانيًا وستين، واللَّه أعلم. وقد كتَمَ الربيعُ الحاجبُ موتَهُ حتى أخذَ البيعة للمَهْدِيِّ من القُوَّاد ورؤوس بني هاشم، ثم دُفن. وكان الذي صلَّى عليه إبراهيمُ بن يحيى بن محمد بن علي، وهو الذي أقام للناسِ الحجَّ في هذه السنة. وهذه ترجمة المنصور (١) هو عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو جعفر المنصور، وكان أكبرَ من أخيه أبي العباس السفَّاح، وأمُّه أمُّ ولد، اسمها سلامة. وروى عن جدِّه عن ابن عباس، أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان يتختَّم في يمينه. أورده ابن عساكر (٢) من طريق محمد بن إبراهيم السلمي عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن أبيه المنصور به. بُويع له بالخلافة بعد أخيه في ذي الحِجَّة سنةَ ستٍّ وثلاثين ومئة، وعمره يومئذٍ إحدى وأربعون سنة، لأنه وُلد سنةَ خمسٍ وتسعين على المشهور في صفر منها بالحُمَيْمَة من بلادِ البَلْقَاء، وكانت خلافُتهُ ثنتَيْن وعشرين سنة إلَّا أيامًا، وكان أسمر اللَّون، موفَّرَ اللِّمَّة، خفيفَ اللِّحْيَة، رَحْبَ الجَبْهَة، أقْنَى الأنف، بَيِّنَ القَنَا، أعْيَن، كأنَّ عينَيْهِ لسانانِ ناطقان، يخالطه أُبَّهَةُ الملك (٣)، وتقبله القلوب، وتتبعه العيون، يعرفُ الشرف في مواضِعِه (٤)، والعِتْق في صورته، والليث في مشيته. هكذا وصفه بعضُ مَنْ رآه (٥).

стр. 4881

وقد صحَّ عن ابن عباس أنه قال: منَّا السفَّاح والمنصور. وفي رواية: حتى نسلمَها إلى عيسى ابن مريم. وقد رُوي مرفوعًا ولا يَصِحّ، ولا وَقْفُهُ أيضًا. وذكر الخطيبُ أنَّ أُمَّهُ سلامهَ قالتْ: رأيتُ حين حملتُ به كأنه خرجَ مني أسَد، فزَأرَ واقفًا على يدَيْه، فما بقي أسدٌ حتى جاء فسجَدَ له. وقد رأى المنصورُ في صغره منامًا غريبًا، كان يقول: ينبغي أنْ يُكتَبَ في ألواحِ الذهب، ويُعلَّق في أعناقِ الصبيان، فقال: رأيتُ كأنِّي في المسجدِ الحرام، وإذا رسول اللَّه ﷺ في الكعبة والناسُ مجتمعون حولَها، فخرج من عند منادٍ أين عبدُ اللَّه؟ فقام أخي السفَّاحُ يتخطَّى الرجالَ حتى جاء بابَ الكعبة، فأخذ بيده، فأدخلَهُ إيَّاها، فما لبِثَ أنْ خرجَ ومعه لواء أسود، ثم نودي أين عبد اللَّه؟ فقمت أنا وعمي عبد اللَّه بن علي نستبق، فسبقته إلى باب الكعبةِ فدخلتُها، فإذا رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر وعمر وبلال، فعقَدَ لي لواءً وأوْصَاني بأُمَّتِه وعَمَّمَني عِمَامة كُورُها ثلاثةٌ وعشرون كُورًا، وقال: "خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة" (١). وقد اتَّفقَ سجنُ المنصور في أيام بني أمية، فاجتمع به نوبَخْتُ المنجِّم، وتوسَّمَ فيه الرِّيَاسة فقال له: مِمَّنْ تكون؟ فقال: من بني العباس. فلمَّا عرف منه نسَبَه وكنيتَه قال: أنتَ الخليفةُ الذي تلي الأرض. فقال له: وَيْحَك! ماذا تقول؟ فقال: هو ما أقولُ لك، فضَعْ لي خطَّك في هذه الرُّقْعةِ أنْ تُعطيَني شيئًا إذا وَليت. فكتب له، فلمّا ولي المنصور أعطاه، وأسلم نوبختُ على يديه، وكان قبلَ ذلك مَجُوسيًّا، ثم كان من أخصِّ أصحابِ المنصور. وقد حجَّ المنصورُ بالناس سنةَ أربعين ومئة، وأحرَمَ من الحِيرَة. وفي سنةِ أربعٍ وأربعين، وفي سنة سبعٍ وأربعين، وفي سنةِ ثنتَيْنِ وخمسين، ثم في هذه السنةِ التي ماتَ فيها. وبَنَى بغدادَ والرُّصَافة، والرَّافِقَة، وقصرَهُ الخُلْد. قال الربيعُ يونس الحاجب: سمعتُ المنصور يقول: الخلفاءُ أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. والملوكُ أربعة: معاوية، وعبدُ الملك بن مروان، وهشامُ بن عبد الملك، وأنا (٢). وقال مالك: قال لي المنصور: مَنْ أفضَلُ الناسِ بعدَ رسولِ اللَّه ﷺ ؟ فقلت: أبو بكر، وعمر. فقال: أصبت. وذلك رأيُ أميرِ المؤمنين. وعن إسماعيل الفِهْري قال: سمعتُ المنصور على مِنبر عرَفَة يوم عَرَفةَ يقول: أيها الناس، إنَّما أنا سلطانُ اللَّه في أرضِه، أسوسُكم بتوفيقِهِ ورُشْدِه، وخازنُهُ على مالِه، أقسِمُه بإرادته وأُعطيه (٣) بإذنه، وقد

стр. 4882

جعلني اللَّه عليه قُفْلًا، فإنْ شاء أن يفتحَني لأعطياتِكُمْ وقَسْمِ أرزاقِكم فتَحَني، وإذا شاء أن يقفِلَني قفلني فارغبوا إلى اللَّه أيها الناس، وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وَهبَكم فيه من فضلِه ما أعلمكم به في كتابهِ إذ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، أنْ يُوفِّقَني للصواب، ويُسَدِّدَني للرَّشاد، ويُلْهِمَني الرأفةَ بكم، والإحسان إليكم، ويفتحَني لأُعطياتِكم، وقسم أرزاقكم بالعَدْلِ عليكم، فإنه سميعٌ مُجِيب (١). وقد خطب يومًا فاعترضَهُ رجلٌ وهو يُثني على اللَّهِ فقال: يا أمير المؤمنين، اذكُرْ مَنْ أنتَ ذاكرهُ، واتَّقِ اللَّه فيما تأتيهِ وتذَره. فسكتَ المنصورُ حتى انتهى كلامُ الرجل، فقال: أعوذُ باللَّه أنْ أكونَ مِمَّنْ قال اللَّه فيه ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] أو أنْ أكونَ جبَّارًا عَصِيًّا، أيها الناس، إنَّ الموعظةَ علينا نزلَتْ، ومن عندِنا نبتَتْ. ثم قال للرجل: ما أظنُّكَ في مقالتكَ هذه تريدُ وجهَ اللَّه، وإنما أردتَ أنْ يُقالَ عنك: وَعَظَ أميرَ المؤمنين. أيُّها الناس، لا يغرَّنَّكم هذا، فتفعلوا كفعلِه. ثم أمَرَ به فاحتفِظَ به وعاد إلى خُطبتِهِ فأكملَها، ثم قال لِمَنْ هو عندَه: اعرِضْ عليه الدنيا، فإنْ قبِلَها فأعلِمْني، وإن رَدَّها فأعلِمني. فما زال الرجلُ الذي عنده حتى أخذَ المالَ ومالَ إلى الدنيا، فولَّاهُ الحِسْبَةَ والمظالم، وأدخلَهُ على الخليفة في بِزَّةٍ حسنَة، وثيابٍ وشارةٍ وهيئةٍ دُنيويَّة، فقال له الخليفة: ويحك! لو كنتَ مُحِقًّا مُريدًا وجهَ اللَّهِ بما قلتَ على رؤوس الناس لَمَا قَبِلْتَ شيئًا مِمّا أرى، ولكنْ أردتَ أنْ يُقالَ عنك: إنَّكَ وعظتَ أميرَ المؤمنين، وخرجتَ عليه. ثم أمَرَ بِهِ فضُرِبَت عُنقُه. وقد قال المنصور لابنه الْمَهْدي: إنَّ الخليفةَ لا يُصِلحُه إلَّا التقوى، والسلطانُ لا يُصِلحهُ إلَّا الطاعة، والرعيَّةُ لأنَّلِحُها إلَّا العَدْل، وأولى الناسِ بالعَفْو أقدَرُهم على العُقوبة، وأنقَصُ الناسِ عقلًا مَنْ ظَلَمَ مَنْ دونَه. وقال أيضًا: يا بُني، استدِمِ النعمةَ بالشُّكر، والقُدرةَ بالعَفْو، والطاعةَ بالتأليف، والنصرَ بالتواضُعِ والرحمةِ للناس، ولا تنس نصيبَكَ من الدنيا، ونصيبَكَ من رحمةِ اللَّه. وحضَرَ عندَهُ مباركُ بن فَضَالةَ يومًا وقد أمَرَ برجل أنْ يُضرَبَ عُنقُه، وأحضرَ النِّطْعُ والسيف، فقال له مبارك: سمعتُ الحسين يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كان يومُ القيامةِ نادَى منادٍ: لِيَقُمْ مَنْ كان أجرُهُ على اللَّه. فلا يقوم إلَّا مَنْ عَفَا". فأمَرَ بالعَفْوِ عن ذلك الرجل. ثم أخَذَ يُعَدِّدُ على جُلسائه عظيمَ جرائمِ ذلك الرجل، وما صنَعَه. وقال الأصمعي: أُتي المنصورُ برجل ليعاقِبَه، فقال: يا أمير المؤمنين، الانتقامُ عَدْل، والعَفْوُ فَضْل، ونُعِيذُ أميرَ المؤمنين باللَّه أنْ يَرْضَى لنفسِهِ بأوْكَسِ النَّصِيبَيْن، وأدْنَى القِسْمَيْن، دون أرفعِ الدرجتَيْن. قال: فعَفَا عنه.

стр. 4883

وقال الأصمعي: قال المنصورُ لرجلٍ من أهلِ الشام: احْمَدِ اللَّهَ يا أعرابي الذي دفع عنكم الطاعونَ بولايتِنا. فقال: إنَّ اللَّه لا يَجْمَعُ علينا حَشَفًا وسُوءَ كَيْل (١)؛ وِلايتَكم والطاعون. والحكاياتُ في ذكرِ حِلْمِهِ وعفوِهِ كثيرةٌ جدًا. ودخل بعضُ الزُّهَّاد إلى المنصور فقال: إنَّ اللَّهَ أعطاكَ الدنيا بأسرِها، فاشترِ نفسَكَ ببعضِها، واذكُرْ ليلة تبيتُ في القبر لم تَبِتْ قبلَها، ليلةً تَمْخَضُ عن يومٍ لا ليلةَ بعدَه. قال: فأفحَمَ المنصورَ قولُه، وأمَرَ له بمال، فقال: لو احتجتُ إلى مالك لما وعظتُك. ودخل عمرو بن عُبيد القدَرِيُّ على المنصور، فأكرَمَهُ وعظَّمَهُ وقرَّبَه، وسأله عن أهلِهِ وعِيَالِه، ثم قال له: عِظْنِي. فقرأ عليه سورةَ الفَجْر ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]. فبكى المنصورُ بُكاء شديدًا، حتى كأنَّهُ لم يسمَعْ بِهذه الآياتِ من قبل، ثم قال له: زِدْنِي. فقال: إن اللَّه قد أعطاكَ الدنيا بأسرِها فاشترِ نفسَكَ ببعضِها. وإنَّ هذا الأمرَ كان لِمَنْ قبلَكَ ثم صار إليك، ثم هو صائرٌ لِمَنْ بعدَك، واذكُرْ ليلةً تُسْفِرُ عن يومِ القيامة. فبكى المنصورُ أشدَّ من بُكائه الأول، حتى اختلفَت أجفانُه (٢)؛ فقال له سليمان بن مجالد: رِفْقًا بأميرِ المؤمنين. فقال عمرو: وماذا على أميرِ المؤمنين أنْ يبكيَ من خشيةِ اللَّه ؟! ثم أمر له المنصور بعشرةِ آلاف درهم، فقال: لا حاجةَ لي فيها. فقال المنصور: واللَّه لتأخذَنَها. فقال: واللَّهِ لا أخَذْتُها. فقال له المهدي وهو جالسٌ في سوادِه وسيفِه إلى جانبِ أبيه: أيحلفُ أميرُ المؤمنين وتحِلفُ أنت؟ فالتفت إلى المنصور فقال: ومَنْ هذا؟ فقال: هذا ابني محمد الْمَهْدِي، وليُّ العَهْدِ من بعدي. فقال عمرو إنَّك سَمَّيتَهُ اسمًا لم يستحقَّه بعملِهِ هذا، وألبستَهُ لَبُوسًا ما هو لَبُوسُ الأبرار، ولقد مهدتَ له أمرًا أمتَعُ ما يكونُ به أشغَلُ ما يكونُ عنه. ثم التفتَ إلى المهديِّ فقال: يا ابنَ أخي، إذا حلَفَ أبوكَ وحَلَفَ عَمُّك فلأَنْ يَحْنَثَ أبوكَ أيْسَرُ من أن يَحنث عمُّك، لأنَّ أباك أقدَرُ على الكفَّارَةِ من عمِّك. ثم قال المنصور: يا أبا عثمان هل مِنْ حاجة؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال: لا تبعَثْ إليَّ حتى آتِيكَ، ولا تعطِني حتى أسألَك. فقال المنصور: إذًا واللَّهِ لا نلتقي. فقال عمرو: عن حاجتي سألتَني. فودَّعَهُ وانصرف. فلمّا وَلَّى أمَدَّهُ بصَرَهُ وهو يقول:

стр. 4884

كلُّكمْ يمشي رُوَيْدْ … كُلُّكُم يَطْلُبُ صَيْدْ غيرَ عَمْرِو بنِ عُبَيْد ويقال: إنَّ عمرو بن عبيد أنشد المنصورَ قصيدة في موعظتِهِ إياه وهي قوله: يا أيهذا الذي قد غَرَّهُ الأمَلُ … ودُونَ ما يأمُلُ التنغيصُ والأجَلُ ألا تَرَى أنَّما الدنيا وزينتها … كمَنْزِلِ الرَّكْبِ حَلُّوا ثُمَّتَ ارتحلوا حُتُوفُها رَصَدٌ وعَيشُها نَكَدٌ … وصَفوُهُا كَدَرٌ ومُلْكُها دُوَلُ تظَلُّ تُفْزِعُ بالرَّوْعاتِ ساكنَها … فما يَسُوغُ له لِينٌ ولا جَدَلُ كأنَّهُ للمنَايا والرَّدَى غَرَضٌ … تظلُّ فيه بناتُ الدَّهْر تَنْتَضِلُ (١) تُدِيرُهُ ما أدارَتْه (٢) دوائرها … منها المصيبُ ومنها المخطئُ الزَّلِلُ والنفسُ هاربةٌ والموتُ يطلبُها … وكلُّ عَثْرَةِ رِجلٍ عندَها جَلَلُ والمرءُ يسعى بما يسعى لوارِثِهِ … والقبرُ وارثُ ما يَسْعَى له الرجل (٣) وقال ابن دُريد عن الرِّياشي، عن محمد بن سلام، قال: رأتْ جاريةٌ للمنصور ثوبَهُ مرقوعًا، فقالتْ: خليفةٌ وقميصُهُ مَرْقوع! فقال: ويحك! أمَا سمعتِ ما قاله ابنُ هَرْمَة: قد يُدرِكُ الشرفَ الفتى ورداؤه … خَلَقٌ وبعضُ قميصِهِ مَرْقوعُ ومن (٤) شعرِهِ لَمَّا عزَمَ على قتلِ أبي مسلم: إذا كنتَ ذا رأيٍ فكُنْ ذا عَزِيْمَةٍ … فإنَّ فسادَ الرأيِ أنْ يترَدَّدا ولا تُمْهِلِ الأعداءَ يومًا لِغَدْرَةٍ … وبادِرْهُمُ أنْ يَمْلِكوا مثلَها غَدا (٥)

стр. 4885

ولما قتله ورآه طَريحًا بين يديه قال: قد اكتنفَتْك خَلَّاتٌ ثلاثٌ … جَلَبْنَ عليك مَحْتوم الحِمَام خِلافُكَ وامتناعُكَ من يَمِيني … وقَوْدُكَ للجماهيرِ العِظَامِ ومن شعره أيضًا: المرءُ يأمُلُ أنْ يَعِيـ … ـش وطولُ عُمْرٍ قد يَضُرُّهْ تَبْلَى بشاشَتُهُ ويَبْـ … ـقى بعدَ حُلْوِ العيشِ مُرُّهْ وتَخُونُهُ الأيامُ حَتْـ … ـتَى لا يَرَى شيئًا يَسُرُّهْ كم شامِتٍ بي إنْ هَلَكْـ … ـتُ وقائلٍ للَّهِ دَرُّهُ (١) قالوا: وكان المنصور في أولِ النهار يتصدَّى للأمر بالمعروفِ والنَّهْي عن المنكر، والولايات والعزل، والنظر في مصالح العامَّة، فإذا صلى الظهر دخل منْزِلَهُ واستراح إلى العصر، فإذا صلَّاها جلس لأهلِ بيتِه، ونظرَ في مصالحِهِم الخاصَّة، فإذا صلَّى العِشاء نظر في الكتب والرسائل الواردَةِ من الآفاق، وجلس عندَهُ مَنْ يُسَامِرُهُ إلى ثلثِ الليل. ثم يقومُ إلى أهله، فينامُ في فراشِهِ إلى الثُّلُثِ الآخِر، فيقومُ إلى وضوئه وصلاتِه حتى يتفجر الصباح، ثم يخرجُ فيُصَلِّي بالناس، ثم يدخلُ فيجِلسُ في إيوانِه. وقد وَلَّى بعضَ العُمَّال على بلد، فبلَغَهُ أنه قد تصدَّى للصَّيد، وأعَدَّ لذلك كِلابًا وبُزَاةً، فكتب إليه: ثَكِلَتْكَ أمُّك وعشيرتُك، وَيْحك! إنا إنما استكفيناكَ واستعمَلْناك على أمورِ المسلمين، ولم نستكفِكَ أمورَ الوحوش في البَراري، فسَلِّمْ ما تَلِي من عَمَلِنا إلى فلان، والْحَقْ بأهلك مَلُومًا مَدْحورًا. وأُتِي يومًا بخارجيٍّ قد هزَمَ جيوشَ المنصور غيرَ مرَّة، فلمّا وقف بين يدَيْهِ قال له المنصور: وَيْحَك يا بن الفاعلة، مِثلُكَ يَهْزِمُ الجيوش! فقال الخارجي: وَيْلَك! سوأةً لك، بيني وبينك أمسِ السيفُ والقتل واليومَ القَذْفُ والسبّ، وما يؤمنكَ أنْ أرُدَّ عليكَ وقد يئستُ من الحياة فما أستقبلُها أبدًا. قال: فاستَحى منه المنصورُ وأطلقَه، فما رأى له وجهًا إلى الحَوْل. وقال لابنِهِ لَمَّا ولَّاهُ العَهْدَ: يا بُنَى، ائتدِمِ النعمةَ بالشُّكر، والقُدْرةَ بالعَفْو، والنصرَ بالتواضُع، والتألُّفَ بالطاعة. ولا تنسَ نَصِيبَك من الدنيا، ونصيبَكَ من رحمةِ اللَّه. وقال أيضًا: يا بُنَيّ، ليس العاقلُ مَنْ يحتالُ للأمرِ الذي وقَعَ فيه حتى يخرُجَ منه، ولكنِ العاقلُ الذي يحتالُ للأمرِ الذي غَشِيَهُ حتى لا يقعَ فيه. وقال المنصور: يا بُني، لا تجلسْ مجلسًا إلَّا وعندَكَ من أهلِ

стр. 4886

العِلْم (١) مَنْ يُحَدِّثُك، فإنَّ الزُّهْريَّ قال: علمُ الحديثِ ذَكَرٌ لا يُحِبُّه إلا ذُكْرانُ الرجال، ولا يكرَهُهُ إلَّا مؤنَّثوهم. وصدَقَ أخو زُهْرَة. وقد كان المنصورُ في شيبتِه يطلبُ العلمَ من مظانِّه، والحديثَ والفقه، فنال جانبًا جيدًا وطرفًا صالحًا، وقد قيل له يومًا: يا أميرَ المؤمنين، هل بقي شيءٌ من اللذاتِ لم تنَلْهُ؟ قال: شيءٌ واحد. قالوا: وما هو؟ قال: قول المحدِّث للشيخ: مَنْ ذكرتَ رحمك اللَّه. فاجتمع وزراؤه وكتَّابه وجلسوا حولَهُ وقالوا: لِيُمْلِ علينا أميرُ المؤمنينَ شيئًا من الحديث. فقال: لَسْتُم بِهم، إنما هُمْ الدَّنِسَةُ ثيابُهم، المشقَّقةُ أرجلُهم، الطويلةُ شعورُهم، رُوَّادُ الآفاق، وقُطَّاع المسافات، تارةً بالعِراق، وتارةً بالحِجَاز، وتارةً بالشام، وتارةً باليمن، فهؤلاءِ نَقَلَةُ الحديث. وقال يومًا لابنه المهدي: كم عندَكَ من دابَّة؟ فقال: لا أدري. فقال: هذا هو التقصير، فأنتَ لأمرِ الخلافةِ أشدُّ تضييعًا، فاتق اللَّه يا بُني. وقالتْ خالصةُ إحدى حَظِيَّاتِ المهدي: دخلتُ يومًا على المنصور وهو يشتكي ضِرْسَه، ويداهُ على صُدْغَيْه، فقال لي: كم عندكِ من المال يا خالصة؟ فقلت: ألفُ دِرهم. فقال: ضَعِي يدَكِ على رأسي واحلِفِي. فقلتُ: عندي عشرةُ آلافِ دينار. قال: اذهبي فاحمليها إفي. قالت: فذهبتُ حتى دخلتُ على سيِّدي المهدي وهو مع زوجتِه الخَيْزُرَان، فشكَوْتُ ذلك إليه، فوكزَنِي برجلِهِ وقال: وَيْحَك! إنه ليس بِه وَجَع، ولكنِّي سألتُه بالأمس مالًا فتمارض، وإنَّه لا يسَعُكِ إلا ما أمَرَكِ به. فذهبَتْ إليه خالصةُ ومعها عشرةُ آلاف دينار، فاستدعَى بالمهدي، فقال له: تشكو الحاجةَ وهذا كلُّه عند خالصة؟! وقال المنصور لخازِنِه: إذا علمتَ بِمَجِيء المهدي فأتِني بِخُلْقَان الثياب قبلَ أنْ يجيء. فجاء بها فوضعَها بين يديه، ودخل المهدي والمنصور يُقَلِّبُها، فجعلَ المهديُّ يضحك (٢)، فقال: يا بُني، مَنْ ليس لَهُ خَلَقٌ ليس له جديد، وقد حَضَر الشتاء، فنحتاج نُعِين العيالَ والولد. فقال المهدي: عليَّ كسوةُ أميرِ المؤمنين وعيالهِ. فقال: دونك فافعَلْ. وذكر ابنُ جرير (٣) عن الهيثم، أنَّ المنصور أطلَقَ في يومٍ واحد لبعضِ أعمامِه ألفَ ألفِ درهم، وفي هذا اليوم فرَّق في بيته عشرةَ آلاف درهم، ولا يُعلم خليفةٌ فرَّق مثلَ هذا في يوم واحد. وقرأ بعضُ القرَّاء عند المنصور ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]. فقال: واللَّه لولا أنَّ المالَ

стр. 4887

حِصْنٌ للسُّلطان، ودِعَامَةٌ للِّدين والدُّنيا وعِزِّهما ما بِتُّ ليلةً واحدةً وأنا أخزُنُ (١) منه دينارًا ولا درهمًا، لِمَا أجِدُ لِبَذْلِ المالِ من اللذَّة، ولمَا أعلمُ في إعطائه من جزيلِ المثوبة. وقرأ عنده قارئٌ آخر ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، الآية فقال: ما أحسَنَ ما أدَّبَنا رَبَّنا !. وقال المنصور: سمعتُ عليَّ بنَ عبدِ اللَّه يقول: سادةُ أهلِ الدنيا الأسخياء، وسادةُ أهلِ الآخرةِ الأتقياء. ولما عزَمَ المنصورُ على الحج هذه السنة -أعني سنة ثمان وخمسين ومئة- دعا ولدَهُ المهديَّ فأوصاهُ في خاصَّةِ نفسِه، وبأهلِ بيتِه، وبسائرِ المسلمين خيرًا، وعلَّمه كيف يفعلُ الأشياء، وتُسَدُّ الثغور، وأوصاه بوصايا يطولُ بَسْطُها. وحَرَّجَ عليه أنْ لا يفتَحَ شيئًا من خزائنِ المسلمينَ حتى يتحقَّق وفاتَه، فإنَّ بِها من الأموالِ ما يكفي المسلمين لو لم يُجْبَ إليهم من الخراجِ درهمٌ عشرَ سنين. وعهد إليه أن يقضيَ ما عليه من الدَّين وهو ثلاثمئة ألف دينار، فإنه لم يرَ قضاءَها من بيتِ المال. فامتثل المهديُّ ذلك كلَّه. وأحرم المنصورُ بِحَجٍّ وعُمرة من الرُّصافة، وساقَ بَدَنَةً وقال: يا بُني إني وُلدت في ذي الحِجَّة، وقد وقع لي أنْ أموتَ في ذي الحِجَّة، وهذا الذي حَدَا بي (٢) على الحجِّ عامي هذا. وودَّعَهُ وسار. واعتراهُ مرضُ الموتِ في أثناءِ الطريق، فما دخل مكة إلَّا وهو ثَقِيلٌ جدًّا، فلمَّا كان بآخرِ مَنْزلٍ نزلَهُ دون مكة إذا في صدر مَنْزله مكتوب: [بسم اللَّه الرحمن الرحيم] (٣) أبا جعفرٍ حانَتْ وفاتُك وانقضَتْ … سِنُوكَ وأمرُ اللَّه لا بُدَّ واقعُ أبا جعفر هل كاهنٌ أو منجِّمٌ … بك اليومَ من كَرْبِ المنيَّةِ مانعُ فدعا بالحَجَبَة، فأقرأهم ذلك، فلم يرَوْا شيئًا، فعرف أنَّ أجلَهُ قد نُعِيَ إليه. قالوا: ورأى المنصور في منامه، ويُقال بل هتف به هاتف وهو يقول: أما وربِّ السُّكُونِ والحَرَكِ … إنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ عليكِ يا نفسُ إنْ أسأتِ وإنْ … أحسنتِ يا نفسُ كان ذاكَ لكِ ما اختلف الليلُ والنهارُ ولا … دارَتْ نجومُ السماءِ في الفَلَكِ إلَّا بِنَقْلِ السُّلطانِ عن مَلِكٍ … إذا انقَضَى مُلْكُهُ إلى مَلِكِ

стр. 4888

حتى يُصِيرَانِهِ إلى مَلِكٍ … ما عِزُّ سلطانِهِ بمُشْتَرِكِ (١) ذاك بَدِيعُ السماءِ والأرضِ والْـ … ـمُرسِي الجبالِ المسخِّرُ الفَلَكِ (٢) فقال المنصور: هذا أوانُ حضورِ أجَلِي وانقضاءِ عُمري. وكان قد رأى قبل ذلك في قصرِهِ الخُلد الذي بناهُ وتأنَّقَ فيه منامًا أفزَعَه، فقال للربيع: ويحكَ يا ربيع! لقد رأيتُ منامًا هالَني، رأيتُ قائلًا وقف في بابِ هذا القصرِ وهو يقول: كأنِّي بهذا القصر قد بادَ أهلُهُ … وأوحشَ منهُ أهلُهُ ومنازِلُهْ وصار رئيسُ القصرِ من بعدِ بَهْجةٍ … إلى جدَثٍ تُبْنَى عليه جَنَادِلُهُ (٣) فما أقام في الخُلد إلا أقلَّ من سنةٍ حتى مرض في طريقِ الحجّ؛ ودخل مكة مُدْنفًا ثَقيلًا، وكانتْ وفاتُه ليلةَ السبت، لست -وقيل لسبع- مضَيْنَ من ذي الحجَّة، وكان آخرَ ما تكلَّمَ به أنْ قال: اللهمَّ بارك لي في لقائِك. وقيل: إنه قال: يا ربّ، إنْ كنتُ عصَيْتُكَ في أمور كثيرة، فقد أطعتُكَ في أحبِّ الأشياءِ إليك؛ شهادة أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّه مُخْلصًا. ثم مات. وكان نقشُ خاتِمِه: اللَّه ثقة عبدِ اللَّه، وبه يؤمن. وكان عمرُهُ يومَ وفاته ثلاثًا وستين سنةً على المشهور، منها ثنتانِ وعشرون سنةً خليفةً، ودُفن بباب الْمَعْلاة ﵀. قال ابنُ جَرير (٤): ومما رُثِيَ به قولُ سَلْم الخاسِر الشاعر: عجَبًا للذي نَعَى الناعيانِ … كيف فاهَتْ بِمَوْتِهِ الشفتانِ مَلِكٌ إنْ عَدَا على الدهرِ يومًا … أصبح الدهرُ ساقطًا للجِرَانِ ليت كَفًّا حَثَتْ عليهِ تُرابًا … لم تَعُدْ في يمينِها بِبَنَانِ حين دانَتْ له البلادُ على العَسْـ … ـفِ وأغْضَى من خَوْفِهِ الثَّقَلانِ أين رَبُّ الزوراءَ قد قلَّدَتْهُ الـ … ـمُلْكَ عشرين حِجَّةً واثنتانِ إنَّما المرءُ كالزنادِ إذا ما … أخذَتْهُ قوادِحُ النيرانِ ليس يَثْني هَواهُ زَجْرٌ ولا يَقْـ … ـدحُ في حَبْلِهِ ذوو الأذهانِ قَلَّدَتْهُ أعِنَّةُ الملكِ حتى … قادَ أعداءَهُ بغيرِ عِنَانِ يكْسرُ الطَّرْفُ دُونهُ وترى الأيْـ … ـدي من خَوْفِهِ على الأذقانِ

стр. 4889

ضمَّ أطرافَ مُلْكِهِ ثم أضْحَى … خَلْفَ أقْصَاهُمُ ودون الدَّاني هاشميُّ التَّشْميرِ لا يَحْملُ الثَّقْـ … ـلَ على غاربِ الشَّرُودِ الهدَانِ ذو أناةٍ يَنْسى لها الخائفُ الخَوْ … فَ وعَزْمٍ يَلْوي بكُلِّ جَنانِ ذهبَتْ دونه النفوسُ حِذَارًا … غيرَ أنَّ الأرواحَ في الأبدان (١) وقد دُفن عند باب الْمَعْلاةِ بمكة، ولا يُعْرَفُ قَبْرُه، لأنه أعمى قبرَه، فإنَّ الرَّبيعَ الحاجِبَ حَفرَ مئةَ قبرٍ ودفنه في غيرِها لئلا يُعرف. ذكرُ أولادِ المنصور محمد الْمَهْدي، وهو وليُّ عَهْدِه، وجعفر الأكبر، مات في حياته، وأمُّهما أرْوَى بنتُ منصور، وعيسى، ويعقوب، وسليمان، وأمُّهم فاطمةُ بنتُ محمد، من ولَدِ طَلْحَة بنِ عُبيدِ اللَّه. وجعفر الأصغر من أُمِّ ولدٍ كُرْدِيَّة. وصالحٌ المسكين من أُمِّ ولَدٍ رُوميَّة، ويُقال لها: قالى الفراشة. والقاسم من أُمِّ ولَدٍ [أيضًا، والعَاليةُ] من امرأةٍ من بني أُميَّة. ذكرُ خِلافةِ المَهْديِّ بنِ المنصور لمَّا ماتَ أبوه لِسِتٍّ أو لِسَبْعٍ مَضَيْنَ من ذي الحجَّة من سنةِ ثمانٍ وخمسين ومئة؛ أُخذتِ البيعةُ للمَهْدي من رؤوسِ بني هاشم، والقُوَّاد الذين هُمْ مع المنصور في الحجِّ قبلَ دَفْنِه؛ وبعَثَ الربيعُ الحاجبَ بالبَيْعَةِ وبالبُرُدِ والقَضيب (٢) إلى الْمَهْدي وهو ببغداد؛ فدخل عليه البريدُ بذلك يومَ الثلاثاء النصف من ذي الحجَّة، فسلّم عليه بالخلافة، وأعطاه الكُتبَ بالبيعة، وبايَعَهُ أهلُ بغداد. ونفَذَتْ بيعتُهُ إلى سائرِ الآفاق. وذكر ابنُ جرير (٣) أنَّ المنصور قبلَ موتِهِ بيوم تَحَامَلَ وتَسَاند، واستدعَى بالأمراء، فجدَّدَ البيعةَ لابنِهِ المهدي، فتسارعوا إلى ذلك، وتبادروا إليه. وحجَّ بالناس في هذه السنةِ إبراهيمُ بنُ يَحْيى بنِ محمد بنِ علي بن عبدِ اللَّه بنِ عباس؛ عن وصيَّةِ عمِّهِ

стр. 4890

المنصور، وهو الذي صلَّى عليه. وقيل: إنَّ الذي صلى على المنصور عيسى بن موسى وليُّ العهد من بعدِ المهدي، والصحيح الأول، لأنه كان نائبَ مكةَ والطائف، وعلى إمرةِ المدينة عبدُ الصمد بن علي، وعلى الكوفة عمر بن زهير الضبِّي أخو المسيب بن زهير أمير الشرطة للخليفة، وعلى خراسان حُميد بن قَحْطَبة، وعلى خَرَاجِ البصرةِ وأرضِها عمارة بن حمزة، وعلى صلاتها وقضائها عبدُ اللَّه بن الحسن العَنْبَري، وعلى أحداثها سعيد بن دَعْلَج. قال الواقدي (١): وأصابَ النَّاسَ في هذه السنة وباءٌ شديد؛ فتُوفِّي فيه خلقٌ كثير، وجَمٌّ غَفير، منهم: أفلح بن حُميد. وحَيوَةُ بن شُريح. ومعاوية بن صالح بمكة. وزُفَر بن الهذيل (٢) بن قيس بن سُليم بن مكمل بن ذُهْل بن ذُؤيب بن جَذِيمة بن عمرو بن حنجور بن جُنْدب بن العَنْبَر بن عمرو بن تميم بن مر بن أُدِّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعَدِّ بن عدنان (٣) التميميُّ العَنْبَريُّ الكوفيُّ الفقيهُ الحنفي؛ أقدَمُ أصحابِ أبي حنيفةَ وفاةً وأكثَرُهُم استعمالًا للقِيَاس. وكان عابدًا اشتغل أولًا بعِلْمِ الحديث، ثم غلَبَ عليه الفقهُ والقياس، وُلد سنةَ ستَّ عشرةَ ومئة، وتوفي سنةَ ثمانٍ وخمسين ومئة عن ثنتين وأربعين سنة ﵀ وإيانا. ثم دخلت سنة تسع وخمسون ومئة استُهلَّتْ هذه السنةُ وخليفةُ الناس أبو عبدِ اللَّه محمد بن المنصور المهدي؛ فبعث في أولها العباسَ بن محمد إلى بلادِ الرُّوم في جيشٍ كثِيف، وركب معَهم مُشَيِّعًا لهم، فساروا إليها، فافتتحوا مدينةً عظيمةً للرُّوم، وغَنِموا غنائمَ كثيرةً ورجَعوا سالِمينَ لم يُفقَدْ منهم أحد. وفيها تُوفّي حُميد بن قَحْطبة نائبُ خراسان، فولَّى المهديُّ مكانَهُ أبا عَوْن عبدَ الملك بن يزيد، وولَّى حمزةَ بن مالك سِجِسْتان، وولَّى جبريلَ بنَ يحيى سَمَرْقَنْد.

стр. 4891

وفيها بنى المهديُّ مسجدَ الرُّصافة وخندقَها. وفيها جهَّز جيشًا كثيفًا إلى بلادِ الهند، فوصلوا إليها في السنة الآتية، وكان من أمرِهم ما سنذكرُه. وفيها تُوفي نائبُ السِّند مَعْبَد بن الخليل فولَّى المهديُّ مكانَهُ رَوْحَ بن حاتم بمشورةِ وزيرِه أبي عبدِ اللَّه. وفيها أطلق المهديُّ مَنْ كان في السُّجون إلَّا منْ كان محبوسًا على دم، أو منْ سَعَى في الأرض فسادًا، أو منْ كان عندَهُ حَقٌّ لأحد. وكان من جُملة من أُخرج من الْمُطْبَق يعقوبُ بن داود مولى بني سُليم، والحسن بن إبراهيم بن عبدِ اللَّه بن حسن، وأمرَ بصيرورةِ حسنٍ هذا إلى نصير الخادم لِيَحْتَرِزَ عليه. وكان الحسنُ قد عَزَمَ على الهرَبِ من السِّجْنِ فبلَ خروجِهِ منه، فلما خرجَ يعقوبُ بن داود ناصَحَ الخليفةَ بما كان عزَمَ عليه؛ فنقله من السجن وأودَعَه عند نصير الخادم ليحتاطَ عليه. وحَظِيَ يعقوبُ بن داود عند المهدي جدًّا حتى صار يدخلُ عليه في الليلِ بلا استئذانٍ؛ وجعله على أمورٍ كثيرة، وأطلق له مئةَ ألفِ درهم؛ وما زال عنده كذلك حتى تمكَّنَ المهديُّ من الحسن بن إبراهيم، فسقطت منْزِلةُ يعقوب عنده. وقد عزل المهديُّ نُوّابًا كثيرة عن البلاد، وولَّى بدلهم. وفي هذه السنة تزوَّج المهديُّ بابنةِ عمه أمِّ عبدِ اللَّه بنت صالح بن علي، وأعتق جاريتَهُ الخَيْزُرَان، وتزوَّجَها أيضًا، وهي أمُّ الرَّشيد، وفيها وقَعَ حريقٌ عظيم في السُّفُنِ التي في دِجْلَةِ بغداد. ولمّا وَليَ المهديُّ سأل عيسى بنَ موسى -وكان وليَّ العَهْدِ بعدَه- أنْ يَخلَعَ نفسَهُ من الأمر؛ فامتنع على الْمَهْديّ؛ وسألَ المهديَّ أنْ يُقيم بأرضِ الكوفة في ضيعةٍ له، فأذِنَ له وكان قد استقرَّ على إمرةِ الكوفة رَوْحُ بن حاتم، فكتب إلى المهدي: إنَّ عيسى بن موسى لا يأتي الجمعةَ ولا الجماعةَ مع الناس إلا شَهْرين من السنة؛ وإنه إذا جاء يدخلُ بدوابَّه داخلَ بابِ المسجد، فتروثُ دوابُّه حيثُ يُصلي الناس. فكتب إليه المهدي أنْ يعملَ خشبًا على أفواهِ السِّكَكِ حتى لا يَصِلَ الناسُ إلى المسجدِ إلا مُشاةً. فعلم بذلك عيسى بن موسى، فاشترى قبلَ الجمعة دارَ المختارِ بن أبي عُبيد من ورَثَتِه، وكانت ملاصقةً للمسجد، وكان يأتي إليها من يوم الخميس فإذا كان يومُ الجمعة ركب حمارًا إلى بابِ المسجد، فنَزَل إلى هناك، وشهد الصلاة مع الناس، وأقام بالكلية بالكوفةِ بأهلِه، ثم ألَحَّ عليه المهديُّ في أنْ يخلعَ نفسَهُ، وتوعَّدَهُ إنْ لم يفعلْ، ووعَدَه إنْ فعل. فأجابه إلى ذلك، فأعطاه أقطاعًا عظيمة، وأعطاهُ من المال عشرةَ آلافِ ألف، وقيل عشرين ألفَ ألف، وبايع المهديُّ لولدَيْه من بعدِه موسى الهادي، ثم هارون الرشيد كما سيأتي. وحجَّ بالناس يزيدُ بن منصور خالُ المهدي، وكان نائبًا على اليمن، فولاهُ الموسم، واستقدمه عليه شوقًا إليه. وغالبُ نوَّاب البلاد عزَلَهم المهدي، غيرَ أنَّ إفْريقيَةَ مع يزيدَ بنِ حاتم، وعلى مصر محمد بن سليمان أبو ضَمْرَة، وعلى خُرَاسان أبو عَوْن، وعلى السِّنْد بِسْطامُ بن عمرو، وعلى الأهواز وفارس عمارة بن حمزة، وعلى اليمن رجاء بن رَوْح، وعلى اليمامةِ بشر بن المنذر، وعلى الجزيرة الفضلُ بن صالح، وعلى المدينة عُبيد اللَّه بن صفوان الجُمَحي، وعلى مكةَ والطائف إبراهيم بن يحيى، وعلى

стр. 4892

أحداث الكوفة إسحاق بن الصباح الكندي، وعلى خراجها ثابت بن موسى وعلى قضائها شريك بن عبد اللَّه النَّخعي وعلى أحداثِ البصرة عمارة بن حمزة، وعلى صلاتِها عبدُ الملك بن أيوب بن ظبيان النَّمَري، وعلى قضائها عُبيد اللَّه بن الحسن العَنْبَري. وفيها تُوفي: عبدُ العزيز بن أبي رَوَّاد. وعكرمة بن عمار. ومالك بن مِغْوَل. ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، نَظِير مالك بن أنس في الفقه، وربما أنكر على مالك أشياءَ ترَكَ الأخذَ فيها ببعضِ الأحاديث كان يراها مالكٌ من إجماعِ أهلِ المدينة، وغير ذلك من المسائل. ثم دخلت سنة ستين ومئة فيها خرج رجلٌ بِخُراسان على المهدي مُنكرًا عليه أحوالَهُ وسيرتَه، وما يتعاطاه؛ يُقال له يوسف البرم، والتفَّ عليه خلقٌ كثير، وتفاقَمَ الأمر، وعَظُم الخطبُ به، فتوجَّه إليه يزيدُ بنُ مَزْيَد، فلَقِيَهُ فاقتتلا قتالًا شديدًا حتى تنازلا وتعانقا، فأسر زيدُ بن مزيد يوسُفَ هذا، وأسَرَ جماعةً من أصحابِه، فبعثهم إلى المهدي، فأُدخلوا عليه وقد حُملوا على جمالٍ مُحَوَّلة وجوهُهم إلى ناحيةِ أذنابِ الإبِل، فأمر الخليفةُ هَرْثَمَةَ أنْ يقطعَ يدي يوسُفَ ورجلَيْه ثم يضربَ عُنقَه وأعناقَ منْ معه وصَلَبَهم على جسرِ دِجْلَةَ الأكبر مما يلي عسكر المهدي، وأطفأ اللَّه نائرَتَهم (١) وكْفَى شرَّهم. ذكر البيعة لموسى الهادي وهارون الرشيد ذكرنا أنَّ المهدي ألحَّ على عيسى بن موسى أنْ يخلَعَ نفسَه، وهو مع كلِّ ذلك يمتنعُ وهو مُقيمٌ بالكوفة، فبعث إليه المهدي أحدَ القوَّادِ الكبار، وهو أبو هريرة محمد بن فرُّوخ في ألفٍ من أصحابهِ لإحضارِهِ إليه، وأمَرَ كلَّ واحدٍ منهم أنْ يحملَ طبلًا، فإذا واجهوا الكوفةَ عند إضاءةِ الفجر ضَرَبَ كلُّ واحدٍ منهم على طبلِه. ففعلوا ذلك، فارتَجَّتِ الكوفة، وخاف عيسى بنُ موسى فلمَّا انتهَوْا إليه دعَوْهُ إلى حضرةِ الخليفة، فأظهرَ أنه يَشتكي، فلم يقبلوا ذلك منه، بل أخذوه معهم، فدخلوا به على الخليفة في

стр. 4893

يوم الخميس لثلاثٍ خلَوْنَ من المحرَّم من هذه السنة، فاجتَمَع عليه وجوهُ بني هاشم والقضاةُ والأعيان وسَألوه في ذلك وهو يَمتنع، ثم لم يزلِ الناسُ به بالرغبةِ والرَّهْبَةِ حتى أجابَ يومَ الأربعاء (١) لأربعٍ مضَيْنَ من المحرَّم بعد العصر، وبويع لولدَي المهدي موسى وهارون الرشيد صباحةَ يوم الخميس، لثلاثٍ بقينَ من المحرَّم. وجلس المهديُّ في قُبَّةٍ عَظِيمة في إيوان الخِلافة، ودخل الأمراءُ فبايعوه، ثم نَهَضَ فصَعِدَ المنبرَ وجلَسَ ابنُه موسى الهادي تحتَه، وقام عيسى بنُ موسى في أولِ درجة، وخطَبَ المهديُّ فأعلَمَ النَّاسَ بما وقع من خَلْع عيسى بن موسى نفسَه، وأنه قد حلَّلَ النَّاسَ من الأيمانِ التي له في أعناقِهم، وجعل ذلك إلى موسى الهادي، فصدَّقَ عيسى بنُ موسى ذلك، وبايع المهديَّ على ذلك. ثم نَهَض الناسُ فبايعوا الخليفةَ على حسَبِ مراتِبهم وأسنانِهم. وكتَبَ على عيسى بنِ موسى مكتوبًا مؤكَّدًا بالأيمان البالغة، من الطَّلاق والعَتَاق، وأشهد عليه جماعةَ الأمراءِ والوزراء، وأعيانَ بني هاشم وغيرَهم، وأعطاهُ ما ذكَرْنا من الأموال وغيرِها. وفيها دخلَ عبدُ الملك بن شِهاب المسمعي مدينةَ بارْبَد من الهند في جحفلٍ كبير، فحاصرها ونصبوا عليها المجانيق، ورَمَوْها بالنِّفْط، فأحرقوا منها طائفة، وهلك بشرٌ كثيرٌ من أهلِها، وفتحوها عَنْوة، وأرادوا الانصراف فلم يُمكنهم ذلك لاعتلاءِ البحر، فأقاموا هنالك، فأصابَهم داءٌ في أفواهِهِم يُقالُ له حُمام قُرٍّ، فمات منهم ألفُ نفس، منهم الربيع بن صُبيح، فلما أمكَنَهم المسيرُ ركبوا في البحر، فهاجت عليهم ريح، فغرق طائفةٌ أيضًا، ووصل بقيتُهم إلى البصرة ومعهم سَبْيٌ كثير، فيهم بنتُ ملكِهم (٢). وفيها حَكَمَ المهديُّ بإلحاق ولدِ أبي بكر الثقفي إلى ولاءِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقَطْعِ نسَبِهم من ثَقِيف، وكتَبَ بذلك كتابًا إلى والي البصرة، وقطَعَ نسبه من زياد، ومن نسَبِ نافع؛ ففي ذلك يقولُ بعضُ الشعراء وهو خالد النجَّار: إنَّ زيادًا ونافعًا وأبَا … بَكْرَة عِنْدي من أعْجَبِ العَجَبِ ذا قُرشيٌّ كما يقولُ وذَا … مولًى وهذا بزَعْمِهِ عَرَبي وقد ذكر ابنُ جرير أنَّ نائبَ البصرةِ لم يُنفِذْ ذلك (٣). وفي هذه السنة حجَّ بالناس المهدي، واستخلف على بغداد ابنَهُ موسى الهادي، واستصحَبَ مَعَهُ ابنه هارونَ الرَّشيد، وخَلْقًا من الأمراء، منهم يعقوبُ بنُ داود على مَنْزِلَته ومكانتِه، وكان الحسنُ بنُ إبراهيم قد هرَبَ من الخادم، فلَحِقَ بأرضِ الحِجَاز، فاستأمَنَ لهُ يعقوب بن داود، فأحسن المهديُّ صِلَتَه،

стр. 4894

وأجزَلَ جائزتَه. وفرَّقَ الْمَهْديُّ في أهلِ مكةَ مالًا كثيرًا جدًا، كان قد قَدِمَ معه بثلاثينَ ألفَ ألفِ درهم، ومئة ألف ثوب، وجاء من مصرَ ثلاثُمئة ألف دينار، ومن اليمن مئتا ألف دينار، فأعطاها كلَّها في أهلِ مكةَ والمدينة، وشكَتِ الحَجَبةُ إلى المهدي أنهم يخافون على الكعبة أن تَنْهدمَ من كثرةِ ما عليها من الكساوَى، فأمرَ بتجريدِها من الكسوة، فلما انتهَوْا إلى كساوي هشام بن عبدِ الملك وَجَدَها من دِيباج ثخين، فأمر بإزالتها، وبقيَتْ كساوي الخلفاء قبلَهُ وبعدَه، فلمَّا جرَّدَها طلاها بالخَلُوف، وكساها كسوةً حسنةً جدًّا؛ ويُقال إنه استفتى مالكًا في إعادةِ الكعبةِ إلى ما كانتْ عليه من بنايةِ ابنِ الزُّبير، من توسيعها على الوجه الذي كان يَوَدُّهُ رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال مالك: دَعْها فإني أخشَى أن يتخذَها الملوكُ مَلْعَبة. فترَكَها على ما هي. وحمل له محمد بن سليمان نائبُ البصرةِ الثلجَ إلى مكة، وكان أولَ خليفةٍ حُمل له الثلجُ إليها. ولمَّا دخل المدينة النبوية وسَّع المسجدَ النبوي، وكان فيه مقصورة، فأزالَها وأرادَ أنْ يُنْقصَ من المنبر ما كان زادَهُ معاوية بن أبي سفيان، فقال له مالك: إنه يخشى أن ينكسرَ خَشَبهُ العتيقُ إذا زُعزع، فتركه. وتزوَّج من المدينة رُقيَّةَ بنتَ عمرو العثمانية، وانتخبَ من أهلِها خمسَمئةٍ من أعيانِها ليكونوا حولهُ حرسًا بالعراق وأنصارًا، وأجرى عليهم أرزاقًا غيرَ أُعطياتِهم، وأقطعَهُمْ أقطاعًا معروفةً بهم. وفيها توفي: الربيع بن صبيح. وسفيان بن حسن أحد أصحابِ الزُّهري. وشُعبةُ بنُ الحجًّاج بن الوود العَتَكي الأزدي (١)، أبو بِسْطَام الواسطي، ثم انتقل إلى البصرة (٢)، وأى شعبةُ الحسنَ وابنَ سِيرين وروى عن أُممٍ من التابعين. وحدَّث عنه خلقٌ من مشايخه وأقرانِه وأئمةِ الإسلام. وهو شيخ المحدِّثين الملقَّب فيهم بأميرِ المؤمنين، قاله الثووي. وقال يحيى بن مَعين: هو إمامُ المتَّقين، وكان في غايةِ الزُّهْدِ والوَرَعِ والتقشُّف والحفظ وحُسنِ الطريقة.

стр. 4895

وقال الشافعي: لولاه ما عُرف الحديثُ بالعِراق. وقال الإمامُ أحمد: كان أمةً وحدَهُ في هذا الشأن، ولم يكن في زمانه مثله. وقال محمد بن سعد: كان ثقةً مأمونًا حُجَّةً، صاحبَ حديث. وقال وكيع: إني لأرجو أنْ يرفعَ اللَّه لشعبةَ في الجنةِ درجات بِذَبِّهِ عن حديثِ رسولِ اللَّه ﷺ . وقال صالح بن محمد جَزَرة: كان شعبةُ أولَ من تكلَّم في الرجال، وتَبِعَهُ يحيى القطَّان، ثم أحمد وابنُ مَعين. ابن المهدي: ما رأيتُ أعقلَ من مالك، وأشدَّ تقشُّفًا من شعبة، ولا أنصحَ للأمَّةِ من ابنِ المبارك، ولا أحفظَ للحديث من الثوري. وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلتُ على شعبةَ في وقتِ صلاةٍ إلَّا ورأيتُه يُصلِّي؛ وكان أبًا للفقراء، وأمًّا لهم. وقال النَّضْرُ بن شُميل: ما رأيتُ أرحمَ بِمسكينٍ منه. كان إذا رأى مِسْكينًا لا يزالُ ينظرُ إليه حتى يَغيب عنه. وقال غيره: ما رأيتُ أعبدَ منه! لقد عَبَدَ اللَّه حتى لَصِقَ جِلْدُهُ بعظمِه. وقال يحيى القطان: ما رأيتُ أرقَّ للمِسكين منه! كان يدخل المسكينُ في مَنْزِلِه فيعطيه ما أمكنه. قال محمد بن سعد وغيرُه: مات في أول سنة ستين ومئة في البصرة عن ثمانٍ وسبعين سنة. ثم دخلت سنة إحدى وستين ومئة فيها غزا الصائفة ثمامة بن الوليد، فنزل دابق، وجاشت الروم عليه؛ فلم يتمكَّنِ المسلمون من الدخول إليها بسببِ ذلك. وفيها أمر المهديُّ بحَفْرِ الرَّكايا، وعمَلِ المصانع، وبناءِ القُصور في طريقِ مكة. ووَلَّى يقطين بن موسى على ذلك، فلم يزلْ يعملُ في ذلك إلى سنةِ إحدى وسبعين ومئة مقدارَ عشرِ سنين، حتى صارتْ طريقُ الحجاز من العراق من أرفَقِ الطرقات، وآمَنِها وأطيبها. وفيها وسَّعَ المهديُّ جامعَ البَصْرة من قِبْلَتِهِ وغَرْبِه. وفيها كتب إلى الآفاق أنْ لا تبقى مقصورةٌ في مسجدِ جماعة، وأن تُقصَّرَ المنابرُ إلى مقدارِ منبرِ رسولِ اللَّه ﷺ . ففعَلَ ذلك في المدائنِ كلِّها. وفيها اتَّضعتْ مَنْزلةُ أبي عُبيد اللَّه وزيرِ المهدي، وظهرَتْ عنده خيانتُه؛ فضمَّ إليه المهديُّ منْ يُشرفُ عليه،

стр. 4896

وكان ممَّنْ ضُمَّ إليه إسماعيل بن عُلَيَّة. ثم أبعدَه وأقصاهُ وأخَرَجهُ من مُعَسْكَرِه. وفيها ولي القضاء عافيةُ بن يزيد الأزدي، وكان يحكُمُ هو وابنُ عُلاثة في عسكرِ المهدي بالرُّصافة. وفيها خرجَ رجلٌ يقال له المقنَّع بخُراسان في قريةٍ من قرى مَرْو، كان يقولُ بالتناسخ، واتَّبعهُ على ذلك خلقٌ كثير؛ فجهَّز إليه المهدي عدَّة من أمرائه، وأنفذ إليه جيوشًا كثيرة، منهم معاذ بن مسلم أمير خراسان، وكان من أمرِهِ وأمرِهم ما سنذكُرُه. وحجَّ بالناس فيها موسى الهادي بن المهدي. وفيها تُوفي: إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي. وزائدة بن قُدامة. وسفيان بن سعيد بن مَسْروق الثوري (١): أحد أئمةِ الإسلام وعُبَّادهم، والمقتدَى به، أبو عبد اللَّه الكوفي، روى عن غيرِ واحدٍ من التابعين، وروى عنه خلقٌ من الأئمَّة وغيرهم. قال شعبة وأبو عاصم وسفيان بن عُيينة ويحيى بن معين وغيرُ واحد: هو أميرُ المؤمنين في الحديث. وقال ابنُ المبارك: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ ومئة شيخ هو أفضلُهم. وقال أيوب: ما رأيتُ كوفيًّا أفضِّلُه عليه. وقال يونس بن عُبيد: ما رأيتُ أفضلَ منه. وقال عبدُ اللَّه بن داود: ما رأيتُ أفقهَ من الثَّوري. وقال شعبة: ساد في الناس بالورَعِ والعِلْم. وقال سفيان بن عُيينة: أصحابُ الحديث ثلاثة (٢): ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. وقال الإمام أحمد: لا يتقدَّمه في قلبي أحد. ثم قال: تدري منِ الإمام؟ الإمام سفيانُ الثوري.

стр. 4897

وقال عبدُ الرزاق: سمعت الثوريَّ يقول: ما استودعتُ قلبي شيئًا قطُّ فخانني، حتى إني لأمرُّ بالحائك يتغنَّى، فأسدُّ أُذني مخافةَ أنْ أحفظَ ما يقول. وقال: لأن أتركَ عشرةَ آلافِ دينار يُحاسبني اللَّه عليها أحبُّ إليَّ من أنْ أحتاجَ الناس. قال محمد بن سعد (١): أجمعوا أنه توفي في البصرة سنة إحدى وستين ومئة، وكان عمره يوم مات أربعًا وستين سنة. ورآه بعضُهم في المنام يطيرُ في الجنة من نخلةٍ إلى نخلة، ومن شجرةٍ إلى شجرة، وهو يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]، الآية. أوقال: إذا ترأس الرجلُ سريعًا أضَرَّ بكثيرٍ من العِلْم (٢). وممن تُوفي فيها: أبو دُلامَةَ (٣) زَنْد بن الجَوْن، الشاعر الماجِن، أحدُ الظُّرَفاء، أصلُه من الكوفة، وأقام ببغداد وحَظِيَ عند المنصور لأنه كان يُضحِكُه، ويُنشده الأشعار ويمدَحُه؛ حضر يومًا جنازةَ امرأةِ المنصور وكانتِ ابنةَ عمِّه، يُقال لها حمادة بنت عيسى، وكان المنصور قد حَزِنَ عليها، فلما سوَّوْا عليها التراب، وكان أبو دُلامة حاضرًا. فقال له المنصور: ويحكَ يا أبا دُلامة! ما أعددتَ لهذا اليوم؟ فقال: ابنةَ عمِّ أميرِ المؤمنين. فضحك المنصورُ حتى استلقَى، ثم قال: ويحك فضَحْتَنا. ودخل يومًا على المهدي يهنِّئُهُ بقدومِهِ من سفرِه وأنشده: إني حلَفْتُ لئنْ رأيتُكَ سالمًا … بِقُرَى العراقِ وأنتَ ذو وَفْرِ لَتُصَلِّيَن على النبيِّ محمدٍ … ولَتملأنَّ دراهمًا حِجْرِي (٤) فقال المهدي: أمَّا الأولى فنعَمْ، نُصلِّي على النبي محمدٍ ﷺ ، وأما الثانية فلا. فقال: يا أمير المؤمنين، هما كلمتان، فلا تفرِّقْ بينهما. فأمر أنْ يملأ حجرهُ دراهم، ثم قال له: قم. فقال: إذًا ينخرق منها قميصي. فأُفرغَتْ منه في أكياسِها، ثم قام فحملها وذهب.

стр. 4898

وذكر عنه ابنُ خَلِّكان (١) أنه مَرِض ابنٌ له، فداواهُ طبيب، فلمّا عُوفي قال له: ليس عندَنا ما نُعطيك ولكنْ ادَّعِ على فلان اليهودي بمبلغِ ما تستحقه عندَنا من أُجرتك حتى أشهدَ أنا وولَدِي بالمبلغِ المذكور. قال: فذهب الطبيبُ إلى قاضي الكوفة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى -وقيل ابن شُبْرُمة- فادَّعى عليه عندَه، فأنكر اليهودي، فشهد له أبو دُلامة وابنُه، فلم يستطعِ القاضي أن يردَّ شهادَتهما، وخاف من طلَبِ التزكية (٢)، فأعطى الطبيبَ المدَّعي المالَ من عندِه وأطلَقَ اليهودي، وجمع القاضي بين المصالح. توفي أبو دُلامة في هذه السنة، وقيل: إنه أدركَ خلافةَ الرشيد سنةَ سبعين. فاللَّه أعلم. ثم دخلت سنة ثنتين وستين ومئة فيها خرج عبدُ السلام بن هاشم اليشكري بأرضِ قِنَّسْرِين، واتَّبَعَهُ خلقٌ كثير، وقَوِيَتْ شَوْكتهُ، فقاتله جماعةٌ من الأمراء فلم يقدِروا عليه، فجهَّز إليه المهديُّ جيوشًا، وأنفق فيهم أموالًا، فهزَمَهم مرَّات، ثم آلَ الأمرُ به أنْ قُتل بعد ذلك. وفيها غزا الصائفةَ الحسنُ بن قحطبة في ثمانين ألفًا من المرتزقة، سوى المتطوِّعة، فدمَّرَ الروم، وحرق بلدانًا كثيرة، وخرَّب أماكن، وأسَرَ خلقًا من الذَّرَاريّ. وكذلك غزا يزيدُ بن أسيد السلمي بلادَ الروم من باب قالِيقَلا (٣) فغَنِم وسَلِم، وسَبَا خلقًا كثيرًا. وفيها خرجَتْ طائفةٌ بِجُرْجان، فلَبسوا الحمرةَ مع رجلٍ يُقال له عبد القهار، فغزاهُ عمر بن العلاء من طَبَرِسْتان، فقهر عبد القهار وقتلَهُ وأصحابَه.

стр. 4899

وفيها أجرى المهدي الأرزاق في سائر الأقاليم والآفاق على المجذومين والمحبوسين؛ وهذه مثُوبةٌ عظيمة، ومكْرُمةٌ جَسيمة. وفيها حجَّ بالناس إبراهيم بن جعفر بن المنصور. وفيها توفي من الأعيان: إبراهيم بن أدهم (١): أحدُ مشاهيرِ العُبَّاد، وأكابر الزُّهَّاد، كانتْ له همَّةٌ عاليةٌ في ذلك، ﵀. فهو إبراهيمُ بن أدهم بن منصور بن يزيد بن عامر بن إسحاق التميمي، ويُقال له العِجْلي؛ أصْلُهُ من بَلْخ، ثم سكن الشام، ودخل دمشق، وروى الحديثَ عن أبيه، والأعمش، ومحمد بن زياد صاحبِ أبي هريرة، وأبي إسحاق السَّبِيعي، وخَلْق. وحدَّث عنه خَلْق، منهم بقِيَّة، والثوري، وأبو إسحاق الفَزَاري، ومحمد بن حِميَر؛ وحكى عنه الأوزاعي. وروى ابن عساكر (٢) من طريق عبدِ اللَّه بن عبد الرحمن الجزري، عن الثوري، عن إبراهيم بن أدهم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: دخلتُ على رسولِ اللَّه ﷺ وهو يُصلِّي جالسًا فقلت: يا رسولَ اللَّه، إنَّكَ تُصَلّي جالسًا، فما أصابك؟ قال: "الجوعُ يا أبا هريرة"؟ قال: فبكَيْت، فقال: "لا تبكْ، فإنَّ شدَّةَ يومِ القيامةِ لا تُصيبُ الجائعَ إذا احتَسَبَ في دارِ الدُّنيا" (٣). ومن طريق بقيَّة، عن إبراهيم بن أدهم: حدّثني أبو إسحاق الهمداني، عن عمارة بن غَزِيَّة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ الفتنة تجيءُ فتنسِفُ العبادَ نسفًا، وينجو العالِم منها بعِلْمِه" (٤).

стр. 4900

قال النسائي: إبراهيم بن أدهم ثقةٌ مأمون، أحدُ الزّهاد. وذكر أبو نُعيم (١) أنه كان ابنُ ملِكٍ من مُلوك خُراسان، وكان قد حُبِّبَ إليه الصَّيد، قال: فخرجتُ مرَّةً، فأثَرْتُ ثعلبًا أو أرنبًا، فهتَفَ بي هاتف من قَرَبُوسِ سَرْجي: ما لهذا خُلقت، ولا بهذا أُمرت. فنَزل عن فرسه، قال: فوقفتُ وقلت: انتهيت انتهيت، جاءني نذيرٌ من ربِّ العالمين، فرجعتُ إلى أهلي، فخلَّيتُ عن فرَسي وجئتُ إلى بعضِ رعاةِ أبي، فأخذتُ منه جُبَّةً وكِسَاءً، ثم ألقيتُ ثيابي إليه، ثم أقبلتُ إلى العراق، فعملتُ بها أيامًا، فلم يصفُ لي بها الحلال، فسألتُ بعضَ المشايخِ عن الحلال، فأرشدَني إلى بلادِ الشام، فأتيتُ طَرَسُوس، فعملتُ بها أيامًا أنطرُ البساتين، وأحصدُ الحصاد. وكان يقول: ما تهنَّيتُ بالعيش إلَّا في بلادِ الشام، أفِرُّ بديني من شاهِقٍ إلى شاهِق، ومن جبلٍ إلى جبل، فمنْ يَرَاني يقول: هو مُوَسْوس. ثم دخل البادية، ودخل مكة، وصَحِبَ الثوريّ، والفُضيل بن عِيَاض، ودخل الشام، وماتَ بها. وكان لا يأكلُ إلَّا من عمَلِ يدَيْه، مثل الحصاد وعمل الفاعل، وحفظ البساتين، وغيرِ ذلك. وما رُوي عنه أنه وجد رجلًا في البادية فعلَّمه اسم اللَّه الأعظم، فكان يدعو به حتى رأى الخَضِر، فقال له: إنما علَّمكَ أخي داودُ اسمَ اللَّه الأعظم. ذكره القُشيري وابنُ عساكر عنه بإسنادٍ لا يَصِحّ. وفيه أنه قال له: إنَّ إلياس علَّمك اسمَ اللَّه الأعظم. وقال إبراهيم: أطِبْ مطعَمَك ولا عليك أنْ لا تقومَ الليل، ولا تصوم النهار. وذكر أبو نعيم عنه، أنه كان أكثر دعائه: اللهمَّ انقلني من ذُلِّ معصيتِك إلى عِزِّ طاعتِك. وقيل له: إنَّ اللحمَ غلا. فقال: أرْخِصوه. أيْ: لا تشتروه، فإنه يَرْخُص. وقال بعضُهم: هتف به الهاتف من فوقه: يا إبراهيم، ما هذا العَبَث؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، اتَّقِ اللَّه، وعليك بالزَّادِ ليومِ القيامة. فنَزَل عن دابَّته، ورَفَض الدنيا، وأخَذَ في عملِ الآخرة. وروى ابن عساكر (٢) بإسنادٍ فيه نظر من ابتداءَ أمرِه قال: بينما أنا يومًا في مَنْظرَةٍ ببَلْخ (٣)، وإذا شيخٌ حسَنُ الهيئة، حسَنُ اللِّحْية، قد استظلَّ بظِلِّها، فأخذَ بِمَجَامعِ قلبي، فأمرتُ غلامًا فدعاه فدخل، فعرضتُ عليه الطعام، فأبَى، فقلت: من أين أقبلت؟ قال: من وراء النهر. قلت: أين تُريد؟ قال: الحج. قلت: في هذا الوقت؟ وقد كان أولَ يومٍ من ذي الحِجَّة أو ثانيه. فقال: يفعلُ اللَّه ما يشاء.

стр. 4901

فقلت: الصحبة. قال: إنْ أحببتَ ذلك فموعِدُك الليل. فلما كان الليل جاءني فقال: قُمْ بسمِ اللَّه. فأخذتُ ثيابَ سَفَري، وسرنا نمشي كأنما الأرض تجذب من تحتنا ونحن نمر على البلدان ونقول: هذه فلانة، هذه فلانة، فإذا كان الصباحُ فارَقَني ويقول: مَوْعِدُك الليل. فإذا كان الليل جاءني ففَعَلنا مثلَ ذلك. فانتهينا إلى مدينةِ النبيِّ ﷺ ، ثم سِرْنا إلى مكة، فجئناها ليلًا، فقضَيْنا الحجَّ مع الناس ثم رجعنا إلى الشام، فزُرْنا بيتَ المقدِس، وقال: إني عازمٌ على المُقام بالشام. ثم رجعتُ أنا إلى بلدي بَلْخ كسائرِ الضعفاء، حتى رجَعْنا إليها ولم أسألْهُ عن اسمِه، فكان ذلك أولَ أمري. ورُوي من وجهٍ آخر فيه نظر (١). [وقال أبو حاتم الرازي: عن أبي نُعيم، عن سفيان الثوري، قال كان إبراهيمُ بن أدهم يُشبه إبراهيمَ الخليل، ولو كان في الصحابة كان رجلًا فاضلًا له سرائر، وما رأيته يُظهرُ تسبيحًا ولا شيئًا، ولا أكلَ مع أحدٍ طعامًا إلَّا كان آخرَ منْ يرفعُ يدَيْه] (٢). وقال عبدُ اللَّه بن المبارك (٣): كان إبراهيمُ رجلًا فاضلًا له سرائر ومعاملات بينه وبين اللَّه ؛ وما رأيتُه يُظهرُ تسبيحًا ولا شيئًا من عمَلِه ولا أكَلَ مع أحدٍ طعامًا إلا كان آخرَ منْ يرفَعُ يدَه. وقال بشر بن الحارث الحافي: أربعة رفَعَهمُ اللَّه بطيبِ المطعم: إبراهيم بن أدهم، وسليمان الخَوَّاص، ووُهَيب بن الورد، ويوسف بن أسباط (٤).

стр. 4902

وروى ابنُ عساكر من طريق معاوية بن حفص، قال: إنما سمع إبراهيم بن أدهم حديثًا واحدًا فأخذَ بهِ، فسادَ أهل زمانِه. قال: حدّثنا منصور عن رِبْعيِّ بن حِرَاش قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عمل يُحبَّني اللَّه عليه، ويُحِبَّني الناسُ. قال: "إذا أردتَ أنْ يُحبَّكَ اللَّه فأبغِضِ الدُّنيا؛ وإذا أردتَ أنْ يُحبَّكَ الناس، فما عندَكَ من فُضولِها فانْبِذْهُ إليهم" (١). وقال ابنُ أبي الدنيا: حدّثنا أبو ربيع عن إدريس قال: جلس إبراهيمُ إلى بعضِ العلماء، فجعلوا يتذاكرون الحديث وإبراهيمُ ساكت، ثم قال: حدّثنا منصور، ثم سكتَ فلم ينطِقْ بحرفٍ حتى قامَ من ذلك المجلس، فعاتبه بعضُ أصحابِه في ذلك، فقال: إني لأخشَى مضرَّةَ ذلك المجلس في قلبي إلى هذا اليوم. وقال رِشْدينُ بن سعد: مرَّ إبراهيمُ بن أدهم بالأوزاعيِّ وحَوْلَه حَلْقَة، فقال: لو أنَّ هذه الحَلْقَة على أبي هريرة لَعَجز عنهم. فقام الأوزاعيُّ وترَكَهم. وقال إبراهيم بن بشار: قيل لابن أدهم: لمَ تركتَ الحديث؟ فقال: إني مشغولٌ عنه بثلاث: بالشكرِ على النِّعم، والاستغفارِ من الذنوب، وبالاستعدادِ للموث. ثم صاح وغُشِيَ عليه، فسمعوا هاتفًا يقول: لا تدخلوا بيني وبين أوليائي. وقال أبو حنيفةَ يومًا لإبراهيمَ بنِ أدهم: قد رُزقت من العبادةِ شيئًا صالحًا، فليكنِ العلمُ من بالِك، فإنَّهُ رأسُ العبادةِ وقِوَامُ الدِّين. فقال له إبراهيم: وأنت فليكنِ العبادةُ والعملُ بالعِلْم من بالِك، وإلَّا هلَكْت. وقال إبراهيم: ماذا أنعم اللَّه على الفقراء؛ لا يسألُهم يومَ القيامةِ عن زكاةٍ، ولا عن حجٍّ، ولا عن جهادٍ، ولا عن صِلَةِ رَحِم؛ إنما يسألُ ويحاسبُ هؤلاء المساكينَ الأغنياء. وقال شقيق بن إبراهيم (٢): لَقيتُ ابن أدهم بالشام وقد كنتُ رأيتُه بالعراق، وبين يديه ثلاثون شاكِرِيًّا (٣)، فقلت له: تركتَ مُلكَ خُراسان، وخرجتَ من نعمتِك! فقال: اسكتْ ما تَهَنَّيْتُ بالعَيش إلا هاهنا، أفِرُّ بديني من شاهِقٍ إلى شاهِقٍ، فمن يراني يقول هو مُوَسْوَس، أو حمَّال أو ملَّاح؛ ثم قال:

стр. 4903

بلَغَني أنه يُؤتى بالفقير يومَ القيامة، فيوقَفُ بين يدي اللَّه فيقول له: يا عبدي، ما لَكَ لم تَحُجّ؟ فيقول: يا رب لم تعطني شيئًا أحجُّ به. فيقول اللَّه: صَدَقَ عبدي، اذهبوا به إلى الجنَّة (١) وعن إبراهيم بن أدهم قال: أقمتُ بالشام أربعًا وعشرين سنة، ولم أقُمْ بها لجهادٍ ولا رِبَاط، إنما نزَلْتُها لأشبع من خبزٍ حلال. وقال: الحُزْنُ حُزنان: حُزْنٌ لكَ وحُزْنٌ عليك؛ فحزُنكَ على الآخرة لك، وحزنُك على الدنيا وزينتها عليك. وقال: الزُّهْد ثلاثة: واجبٌ، ومُسْتَحبّ، وزُهْدُ سلامة؛ فأمَّا الواجب فالزُّهْد في الحرامِ، والزُّهْد عن الشهواتِ الحلال مستحَبّ، والزُّهْد عن الشُّبُهات سلامة. وكان هو وأصحابُه يَمنعونَ أنفسَهم الحَمَّام، والماءَ البارد، والحِذاء؛ ولا يجعلون في مِلْحِهم أبْزارًا. وكان إذا جلس على سُفْرَةٍ فيها طعامٌ طَيِّب، رَمَى بطيِّبها إلى أصحابِه، وأكل هو الخُبْزَ والزَّيتون. وقال: قِلَّةُ الحِرْصِ والطمعِ، تُورثُ الصِّدْقَ والوَرَع؛ وكثرةُ الحِرْصِ والطَّمَع تُورثُ الغَمَّ والجَزَع. وقال له رجل: هذه جُبَّةٌ أحبُّ أنْ تقبلَها مني. فقال: إنْ كنتَ غَنيًّا قَبِلتُها، وإنْ كنتَ فقيرًا لم أقبَلْها. قال: أنا غنيّ. قال: كم عندَك؟ قال: ألفان. قال: تودُّ أنْ تكونَ أربعةَ آلاف؟ قال: نعم. قال فأنتَ فقير، لا أقبلُها منك. وقيل له: لو تزوَّجْتَ. فقال: لو أمكَنَني أنْ أُطَلِّقَ نفسي لطلَّقْتُها. ومكث بمكةَ خمسةَ عشرَ يومًا لا شيءَ له، ولم يكنْ له زادٌ سوى الرَّمْل بالماء، وصلى بوضوءٍ واحدٍ خمسَ عشرةَ صلاةً. وأكَلَ يومًا على حافَةِ الشَّرِيعةِ كُسَيْراتٍ مبلولةً بالماء وضَعَها بين يديه أبو يوسف الغَسُولي، فأكل منها ثم قامَ فشرب من الشريعة، ثم جاء واستَلْقَى على قفاهُ وقال: يا أبا يوسف، لو علم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه من النَّعيم لجالَدُونا بالسيوف أيامَ الحياةِ على ما نحن فيه من لذيذِ العيش. فقال أبو يوسف: طلَبَ القومُ الراحةَ والنَّعِيم فأخطؤوا الطريقَ المستقيم. فتبسَّمَ إبراهيمُ وقال: من أين لك هذا الكلام؟. وبينما هو بالْمَصِّيصةِ في جماعة من أصحابِه إذ جاءَهُ راكبٌ فقال: أيُّكُمْ إبراهيمُ بن أدهم؟ فأُرشِدَ إليه فقال: يا سيدي، أنا غلامُك، وإنَّ أباك قد ماتَ وترَكَ مالًا هو عند القاضي، وقد جئتُكَ بِعشرةِ آلافِ درهمٍ لِتُنفقَها عليك إلى بَلْخ، وفرَسٍ وبَغْلة. فسكَتَ إبراهيمُ طويلًا، ثم رفع رأسه فقال: إنْ كنتَ صادقًا فالدَّراهمُ والفرسُ والبغلةُ لك، ولا تُخْبرْ به أحدًا. ويُقال: إنه ذهب بعد ذلك إلى بَلْخ، وأخذ المالَ من

стр. 4904

الحاكم وجعَلَهُ كلَّهُ في سبيل اللَّه. وكان معَهُ بعضُ أصحابِه، فمكثوا شهرَيْن لم يَحصُلْ لهم شيءٌ يأكلونه، فقال له إبراهيم: ادخُلْ إلى هذه الغَيْضة -وكان ذلك في يومٍ شاتٍ- قال: فدخلتُ، فوجدتُ شجرة عليها خَوْخٌ كثير، فملأتُ منه جِرَابي، ثم خرجْتُ. فقال: ما معَك؟ قلت: خَوْخ. فقال: يا ضعيفَ اليقين، لو صبَرْتَ لوجدتَ رُطَبًا جَنيًّا كما رُزقَتْ مَرْيَمُ بنتُ عِمران. وشكا إليه بعضُ أصحابهِ الجُوع، فصلَّى رَكعتَيْن، فإذا حولَهُ دنانيرُ كثيرة، فقال لصاحبه: خُذْ منها دينارًا. فأخذَهُ واشترى لهم به طعامًا. وذكروا أنه كان يعملُ بالفاعل، ثم يذهب فيشتري البيضَ والزُّبْدَة، وتارةً الشِّوَاءَ والجُوذابات (١)، والخَبِيص (٢)، فيُطْعِمه أصحابَهُ وهو صائم، فإذا أفطَرَ يأكلُ من رَديءِ الطعام ويَحْرِم نفسَهُ المطعمَ الطِّيب لِيَبَرَّ بهِ النَّاسَ تأليفًا لهم وتَحَبُّبًا وتوَدُّدًا إليهم. وأضاف الأوزاعيُّ إبراهيمَ بنَ أدْهَمَ، فقَصَّرَ إبراهيمُ في الأكل، فقال: ما لكَ قصَّرْت؟ فقال: لأنك قَصَّرْتَ في الطعام؛ ثم عَمِلَ إبراهيمُ طعامًا كثيرًا ودَعَا الأوزاعيَّ، فقال الأوزاعي: أما تخافُ أنْ يكونَ سرَفًا؟ فقال: لا، إنَّما السَّرَفُ ما كان في معصيةِ اللَّه، فأمَّا ما أنفَقَهُ الرجلُ على إخوانهِ فهو من الدِّين. وذكروا أنه حصَدَ مرَّةً بعشرينَ دينارًا، فجلَسَ مرَّةً عند حَجَّام هو وصاحبٌ له لِيَحْلِقَ رؤوسهم ويَحْجِمَهُمْ، فكأنَّه تَبَرَّمَ بهم واشتغَلَ عنهم بغيرِهم، فتأذَّى صاحبُه من ذلك، ثم أقبل عليهمُ الحجَّام فقال: ماذا تريدون؟ قال إبراهيم: أريدُ أن تَحْلِقَ رأسي وتَحْجِمني. ففعل ذلك، فأعطاه إبراهيمُ العِشْرين دينارًا، وقال: أردتُ أنْ لا تَحْقِرَ بعدَها فقيرًا أَبدًا. وقال مضاء بن عيسى: ما فاق إبراهيمُ أصحابهُ بصَوْمٍ ولا صلاة، ولكنْ بالصدقةِ والسَّخَاء. وكان إبراهيمُ يقول: فِرُّوا من الناس كفِرَارِكُم من الأسَدِ الضاري، ولا تَخَلَّفوا عن الجُمعةِ والجماعة. وكان إذا سافر مع أحدٍ من أصحابه يُحدَّثُهُ إبراهيم، وكان إذا حَضَرَ في مجلس فكأنما على رؤوسِهم الطَّير هَيْبةً وإجلالًا. ورُبَّما تسامرَ هو وسفيانُ الثَّوري في الليلةِ الشاتِيَةِ إلى الصباح، وكان الثوريُّ يتحرَّزُ معهُ في الكلام. ورأى رجلًا قيل له: هذا قاتِلُ خالِك. فذَهَبَ إليه فسلَّمَ عليه، وأهدَى له وقال: بلَغَني أنَّ الرجلَ لا يَبْلُغُ درجةَ اليقين حتى يأمَنَهُ عدوُّه.

стр. 4905

وقال له رجل: طوبَى لك! أفنيتَ عُمرَك في العبادة، وتركتَ الدنيا والزوجات! فقال: ألَكَ عِيَال؟ قال: نعم. فقال: لَرَوْعةُ الرجلِ بِعِيَالِه -يعني في بعض الأحيان- من الفاقَةِ أفضلُ من عبادةِ كذا وكذا سنة. ورآهُ الأوزاعيُّ ببيروت وعلى عُنقه حُزْمةُ حطَب، فقال: يا أبا إسحاق، إنَّ إخوانَكَ يَكْفُونَك هذا. فقال له: اسكُتْ يا أبا عمرو، فقد بلَغَني أنه إذا وُقف الرجلُ موقفَ مَذَلَّةٍ في طَلَبِ الحلال وجَبَتْ له الجنَّة. وخرج ابنُ أدهمَ من بيتِ المقدس، فمرَّ بطريق، فأخذَتْهُ المَسْلَحةُ في الطريق، فقالوا: أنتَ عبد؟ قال: نعم. قالوا: آبق؟ قال: نعم. فسَجَنوه، فبلَغَ أهلَ بيتِ المقدس خبَرُه، فجاؤوا بِرُمَّتِهمْ إلى نائبِ طَبَريَّة فقالوا: علامَ سجنتَ إبراهيم بن أدهم؟ قال: ما سَجَنْتُهُ. قالوا: بلَى، هو في سِجْنِك. فاستحضره، فقال: عَلامَ سُجنتَ؟ فقال: سَلِ الْمَسْلَحَة. قالوا: أنتَ عَبْد؟ قلت: نعم وأنا عبدُ اللَّه. قالوا: آبق؟ قلتُ: نعم، وأنا عبدٌ آبقٌ من ذنوبي. فخَلَّى سَبِيلَه. وذكروا أنَّهُ مَرَّ مع رُفْقَةٍ، فإذا الأسَدُ على الطريق، فتقدَّمَ إليه إبراهيمُ بن أدهم، فقال له: يا قَسْوَرَة، إنْ كنتَ أُمِرْتَ فينا بشيءٍ فامضِ لِمَا أُمِرْتَ به، وإلَّا فَعَوْدُكَ على بَدْئك. قالوا: فولَّى السَّبُعُ ذاهبًا يَضْربُ بذَنَبه؛ ثم أقبلَ علينا إبراهيمُ فقال: قولوا اللهمَّ راعِنا بِعَيْنكَ التي لا تَنَام، واكْنُفْنا بكَنَفِكَ الذي لا يُرام، وارْحَمْنَا بقُدْرَتِكَ علينا، ولا نَهْلِكُ وأنتَ رجاؤنا، يا اللَّه، يا اللَّه، يا اللَّه. قال خلفُ بنُ تَميم: فما زلتُ أقولُها منذُ سمعتُها، فما عَرضَ لي لِصٌّ ولا غيرُه. وقد رُوي لهذا شواهدُ من وجوهٍ أُخَر. ورُوي أنه كان يصلِّي ذاتَ ليلة، فجاءه أُسْدٌ ثلاثة، فتقدَّم إليه أحدُهم، فشَمَّ ثيابَهُ ثم ذهبَ فرَبَضَ قريبًا منه، وجاء الثاني ففعَلَ مثلَ ذلك، وجاء الثالثُ ففعل مثلَ ذلك، واستمرَّ إبراهيمُ في صلاتِه، فلمَّا كان وقتُ السَّحَر قال لهم: إنْ كنتُم أُمِرْتُمْ بشيء فهَلُمُّوا، وإلَّا فانصرِفوا. فانصرَفوا. وصَعِدَ مرَّةً جبلًا بمكَّة ومعه جماعة، فقال لهم لو أنَّ وليًّا من أولياءِ اللَّه قالَ لِجَبَل: زُلْ لَزالَ. فتحرَّك الجبلُ تحتَهُ، فوَكَزهُ بِرجْلِه وقال: اسْكُنْ، فإنَّما ضرَبْتُكَ مثلًا لأصحابي. وكان الجبلُ أبا قُبَيس. وركب مرَّة سفينةً، فأخذهُمُ الموجُ من كلِّ مكان، فلَفَّ إبراهيمُ رأسَهُ بكِسَالهِ واضْطَجَع، وعَجَّ أصحابُ السفينةِ بالضَّجيجِ والدُّعاء، وأيقظوه وقالوا: ألا تَرَى ما نحنُ فيه من الشِّدَّة؟! فقال: ليس هذه شِدَّة، وإنما الشِّدَّةُ الحاجةُ إلى الناس. ثم قال: اللهمَّ أرَيْتَنَا قُدْرَتَك، فأرِنَا عَفْوك. فصار البحرُ كأنه قدَحُ زَيْت. وكان قد طالبه صاحبُ السفينةِ بأُجْرَةِ حَمْلِهِ دينارَيْن، وألَحَّ عليه، فقال له: اذهَبْ معي حتى أعطيَكَ دينارَيْك. فأتى إلى جزيرةٍ في البحر، فتوضَّأ إبراهيمُ وصلَّى ركعتَيْن، ودَعَا، وإذا ما حَوْلهُ قد مُلئ دنانير، فقال له: خُذْ حَقَّك ولا تَزِدْ، ولا تذكُرْ هذا لأحد.
следующие страницы →