فقلت: الصحبة. قال: إنْ أحببتَ ذلك فموعِدُك الليل. فلما كان الليل جاءني فقال: قُمْ بسمِ اللَّه. فأخذتُ ثيابَ سَفَري، وسرنا نمشي كأنما الأرض تجذب من تحتنا ونحن نمر على البلدان ونقول: هذه فلانة، هذه فلانة، فإذا كان الصباحُ فارَقَني ويقول: مَوْعِدُك الليل. فإذا كان الليل جاءني ففَعَلنا مثلَ ذلك. فانتهينا إلى مدينةِ النبيِّ ﷺ ، ثم سِرْنا إلى مكة، فجئناها ليلًا، فقضَيْنا الحجَّ مع الناس ثم رجعنا إلى الشام، فزُرْنا بيتَ المقدِس، وقال: إني عازمٌ على المُقام بالشام. ثم رجعتُ أنا إلى بلدي بَلْخ كسائرِ الضعفاء، حتى رجَعْنا إليها ولم أسألْهُ عن اسمِه، فكان ذلك أولَ أمري.
ورُوي من وجهٍ آخر فيه نظر (١).
[وقال أبو حاتم الرازي: عن أبي نُعيم، عن سفيان الثوري، قال كان إبراهيمُ بن أدهم يُشبه إبراهيمَ الخليل، ولو كان في الصحابة كان رجلًا فاضلًا له سرائر، وما رأيته يُظهرُ تسبيحًا ولا شيئًا، ولا أكلَ مع أحدٍ طعامًا إلَّا كان آخرَ منْ يرفعُ يدَيْه] (٢).
وقال عبدُ اللَّه بن المبارك (٣): كان إبراهيمُ رجلًا فاضلًا له سرائر ومعاملات بينه وبين اللَّه ؛ وما رأيتُه يُظهرُ تسبيحًا ولا شيئًا من عمَلِه ولا أكَلَ مع أحدٍ طعامًا إلا كان آخرَ منْ يرفَعُ يدَه.
وقال بشر بن الحارث الحافي: أربعة رفَعَهمُ اللَّه بطيبِ المطعم: إبراهيم بن أدهم، وسليمان الخَوَّاص، ووُهَيب بن الورد، ويوسف بن أسباط (٤).
стр. 4902
وروى ابنُ عساكر من طريق معاوية بن حفص، قال: إنما سمع إبراهيم بن أدهم حديثًا واحدًا فأخذَ بهِ، فسادَ أهل زمانِه. قال: حدّثنا منصور عن رِبْعيِّ بن حِرَاش قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عمل يُحبَّني اللَّه عليه، ويُحِبَّني الناسُ. قال: "إذا أردتَ أنْ يُحبَّكَ اللَّه فأبغِضِ الدُّنيا؛ وإذا أردتَ أنْ يُحبَّكَ الناس، فما عندَكَ من فُضولِها فانْبِذْهُ إليهم" (١).
وقال ابنُ أبي الدنيا: حدّثنا أبو ربيع عن إدريس قال: جلس إبراهيمُ إلى بعضِ العلماء، فجعلوا يتذاكرون الحديث وإبراهيمُ ساكت، ثم قال: حدّثنا منصور، ثم سكتَ فلم ينطِقْ بحرفٍ حتى قامَ من ذلك المجلس، فعاتبه بعضُ أصحابِه في ذلك، فقال: إني لأخشَى مضرَّةَ ذلك المجلس في قلبي إلى هذا اليوم.
وقال رِشْدينُ بن سعد: مرَّ إبراهيمُ بن أدهم بالأوزاعيِّ وحَوْلَه حَلْقَة، فقال: لو أنَّ هذه الحَلْقَة على أبي هريرة لَعَجز عنهم. فقام الأوزاعيُّ وترَكَهم.
وقال إبراهيم بن بشار: قيل لابن أدهم: لمَ تركتَ الحديث؟ فقال: إني مشغولٌ عنه بثلاث: بالشكرِ على النِّعم، والاستغفارِ من الذنوب، وبالاستعدادِ للموث. ثم صاح وغُشِيَ عليه، فسمعوا هاتفًا يقول: لا تدخلوا بيني وبين أوليائي.
وقال أبو حنيفةَ يومًا لإبراهيمَ بنِ أدهم: قد رُزقت من العبادةِ شيئًا صالحًا، فليكنِ العلمُ من بالِك، فإنَّهُ رأسُ العبادةِ وقِوَامُ الدِّين. فقال له إبراهيم: وأنت فليكنِ العبادةُ والعملُ بالعِلْم من بالِك، وإلَّا هلَكْت.
وقال إبراهيم: ماذا أنعم اللَّه على الفقراء؛ لا يسألُهم يومَ القيامةِ عن زكاةٍ، ولا عن حجٍّ، ولا عن جهادٍ، ولا عن صِلَةِ رَحِم؛ إنما يسألُ ويحاسبُ هؤلاء المساكينَ الأغنياء.
وقال شقيق بن إبراهيم (٢): لَقيتُ ابن أدهم بالشام وقد كنتُ رأيتُه بالعراق، وبين يديه ثلاثون شاكِرِيًّا (٣)، فقلت له: تركتَ مُلكَ خُراسان، وخرجتَ من نعمتِك! فقال: اسكتْ ما تَهَنَّيْتُ بالعَيش إلا هاهنا، أفِرُّ بديني من شاهِقٍ إلى شاهِقٍ، فمن يراني يقول هو مُوَسْوَس، أو حمَّال أو ملَّاح؛ ثم قال:
стр. 4903
بلَغَني أنه يُؤتى بالفقير يومَ القيامة، فيوقَفُ بين يدي اللَّه فيقول له: يا عبدي، ما لَكَ لم تَحُجّ؟ فيقول: يا رب لم تعطني شيئًا أحجُّ به. فيقول اللَّه: صَدَقَ عبدي، اذهبوا به إلى الجنَّة (١)
وعن إبراهيم بن أدهم قال: أقمتُ بالشام أربعًا وعشرين سنة، ولم أقُمْ بها لجهادٍ ولا رِبَاط، إنما نزَلْتُها لأشبع من خبزٍ حلال.
وقال: الحُزْنُ حُزنان: حُزْنٌ لكَ وحُزْنٌ عليك؛ فحزُنكَ على الآخرة لك، وحزنُك على الدنيا وزينتها عليك.
وقال: الزُّهْد ثلاثة: واجبٌ، ومُسْتَحبّ، وزُهْدُ سلامة؛ فأمَّا الواجب فالزُّهْد في الحرامِ، والزُّهْد عن الشهواتِ الحلال مستحَبّ، والزُّهْد عن الشُّبُهات سلامة.
وكان هو وأصحابُه يَمنعونَ أنفسَهم الحَمَّام، والماءَ البارد، والحِذاء؛ ولا يجعلون في مِلْحِهم أبْزارًا. وكان إذا جلس على سُفْرَةٍ فيها طعامٌ طَيِّب، رَمَى بطيِّبها إلى أصحابِه، وأكل هو الخُبْزَ والزَّيتون.
وقال: قِلَّةُ الحِرْصِ والطمعِ، تُورثُ الصِّدْقَ والوَرَع؛ وكثرةُ الحِرْصِ والطَّمَع تُورثُ الغَمَّ والجَزَع.
وقال له رجل: هذه جُبَّةٌ أحبُّ أنْ تقبلَها مني. فقال: إنْ كنتَ غَنيًّا قَبِلتُها، وإنْ كنتَ فقيرًا لم أقبَلْها. قال: أنا غنيّ. قال: كم عندَك؟ قال: ألفان. قال: تودُّ أنْ تكونَ أربعةَ آلاف؟ قال: نعم. قال فأنتَ فقير، لا أقبلُها منك.
وقيل له: لو تزوَّجْتَ. فقال: لو أمكَنَني أنْ أُطَلِّقَ نفسي لطلَّقْتُها.
ومكث بمكةَ خمسةَ عشرَ يومًا لا شيءَ له، ولم يكنْ له زادٌ سوى الرَّمْل بالماء، وصلى بوضوءٍ واحدٍ خمسَ عشرةَ صلاةً.
وأكَلَ يومًا على حافَةِ الشَّرِيعةِ كُسَيْراتٍ مبلولةً بالماء وضَعَها بين يديه أبو يوسف الغَسُولي، فأكل منها ثم قامَ فشرب من الشريعة، ثم جاء واستَلْقَى على قفاهُ وقال: يا أبا يوسف، لو علم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه من النَّعيم لجالَدُونا بالسيوف أيامَ الحياةِ على ما نحن فيه من لذيذِ العيش. فقال أبو يوسف: طلَبَ القومُ الراحةَ والنَّعِيم فأخطؤوا الطريقَ المستقيم. فتبسَّمَ إبراهيمُ وقال: من أين لك هذا الكلام؟.
وبينما هو بالْمَصِّيصةِ في جماعة من أصحابِه إذ جاءَهُ راكبٌ فقال: أيُّكُمْ إبراهيمُ بن أدهم؟ فأُرشِدَ إليه فقال: يا سيدي، أنا غلامُك، وإنَّ أباك قد ماتَ وترَكَ مالًا هو عند القاضي، وقد جئتُكَ بِعشرةِ آلافِ درهمٍ لِتُنفقَها عليك إلى بَلْخ، وفرَسٍ وبَغْلة. فسكَتَ إبراهيمُ طويلًا، ثم رفع رأسه فقال: إنْ كنتَ صادقًا فالدَّراهمُ والفرسُ والبغلةُ لك، ولا تُخْبرْ به أحدًا. ويُقال: إنه ذهب بعد ذلك إلى بَلْخ، وأخذ المالَ من
стр. 4904
الحاكم وجعَلَهُ كلَّهُ في سبيل اللَّه. وكان معَهُ بعضُ أصحابِه، فمكثوا شهرَيْن لم يَحصُلْ لهم شيءٌ يأكلونه، فقال له إبراهيم: ادخُلْ إلى هذه الغَيْضة -وكان ذلك في يومٍ شاتٍ- قال: فدخلتُ، فوجدتُ شجرة عليها خَوْخٌ كثير، فملأتُ منه جِرَابي، ثم خرجْتُ. فقال: ما معَك؟ قلت: خَوْخ. فقال: يا ضعيفَ اليقين، لو صبَرْتَ لوجدتَ رُطَبًا جَنيًّا كما رُزقَتْ مَرْيَمُ بنتُ عِمران.
وشكا إليه بعضُ أصحابهِ الجُوع، فصلَّى رَكعتَيْن، فإذا حولَهُ دنانيرُ كثيرة، فقال لصاحبه: خُذْ منها دينارًا. فأخذَهُ واشترى لهم به طعامًا.
وذكروا أنه كان يعملُ بالفاعل، ثم يذهب فيشتري البيضَ والزُّبْدَة، وتارةً الشِّوَاءَ والجُوذابات (١)، والخَبِيص (٢)، فيُطْعِمه أصحابَهُ وهو صائم، فإذا أفطَرَ يأكلُ من رَديءِ الطعام ويَحْرِم نفسَهُ المطعمَ الطِّيب لِيَبَرَّ بهِ النَّاسَ تأليفًا لهم وتَحَبُّبًا وتوَدُّدًا إليهم.
وأضاف الأوزاعيُّ إبراهيمَ بنَ أدْهَمَ، فقَصَّرَ إبراهيمُ في الأكل، فقال: ما لكَ قصَّرْت؟ فقال: لأنك قَصَّرْتَ في الطعام؛ ثم عَمِلَ إبراهيمُ طعامًا كثيرًا ودَعَا الأوزاعيَّ، فقال الأوزاعي: أما تخافُ أنْ يكونَ سرَفًا؟ فقال: لا، إنَّما السَّرَفُ ما كان في معصيةِ اللَّه، فأمَّا ما أنفَقَهُ الرجلُ على إخوانهِ فهو من الدِّين.
وذكروا أنه حصَدَ مرَّةً بعشرينَ دينارًا، فجلَسَ مرَّةً عند حَجَّام هو وصاحبٌ له لِيَحْلِقَ رؤوسهم ويَحْجِمَهُمْ، فكأنَّه تَبَرَّمَ بهم واشتغَلَ عنهم بغيرِهم، فتأذَّى صاحبُه من ذلك، ثم أقبل عليهمُ الحجَّام فقال: ماذا تريدون؟ قال إبراهيم: أريدُ أن تَحْلِقَ رأسي وتَحْجِمني. ففعل ذلك، فأعطاه إبراهيمُ العِشْرين دينارًا، وقال: أردتُ أنْ لا تَحْقِرَ بعدَها فقيرًا أَبدًا.
وقال مضاء بن عيسى: ما فاق إبراهيمُ أصحابهُ بصَوْمٍ ولا صلاة، ولكنْ بالصدقةِ والسَّخَاء.
وكان إبراهيمُ يقول: فِرُّوا من الناس كفِرَارِكُم من الأسَدِ الضاري، ولا تَخَلَّفوا عن الجُمعةِ والجماعة.
وكان إذا سافر مع أحدٍ من أصحابه يُحدَّثُهُ إبراهيم، وكان إذا حَضَرَ في مجلس فكأنما على رؤوسِهم الطَّير هَيْبةً وإجلالًا.
ورُبَّما تسامرَ هو وسفيانُ الثَّوري في الليلةِ الشاتِيَةِ إلى الصباح، وكان الثوريُّ يتحرَّزُ معهُ في الكلام.
ورأى رجلًا قيل له: هذا قاتِلُ خالِك. فذَهَبَ إليه فسلَّمَ عليه، وأهدَى له وقال: بلَغَني أنَّ الرجلَ لا يَبْلُغُ درجةَ اليقين حتى يأمَنَهُ عدوُّه.
стр. 4905
وقال له رجل: طوبَى لك! أفنيتَ عُمرَك في العبادة، وتركتَ الدنيا والزوجات! فقال: ألَكَ عِيَال؟ قال: نعم. فقال: لَرَوْعةُ الرجلِ بِعِيَالِه -يعني في بعض الأحيان- من الفاقَةِ أفضلُ من عبادةِ كذا وكذا سنة.
ورآهُ الأوزاعيُّ ببيروت وعلى عُنقه حُزْمةُ حطَب، فقال: يا أبا إسحاق، إنَّ إخوانَكَ يَكْفُونَك هذا. فقال له: اسكُتْ يا أبا عمرو، فقد بلَغَني أنه إذا وُقف الرجلُ موقفَ مَذَلَّةٍ في طَلَبِ الحلال وجَبَتْ له الجنَّة.
وخرج ابنُ أدهمَ من بيتِ المقدس، فمرَّ بطريق، فأخذَتْهُ المَسْلَحةُ في الطريق، فقالوا: أنتَ عبد؟ قال: نعم. قالوا: آبق؟ قال: نعم. فسَجَنوه، فبلَغَ أهلَ بيتِ المقدس خبَرُه، فجاؤوا بِرُمَّتِهمْ إلى نائبِ طَبَريَّة فقالوا: علامَ سجنتَ إبراهيم بن أدهم؟ قال: ما سَجَنْتُهُ. قالوا: بلَى، هو في سِجْنِك. فاستحضره، فقال: عَلامَ سُجنتَ؟ فقال: سَلِ الْمَسْلَحَة. قالوا: أنتَ عَبْد؟ قلت: نعم وأنا عبدُ اللَّه. قالوا: آبق؟ قلتُ: نعم، وأنا عبدٌ آبقٌ من ذنوبي. فخَلَّى سَبِيلَه.
وذكروا أنَّهُ مَرَّ مع رُفْقَةٍ، فإذا الأسَدُ على الطريق، فتقدَّمَ إليه إبراهيمُ بن أدهم، فقال له: يا قَسْوَرَة، إنْ كنتَ أُمِرْتَ فينا بشيءٍ فامضِ لِمَا أُمِرْتَ به، وإلَّا فَعَوْدُكَ على بَدْئك. قالوا: فولَّى السَّبُعُ ذاهبًا يَضْربُ بذَنَبه؛ ثم أقبلَ علينا إبراهيمُ فقال: قولوا اللهمَّ راعِنا بِعَيْنكَ التي لا تَنَام، واكْنُفْنا بكَنَفِكَ الذي لا يُرام، وارْحَمْنَا بقُدْرَتِكَ علينا، ولا نَهْلِكُ وأنتَ رجاؤنا، يا اللَّه، يا اللَّه، يا اللَّه. قال خلفُ بنُ تَميم: فما زلتُ أقولُها منذُ سمعتُها، فما عَرضَ لي لِصٌّ ولا غيرُه.
وقد رُوي لهذا شواهدُ من وجوهٍ أُخَر. ورُوي أنه كان يصلِّي ذاتَ ليلة، فجاءه أُسْدٌ ثلاثة، فتقدَّم إليه أحدُهم، فشَمَّ ثيابَهُ ثم ذهبَ فرَبَضَ قريبًا منه، وجاء الثاني ففعَلَ مثلَ ذلك، وجاء الثالثُ ففعل مثلَ ذلك، واستمرَّ إبراهيمُ في صلاتِه، فلمَّا كان وقتُ السَّحَر قال لهم: إنْ كنتُم أُمِرْتُمْ بشيء فهَلُمُّوا، وإلَّا فانصرِفوا. فانصرَفوا.
وصَعِدَ مرَّةً جبلًا بمكَّة ومعه جماعة، فقال لهم لو أنَّ وليًّا من أولياءِ اللَّه قالَ لِجَبَل: زُلْ لَزالَ. فتحرَّك الجبلُ تحتَهُ، فوَكَزهُ بِرجْلِه وقال: اسْكُنْ، فإنَّما ضرَبْتُكَ مثلًا لأصحابي. وكان الجبلُ أبا قُبَيس.
وركب مرَّة سفينةً، فأخذهُمُ الموجُ من كلِّ مكان، فلَفَّ إبراهيمُ رأسَهُ بكِسَالهِ واضْطَجَع، وعَجَّ أصحابُ السفينةِ بالضَّجيجِ والدُّعاء، وأيقظوه وقالوا: ألا تَرَى ما نحنُ فيه من الشِّدَّة؟! فقال: ليس هذه شِدَّة، وإنما الشِّدَّةُ الحاجةُ إلى الناس. ثم قال: اللهمَّ أرَيْتَنَا قُدْرَتَك، فأرِنَا عَفْوك. فصار البحرُ كأنه قدَحُ زَيْت. وكان قد طالبه صاحبُ السفينةِ بأُجْرَةِ حَمْلِهِ دينارَيْن، وألَحَّ عليه، فقال له: اذهَبْ معي حتى أعطيَكَ دينارَيْك. فأتى إلى جزيرةٍ في البحر، فتوضَّأ إبراهيمُ وصلَّى ركعتَيْن، ودَعَا، وإذا ما حَوْلهُ قد مُلئ دنانير، فقال له: خُذْ حَقَّك ولا تَزِدْ، ولا تذكُرْ هذا لأحد.
стр. 4906
وقال حُذيفةُ الْمَرْعشيّ: أوَيْتُ أنا وإبراهيمُ إلى مسجدِ خرابٍ بالكوفة، وكان قد مَضَى علينا أيامًا لم نأكُلْ فيها شيئًا، فقال لي: كأنَّك جائع. قلت: نعم. فأخذ رُقْعة فكتب فيها: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، أنت المقصودُ إليه بكلِّ حال، المشار إليه بكلِّ مَعْنى:
أنا حامدٌ أنا ذاكرٌ أنا شاكرٌ … أنا جائعٌ أنا حاسرٌ أنا عاري
هي ستَّةٌ وأنا الضَّمينُ بنصفِها … فكُنِ الضَّمينَ لنصفِها يا باري
مَدْحي لغيرِك وَهْجُ نارٍ خُضتُها … فأجِرْ عُبَيدَكَ من دخولِ النارِ
ثم قال: اخرُجْ بهذهِ الرُّقْعَة ولا تُعَلَّقْ قلَبكَ بغيرِ اللَّه ، وادْفَعْ هذه الرقعةَ لأوَّلِ رجل تلقاه.
فخرجتُ فإذا رجلٌ على بغلة، فدفعتُها إليه، فلما قرأها بكى، ودفع إليَّ ستٍّ مئة دينارٍ وانصرَفَ؛ فسألتُ رجلًا: منْ هذا الذي على البغلة؟ فقالوا: هو رجلٌ نصرانيّ. فجئتُ إبراهيمَ، فأخبرتُهُ فقال: الآن يجيء فيُسْلِم. فما كان غيرَ قريب حتى جاء، فأكبَّ على رأسِ إبراهيمَ وأسلم (١).
وكان إبراهيمُ يقول: دارُنا أمامَنا، وحياتُنا بعدَ وفاتِنا، فإمَّا إلى الجنة وإما إلى النار، مَثِّلْ لبَصَرِكَ حضورَ ملَكِ الموتِ وأعوانِهِ لقبضِ رُوحِك، وانظرْ كيف تكونُ حينئذٍ، ومَثِّلْ له هَوْلَ الْمَضْجَع، ومساءلةَ مُنْكرٍ ونَكير، وانظُرْ كيف تكون؟ ومَثِّلْ له القيامةَ وأهوالَها وأفزاعَها، والعَرْضَ والحساب، وانظُرْ كيف تكون؟ ثم صرَخَ صرخةً خَرَّ مَغْشيًّا عليه.
ونظر إلى رجلٍ من أصحابه يَضْحَك، فقال له: لا تطمَعْ فيما لا يكونُ ولا تَنْسَى ما يكون، فقيل له: كيف هذا يا أبا إسحاق؟ فقال: لا تطمَعْ في البقاءَ والموتُ يَطْلُبُك، فكيف يَضْحكُ منْ يَموتُ ولا يَدْري أين يُذهَبُ به، إلى جنَّةٍ أمْ إلى نار؟ ولا تنسَ ما يكون، الموتُ يأتيك صباحًا أو مساءً. ثم قال أوَّهْ، أوَّه!. ثم خرَّ مَغْشيًا عليه.
وكان يقول: ما لنا نَشْكُو فقرنا إلى مِثْلِنا، ولا نسألُ كَشْفَهُ من ربِّنا؟! ثم يقول: ثَكِلَتْ عبدًا أُمُّهُ أحبَّ الدنيا ونَسِيَ ما في خزائنِ مولاه.
وقال: إذا كنتَ بالليل نائمًا، وبالنهارِ هائمًا، وفي المعاصي دائمًا، فكيف تُرْضي منْ هوَ بأمورك قائمًا؟.
ورآه بعضُ أصحابِهِ، وهو بمسجدِ بَيْرُوت، وهو يَبْكي ويَضْربُ بيدَيْه على رأسه؛ فقال: ما يُبْكيك؟ فقال: ذكرتُ يومًا تتَقَلَّبُ فيه القلوبُ والأبصار.
стр. 4907
وقال: إنَّك كلَّما أمعنتَ النظرَ في مرآةِ التَّوبة بانَ لك قُبْحُ شَيْنِ المعْصِيَة.
وكتب إلى الثَّوْريّ: منْ عرَف ما يطلُب هانَ عليه ما يَبْذُل؛ ومنْ أطلَقَ بصرَهُ طالَ أسَفُه، ومن أطلَقَ أمَلَه ساء عمَلُه، ومن أطلق لسانَه قتَلَ نفسَه.
وسأله بعضُ الولاة (١): من أين مَعِيشتُك؟ فأنشأ يقول:
نُرَقِّعُ دنيانا بتَمْزيقِ ديننا … فلا دِينُنا يَبْقَى ولا مَا نُرَقِّعُ
وكان كثيرًا ما يتمَثَّلُ بهذه الأبيات:
لِمَا تُوعِدُ الدُّنيا به من شُرورِها … يكونُ بكاءُ الطفلِ ساعةَ يوضَعُ
وإلَّا فما يبكيهِ منها وإنَّها … لأرْوَحُ ممَّا كان فيه وأوْسَعُ
إذا أبصرَ الدُّنيا استهلَّ كأنما … يرى ما سَيَلْقى من أذاها ويَسْمعُ (٢)
وكان يتمثَّل أيضًا:
رأيتُ الذنوبَ تُميتُ القلوبَ … ويُورِثُها الذُّلَّ إدْمَانُها
وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ … وخيرٌ لنفسِكَ عِصْيَانُها
وما أفسدَ الدينَ إلا الملوكُ … وأحْبَارُ سَوْءٍ ورُهْبانُها
وباعوا النفوسَ فلم يَرْبَحوا … ولم تَغْلُ بالبيعِ أثْمَانُها
لقد رَتَعَ القومُ في جيفةٍ … يبينُ لِذِي اللُّبِّ إنتانُها (٣)
وقال: إنما الورعُ بتَسْويةِ كُلِّ الخلقِ في قلبِك، والاشتغال عن عُيوبِهم بذنبِك، وعليك باللَّفْظِ الجميل من قلبٍ ذَليل، لِرَبٍّ جَليل؛ فكرْ في ذنبِك وتُبْ إلى ربِّك، يَنْبُتِ الورَعُ في قلبِك؛ واقْطَعِ الطمعَ إلَّا من ربِّك.
وقال: ليس من أعلامِ الحُبِّ أنْ تُحبَّ ما يُبْغضُهُ حَبيبُك؛ ذمَّ مولانا الدُّنيا فمَدَحْناها، وأبغَضَها
стр. 4908
فأحبَبْناها، وزَهَّدَنا فيها فآثَرْنا ورَغِبْنا في طَلبِها؛ ووعَدَكم خرابَ الدُّنيا فحصَّنْتُموها، ونَهاكم عن طلَبِها فطلبتُموها، وأنذرَكُمُ الكُنُوز فكنَزْتُموها، دَعَتْكُمْ إلى هذه الغَرَّارةِ دواعيها فأجبتُمْ مُسْرِعينَ مُناديِها، خَدَعتْكُمْ بغُرورها ومَنَّتْكُمْ فانقَدْتُمْ خاضعين لأمانيها؛ تتمرَّغُونَ في زَهَراتِها وزَخارِفها وتتَنَعَّمون في لذَّاتها، وتتقلبَّون في شهَواتها، وتتلوَّثونَ بتَبِعَاتِها، تَنْبشُونَ بمَخالِبِ الحِرْصِ عن خزائنِها، وتحفِرونَ بمعَاوِلِ الطمَعِ في معادنِها.
وشكى إليه رجلٌ كثرةَ عِيَالِهِ فقال: ابعَثْ إليَّ منهم منْ لا رِزْقُهُ على اللَّه. فسكتَ الرجل. وقال: ومررتُ في بعضِ جبال، فإذا حجرٌ مكتوب عليهِ بالعربية:
كُلُّ حي وإنْ بَقِي … فمِنَ العَيْشِ يَسْتَقِي
فاعمَلِ اليومَ واجتهدْ … واحْذَرِ الموتَ يا شَقي
قال: فبينما أنا واقفٌ أقرأُ وأبْكي، وإذا برجل أشعَرَ أغْبَر، عليه مِدْرَعةٌ من شَعر، فسَلَّمَ وقال: ممَّ تبكي؟ فقلت: من هذا. فأخَذَ بيدي ومَضَى غيرَ بعيد، فإذا بصخرةٍ عظيمةٍ مثلِ الْمحْراب، فقال: اقرَأْ وابْكِ ولا تقصِّرْ. وقام هو يُصلِّي، فإذا في أعلاهُ نَقْشٌ بَيِّنٌ عَرَبي:
لا تَبْغِيَنْ جاهًا وجاهُكَ ساقِطٌ … عندَ المليكِ وكُنْ لجاهِكَ مُصْلحا
وفي الجانب الآخر نقشٌ بَيِّنٌ عرَبي:
منْ لم يَثِقْ بالقضاءِ والقَدَرِ … لاقَى هُمومًا كثيرةَ الضَّرَرِ
وفي الجانب الأيْسَرِ نَقْشٌ بَيِّنٌ عربي:
ما أزْيَنَ التُّقَى، وما أقبح الخنا، وكلٌّ مأخوذٌ بما جَنا، وعند اللَّه الجزا.
وفي أسفل المحراب فوق الأرض بذراعٍ أو أكثر:
إنَّما الفَوْزُ والغِنَى … في تُقَى اللَّهِ والعَمَلْ
قال: فلمَّا فرَغْتُ من القراءة التفَتُّ، فإذا ليس الرجلُ هناك، فما أدري، أنصرفَ أمْ حُجِب عني؟.
وقال: أثقل الأعمال في الميزان أثقَلُها على الأبدان، ومنْ وَفَى العمل وُفِّي له الأجر؛ ومنْ لم يعمَلْ رَحَلَ من الدنيا إلى الآخرةِ بلا قليلٍ ولا كثير.
وقال: كُلُّ سلطانٍ لا يكونُ عادلًا فهو واللصُّ بمَنْزلةٍ واحدة؛ وكلُّ عالِمٍ لا يكونُ وَرِعًا فهو والذئبُ بمَنْزلةٍ واحدة؛ وكلُّ منْ خدَم سوى اللَّه فهو والكلبُ بمَنْزلةٍ واحدة.
وقال: ما ينبغي لمَنْ ذَلَّ للَّهِ في طاعتِه، أنْ يَذِلَّ لغيرِ اللَّه في مَجَاعَتِه؛ فكيف بمنْ هو يتقلَّبُ في نِعَمِ اللَّه وكِفَايته.
стр. 4909
وقال: أعرَبْنا في كلامِنا فلم نَلْحنْ، ولَحَنَّا في أعمالنا فلم نُعْرِبْ.
وقال: كُنَّا إذا رأينا الشابَّ يتكلَّمُ في المجلس أيسْنا من خيرِه.
وقال: جانبوا الناس، ولا تنقطعوا عن جُمعةٍ ولا جَماعة.
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين (١) بن محمد بن رامين (٢) الإستراباذي، قال: أنبأ عبدُ اللَّه بن محمد الشيرازي، أنبأ القاضي أحمد بن محمود بن خَرَّزاد الأهوازي، حدّثني علي بن محمد القصري، حدّثني أحمد بن محمد الحلبي، سمعتُ سَريًا السَّقَطيَّ يقول: سمعتُ بشرَ بن الحارث الحافي يقول: قال إبراهيمُ بن أدهم: وقفتُ على راهبٍ، فأشرف عليُّ فقلت له: عِظْني. فأنشأ يقول:
خُذْ عن الناس جانبا … كي يظنُّوك راهبا
إنَّ دَهْرًا أظلَّني … قد أراني العجائبا
قَلِّبِ الناس كيف شِئْـ … ـتَ تَجِدْهُمُ عَقَارِبا
قال بشر: فقلت لإبراهيم: هذه موعظة الراهب لك، فعِظْنِي أنت. فأنشأ يقول:
تَوَحَّشْ من الإخوانِ لا تَبْغِ مُؤنسًا … ولا تتخِذْ خِلًّا ولا تَبْغِ صاحبا
وكُنْ سامِرِيَّ الفعلِ من نسلِ آدمٍ … وكُنْ أوحَدِيًّا ما قَدَرْتَ مُجانِبا
فقد فسد الإخوانُ والحُبُّ والإخَا … فلستَ ترى إلَّا مَذُوقًا (٣) وكاذِبا
فقلتُ ولولا أنْ يُقالَ مُدَهْدَة (٤) … وتُنْكر حالاتي لقد صِرْتُ راهبا
قال سَرِيّ: فقلتُ لِبشر: هذه موعظةُ إبراهيمَ لك، فعِظْني أنت. فقال: عليك بالخُمول، ولُزومِ بيتِك. فقلت: بلَغَني عن الحسن أنه قال: لولا الليلُ وملاقاةُ الإخوان ما بالَيْتُ متى مِتّ.
فأنشأ بشرٌ يقول:
стр. 4910
يا مَنْ يُسرُّ برؤيةِ الإخوانِ … مهْلًا أمِنْتَ مَكايِدَ الشيطانِ
خَلَتِ القلوبُ من الْمَعادِ وذِكْرِهِ … وتشاغلوا بالحِرْصِ والخُسْرانِ
صارَتْ مجالسُ منْ تَرَى وحديثُهم … في هَتْكِ مَسْتُورٍ ومَوْتِ جَنَانِ (١)
قال الحلبي: فقلتُ لِسَريّ: هذه موعظةُ بشر، فعِظْني أنت. فقال: عليك بالإخْمال. فقلت: أحبُّ ذاك. فأنشأ يقول:
يا منْ يَرُومُ بزَعْمِهِ إخْمالًا … إنْ كان حقًّا فاستعِدَّ خِصالا
تَرْكَ المجالِسِ والتذاكُرِ يا أخي … واجعَلْ خروجَكَ للصلاةِ خَيَالا
بل كُنْ بها حَيًّا كأنَّكَ مَيِّتٌ … لا يَرْتَجي منه القريبُ وِصَالا
قال محمد بن محمد القَصْري: قلتُ للحلبي: هذه موعظةُ سَريٍّ لك، فعِظْني أنت. قال: يا أخي أحَبُّ الأعمالِ إلى اللَّه ما صَعِدَ إليه من قلبِ زاهدٍ في الدُّنيا؛ فازْهَدْ في الدنيا يُحبَّكَ اللَّه ثم أنشأ يقول:
أنتَ في دارِ شَتاتٍ … فتأهَّبْ لِشَتاتِكْ
واجعلِ الدُّنيا كيومٍ … صمْتَهُ عن شَهَواتِكْ
واجعلِ الفِطْرَ إذا … ما صُمْتَهُ يومَ وفاتِكْ
قال ابنُ خُرَّزاد: فقلت لعلي: هذه موعظةُ الحلبيِّ لك، فعِظْني أنت. فقال لي: احفَظْ وقتَك، واسخُ بنفسِك للَّهِ ، وانْزِعْ قيمةَ الأشياءَ من قلبِك، يَصْفُ لك بذلك سِرُّك، وَيذْكُو به ذِكْرُك. ثم أنشدَ يقول:
حياتُكَ أنفاسٌ تُعدُّ فكلَّما … مضَى نَفَسٌ منها انْتَقَصْتَ بهِ جُزْءا
فتصبحُ في نَقْصٍ وتُمْسي بمِثْلهِ … ومالَكَ مَعْقولٌ تُحسُّ بك رُزْءا
يُميتُكَ ما يُحْييكَ في كلِّ ساعةٍ … ويَحدُوكَ حادٍ ما يَزيدُ بكَ الْهُزءا
قال أبو محمد: قلتُ لأحمد: هذه موعظةُ على لك، فعِظْني. فقال: يا أخي، عليك بلُزومِ الطاعة، وإيَّاك أنْ تُفارقَ بابَ القناعة، وأصْلِحْ مَثْواك، ولا تُؤْثِرْ هَوَاك، ولا تَبعْ آخرَتَكَ بدُنياك؛ واشتغِلْ بما يَعْنيكَ بِتَرْكِ ما لا يَعْنيك. ثم أنشد:
نَدِمْتُ على ما كانَ منِّي نَدَامةً … ومنْ يَتَّبِعْ ما تشتهي النفسُ يَنْدَمِ
فخافوا لكيما تأمنوا بعدَ موتِكُمْ … ستَلْقَوْنَ رَبًّا عادِلًا ليس يَظْلِمُ (٢)
فليس لِمَغْرورٍ بدُنْياهُ زاجِرٌ … سيَنْدمُ إنْ زَلَّتْ بهِ النَّعْلُ فاعْلَمِ
стр. 4911
قال أبو محمد بن رامين: فقلتُ لأبي محمد: هذه موعظةُ أحمد لك، فعِظْني أنت. فقال: اعلَمْ رَحِمكَ اللَّه أنَّ اللَّه يُنْزلُ العَبيد حيثُ نَزَلَتْ قلوبُهم بهُمومها، فانظُرْ أين يَنْزِلُ قلبُك؟ واعلَمْ أنَّ اللَّه سبحانه يَقْرُبُ من القلوب على حَسَبِ ما قُرِّبَ إليها (١)؛ فانظُرْ منِ القريبُ من قلبِك. وأنشدني:
قلوبُ رجالٍ في الحجابِ نُزولُ … وأرواحُهم فيما هناك حُلولُ
تَروحُ نَعيمُ الأنسِ في عزِّ قُرْبِهِ … بإفرادِ تَوْحيدِ المَلِيكِ تَجُولُ
لهم بِفَناءَ القُرْبِ من مَحْضِ بِرِّهِ … عوائدُ بَذْلٍ خَطبُهُنَّ جَليلُ
قال الخطيب: فقلتُ لابنِ رَامين (٢) هذه موعظةُ الحميدي لك، فعِظْني أنت. فقال: اتَّقِ اللَّه وثِقْ به، ولا تتَّهِمْه، فإنَّ اختبارَهُ لك خيرٌ من اختبارِكَ لنفسِك. وأنشدني:
اتَّخِذِ (٣) اللَّه صاحبا … ودَعِ النَّاسَ جانبا
جَرَّبِ النَّاسَ كيف شِئْـ … ـتَ تَجِدْهُمُ عَقَاربا
قال أبو الفرج غَيْثُ الصُّوري: فقلتُ للخطيب: هذه موعظةُ ابن رامين لك، فعِظْني أنت. فقال: احذَرْ نفسَك التي هي أعْدَى أعدائِكَ أنْ تُتَابِعَها على هَوَاها، فذاك أعْضَلُ دائك، واستَشْرِفِ الخوفَ من اللَّه تعالى بخِلافها، وكَرِّرْ على قلبك ذكرَ نُعوتِها وأوصافِها فإنَّها الأمَّارةُ بالسُّوءِ والفحشاء، والْمُوردَةُ منْ أطاعَها موارد العَطَبِ والبَلاء، واعْمِدْ في جميعِ أمورِك إلى تَحرِّي الصِّدْق، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقد ضَمِنَ اللَّه لمنْ خالَفَ هواهُ أنْ يجعلَ له جنَّةَ الخُلدِ قَرَارَهُ ومأواه. ثم أنشد لنفسه:
إنْ كنتَ تَبْغي الرَّشَادَ مَحْضًا … في أمْرِ دُنْيَاكَ والْمَعَادِ
فخالفِ النفسَ في هواها … إنَّ الهوى جامعُ الفَسَادِ (٤)
قال ابن عساكر (٥): المحفوظ أنَّ إبراهيم بن أدهم تُوفَي سنة ثنتين وستين ومئة. وقال غيره: إحدى وستين. وقيل: سنة ثلاث. والصحيحُ ما قاله ابنُ عساكر، واللَّه أعلم. وذكروا أنه تُوفِّي في جزيرةٍ من جزائرِ الرُّوم، وهو مُرَابط، وأنه ذهَبَ إلى الخَلاء ليلةَ مات نحوًا من عشرين مرَّة وفي كلِّ مرَّةٍ يُجدِّدُ
стр. 4912
الوُضوء بعدَها. وكان به البَطْن، فلما كانتْ غشيةُ الموت قال: أوْتروا لي قَوْسي. فأوْتَروه، فقَبَضَ عليه، فماتَ وهو قابضٌ عليهِ يُريدُ الرَّمْيَ به إلى العدو، ﵀ وأكرَمَ مَثْواه.
وقد قال أبو سعيد بنُ الأعرابي: حدّثنا محمد بن علي بن يزيد الصائغ قال: سمعتُ الشافعيَّ يقول: سمعتُ السَّريَّ بن حيان (١) يقول -وكان سفيانُ معجبًا به-:
أجاعتهمُ الدُّنيا فجاعوا (٢) ولم يزلْ … كذلك ذو التقوى عن العيش مُلجَما
أخو طيئٍ داودُ منهم ومِسْعرٌ … ومنهم وُهيبٌ والعريبُ ابنُ أدْهَما
وفي ابنِ سعيدٍ قدوةُ البرِّ والنُّهَى … وفي الوارثِ الفاروقِ صِدْقًا مُقَدَّما
وحَسْبُكَ منهم بالفُضَيل مع ابنهِ … ويوسفَ إنْ لم يألُ أنْ يَتَسلَّما
أولئك أصحابي وأهلُ مودَّتي … فصلَّى عليهم ذو الجلالِ وسَلَّما
فما ضرَّ ذا التقوى تَضَاؤلُ نِسْبةٍ (٣) … وما زال ذو التقوى أعَزَّ وأكْرَما
وما زالتِ التقوى تُريكَ على الفَتَى … إذا مَحَّضَ التقوى من العِزِّ مَبْسَما (٤)
وروى البخاري في كتاب الأدب (٥) عن إبراهيمَ بن أدهم. وأخرج الترمذيّ في جامعه حديثًا مُعلَّقًا في المسح على الخُفَّيْن (٦).
وأما: داود الطائي (٧): فهو داودُ بنُ نُصيْر الطائي، أبو سليمان الكوفي الفقيه الزاهد، أخَذَ الفقه عن
стр. 4913
أبي حَنيفة. قال سفيانُ بن عُيَيْنة: ثم تَرَك داودُ طلَبَ الفقه، وأقبلَ على العِبَادَةِ، ودَفَن كُتبَه.
قال عبدُ اللَّه بن المبارك: وهل الأمر إلَّا ما كان عليه داودُ الطائي؟.
قال ابنُ مَعين: كان ثقةً، وفد على المهدي ببغداد، ثم عاد إلى الكوفة.
ذكرَهُ الخطيب البغدادي وقال: مات في سنة ستين ومئة؛ وقيل: سنة خمسٍ وستين ومئة (١).
قلتُ: وقد ذكرَ شيخُنا الذهبي في تاريخه أنَّهُ تُوفي في هذه السنة - أعني سنةَ ثنتين وستين ومئة. فاللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومئة
فيها حُصر المقنَّع الزِّنْديق الذي كان قد نَبَغَ بخُرَاسان، وقال بالتناسُخ، واتَّبَعهُ على جَهَالَتِهِ وضلالتِهِ خَلْقٌ من الطَّغَام، وسُفَهاءَ الأنام، والسِّفْلَةِ من العَوَام؛ فلما كان في هذا العام، لَجَأ إلى قلعةِ كَشّ (٢)، فحاصَرَهُ سعيدٌ الحَرَشِيّ (٣) فألَحَّ عليه في الحصار، فلمَّا أحسنَ بالغَلَبة تَحَسَّى سُقًا، وسمَّ نساءَهُ فماتوا جميعًا؛ عليهم لعائنُ اللَّه. ودخل الجيشُ الإسلامي قلعتَه، فاحتزُّوا رأسَه، وبَعثُوهُ إلى المهدي؛ وكان المهديُّ بحلب.
قال ابنُ خَلِّكَان (٤): كان اسمُ المقنَّع عَطاء، وقيل: حَكيم، والأول أشهر. وكان أولًا قَصَّارًا [من أهل مَرْو، وكان يعرفُ شيئًا من السِّحْر والنِّيرَجَاتْ (٥)]، ثم ادَّعى الرُّبوبيَّةَ مع أنه كان أعوَرَ قبيحَ المنظر،
стр. 4914
وكان يتَّخِذُ له وجها من ذَهَبَ، وتابَعهُ على جَهالَتِهِ خلقٌ كثير، وكان يُري النَّاسَ قمَرًا من مسيرةِ شهريْن، ثم يَغِيب؛ فعَظُمَ اعتقادُهم له، ومنعُوهُ بالسِّلاح؛ وكان يَزْعُم -لعنهُ اللَّه وتعالى عمَّا يقولون عُلُوًّا كبيرًا- أنَّ اللَّه ظهَرَ في صور آدَم، ولهذا سجدَتْ له الملائكة، ثم في نُوح، ثم في الأنبياء واحدًا واحدًا، ثم تحوَّلَ إلى أبي مسلمٍ الخُراساني، ثم تحوَّلَ إليه.
ولما حاصرَهُ المسلمون في قلعتِهِ -كان جدَّدَها بناحيةِ كَشّ، ممَّا وراء النَّهْر، ويُقالُ لَها سَنام- تحَسَّى هو ونساؤه سُمًّا فماتوا، واستحوذ المسلمون على حَوَاصله وأموالِه.
وفيها جهَّز المهديُّ البُعوثَ من خُرَاسان وغيرِها من البلاد لغزوِ الرُّوم. وأمَّرَ على الجميع ولَدَهُ هارونَ الرَّشيد، وخرج من بغدادَ مُشَيعًا له، فسار معهُ مَرَاحل، واستخلف على بغدادَ ولدَهُ موسى الهادي، وكان في هذا الجيش الحُسين بن قَحْطبة، والربيع الحاجبُ، وخالدُ بن بَرْمك -وهو مثلُ الوزيرِ للرَّشيد وليِّ العهد- ويحيى بن خالد وهو كاتبُه، وإليه النففات. وما زال المهديُّ مع ولد مشيِّعًا له حتى بلغ دروبَ الرُّوم عند جيحَان (١)، وارتادَ هناكَ المدينة المسمَّاة بالْمَهْديَّة في بلادِ الرُّوم، ثم رجع إلى الشام، وزار بيتَ المقدس، فسار الرشيدُ إلى بلادِ الروم في جحافلَ عظيمة، وفتح اللَّه عليهم فتوحاتٍ كثيرةً، وغَنموا أموالًا جزيلةً جدًّا، وكان لِخالدِ بنِ بَرْمَكَ في ذلك أثَر جميلٌ لم يكنْ لغيرِه؛ وبعثوا بالبشارةِ مع سُليمان بنِ بَرْمَك إلى المهدي، فأكرَمهُ المهديُّ وأجزلَ عطاءَه.
وفيها عزَلَ المهديُّ عمَّه عبدَ الصمد بن علي عن الجزيرة، وولَّى عليها زُفَرَ بن عاصم الهلالي، ثم عزله وولَّى عبدَ اللَّه بن صالح بن علي.
وفيها ولَّى المهديُّ ولدَهُ هارونَ الرشيد بلادَ المغرب، وأذْرَبيجان، وإرْمينيَة، وجعل على رسائلِه يحيى بن خالد بن بَرْمَك؛ وولَّى وعزلَ جماعةً من النوَّاب. وحجَّ بالناس فيها المهدي عليُّ بنُ المهدي.
وفيها تُوفِّي:
إبراهيمُ بن طَهْمان.
وحَريزُ بن عثمان الحمصي الرَّحبي.
وموسى بن علي اللَّخْميُّ المصريّ.
стр. 4915
وشُعيب بن أبي حمزة.
وعيسى بن علي بن عبد اللَّه بن عباس عمُّ السفَّاح، وإليه يُنسب قصرُ عيسى ونهرُ عيسى ببغداد. قال يحيى بن مَعين: كان له مذهبٌ جميل، وكان معتزلًا للسُّلطان، توفي في هذه السنة عن ثمانٍ وسبعين سنة.
وهمَّام بن يحيى.
ويحيى بن أيوب المصري.
وعُبيدة بنت أبي كلاب العابدة، بكَتْ من خشيةِ اللَّه أربعين سنة حتى عَميَتْ. وكانت تقول: أشتهي الموت، فإني أخشى أن أجْنيَ على نفسي جنايةً تكونُ سببَ هلاكي يومَ القيامة.
ثم دخلت سنة أربع وستين ومئة
فيها غزا عبدُ الكبير بن عبدِ الحميد بن زَيْد بن الخطَّاب بلادَ الرُّوم؛ فأقبل إليه ميخائيل البِطْريق في نحوِ تسعين ألفًا، فيهم طازاذ الأرمني البِطْريق، ففشِلَ عنه عبدُ الكبير، ومنَعَ المسلمين من القتال، وانصرف راجعًا. فأراد المهديُّ ضَرْبَ عُنقِه، فكُلِّمَ فيه، فحَبَسهُ في الْمُطْبِق.
وفي يوم الأربعاء في أواخر ذي القَعْدَة أسَّسَ المهديُّ قصرًا من لَبِن بِعِيسَاباذ (١)، ثم عزَمَ على الذهابِ إلى الحجّ، فأصابَهُ حُمَّى، فرجع من أثناءَ الطريق، فعَطِشَ الناسُ في الرَّجْعَة، حتى كاد بعضُهم يَهْلِك، فغضب المهديُّ على يقطين صاحبِ المصانع، وبعث من حيثُ رَجَعَ المهلَّبُ بن صالح بن أبي جعفر لِيَحُجَّ بالناس؛ فحج بهم عامَئِذٍ.
وفيها توفي:
شيبان بن عبد الرحمن النَّحْوي.
وعبدُ العزيز بن أبي سَلَمة الماجشُون.
ومُبارك بن فَضَالة صاحبُ الحسن البصري.
стр. 4916
ثم دخلت سنة خمس وستين ومئة
فيها جهَّزَ المهديُّ ولدَهُ الرشيد لغزوِ الصائفة، وأنفَذَ معه من الجيوش خمسةً وتسعين ألفًا، وسبعَ مئة وثلاثة وتسعين رجلًا؛ وكان معه من النفقة مئةُ ألف دينار، وأربعةٌ وتسعون ألفَ دينار، وأربعُمئةٍ وخمسون دينارًا؛ ومن الفضَّة إحدى وعشرون ألفَ ألفٍ، وأربعُمئة ألفٍ، وأربعةَ عشرَ ألفًا وثمان مئةِ درهم. قاله ابنُ جرير (١). فبلغ بجنودِهِ خليجَ البحر الذي على القُسْطَنْطينيَّة، وصاحبُ الروم يومئذٍ أُغسطةُ امرأةُ ألْيون، ومعها ابنُها في حجْرِها من الملك الذي تُوفي عنها؛ فطلبتِ الصُّلحَ من الرشيد على أن تدفعَ له سبعينَ ألفَ دينارٍ في كلِّ سنة، فقَبِل ذلك منها، وذلك بعدما قَتَلَ من الرُّوم في الوقائع أربعةً وخمسينَ ألفًا، وأسَرَ من الذَّرَاري خمسةَ آلاف رأس وستَمئةٍ وأربعينَ رأسًا، وقتل من الأسرى ألفَيْ قتيلٍ صَبْرًا، وغَنِمَ من الدَّوَابِّ بأدواتها عشرين ألفَ فرس، وذبَحَ من البقر والغَنَمِ مئةَ ألفِ رأس، وبيع البِرْذَوْن بدِرهم، والبغلُ بأقلَّ من عشرةِ دراهم، والدِّرْعُ بأقلَّ من درهم، وعشرون سيفًا بدرهم، فقال في ذلك مروانُ بنُ أبي حَفْصَة:
أطُفتَ بِقُسْطَنْطينةِ (٢) الرُّومِ مُسْنِدًا … إليها القَنَا حتى اكتسى الذُّلَّ سُورُها
وما رُمْتَها حتى أتَتْكَ ملوكُها … بجِزْيَتها والحربُ تَغْلي قدورُها
وحجَّ بالناس في هذه السنة صالحُ بن أبي جعفر المنصور.
وفيها تُوفِّي:
سليمانُ بن المغيرة.
وعبدُ اللَّه بن العلاء بن زَبْر (٣).
وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان (٤).
ووهب بن خالد.
стр. 4917
ثم دخلت سنة ست وستين ومئة
في المحرَّم منها قَدِم الرشيدُ من بلادِ الرُّوم، فدخل بغدادَ في أُبَّهةٍ عظيمة، ومعه الرُّوم يَحْمِلونَ الجِزْيَةَ من الذهب وغيرِه. وفيها أخذَ المهديُّ البيعةَ لولدِهِ هارونَ من بعدِ موسى الهادي، ولُقِّبَ بالرَّشيد.
وفيها سَخِطَ المهديُّ على يعقوبَ بنِ داود، وكان قد حَظِيَ عندَهُ حتى استوزَرَه، وارتفعَتْ منْزلتُه في الوزارة، حتى فوَّض إليه جميعَ أمرِ الخلافة؛ وفي ذلك يقول بشَّارُ بنُ بُرْد:
بني أميةَ هُبُّوا طالَ نومُكُم (١) … إنَّ الخليفةَ يعقوبُ بنُ داودِ
ضاعَتْ خلافتُكمْ يا قومُ فاطَّلبوا … خليفةَ اللَّه بين الزِّقِّ والعُودِ (٢)
فلم تزل السُّعاةُ والوشاةُ بينه وبين الخليفة حتى أخرجوه عليه، وكلَّما سعَوْا به إليه دخل إليه فأصلح أمرَه معَه، حتى وقَعَ من أمرِهِ ما سأذكرُه، وهو أنه دخل ذاتَ يومٍ على المهدي في مجلسٍ عظيم، قد فُرش بأنواعِ الفُرش، وألوانِ الحرير، وحول ذلك المكان أشجارٌ (٣) مُزهرة بأنواعِ الأزاهير، فقال: يا يعقوب، كيف رأيتَ مجلسَنا هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيتُ أحسنَ منه! فقال: هو لك بما فيه، وهذه الجارية، لِيَتَمَّ بها سرورُك، ولي إليك حاجةٌ أحبُّ أنْ تقضِيَها. قلت: وما هي يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: حتى تقولَ نعَمْ. فقلتُ: نعمْ، وعلى السمعِ والطاعة. فقال: آللَّه؟ فقلت: آللَّه. قال: وحياة رأسي؟ قلت: وحياةِ رأسك. فقال: ضَعْ يدَكَ على رأسي وقُلْ ذلك. ففعلت، فقال: إنَّ هاهنا رجلًا من العلويِّين أحبُّ أنْ يكْفينيهِ -والظاهر أنه الحسن بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حسن بن حسن بن عليِّ بن أبي طالب- فقلت: نعم. فقال: وعَجل عليّ، ثم أمرَ بتحويل ما في ذلك المجلس إلى مَنزلي، وأمرَ لي بمئةِ ألفِ درهم، وتلك الجارية، فما فرحتُ بشيءٍ فرَحي بها؛ فلمَّا صارتْ بمَنزلي حجبتُها في جانبِ الدار في خِدْر، فأمَرْتُ بذلك العَلويّ، فجيء به فجلسَ إليَّ فتكلَّم، فما رأيتُ أعقلَ منه ولا أفهَم! ثم قال لي: يا يعقوب، تَلْقَى اللَّه بدَمي وأنا رجلٌ من ولَدِ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللَّه ﷺ ؟ فقلتُ: لا واللَّه، ولكنِ اذهَبْ حيثُ شئتَ وأين شئت. فقال: إنِّي أختارُ بلادَ كذا وكذا. فقلتُ: اذهبْ كيف شئت، ولا يظهرَنَّ عليك المهديُّ فتَهْلِكَ وأهلِك. فخرج من عندي وجهَّزْتُ معه رجلَيْنِ يسفِّرانِهِ
стр. 4918
ويُوصلانِهِ بعضَ البلاد، ولم أشعُرْ بأنَّ الجاريةَ قد أحاطَتْ علمًا بما جرَى، وأنَّها كالجاسوسِ عليّ فبَعَثَتْ بخادِمِها إلى المهديِّ فأعلَمتْهُ بما جَرَى، وتقول له: هذا الذي آثرته بي قد فعل كذا وكذا. فغَضِبَ المهديّ، فبعث إلى تلك الطريق، فردُّوا ذلك العلويّ، فحبَسَهُ عندَهُ في بيتٍ من دارِ الخِلافة، وأرسل إليَّ من اليوم الثاني، فذهبتُ إليه، ولم أشعُرْ منْ أمْرِ العلويِّ بشيء، فلمَّا دخلتُ عليه قال: ما فعلَ العلويّ؟ قلتُ: مات. قال: آللَّه؟ قلت: آللَّه. قال: فضَعْ يدَكَ على رأسي واحْلِفْ بحياتِه. ففعلتُ، فقال: يا غلام، أخرِجْ ما في هذا البيت. فخرَجَ العلويّ، فأُسقِطَ في يدي، فقال المهدي: دمُكَ حلال. ثم أمَرَ به فأُلقيَ في بئر في الْمُطْبِق. قال يعقوب: فكنتُ في مكانٍ لا أسمعُ فيه ولا أُبصِر، فذهب بصَرِي وطال شَعْري حتى صرتُ مثلَ البهائم، ثم مَضَتْ عليَّ مُددٌ متطاولة، فبينما أنا ذاتَ يوم إذْ دُعيت، فخرجتُ من البئر، فقيل لي: سلِّمْ على أميرِ المؤمنين، فسلَّمْتُ وأنا أظنُه المهدي، فلما ذكرتُ المهدي قال: رحم اللَّه المهدي. فقلت: الهادي؟ فقال: رحم اللَّه الهادي. فقلت: الرشيد؟ قال: نعم. فقلت: يا أميرَ المؤمنين، قد رأيتَ ما حَلَّ بي من الضَّعْف والعِلَّة، فإنْ رأيتَ أنْ تُطلِقَني. فقال: أين تُريد؟ قلت: مكة. فقال: اذهَبْ راشدًا. فسار إلى مكة، فما لَبِثَ بها إلَّا قليلًا حتى ماتَ رحمه اللَّه تعالى.
وقد كان يعقوبُ هذا يَعِظُ المهديَّ في تعاطيهِ شُربَ النَّبيذِ بين يديه، وكثرَةِ سماعِ الغِنَاء، فكان يَلومُهُ على ذلك ويقول: ما على هذا استوزَرْتَني، ولا على هذا صَحِبتُك، أبَعْدَ الصلواتِ الخمس في المسجدِ الحرام يُشربُ الخمر؟! ويُغَنَّى بين يديك؟! فيقول له المهدي: فقد سمع عبدُ اللَّه بن جعفر. فقال له يعقوب: إنَّ ذلك لم يكنْ من حَسَناتِه، ولو كان هذا قُرْبَةً لكان كلَّما داوم عليه العبدُ أفضل. وفي ذلك يقولُ بعضُ الشعراء حَثًا للمَهْديِّ على ذلك:
فدَعْ عنكَ يعقوبَ بنَ داودَ جانبًا … وأقبلْ على صهباءَ طَيِّبةِ النَّشْرِ
وفيها ذهب المهديُّ إلى قصرِه المسمَّى بقصر السلام بِعيساباذ (١) -بُني له بالآجُرِّ بعد القصرِ الأول الذي بناه بالقَبِن- فسكنَهُ، وضرَبَ هناك الدراهمَ والدنانير، وفيها أمرَ المهديُّ بإقامةِ البريد بين مكة والمدينة واليمن، ولم يفعل أحَدٌ هذا قبلَ هذه السنة. وفيها خرج موسى الهادي إلى جُرْجان. وفيها ولَّى القضاءَ أبا يوسُفَ صاحبَ أبي حَنيفَة. وفيها حجَّ بالناس إبراهيمُ بن يحيى بن محمد، عاملُ المدينة، ولم يكنْ في هذه السنةِ صائفةٌ للهُدْنةِ التي كانتْ بينَ الرَّشيد وبين الرُّوم.
فيها توفي:
صدَقَةُ بن عبد اللَّه السَّمِين.
стр. 4919
وأبو الأشهب العُطَارِديّ.
وأبو بكر النَّهْشَلي.
وعُفير بن مَعْدَان.
ثم دخلت سنة سبع وستين ومئة
فيها وجَّه المهديُّ ابنَهُ موسى الهادي إلى جُرْجان في جيشٍ كَثيف لم يُرَ مثلُه، وجعل على رسائِلِه أبان بن صدَقة، وفيها تُوفي عيسى بن موسى الذي كان وليَّ العَهْد من بعدِ المهدي، مات بالكوفة، فأشهدَ نائبُها روحُ بن حاتم على وفاته القاضيَ وجماعةً من الأعيان، ثم دُفن. وكان قد امتنع من الصلاةِ عليه، فكتب إليه المهديُّ يُعنِّفُهُ أشدَّ التَّعْنيف، وأمَرَ بِمُحاسَبَتِهِ على عمَلِه. وفيها عزل المهديُّ أبا عُبيد اللَّه معاويةَ بنَ عبيد اللَّه عن ديوانِ الرسائل وولَّاهُ الربيعَ بنَ يونس الحاجب، فاستخلف فيه سعيدَ بن واقد؛ وكان أبو عبيد اللَّه يدخلُ على مرتبتِه. وفيها وقع وباءٌ شديد، وسُعالٌ كثيرٌ ببغدادَ والبصرة، وأظلمتِ الدنيا حتى كانتْ كالليل، حتى تعالَى النهار، وكان ذلك لِلَيَالٍ بَقينَ من ذي الحجَّة من هذه السنة. وفيها تتبَّع المهديُّ جماعةً مَن الزنادقة في سائر الآفاق، فاستحضرَهم وقتلهم صَبْرًا بين يديه (١)، وكان المتولي أمْرَ الزنادقة عمرُ الكَلْوَاذي. وفيها أمرَ المهديُّ بزيادةٍ كثيرةٍ في المسجد الحرام، فدخل في ذلك دورٌ كثيرة، وولَّى ذلك لِيَقْطين بن موسى الموكَّلِ بأمرِ الحرمَيْن، فلم يزل في عمارةِ ذلك حتى مات المهدي -كما سيأتي- ولم يكنْ للناسِ صائفةٌ للهُدْنة. وحجَّ بالناس في هذه السنة نائبُ المدينة إبراهيمُ بن محمد، وتوفي بعد فراغِهِ من الحجِّ بأيام، وولَّى مكانه إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد اللَّه بن عباس.
وممَّنْ تُوفي فيها من الأعيان:
بَشَّارُ بنُ بُرْد أبو مُعَاذ الشاعر (٢): مولى عُقَيل، وُلد أعمَى، وقال الشعرَ وهو دون عشرِ سنين، وله التشبيهاتُ التي لم يهتدِ إليها البُصَراء؛ وقد أثنى عليه الأصمعيّ، والجاحظ، وأبو تمام، وأبو عُبيدة وقال: له ثلاثةَ عشرَ ألفَ بيتٍ من الشعر، فلمَّا بلغَ المهديَّ أنه هَجَاه، وشهد عليه قومٌ أنَّه زِنْديق، أمَرَ به
стр. 4920
فضُرب حتى مات، عن بضعٍ وسبعين سنةً. وقد ذكره ابنُ خلِّكَانَ في الوفيات فقال (١): بشارُ بنُ بُرْد بن يَرْجُوخ العُقَيلي مولاهم،، قد نَسَبهُ صاحبُ الأغاني (٢) فأطالَ نَسَبه، وهو بصريٌّ قَدِمَ بغداد، أصلُهُ من طَخَارِسْتَان (٣)؛ وكان ضخمًا عظيمَ الخَلْق، وشِعرُه في أوَّلِ طبقاتِ المولَّدين؛ ومن شعرِهِ البيتُ المشهور:
هل تعلمينَ وراءَ الحُبِّ مَنْزِلةً … تُدْني إليكِ فإنَّ الحُبِّ أقصاني (٤)
وقوله:
أنا واللَّهِ أشتهي سِحْرَ عَيْنَيْـ … ـكِ وأخْشَى مصارعَ العُشَّاقْ (٥)
وله:
يا قومُ أُذْني لبعضِ الحَيِّ عاشقةٌ … والأذنُ تعشَقُ قبل العينِ أحيانا
قالوا لِمَنْ لا تَرَى تَهْذي فقلتُ لهم … الأذنُ كالعينِ تؤتي القلبَ ما كانا (٦)
وله:
إذا بَلَغَ الرأيُ التشاوُرَ فاستَعِنْ … بحَزْمِ نَصيحٍ أو نَصِيحةِ حازِمِ
ولا تَجْعلِ الشُّورَى عليكَ غَضَاضةً … فَريشُ الخَوَافي قُوَّةٌ للقَوَادِمِ
وما خيرُ كَفٍّ أمَسَكَ الغُلُّ أختَها … وما خيرُ سيفٍ لم يُؤيَّدْ بقائِم (٧)
كان بشارٌ يَمدحُ المهدي، حتى وَشَى إليه الوزيرُ أنَّهُ هجاهُ وقَذَفَهُ، ونسَبَه إلى شيءٍ من الزَّنْدَقة، وأنَّهُ يقولُ بتَفْضيلِ النارِ على التُّراب، وعَذَرَ إبليسَ في السُّجودِ لآدَم، وأنَّه أنشد:
стр. 4921
الأرضُ مُظلمةٌ والنارُ مُشرقةٌ … والنارُ معبودةٌ مُذْ كانتِ النارُ (١)
فأمَرَ المهديُّ بضَرْبِه، فضُرب حتى مات. ويُقال: إنَّه غَرق، ثم نُقل إلى البصرة في هذ السنة.
فيها تُوفي:
الحسن بن صالح بن حَيّ.
وحمَّاد بن سَلَمة.
والربيعُ بن مسلم.
وسعيد بن عبد العزيز بن مسلم.
وعُتبة الغلام؛ وهو: عُتْبة بن أبَان بن صَمَعَة (٢): أحدُ العُبَّادِ المشهورين، البَكَّائين المذكورين؛ كان يأكُلُ من عَمِلَ يَدِهِ في الخُوص، ويصومُ الدَّهر، ويُفطِرُ على الخُبزِ والمِلح.
والقاسم الحذَّاء.
وأبو هلال محمد بن سليم.
ومحمد بن طلحة.
وأبو حمزة السُّكَّري (٣) محمد بن ميمون.
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومئة
فيها في رَمَضان منها نَقضتِ الرُّوم ما بينهم وبين المسلمينَ من الصُّلحِ الذي عقدَهُ هارون الرَّشيد عن أمرِ أبيهِ المهدي، ولم يستمرُّوا على الصلحِ إلَّا اثنيْنِ وثلاثين شهرًا، فبعَثَ نائبُ الجزيرةِ خيلًا إلى الرُّوم، فقتَلوا وأسرُوا وغَنِموا وسَلِموا.
وفيها اتَّخَذَ المهديُّ دواوينَ الأزمَّة، ولم يكنْ بنو أُميَّةَ يعرفون ذلك (٤).
стр. 4922
وفيها حجَّ بالناس عليُّ بن محمد المهدي الذي يُقال له ابنُ رَيْطَة.
وفيها توفي:
الحسن بن زيد بن علي بن أبي طالب (١)، ولَّاهُ المنصورُ المدينةَ خمسَ سنين، ثم غَضِبَ عليه، فضرَبَهُ وحبَسَه، وأخذَ جميعَ مالِه (٢).
وخارجةُ بن مُصْعَب.
وعُبيدُ اللَّه بن الحسن بن الحُصَيْن بن أبي الحُرّ العَنْبَري (٣): قاضي البصرة بعد سَوَّار. سمع خالدًا الحذَّاء، وداود بن أبي هِنْد وسعيدًا الجُرَيْري، وروى عنه ابنُ مهدي، وكان ثقةً فقيهًا، له اختيارات تُعزَى إليه، غريبةٌ في الأصول والفروع، وقد سُئل عن مسألةٍ فأخطأ في الجواب، فقال له قائل: الحُكمُ فيها كذا وكذا، فاطرَقَ ساعةً ثم قال: إذًا أرجع وأنا صاغِر، لأنْ أكونَ ذَنبًا في الحق، أحَبُّ إليَّ منْ أكون رأسًا في الباطل.
توفي في ذي القَعْدَة من هذه السنة، وقيل بعدَ ذلك بعشرِ سنين، فاللَّه أعلم.
غَوْثُ بن سليمان بن زياد بن ربيعة (٤) أبو يحيى الحَضْرَمي (٥): قاضي مصر، كان من خِيَارِ الحُكَّام؛ وَليَ الديارَ المصريَّةَ ثلاثَ مرَّات، في أيامِ المنصور، والمهدي.
وفُليح بن سليمان (٦).
стр. 4923
وقيسُ بن الربيع في قول.
ومحمد بن عبد اللَّه بن علاثة بن علقمة بن مالك (١): أبو اليَسَر العُقَيلي، قاضي الجانب الشرقي من بغداد للمَهْدي، هو وعافية بن يزيد. وكان يُقال لابنِ عُلاثةَ قاضي الجنّ، لأنه كانَتْ بئرٌ يُصابُ من أخذَ منها شيئًا، فقال: أيُّها الجِنّ، إنَّا حَكَمْنا أنَّ لكمُ الليل، ولنا النهار، فكان من أخذَ منها شيئًا في النهار لم يُصِبْهُ شيء. قال ابنُ مَعين: كان ثقةً. وقال البخاري: في حفظِهِ شيء.
ثم دخلت سنة تسع وستين ومئة
فيها في المحرَّم منها توفي المهديُّ بنُ المنصور بمكانٍ يُقال له ماسَبَذَان (٢) بالحُمَّى، وقيل مسمومًا، وقيل: عَضَّهُ فرسٌ فمات. هذه ترجمتُه، هو:
محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس (٣)
أبو عبد اللَّه المهدي، أميرُ المؤمنين، وإنما لُقِّب بالمهدي رجاءَ أنْ يكونَ الموعودَ به في الأحاديث، فلم يكنْ به، وإن اشتركا في الاسم، فقد افترقا في الفِعل، ذاك يأتي آخرَ الزمان، عند فسادِ الدنيا، فيملأ الأرضَ عدلًا كما مُلئت جَوْرًا وظُلْمًا؛ وقد قيل: إنَّ في أيامِهِ يَنْزِلُ عيسى ابنُ مريم بدمشق، وسيأتي ذِكرُ ذلك في أحاديث الفِتَنِ والملاحم، وذكرُ المهدي ونزول عيسى ابن مريم إنْ شاء اللَّه وبه الثِّقة. وقد جاء في حديثٍ من طريق عثمان بن عفَّان، أنَّ المهديَّ من بني العباس، وجاء موقوفًا على ابنِ عباس، وكعب الأحبار -ولا يَصِحّ- وبتقديرِ صِحَّةِ ذلك لا يَلْزمُ أنْ يكونَ على التعيين، وقد ورد في حديثٍ آخر، أنَّ المهديَّ من ولدِ فاطمة (٤)، فهو يعارض هذا، واللَّه أعلم.
стр. 4924
وأمُّ المهديِّ بن المنصور أمُّ موسى بنت منصور بن عبدِ اللَّه الحِمْيَري.
وروى عن أبيه، عن جدِّهِ، عن أبيه عبدِ اللَّه بن عباس، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ جَهَرَ ببسمِ اللَّه الرحمن الرحيم. رواهُ عنه يحيى بن حمزة البَتَلْهيّ (١)، قاضي دمشق، وذكر أنَّهُ صلَّى خلفَ المهدي حين قدم دمشق فجَهَر في السورتَيْنِ بالبسملة، وأسند ذلك عن رسولِ اللَّه ﷺ ، ورواه غيرُ واحدٍ عن يحيى بن حمزة؛ ورواهُ المهدي عن المباركِ بنِ فضالَة؛ ورواه عنه أيضًا جعفر بنُ سليمانَ الضُّبَعيّ، ومحمد بن عبد اللَّه الرقاشي، وأبو سفيان سعيد بن يحيى بن المهدي (٢).
وكان مَوْلد المهدي في سنةِ ستٍّ أو سبعٍ وعشرين ومئة، أو في سنةِ إحدى وعشرين ومئة؛ وَلِيَ الخلافةَ بعدَ موتِ أبيه في ذي الحجَّة سنة ثمانٍ وخمسين ومئة، وعمره إذْ ذاك ثلاثٌ وثلاثونَ سنةً، ولد بالحميمهّ من أرض البلقاء، وتوفي في المحرم من هذه السنة أعني سنة تسعٍ وستين ومئة عن ثلاثٍ أو ثمانٍ وأربعين سنة؛ وكانتْ خلافتُهُ عشرَ سنين وشهرًا وبعضَ الشهر؛ وكان أسمرَ طويلًا، جعدَ الشعر، على إحدى عينَيْهِ نُكتةٌ بيضاء، قيل: على عينه اليمنى، وقيل: اليسرى.
قال الربيع الحاجب: رأيتُ المهديَّ يُصلِّي في ليلةٍ مُقمرة، في بَهْوٍ لَه، عليه ثيابٌ حسنة، فما أدري هو أحسنُ أمِ القمر أمْ بَهْوُهُ أم ثيابُه؟ فقرأ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، الآية؛ ثم أمَرَني فأحضَرتُ رجلًا من أقاربِهِ كان مسجونًا، فأطلَقَه.
ولما جاء خبَرُ موتِ أبيه بمكةَ -كما تقدَّم- كَتَمَ الأمرَ يومَيْن، ثم نُودي في الناسِ يومَ الخميس: الصلاة جامعة. فقام فيها خَطيبًا، فأعلَمَهُمْ بموتِ أبيه وقال: إنَّ أميرَ المؤمنين دُعيَ فأجاب، فعندَ اللَّه أحتسبُ أميرَ المؤمنين، وأستعينُه على خلافةِ المسلمين، ثم بايَعهُ الناسُ بالخلافةِ يومئذ؛ وقد عزاهُ أبو دُلامة، وهنَّأهُ في قصيدةٍ له، يقولُ فيها:
عينايَ واحدةٌ تُرَى مسرورةً … بأميرِها جَذْلَى وأخرى تَذْرِفُ
تبكي وتضحَكُ تارةً ويَسُوؤها … ما أنكرتْ ويَسُرُّها ما تَعْرِفُ
стр. 4925
فيسوؤها موتُ الخليفةِ مُحْرِمًا … ويَسُرُّها أنْ قام هذا الأرْأفُ
ما إنْ رأيت كما رأيتُ ولا أرَى … شَعَرًا أُرَجّلُهُ وآخرَ يُنْتَفُ
هَلَكَ الخليفةُ يالَ أُمَّةِ أحمدٍ … وأتاكُمُ من بعدِهِ منْ يَخْلُفُ
أهدَى لِهذا اللَّهُ فَضْلَ خلافةٍ … ولذاكَ جَنَّاتِ النَّعيمِ تُزَخْرَفُ (١)
وقد قال المهديُّ يومًا في خطبة:
أيُّها الناس، أسِرُّوا مثلَما تُعْلِنون من طاعَتِنا تَهْنِكُمُ العافية، وتَحْمَدوا العاقبة؛ واخفِضوا جناحَ الطاعةِ لمنْ ينشُرُ مَعْدِلَتَهُ فيكم، ويَطْوِي ثوبَ الإصْرِ عنكم، وأهالَ عليكم السلامةَ ولينَ المعيشةِ من حيثُ أراهُ اللَّه، مقدِّمًا ذلك على فعلِ من تقدِّمَه؛ واللَّه لأفْنِيَنَّ عُمري من عقوبتِكم، ولأحملَنَّ نفسي على الإحسانِ إليكم. قال: فأشرَقَتْ وجوهُ الناسِ من حُسنِ كلامِه؛ ثم استخرج حوَاصلَ أبيه من الذهبِ والفِضَّةِ التي كانتْ لا تُحدُّ ولا تُوصفُ كثرةً؛ ففرَّقَها في الناس، ولم يُعطِ أهلَهُ وموالِيَهُ منها شيئًا، بل أجْرَى لهم أرزاقًا بحَسَبِ كفايتِهم من بيتِ المال، لكلِّ واحدٍ خمس مئةٍ في الشهر، غير الأُعطيات. وقد كان أبوهُ حريصًا على توفيرِ بيتِ المال، وإنما كان يُنفقُ في السنة ألفَيْ درهم، من مال السَّرَاة. وأمر المهديُّ ببناء مسجدِ الرُّصافة، وعُمل خندقٌ وسُورٌ حولَها. وبَنى مُدُنًا ذكرْناها فيما تقدَّم.
وذُكر له عن شريك بن عبد اللَّه القاضي أنه لا يرى الصلاةَ خلفَه، فاحضره فتكلَّم معه، ثم قال له المهدي في جملةِ كلامه: يا ابنَ الزانية! فقال له شريك: مَهْ، مَهْ يا أميرَ المؤمنين، فلقد كانتْ صوَّامةً قوَّامة. فقال له: يا زِنْديق، لأقتلنَّك. فضحك شريك فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ للزنادقةِ علاماتٍ يُعرفون بها، شربهم القهوات، واتخاذهم القينات. فأطرَقَ المهدي، وخرج شريك من بين يديه.
وذكروا أنه هاجتْ ريحٌ شديدة في زمن المهدي، فدخل المهديُّ بيتًا في دارِهِ، فألزَقَ خدَّهُ بالتراب وقال: اللهمَّ إنْ كنتُ أنا المطلوب بهذه العقوبةِ دون الناس فها أنا ذا بين يديك؛ اللهمَّ لا تُشْمتْ بي الأعداء من أهل الأديان. فلم يزل كذلك حتى انجلَتْ.
ودخل عليه رجلٌ يومًا ومعه نَعْل، فقال: هذه نعلُ رسولِ اللَّه ﷺ قد أهديتُها لك. فقال: هاتها. فناوله إيَّاها فقبَّلَها ووضعها على عينَيْه، وأمر له بعشرةِ آلاف درهم؛ فلما انصرف الرجل قال المهدي: واللَّه إني لأعلمُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم ير هذه النعل، فضلًا عن أن يلبسَها، ولكنْ لو ردَدْتُه لذهب يقولُ للناس أهديتُ إليه نعلَ رسولِ اللَّه ﷺ فردَّها عليّ. فتصدِّقه الناس، لأنَّ العامَّةَ تميلُ إلى أمثالِها، ومن شأنِهم نصرُ الضعيفِ على القَوي إنْ كان ظالمًا، فاشترينا لسانَهُ بعشرةِ آلاف درهم، ورأينا هذا أرجحَ وأصلح.
стр. 4926
واشتهر عنه أنه كان يحبُّ اللَّعِبَ بالحمَام، والسِّبَاق بينها، فدخل عليه جماعةٌ من المحدِّثين فيهم غياث بن إبراهيم، فحدَّثه بحديثِ أبي هريرة "لا سَبْقَ إلَّا في خُفٍّ أو نَصْلٍ أو حافِر" وزادَ الحديث: أو جَنَاح. فأمر له بعشرةِ آلاف، ولما خرج قال: واللَّه إني أعلمُ أنَّ غِياثًا كذَبَ على رسولِ اللَّه ﷺ ثم أمرَ بالحمَام فذَبَحه، ولم يذكُرْ غِياثًا بعدَها.
وقال الواقدي: دخلتُ على المهديِّ يومًا، فحدَّثته بأحاديث، فكتبها عني، ثم قام فدخل بيوتَ نسائه، ثم خرج وهو ممتلئٌ غيظًا، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟! فقال: دخلتُ على الخَيْزران، فقامَتْ ومزَّقَتْ ثَوْبي، وقالت: ما رأيتُ منك خيرًا، وإني واللَّه يا واقدي إنما اشتريتُها من نَخَّاس، وقد نالَتْ عندي ما نالت، وقد بايعتُ لولدَيْها بإمرَةِ المؤمنينَ من بعدي. فقلت: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّهنَّ يغلِبْنَ الكرام، ويغلِبُهُنَّ اللئام" (١). وقال: "خيرُكم خيرُكم لأهلِه وأنا خيرُكم لأهلي" (٢). وقد خُلقَتِ المرأةُ من ضِلَعٍ أعْوَج، إنْ قَوَّمْتَهُ كسَرْتَه. وحدَّثتُه في هذا الباب بكلامٍ حضَرَني، فامرَ لي بألفَىْ دينار، فلمَّا وافَيْتُ المنْزِل إذا رسولُ الخيزران قد لَحِقني بألفَيْ دينارٍ إلَّا عشرةَ دنانير، وإذا معه أثوابٌ أُخَر؛ وبعثَتْ تشكرُني وتُثني عليَّ معروفًا.
وذُكر أن المهديَّ كان قد أهدَرَ دمَ رجلٍ من أهلِ الكوفة، وجعل لمن جاء به مئةَ ألف، فدخل الرجلُ بغدادَ متنكِّرًا، فلقيه رجل، فأخذ بمَجَامِعِ ثوبِهِ، ونادى: هذا طَلِبةُ أميرِ المؤمنين. وجعل الرجلُ يريد أن يُفلِتَ منه فلا يَقدِر، فبينما هما يتجاذبان، وقد اجتمع الناس عليهما إذْ مَرَّ أميرٌ في مَوْكِبه، وهو مَعْنُ بن زائدة، فقال الرجل: يا أبا الوليد، خائفٌ مستجير! فقال معن: وَيْلَك! ما لَكَ ولَه؟ فقال: هذا طَلِبةُ أمير المؤمنين، جعل لِمَنْ جاء به مئةَ ألف. قال معن: أما علمتَ أنِّي قد أجَرْتُه؛ أرسِلْهُ من يدِك. ثم أمر بعضَ غلمانِهِ فترجَّل، وأركبَهُ وذهَبَ به إلى مَنْزِله؛ وانطلق ذلك الرجلُ إلى بابِ الخليفة، وأنْهَى إليهمُ الخبر، فبلَغَ المهديَّ، فأرسل إلى معن، فدخل عليه، فسلَّمَ ولم يردَّ عليه¬ السلام وقال: يا معن، أبَلَغَ من أمرِك أنْ تُجيرَ عليّ؟ قال: نعم. قال: ونَعَمْ أيضًا؟! نَعَمْ، قد قتلتُ في دولتِكم أربعةَ آلاف مُصَلٍّ، فلا يُجارُ لي رجلٌ واحد؟ فاطرَقَ المهديُّ ثم رفع رأسَهُ إليه وقال: وقد أجَرْنا من أجَرْتَ يا مَعْن. فقال: يا أمير المؤمنين إنَّ الرجلَ ضعيف، فأمر له بثلاثينَ ألفًا، فقال: إنَّ جريمتَهُ عظيمة، وإنَّ جوائزَ الخلفاء
стр. 4927
على قَدْرِ جرائمِ الرَّعِيَّة. فأمر له بمئةِ ألف، فحملَتْ بين يدَيْ معنٍ إلى ذلك الرجل، فقال له معن: خُذِ المال وادْعُ لأميرِ المؤمنين، وأصْلِحْ نِيَّتَكَ في المستقبل.
وقَدِمَ المهديُّ مرَّةً البصرة، فخرج ليُصلِّيَ بالناس، فجاء أعرابيٌّ فقال: يا أمير المؤمنين، مُرْ هؤلاءِ فلينتظروني حتى أتوضأ -يعني المؤذِّنين- فأمرَهُمْ بانتظارِه، ووقف المهديُّ في المِحراب لم يُكَبِّرْ حتى قيل له: هذا الأعرابيُّ قد جاء فكبَّرَ. فتعجَّبَ الناسُ من سمَاحة أخلاقِه.
وقَدِم أعرابيٌّ ومعه كتابٌ مَخْتوم، فجعل يقول: هذا كتابُ أميرِ المؤمنين إلى ابنِ الرجل الذي يُقال له الربيع الحاجب. فأخذ الكتابَ وجاء به إلى الخليفة، وأوقف الأعرابيَّ وفتح الكتاب، فإذا هو قطعةُ أديم، فيها كتابةٌ ضعيفة، والأعرابيُّ يزعُمُ أنَّ هذا خط الخليفة؛ فتبسَّم المهديُّ وقال: صدَقَ الأعرابي، هذا خطِّي إني خرجتُ يومًا إلى الصَّيد، فضِعْتُ عن الجيش، وأقبل الليل، فتعوَّذْتُ بتعويذِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فرُفع لي نارٌ من بعيد، فقصدتُها، فإذا هو الشيخُ وامرأتُه في خِبَاء يوقِدان نارًا، فسلَّمْتُ عليهما، فردَّا السلام، وفرش لي كساء، وسقاني من لَبنٍ مَشُوبٍ بماءٍ، فما شربتُ شيئًا إلَّا وهو أطيبُ منه، ونمتُ نومةً على تلك العباءة، ما أذكرُ أني نِمْتُ أحْلَى منها. فقام إلى شُوَيْهةٍ فذبحها، فسمعتُ امرأتَهُ تقول له: عمَدْتَ إلى مَكْسَبِكَ ومعيشةِ أولادِك فذبحتَها! أهلكتَ نفسَك وعيالَك. فما التفتَ إليها. واستيقظْتُ فاشتَوَيْتُ من لَحمِ تلك الشُّويهةِ وقلت له: أعندَكَ شيءٌ أكتُبُ لك فيه كتابًا؟ فأتاني بهذه القطعة، فكتبتُ له بعودٍ من ذلك الرَّمَاد خمسَمئةِ ألف، وإنما أردتُ خمسين ألفًا، واللَّه لأنفِذَنَّها له كلَّها، ولو لم يكنْ في بيتِ المالِ سواها. فأمَرَ له بخمسمئةِ ألف. فقَبضَها الأعرابيُّ واستمرَّ مقيمًا في ذلك الموضعِ في طريقِ الحاجِّ من ناحيةِ الأنبار، فجعَلَ يَقْري الضَّيفَ ومنْ مَرَّ به من الناس، فعُرف منْزِلُهُ بِمَنْزِلِ مُضيفِ أميرِ المؤمنين المهدي.
وعن سوَّارٍ صاحبِ رَحْبَةِ سوَّار قال: انصرفتُ يومًا من عندِ المهدي، فجئتُ منْزلي، فوُضع لي الغداء، فلم تُقبلْ نفسي عليه، فدخلتُ خلوتي لأنامَ في القائلة، فلم يأخُذْني نوم، فاستدعَيْتُ بعضَ حَظَايايَ لأتَلَهَّى بها، فلم تنبَسِطْ نفسي إليها، فنهضتُ فخرجتُ من المنْزِل، وركبتُ بغلتي، فما جاوَزْتُ الدارَ إلَّا قليلًا حتى لقيَني رجلٌ ومعه ألفا درهم، فقلت: من أين هذه؟ فقال: من مُلكِكَ الجديد. فاستصحبتُه معي، وسرتُ في أزِقَّةِ بغداد لأتشاغلَ عمَّا أنا فيه من الضجَر، فحانَتْ صلاةُ العصر عند مسجدٍ في بعض الحارات، فنزلْتُ لأصلِّي فيه، فلما قُضيتِ الصلاة إذا برجل أعمى، قد أخذَ بثيابي فقال: إنَّ لي إليك حاجة. فقلت: ما حاجتُك؟ فقال: إني رجلٌ ضرير، ولكني لما شممْتُ رائحةَ طيبك ظننتُ أنكَ من أهلِ النِّعمةِ والثَّرْوة، فأحببتُ أن أُفْضِي إليك بحاجتي. فقلت: وما هي؟ فقال: إنَّ هذا القصرَ الذي تجاه المسجد كان لأبي، فسافر منه إلى خُراسان، فباعَهُ وأخذَني معه وأنا صغير، فافترَقْنا هناك، وأصابني أنا الضررُ فرَجَعْنا إلى بغداد بعد أن مات أبي، فجئتُ إلى صاحبِ هذا القصر
стр. 4928
أطلبُ منه شيئًا أتبَلَّغُ به، لعلِّي أجتمعُ بسَوَّار، فإنه كان صاحبًا لأبي، فلعله أن يكونَ عنده سَعةٌ يجودُ منها عليّ. فقلت: ومن أبوك؟ فذكر رجلًا كان أصحبَ الناس إليّ، فقلت: إنِّي أنا سوَّار صاحبُ أبيك، وقد منعني اللَّه في يومك هذا النومَ والقرارَ والأكلَ والراحة، حتى أخرجني من منْزلي لأجتمعَ بك، وأجلَسَني بين يديك. وأمرتُ وكيلي فدفع له الألفَي الدرهم التي معه، وقلت له: إذا كان الغَدُ فَأْتِ منْزلي في مكانِ كذا وكذا. وركبتُ فجئتُ دارَ الخلافةِ وقلت: ما أتحفَ المهديَّ الليلةَ في السَّمَرِ بأغربَ من هذا. فلما قصصتُ عليه القصَّة تعجَّب من ذلك جدًّا، وأمر لذلك الأعمى بألفَيْ دينارٍ وقال لي: هل لجك دَيْن؛ قلت: نعم. قال: كم؟ قلت: خمسون ألفَ دينار. فسكت، وحادثني ساعةً، ثم قمتُ من بين يديه، فوصلت المنْزل، إذا الحمَّالون قد سبقُوني بخمسينَ ألفَ دينار، وألفَيْ دينار للأعمى، فانتظرتُ الأعمى أن يجيءَ في ذلك اليوم، فتأخَّر، فلمَّا أمسى عدتُ إلى المهدي، فقال: قد فكَّرتُ في أمرك فوجدتُكَ إذا قضيتَ دَيْنَك لم يبقَ معك شيء، وقد أمرتُ لك بخمسين ألفَ دينارٍ أخرى. فلمَّا كان اليومُ الثالث جاءني الأعمى، فقلت: قد رزقني اللَّه بسببك خيرًا كثيرًا، ودفعتُ له الألفَيْ دينارٍ التي من عند الخليفة، وزدتُهُ من عندي أيضًا.
ووقفتِ امرأةُ المهدي فقالت: يا عُصبةَ رسولِ اللَّه، اقضِ حاجتي. فقال المهدي: ما سمعتُها من أحدٍ غيرِها، اقضوا حاجتَها، وأعطُوها عشرةَ آلاف درهم.
ودخل ابنُ الخياط على المهدي فامتدحَه، فأمر له بخمسينَ ألفَ درهم، ففرَّقها ابنُ الخيَّاط وأنشأ يقول:
أخذتُ بكفي كفَّه أبتغي الغِنَى … ولم أدرِ أنَّ الجودَ من كَفِّهِ يُعْدِي
فلا أنا منه ما أفادَ ذوو الغنى … أفَدْتُ وأعداني فبدَّدْتُ ما عندي
قال: فبلغ ذلك المهدي، فأعطاه بدَلَ كلِّ درهمٍ دينارًا.
وبالجملة فإنَّ للمهدي مآثرَ ومحاسنَ كثيرة، وقد كانت وفاتُهُ بِمَاسَبَذان (١)، كان قد خرجَ إليها ليبعثَ إلى ابنِهِ الهادي، ليحضُرَ إليه من جُرْجان، حتى يخلَعَهُ من ولايةِ العَهْد، ويجعلَهُ بعدَ هارونَ الرشيد، فامتنعَ الهادي من ذلك، فركب المهديُّ إليه قاصدًا إحضارَه، فلما كان بماسَبَذَان مات بها، وكان قد رأى في النوم وهو بقصرِهِ ببغداد، وأظنُّهُ المسمَّى بقصر السلامة، كأنَّ شيخًا وقف ببابِ القصر، ويُقال إنه سمع هاتفًا يقول:
كانِّي بهذا القصرِ قد بادَ أهلُهُ … وأوحشَ منه رَبْعُهُ ومنازِلُهْ
وصار عَميدُ القومِ منْ بعد بَهْجةٍ … ومُلكٍ إلى قبرٍ عليه جنادِلُهْ
стр. 4929
ولم يبقَ إلَّا ذكرُهُ وحديثُهُ … تنادي عليه مُعْولاتٍ حلائلُهْ
فما عاش بعدَها إلَّا عشرًا حتى مات. ﵀ وسامحه وأدخله الجنة، برحمته آمين.
ويُروى أنه لما قال له الهاتف:
كأنِّي بهذا القصرِ قد بادَ أهلُهُ … وقد درسَتْ أعلامُهُ ومنازلُهْ
فأجابه المهدي:
كذاكَ أمورُ الناسِ يَبْلَى جَديدُها … وكلُّ فتًى يومًا ستبلَى فعائلُهْ
فقال الهاتف:
تزوَّدْ من الدنيا فإنك مَيِّتٌ … وإنك مسؤولٌ فما أنتَ قائلُهْ؟
فأجابه المهدي:
أقولُ بأنَّ اللَّه حَقٌّ شهِدْتُهُ … وذلك قولٌ ليس تُحصَى فضائلُهْ
فقال الهاتف:
تزوَّدْ من الدنيا فإنك راحلٌ … وقد أزِفَ الأمرُ الذي بك نازلُهْ
فأجابه المهدي:
متى ذاك خَبِّرْني هُديتَ فإنني … سأفعلُ ما قد قلتَ لي وأعاجِلُهْ
فقال الهاتف:
تلَبَّثْ ثلاثًا بعد عشرينَ ليلةً … إلى مُنْتَهى شهرٍ وما أنتَ كاملُهْ
قالوا: فلم يعِشْ بعدَها إلا تسعًا وعشرينَ يومًا حتى مات. رحمه اللَّه تعالى.
وقد ذكر ابنُ جرير (١) اختلافًا في سبَبِ موتِه؛ فقيل إنه ساق خلفَ ظبْيٍ والكلابُ بين يديه، فدخل الظبيُ إلى خَرِبَةٍ، فدخلتِ الكلابُ وراءَهُ، وجاء الفرس، فحمل بمشواره، فدخل الخَرِبة، فكُسر ظهرُه، وكانت وفاتُه بسببِ ذلك.
وقيل: إنَّ بعض حظاياهُ بعثَتْ إلى أخرى لبنًا مسمومًا، فمرَّ الرسولُ بالمهدي، فأكل منه فمات. وقيل: بل بعثَتْ إليها بصينيَّةٍ فيها الكُمَّثْرَى، وفي أعلاها واحدةٌ كبيرةٌ مسمومة، وكان المهديُّ يُعجبُه الكُمَّثْرَى، فمرَّتْ به الجاريةُ ومعها تلك الصينية، فرآها فاستدعاها، فأخذ التي في أعلاها، فأكلها
стр. 4930
فماتَ من ساعتِه. فجعلتِ الحظيَّة تندبُهُ وتقول: واأميرَ المؤمنيناه! أردتُ أنْ يكونَ لي وحدي قتلتُه بيدي. وكانت وفاتُه في المحرَّم من هذه السنة، أعني سنةَ تسعٍ وستين ومئة. وله من العمر ثلاثٌ وأربعون سنة على المشهور. وكانت خلافتُهُ عشرَ سنين وشهرًا وكسورًا. ورثاهُ الشعراء بمراثيَ كثيرة، قد ذكرَها ابنُ جرير وابنُ عساكر.
وفيها توفي من الأعيان:
عُبيد اللَّه بن زياد.
ونافع بن عمر الجمحي.
ونافع بن أبي نعيم القاري.
خلافة موسى الهادي بن المهدي
تُوفي أبوه في المحرَّم من أول سنةِ تسعٍ وستين ومئة، وكان وليَّ العهد من بعدِ أبيه، وكان أبوه قد عزم قبلَ موته على تقديمِ أخيه الرشيد عليه في ولاية العهد، فلم يتفِقْ ذلك حتى مات المهدي بماسَبَذَان؛ وكان الهادي إذْ ذاك بجُرْجان، فهمَّ بعضُ رجال الدولةِ منهم الربيع الحاجب وطائفةٌ من القُوَّاد على تقديمِ الرشيد عليه، والمبايعةِ له، وكان الرشيدُ حاضرًا ببغداد، وعزموا على النفقة على الجُند لذلك، تنفيذًا لِما رآه المهديُّ من ذلك، فأسرع الهادي السيرَ من جُرْجان إلى بغداد، حين بلغَهُ الخبر، فساق منها إليها في عشرين يومًا، فدخل بغداد، وقام في الناس خطيبًا، وأخذ البيعةَ منهم فبايعوه، وتغيَّبَ الربيعُ الحاجب، فتطلَّبه الهادي حتى حضَرَ بين يديه، فعفا عنه، وأحسن إليه، وأقرَّهُ على وظيفته الحُجوبيَّة، وزادَهُ الوِزَارة وولاياتٍ أُخَر، وشرع الهادي في تطلُّبِ الزنادقةِ من الآفاق فقتل منهم طائفة كثيرة، واقتدى في ذلك بأبيه.
وقد كان موسى الهادي من أفْكَهِ الناس مع أصحاب في الخلوة، فإذا جلس في مقامِ الخِلافة كانوا لا يستطيعونَ النظرَ إليه، لما يعلوهُ من المهابةِ والرِّيَاسة. وكان شابًّا حسنًا وقورًا مَهيبًا.
وفيها -أعني سنةَ تسعٍ وستين ومئة- خرج بالمدينة الحسينُ بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وذلك أنه أصبح يومًا وقد لبس البياض، وجلس في المسجد النبويّ، وجاء الناسُ إلى الصلاة، فلما رأوه ولَّوْا راجعين، والتفَّ عليه جماعةٌ فبايعوه على الكتابِ والسنَّة والرِّضَا من أهلِ البيت؛ وكان سببُ خروجه أنَّ متولِّيَها خرج منها إلى بغداد لِيُهَنّئَ الخليفه بالولاية، ويُعزِّيَهُ في أبيه؛ ثم جرتْ أمورٌ اقتضَت خروجَه؛ والتفَّ عليه جماعةٌ من أهلِ البيت وغيرهم، وجعلوا مأواهمُ المسجد النبوي، منعوا النَّاسَ من الصلاةِ فيه، ولم يُجِبْهُ أهلُ المدينةِ إلى ما أرادَه، بل جعلوا يدعون عليه لانتهاكِهِ
стр. 4931
المسجد؛ حتى ذُكِرَ أنَّهم كانوا يقذرون في جنياتِ المسجد، وقد اقتتلوا مع المسوِّدَة مرَّات، فقُتل من هؤلاء وهؤلاء. ثم ارتحل إلى مكة فأقام بها إلى زمن الحجّ، فبعث إليه الهادي جيشًا، فقاتلوه بعدَ فراغِ الناسِ من الموْسِم، فقتلوه وفتلوا طائفةً من أصحابه، وهرَب بقيتُهم وتفرَّقوا شَذَرَ مَذَر. فكان مُدَّةُ خروجِه إلى أن قُتل تسعةَ أشهرٍ وثمانيةَ عشرَ يومًا. وقد كان كريمًا في أجودِ الناس، دخل يومًا على المهدي، فأطلق له أربعينَ ألفَ دينار، ففرَّقها في أهلِهِ وأصدقائِهِ من أهلِ بغدادَ والكوفة، ثم خرج من الكوفة وما عليه قميص، إنما كان فَرْوة، وليس تحتها قميص.
وفيها حجَّ بالناسِ سليمان بن أبي جعفر، عمُّ الخليفة، وغزا الصائفةَ من طريقِ دَرْبِ الرَّاهب معتوق بن يحيى، في جَحْفَلٍ كثيف، وقد أقبلتِ الرُّوم مع بِطْرِيقِهَا، فبلغوا الحدَث.
وفيها تُوفي:
الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، قُتل في أيامِ التشريق. كما تقدم.
والربيع بن يونس الحاجب مولى المنصور، وكان حاجبَهُ ووزيرَه، وقد وَزَرَ للمهدي والهادي، وكان بعضهم يطعنُ في نسبه، وقد أورد الخطيبُ في ترجمتِهِ حديثًا من طريقه، ولكنه مُنكر؛ وفي صحتِه عنه نَظَر. وقد وَليَ الحُجُوبيَّةَ بعدَهُ ولدُهُ الفضلُ بن الربيع، ولَّاه إياها الهادي.
ثم دخلت سنة سبعين ومئة من الهجرة النبوية
وفيها عزَمَ الهادي على خَلْعِ أخيه هارونَ الرشيدِ من الخلافةِ وولايةِ العَهْد لابنِهِ جعفر بن الهادي، فانقادَ هارونُ لذلك، ولم يظهرْ عليه منازعة، بل أجاب، واستدعى الهادي جماعةً من الأمراء فأجابوهُ إلى ذلك، وأبَتْ أمُّهما الخَيْزُران، وكانت تميلُ إلى ابنِها هارون أكثرَ من موسى، وكان الهادي قد منعَها من التصرُّف في شيءٍ من المملكةِ لذلك بعدَما كانتْ قد استحوذَتْ عليه في أول ولايتِهِ؛ وانقلبتِ الدولُ إلى بابِها والأُمراء إلى جانبها؛ فحلف الهادي لئن عاد أميرٌ إلى بابها ليضربَنَ عُنقه ولا يقبَلُ منه شفاعة. فامتنعتْ من الكلام في ذلك، وحلفَتْ لا تكلِّمُه أبدًا، وانتقلَتْ عنه إلى مَنْزلٍ آخر، وألحَّ هو على أخيه هارون في الخَلْع، وبعث إلى يحيى بن خالد بن بَرْمَك، وكان من أكابرِ الأمراء الذين هم في صفّ الرشيد، فقال له: ماذا ترى فيما أريد من خلع هارون وتوليةِ ابني جعفر؟ فقال له يحيى بن خالد: إنِّي أخشى أن تَهُونَ الأيمانُ على الناس، ولكنَّ المصلحةَ تقتضي أنْ تجعلَ جعفرًا وليَّ العهد من بعدِ هارون، وأيضًا فإنِّي أخشَى أنْ لا يُجيب أكثرُ الناسِ إلى البيعةِ لجعفر لأنه دون البلوغ، فيتفاقَمُ الأمرُ ويختلفُ الناس، فأطرَقَ مليًّا، وكان ذلك ليلًا، ثم أمر بسَجْنِه، ثم أطلقَه، وجاء يومًا إليه أخوهُ هارون الرشيد، فجلس عن يمينه بعيدًا، فجعل الهادي ينظرُ إليه مليًّا ثم قال: يا هارون، تطمعُ أنْ تكونَ وليًّا للعَهْد حقًّا؟ فقال:
стр. 4932
إي واللَّه، ولئن كان ذلك لأصِلَنَّ منْ قطَعْت، ولأنصِفَنَّ منْ ظلمت، ولأزوِّجَنَّ بَنيكَ من بناتي. فقال: ذاك الظنُّ بك. فقام إليه هارون يُقبِّلُ يده، فحلَفَ الهادي ليجلسنَّ معه على السرير، فجلس معه، ثم أمر له بألف ألف دينار، وأنْ يدخُلَ الخزائنَ فيأخذ منها ما أراد؛ وإذا جاء الخراجُ دَفَعَ إليه نصفَه، ففُعل ذلك كلُّه، ورضي الهادي عن الرشيد.
ثم سافر الهادي إلى حديثةِ الموصل بعد الصُّلح، ثم عاد منها، فمات بعِيساباذ (١) ليلةَ الجمعة للنصف من ربيع الأول؛ وقيل آخر سنةِ سبعين ومئة، وله من العمر ثلاث وعشرون سنة، وكانت خلافتُه ستةَ أشهر وثلاثة وعشرينَ يومًا، وكان طويلًا جميلًا أبيض، بشفته العليا تقلُّص.
وقد تُوفِّي في هذه الليلة خليفة، وهو الهادي، ووُلِّيَ خليفةٌ وهو الرشيد، ووُلد خليفةٌ وهو المأمون بنُ الرشيد، وقد قالتِ الخيزُرَانُ أمُّهما في أولِ الليل: إنه بلغني أنْ يولَدَ خليفة، ويموتَ خليفة، ويُولَّى خليفة. يقال إنَّها سمعت ذلك من الآوزاعي قبلَ ذلك بمدَّة؛ وقد سرَّها ذلك جدًّا. ويقال: إنها سمَّتْ ولدَها الهادي خوفًا منها على ابنِها الرشيد، ولأنه كان قد أبعَدها وأقصاها، وقرَّبَ حَظيَّتَه خالصةَ وأدناها، فاللَّه أعلم.
وهذا ذكرُ شيءٍ من ترجمةِ الهادي (٢)
هو موسى بن محمد المهدي بن عبد اللَّه المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس أبو محمد الهادي، وَليَ الخلافةَ في مُحَرَّم سنة تسعٍ وستين ومئة، ومات في النصف من ربيع الأول أو الآخر سنةَ سبعين ومئة، وله من العمر ثلاثٌ -وقيل أربعٌ، وقيل ستٌّ- وعشرون سنة، والصحيح الأول، ويقال إنه لم يَلِ الخلافةَ أحدٌ قبلَهُ في سنِّه، وكان حسنًا جميلًا أبيض، وكان طويلًا، وكان قويَّ البأس، يَثِبُ على الدابَّةِ وعليه دِرْعان، وكان أبوه يُسمِّيه ريحانتي.
وذكر عيسى بن دأب قال: كنتُ يومًا عند الهادي إذْ جيء بطَسْتٍ فيه رأسُ جاريتين قد ذُبحا وقُطعا، لم أرَ أحسنَ صورًا منهما، ولا مثلَ شعورهما، وفي شعورهما اللآلئ والجواهر منضَّدة ولا رأيت مثل طيبِ ريحِهما، فقال لنا الخليفة: أتدرونَ ما شأنُ هاتَيْن؟ قلت: لا، فقال: إنه ذُكر أنه تركبُ إحداهما الأخرى يفعلانِ الفاحشة، فأمرتُ الخادمَ فرصدَهما، ثم جاءني فقال: إنهما مجتمعتان فجئتُ فوجدتُهما
стр. 4933
في لحافٍ واحد، وهما على الفاحشة، فأمرتُ بجزِّ رقابِهما. ثم أمر برفع رؤوسِهما من بين يديه، ورجعَ إلى حديثِه الأول كأنه لم يصنَعْ شيئًا. وكان شهمًا خبيرًا بالْمُلك، كريمًا. ومن كلامه: ما أُصلحَ الملكُ بمثل تعجيلِ العُقوبة للجاني، والعفو عن الزلَّات، ليقلَّ الطمعُ عن الملك.
وغضِبَ يومًا من رجل، فاستَرْضَى عنه، فرَضِي، فشرَعَ الرجلُ يعتذِر، فقال الهادي: إنَّ الرِّضا كفاكَ مؤنة الاعتذار.
وعرى رجلًا في ولدِه فقال له: أسرَّك وهو عدوٌّ وفتنة، وأحزَنَكَ وهو صلاةٌ ورحمة؟.
وروى الزبير بن بكَّار أنَّ مروان بن أبي حَفْصَة أنشدَ الهادي قصيدةً له منها قوله:
تشابَهَ يوما بأسُه ونوالُه … فما أحدٌ يَدْري لأيُّهما الفضلُ
فقال له الهادي: أيُّما أحبُّ إليك؟ ثلاثون ألفًا معجَّلة؟ أو مئةُ ألفٍ تدورُ في الدواوين؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أوَ أحسنُ من ذلك؟ قال: ما هو؟ قال: ثلاثون ألفًا معجَّلة، ومئةُ ألفٍ تدورُ بالدواوين. فقال: أو أحسنُ من ذلك؟ نعجِّل الجميع لك. فأمَرَ له بمئةِ ألفٍ وثلاثين ألفًا معجَّلة.
قال الخطيب البغدادي (١): حدّثني الأزهري حدّثنا سهل بن أحمد الديباجي حدّثنا الصولي حدَّثنا [ابنُ] الغلابي، حدّثني محمد بن عبد الرحمن التيمي المكي، حدّثني المطلب بن عُكاشة الْمُزني، قال: قدمنا على أبي محمد الهادي شهودًا على رجلٍ منَّا أنه شتَمَ قريشًا وتخطَّى إلى ذكرِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فجلس لنا مجلسًا أحضَرَ فيه فقهاءَ أهلِ زمانِه، ومنْ كان بالحضرةِ على بابه، وأُحضر الرجلُ، وأحضرنا فشَهِدنا عليه بما سمعنا منه، فتغيَّرَ وجهُ الهادي، ثم نكس رأسه، ثم رفعه، ثم قال: إني سمعتُ أبي المهدي يحدِّثُ عن أبيه المنصور عن أبيه محمد، عن أبيه عليٍّ بن عبدِ اللَّه بن عباس قال: منْ أهانَ قريشًا أهانَهُ اللَّه. وأنتَ يا عدوَّ اللَّه، لم ترضَ بأنْ أردتَ ذلك من قريش، حتى تخطيتَ إلى ذكرِ رسولِ اللَّه ﷺ ! اضرِبوا عنُقَه. فما بَرِحْنَا حتى قُتل.
تُوفِّي الهادي في ربيع الأول من هذه السنة، وصلَّى عليه أخوهُ هارون، ودُفن في قصرٍ بناهُ وسمَّاه الأبيض بعيساباذ من الجانب الشرقيِّ من بغداد. وكان له من الوَلَد تسعة، سبعةٌ ذُكور وابنتان، فالذكور: جعفر، وعباس، وعبدُ اللَّه، وإسحاق، وإسماعيل، وسليمان، وموسى الأعمى، الذي ولد بعد وفاته، فسُمِّيَ باسمِ أبيه. والبنتان هما: أمُّ عيسى التي تزوَّجها المأمون، وأمُّ العباس تُلقَّب تَوْبَة.
стр. 4934
خلافة هارون الرشيد بن المهدي
بويع له بالخلافة ليلةَ مات أخوه، وذلك ليلةَ الجمعة، للنصف الأول من ربيع الأول، سنة سبعين ومئة، وكان عمرُ الرَّشيد يومئذٍ ثنتين وعشرين سنة، فبعث إلى يحيى بن خالد بن بَرْمك، فأخرجه من السِّجن، وقد كان الهادي عزَمَ تلك الليلةَ على قتلِه، وقتلِ هارونَ الرشيد؛ وكان الرشيدُ ابنهُ من الرَّضاعة، فولَّاهُ حينئذٍ الوزارة، وولَّى يوسف بن القاسم بن صبيح كتابةَ الإنشاء، وكان هو الذي قام خطيبًا بين يديه حتى أُخذتِ البيعةُ له على المنبر بعيساباذ. ويُقال إنه لمَّا مات الهادي في الليل جاء يحيى بنُ خالد بن بَرْمَك إلى الرشيد، فوجده نائمًا، فقال: قُمْ يا أميرَ المؤمنين. فقال له الرشيد: كم تُرَوِّعُني، ولو سمعَكَ هذا الرجكُ بهذا الكلام! لكان ذلك أكبَرَ ذنوبي عندَه. فقال: قد ماتَ الرجل. فجلس هارونُ فقال: أشرْ عليَّ في الولايات. فجعل يذكرُ الأقاليمَ لرجالٍ يُسمِّيهم، فيولِّيهم الرشيد، فبينما هما كذلك إذْ جاء آخرُ فقال: أبشرْ يا أميرَ المؤمنين، فقد وُلد لك الساعةَ غلام. فقال: هو عبدُ اللَّه، وهو المأمون. ثم أصبح فصلَّى على أخيه الهادي، ودفنه بعيساباذ، وحلَفَ لا يُصلِّي الظهرَ إلَّا ببغداد. فلما فرغ من الجنازة أمرَ بضَرْبِ عُنق أبي عصمةَ القائد؛ لأنه كان مع جعفر بن الهادي، فزاحموا الرشيدَ على جِسْر، فقال أبو عصمة: اصبرْ وقِفْ حتى يجوزَ وَليُّ العهد. فقال الرشيد: السمعُ والطاعةُ للأمير. فجاز جعفر وأبو عصمة، ووقف الرشيدُ مكسورًا ذليلًا. فلمَّا وُلِّي أمرَ بضرب عُنق أبي عصمة. ثم سار إلى بغداد، فلما انتهى إلى جسرِ بغداد استدعى بالغوَّاصين فقال: إني سقطَ مني ههنا خاتمٌ كان والدي المهدي قد اشتراهُ لي بمئةِ ألف، فلما كان من أيام بعث إلى الهادي يطلبُه فألقيته إلى الرسول فسقط ههنا، فغاص الغوَّاصون وراءه فوجدوه، فسُرَّ به الرشيد سرورًا كثيرًا. ولما ولَّى الرشيد يحيى بن خالدٍ الوزارةَ قال له: قد وضعتُ إليك أمرَ الرعيَّة، وخلَعْتُ ذلك من عُنقي وجعلتُهُ في عُنقك، فوَلِّ منْ رأيتَ واعزِلْ منْ رأيت. ففي ذلك يقول إبراهيم بن الموصلي:
ألم تر أنَّ الشمسَ كانتْ سقيمةً … فلمَّا وَلي هارونُ أشرَقَ نورُها
بيُمْنِ أمين اللَّه هارونَ ذي النَّدَى … فهارونُ واليها ويحيى وزيرُها
ثم إنَّ هارونَ أمر يحيى بن خالد أنْ لا يقطعَ أمرًا إلَّا بمشاورة والدتِه الخَيْزُرَان، فكانتْ هي المشاوَرَةَ في الأمورِ كلِّها، فتُبْرمُ وتحُلّ، وتُمضي وتَحكم.
وفيها أمَرَ الرشيدُ بسهمِ ذوي القُرْبَى أن يُقسم بين بني هاشمٍ على السَّوَاء. وفيها تتبَّع الرشيدُ خلقًا من الزنادقة، فقتل منهم طائفةً كثيرة. وفيها خرج عليه بعضُ أهلِ البيت. وفيها وُلد الأمينُ محمدٌ بن الرشيد ابن زُبيدة، وذلك يوم الجمعة لستٍّ خلَتْ من شوال من هذه السنة. وفيها كَمَلَ بناءُ مدينةِ طَرَسُوس على يدَيْ فرجٍ الخادمِ التركي، ونزلها الناس. وفيها حجَّ بالناس أميرُ المؤمنين الرشيد، وأعطى
стр. 4935
أهلَ الحرمَيْن أموالًا كثيرة، ويُقال إنه غَزَا في هذه السنةِ أيضًا؛ وفي ذلك يقولُ داود بن رَزين الشاعر:
بهارونَ لاح النورُ في كلِّ بلدةٍ … وقام به في عَدْلِ سيرتِهِ النَّهْجُ
إمامٌ بذاتِ اللَّه أصبح شغلُهُ … وأكثرُ ما يُعْنى به الغَزْوُ والحجُّ
تَضيقُ عيونُ الناسِ عن نورِ وجهِهِ … إذا ما بدا للناس منظَرُهُ البَلْجُ (١)
وإنَّ أمينَ اللَّه هارونَ ذا النَّدَى … يُنيلُ الذي يرجوهُ أضعافَ ما يَرْجو
وغزا الصائفة فيها سليمانُ بن عبد اللَّه البكائي.
ذكر من توفي فيها من الأعيان:
الخليلُ بنُ أحمد بن عمرو بن تميم (٢) أبو عبد الرحمن الفَرَاهيدي: ويقال الفَرْهودي الأزْدي اليحْمدي، شيخُ النحاة، وعنه أخذَ سِيبَوَيْه، والنَّضْرُ بن شُمَيل، وغيرُ واحدٍ من أكابرِهم، وهو الذي اخترع علم العَرُوض، قسمَهُ إلى خمسِ دوائر، وفرَّعَهُ إلى خمسةَ عشرَ بحرًا؛ وزاد الأخفشُ فيه بحرًا آخرَ وهو الخَبَب. وقد قال بعضُ الشعراء:
قد كان شعرُ الورَى صحيحًا … من قبلِ أنْ يُخلَقَ الخليلُ
وقد كان له معرفةٌ بعلْمِ النغَم، وله فيه تصنيفٌ أيضًا؛ وله كتابُ العين في اللُّغة، ابتدأه وأكمَلَهُ النَّضْرُ بن شُمَيل وأضرابُهُ من أصحابِ الخليل، كمُؤرِّج السَّدُوسِيّ، ونصر بن علي الجَهْضمي، فلم يناسبوا ما وضَعَهُ الخليل، وقد وضع ابنُ دَرَسْتُويه كتابًا وصَفَ فيه ما وفع لهم من الخلل فأفاد. وقد كان الخليلُ رجلًا صالحًا عاقلًا وقورًا كاملًا، وكان متقلِّلًا من الدنيا جدًّا، صبورًا على خشونةِ العَيش وضِيقه، وكان يقول: لا يجاوزُ همِّي ما وراءَ بابي، وكان ظريفًا حسنَ الخُلق. وذكر أنه اشتغل رجلٌ عليه في العَرُوض، وكان بعيدَ الذِّهْنِ فيه؛ قال: فقلتُ له يومًا: كيف تُقَطِّعُ هذا البيت:
إذا لم تستطعْ شيئًا فدَعْهُ … وجاوِزْهُ إلى ما تستطيعُ
فشرَعَ معي في تقطيعِه على قَدْرِ معرفتِه، ثم إنه نَهَضَ من عندي فلم يَعُدْ إليّ، وكأنَّهُ فَهِمَ ما أشرتُ إليه.
ويُقال: إنه لم يُسمَّ أحدٌ بعد النبيِّ ﷺ بأحمدَ سوى أبيه. ورَوَى عن أحمد بن أبي خيثمة -واللَّه أعلم- وُلِدَ الخليل سنةَ مئة من الهجرة. ومات بالبصرة سنةَ سبعين ومئة على المشهور، وقيل سنة ستين.
стр. 4936
وزعم ابنُ الجَوْزي في كتابه "شذور العقود" أنه توفي سنة ثلاثين ومئة. وهذا غريبٌ جدًّا والمشهور الأول. واللَّه أعلم.
وفيها توفي:
الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم المصري المؤدِّب؛ راوية الشافعي، وآخِرُ منْ رَوَى عنه؛ وكان رجلًا صالحًا، تفرَّس فيه الشافعي، وفي البُوَيْطي والْمُزَني وابنِ عبدِ الحكم العِلْم، فوافَقَ ذلك ما وقَعَ في نفس الأمر. ﵀. ومن شعر الربيع هذا:
صبرًا جميلًا ما أسرعَ الفَرَجا … مَنْ صدَّقَ اللَّهَ في الأمورِ نَجَا
مَن خَشيَ اللَّه لم ينَلْهُ أذًى … ومَنْ رجَا اللَّه كان حيثُ رَجَا
فأمَّا الربيع بن سليمان بن داود الجِيزي فإنه روى عن الشافعي أيضًا، وقد مات في سنةِ ستٍّ وخمسين ومئتين. واللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومئة
فيها أضاف الرشيدُ الخاتم إلى يحيى بن خالد مع الوزارة. وفيها قتل الرشيدُ أبا هريرة محمد بن فرُّوخ نائبَ الجزيرة صبرًا في قصر الخُلد بين يديه. وفيها خرج الفضلُ بن سعيد الحَرُوْريّ فقُتل. وفيها قدم رَوْحُ بنُ حاتم نائبُ إفريقيَة. وفيها خرجَتْ أم أمير المؤمنين الخَيْزُران إلى مكة، فأقامَتْ بها إلى أنْ شَهِدَتِ الحجّ. وكان الذي حجَّ بالناس فيها عبدُ الصمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس عمُّ الخلفاء. ﵀ وأكرمه وتقبَّل منه.
ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومئة
فيها وضع الرشيدُ عن أهلِ العراق العُشْرَ الذي كان يؤخذ منهم بعدَ النصف. وفيها خرج الرشيدُ من بغداد يَرْتادُ له مَوْضعًا يسكنه غيرَ بغداد، فتشوَّش فرجع. وفيها حج بالناس يعقوبُ بن أبي جعفر المنصور عمُّ الرشيد. وفيها غَزَا الصائفةَ إسحاقُ بن سليمان بن علي.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئة
فيها توفي بالبصرة محمد بن سليمان، فأمر الرشيدُ بالاحتياط على حواصله التي تصلح للخلفاء، فوجدوا من ذلك شيئًا كثيرًا جدًّا، فقبضوه من الذهب والفضة والأمتعةِ التي يُستعان بها على الحرب،
стр. 4937
وعلى مصالح المسلمين من العُدَد والبرك وغير ذلك؛ وهو محمد بن سليمان بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، وأمُّه أمُّ حسمن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن علي، وكان من رجالاتِ قريشٍ وشُجعانهم. جمع له المنصورُ بين البصرةِ والكوفة، وزوَّجه المهديُّ ابنتهُ العبَّاسة. وكان له من الأموال شيءٌ كثير؛ كان دخلُهُ في كلِّ يومٍ مئةَ ألف، وكان له خاتمٌ من ياقوت أحمر، لم يُرَ مثلُه.
وروى الحديث عن أبيه عن جدِّه الأكبر وهو ابنُ عباس، وهو حديث مرفوع في مَسْحِ رأسِ اليتيم إلى مقدَّم رأسِه، ومَسْح رأسِ منْ له أبٌ إلى مؤخَّرِ رأسِه (١). وقد وَفَد على الرشد فهنَّأه بالخِلافة، فأكرمه وعظَمَه، وزاده في عمَلِهِ شيئًا كثيرًا. ولما أراد الخروجَ خرَجَ معه الرشيدُ يُشيِّعُهُ إلى كَلْوَاذى (٢). توفي في جُمادَى الآخرة من هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة، وقد أرسل الرشد منِ اصطفى من ماله الصامت، فوجد له من الذهب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الدراهم ستة آلاف ألف خارجًا عن الأملاك.
وقد ذكر ابنُ جرير أن وفاته ووفاة الخَيْزُران في يومٍ واحد (٣).
وقد وقفَتْ جاريةٌ من جواريه على قبرِه فأنشأت تقول:
أمسى الترابُ لِمَنْ هَويتُ مَبِيتا … القَ الترابَ فقلْ له حُيِّيتا
إئا نُحبُّكَ يا ترابُ وما بنا … إلَّا كرامةُ منْ عليه حُثِيتا
وفيها توفيت الخيزُران جاريةُ المهدي، وأمُّ أميرِ المؤمنين الهادي والرشد، اشتراها المهديُّ وحَظِيَتْ عدَهُ جدًّا ثم أعتَقَها وتزوَّجَها، ولدَتْ له خليفتَيْن: موسى الهادي، والرشد، ولم يتفق هذا لغيرِها من النساء إلَّا لولَّادة بنت العباس العبسية، زوجةِ عبدِ الملك بن مروان، وهي أمُّ الوليد وسليمان، وكذلك لشاه فونْد بنت فَيْروز بن يَزْدَجِرْد، ولدَتْ لِمولاها الوليد بن عبد الملك: مروانَ وإبراهيم، وكلاهما وَلي الخلافة. وقد رُوي من طريق الخيزُرَان عن مولاها المهدي، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنِ اتقى اللَّه وقاهُ كل شيء" (٤). ولما عُرضَتِ الخيزُران
стр. 4938
على المهدي ليشتريَها أعجبَتْه إلَّا دقةً في ساقَيْها، فقال لها: يا جارية إنكِ لعلى غايةِ الْمُنَى والجمال لولا حُمُوشَةٌ في ساقَيْكِ (١). فقالت: يا أميرَ المؤمنين إنك أحوَجُ ما تكونُ إليهما لا تراهما. فاستحسَنَ جوابَها واشتراها، وحَظِيَتْ عندَهُ جدًّا. وقد حَجَّتِ الخَيْزُران مرَّة في حياةِ المهدي، فكتب إليها وهي بمكَّة يستوحشُ لها ويتشوَّقُ إليها بهذا الشِّعْر:
نحن في غايةِ السرورِ ولكنْ … ليس إلَّا بكُمْ يتمُّ السرورُ
عَيْبُ ما نحن فيه يا أهلَ وُدِّي … أنَّكم غُيَّبٌ ونحنُ حُضُورُ
فأجدُّوا في السَّيرِ بل إنْ قَدَرْتُمْ … أنْ تطيروا مع الرياحِ فَطيروا
فأجابَتْهُ أو أمرَتْ منْ أجابَهُ:
قد أتانا الذي وصفتَ من الشَّوْ … قِ فَكِدْنا وما فعلنا نطيرُ (٢)
ليت أنَّ الرياحَ كُنَّ يؤدِّيْـ … ــنَ إليكمْ ما قَدْ يُكِنُّ (٣) الضميرُ
لم أزَلْ صبَّةً فإنْ كنتَ بعدي … في سرورٍ فدامَ ذاك السرورُ
وذكر أنه أهدَى إليها محمد بن سليمان نائبُ البصرة الذي مات في اليوم الذي ماتَتْ فيه مئة وَصِيفة، مع كلِّ وَصيفة (٤) جامٌ من فِضَّة مملوءٌ مسكًا. فكتبَتْ إليه: إنْ كان ما بعثتَهُ ثمنًا عن ظَنِّنا فيك فظننا فيك أكثرُ مما بعثت، وقد بَخَسْتَنا في الثمن؛ وإنْ كنتَ تُريد به زيادةَ المودَّة فقد اتَهمتَني في المودَّة. وردَّتْ ذلك عليه. وقد اشترتِ الدارَ المشهورةَ بها بمكة، المعروفة بدار الخَيْزُران، فزادَتْها في المسجدِ الحرام. وكان مَغَلُّ ضياعِها في كل سنةٍ ألفَ ألفٍ وستين ألفًا. واتَفَقَ موتُها ببغدادَ ليلةَ الجمعة لثلاثٍ بقينَ من جُمادَى الآخرة من هذه الستة. وخرج ابنُها الرَّشيد في جنازتِها وهو حاملٌ سريرَبها يخبّ في الطِّين فلما انهى إلى الْمَقْبُرَة أُتيَ بماءٍ، فغسل رجلَيْه، ولبس خُفًّا وصلَّى عليها، ونزلَ لحْدَها، فلما خرج من القبر أُتيَ بسريرٍ فجلس عليه، واستدعى بالفَضْلِ بنِ الرَّبيع، فولَّاهُ الخاتم والنفقات. وأنشد الرشيدُ قولَ ابنِ نُوَيْرة حين دفَنَ أمَّهُ الخيزُران:
وكنَّا كندمانَيْ جَذِيمَةَ بُرْهَة … من الدهرِ حتى قيل لنْ يتصدَّعا
فلما تفرَّقْنا كأني ومالكًا … لطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا (٥)
стр. 4939
وفيها تُوفيتْ:
غادر (١): جاريةٌ كانت لموسى الهادي، كان يُحبُّها حبًّا شديدًا جدًّا، وكانت تُحسنُ الغناء جدًّا، فبينما هي يومًا تُغنيه إذْ أخذَتْهُ فكرةٌ غيَّبَتْهُ عنها، وتغيَّرَ لونُه، فسأله بعضُ الحاضرين: ما هذا يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: أخذَتْني فكرةٌ أني أموت، وأخي هارونُ يتولَى الخلافةَ بعدي، ويتزوَّج جاريتي هذه. ففدَاهُ الحاضرون ودَعَوْا له بطول العُمر. ثم استدعى أخاه هارون، فأخبَرَهُ بما وقع، فعَوَّذَهُ الرشيدُ من ذلك، فاستحلفه الهادي بالأيمان المغلَّظة من الطلاق والعَتَاق والحَجِّ ماشيًا حافيًا أنْ لا يتزوَّجَها، فحلف له واستحلف الجاريةَ كذلك، فحلفَتْ له؛ فلم يكنْ إلَّا أقلَّ من شهرَيْن حتى مات. ثم خطبَها الرشيد، فقالت: كيف بالأيمان التي حلفناها أنا وأنت؟! فقال: إني أكَفِّرُ عنِّي وعنك. فتزوَّجَها وحَظِيَتْ عندَهُ جدًّا، حتى كانتْ تنامُ في حَجْرِهِ فلا يتحرَّكُ خشيةَ أنْ يُزْعجها؛ فبينما هي ذات ليلة نائمة ببغداد، إذِ انتبهَتْ مَذْعُورةً تبكي، فقال لها: ما شأنُك؟ فقالت يا أميرَ المؤمنين؟ رأيتُ الهادي في منامي هذا وهو يقول:
أخْلَفْتِ عَهْدي بعدما … جاوَرْتُ سُكَّانَ المقابرْ
ونَسيتِنِي وحَنثْتِ في … أيمانِكِ الكَذِبِ الفَوَاجِرْ
ونَكَحْتِ غادرةً أخي … صَدَق الذي سمَّاكِ غادرْ
أمسَيْتُ في أهلِ البِلَى … وعُدِدْتُ في الموتى الغَوَابِرْ
لا يَهْنكِ الإلْفُ الجَدِيـ … ـدُ ولا تَدُرْ عنكِ الدوائرْ
ولَحِقْتِ بي قبلَ الصَّبَا … حِ وصِرْتِ حيثُ غدوْتُ صائرْ
فقال الرشيد: إنما هذا أضغاثُ أحلام. فقالتْ كلَّا واللَّهِ يا أميرَ المؤمنين، فكأنما كُتِبَتْ هذه الأبيات في قلبي. ثم ما زالَتْ تَرْتَعدُ وتضطربُ حتى ماتتْ قبلَ الصباح.
وفيها ماتَتْ:
هَيْلانَة (٢): جاريةُ الرشيد وهو الذي سمَّاها هَيْلانة لكثرةِ قولها: هي لانه. قال الأصمعي: وكان لها مُحبًّا، وكانت قبله لخالدِ بن يحيى بن بَرْمَك، فدَخَلَ الرشيدُ يومًا مَنْزلَهُ قبلَ الخلافة، فاعترضَتْهُ في طريقِهِ وقالتْ: أما لنا منك نصيب؟ فقال: وكيف السبيلُ إلى ذلك؟ فقالت: استَوْهبني من هذا الشيخ.
стр. 4940
فاستوهَبَها من يحيى بن خالد، فوَهَبها له، وحَظيتْ عندَه؛ ومكثتْ عنده ثلاث سنين، ثم تُوفيت. فحَزِنَ عليها حُزنًا شديدًا، ورثاها، وكان من قوله فيها:
قد قلتُ لمَّا ضَمَّنوكِ الثَّرَى … وجالتِ الحَسْرَةُ في صَدري
اذْهَبْ فلاقِ اللَّه لا سَرَّني … بَعْدَكِ شيءٌ آخرَ الدَّهْرِ (١)
وقال العباس بنُ الأحنف في موتِها:
يا من تباشرتِ القبورُ بمَوتها … قَصَدَ الزمانُ مساءتي فرَمَاكِ
أبغي الأنيسَ فما أرى لي مؤنسًا … إلَّا التردُّدَ حيثُ كنتُ أراكِ
مَلِكٌ بكاكِ فطالَ بعدَكِ حُزْنُهُ … لو يستطيعُ بِمُلْكِهِ لَفَدَاكِ
يَحْمي الفؤادَ عن النساءَ حَفِيظةً … كي لا يَحِلَّ حِمَى الفؤادِ سواكِ (٢)
قال: فأمر له الرشيدُ بأربعين ألفًا، لكلِّ بيتٍ عشرةُ آلاف. فاللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئة من الهجرة النبوية
فيها وقعَتْ عصبيَّةٌ بالشام وتَخبيطٌ من أهلِها. وفيها استقضى الرشيدُ يوسُفَ بنَ أبي يوسف وأبوهُ حيّ. وفيها غزا الصائفة عبدُ الملك بن صالح، فدخل بلادَ الروم. وفيها حجَّ بالناس الرشيدُ، فلما اقترب من مكة بلَغَهُ أنَّ فيها وباءً فلم يدخلْ مكة حتى كان وقتُ الوقوف؛ فوقف، ثم جاء الْمُزْدَلِفَةَ ثم مِنَى، ثم دخل مكة، فطافَ وسَعَى، ثم ارْتَحَلَ ولم يَنْزِلْ بها.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئة
فيها أخذ الرشيدُ بولايةِ العهدِ من بعد لوَلَدِهِ محمد بن زُبَيْدَة، وسَمَّاهُ الأمين، وعمرُهُ إذْ ذاكَ خمسُ سنين؛ فقال في ذلك سَلْمٌ الخاسر:
قد وفَّقَ اللَّه الخليفةَ إذْ بَنَى … بيتَ الخلافةِ للهِجَانِ الأزْهَرِ
فهو الخليفةُ عن أبيه وجَدِّهِ … شَهِدَا عليه بمَنْظَرٍ وبمَخْبَرِ
قد بايعَ الثقلانِ في مَهْدِ الهُدَى … لمحمدِ بنِ زُبَيْدَةَ ابنةِ جَعْفرِ (٣)