← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فاستشار الملأ حوله فيما رأى فقالوا له: ﴿هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] يعني مُلْكهم الذي هم فيه والعيش، وأبَوا على موسى أن يعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له: اجمع السّحرة فإنّهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحْرَهما، فأرسل إلى المدائن فحشر له كلّ ساحرٍ متعالم. فلمّا أتوا فرعون قالوا: بم يعمل الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيّات. قالوا: فلا واللّه ما أحدٌ في الأرض يعمل السحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل. وما أَجْرُنا إن نحن غلبنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصّتي، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيء أحببتم، فتواعدوا يومَ الزينة ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]. قال سعيد: فحدّثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر اللّه فيه موسى على فرعون والسّحرة هو يوم عاشوراء، فلمّا اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر لعلّنا نتبعُ السّحرة إن كانوا هم الغالبين. يعنون موسى وهارون استهزاءً بهما، فقالوا: ﴿يَامُوسَى﴾ -بعد تريثهم بسحرهم- ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] قالَ بَلْ أَلْقُوا ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] فرأى مُوسى من سحرهم ما أوجَسَ في نفسه خيفةً، فأوحى الله إليه أن ألق عصاك، فلما ألقاها صارت ثعبانًا عظيمة فاغِرةً فاها، فجعلت العصي تَلَبَّسُ بالحبال حتى صارت جُرَزًا على الثعبان تدخل فيه حتى ما أبقت عصًا ولا حبلًا إلا ابتلعته، فلما عرف السّحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحرًا لم يبلغ (١) من سحرنا كلّ هذا، ولكنّه أمرٌ من اللّه تعالى، آمنا باللّه وبما جاء به موسى، ونتوب إلى اللّه مما كنّا عليه، فكسر اللّه ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق، وبطل ما كانوا يعملون، فغُلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين. وامرأة فرعون بارزةٌ متبذِّلة (٢) تدعو اللّه بالنّصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظنّ أنّها إنّما ابتذلت (٣) للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنّما كان حزنها وهمّها لموسى. فلما طال مكثُ موسى بمواعيد فرعون الكاذبة؛ كلّما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل فإذا مضت أخلف من غده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل اللّه على قومه الطّوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادِعَ، والدَّمَ آياتٍ مفَصَّلاتٍ، كلّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفّها عنه، ويوافقه (٤) على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كفّ ذلك عنه أخلف بوعده، ونكث عهده حتى أُمِرَ موسى بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلًا، فلما أصبح فرعون ورأى أنّهم قد مضوا، أرسل في المدائن

стр. 527

حاشرين، فتبعه بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ، وأوحى اللّه إلى البحر إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقةً حتى يجوز موسى ومن معه، ثمّ الْتقِ على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي (١) موسى أن يضرب البحر بالعصا، وانتهى إلى البحر وله قَصيف (٢) مخافة أن يضربه موسى بعصاه، وهو غافل فيصير عاصيًا للّه ، فلما تراءى الجمعان، وتقاربا قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] افعل ما أمرك به رئك فإنه لم يكذب، ولم تكذب، قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه، ثمّ ذكر بعد ذلك العَصَا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربّه، وكما وعد موسى، فلما أن جاوز موسى وأصحابه كلّهم البحر ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أُمرَ. فلما جاوز موسى قال أصحابه: إنّا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه (٣)، فدعا ربَّه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه. ثمّ مرّوا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩] قَدْ رأيتم من العبر، وسمعتم ما يكفيكم. ومضى فأنزلهم موسى منزلًا وقال: أطيعوا هارون فإنّ اللّه قد استخلفه عليكم، فإنّي ذاهب إلى ربّي وأجَّلَهم ثلاثين يومًا أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربَّه وأراد أن يكلّمه في ثلاثين يومًا، وقد صامهنَّ ليلَهنَّ ونهارَهنَّ، وكره أن يكلّم ربّه وريح فِيه ريح فم الصّائم، فتناول موسى شيئًا من نبات الأرض فمضغه، فقال له ربّه حين أتاه: لم أفطرت؟ -وهو أعلم بالذي كان- قال يا ربّ إني كرهت أن أكلّمك إلّا وفمي طيّب الريح. قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك. ارجع فصُم عشرًا، ثمّ ائتني. ففعل موسى ما أمره به ربُّه، فلما رأى قومُ موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل، ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم فقال: إنّكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عوار وودائعُ، ولكم فيها مثل ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا مالكم عندهم، ولا أحلّ لكم وديعة استُودعتموها، ولا عارية، ولسنا برَادّين إليهم شيئًا من ذلك، ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيرًا وأَمَرَ كل قومٍ عندهم من ذلك من متاع أو حليةٍ أن يقذفوه في ذلك الحفير. ثمّ أوقد عليه النار فأحرقه فقال: لا يكون لنا ولا لهم.

стр. 528

وكان السامري من قومٍ يعبدون البقر جيرانٌ لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثرًا، فقبض منه قبضةً، فمرّ بهارون، فقال له هارون: يا سامري ألا تلقي ما في يديك، وهو قابض عليه لا يراه أحدٌ طوال ذلك، فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا أُلقيها لشيء إلا أن تدعو اللّهَ إذا ألقيتُها أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا له هارون، فقال: أريد أن تكون عجلًا، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع، أو حليةٍ، أو نحاسٍ، أو حديدٍ، فصار عجلًا أجوف ليس فيه روح، له خُوار. قال ابن عباس: لا واللّه ما كان فيه صوت قط، إنّما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه فكان ذلك الصوت من ذلك. فتفرَّق بنو إسرائيل فِرَقًا، فقالت فرقةٌ: يا سامري ما هذا - وأنت أعلم به - قال: هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق. وقالت فرقةٌ: لا نكذّب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه، وعجزنا فيه حتى رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى. وقالت فرقةٌ: هذا من عمل الشيطان وليس بربّنا، ولا نؤمن به، ولا نصدِّق. وأسرَّت فرقةٌ في قلوبهم الصِّدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون ﵇: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠] ليس هذا. قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يومًا ثمّ أخلفنا؟ هذه أربعون يومًا قد مضت. فقال سفهاؤهم: أخطأ ربّه فهو يطلبه ويبتغيه. فلمّا كلّم اللّه موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده، فرجع إلى قومه غضبان أسفًا، فقال لهم ما سمعتم ما في القرآن؟! ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وألقى الألواح من الغضب. ثمّ إنّه عَذَرَ أخاه بعذره، واستغفر له، فانصرف إلى السامري، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت ﴿قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ وفطنت لها، وعَميت عليكم، فقذفتها ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٦، ٩٧] ولو كان إلهًا لى يخلص إلى ذلك منه. فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى سل لنا أن يُفتح لنا بابُ توبةٍ نصنعها فتكفّر عنّا ما عملنا، فاختار ﴿مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] لذلك لا يألو الخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في الحق، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض، فاستحيا نبي الله ﵇ من قومه ومن وفده حين فُعل بهم ما فُعل، فقال: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وفيهم من كان اللّه تعالى اطلع منه على ما أُشرب قلبه من حُبِّ العجل وإيمانٍ به، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ

стр. 529

يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فقال: يا رب سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتي كتبتها لقومٍ غير قومي، فليتك أخَّرتني حتى تخرجني في أمّةً ذلك الرجل المرحومة، فقال له: إنّ توبتهم أن يقتل كلّ رجل من لقي من والدٍ وولدٍ فيقتله بالسيف، لا يبالي مَن قتل في ذلك الموطن. وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، واطلع اللّه من ذنوبهم فاعترفوا بها، وفعلوا ما أُمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول. ثمّ سار بهم موسى ﵇ متوجّهًا نحو الأرض المقدّسة، وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أُمِر به من الوظائف، فثقل ذلك عليهم وأبَوا أن يقرّوا بها، ونَتَقَ اللّه عليهم الجبل كأنّه ظلّةٌ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، وأخذوا الكتاب بأيمانهم، وهم مصغون ينظرون إلى الجبل، والكتاب بأيديهم، وهم من وراء الجبل مخافةَ أن يقع عليهم، ثمّ مضوا حتى أتوا الأرض المقدّسة، فوجدوا مدينة فيها قومٌ جبارون، خَلْقُهم خَلْقٌ منكر، وذكر من ثمارهم أمرًا عجبًا من عِظَمها، فقالوا: ﴿يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ - قيل ليزيد: هكذا قَرأه؟ قال: نعم - من الجبارين آمَنَا بموسى وخرجا إليه فقالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم؛ فإنهم لا قلوب لهم، ولا منعة عندهم، فادخلوا ﴿عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ ويقول أُناس: إنهم من قوم موسى. فقال الذين يخافون من بني إسرائيل ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (١) [المائدة: ٢٤] فأغضبوا موسى، فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقين، ولم يدعُ عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذٍ، فاستجاب اللّه له وسمَّاهم كما سمَّاهم فاسقين، فحرّمها عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض، يصبحون كلّ يومٍ فيسيرون ليس لهم قرار، ثمّ ظلّل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المَنَّ والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرًا مربّعًا، وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كلِّ ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كلّ سبطٍ عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من مَنْقَلَةٍ (٢) إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الذي كان منهم فيه بالأمس. رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي ﷺ ، وصدَّق ذلك عندي أن معاوية سمع من ابن عباس هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشي عليه، ولم يكن عَلم به، ولا ظهر عليه إلّا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ فغضب ابن عبَّاس، فأخذ بيد

стр. 530

معاوية، فانطلق به إلى سعد بن مالك الزُّهْري، فقال له: يا أبا إسحاق، هل تذكر يوم حَدَّثَنَا رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره. هكذا ساق هذا الحديث الإمام النسائي. وأخرجه ابن جرير (١) وابن أبي حاتم في "تفسيريهما"من حديث يزيد بن هارون. والأشبه - واللّه أعلم - أنه موقوف، وكونه مرفوعًا فيه نظر، وغالبه متلقى من الإسرائيليات، وفيه شيء يسير مصرّح برفعه في أثناء الكلام، وفي بعض ما فيه نظرٌ ونكارةٌ، والأغلب أنه كلام كعبِ الأحبار. وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المِزِّي يقول ذلك. والله أعلم. * * * ذكر بناء قبّة الزمان قال أهل الكتاب (٢): وقد أمر اللّه موسى ﵇ بعمل قبّة من خشب الشمشار (٣)، وجلود الأنعام، وشعر الأغنام، وأمر بزينتها بالحرير المصبغ والذهب والفضّة على كيفيات مفصلة عند أهل الكتاب ولها عشر سُرادقات؛ طول كلِّ واحدٍ ثمانية وعشرون ذراعًا، وعرضه أربعة أذرعٍ، ولها أربعةُ أبواب وأطنابٌ من حريرٍ، ودمقس مصبغ، وفيها دفوف وصفائح من ذهب وفضّة، وفي كلِّ زاوية بابان، وأبوابٌ أُخر كبيرةٌ، وستورٌ من حريرٍ مصبغ وغير ذلك مما يطول ذِكره. وبعمل تابوتٍ (٤) من خشب الشمشار، يكون طولُه ذراعين ونصفًا وعرضه ذراعين وارتفاعُه ذراعًا ونصفًا، ويكون مضبَّبًا (٥) بذهبٍ خالصٍ من داخله وخارجه وله أربع حَلَقٍ في أربع زواياه، ويكون على حافتيه كروبيان (٦) من ذهبٍ، يعنون صفة ملكين بأجنحة وهما متقابلان، صنعه رجل اسمه بصليال. وأمره أن يعمل مائدةً من خشب الشمشار طولها ذراعان وعرضها ذراع ونصف لها ضِبَاب ذهب

стр. 531

وإكليل ذهب بشفة مرتفعة بإكليلٍ من ذهب وأربع حَلق من نواحيها من ذهب مُغرزة في مثل الرمّان، من خشب ملبّس ذهبًا، واعمل صِحافًا (١) ومصافي وقصاعًا على المائدة. واصنع منارة من ذهبٍ دليّ (٢)، وفيها ست قصبات من ذهب من كل جانب ثلاث، على كلِّ قصبة ثلاثة سُرُج، وليكن في المنارة أربعة قناديل، ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب صنع ذلك بصليال أيضًا، وهو الذي عمل المذبح أيضًا، ونصب هذه القبة أول يوم من سنتهم، وهو أوّل يومٍ من الربيع، ونصب تابوت الشهادة، وهو - واللّه أعلم - المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. وقد بُسط هذا الفصل في كتابهم مطوّلًا جدًّا، وفيه شرائع لهم، وأحكام، وصفة قربانهم وكيفيته. وفيه أن قبّة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل الذي هو متقدِّم على مجيء بيت المقدس، وأنها كانت لهم كالكعبة يصلّون فيها وإليها، ويتقرّبون عندها. وأن موسى ﵇ كان إذا دخلها يقفون عندها (٣)، وينزل عمود الغمام على بابها فيخرّون عند ذلك سُجَّدًا للّه ، ويكلم اللّهُ موسى ﵇ من ذلك العمود الغمام الذي هو نورٌ، ويخاطبه، ويناجيه، ويأمره، وينهاه، وهو واقف عند التابوت صامدٌ إلى ما بين الكَرُوبِيِّيْنَ، فإذا فصل الخطاب يخبر بني إسرائيل بما أوحاه اللّهُ إليه من الأوامر والنواهي. وإذا تحاكموا إليه في شيءٍ ليس عنده من اللّه فيه شيء يجيء إلى قبّة الزمان، ويقف عند التابوت، ويصمد لما بين ذينك الكروبِيِّيْنَ، فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة (٤). وقد كان هذا مشروعًا لهم في زمانهم، أعني استعمال الذهب والحرير المصبغ واللآلئ في معبدهم وعند مصلّاهم، فأمّا في شريعتنا فلا، بل قد نُهينا عن زخرفة المساجد وتزيينها لِئّلا تشغل المصلّين؛ كما قال عمر بن الخطاب ﵁ لما وسّع في مسجد رسول اللّه ﷺ للّذي وكّله على عمارته: ابنِ للناسِ ما يُكنُّهم، وإياكَ أن تُحمِّر أو تُصَفِّر فتفتن الناس. وقال ابن عباس: لا تُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسَهم (٥)، وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه لهذه الأمّة عن مشابهة من كان قبلهم من الأمم، إذ جمع اللّه همّهم في صلاتهم على التوجّه إليه والإقبال عليه، وصان أبصارهم وخواطرهم عن الاشتغال والتفكّر في غير ما هم بصدده من العبادة العظيمة. فلله الحمد والمِنَّة.

стр. 532

وقد كانت قبّة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه يُصلُّون إليها وهي قبلتهم، وكعبتهم، وإمامُهم كليم الله موسى ﵇، ومُقدِّم القربان أخوه هارون ﵇. فلما مات هارون ثمّ موسى ﵉، استمرّت بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم من أمر القربان. وهو فيهم إلى الآن. وقام بأعباء النبوّة بعد موسى وتدبير الأمر بعده فتاه يوشَع بن نون ﵇، وهو الذي دخل بهم بيت المقدس، كما سيأتي بيانه. والمقصود هنا أنّه لما استقرْت يده على البيت المقدّس نصب هذه القبّة على صخرة بيت المقدس، فكانوا يصلّون إليها، فلما بادت صلوا إلى محلّتها، وهي الصخرة، فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله ﷺ ، وقد - صلى إليها رسول الله ﷺ قبل الهجرة، وكان يجعل الكعبة بين يديه. فلما هاجر أُمِر بالصلاة إلى بيت المقدس، فصلّى إليها ستة عشر، وقيل: سبعة عشر شهرًا (١). ثم حُوّلت القبلة إلى الكعبة، وهي قبلة إبراهيم، في شعبان سنة ثنتين في وقت صلاة العصر، وقيل: الظهر، كما بسطنا ذلك في "التفسير" (٢) عند قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآيات (٣) [البقرة: ١٤٢ - ١٤٤]. * * *

стр. 533

قصة قارون مع موسى ﵇ قال اللّه ﵎: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٧٦ - ٨٣]. قال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كان قارون ابنَ عم موسى. وكذا قال إبراهيم النَّخَعِي (١)، وعبد اللّه بن الحارث بن نوفل، وسِماك بن حرب، وقتادة، ومالك بن دينار، وابن جريج، وزاد فقال: هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث (٢). قال ابن جرير (٣): وهذا قول أكثر أهل العلم أنّه كان ابن عمّ موسى. وردَّ قولَ ابن إسحاق: إنه كان عم موسى. قال قتادة: وكان يُسمّى النُّورَ لِحُسْنِ صوته بالتوراة، ولكن عدوّ اللّه نافق كما نافق السّامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبرًا طولًا ترفُعًا على قومه. وقد ذكر اللّه تعالى كثرة كنوزة حتى إن مفاتحه لكان يثقل حملها على الفئام من الرجال الشداد. وقد قيل: إنها كانت من الجلود، وإنها كانت تحمل على ستين بغلًا فالله أعلم.

стр. 534

وقد وعظه النّصحاء من قومه قائلين: ﴿لَا تَفْرَحْ﴾ أي لا تبطر بما أُعطيت، وتفخر على غيرك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾. يقولون: لتكن همّتك مصروفةً إلى تحصيل ثواب اللّه في الدار الآخرة، فإنّه خيرٌ وأبقى، ومع هذا ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي: وتناول منها بمالك ما أحلّ اللّه لك فتمتّع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أي: وأحسن إلى خَلق اللّه كما أحسن اللّه خالقُهم وبارئُهم إليك ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ولا تُسئ إليهم، ولا تفسد فيهم، فتقابلهم ضدّ ما أُمرت فيهم فيعاقبك، ويسلبك ما وهبك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. فما كان جوابه لهذه النّصيحة الصّحيحة الفصيحة إلا أن ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ يعني أنا لا أحتاج إلى استعمال ما ذكرتم، ولا إلى ما إليه أشرتم، فإن اللّه إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه، وأني أهلٌ له، ولولا أني حبيب إليه، وحَظِيٌّ عنده لما أعطاني ما أعطاني. قال الله تعالى رادًّا عليه ما ذهب إليه: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من قارون قوة وأكثر أموالًا وأولادًا، فلو كان ما قال صحيحًا لم نعاقب أحدًا ممن كان أكثر مالًا منه، ولم يكن ماله دليلًا على محبتنا له، واعتنائنا به كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ: ٣٧] وقال تعالى ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦]. وهذا الردّ عليه يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه من معنى قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. وأمّا من زعم أن المراد من ذلك أنه كان يعرف صَنْعة الكيمياء، أو أنه كان يحفظ الاسم الأعظم فاستعمله في جمع الأموال فليس بصحيح؛ لأن الكيمياء تخييل وصبغة، لا تحيل الحقائق، ولا تشابه صنعة الخالق، والاسم الأعظم لا يصعد الدعاءُ به مِن كافر به، وقارون كان كافرًا في الباطن منافقًا في الظاهر. ثمّ لا يصح جوابه لهم لهذا على التقدير ولا يبقى بين الكلامين تلازم. وقد وضحنا هذا في كتابنا "التفسير" (١) وللّه الحمد. قال اللّه تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ذكر كثير من المفسرين أنه خرج في تجمُّلٍ عظيمٍ من ملابس، ومراكب، وخدمٍ، وحشمٍ، فلما رآه من يعظّم زهرة الحياة الدنيا تمنّوا أن لو كانوا مثله، وغَبَطوه بما عليه وله، فلما سمع مقالتهم العلماء ذوو الفَهم الصحيح الزهّاد الألِبَّاءُ قالوا لهم: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: ثواب الله في الدار الآخرة خيرٌ وأبقى وأجلُّ وأعلَى. قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ أي: وما يلقّى هذه النصيحة وهذه المقالة وهذه الهمّة السامية

стр. 535

إلى الدار الآخرة العلية عند النظر إلى زهرة هذه الدنيا الدنيَّة إلّا مَن هدى اللّهُ قلْبَهُ، وثبَّت فؤاده، وأيّد لُبَّه، وحقق مراده. وما أحسن ما قال بعض السلف: إن اللّه يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند حلول الشهوات. قال اللّه تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ لما ذكر اللّه تعالى خروجه في زينته واختياله فيها وفخره على قومه بها قال: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ كما روى البخاري (١) من حديث الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "بَيْنَا رَجُلٌ يَجُرُّ إزارَهُ إذْ خُسِفَ بهِ فَهُو يَتَجَلْجَلُ في الأرضِ إلى يَومِ القيامَةِ" ثمّ رواه البخاري (٢) من حديث جرير بن زيد، عن سالم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، نحوه. وقد ذُكر عن ابن عباس والسُّدي أن قارون أعطى امرأة بغيًّا مالًا على أن تقول لموسى ﵇ وهو في ملأٍ من الناس: إنّك فعلت بي كذا وكذا، فيقال: إنّها قالت له ذلك، فأرعد من الفرق، وصلّى ركعتين، ثمّ أقبل عليها فاستحلفها مَنْ دَلّكِ على ذلك وما حملك عليه؟ فذكرت أن قارون هو الذي حملها على ذلك، واستغفرت اللّه، وتابت إليه، فعند ذلك خرّ موسى للّه ساجدًا، ودعا اللّه على قارون، فأوحى اللّه تعالى إليه إني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره، فكان ذلك. فاللّه أعلم (٣). وقد قيل: إن قارون لما خرج على قومه في زينته مرّ بجحفله (٤)، وبغاله، وملابسه على مجلس موسى ﵇ وهو يذكّر قومه بأيام اللّه، فلما رآه الناس انصرفت وجوه كثير من الناس ينظرون إليه، فدعاه موسى ﵇ فقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: يا موسى أما لئن كنتَ فُضِّلت عليَّ بالنبوة فلقد فُضِّلتُ عليك بالمال، ولئن شئت لتخرجن فلتدعُوَن عليّ، ولأدعون عليك، فخرج وخرج قارون في قومه، فقال له موسى: تدعو أو أدعو؟ قال: أدعو أنا، فدعا قارون فلم يُجَب في موسى. فقال موسى: أدعو؟ قال: نعم. فقال موسى: اللهم مُرِ الأرض فلتطغى (٥) اليوم، فأوحى اللّه تعالى إليه: إني قد فعلتُ، فقال موسى: يا أرضُ خذيهم، فأخذتهم إلى أقدامهم، ثمّ قال: خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، ثمّ إلى مناكبهم، ثمّ قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم، فأقبلت بها حتى نظروا إليها، ثمّ أشار موسى بيده فقال: اذهبوا بني لاوي، فاستوت بهم الأرض.

стр. 536

وقد روي عن قتادة أنّه قال: يُخسف بهم كلَّ يوم قامةٌ إلى يوم القيامة. وعن ابن عباس أنّه قال: خُسف بهم إلى الأرض السابعة. وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا إسرائيليات كثيرة ضربنا عنها صفحًا وتركناها قصدًا. وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ لم يكن له ناصر من نفسه ولا من غيره كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]، ولمّا حلّ به ما حلّ من الخسف، وذهاب الأموال، وخراب الدار، وإهلاك النفس والأهل والعقار، ندم (١) من كان تمنى مثل ما أوتي، وشكروا اللّه تعالى الذي يدبّر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون، ولهذا قالوا: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. وقد تكلّمنا على لفظ (ويك) في "التفسير" (٢)، وقد قال قتادة: (ويكأن) بمعنى: ألم تَرَ أنّ، وهذا قولٌ حسنٌ من حيثُ المعنى واللّه أعلم. ثمّ أخبر تعالى ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ وهي دار القرار، وهي الدار التي يُغْبَط من أُعطيها، ويُعزَّى من حُرمها إنّما هي معدّة ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ فالعلوُّ هو التكبُّر، والفخر، والأشر، والبطر ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ وهو عمل المعاصي اللّازمة والمتعدّية من أخْذِ أموال الناس، وإفساد معايشهم، والإساءة إليهم، وعدم النصح لهم، ثمّ قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقصّة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر، لقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ فإن الدار ظاهرة في البنيان، وقد تكون بعد ذلك في التِيه، وتكون الدار عِبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام كما قال عنترة: [من الكامل] يا دارَ عَبْلةَ بالجِوَاءَ تَكَلَّمي … وَعِمي صَباحًا دارَ عَبْلةَ واسْلَمي (٣) والله أعلم. وقد ذكر اللّه تعالى مذمّة قارون في غير ما آية من القرآن. قال اللّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣، ٢٤]. وقال تعالى في سورة العنكبوت، بعد ذكر عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ

стр. 537

أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٩، ٤٠]. فالذي خسف اللّه به الأرض قارون - كما تقدّم - والذي أغرق فرعون وهامان وجنودَهما أنّهم كانوا خاطئين. وقد قال الإمام أحمد (١): حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن، حَدَّثَنَا سعيد، حَدَّثَنَا كعب بن علقمة، عن عيسى ابن هلال الصَّدَفي (٢)، عن عبد اللّه بن عمرو، عن النبي ﷺ أنّه ذكر الصلاة يومًا فقال: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْها كانَتْ لَهُ نُوْرًا وبُرْهَانًا ونجاةً يومَ القِيامة، ومَنْ لَم يُحَافِظْ عَلَيْها لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهانٌ ولا نَجَاةٌ، وكانَ يَوْمَ القيامةِ مَعَ قَارُونَ وفِرْعَونَ وهامان وأُبَيُ بنِ خَلَفٍ". انفرد به أحمد، ﵀. * * * باب ذِكر فضَائِل موسى ﵇ وَشمائِله وصفاته ووفاته (٣) قال اللّه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١ - ٥٣]. وقال تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالآتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وتقدّم في "الصحيحين" عن رسول اللّه ﷺ أنه قال: "لا تُفَضِّلُوني عَلَى مُوسَى، فإنّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القيامَةِ فأكُونُ أوَّلَ مَنْ يفِيْقُ فأجِدُ مُوْسَى باطِشًا بِقائمةِ العَرْشِ فَلا أدْرِي أَصعِقَ فأفاقَ قَبْلي أمْ جُوزي بِصَعْقَةِ الطُوْرِ" (٤). وقدَّمنا أنه مِنْ رسول اللّه ﷺ مِنْ باب الهَضْمِ والتواضع، وإلّا فهو صلوات اللّه وسلامُه عليه خاتم الأنبياء، وسيّد ولد آدم في الدنيا والآخرة قطعًا جزمًا لا يحتمل النقيض. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣، ١٦٤]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].

стр. 538

قال الإمام أبو عبد اللّه البخاري: حَدَّثَنَا إسحاق (١) بن إبراهيم، حَدَّثَنَا رَوح بن عبادة، عن عوف، عن الحسن ومحمد وخِلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إنَّ مُوْسَى كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيْرًا لا يَرَى جِلْدَهُ شَيْءٌ استحياءً منه، فآذاهُ مَن أذاه مِن بني إسْرائيلِ، فقالوا: ما يَسْتَتِرُ هذا التَّسَتُرَ إلّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إمّا بَرَصٌ وإما أُدْرَة (٢) وإمّا آفةٌ. وإنَّ اللّهَ أرادَ أنْ يُبَرِّأَهُ مِمَّا قالُوا لِموسى، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثِيابَهَ عَلى الحَجَرِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فرَغَ أَقْبَلَ عَلَى ثِيابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وأنّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبهِ، فأخَذَ مُوسى عَصَاهُ وطَلَبَ الحَجَرَ فَجَعَل يَقُولُ: ثَوبي حَجَرٌ، ثوبي حَجَرٌ، حَتّى انْتَهَى إلى مَلإٍ مِن بني إسْرائيل، فَرَأَوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللهُ وبرّأهُ (٣) مِمّا يَقُوْلُونَ. وقامَ الحجَرُ فأخَذَ ثَوبَهُ فَلَبِسَهُ وَطَفِقَ بالحجَرِ ضَرْبًا بعصاهُ، فواللّهِ إن بالحجَرِ لنَدَبًا مِنْ أَثَر ضَرْبهِ ثلاثًا أوْ أرْبعًا أو خَمْسًا (٤)، قال: فذلك قولُه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (٥). وقد رواه الإمام أحمد من حديث عبد اللّه بن شقيق، وهمّام بن منبه، عن أبي هريرة، به (٦). وهو في "الصحيحين" (٧) من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عنه، به. ورواه مسلم من حديث عبد اللّه بن شقيق العقيلي عنه (٨). قال بعض السلف: كان من وجاهته أنّه شفع في أخيه عند اللّه، وطلب منه أن يكون معه وزيرًا، فأجابه الله إلى سُؤاله، وأعطاه طَلِبَتَهُ، وجعله نبيًا كما قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾. ثم قال

стр. 539

البخاري (١): حَدَّثَنَا أبو الوليد، حَدَّثَنَا شعبة، حَدَّثَنَا الأعمش: سألت أبا وائل قال سمعت عبد اللّه قال: قَسَم رسول اللّه ﷺ قسمًا، فقال رجل: إنّ هذه قِسْمةٌ ما أُريد بها وجه اللّه، فأتيت النبي ﷺ -فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه. ثم قال: "يَرْحَمُ اللّهُ مُوسى، قَدْ أوْذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَرَ". وكذا رواه مسلم (٢) من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش، به. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حجاج (٣)، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هشام مولى لهمْدان، عن زيد بن أبي زائد، عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه ﷺ لأصحابه: "لا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا فإنّي أُحِبُّ أنْ أَخْرُجَ إلَيْكُم وَأنا سَلِيْمُ الصَّدْرِ". قال وأتى رسولَ اللّهِ ﷺ مالٌ فقسمه، قال: فمررتُ برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: واللّه ما أراد محمدٌ بقسمته وجه اللّه ولا الدارَ الآخرة، فثبتُّ حتى سمعتُ ما قالا. ثمّ أتيت رسولَ اللّه فقلت: يا رسول اللّه إنّك قلتَ لنا: "لا يُبَلّغُني أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أصْحَابي شَيْئًا" وإني مررتُ بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا. فاحمرَّ وجهُ رسول اللّه ﷺ وشقّ عليه. ثمّ قال: "دعْنا مِنْكَ فَقَدْ أوْذِيَ مُوسَى أكْثَرَ مِنْ ذلكَ فَصَبَرَ" (٤). وهكذا رواه أبو داود والترمذي (٥) من حديث إسرائيل، عن الوليد بن أبي هاشم، به. وفي رواية للترمذي (٦) ولأبي داود (٧) من طريق ابن العبد، عن إسرائيل، عن السُّدّي، عن الوليد، به. وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه. وقد ثبت في "الصحيحين" في أحاديث الإسراء أن رسول اللّه ﷺ مر بموسى وهو قائم يصلي في قبره. ورواه مسلم عن أنس. وفي "الصحيحين" (٨) من رواية قتادة عن أنس، عن مالك بن صعصعة، عن النبي ﷺ أنّه مرّ ليلة أُسْرِي به بموسى في السماء السادسة، فقال له جبريل: هذا موسى فسلِّم عليه، قال: "فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، فَقَال: مَرْحَبًا بالنبي الصَّالح والأخِ الصَّالِحِ، فَلَمَّا تجاوَزْتُ بَكَى، قيلَ له: ما يُبْكِيك؟ قالَ: أبْكي لأنَّ غُلامًا بُعِثَ بَعْدي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أمَّتهِ أكْثرُ مما يَدْخُلها من أمّتي"، وذكر إبراهيم في السماء السابعة.

стр. 540

وهذا هو المحفوظ، وما وقع في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس، من أن إبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة، بتفضيل كلام اللّه، فقد ذكر غير واحد من الحفّاظ أن الذي عليه الجادة أن موسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، وأنه مسندٌ ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كلَّ يوم سبعون ألفًا من الملائكة ثمّ لا يعودون إليه آخر ما عليهم (١). واتفقت الروايات كلّها على أن اللّه تعالى لما فرض على محمد ﷺ وأمته خمسين صلاةً في اليوم والليلة، فمرّ بموسى قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشدّ المعالجة، وإن أمتك أضعف أسماعًا، وأبصارًا، وأفئدة، فلم يزل يترددُ بين موسى وبين اللّه ويخفف عنه كل مرة حتى صارت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، وقال اللّه تعالى: هي خمس وهي خمسون، أي بالمضاعفة، فجزى الله عنا محمدًا ﷺ خيرًا. وجزى اللّه عنا موسى ﵇ خيرًا. وقال البخاري (٢): حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا حُصَين بن نمير، عن حُصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول اللّه ﷺ يوما فقال: "عُرِضَتْ عَلَيّ الأُمَمُ وَرَأيْتُ سَوادًا كَثيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ: هذا مُوسَى في قَوْمه". هكذا روى (٣) البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرًا. وقد رواه الإمام أحمد مطولًا فقال: حَدَّثَنَا شَريح، حَدَّثَنَا هشيم (٤)، حَدَّثَنَا حُصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جُبير فقال: أيُّكم رأى الكوكبَ الذي انقضَّ البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: إني لم أكن في صلاة ولكن لُدغت. قال: وكيف فعلت؟ قلت: اسْتَرْقَيْتُ. قال: وما حملك على ذلك؟ قال: قلت: حديثٌ حدَّثناه الشعبي عن بُريدة الأسلمي أنه قال: "لا رُقْيَةَ إلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حمّةٍ". فقال سعيد - يعني ابنَ جُبير - قد أحسن منِ انتهى إلى ما سمع. ثمّ قال: حدّثنا ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِي وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنبي ومعه الرَّجُل والرجلان، والنّبي وَلَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ، إذْ رُفع لي سَوَادٌ عَظِيْمٌ، فَقُلْتُ: هذهِ أُمَّتي؟ فقيلَ: هذا مُوسى وقومُه، ولكِنِ انْظُرْ إلى الأفُقِ فإذا سَوَادٌ عَظِيْمٌ. ثُمَّ قِيلَ: انْظُرْ إلى هذا الجانِبِ فإذا سَوَادٌ عَظِيْمٌ، فقيلَ: هذه أُمَّتُكَ وَمَعَهُم سَبْعُون ألفًا يَدْخُلُونَ الجنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ولا عَذَابٍ". ثمّ نهض رسول الله ﷺ فَدَخَلَ، فخاض القوم في ذلك فقالوا: مَن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذابٍ؟ فقال بعضهم: لعلّهم الذين صحبوا النبي ﷺ .

стр. 541

وقال بعضهم: لعلّهم الذين وُلدوا في الإسلام ولم يشركوا باللّه شيئًا قطُ، وذكروا أشياء. فخرج إليهم رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا الذي كُنْتُم تَخُوضُوْنَ فيه"؟ فأخبروه بمقالتهم، فقال: "هُمُ الذينَ لا يَكْتَوُوْنَ وَلا يَسْتَرْقُوْنَ وَلَا يَتَطَيَّرُوْنَ وَعلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُوْنَ"، فقام عُكاشة بن مِحْصَن (١) الأسدي فقال: أنا منهم يا رسولَ الله؟ قال: "أنْتَ مِنْهُم". ثم قام آخر فقال: أنا منهم يا رسول اللّه؟ فقال "سبَقَكَ بها عُكَاشَةُ" (٢). وهذا الحديث له طرق كثيرة جدًا، وهو في الصحاح والحسان وغيرها، وسنوردها إن شاء اللّه تعالى في باب صِفَة الجنة عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها (٣). وقد ذكر اللّه تعالى موسى ﵇ في القرآن كثيرًا، وأثنى عليه وأورد قصته في كتابه العزيز مرارًا وكررها كثيرًا، مطو لة ومبسوطة ومختصرة، وأثنى عليه بليغًا. وكثيرًا ما يقرنه الله تعالى ويذكره، ويذكر كتابه مع محمد ﷺ وكتابه، كما قال في سورة البقرة ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١]. وقال اللّه تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ١ - ٤]. وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩١، ٩٢]. فأثنى تعالى على التوراة، ثمّ مدح القرآن العظيم مدحًا عظيمًا، وقال تعالى في آخرها: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤، ١٥٥]. وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا

стр. 542

تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ … ﴾ [المائدة: ٤٤، ٤٨]. فجعل القرآن حاكمًا على سائر الكتب غيره، وجعله مصدِّقًا لها ومبينًا ما وقع فيها من التحريف والتبديل، فإن أهل الكتاب استُحفِظوا على ما بأيديهم من الكتب فلم يقدروا على حفظها، ولا على ضبطها وصونها، فلهذا دخلها ما دخلها من تغييرهم وتبديلهم لسوء فهومِهم، وقصورهم في علومهم، ورداءة قصودهم، وخيانتهم لمعبودهم، عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة. ولهذا يوجد في كتبهم من الخطأ البيّن على اللّه وعلى رسله ما لا يحدُّ ولا يوصف، وما لا يوجد مثله ولا يعرف. وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٨ - ٥٠]. وقال اللّه تعالى في سورة القَصَص: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٨، ٤٩]. فأثنى اللّه على الكتابين وعلى الرسولين، ﵉. وقالت الجن لقومهم: إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى. وقال ورقة بن نوفل لما قصَّ عليه رسول الله ﷺ خبر ما رأى من أول (١) الوحي، وتلا عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] قال: سُبُّوحٌ سبوح، هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران. وبالجملة فشريعة موسى ﵇ كانت عظيمة (٢)، وأمته كانت أمّةً كثيرة، ووجد فيهم أنبياء وعلماء وعبَّاد وزهاد (٣) وملوك وأمراء وسادات وكبراء. لكنّهم كانوا فبادوا، وتبدّلوا كما بُدِّلت شريعتهم، ومُسخوا قِردة وخنازير، ثمّ نسخت بعد كل حساب ملَّتهم، وجرت عليهم خطوب وأمور يطول ذكرها، ولكن سنورد ما فيه مَقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها إن شاء اللّه. وبه الثقة وعليه التُّكلان. * * *

стр. 543

ذكر حجّته ﵇ إلى البَيت العتيق (١) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا هُشَيم (٢)، حَدَّثَنَا داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن ابن عباس أن رسول اللّه ﷺ مر بوادي الأزرق فقال: "أيُّ وادٍ هذا"؟ قالوا: وادي الأَزرق. قال: "كأنّي أَنْظُرُ إلى مُوْسَى وَهُوَ هابِطٌ مِنَ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤارٌ إلى اللّهِ بالتَّلْبِيَةِ" حَتَّى أتى على ثنيَّة هَرْشَى. فقال: "أيُّ ثَنِيَّةٍ هذِهِ"؟ قالوا: هذه ثنيَّة هَرْشَى. قال: "كأنّي أَنْظُرُ إلى يُوْنُس بنِ مَتَّى عَلَى ناقَةٍ حَمْراءَ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوْفٍ، خِطَامُ ناقَتِهِ خلبةٌ". قال هُشيم: يعني ليفًا، "وهو يلبِّي" (٣). وأخرجه مسلم (٤) من حديث داود بن أبي هند، به. وروى الطبراني (٥) عن ابن عباس مرفوعًا أن موسى حج على ثور أحمر. وهذا غريب جدًا. وقال الإمام أحمد (٦): حَدَّثَنَا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن مجاهد قال: كنا عند ابن عباس، فذكروا الدجَّال، فقال: إنه مكتوب بين عينيه (ك ف ر) قال: ما يقولون؟ قال: يقولون: مكتوب بين عينيه (ك ف ر)، فقال ابن عباس: لم أسمعه قال ذلك ولكن قال: أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم، وأما موسى فرجل آدم جعد الشعر على جملٍ أحمرَ مَخْطوم بخُلْبة، كأني أنظر إليه وقد انحدر من الوادي يلبِّي. قال هشيم: الخُلْبَةُ: الليف. ثمّ رواه الإمام أحمد (٧)، عن أسود، عن إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه ﷺ : "رأيْتُ عِيْسَى بنَ مَرْيَمَ ومُوسى وإبراهيمَ، فأمّا عِيْسَى فأبْيَضُ جَعْدٌ عَرِيْضُ الصَّدْرِ. وأمّا مُوْسَى فآدَمُ جَسِيْمٌ". قالُوا: فإبراهيمُ؟ قال: "انظروا إلى صاحبكم". وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يونس، حَدَّثَنَا شيبان قال: حدّث قتادة، عن أبي العالية، حَدَّثَنَا ابنُ عَمّ

стр. 544

نبيِّكم ابنُ عباس قال: قال نبي الله ﷺ : "رأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِي بي مُوْسَى بنَ عِمْرانَ رَجُلًا طوالًا جَعْدًا كأنهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءةَ، ورَأيْثُ عِيْسَى بنَ مَرْيم مَرْبُوعَ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والبَياضِ، سَبطَ الرأسِ" (١). وأخرجاه (٢) من حديث قتادة، به. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا مَعْمَر، قال الزُّهري: وأخبرني سعيد بن المسيِّب، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ : حينَ أُسْرِي به: "لقيتُ مُوسَى" فَنَعَتَهُ. فقالَ رَجُلٌ قالَ حسِبْتُه قال: مُضْطَرِبَ - يعني طويلًا - رَجْلَ الرأس، كأنه من رجال شَنُوءةَ. "وَلَقِيْتُ عِيْسَى". فَنَعَتَهُ رسولُ اللّه ﷺ فقال: "رَبعةٌ أحمر كأنّما خَرَجَ مِنْ دِيماسٍ" يعني: حمامًا. قال: "ورأيْتُ إبْراهِيْمَ وأنا أشْبَهُ وَلَدِهِ به" .. الحديث (٣). وقد تقدَّم غالبُ هذه الأحاديث في ترجمة الخليلِ (٤). * * * ذكر وفاته ﵇ قال البخاري في "صحيحه": (وفاة موسى ﵇. حَدَّثَنَا يحيى بن موسى، حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: أُرسِل مَلَكُ الموتِ إلى موسى ﵇ فلما جاءه صَكَّهُ (٥). فرجع إلى ربّه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور، فله بما غطّت يدُه بكلِّ شعرة سَنة. قال: أيْ رب، ثمّ ماذا؟ قال: ثمّ الموت. قال: فالآن، قال: فسأل اللهَ أن يدنيه من الأرض المقدّسة رميةٌ بِحَجر. قال أبو هريرة فقال رسول اللّه ﷺ "فَلو كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُم قَبْرَهُ إلى جَانِبِ الطَرِيْقِ عِنْدَ الكَثِيْبِ الأحْمَرِ" (٦). قال: وأخبرنا معمر، عن همّام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه.

стр. 545

وقد روى مسلم (١) الطريق الأول من حديث عبد الرزاق، به. ورواه الإمام أحمد من حديث حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة مرفوعًا، وسيأتي (٢). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا الحسن، حَدَّثَنَا ابن لَهِيْعَة، حَدَّثَنَا أبو يونس - يعني سليم بن جبير - عن أبي هريرة. قال الإمام أحمد: لم يرفعه. قال: جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال: أجب ربك. فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها. فرجَع الملك إلى الله فقال: إنك بعثتني إلى عبد لك لا يريد الموت. قال: وقد فقأ عيني. قال: فرد اللّه عينَه وقال: ارجع إلى عبدي فقل له ألحياةَ تُريد؟ فإنْ كنتَ تريدُ الحياةَ فضع يدَك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة. قال: ثمّ مَهْ؟ قال: ثمّ الموت. قال: فالآن يا ربِّ من قريب. تفرّد به أحمد (٣)، هو موقوف بهذا اللفظ. وقد رواه ابن حِبان في "صحيحه" (٤) من طريق معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال معمر: وأخبرني من سمع الحسن عن رسول اللّه، فذكره، ثمّ استشكله ابن حِبّان، وأجاب عنه بما حاصله: أن ملك الموت لما قال له هذا لم يعرفه لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى ﵇ كما جاء جبريل في صورة أعرابي، وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط في صورة شباب فلم يعرفهم إبراهيم ولا لوط أولًا، وكذلك موسى لعلّه لم يعرفه لذلك ولطمه ففقأ عينه؛ لأنه دخل داره بغير إذنه. وهذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من نظر إليك في دارك بغير إذن (٥). ثمّ أورد الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "جاءَ مَلَكُ المَوْتِ إلى مُوسَى لِيَقْبِضَ رُوحَه قال له: أجِبْ رَبَّك. فَلَطَم مُوسى عينَ مَلَكِ الموْتِ فَفَقَأَ عَيْنَه"، وذكر تمام الحديث كما أشار إليه البخاري، ثمّ تأوّله على أنه لما رفع يده ليلطمه قال له: أجب ربّك، وهذا التأويل لا يتمشّى على ما ورد به اللفظ من تعقيب قوله: أجب ربك، بلطمه ولو استمر على الجواب الأول لتمشّى له وكأنّه لم يعرفه في تلك الصورة، ولم يحمل قوله هذا على أنّه مطابق إذ لم يتحقق في الساعة الراهنة أنّه ملَك كريم؛ لأنه كان يرجو أمورًا كثيرة كان يحب وقوعها في حياته من خروجهم من التيه، ودخولهم الأرض المقدّسة، وكان قد سبق في قدر (٦) الله

стр. 546

أنّه ﵇ يموت في التيه بعد هارون أخيه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وقد زعم بعضهم أن موسى ﵇ هو الذي خرج بهم من التيه ودخل بهم الأرض المقدّسة. وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين. ومما يدلّ على ذلك قوله لما اختار الموتَ: ربّ أدنني إلى الأرض المقدّسة رميةً بحجر. ولو كان قد دخلها لم يسأل ذلك، ولكن لما كان مع قومه بالتيه وحانت وفاته ﵇ أحبّ أن يتقرّب إلى الأرض التي هاجر إليها، وحثّ قومه عليها، ولكن حال بينهم وبينها القدر رميةً بحجر، ولهذا قال سيد البشر، ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر (١): "فلو كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُم قَبْرَهُ عِنْدَ الكَثِيْبِ الأحْمرِ". وقال الإمام أحمد: حدّثنا عفان، حدّثنا حمّاد، حدّثنا ثابت وسليمان التَّيْمي، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لما أُسْرِي بي مَرَرْتُ بموسَى وهُو قائِمٌ يُصَلّي في قَبْرِهِ عِنْدَ الكَثِيْبِ الأحْمَرِ" (٢). ورواه مسلم من حديث حمّاد بن سلمة (٣)، به. وقال السدّي عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناسٍ من الصحابة قالوا: ثم إن الله تعالى أوحى إلى موسى: إني متوفٍّ هارون فائْتِ به جبل كذا وكذا. فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا هم بشجرة لم يُرَ شجرةٌ مثلها، وإذا هم ببيتٍ مبني، وإذا هم بسريرٍ عليه فرش، وإذا فيه ريحٌ طيبةٌ، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه، قال يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير، قال له موسى: فنم عليه قال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب عليّ، قال له: لا ترهب، أنا أكفيك ربَّ هذا البيت، فنم. قال: يا موسى نم معي فإن جاء ربّ هذا البيت غضب عليّ وعليك جميعًا. فلما ناما أخذ هارونَ الموتُ فلما وجدَ حسّه قال: يا موسى خدعتني. فلما قُبض رُفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير به إلى السماء، فلما رجع موسى إلى قومه وليس معه هارون قالوا: فإن موسى قتل هارون، وحسده حب بني إسرائيل له، وكان هارون أكفَّ عنهم وألينَ لهم من موسى، وكان في موسى بعضُ الغلظة عليهم، فلما بلغه ذلك قال لهم: ويحكم كان أخي أفتروني أقتله؟ فلما أكثروا عليه، قام فصلّى ركعتين ثمّ دعا اللهَ فنزل السريرُ حتى نظروا إليه بين السماء والأرض. ثمّ إن موسى ﵇ بينما هو يمشي ويوشَع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء فلما نظر إليها [يوشع] (٤) ظن أنها الساعة، فالتزم موسى وقال: تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبيّ الله، فاستل (٥) موسى ﵇

стр. 547

من تحت القميص، وترك القميص في يدي يوشع. فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا: قتلت نبي الله؟ فقال: لا والله ما قتلته ولكنه استل مني. فلم يصدّقوه وأرادوا قتله، قال: فإذا لم تصدقوني فأخّروني ثلاثة أيام، فدعا الله، فأُتي كلّ رجلٍ ممن كان يحرسه في المنام، فأُخبر أن يوشع لم يقتل موسى، وإنّا قد رفعناه إلينا، فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح (١). وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة والله أعلم. وقد قدّمنا أنه لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى سوى يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، وهو زوج مريم أخت موسى وهارون، وهما الرجلان المذكوران فيما تقدم، اللذان أشارا على ملأ بني إسرائيل بالدخول عليهم. وذكر وهب بن منبه أن موسى ﵇ مرّ بملأٍ من الملائكة يحفرون قبراً، فلم يَرَ أحسن منه، ولا أنضر، ولا أبهج، فقال: يا ملائكةَ الله لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: لعبد من عباد الله كريم، فإن كنت تحب أن تكون هذا العبد فادخل هذا القبر، وتمدد فيه، وتوجّه إلى ربك، وتنفَّس أسهل تنفسٍ، ففعل ذلك فمات صلوات الله وسلامه عليه فَصَلَّتْ عليه الملائكة ودفنوه (٢). وذكر أهل الكتاب وغيرُهم أنه مات وعمره مئة وعشرون سنةً. وقد قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا أمية بن خالد ويونس قالا: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال يونس: رفع هذأ الحديث إلى النبي ﷺ قال: "كان مَلَكُ الموتِ يأتي الناسَ عِيانًا، قال: فأتى مُوسَى ﵇، فَلَطمَهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فأتى رَبَّه فقال: يا رَبّ عَبْدُك مُوسَى فَقَأ عَيْني ولولا كَرامَتُهُ عَلَيْكَ لَعَتِبْتُ عَلَيْه (٤) ". وقال يونس: "لشققتُ عليه". قال له: "اذْهَب إلى عَبدي، فَقُلْ لَه فَلْيَضَع يَدَه على جلد (أو مسْك) ثور فَلَه بكُل شَعْرَةٍ وَارَتْ يَدُهُ سَنَةٌ، فأتاه فقال له، فقال: ما بعد هذا؟ قال: الموت. قال: فالآن. قال: فشمه شمة فَقَبَضَ رُوْحَه". قال يونس: فردّ الله عليه عينه، وكان يأتي الناس خفية. وكذا رواه ابن جرير (٥) عن أبي كريب عن مُصعب بن المقدام عن حمّاد بن سلمة، به، فرفعه أيضًا (٦).

стр. 548

ذكر نبوّة يوشع وقيامه بأعبَاء بني إسرَائيل بعد موسى وهارون ﵈ (١) هو يوشع بن نون بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈ (٢). وقد ذكره الله تعالى في القرآن غيرَ مُصَرّح باسمه في قصّة الخضرِ، كما تقدم من قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ﴾ وقدّمنا (٣) ما ثبت في الصحيح من رواية أُبي بن كعب ﵁، عن النبي ﷺ : من أنه يوشع بن نون، وهو متفق على نبوّته عند أهل الكتاب، فإن طائفة منهم -وهم السامرة- لا يقرّون بنبوّة أحدٍ بعد موسى إلا يوشع بن نون، لأنه مصرّح به في التوراة، ويكفرون بما وراءه، وهو الحق من ربّهم، فعليهم لعائن الله البالغه (٤) إلى يوم القيامة. وأما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين، عن محمد بن إسحاق من أن النبوة (٥) حُولت من موسى إلى يوشع في آخر عمر موسى، فكان موسى يلقى يوشَع فيسأله ما أحدث الله من الأوامر والنواهي حتى قال له: يا كليم الله، إني كُنت لا أسألك عما يوحي الله إليك حتى تخبرني أنت ابتداءً من تلقاء نفسك، فعند ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت (٦)، ففي هذا نظر، لأن موسى ﵇ لم يزل الأمر، والوحي، والتشريع، والكلام من الله إليه من جميع أحواله حتى توفّاه الله ، ولم يزل معزَّزًا مكرّمًا مدلَّلًا وجيهًا عند الله، كما قدّمنا في الصحيح من قصّة فقْئه عَين مَلك الموت، ثمَّ بعثه الله إليه إن كان يريد الحياة فليضع يده على جلد ثور فله بكلِّ شعرة وارَتْ يدُه سنةٌ يعيشها، قال: ثمّ ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن يا رب. وسأل الله أن يُدنيه إلى بيت المقدس رميةً بحجر، وقد أجيب إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه (٧). فهذا الذي ذكره محمد بن إسحاق إن كان إنّما يقوله من كتب أهل الكتاب، ففي كتابهم الذي يسمونه التوراة: أن الوحي لم يزل ينزل على موسى في كلّ حينٍ يحتاجون إليه إلى آخر مدّة موسى، كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبّة الزمان.

стр. 549

وقد ذكروا في السفر الثالث (١): أن الله أمر موسى وهارون أن يعدّا بني إسرائيل على أسباطهم، وأن يجعلا على كلِّ سبطٍ من الاثني عشر أميرًا -وهو النقيب- (٢) وما ذاك إلّا ليتأهبوا للقتال قتال الجبارين عند الخروج من التيه، وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنةً. ولهذا قال بعضهم: إنما فقأ موسى ﵇ عين ملَك الموت لأنه لم يعرفه في صورته تلك، ولأنه كان قد أُمر بأمر كان يرتجي وقوعه في زمانه، ولم يكن في قَدَر الله أن يقع ذلك في زمانه بل في زمان فتاه يوشع بن نون ﵇، كما أن رسول الله ﷺ كان قد أراد غزو الروم بالشام، فوصل إلى تبوك ثمَّ رجع عامه ذلك في سنة تسعٍ. ثمّ حجّ في سنة عشر، ثمّ رجع فجهَّز جيش أسامة إلى الثام طليعة بين يديه، ثمّ كان على عزم الخروج إليهم امتثالًا لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ولما جهّز رسولُ الله جيشَ أسامة توفي ﵊ وأسامة مخيِّم بالجُرْفِ (٣)، فَنَفَّذَهُ صِدِّيقُه وخليفته أبو بكر الصدّيق (٤) ﵁. ثمّ لمّا لمّ شعث جزيرة العرب، وما كان وهَى من أمر أهلها، وعاد الحقّ إلى نصابه، جهّز الجيوش يمنةً ويسرةً إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس، وإلى الشام أصحاب قيصر ملك الروم، ففتح الله لهم، ومكّن لهم وبهم، وملَّكهم نواصي أعدائهم، كما سنورده في موضعه إذا انتهينا إليه مفصّلًا إن شاء الله، بعونه وتوفيقه وحسن إرشاده. وهكذا موسى ﵇ كان الله تعالى قد أمره أن يجنّد بني إسرائيل، وأن يجعل عليهم نقباء كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وقال الله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢] يقول لهم: لئن قمتم بما أوجبت عليكم، ولم تَنْكِلُوا عن القتال كما نَكَلتم أوَّلَ مرة، لأجعلن ثواب هذه مكفّرًا لما وقع عليكم من عقاب تلك، كما قال تعالى لمن تخلَّف من الأعراب عن رسول الله ﷺ في غزوة (٥) الحديبية: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦].

стр. 550

وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل (١): ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. ثمّ ذمهم تعالى على سوء صنيعهم ونقضهم مواثيقهم، كما ذمّ مَن بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانهم. وقد ذكرنا ذلك في "التفسير" مستقصى ولله الحمد (٢). والمقصود أن الله تعالى أمر موسى ﵇ أن يكتب أسماء المقاتلة من بني إسرائيل ممن يحمل السلاح ويقاتل ممن بلغ عشرين سنة فصاعدًا، وأن يجعل على كلّ سِبطٍ نقيبًا منهم. السبط الأول: سبط روبيل (٣) لأنه بِكر يعقوب، كان عدّة المقاتلة منهم ستة وأربعين ألفًا وخمسمئة، ونقيبهم منهم وهو أليصور بن شَدَيْئُور (٤). السبط الثاني: سبط شمعون، وكانوا تسعة وخمسين ألفًا (٥)، ونقيبهم شلوميئيل بن صُوريشَدَّاي (٦). السبط الثالث: سبط يهوذا، وكانوا أربعة وسبعين ألفًا وستمئة، ونقيبهم نحشون بن عَمِّيناداب. السبط الرابع: سبط إيساخر (٧)، وكانوا أربعة وخمسين ألفًا وأربعمئة، ونقيبهم نثنائيل بن صوغر (٨). السبط (٩) الخامس: سبط يوسف ﵇، وكانوا أربعين ألفًا وخمسمئة، ونقيبهم يوشع بن نون (١٠). السبط السادس: سبط ميشا، وكانوا أحدًا (١١) وثلاثين ألفًا ومئتين ونقيبهم جمليئيل بن فدهصور (١٢). السبط السابع: سبط بنيامين، وكانوا خمسة وثلاثين ألفًا وأربعمئة ونقيبهم أبيدن بن جِدعون. السبط الثامن: سبط جاد، وكانوا خمسة وأربعين ألفًا وستمئة وخمسين رجلًا، ونقيبهم أَلياساف بن دعوئيل.

стр. 551

السبط التاسع: سبط أَشِير، وكانوا أحدًا وأربعين ألفًا وخمسمئة ونقيبهم فجعيئيل بن عُكْرَن (١). السبط العاشر: سبط دان، وكانوا اثنين وستين ألفًا وسبعمئة ونقيبهم أَخِيعَزَر ابن عَمّيشدّاي (٢). السبط الحادي عشر: سبط نفتالي وكانوا ثلاثة وعشرين (٣) ألفًا وأربعمئة ونقيبهم أخيرَع بن عينن (٤). السبط الثاني عشر: سبط زبولون (٥)، وكانوا سبعة وخمسين ألفًا وأربعمئة، ونقيبهم ألياب بن حِيلون (٦). هذا نص كتابهم الذي بأيديهم والله أعلم. وليس منهم بنو لاوي. فأمر الله موسى أن لا يعدَّهم معهم لأنّهم موكّلون بحمل قُبة الشهادة، وضربها، ونصبها، وحملها إذا ارتحلوا، وهو سبط موسى وهارون ﵉، وكانوا اثنين وعشرين ألفًا من ابن شَهْرٍ فما فوق ذلك. وهم في أنفسهم قبائل إلى كلِّ قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها، ويحفظونها، ويقومون بمصالحها، ونصبها وحملها، وهم كلّهم حولها ينز لون ويرتحلون أمامها ويمنتها وشأمتها (٧) ووراءها. وجملة ما ذكر من المقاتلة غير بني لاوي خمسمئة ألف وأحد وسبعون ألفًا وستمئة وخمسون (٨)، لكن قالوا: فكان عدد بني إسرائيل ممن عمره عشرون سنة فما فوق ذلك ممن حمل السلاح ستمئة ألف وثلاثة آلاف وخمسمئة وخمسين (٩) رجلًا سوى بني لاوي، وفي هذا نظر، فإن جميع الجمل المتقدّمة إن كانت كما وجدنا في كتابهم (١٠) لا تطابق الجملة التي ذكروها. والله أعلم. فكان بنو لاوي الموكّلون بحفظ قبّة الزمان يسيرون في وسط بني إسرائيل وهم القلب، ورأس الميمنة بنو روبيل، ورأس الميسرة بنو دان، وبنو نفتالي يكونون ساقة (١١). وقَزَر موسى ﵇ بأمر الله تعالى

стр. 552

له الكهانة في بني هارون كما كانت لأبيهم من قبلهم وهم ناداب وهو بِكره وأبيهو وألعازر ويثمر (١). والمقصود أن بني إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن دخول مدينة الجبارين الذين قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] قاله الثوري: عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقاله قتادة وعكرمة. ورواه السُّدّي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة، حتى قال ابن عباس وغيره من علماء السلف والخلف: ومات موسى وهارون قبله كلاهما في التيه جميعًا (٢). وقد زعم ابن إسحاق أن الذي فتح بيت المقدس هو موسى، وإنما كان يوشع على مقدّمته، وذكر في مروره إليها قصّة بلعام بن باعور الذي قال تعالى فيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٧] وقد ذكرنا قصته في "التفسير" (٣)، وأنّه كان فيما قاله ابن عباس وغيرُه يعلم الاسم الأعظم، وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه فامتنع عليهم، ولما ألحّوا عليه ركب حمارة له. ثمّ سار نحو معسكر بني إسرائيل، فلما أشرف عليهم ربضت به حمارته، فضربها حتى قامت، فسارت غير بعيد وربضت، فضربها ضربًا أشدّ من الأول، فقامت ثمّ ربضت، فضربها، فقالت له: يا بلعام أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردّني عن وجهي هذا! أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع عنها فضربها حتى سارت به، حتى أشرف عليهم من رأس جبل حُسْبان، ونظر إلى معسكر موسى وبني إسرائيل فأخذ يدعو عليهم، فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى وقومه ويدعو على قوم نفسه، فلاموه على ذلك، فاعتذر إليهم بأنه لا يجري على لسانه إلا هذا، واندلع لسانُه حتى وقع على صدره، وقال لقومه: ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة. ثمّ أمر قومه أن يزيّنوا النساء ويبعثوهن بالأمتعة يبعن عليهم ويتعرضن لهم، حتى لعلّهم يقعون في الزنا فإنه متى زنى رجلٌ منهم كُفيتموهم، ففعلوا وزينّوا نساءهم وبعثوهن إلى المعسكر، فمرّت امرأة منهم اسمها كُسْتَى برجل من عظماء بني إسرائيل وهو زَمري بن شَلوم، يقال: إنه كان رأس سبط بني شمعون بن يعقوب، فدخل بها قُبَّته، فلما خلا بها أرسل الله الطاعون على بني إسرائيل، فجعل يجوس (٤) فيهم، فلما بلغ الخبر إلى فنحاص بن العيزار بن هارون

стр. 553

أخذ حربته -وكانت من حديد- فدخل عليهما القُبَّةَ، فانتظمهما جميعًا فيها، ثمّ خرج بهما على الناس، والحربة في يده، وقد اعتمد على خاصرته، وأسندها إلى لحيته، ورفعهما نحو السماء، وجعل يقول: اللهم هكذا تفعل بمن يعصيك، ورُفع الطاعونُ. فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين ألفًا، والمقلِّلُ يقول: عشرون ألفا. وكان فنحاص بكر أبيه العيزار بن هارون، فلهذا يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة أليته والذراع واللحى، ولهم البكر من كلِّ أموالهم وأنفسهم. وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصّة بلعام صحيح، قد ذكره غير واحد من علماء السّلف. لكن لعلّه لما أراد موسى دخول بيت المقدس [أول مقدمه من الديار المصرية، ولعلّه مراد ابن إسحاق، ولكن ما فهمه بعض الناقلين عنه. وقد قدّمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا والله أعلم. أو لعلّ هذه قصة أخرى كانت في خلال سيرهم في التيه، فإن في هذا السياق ذكر حُسبان وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس، أو لعلّه كان هذا بجيش موسى الذين عليهم يوشع بن نون حين خرج بهم من التيه قاصدًا بيت المقدس] كما صرح به السُّدِّي. والله أعلم. وعلى كلّ تقدير فالذي عليه الجمهور أن هارون توفي بالتيه قبل موسى أخيه بنحو من سنتين. وبعده موسى في التيه أيضًا كما قدّمنا، وأنه نسأل ربّه أن يقرب إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك. فكان الذي خرج بهم من التيه، وقصد بهم بيت المقدس هو يوشع بن نون ﵇، فذكر أهل الكتاب وغيرهم من أهل التاريخ أنه قطع ببني إسرائيل نهر الأردن وانتهى إلى أريحا، وكانت من أحصن المدائن سورًا، وأعلاها قصورًا، وأكثرها أهلًا، فحاصرها ستة أشهر. ثمّ إنهم أحاطوا بها يومًا وضربوا بالقرون -يعني الأبواق- وكبّروا تكبيرةَ رجلٍ واحدٍ، فتفسّخ سورها، وسقط وجبة واحدة، فدخلوها، وأخذوا ما وجدوا فيها من المغانم، وقتلوا اثني عشر ألفًا من الرجال والنساء، وحاربوا ملوكًا كثيرةً. ويقال: إن يوشع ظهر على أحدٍ وثلاثين ملكًا من ملوك الشام. وذكروا أنه انتهى محاصرته له إلى يوم جمعةٍ بعد العصر. فلما غربت الشمس أو كادت تغرب ويدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان، قال لها: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها عليَّ، فحبسها الله عليه حتى تمكّن من فتح البلد، وأمر القمر فوقف عن الطلوع، وهذا يقتضي أن هذه الليلة كانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر. والأول، وهو قضية الشمس، مذكورة في الحديث الذي سأذكره. وأما قضية القمر فمن عند أهل الكتاب، ولا ينافي الحديث، بل فيه زيادة تستفاد فلا تُصدق ولا تُكذب، ولكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه نظر، والأشبه -والله أعلم- أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو المقصود الأعظم، وفتح أريحا كان وسيلة إليه. والله أعلم.

стр. 554

قال الإمام أحمد: حدّثنا أسود بن عامر، حدّثنا أبو بكر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الشَّمسَ لم تُحْبَسْ لِبَشرٍ إلّا لِيوشَع لَياليَ سَارَ إلى بَيْتِ المقْدِس" (١). انفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط البخاري. وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون ﵇، لا موسى، وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا كما قلنا. وفيه أن هذا كان من خصائص يوشَع ﵇، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب صلاة العصر بعد ما فاتته بسبب نوم النبي ﷺ على ركبته، فسأل رسول الله أن يردّها عليه حتى يصلّي العصر فرجعت (٢). وقد صححه أحمد بن صالح المصري (٣)، ولكنه منكر ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله. وتفرّدت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها. والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "غزا نبيٌّ مِنَ الأنبياءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لا يَتْبَعني رَجُلٌ قد مَلكَ بُضْعَ امرأةٍ وهُو يُريدُ أن يَبْنيَ بها ولَمَّا يَبْنِ، ولا آخرُ قَدْ بَنَى بنيانًا ولم يَرْفَع سُقُفَها، ولا آخرُ قَدِ اشْتَرى غنمًا أو خَلِفاتٍ (٤) وهو يَنْتَظِرُ أولادَها. فغزا فدنا منَ القَريةِ حِينَ صُلي العصر أو قريبًا من ذلكَ، فقال للشمسِ: أنتِ مأمورةٌ وأنا مأمورٌ، اللهم احْبِسْها عَلَيَّ شَيئًا، فَحُبِسَتْ عَلَيه حتّى فَتحَ اللهُ عليه، فَجَمَعُوا ما غَنِموا فاتت النارُ لتأكُلَه، فأبت أنْ تطعمَه، فَقالَ: فِيْكُم غُلُولٌ (٥) فلْيبايِعْني مِن كُلِّ قَبيلةٍ رَجُلٌ، فبايعوهُ، فلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بيدِهِ، فقالَ: فيكُمُ الغُلُولُ، ولْتُبايعني قبيلَتُكَ، فبايعَتْهُ قبيلَتُه، فلَصِقَ بيدِ رَجُلَين أو ثلاثةٍ، فقالَ: فيكُم الغُلولُ، أنتم غَللتم، فأخْرَجُوا له مثلَ رأسِ بَقَرَةٍ من ذهب، قالَ: فوضَعُوه بالمالِ وهو بالضَعِيْد، فأقبلتِ النارُ فأَكَلَتْهُ، فلم تحلَّ الغنائمُ لأحَدٍ مِنْ قَبْلنا، ذلك بأنّ الله رأى ضَعْفَنا وَعَجْزَنا فطيَّبَها لَنا". انفرد به مسلم (٦) من هذا الوجه (٧).

стр. 555

وقد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة، عن عبيد الله، عن سعيد المقْبُري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحوه (١)، قال: ورواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري (٢). قال: ورواه قتادة، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (٣). والمقصود أنّه لما دخل بهم باب المدينة أُمروا أن يدخلوها سُجَّدا، أي: ركّعا متواضعين شاكرين لله على ما مَنَّ به عليهم من الفتح العظيم الذي كان الله وعدهم إياه، وأن يقولوا حال دخولهم: حِطّة، أي: حط عنا خطايانا التي سلفت من نكولنا الذي تقدّم منا. ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ مكة يوم فتحها دخلها وهو راكب ناقَتَه، وهو متواضعٌ حامدٌ شاكرٌ حتى أن عُثنونه، وهو طرف لحيته، ليمس مورك رحله مما يطأطئ رأسَه خضعانًا لله ، ومعه الجنود والجيوش ممن لا يرى منه إلا الحدق، ولا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله ﷺ ، ثمّ لما دخلها اغتسل وصلّى ثماني ركعات، وهي صلاة الشكر على النصر على المنصور من قولي العلماء. وقيل: إنّها صلاة الضحى، وما حمل هذا القائل على قوله هذا إلا لأنها وقعت وقت الضحى. وأما بنو إسرائيل فإنهم خالفوا ما أُمروا به قولًا وفعلًا، دخلوا الباب يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حبة في شعرة، وفي رواية: حنطة في شعرة. وحاصله أنّهم بدّلوا ما أُمروا به واستهزؤوا به، كما قال الله تعالى حاكيًا عنهم في سورة الأعراف، وهي مكية: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الآيتان: ١٦١ - ١٦٢] وقال تعالى في سورة البقرة، وهي مدنية مخاطبًا (٤) لهم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الآيتان: ٥٨ - ٥٩]. وقال الثوري، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: رُكّعًا من باب صغير. رواه الحاكم وابن جرير وابن أبي حاتم. وكذا روى العوفي عن ابن عباس. وكذا روى الثوري عن ابن إسحاق عن البراء. قال مجاهد والسدي والضحاك: الباب هو باب حطة من بيت إيلياء بيت المقدس.

стр. 556

قال ابن مسعود: فدخلوا مقنعي رؤوسهم ضد ما أُمروا به. وهذا لا ينافي قول ابن عباس إنهم دخلوا يزحفون على أستاههم. وهكذا في الحديث الذي سنورده بعدُ فإنّهم دخلوا يزحفون وهم مقنعوا رؤوسهم. وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ الواو هنا حالية لا عاطفة، أي: ادخلوا سُخداً في حال قولكم حطّة. قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة والربيع: أمروا أن يستغفروا (١). قال البخاري (٢): حدّثنا محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن مَعْمر، عن همّام بنِ منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قيلَ لِبَني إسْرائيلَ: ادْخُلوا البابَ سُجَّدًا، وقُولُوا: حِطَّة، فدَخَلوا يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتَاهِهِم، فَبَدَّلُوا وقالُوا: حِطّة حَبة في شَعرة". وكذا رواه النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه (٣). ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن ابن مهدي، به موقوفًا (٤). وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن همام بن منبّه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "قالَ اللهُ لِبني إسْرائيلَ: ادْخُلوا البابَ سُجَّدا وقُولُوا حِطَّة نغفرْ لَكم خَطَاياكُم، فَبَدَّلوا فَدَخَلوا البابَ يَزْحَفُونَ على أسْتَاهِهِم، فقالوا: حَبّة في شَعرة". ورواه البخاري (٥)، ومسلم (٦)، والترمذي، من حديث عبد الرزاق، وقال الترمذي (٧): حسن صحيح. وقال محمد بن إسحاق: كان تبديلهم كما حدّثني صالح بن كَيْسان، عن صالح مولى التَّوْءَمة (٨)، عن أبي هريرة وعمَّن لا أتَّهم، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "دَخَلوا البابَ الذي أُمِرُوا أن يَدْخُلوا فيه سُجَّدًا يَزْحَفُونَ على أسْتَاهِهِم وهُم يقولُونَ: حِنْطة في شَعيرة" (٩). وقال أسباط، عن السُّدي، عن مُرة، عن ابن مسعود قال في قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ

стр. 557

الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ قال: قالوا "هطي سمقاثا ازمه مزبا" فهي في العربية: (حَبَّة حِنْطَة حَمْراء مَثْقُوبة فيها شَعْرهّ سَوْداء) (١)، وقد ذكر الله تعالى أنّه عاقبهم على هذه المخالفة بإرسال الرِّجْز الذي أنزله عليهم، وهو الطاعون، كما ثبت في "الصحيحين" من حديث الزهري عن عامر بن سعد (٢)، ومن حديث مالك عن محمد ين المنْكَدِر وسالم أبي النضر (٣)، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنَّ هذا الوَجَع (أو السّقم) رِجْزٌ عُذِّبَ بهِ بَعْضُ الأمَم قَبلَكم". وروى النسائي (٤) وابن أبي حاتم -وهذا لفظه- من حديث الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت فالوا: قال رسول الله ﷺ : "الطاعُونُ رِجْزٌ عَذابٌ عُذّبَ بهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم" (٥). وقال الضحاك عن ابن عباس: الرِّجْز: العذأب وكذا قال مجاهد، وأبو مالك، والسدي، والحسن، وقتادة. وقال أبو العالية: هو الغضب. وقال الشعبي: الرِجْز: إمّا الطاعون، وإما البرد. وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون. ولما اسقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه وبمن أظهرهم نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله إليه وهو ابن مئة وسبع وعشرين سنة، فكان مدةُ حياته بعد موسى سبعًا وعشرين سنة.

стр. 558

ذكر قصتي الخضر وإلياس ﵉ أما الخَضر فقد تقدّم أن موسى ﵇ رحل إليه في طلب ما عنده من العلم اللَّدُنّي، وقصّ الله من خبرهما في كتابه العزيز في سورة الكهف، وذكرنا في تفسير ذلك هنالك، وأوردنا هنا ذكر الحديث المصرّح بذكر الخضر ﵇ وأن الذي رحل إليه هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل ﵇ الذي أنزلت عليه التوراة. وقد اختلف في الخضر في اسمه ونسبه ونبوته وحياته إلى الآن على أقوال سأذكرها لك هاهنا، إن شاء الله وبحوله وقوته. قال الحافظ ابن عساكر: يقال: إنّه الخضر بن آدم ﵇ لصلبه. ثمّ روى من طريق الدارقُطني: حدّثنا محمد بن الفتح القَلانِسي (١)، حدّثنا العباس بن عبد الله التَّرْقُفي (٢)، حدّثنا رَوَّاد بن الجرَّاح، حدّثنا مقاتك بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عباس قال: الخضر ابن آدم لصلبه ونُسئَ له في أجله حتى يُكذّبَ الدجَّال (٣). وهذا منقطع وغريب. وقال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني: سمعت مشيختنا، منهم أبو عبيدة وغيره، قالوا: إن أطول بني آدم عمرًا الخضر، واسمه خضرون بن قابيل بن آدم. قال: وذكر ابن إسحاق: أن آدم ﵇ لما حضرته الوفاة أخبر بنيه أن الطوفان سيقع بالناس، وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في السفينة، وأن يدفنوه في مكان عيَّنه لهم (٤). فلما كان الطوفان حملوه معهم، فلما هبطوا إلى الأرض أمر نوح بنيه أن يذهبوا ببدنه فيدفنوه حيث أوصى. فقالوا: إن الأرض ليس بها أنيس وعليها وحشة (٥)، فحرّضهم وحثّهم على ذلك، وقال: إن آدم دعا لمن يلي دفْنه بطول العمر، فهابوا المسير

стр. 559

إلى ذلك الموضع في ذلك الوقت، فلم يزل جسده عندهم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه، وأنجز الله له ما وعده، فهو يحيا إلى ما شاء الله له أن يحيا (١). وذكر ابن قتيبة في (المعارف) عن وهب بن منبه أن اسم الخضر. بليا، ويقال إيليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇ (٢). وقال إسماعيل بن أبي أويس: اسم الخضر -فيما بلغنا والله أعلم- المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن لازد. وقال غيره: هو خضرون بن عميائيل بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. ويقال هو أرميا بن طبقا (٣). فالله أعلم. وقيل: إنّه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر. وهذا غريب جدًا. قال ابن الجوزي: رواه محمد بن أيوب، عن ابن لهيعة، وهما ضعيفان. وقيل: إنه ابن مالك، وهو أخو إلياس. قاله السدي كما سيأتي. وقيل: كان على مقدمة ذي القرنين. وقيل: كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه. وقيل: كان نبيًا في زمن بشتاسب بن لهراسب (٤). قال ابن جرير: والصحيح أنه كان متقدمًا في زمن أفريدون (٥) حتى أدركه موسى ﵉ (٦). وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيِّب أنه قال: الخضر أمه رومية وأبوه فارسي (٧). وقد ورد ما يدل على أنه كان من بني إسرائيل في زمان فرعون أيضًا. قال أبو زرعة في "دلائل النبوة": حدّثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدّثنا الوليد، حدّثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ أنه ليلة أُسري به وجَدَ رائحة طيبةً فقال "يا جِبْريلُ ما هذِهِ الرائِحَةُ الطَّيِّبةُ؟ قالَ: هذهِ رِيْحُ قَبْرِ الماشِطَةِ وابنتِها وزَوْجِها". قال: وكان بدء ذلك أن الخضر كان من أشراف بني إسرائيل، وكان ممره براهب في صومعته (٨)، فتطلّع عليه الراهب فعلَّمه الإسلام، فلما بلغ الخضر زوَّجه أبوه امرأة، فعلّمها الإسلام، وأخذ عليها أن لا تعلِّمه أحدًا، وكان لا يقرب النساء. لمّ طلّقها، ثمّ زوجه أبوه بأخرى، فعلّمها الإسلام، وأخذ عليها أن لا تعلِّمه أحدًا، ثمّ

стр. 560

طلّقها. فكتمت إحداهما وأفشت عليه الأخرى. فانطلق هاربًا حتى أتى جزيرةً في البحر، فأقبل رجلان يَحْتَطِبان، فرأياه، فكتم أحدهما وأفشى عليه الآخر؛ قال قد رأيت العزقيل (١): ومن رآه معك؟ قال: فلان، فسُئل فكتم، وكان من دِينهم أنه من كذب قُتِل، فقتل. وكان قد تزوج الكاتم المرأة الكاتمة. قال: فبينما هي تمشط بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تَعِس فرعون. فأخبرت أباها، وكان للمرأة ابنان وزوجٌ، فأرسل إليهم، فراوَد المرأةَ وزوجَها أن يرجعا عن دينهما، فأبيا، فقال: إني قاتلكما. فقالا: إحسان منك إلينا إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد، فجعلهما في قبر واحد. فقال: وما وجدت ريحًا أطيب منهما وقد دخلت الجنه (٢). وقد تقدمت قصة مائلة بنت فرعون. وهذا البسط في أمر الخضر قد يكون مدرجًا من كلام أُبي بن كعب أو عبد الله بن عباس، والله أعلم. وقال بعضهم: كنيته أبو العباس. والأشبه -والله أعلم- أن الخضر لقب غلب عليه. قال البخاري ﵀: حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، حدثنا ابن المبارك، عن مَعْمر، عن هَمام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنما سُمّي الخَضِر لأنه جَلَس على فَرْوَةٍ بيضاءَ فإذا هي تهْتَزُّ من خَلْفِه خَضْرَاءَ". تفرد به البخاري (٣). وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر، به (٤). ثم قال عبد الرزاق: الفَرْوة: الحشيش الأبيض وما أشبهه، يعني الهَشِيم اليابس. وقال الخطّابي: وقال أبو عُمر: الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها، وقال غيره: هو الهشيم اليابس، شَبَّهه بالفروة، ومنه قيل: فروة الرأس، وهي جلدته بما عليها من الشعر، كما قال الراعي: ولقدْ تَرى الحبَشيَّ حولَ بُيوتِنا … جَذِلًا إذا ما نالَ يومًا مأكلا (٥) صَعْلًا أصكَّ كأنّ فروةَ رأسِه … بُذِرَت فأَنبتَ جَانباهُ فُلفُلا (٦)

стр. 561

قال الخطابي: وإنما سمي الخضر خضرًا لحسنه وإشراق وجهه. قلت: وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح، فإن كان ولا بد من التعليل بأحدهما، فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى، بل لا يلتفت إلى ما عداه، وقد روى الحافظ ابن عساكر (١) هذا الحديث أيضًا من طريق إسماعيل بن حفص بن عمر الأَيْلي (٢)، حدّثنا عثمان وأبو جُرَي (٣) وهمام بن يحيى، عن قتادة، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "إنما سُمي الخَضِرُ خَضِرًا لأنَّهُ صَلّى عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فاهْتَزَّتْ خَضْراء". وهذا غريب من هذا الوجه. وقال قبيصة، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد قال: إنما سمي الخضر لأنه كان إذا صلّى اخضرّ ما حولَه (٤). وتقدم أن موسى ويوشع ﵉ لما رجَعا يقُصَّان الأثر وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر، وهو مسجًّى بثوب قد جُعل طرفاه من تحت رأسه وقدميه، فسلم عليه موسى ﵇ فكشف عن وجهه فرد وقال: أنَّى بأرضك السلام من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه عنهما. وقد دل سياق القصة على نبوته من وجوه: أحدهما: قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. الثاني: قول موسى له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٦٥ - ٧٠] فلو كان وليًا وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة، ولم يرذ على موسى هذا الردّ، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصّه الله به دونه، فلو كان غير نبي لم يكن معصومًا ولم تكن لموسى -وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة- كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة، ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عليه ولو أنه يمضي حقبًا من الزمان، قيل: ثمانين سنة، لمّ لما اجتمع به تواضع له وعظّمه واتَّبعه في صورة مستفيد منه، دلّ على أنه نبي مثله، يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خُصَّ من العلوم اللدنية (٥)

стр. 562

والأسرار النبوية بما لم يُطْلِع اللهُ عليه موسى الكليمَ نبي بني إسرائيل الكريم. وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرُّمّاني (١) على نبوة الخضر ﵇. الثالث: أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام، وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلّام. وهذا دليلٌ مستقلٌّ على نبوّته، وبرهانٌ ظاهرٌ على عصمته، لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرّد ما يلقى في خَلَده، لأن خاطره ليس بواجب العصمة؛ إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق. ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلْم علمًا منه أنه إذا بلغ يكفر ويحمل أبويه على الكفر لشدّة محبتهما له فيتابعانه عليه، ففي قتله مصلحةٌ عظيمةٌ تربو على بقاء مهجته، صيانةً لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته، دلّ ذلك على نبوته وأنه مؤيَّد من الله بعصمته. وقد رأيت الشيخ أبا الفرج بن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوّة الخضر وصحّحه، وحكى الاحتجاج عليه عن الرّمَّاني أيضًا. الرابع: أنه لما فسر الخضر تأويل الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره وجلّى قال بعد ذلك كله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] يعني ما فعلته من تلقاء نفسي، بل أُمرت به وأُوْحِي إفيَ فيه، فدلت هذه الوجوه على نبوته. ولا ينافي ذلك حصول ولايته بل ولا رسالته كما قاله آخرون. وأما كونه مَلَكًا من الملائكة، فقول غريب جدًا. وإذا ثبتت نبوته -كما ذكرناه- لم يبق لمن قال بولايته وأن الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر مستَندٌ يستندون إليه، ولا معتمدٌ يعتمدون عليه (٢). وأما الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا؛ فالجمهور على أنه باقٍ إلى اليوم. قيل: لأنه دَفَن آدم بعد خروجهم من الطوفان، فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة. وقيل: لأنه شرب من عين الحياة فحيي. وذكروا أخبارًا استشهدوا بها على بقائه إلى الآن، وسنوردها (٣) إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وهذه وصيته لموسى حين قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨].

стр. 563

رُوي في ذلك آثار منقطعة كثيرة: قال السهيلي: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدّثنا أبو عبد الله الصفّار، حدّثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا جرير، حدّثني أبو عبد الله المَلَطي (١) قال: لما أراد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى: أوصني. قال: كُنْ نفّاعًا، ولا تكن ضَرَّارًا. كن بشّاشًا، ولا تكن غضبانَ. ارجع عن اللّجاجة، ولا تمش في غير حاجة. وفي رواية من طريق أخرى زيادة: ولا تضحك إلا من عجبٍ (٢). وقال وهب بن مُنبه: قال الخضر: يا موسى إن الناس معذَّبون في الدنيا على قدر همومهم بها. وقال بشر بن الحارث الحافي: قال موسى للخضر: أوصني. فقال نشر (٣) الله عليك طاعته. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى الوَقَار (٤) إلّا أنه من الكذَّابين الكبار، قال: قرئ على عبد الله بن وهب وأنا أسمع قال الثوري: قال مجالد، قال أبو الودّاك، قال أبو سعيد الخدري: قال عمر بن الخطاب: قال قال رسول الله ﷺ : "قالَ أخي مُوْسى: يا رَبّ، ذكر كلمة، فأتاه الخَضِرُ وهو فتًى طيّبُ الرِّيحِ، حَسَنُ بياضِ الثيابِ مشمِّرُها، فقال: السلامُ عليكَ ورحمةُ الله يا موسى بن عمران، إنّ ربَّك يَقْرَأ عَلَيك السلامَ. قال موسى: هو السَّلامُ وإلَيه السَّلَامُ، والحمد للهِ رَبِّ العالمينَ الذي لا أُحْصي نِعَمَهُ ولا أقْدِرُ على أداءَ شُكْرِه إلا بمعونته. ثمّ قال موسى: أريدُ أن توصيني بوصيةٍ ينفَعُني اللهُ بها بعدَك. فقالَ الخضِر: يا طالِبَ العِلْم إنّ القائِلَ أقلُّ ملامة من المستمع، فلا تملَّ جلساءك إذا حدثتهم، واعلم أنَّ قلبك وعاءٌ فانظر ماذا تحشو به وعاءك. واغرف من الدنيا (٥)، وانبذها وراءك، فإنها لَيسَت لك بدار، ولا لك فيها محل قرار. وإنما جعلت بُلْغة (٦) للعباد والتزود منها ليوم المعاد. ورُضْ نفسك على الصبر تخلص من الإثم. يا موسى تفرَّغ للعلم إنْ كنت تريدُه، فإنما العلمُ لمن تَفَرَّغ له. ولا تكن مكثارًا للعلم (٧) مهذارًا فإن

стр. 564

كثرة المنطق تشين العلماء، وتبدي مساوئ السخفاء. ولكن عَليكَ بالاقتصادِ، فإن ذلك من التوفيق والسداد. وأعرِض عن الجهَّال وماطلهم واحلم عن السفهاء (١) فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء. إذا شتمك الجاهلُ فاسكتْ عنه حِلمًا، وجانبه حَزْمًا، فإنّ ما بقي من جهله عليك وسبِّه إياك أكثر وأعظم. يا ابن عِمْران ولا تَرى أتك أُوْتيتَ من العلم إلا قليلًا. فإن الاندلاث (٢) والتعسُّف من الاقتحام والتكلّف. يا ابن عمران لا تقتحن بابًا لا تدري ما غَلْقه، ولا تغلقن بابًا لا تدري ما فتحه. يا ابن عمران من لا ينتهي من الدنيا نَهْمَتُه، ولا تنقضي منها رغبته، ومن يحقر حاله ويتهم الله فيما قضى له كيف يكون زاهدًا؟! هل يكف عن الشهوات (٣) من غلب عليه هواه. أو ينفعه (٤) طلب العلم والجهل قد حواه، لأن سعيه إلى آخرته وهو مقبل على دنياه. يا موسى تعلّم ما تعلمت لتعملَ يه ولا تعلَّمه لتحدّث به فيكون عليك بوارُه ولغيرك نوره. يا موسى بن عمران اجعلِ الزهدَ والتقوى لباسَك، والعلمَ والذِّكْر كلامَك، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات، وزعزع بالخوف قلبك فإن ذلك يُرضى ربَّك، واعمل خيرًا فإنك لا بد عاملٌ سوءًا. قد وعظت إن حفظتَ. فال: فَتَولّى الخضر وبقي موسى محزونًا مكروبًا يبكي" (٥). لا يصح هذا الحديث. وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقَار المصري، كذّبه غر واحد من الأئمة (٦). والعجب أن الحافظ اين عساكر سَكَت عنه. وقال الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني: حدّثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، حدّثنا عمرو بن إسحاق بن إيراهيم بن العلاء الحمصي، حدّثنا محمد بن الفضل بن عمران الكِنْدي، حدّثنا بَقِيَّة بن الوليد، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الخَضِرِ؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "بينَما هُو ذاتَ يومٍ يَمشي في سُوقِ بَني إسْرائيلَ أبْصَره رَجُلٌ مُكَاتَب (٧) فقال: تَصَدَّقْ عَلَيَّ بارَكَ اللهُ فيكَ. فقالَ الخضِرُ: آمنتُ باللهِ ما شاءَ اللهُ من أمرٍ يَكُونُ، ما عندي من شيءٍ أُعْطِيكَهُ. فقالَ المسكينُ: أسألكَ بوجهِ اللهِ لَمَا تَصَدَّقْتَ علَيَّ، فإني نظرتُ إلى السماء في وجهكَ

стр. 565

ورجَوتُ البرَكَةَ عِندك. فقالَ الخضِر: آمنت باللهِ ما عِنْدي من شيء أعطيكه إلّا أنْ تأخذَنىِ فتبيعني. فقال المسكينُ: وهلْ يَستقيمُ هذا؟ قالَ: نعم. الحقَّ أقولُ لكَ، لَقَدْ سألتني بأمرٍ عظيم أمَا إني لا أُخَيّبكَ بوجه ربي، بعني. قال: فقدَّمه إلى السُّوقِ فباعه بأربع مئة درهم. فمكث عند المشتري زمانًا لا يَستَعملُه في شيء. فقال له: إنما ابتعتني التماسَ خيرٍ عندي؛ فأوصني بعملٍ. قال: أكرهُ أن أشُقَّ عليكَ إنكَ شَيخٌ كبيرٌ ضعيفٌ. قال: ليس تشق علَيَّ. قال: فانقلْ هذه الحجارةَ، وكان لا ينقلها دون ستةِ نفرٍ في يوم، فخرجَ الرجل لبعض حاجته، ثمّ انصرف وقد نقلَ الحجارة في ساعة. فقال: أحسنتَ وأجملتَ وأطقتَ ما لم أَرَكَ تُطيقه. ثمّ عرضَ للرجلِ سفرٌ فقال: إني أَحْسبك أمينًا فاخلُفني في أهلي خِلافةً حسنةً. قال: فأوصني بعملٍ. قال: إني أكره أن أشقَّ عليكَ. قال: ليس تَشُقُّ عليَّ. قال: فاضرب من اللَّبِن لبيتي حتى أقدم عليكَ. فمضى الرجْل لسفره، فرجَع وقد شُيِّد بناؤه، فقال: أسألك بوجه الله ما سبيلُكَ وما أمرك؟ فقال: سألتني بوجهِ اللهِ، والسؤالُ بوجهِ اللهِ أوقعني في العُبُودِية، سأُخبركَ مَنْ أَنَا، أنا الخضِر الذي سمعت به، سألني مسكينٌ صدقةً فلم يكن عندي من شيءً أُعطيه، فسألني بوجهِ اللهِ فأمْكَنْتُه من رَقَبَتي فباعني، وأُخبرُكَ أنه من سُئِل بوجهِ اللهِ فردَّ سائلَه وهو يقدر وقفَ يومِ القيامةِ جلْدُه لا لَحَم لَه ولا عظمَ يتقعقع (١). فقالَ الرجل: آمنتُ باللهِ، شَقَقْتُ عليكَ يا نَبيَّ اللهِ ولم أعْلَم. فقالَ: لا بأسَ، أحْسَنْتَ وأبقَيتَ. فقال الرجلُ: بأبي وأمي يا نبي اللهِ احكُم في أهلي ومالي بما أراك (٢) الله، أو أُخيّرك فأُخلي سبيلك؟ فقال: أحِبُّ أن تُخليَ سبيلي فأعْبُدَ ربي. فخلّى سبيله. فقال الخضر: الحمدُ لله الذي أوْقَعَني في العبوديةِ ثمّ نجّاني منها". وهذا حديث رفْعُه خطأ، والأشبه أن يكون موقوفًا. وفي رجاله من لا يُعْرف، فالله أعلم (٣). وقد رواه ابن الجوزي في كتابه (عُجالة المنتظِر في شرح حال الخضِر) (٤) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك (٥)، وهو متروك، عن بقية. وقد روكما الحاقظ ابن عساكر بإسناده إلى السُّدّي أن الخضو وإلياس كانا أخوين، وكان أبوهما ملِكًا، فقال إلياس لأبيه: أَن أخي الخضِر لا رغبة له في الملك فلو أنك زوجته لعل يجيء منه ولدٌ يكون المُلْكُ
следующие страницы →