← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قال الخطابي: وإنما سمي الخضر خضرًا لحسنه وإشراق وجهه. قلت: وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح، فإن كان ولا بد من التعليل بأحدهما، فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى، بل لا يلتفت إلى ما عداه، وقد روى الحافظ ابن عساكر (١) هذا الحديث أيضًا من طريق إسماعيل بن حفص بن عمر الأَيْلي (٢)، حدّثنا عثمان وأبو جُرَي (٣) وهمام بن يحيى، عن قتادة، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "إنما سُمي الخَضِرُ خَضِرًا لأنَّهُ صَلّى عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فاهْتَزَّتْ خَضْراء". وهذا غريب من هذا الوجه. وقال قبيصة، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد قال: إنما سمي الخضر لأنه كان إذا صلّى اخضرّ ما حولَه (٤). وتقدم أن موسى ويوشع ﵉ لما رجَعا يقُصَّان الأثر وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر، وهو مسجًّى بثوب قد جُعل طرفاه من تحت رأسه وقدميه، فسلم عليه موسى ﵇ فكشف عن وجهه فرد وقال: أنَّى بأرضك السلام من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه عنهما. وقد دل سياق القصة على نبوته من وجوه: أحدهما: قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. الثاني: قول موسى له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٦٥ - ٧٠] فلو كان وليًا وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة، ولم يرذ على موسى هذا الردّ، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصّه الله به دونه، فلو كان غير نبي لم يكن معصومًا ولم تكن لموسى -وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة- كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة، ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عليه ولو أنه يمضي حقبًا من الزمان، قيل: ثمانين سنة، لمّ لما اجتمع به تواضع له وعظّمه واتَّبعه في صورة مستفيد منه، دلّ على أنه نبي مثله، يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خُصَّ من العلوم اللدنية (٥)

стр. 562

والأسرار النبوية بما لم يُطْلِع اللهُ عليه موسى الكليمَ نبي بني إسرائيل الكريم. وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرُّمّاني (١) على نبوة الخضر ﵇. الثالث: أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام، وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلّام. وهذا دليلٌ مستقلٌّ على نبوّته، وبرهانٌ ظاهرٌ على عصمته، لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرّد ما يلقى في خَلَده، لأن خاطره ليس بواجب العصمة؛ إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق. ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلْم علمًا منه أنه إذا بلغ يكفر ويحمل أبويه على الكفر لشدّة محبتهما له فيتابعانه عليه، ففي قتله مصلحةٌ عظيمةٌ تربو على بقاء مهجته، صيانةً لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته، دلّ ذلك على نبوته وأنه مؤيَّد من الله بعصمته. وقد رأيت الشيخ أبا الفرج بن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوّة الخضر وصحّحه، وحكى الاحتجاج عليه عن الرّمَّاني أيضًا. الرابع: أنه لما فسر الخضر تأويل الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره وجلّى قال بعد ذلك كله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] يعني ما فعلته من تلقاء نفسي، بل أُمرت به وأُوْحِي إفيَ فيه، فدلت هذه الوجوه على نبوته. ولا ينافي ذلك حصول ولايته بل ولا رسالته كما قاله آخرون. وأما كونه مَلَكًا من الملائكة، فقول غريب جدًا. وإذا ثبتت نبوته -كما ذكرناه- لم يبق لمن قال بولايته وأن الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر مستَندٌ يستندون إليه، ولا معتمدٌ يعتمدون عليه (٢). وأما الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا؛ فالجمهور على أنه باقٍ إلى اليوم. قيل: لأنه دَفَن آدم بعد خروجهم من الطوفان، فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة. وقيل: لأنه شرب من عين الحياة فحيي. وذكروا أخبارًا استشهدوا بها على بقائه إلى الآن، وسنوردها (٣) إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وهذه وصيته لموسى حين قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨].

стр. 563

رُوي في ذلك آثار منقطعة كثيرة: قال السهيلي: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدّثنا أبو عبد الله الصفّار، حدّثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا جرير، حدّثني أبو عبد الله المَلَطي (١) قال: لما أراد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى: أوصني. قال: كُنْ نفّاعًا، ولا تكن ضَرَّارًا. كن بشّاشًا، ولا تكن غضبانَ. ارجع عن اللّجاجة، ولا تمش في غير حاجة. وفي رواية من طريق أخرى زيادة: ولا تضحك إلا من عجبٍ (٢). وقال وهب بن مُنبه: قال الخضر: يا موسى إن الناس معذَّبون في الدنيا على قدر همومهم بها. وقال بشر بن الحارث الحافي: قال موسى للخضر: أوصني. فقال نشر (٣) الله عليك طاعته. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى الوَقَار (٤) إلّا أنه من الكذَّابين الكبار، قال: قرئ على عبد الله بن وهب وأنا أسمع قال الثوري: قال مجالد، قال أبو الودّاك، قال أبو سعيد الخدري: قال عمر بن الخطاب: قال قال رسول الله ﷺ : "قالَ أخي مُوْسى: يا رَبّ، ذكر كلمة، فأتاه الخَضِرُ وهو فتًى طيّبُ الرِّيحِ، حَسَنُ بياضِ الثيابِ مشمِّرُها، فقال: السلامُ عليكَ ورحمةُ الله يا موسى بن عمران، إنّ ربَّك يَقْرَأ عَلَيك السلامَ. قال موسى: هو السَّلامُ وإلَيه السَّلَامُ، والحمد للهِ رَبِّ العالمينَ الذي لا أُحْصي نِعَمَهُ ولا أقْدِرُ على أداءَ شُكْرِه إلا بمعونته. ثمّ قال موسى: أريدُ أن توصيني بوصيةٍ ينفَعُني اللهُ بها بعدَك. فقالَ الخضِر: يا طالِبَ العِلْم إنّ القائِلَ أقلُّ ملامة من المستمع، فلا تملَّ جلساءك إذا حدثتهم، واعلم أنَّ قلبك وعاءٌ فانظر ماذا تحشو به وعاءك. واغرف من الدنيا (٥)، وانبذها وراءك، فإنها لَيسَت لك بدار، ولا لك فيها محل قرار. وإنما جعلت بُلْغة (٦) للعباد والتزود منها ليوم المعاد. ورُضْ نفسك على الصبر تخلص من الإثم. يا موسى تفرَّغ للعلم إنْ كنت تريدُه، فإنما العلمُ لمن تَفَرَّغ له. ولا تكن مكثارًا للعلم (٧) مهذارًا فإن

стр. 564

كثرة المنطق تشين العلماء، وتبدي مساوئ السخفاء. ولكن عَليكَ بالاقتصادِ، فإن ذلك من التوفيق والسداد. وأعرِض عن الجهَّال وماطلهم واحلم عن السفهاء (١) فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء. إذا شتمك الجاهلُ فاسكتْ عنه حِلمًا، وجانبه حَزْمًا، فإنّ ما بقي من جهله عليك وسبِّه إياك أكثر وأعظم. يا ابن عِمْران ولا تَرى أتك أُوْتيتَ من العلم إلا قليلًا. فإن الاندلاث (٢) والتعسُّف من الاقتحام والتكلّف. يا ابن عمران لا تقتحن بابًا لا تدري ما غَلْقه، ولا تغلقن بابًا لا تدري ما فتحه. يا ابن عمران من لا ينتهي من الدنيا نَهْمَتُه، ولا تنقضي منها رغبته، ومن يحقر حاله ويتهم الله فيما قضى له كيف يكون زاهدًا؟! هل يكف عن الشهوات (٣) من غلب عليه هواه. أو ينفعه (٤) طلب العلم والجهل قد حواه، لأن سعيه إلى آخرته وهو مقبل على دنياه. يا موسى تعلّم ما تعلمت لتعملَ يه ولا تعلَّمه لتحدّث به فيكون عليك بوارُه ولغيرك نوره. يا موسى بن عمران اجعلِ الزهدَ والتقوى لباسَك، والعلمَ والذِّكْر كلامَك، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات، وزعزع بالخوف قلبك فإن ذلك يُرضى ربَّك، واعمل خيرًا فإنك لا بد عاملٌ سوءًا. قد وعظت إن حفظتَ. فال: فَتَولّى الخضر وبقي موسى محزونًا مكروبًا يبكي" (٥). لا يصح هذا الحديث. وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقَار المصري، كذّبه غر واحد من الأئمة (٦). والعجب أن الحافظ اين عساكر سَكَت عنه. وقال الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني: حدّثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، حدّثنا عمرو بن إسحاق بن إيراهيم بن العلاء الحمصي، حدّثنا محمد بن الفضل بن عمران الكِنْدي، حدّثنا بَقِيَّة بن الوليد، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الخَضِرِ؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "بينَما هُو ذاتَ يومٍ يَمشي في سُوقِ بَني إسْرائيلَ أبْصَره رَجُلٌ مُكَاتَب (٧) فقال: تَصَدَّقْ عَلَيَّ بارَكَ اللهُ فيكَ. فقالَ الخضِرُ: آمنتُ باللهِ ما شاءَ اللهُ من أمرٍ يَكُونُ، ما عندي من شيءٍ أُعْطِيكَهُ. فقالَ المسكينُ: أسألكَ بوجهِ اللهِ لَمَا تَصَدَّقْتَ علَيَّ، فإني نظرتُ إلى السماء في وجهكَ

стр. 565

ورجَوتُ البرَكَةَ عِندك. فقالَ الخضِر: آمنت باللهِ ما عِنْدي من شيء أعطيكه إلّا أنْ تأخذَنىِ فتبيعني. فقال المسكينُ: وهلْ يَستقيمُ هذا؟ قالَ: نعم. الحقَّ أقولُ لكَ، لَقَدْ سألتني بأمرٍ عظيم أمَا إني لا أُخَيّبكَ بوجه ربي، بعني. قال: فقدَّمه إلى السُّوقِ فباعه بأربع مئة درهم. فمكث عند المشتري زمانًا لا يَستَعملُه في شيء. فقال له: إنما ابتعتني التماسَ خيرٍ عندي؛ فأوصني بعملٍ. قال: أكرهُ أن أشُقَّ عليكَ إنكَ شَيخٌ كبيرٌ ضعيفٌ. قال: ليس تشق علَيَّ. قال: فانقلْ هذه الحجارةَ، وكان لا ينقلها دون ستةِ نفرٍ في يوم، فخرجَ الرجل لبعض حاجته، ثمّ انصرف وقد نقلَ الحجارة في ساعة. فقال: أحسنتَ وأجملتَ وأطقتَ ما لم أَرَكَ تُطيقه. ثمّ عرضَ للرجلِ سفرٌ فقال: إني أَحْسبك أمينًا فاخلُفني في أهلي خِلافةً حسنةً. قال: فأوصني بعملٍ. قال: إني أكره أن أشقَّ عليكَ. قال: ليس تَشُقُّ عليَّ. قال: فاضرب من اللَّبِن لبيتي حتى أقدم عليكَ. فمضى الرجْل لسفره، فرجَع وقد شُيِّد بناؤه، فقال: أسألك بوجه الله ما سبيلُكَ وما أمرك؟ فقال: سألتني بوجهِ اللهِ، والسؤالُ بوجهِ اللهِ أوقعني في العُبُودِية، سأُخبركَ مَنْ أَنَا، أنا الخضِر الذي سمعت به، سألني مسكينٌ صدقةً فلم يكن عندي من شيءً أُعطيه، فسألني بوجهِ اللهِ فأمْكَنْتُه من رَقَبَتي فباعني، وأُخبرُكَ أنه من سُئِل بوجهِ اللهِ فردَّ سائلَه وهو يقدر وقفَ يومِ القيامةِ جلْدُه لا لَحَم لَه ولا عظمَ يتقعقع (١). فقالَ الرجل: آمنتُ باللهِ، شَقَقْتُ عليكَ يا نَبيَّ اللهِ ولم أعْلَم. فقالَ: لا بأسَ، أحْسَنْتَ وأبقَيتَ. فقال الرجلُ: بأبي وأمي يا نبي اللهِ احكُم في أهلي ومالي بما أراك (٢) الله، أو أُخيّرك فأُخلي سبيلك؟ فقال: أحِبُّ أن تُخليَ سبيلي فأعْبُدَ ربي. فخلّى سبيله. فقال الخضر: الحمدُ لله الذي أوْقَعَني في العبوديةِ ثمّ نجّاني منها". وهذا حديث رفْعُه خطأ، والأشبه أن يكون موقوفًا. وفي رجاله من لا يُعْرف، فالله أعلم (٣). وقد رواه ابن الجوزي في كتابه (عُجالة المنتظِر في شرح حال الخضِر) (٤) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك (٥)، وهو متروك، عن بقية. وقد روكما الحاقظ ابن عساكر بإسناده إلى السُّدّي أن الخضو وإلياس كانا أخوين، وكان أبوهما ملِكًا، فقال إلياس لأبيه: أَن أخي الخضِر لا رغبة له في الملك فلو أنك زوجته لعل يجيء منه ولدٌ يكون المُلْكُ

стр. 566

له، فزوَّجه أبوه بامرأةٍ حسناء بكر، فقال لها الخضر: إنه لا حاجة لي في النساء، فإن شئتِ أطلقتُ سراحَك، وإن شئتِ أقمتِ معي تعبدين الله وتكتمين عليَّ سِرِّي. فقالت: نَعَم، وأقامت معه سنةً. فلما مضت السنة دعاها الملكُ فقال: إنك شابة وابني شاب فأين الولد؟ فقالت: إنما الولد من عند الله، إن شاءَ كانَ وإن لم يشأ لم يكن. فأمره أبوه فطلّقها وزوَّجه بأخرى ثَيِّبًا قد وُلد لها، فلما زُفَّت إليه قال لها كما قال للتي قَبْلَها، فأجابت إلى الإقامة عندَه. فلما مضت السنة سألها الملكُ عن الولد، فقالت: إن ابنَك لا حاجة له بالنساء. فتطلبه أبوه، فهربَ، فأرسل وراءه فلم يقدروا عليه. فيقال: إنه قتل المرأة الثانية لكونها أفشت سرَّه فهرب من أجل ذلك، وأطلق سراح الأُخرى فأقامت تعبدُ الله في بعض نواحي تلك المدينة، فمرّ بها رَجُل يومًا فسمعته يقول: بسم الله، فقالت له: أنَّى لك هذا الاسم؟ فقال: إني من أصحاب الخضِر، فتزوجته فولدت له أولادًا (١). ثم صار (٢) من أمرها أن صارت ماشِطةَ بنتِ فِرعون، فبينما هي يومًا تمشطها إذ وقع المشط من يدها فقالت: بسم الله. فقالت ابنة فرعون: أبي؟ فقالت: لا، ربي وربّك وربّ أبيك، الله. فأعلمت أباها، فأمر ببقرة من نحاس، فأُحميت، ثمّ أمر بها فأُلقيت فيها، فلما عاينت ذلك تقاعست أن تقع فيها، فقال لها ابنٌ معها صغير: يا أماه اصبري فإنك على الحق، فألقت نفسها في النار فماتت (٣) رحمها الله. وقد روى ابن عساكر، عن أبي داود الأعمى نُفيع -وهو كذاب وضاع (٤) - عن أنس بن مالك. ومن طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف -وهو كذاب أيضًا- (٥) عن أبيه عن جدّه: أن الخضر جاء ليلة، فسمع النبيُّ ﷺ كلامه (٦) وهو يدعو ويقول: اللهم أعني على ما ينجّيني مما خوَّفتني، وارزقني شوقَ الصالحين إلى ما شوَّقْتَهم إليه، فبعث إليه رسول الله ﷺ أنس بن مالك فسلم عليه، فرد ﵇ وقال: قل له: إن الله فضَّلك على الأنبياء كما فضَّل شهرَ رمضان على سائر الشهور، وفضّل أُمتك على

стр. 567

الأمم كما فضّل يوم الجمعة على غيره (١). الحديث -وهو مكذوب- لا يصح لا سندًا ولا متنًا، لا يتمثَّل بين يدي رسول الله ﷺ ويجيء بنفسه مسلّمًا ومتعلِّمًا وهم يذكرون في حكاياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم أن الخضر يأتي إليهم، ويسلّم عليهم، ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالّهم، وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران كليم الله الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على مَن سواه حتى يتعرف إليه بأنه موسى بني إسرائيل. وقد قال الحافظ أبو الحسين بن المنادي، بعد إيراده حديث أنس هذا: وأهل الحديث متفقون على أنه حديثٌ منكر الإسناد سقيم المتن يتبين فيه أثر الصنعة. فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي (٢) قائلًا: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر ابن بالويه، حدّثنا محمد بن بشر بن مطر، حدّثنا كامل بن طلحة، حدّثنا عباد بن عبد الصمد، عن أنس ابن مالك قال: لما قُبض رسول الله ﷺ أحدق به أصحابه فبكوا حولَه واجتمعوا، فدخل رجلٌ أشْهَب اللجة جسيمٌ صبيح، فتخطّى رقابَهم، فبكى ثمّ التفت إلى أصحاب رسول الله ﷺ فقال: إن في الله عَزاءً من كلِّ مصيبةٍ، وعِوَضًا من كلِّ فائت، وخَلَفًا من كلِّ هالك، فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء، فانظروا فإن المصاب من لم يُجْبَر، وانصرف. فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ فقال أبو بكر وعلي: نعم هذا أخو رسول الله ﷺ الخضر ﵇. وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن كامل بن طلحة، به، وفي متنه مخالفة لسياق البيهقي، ثم قال البيهقي: عباد بن عبد الصمد ضعيفٌ، وهذا منكر بمرة. قلت: عباد بن عبد الصمد هذا هو أبو معمر البصري، روى عن أنس نسخه؛ قال ابن حِبان (٣)،

стр. 568

والعقيلي (١): أكثرها موضوع. وقال البخاري (٢): منكر الحديث. وقال أبو حاتم (٣): ضعيف الحديث جدًا منكره. وقال ابن عدي (٤): عامّة ما يرويه في فضائل علي، وهو ضعيف غالٍ في التشيع. وقال الشافعي في "مسنده" (٥): أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه علي بن الحسين قال: لما توفي رسولُ الله ﷺ وجاءت التعزيهّ سمعوا قائلًا يقول: إن في الله عزاءً من كلّ مصيبهّ، وخلَفًا من كل هالك، ودرَكًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حُرِمَ الثواب. قال علي بن الحسين: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر. شيخ الشافعي القاسم العمري متروك؛ قال أحمد بن حنبل (٦) ويحيى بن معين (٧): يكذب. زاد أحمد: ويضع الحّديث. ثمّ هو مرسل، ومثله لا يعتمد عليه هاهنا، والله أعلم. وقد روي من وجه آخر ضعيف عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه، عن علي. ولا يصح، وقد روى عبد الله بن وهب عمن حدّثه، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن المنكدر أن عمر بن الخطاب بينما هو يصلي على جنازة إذ سمع هاتفًا وهو يقول: لا تسيقنا يرحمك الله، فانتظره حتى لحق بالصف، فذكر دعاءه للميت: إنْ تعذبه فكثيرًا عصاك، وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك. ولما دُفن قال: طوبى لك يا صاحبَ القبر إن لم تكن عريفًا أو جابيًا أو خازنًا أو كاتبًا أو شرطيًا، فقال عمر: خذوا الرجل نسأله عن صَلاته وكلامه عمَّن هو. قال: فتوارى عنهم، فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع. فقال عُمر: هذا -والله- الخضر الذي حدّثنا عنه رسول الله ﷺ (٨). وهذا الأثر فيه متهم، وفيه انقطاع، ولا يصح مثله. وروى الحافظ ابن عساكر عن الثوري، عن عبد الله بن مُحَرَّر، عن يزيد بن الأصم، عن علي بن اْبي طالب قال: دخلت الطوافَ في بعض الليل، فإذا أنا برجل متعلقٍ بأستار الكعبة وهو يقول: يا من

стр. 569

لا يمنعه سَمْع من سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ويا من لا يبرمه إلحاح الملحّين، ولا مسألة السائلين، ارزقني بَرْدَ عفوك، وحلاوة رحمتك. قال: فقلت: أعِد عليَّ ما قلت. فقال لي: أو سمعتَه؟ قلت: نعم. فقال لي: والذي نفس الخضر بيده -قال: وكان هو الخضر- لا يقولها عبدٌ خلفَ صلاة مكتوبة إلا غَفَر الله له ذنوبه. ولو كانت مثل زبد البحر، وورق الشجر، وعدد النجوم، لغفرها الله له. وهذا ضعيف من جهة عبد الله بن المحَرَّر فإنه متروك الحديث (١). ويزيد بن الأصم لم يدرك عليًا، ومثل هذا لا يصح. والله أعلم. وقد رواه أبو إسماعيل الترمذي حدّثنا مالك بن إسماعيل، حدّثنا صالح بن أبي الأسود، عن محفوظ ابن عبد الله الحَضْرَمي، عن محمد بن يحيى قال: بينما علي بن أبي طالب يطوف بالكعبة إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا يغلطه السائلون، ويا من لا يتبرَّم بإلحاح الملحِّين، أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك قال: فقال له علي: يا عبد الله أعِد دعاءك هذا. قال: وقد سمعتَه؟ قال: نعم. قال: فادع به في دُبر كلِّ صلاة، فوالذي نفس الخضر بيده لو كان عليك من الذنوب عددُ نجوم السماء ومطرها، وحصباء الأرض وترابها، لغفر لك أسرع من طرفة عين (٢). وهذا أيضًا منقطع وفي إسناده من لا يُعرف، والله أعلم. وقد أورده ابن الجوزي من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا، حدّثنا يعقوب بن يوسف، حدّثنا مالك بن إسماعيل، فذكر نحوه، ثمّ قال: وهذا إسنادٌ مجهولٌ منقطعٌ، وليس فيه ما يدل على أن الرجل الخضر. وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أخبرنا أبو القاسم بن الحصين، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد، أخبرنا أبو إسحاق المُزَكِّي (٣)، حدّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدّثنا محمد بن أحمد بن يزيد أملَّهُ (٤) علينا بعبَّادان، أخبرنا عمرو بن عاصم، حدّثنا الحسن بن رَزِيْن (٥)، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس قال -ولا أعلمه إلا مرفوعًا إلى النبي ﷺ - قال: يلتقي الخضرُ وإلياس كلّ عام في الموسم، فيحلق كلُّ واحد منهما رأس صاحبه، ويَتَفَرَّقان عن هؤلاء الكلمات: بسمِ اللهِ، ما شاء الله،

стр. 570

لا يسوق الخيرَ إلا الله، ما شاء الله، لا يَصْرفُ السوء إلا الله، ما شاء الله، ما كان من نِعمة فمن الله، ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: وقال ابن عباس: من قالهنَّ حين يُصبح وحين يُمسي ثلاث مرات آمَنَه اللهُ من الغَرق والحرق والسَّرَق. قال: وأحسبه قال: ومن الشيطان والسُّلطان والحية والعقرب (١). قال الدارقطني في "الأفراد": هذا حديث غريب من حديث ابن جُريج لم يُحدِّث به غير هذا الشيخ عنه، يعني الحسن بن رَزِين هذا. وقد روى عنه محمد بن كثير العبدي أيضًا، ومع هذا قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي (٢): ليس بالمعروف. وقال الحافظ أبو جعفر العقيلي (٣): مجهول وحديثه غير محفوظ. وقال أبو الحُسين (٤) ابن المنادي: هو حديث واهٍ بالحسن بن رَزِين. وقد روى ابن عساكر نحوه (٥) من طريق علي بن الحسن الجهضمي -وهو كذاب- عن ضَمرة بن حبيب المقدسي، عن أبيه، عن العلاء بن زياد القُشَيْري، عن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب مرفوعًا قال: يجتمع كلَّ يوم عَرَفة بعرفات جِبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر … وذكر حديثًا طويلًا موضوعًا تركنا إيراده قصدًا، ولله الحمد. وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد، عن الحسن بن يحيى الخُشَنِي، عن ابن أبي رَوّاد قال: إلياس والخضِر يصومان شهرَ رمضان في بيت المقدس، ويحجان في كلِّ سنة، ويشربان من ماء زمزم شَربةً واحدةً تكفيهما إلى مثلها من قابل (٦). وروى ابن عساكر أن الوليد بن عبد الملك بن مروان باني جامع دمشق أحبَّ أن يتعبَّدَ ليلة في المسجد، فأمر القُوَمَة (٧) أن يخلوه له، ففعلوا، فلما كان من الليل جاء من باب الساعات فدخل الجامع فإذا رجل قائم يصلي فيما بينه وبين باب الخضراء، فقال للقُوَمة: ألم آمركم أن تخلوه؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين هذا الخضِر يجيء كلِّ ليلة يصلي هاهنا. وقال ابن عساكر أيضًا: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد، أخبرنا أبو بكر بن الطبري، أخبرنا

стр. 571

أبو الحسين بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدّثنا يعقوب -وهو ابن سفيان الفَسَوي- حدّثني محمد بن عبد العزيز، حدّثنا ضَمْرة (١)، عن السري بن يحيى، عن رياح بن عَبيدة قال: رأيتُ رجلًا يماشي عمر بن عبد العزيز معتمدًا على يديه، فقلت في نفسي: إن هذا الرجل جاف، قال (٢): فلما انصرف من الصلاة قلت: مَن الرجل الذي كان معتمدًا على يدك آنفًا؟ قال: وهل رأيته يا رياح؟ قلت: نعم. قال: ما أحسبك إلا رجلًا صالحًا، ذاك أخي الخضِر بشّرني أني سألي وأعدل (٣). قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي (٤): الرَّملي مجروح عند العلماء (٥). وقد قدح أبو الحسين بن المنادي في ضمرة، والسري، ورياح (٦). ثمّ أورد من طرق أُخر عن عمر بن عبد العزيز أنه اجتمع بالخضر، وضعَّفها كلَّها (٧). وروى ابن عساكر أيضًا أنه اجتمع بإبراهيم التيمي، وبسفيان بن عُيينة وجماعة يطول ذكرهم (٨). وهذه الروايات والحكايات هي عُمدة مَن ذهب إلى حياته إلى اليوم، وكُلٌّ من الأحاديث المرفوعة ضعيفة

стр. 572

جدًا لا يقوم بمثلها حجة في الدين، والحكايات لا يخلو أكثرها عن ضعف في الإسناد. وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره لأنه يجوز عليه الخطأ. والله أعلم. وقال (١) عبد الرزاق أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهْري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة أن أبا سعيد قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثًا طويلًا عن الدجَّال، وقال فيما يحدثنا: يأتي الدجّال وهو مُحَرَّم عليه أن يدخل تقاب المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجلٌ هو خير الناس أو من خيرهم، فيقول: أشهدُ أنك أنت الدجّال الذي حدّثنا عنك رسول الله ﷺ بحديثه. فيقول الدجّال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكّون في الأمر؟ فيقولون: لا. فيقتله ثم يُحييه، فيقول حين يحيا: والله ما كنتُ أشدَّ بصيرة فيك مني الآن. قال: فيريد قتله الثانية فلا يُسلَّط عليه. قال مَعْمَر: بلغني أنه يجعل على حلقه صفيحة نحاس. وبلغني أنه الخضر الذي يقتله الدجّال ثمّ يُحييه. وهذا الحديث مخرج في "الصحيحين" من حديث الزُّهري، به (٢). وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سُفيان الفقيه الراوي عن مسلم: الصحيح أن يقال: إن هذا الرجل الخضر. وقول معمر وغيره: "بلغني"، ليس فيه حجة. وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث: فيأتي بشابٍ ممتلئ شبابًا فيقتله، وقوله: "الذي حدّثنا عنه رسول الله ﷺ " لا يقتضي المشافهةَ، بل يكفي التواتر. وقد تصدَّى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في كتابه (عُجالة المنتظِر في شرح حال الخضِر) للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات، فبيَّن أنها موضوعات، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم، فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها وجهالة رجالها، وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد. وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات، ومنهم البخاري، وإبراهيم الحربي، وأبو الحسين بن المنادي، والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي؛ وقد انتصر لذلك وصنَّف فيه كتابًا سماه (عجالة المنتظِر في شرح حال الخضر)، فيحتج لهم بأشياء كثيرة. منها قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] فالخضر إن كان بشرًا فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح. والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله. ومنها أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]

стр. 573

قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤمِنُنَّ به وينصرنه. ذكره البخاري عته، فالخضر إن كان نبيًا أو وليًا، فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًا في زمان رسول الله ﷺ لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه، لأنه إن كان وليًا فالصِّدِّيق أفضلُ منه، وأَن كان نبيًا فموسى أفضلُ منه. وقد روى الإمام أحمد في (مسنده): حدّثنا شُريح بن النعمان، حدّثتا هُشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نَفْسِىِ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كانَ حَيًّا ما وَسِعَه إلّا أنْ يَتَّبِعَني" (١). وهذا الذي يُقطع يه، ويُعلم من الدين علم الضرورة. وقد دلّت عليه هذه الآية الكريمة أن الأنبياء كلّهم لو فرض أنهم أحياء مكلّفون في زمن رسول الله ﷺ لكانوا كلّهم أتباعًا له وتحت أوامره وفي عموم شرعه، كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لمّا اجتمع معهم ليلة الإسراء رُفع فوقهم كلّهم، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة، أمره جبريل عن أمر الله أن يَؤُمَّهم، فصلّى بهم في محلِّ ولايتهم، ودار إقامتهم، فدلّ على أنه الإمام الأعظم، والرسول الخاتم المبجَّل، المقدَّم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. فإذا عُلم هذا، وهو معلوم عند كلِّ مؤمن، علم أنه لو كان الخضِر حيًا لكان من جملة أمة محمد ﷺ وممن يقتدي بشرعه، لا يسعه إلّا ذلك. هذا عيسى بن مريم ﵇ إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة لا يخرج منها ولا يحيد عنها، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين، وخاتم أنبياء بني إسرائيل، والمعلوم أن الخضِر لم يُنقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه أنه اجتمع برسول الله ﷺ في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالًا في مشهد من المشاهد، وهذا يوم بدر يقول الصَّادِق المصدوقُ فيما دعا به لربه ، واستنصره، واستفتحه على من كفره: "اللهمَّ إنْ تهلِكْ هذهِ العِصَابةُ لا تُعْبَدُ بَعْدَها في الأرْضِ" (٢) وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ وسادة الملائكة، حتى جبريل ﵇ كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال: إنه أفخر بيت قالته العرب: [من الكامل] وبئرُ بدْرٍ إذْ يردّ وُجوهَهم … جِبْريلُ تحتَ لِوائِنا ومحمدُ (٣) فلو كان الخضر حيًا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته، وأعظم غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفرّاء الحنبلي: سئل بعض أصحابنا عن الخضِر هل ماتَ؟ فقال: نعم. قال: وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن الغباري، قال: وكان يحتج بأنه لو كان حيًا لجاء إلى رسول الله ﷺ . نقله ابن الجوزي في "العُجالة".

стр. 574

فإن قيل: فهلا يقال: إنه كان حاضرًا في هذه المواطن كلّها ولكن لم يكن أحدٌ يراه؟ فالجواب: أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرّد التوهُّمات. ثمّ ما الحامل له على هذا الاختفاء، وظهوره أعظم لأجره، وأعلى في مرتبته، وأظهر لمعجزته. ثمّ لو كان باقيًا بعده لكان تبليغه عن رسول الله ﷺ الأحاديث النبوية، والآيات القرآنية، وإنكاره لِمَا وقع من الأحاديث المكذوبة، والروايات المقلوبة، والآراء البدعية، والأهواء العصبية، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم، وشهوده جمعهم وجماعاتهم، ونفعه إياهم ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم، وتسديده العلماء والحكام، وتقديره الأدلة والأحكام أفضل ما يقال عنه من كونه في الأمصار، وجَوْبه الفيافي والأقطار. واجتماعه بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم، وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم. وهذا الذي ذكرناه لا يتوقّف أحد فيه بعد التفهيم، والله يهدي من يَشاء إلى صراط مستقيم. ومن ذلك ما ثبت في (الصحيحين) وغيرهما عن عبد الله بن عُمر، أن رسول الله ﷺ صلَّى ليلةً العِشاءَ ثم قال: "أرأيْتُم لَيْلَتَكُم هذ فإنَّهُ إلى مِئة سَنَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُو عَلَى وَجْهِ الأرْضِ اليَوْمَ أَحَدٌ" (١). وفي رواية: "عَيْنٌ تَطرفُ". قال ابن عمر: فَوَهَلَ (٢) الناس في مقالة رسول الله ﷺ هذه، وإنما أراد انخرام قرنه. قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا عبد الرزاق (٤)، أنبأنا مَعمر، عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمةَ أن عبد الله بن عمر قال: صلّى رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلّم قام فقال: "أرأيْتُم لَيلتكم هذهِ فإنَّ علَى رأسِ مِئة سَنَةٍ لا يَبْقَى ممن على ظهر الأرض أحدٌ". وأخرجه البخاري (٥)، ومُسلم (٦) من حديث الزهري. وقال الإمام أحمد (٧): حدّثنا محمد بن أبي عدي، عن سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ قبل موته بقليل أو بشهر: "ما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، أو ما مِنْكُم مِنْ نَفْسٍ اليومَ مَنْفُوسَةٍ يأتي عَلَيها مئة سَنَةٍ وهيَ يَوْمَئذٍ حَيَّة".

стр. 575

وقال أحمد (١): حدّثنا موسى بن داود، حدّثنا ابن لَهِيْعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال قبل أن يموت بشهر: "تَسْأَلونَني عَنِ السَّاعَةِ وَإنّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ. أُقْسِمُ باللهِ ما عَلَى الأرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ اليومَ يأتي عَلَيْها مئة سَنَةٍ". وهكذا رواه مسلم (٢) من طريق أبي نَضرة وأبي الزبير كلٌّ منهما عن جابر بن عبد الله، به (٣) نحوه. وقال الترمذي (٤): حدّثنا هنّاد، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان (٥)، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما على الأرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يأتي عَلَيها مئة سَنَةٍ". وهذا أيضًا على شرط مسلم (٦). قال ابن الجوزي: فهذه الأحاديث الصِّحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر ﵇. قالوا: فالخَضِر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله ﷺ كما هو المظنون الذي يترقى في القوة إلى القطع، فلا إشكال، وإن كان قد أدرك زمانه، فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعده مئة سنة، فيكون الآن مفقودًا لا موجودًا، لأنه داخل في هذا العموم، والأصل عدم المخصِّص له حتى يثبت بدليل صحيح يجب قبوله. والله أعلم. وقد حكى الحافظ أبو القاسم السُّهيلي في كتابه "التعريف والإعلام" (٧) عن البخاري، وشيخه أبي بكر بن العربي أنه أدرك حياة النبي ﷺ ولكن مات بعده لهذا الحديث، وفي كون البخاري ﵀ يقول بهذا، وأنه بقي إلى زمان النبي ﷺ نظر. ورجَّح السهيلي بقاءه، وحكاه عن الأكثرين. قال: وأما اجتماعه مع النبي ﷺ وتعزيته لأهل البيت بعدَه، فمروي من طُرق صِحاح (٨). ثمّ ذكر ما تقدّم مما ضعَّفناه، ولم يورد أسانيدها. والله أعلم.

стр. 576

وَأمّا إلياس ﵇ فقال الله تعالى بعد قصة موسى وهارون من سورة الصافات ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الآيات: ١٢٣ - ١٣٢]. قال علماء النسب: هو إلياس بن تشبين. ويقال: ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون. وقيل: إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران. قالوا: وكان إرساله إلى أهل بعلَبَك غربي دمشق، فدعاهم إلى النْه ، وأن يتركوا عبادة صَنَم لهم كانوا يسمونَه: بَعلا (١). وقيل: كانت امرأة اسمها: بعل (٢)، والأول أصح. ولهذا قال لهم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ١٣﴾ فكذّبوه، وخالفوه، وأرادوا قتله، فيقال: إنه هرب منهم، واختفى عنهم. قال أبو يعقوب الأذرعي، عن يزيد بن عبد الصمد، عن هشام بن عمار قال: وسمعت من يذكر عن كعب الأحبار أنه قال: إن إلياس اختفى من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم (٣) عشر سنين حتى أهلَكَ اللهُ الملِكَ وولّى غيرَه، فأتاه إلياس، فعرض عليه الإسلام، فأسلم وأسلم من قومه خلقٌ عظيم غير عشرة آلاف منهم، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم (٤). وقال ابن أبي الدنيا: حدّثني أبو محمد القاسم بن هاشم، حدّثنا عمر بن سعيد الدمشقي، حدّثنا سعيد بن عبد العزيز، عن بعض مشيخة دمشق قال: أقام إلياس ﵇ هاربًا من قومه في كهف جبل عشرين ليلة، أو قال أربعين ليلة، تأتيه الغربان برزقه (٥). وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه قال: أول نبي بُعث إدريس، ثمّ نوح، ثمّ إبراهيم، ثمّ إسماعيل وإسحاق، ثمّ يعقوب، ثمّ يوسف، ثمّ لوط، ثمّ

стр. 577

هود، ثمّ صالح، ثمّ شعيب، ثمّ موسى وهارون ابنا عمران، ثمّ إلياس بن تشبين بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، هكذا قال (١). وفي هذا الترتب نظر. وقال مكحول، عن كعب: أربعة أنبياء أحياء، اثنان في الأرض: إلياس والخضر، واثنان في السماء: إدريس وعيسى (٢). وقد قدّمنا قول من ذكر أن إلياس والخضر يجتمعان في كلِّ عام في شهر رمضان في بيت المقدس، وأنّهما يحجّان كلّ سنة، ويشربان من زمزم شَربة تكفيهما إلى مثلها من العام المقبل. وأوردنا الحديث الذي فيه أنهما يجتمعان بعرفات كلّ سنة، وبيَّنا أنه لم يصح شيء من ذلك، وأن الذى يقوم عليه الدليل أن الخضر ماتَ، وكذلك إلياس ﵉. وما ذكره وهب بن منته وغيره أنه لما دعا ربه أن يقبضه إليه لما كذبوه وآذوه، فجاءته دابة لونُها لون النار، فركبها وجعل الله له ريشًا وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وصار ملكيًا بشريًا سماويًا أرضيًا، وأوصى إلى اليسع بن أخطوب (٣) ففي هذا نظر، وهو من الإسرائيليات التي لا تُصدّق ولا تكذب، بل الظاهر أن صحتها بعيدة. والله أعلم. فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أيو عبد الله الحافظ، حدّثني أبو العباس أحمد بن سعيد المَعْداني (٤) ببخارى، حدّثنا عبد الله بن محمود، حدّثنا عبدان بن سنان، حدّثني أحمد بن عبد الله البَرْقي، حدّثنا يزيد بن يزيد البلوي، حدّثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله ﷺ فى سفر، فنزلنا منزلًا، فإذا رجلٌ في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمّة محمد ﷺ المرحومة المغفورة المتاب لها. قال: فأشرفت على الوادي فإذا رجلٌ طوله أكثر من ثلاثمئة ذراع، فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ . قال: فأين هو؟ قلت: هو ذا يسمع كلامَك. قال: فأته فأقرئه السلامَ، وقل له: أخوك إلياس يُقرئك السلامَ. قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فجاء حتى لقيه فعانقه وسلّم، ثمّ قعدا يتحادثان، فقال له: يا رسول الله إني ما آكل في سنة إلا يومًا وهدّا يوم فطري، فآكل أنا وأنت. قال: فنزلتْ عليهما مائدةٌ

стр. 578

من السماء عليها خبزٌ وحوت وكَرَفس (١)، فأكلا وأطعماني وصلَّيا (٢) العصر، ثم ودَّعه. ورأيته مرّ في السحاب نحو السماء. فقد كفانا البيهقي أمره وقال: هذا حديث ضعيف بمرَّة، والعجب أن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري أخرجه في "مستدركه" (٣) على الصحيحين، وهذا مما يُستدرك به على "المستدرك" فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه. ومعناه لا يصح أيضًا، فقد تقدم في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَم طُوْلُه سِتُّون ذراعًا في السماء" إلى أن قال: "ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الخلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ" (٤) وفيه أنه لم يأت إلى رسول الله ﷺ حتى كان هو الذي ذهب إليه. وهذا لا يصح، لأنه كان أحق بالسعي إلى بين يدي خاتم الأنبياء. وفيه أنه يأكل في السنة مرة، وقد تقدم عن وهب أنه سلبه الله لذة المطعم والمشرب، وفيما تقدم عن بعضهم أنه يشرب من زمزم كلّ سَنةٍ شربةً تكفيه إلى مثلها من الحول الآخر. وهذه أشياء متعارضة، وكلّها باطلة لا يصح شيءٌ منها. وقد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق آخر، واعترف بضعفها، وهذا عجب منه كيف تكلّم عليه، فإنه أورده من طريق حسن بن عَرفة، عن هانئ بن الحسن، عن بقية، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، فذكر نحو هذا مطولًا (٥)، وفيه أن ذلك كان في غزوة تبوك وأنه بعث إليه رسول الله ﷺ أنس بن مالك وحذيفة بن اليمان، قالا: فإذا هو أعلى جسمًا منا بذراعين أو ثلاثة، واعتذر بعدم قدومه لئلا تنفر الإبل، وفيه أنه لما اجتمع به رسول الله ﷺ أكلا من طعام الجنَّة وقال: إن لي في كلِّ أربعين يومًا أكلةً، وفي المائدة خبز ورمان وعنب وموز ورُطَب وبقل ما عدا الكُرَّاث، وفيه أن رسول الله ﷺ سأله عن الخضر فقال: عهدي به عام أول، وقال لي: إنك ستلقاه قبلي، فأقرئه مني السلام (٦). وهذا يدلّ على أن الخضر وإلياس بتقدير وجودهما، وصحّة هذا الحديث لم يجتمعا به إلى سنة تسعٍ من الهجرة، وهذا لا يسوغ شرعًا، وهذا موضوع أيضًا. وقد أورد ابن عساكر طرقًا فيمن اجتمع بإلياس من العباد (٧)، وكلّها لا يُفرَح بها، إمّا لضعف إسنادها أو لجهالة المسند إليه فيها. ومن أحسنها ما قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثني بشر بن مُعاذ، حدّثنا حماد بن واقد، عن ثابت قال: كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة، فدخلت حائطًا أصلي فيه

стр. 579

ركعتين، فافتتحت: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ١ - ٣]. فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباءَ، عليه مقطعات يمنية، فقال لي: إذا قلت: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ فقل: يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي. وإذا قلت: ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ فقل: يا قابل التوب تقبل توبتي. وإذا قلت: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني. وإذا قلت: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فقل: يا ذا الطول تطوّل عليّ برحمةٍ، فالتفتُّ فإذا لا أحد، وخرجت فسألت: مرَّ بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية؟ فقالوا: ما مرَّ بنا أحد، فكانوا لا يرون إلا أنه إلياس (١). وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: للعذاب، إما في الدنيا والآخرة أو في الآخرة، والأوّل أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون. وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا من آمن منهم. وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا بعده ذِكرًا حسنًا له في العالمين، فلا يذكر إلا بخير، ولهذا قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: سلام على إلياس، والعرب تلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها، كما قالوا: إسماعيل وإسماعين، إسرائيل وإسرائين، وإلياس وإلياسين. ومن قرأ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ (٢) أي على آل محمد، وقرأ ابن مسعود وغيره: (سَلامٌ على إدراسِين) ونقل عنه من طريق إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال: إلياس هو إدريس. وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم، وحكاه قتادة ومحمد بن إسحاق، والصحيح أنه غيره كما تقدم. والله أعلم.

стр. 580

باب ذكر (١) جَماعَة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى ﵇ ثم نتبعهم بذكر داود وسليمان ﵉. قال ابن جرير في "تاريخه": لا خلافَ بينَ أهلِ العلم بأخبار الماضين وأمور السالفين من أمتنا وغيرهم أن القيِّم (٢) بأمور بني إسرائيل بعد يوشع كان كالب بن يوفنا (٣) -يعني أحد أصحاب موسى ﵇ وهو زوج أخته مريم، وهو أحد الرجلين اللذين ممن يخافون الله، وهما يوشع وكالب، وهما القائلان لبني إسرائيل حين نكلوا عن الجهاد: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة ٢٣] قال ابن جرير (٤): ثمّ من بعده كان القائم بأمور بني إسرائيل حِزْقيل بن بوذي، وهو الذي دعا الله فأحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. * * * قصة حزقيل قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٣]. قال محمد بن إسحاق عن وهب بن مُنَبّه: إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله إليه بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حِزقيل بن بوذي، وهو ابن العجوز، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكرهم الله في كتابه -فيما بلغنا- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال ابن إسحاق: فروا من الوباء، فنزلوا بصعيد من الأرض ففال لهم الله: موتوا، فماتوا جميعًا، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع فمضت عليهم دهور طويلة، فمر بهم حزقيل ﵇ فوقف عليهم متفكرًا، فقيل له: أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر؟ فقال: نعم. فأُمِر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي لحمًا، وأَن يتصل العصبُ بعضه ببعض، فناداهم عن أمر الله له بذلك، فقام القوم أجمعون وكبّروا تكبيرة رجلٍ واحدٍ (٥).

стр. 581

وقال أسباط، عن السدّي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ قالوا: كانت قرية يقال لها: دَاوَرْن (١) قِبَل واسط وقَع بها الطاعون فهرب عامة أهلها، فنزلوا ناحية منها، فهلك من بقى في القرية وسَلِم الآخرون فلم يمت منهم كثير، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذيت بقوا: أصحابُنا هؤلاء كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا بقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم. فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفًا، حتى نزلوا ذلك المكان، وهو واد أفيَح (٢)، فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخرُ من أعلاه: أن موتوا، فماتوا حتى إذا هلكوا، وبقيت أجسادهم مرَّ بهم نبي يقال له: حِزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكّر فيهم ويلوي شدقيه وأصابعه، فأوحى الله إليه: تريد أن أُريك كيف أحييهم؟ قال: نعم. وإنما كان تفكره من قدرة الله عليهم. فقيل له: نادِ، فنادى يا أيتها العظام إن الله لأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادًا من عظام، ثمّ أوحى الله إليه أن نادِ: يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحمًا، فاكتست لحمًا ودمًا، وثيابها التي ماتت فيها. ثم قيل له: ناد، فنادى: أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي، فقاموا. قال أسباط: فزعم منصور عن مجاهد أنّهم قالوا حين أُحيوا: سبحانك اللهم ويحمدك لا إله إلا أنت، فرجعوا إلى قومهم أحياء يُعرفون أنهم كانوا موتى، سَحْنَةً (٣) الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوبًا إلا عاد كفنًا وسخًا (٤) حتى ماتوا بآجالهم التي كُتبت لهم (٥). وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف. وعنه: ثمانية آلاف. وعن أبي صالح: تسعة آلاف. وعن أبن عباس أيضًا: كانوا أربعين ألفًا. وعن سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذْرِعات (٦). وقال ابن جريج عن عطاء: هذا مَثَل، يعني أنه سيق مثلًا مبينًا أنه. "لن يغنى حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ" (٧)، وقول الجمهور أقوى إن هذا وقع (٨).

стр. 582

وقد روى الإمام أحمد، وصاحبا "الصحيح" من طريق الزُّهري (١)، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بسَرْع (٢) لقِيَه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. فذكر الحديث، يعني في مشاورته المهاجرين والأنصار، فاختلفوا عليه، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، -وكان متغيّبًا ببعض حاجته- فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كانَ بأرْضٍ وأنْتُم بها فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنْه، وإذا سَمِعْتُم بهِ بأرضٍ فلا تَقْدموا عَلَيه" فحمِدَ اللهَ عمرُ ثم انصرف. وقال الإمام (٣): حدّثنا حجاج ويزيد المعنى (٤) قالا: حدثنا ابن أبي ذِئْب (٥)، عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عُمر وهو في الشام (٦) عن النبي ﷺ : "إنّ هذا السقمَ عُذِّبَ بهِ الأُمَمُ قَبْلَكُم، فإذا سَمِعْتُم بهِ في أرْضٍ فلا تَدْخُلُوها، وإذا وَقَع بأرْضٍ وأنْتُم بها فَلَا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنه". قال: فرجع عمر من الشام. وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري، بنحو (٧). قال محمد بن إسحاق، ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل، ثمّ إن الله قبضه إليه، فلما قُبض نسي بنو إسرائيل عهد الله إليهم، وعظمت فيهم الأحداث، وعبدوا الأوثان، وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يسمونه بعلًا، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران. قلت: لم يذكر ابن عساكر ترجمة حزقيل في "تاريخه" (٨) وقد قدّمنا قصة إلياس تبعًا لقصَّة الخضر لأنهما يُقرنان في الذكر غالبًا، ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصّافات، فتعجلنا قصته لذلك. والله أعلم. قال محمد بن إسحاق فيما ذُكر له عن وهب بن منبه قال: ثمّ تنبأ فيهم بعد إلياس وصيُّه اليسع بن أخطوب ﵇.

стр. 583

وهذه قصّة اليسع ﵇ وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سورة الأنعام [الآية: ٨٦] في قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. وقال تعالى في سورة ص: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [الآية: ٤٨]. قال إسحاق بن بشر أبو حذيفة: أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: كان بعد إلياس اليسع ﵉، فمكث ما شاء الله أن يمكث، يدعوهم إلى الله مستمسكًا بمنهاج إلياس وشريعته، حتى قبضه الله إليه، ثمّ خلف فيهم الخلُوف، وعظمت فيهم الأحداث والخطايا، وكثرت الجبابرة، وقتلوا الأنبياء، وكان فيهم ملك جبار (١) عنيدٌ طاغ. ويقال: إنه الذي تكفّل له ذو الكفل إن هو تاب ورجع دخل الجنة، فسُمّي: ذا الكِفل. قال محمد بن إسحاق: هو اليسع بن أخطوب. وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في حرف الياء من "تاريخه": اليسع وهو الأسباط بن عدي بن شوتلم بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. ويقال: هو ابن عم إلياس النبي ﵉. ويقال: كان مستخفيًا معه بجبل قاسيون من ملك بَعْلَبَك، ثم ذهب معه إليها، فلما رُفع إلياس خلفه اليسع في قومه، وتنبَّاه (٢) الله بعده. ذكر ذلك عبد المنعم بن إدريس (٣) عن أبيه عن وهب بن منبه. قال: وقال غيره: وكان الأسباط (٤) ببانياس. ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ (اليسع) بالتخفيف وبالتشديد، ومن قرأ (واللَّيْسَعَ) (٥) وهو اسم واحد لنبي من الأنبياء. قلت: وقد قدمنا قصة ذي الكفل بعد قصة أيوب ﵉، لأنه قد قيل: إنه ابن أيوب. فالله أعلم. فصْلٌ قال ابن جرير (٦) وغيره: ثم مرج أمر بني إسرائيل، وعظمت منهم الخطوب والخطايا، وقتلوا من

стр. 584

قتلوا من الأنبياء، وسلَّط الله عليهم بدل الأنبياء ملوكًا جبّارين يظلمونهم ويسفكون دماءهم، وسلّط الله عليهم الأعداء من غيرهم أيضًا، وكانوا إذا قاتلوا أحدأمن الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان في قُبة الزمان -كما تقدم ذِكره- فكانوا ينصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السكينة، والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، فلما كان في بعض حروبهم مع أهل غزّة وعسقلان غلبوهم عليه وقهروهم على أخذه، فانتزعوه من أيديهم. فلما علم بذلك مَلِك بني إسرائيل في ذلك الزمان مالت عنقُه فمات كمدًا، وبقي بنو إسرائيل كالغنم بلا راعٍ حتى بعث الله فيهم نبيًا من الأنبياء يقال له: شمويل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكًا ليقاتلوا معه الأعداء، فكان من أمرهم ما سنذكره مما قصَّ الله في كتابه. قال ابن جرير: فكان بين وفاة يوشع بن نون إلى أن بعث الله شمويل بن بالي أربعمئة سنة وستون سنة. ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك الذين ملكوا عليهم وسماهم واحدًا واحدًا (١)، تركنا ذِكرهم قصدًا.

стр. 585

قصّة شمويل ﵇ وفيها بدء أمر داود ﵇ (١) هو شمويل، ويقال له: أشمويل بن بالي بن علقمة بن حام (٢) بن اليهو بن تهو بن صوف (٣) بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا. قال مقاتل: وهو من ورثه (٤) هارون. وقال مجاهد: هو أشمويل بن هلفاقا (٥) ولم يرفع في نسبه أكثر من هذا، فالله أعلم. حكى السُّدِّي (٦) بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة، والثعلبي، وغيرهم: أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بني إسرائيل، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وسبوا من أبنائهم جمعًا كثيرًا، وانقطعت النبوّة من سبط لاوي، ولم يبق فيهم إلا امرأة حُبلى، فجعلت تدعو الله أن يرزقها ولدًا ذكرًا، فولدت غلامًا، فسمَّته أشمويل (٧)، ومعناه بالعبرانية: إسماعيل، أي سمع الله دعائي. فلما ترعرع بعثته إلى المسجد، وأسلمته عند رجل صالح فيه يكون عنده ليتعلم من خيره وعبادته، فكان عنده. فلما بلغ أشد (٨) بينما هو ليلة نائم إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد فانتبه مذعورًا، فظنه الشيخَ يدعوه، فسأله أدعوتني؟ فكره أن يُفزعه، فقال: نعم نَمْ، فنامَ. ثمّ ناداه الثانية فكذلك، ثمّ الثالثة (٩) فإذا جبريل يدعوه فجاءه فقال: إن ربك قد بعثك إلى قومك. فكان من أمره معهم ما قصَّ الله في كتابه. قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا

стр. 586

مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٦ - ٢٥١]. قال أكثر المفسرين: كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل. وقيل: شمعون. وقيل: هما واحد. وقيل: يوشع، وهذا بعيد، لما ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير في "تاريخه" (١) أن بين موت يوشع وبعثة شمويل أربعمئة سنة وستين سنة. فالله أعلم. والمقصود: أن هؤلاء القوم لمّا أنهكتهم الحروب، وقهرهم الأعداء، سألوا نبيَّ الله في ذلك الزمان، وطلبوا منه أن ينصِّب لهم ملكًا يكونون تحت طاعته ليقاتلوا من ورائه، ومعه وبين يديه الأعداء، فقال لهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: وأيُّ شيءً يمنعنا من القتال ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾، يقولون: نحن محروبون موتورون (٢)، فحقيق لنا أن نقاتل عن أبنائنا المنهورين (٣) المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. كما ذكر في آخر القصة أنه لم يجاوز النهرَ مع الملك إلا القليل، والباقون رجعوا ونكلوا عن القتال. ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. قال الثعْلَبي: وهو طالوت بن قيش بن

стр. 587

أبيال بن ضرار (١) بن لحوب بن أفيح بن أريش بن بنيامين (٢) بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. قال عكرمة والسدي: كان سقَّاءً. وقال وهب بن منبه: كان دبَّاغًا. وقيل غير ذلك (٣)، فالله أعلم. ولهذا ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾. وقد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوي، وأن الملك كان في سبط يهوذا، فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه وطعنوا في إمارته عليهم، وقالوا: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ وذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه، فكيف يكون مثل هذا ملكًا؟!. ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. قيل: كان الله قد أوحى إلى شمويل أن أيّ بني إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا، وإذا حضر عندك يفور هذا القرن الذي فيه من دهن القدس فهو ملكهم، فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا، فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت، ولما حضر عند شمويل فار ذلك القرن فدهنه منه، وعيَّنه للملك (٤) عليهم، وقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾ قيل: في أمر الحروب، وقيل: بل مطلقًا ﴿وَالْجِسْمِ﴾ قيل: الطول. وقيل: الجمال. والظاهر من السياق أنه كان أجملهم، وأعلمهم بعد نبيهم ﵇ ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فله الحكم وله الخلق والأمر ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وهذا أيضًا من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويُمْنِهِ عليهم أن يردَّ اللهُ عليهم التابوتَ الذي كان سُلب منهم وقَهرهم الأعداءُ عليه، وقد كانوا يُنصرون على أعدائهم بسببه ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قيل: طست من ذهب كان يُغْسَل فيه صدور الأنبياء. وقيل: السكينةُ (٥) مثل الريح الخَجُوج (٦). وقيل: صورتها مثل الهرة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر. ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْ﴾ قيل: كان فيه رُضَاض (٧) الألواح وشيء من المنِّ

стр. 588

الذي كان نزل عليهم بالتيه (١) ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: تأتيكم به الملائكة يحملونه وأنتم ترون ذلك عيانًا ليكون آيةً لله عليكم وحُجةً باهرةً على صدق ما أقوله لكم وعلى صحّة ولاية هذا الملِك الصالح عليكم، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقيل: إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت وكان فيه ما ذكر عن السكينة والبقية المباركة. وقيل: كان فيه التوراة أيضًا، فلما استقر في أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم، فلما أصبحوا إذا التايوت على رأس الصنم، فوضعوه تحته، فلما كان اليوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم، فلما تكرر هذا علموا أن هذا أمر من الله تعالى، فأخرجوه من بلدهم وجعلوه في قرية عن قرأهم، فأخذهم داء في رقابهم، فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة وربطوها في بقرتين وأرسلوهما؟ فيقال: إن الملائكة ساقتهما (٢) حتى جاؤوا بهما ملأ بني إسرائيل وهم ينظرون كما أخبرهم نبيهم بذلك، فالله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة. والظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم (٣) عن الآية، والله أعلم. وإن كان الأول قد ذكره كثير عن المفسرين أو أكثرهم (٤). ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ قال ابن عباس، وكثير من المفسرين (٥): هذا النهر هو نهر الأردن، وهو المسمى بالشريعة (٦)، فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله له عن أمر الله له اختبارًا وامتحانًا أنّ من شَرِب عن هذا النهر اليوم فلا يصحبْني في هذه الغزوة، ولا يصحبني إلا مَن لم يَطْعمْه إلا غرفة في يده. قال الله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. قال السدّي: كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب منه ستةٌ وسبعونَ ألفًا، وتبقّى معه أربعة آلاف. كذا قال (٧). وقد روى البخاري في "صحيحه" عن حديث إسرائيل، وزهير، والثوري، عن أبي إسحاق، عن البَراء بن عازب قال: كنا -أصحابَ مُحمد ﷺ - نتحدث أنَّ عِدَّة أصحاب بدرٍ على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا بضعةَ عشرَ وثلاثمئة مؤمن (٨).

стр. 589

وقول السدّي إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفًا، فيه نظر، لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفًا. والله أعلم (١). قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي: استقلّوا أنفسَهم واستضعفُوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة إلى قلّتهم وكثرة عدد عدوهم. ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني بها: الفرسان منهم (٢). والفرسان أهل الإيمان والإيقان الصابرون على الجِلَاد (٣) والجدال والطِّعان. ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ طلبوا من الله أن يُفرغ عليهم الصبرَ، أي: يغمُرُهم به من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق، وأن يثبِّت أقدامهم في مجال الحرب ومعترك الأبطال وحَومة الوغى، والدعاء إلى النِّزال، فسألوا التثبّت الظاهرَ والباطنَ، وأن يُنزل عليهم النصر على أعدائهم، وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه، فأجابهم العظيم الفدير السميع البصير الحكيم الخبير إلى ما سألوا، وأنالهم ما إليه فيه رغبوا، ولهذا قال: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بحول الله لا بحولهم، وبقوة الله ونصره لا بقوتهم وعددهم مع كثرة أعدائهم وكمال عددهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ فيه دلالة على شجاعة داود ﵇، وأنه قتله قتلًا أَذَلّ به جُنْدَهُ وكسره، ولا أعظم من غزوة يُقتَل مَلِكُ عدوّها فَيُغْنَمُ بسبب ذلك الأموال الجزيلة، ويُؤسَر الشجعان والأقران (٤)، وتعلو كلمة الإيمان على الأوثان، ويُدالُ أولياء الله على أعدائه، ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه. وقد ذكر السُّدّي فيما يرويه أن داود ﵇ كان أصغر أولاد أبيه، وكانوا ثلاثة عشر ذكرًا، وكان سمع طالوتَ ملك بني إسرائيل وهو يُحرّض بني إسرائيل على قتل جالوت وجنوده وهو يقول: من قتل جالوت زَوّجْتُه بابنتي، وأشركته في ملكي، وكان داود ﵇ يرمى بالقَذَّافة، وهو المقلاع، رميًا عظيمًا، فبينا هو سائر مع بني إسرائيل إذ ناداه حَجَر أن خُذني فإنّ بي تَقْتل جالوتَ، فأخذه. ثم حجر آخر كذلك، ثم آخر كذلك. فأخذ الثلاثة في مِخْلاته. فلما تواجه الصفّان برز جالوتُ ودعا إلى نفسه، فتقَّدم

стр. 590

إليه داود، فقال له: ارجع فإني أكره قتلَك. فقال: لكني أُحب قتلك، وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضَعها في القَذَّافة، ثمّ أدارها فصارت الثلاثة حجرًا واحدًا، ثمّ رمى بها جالوتَ ففلق رأسَه وفرَّ جيشُه منهزمًا، فوفى له طالوت بما وعدَه، فزوَّجه ابنته، وأجرى حكمه في ملكه، وعظُم داودُ ﵇ عند بني إسرائيل، وأحبوه ومالوا إليه أكثر من طالوت. فذكروا أن طالوت حَسَده وأراد قتله، واحتال على ذلك فلم يصل إليه. وجعل العلماءُ ينهون طالوتَ عن قتل داود، فتسلّط عليهم، فقتلهم حتى لم يبق منهم إلا القليلُ. ثمّ حصل له توبةٌ وندم وإقلاع عما سلف منه، وجعل يُكثر من البكاء ويخرج إلى الجبَّانة فيبكي حتى يبلَّ الثرى بدموعه، فنودي ذاتَ يوم من الجبانة: أن يا طالوت قَتَلتنا، ونحن أحياء، وآذيتنا، ونحن أموات، فازداد لذلك بكاؤه وخوفه، واشتد وجله، ثمّ جعل يسأل عن عالم يسأله عن أمره وهل له من توبة، فقيل له: وهل أبقيت عالمًا؟! حتى دُل على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به إلى قبر يوشَع ﵇. قالوا: فدعتِ الله، فقام يوشع من قبره فقال: أقامتِ القيامة؟ فقالت: لا، ولكن هذا طالوت يسألك هل له من توبة؟ فقال: نعم. ينخلع من الملك، ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يُقتل. ثمّ عاد مَيْتًا. فترك الملكَ لداود ﵇، وذهب ومعه ثلاثةَ عشرَ من أولاده، فقاتلوا في سبيل الله حتى قُتلوا. قالوا: فذلك قوله: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾. هكذا ذكره ابن جرير في "تاريخه" (١) من طريق السدّي بإسناده. وفي بعض ذلك (٢) نظر ونكارة والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: النبي الذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب. حكاه ابن جرير (٣) أيضًا. وذكر الثعلبي أنها أتت به إلى قبر أشمويل فعاتبه على ما صنع بعده من الأمور. وهذا أنسب. ولعلّه إنما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حيًا، فإن هذا إنما يكون معجزةً لنبي، وتلك المرأة لم تكن نبيَّةً. والله أعلم. قال ابن جرير (٤): وزعم أهل التوراة أن مدّة ملك طالوت إلى أن قُتل مع أولاده كانت (٥) أربعين سنةً. فالله أعلم.

стр. 591

قصّة داود ﵇ وَمَا كان في أيامه وذكر فضائِله (١) وَشمائِله وَدَلائل نبوّته وأعلامه هو داود بن إيشا بن عويد بن باغز (٢) بن سلمون بن نحشون بن عميناداب (٣) بن إرم بن حضرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس. قال محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبّه: كان داود ﵇ قصيرًا، أزرق العينين، قليل الشعر، طاهر القلب نقيه (٤). تقدم أنه لما قتل جالوت، وكان قتله له، فيما ذكر ابن عساكر (٥)، عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصُّفَّر (٦) فأحبته بنو إسرائيل، ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم، فكان من أمر طالوت ما كان، وصار الملك إلى داود ﵇، وجمع الله له بين الملك والنبوة، بين خير الدنيا والآخرة، وكان الملك يكون في سبط، والنبوة في آخر، فاجتمع في داود هذا وهذا كما قال تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: لولا إقامة الملوك حكَّامًا على الناس لأكل قويُّ الناسِ ضعيفَهم. ولهذا جاء في بعض الآثار: السلطان ظلّ الله في أرضه (٧). وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وقد ذكر ابن جرير في "تاريخه" أن جالوت لما بارز طالوت فقال له: اخرج إلي وأخرج إليك، فندب طالوت الناس فانتدب داود فقَتل جالوت. قال وهب بن مُنبّه: فمال الناس إلى داود حتى لم يكن لطالوت ذكر، وخلعوا طالوت، وولوا عليهم داود (٨).

стр. 592

وقيل: إن ذلك كان عن أمر شمويل، حتى قال بعضهم: إنه ولّاه قبل الوقعة. قال ابن جرير: والذي عليه الجمهور أنه إنما ولي ذلك بعد قتل جالوت والله أعلم (١). وروى ابن عساكر، عن سعيد بن عبد العزيز أن قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم، وأن النهر الذي هناك هو المذكور في الآية. فالله أعلم. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠ - ١١]. وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٧٩ - ٨٠]. أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصّن المقاتلة من الأعداء، وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها فقال: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: لا تُدِقَّ المسمارَ فيقلق (٢) ولا تُغلظه فيفصم. قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة (٣). قال الحسن البصري، وقتادة، والأعمش: كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة. قال قتادة: فكان أول من عمل الدروع من زرد، وإنما كانت قبل ذلك من صفائح. قال ابن شوذب: كان يعمل كلّ يومٍ درعًا يبمِعها بستة آلاف درهم. وقد ثبت في الحديث أن أَطْيَبَ ما أكل الرجل من كسبه، وأن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده (٤). وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ١٧ - ٢٠]. قال ابن عباس ومجاهد: الأيد: القوة في الطاعة، يعني كان ذا قوة في العبادة والعمل الصالح. قال قتادة: أُعطي قوةً في العبادة، وفقهاً في الإسلام. قال: وقد ذُكر لنا أنه كان يقوم الليل، ويصوم نصفَ الدهر. وقد ثبت في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ قال: "أَحَبُّ الصَّلاةِ إلى اللهِ صَلَاةُ دَاودَ وأَحَبُّ الصِّيامِ

стр. 593

إلى اللهِ صِيَامُ دَاودَ، كان ينام نصفَ الليل، ويقوم ثُلُثه. وينامُ سُدُسَه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفِرُّ إذا لاقى" (١). وقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾، كما قال: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ أي: سبّحي معه. قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ أي: عند آخر النهار وأوّله، وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحدًا، بحيث إنه كان إذا ترنَّم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يُرجِّع بترجيعه ويسبح بتسبيحه، وكذلك الجبال تجيبه وتُسبِّح معه كلما سبَّح بُكرَةً وعَشِيًا، صلوات الله وسلامه عليه. وقال الأَوزاعي (٢): حدّثني عبد الله بن عامر قال: أُعطي داود من حسن الصوت ما لم يُعْطَ أحدٌ قَطّ، حتى أن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشًا وجوعًا، وحتى أن الأنهار لتقف. وفال وهب بن منبه: كان لا يسمعه أحد إلا حَجَل (٣) كهيئة الرقص، وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله، فيعكف الجن والإنس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعًا. وقال أبو عوانة الإسفراييني: حدّثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدّثنا محمد بن منصور الطوسي، سمعت صبيحًا أنبأنا براد (٤). (ح) قال أبو عوانة: وحدّثني أبو العباس المدني، حدّثنا محمد بن صالح العدوي، حدّثنا سيَّار -هو ابن حاتم- عن جعفر، عن مالك قال: كان داود ﵇ إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى. وهذا غريب. وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج: سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال: وما بأس بذلك، سمعت عبيد بن عُمير يقول: كان داود ﵇ يأخذ المِعزَفة فيضرب بها فيقرأ عليها، فترد عليه صوته. يريد بذلك أن يبكي وتبكي (٥).

стр. 594

وقال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا مَعْمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال: "لقد أُوْتي أبو مُوسَى مِنْ مَزَامِيْر آل داود" (١). وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه. وقال أحمد (٢): حدّثنا حسن (٣)، حدّثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لقد أُعْطي أَبو مُوْسَى مِن مَزامِيْرِ داود". على شرط مسلم. وقد روينا عن أبي عثمان النهدي (٤) أنه فال: لقد سمعت البَرْبَط (٥) والمزمار، فما سمعت صوتًا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري. وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابه الزبور كما قال الإمام أحمد (٦): حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خُفّفَ عَلَى داود القِراءةُ فَكَانَ يأْمُرُ بِدَابَّتِهِ فَتُسْرَج، فَكَانَ يَقْرَأُ القُرآنَ مِن قَبْل أَنْ تُسْرَجَ دَابَّتُهُ، وَكَانَ لا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ". وكذلك رواه البخاري (٧) منفردًا به عن عبد الله بن محمد عن عبد الرزاق، به. ولفظه: "خُفّف عَلَى داودَ القرآنُ فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّه فَتُسْرَج فَيَقْرَأُ القرآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّه وَلَا يَأْكُلُ إلّا مِنْ عَمَل يديه (٨) ". ثم قال البخاري: ورواه موسى بن عقبة، عن صفوان -هو ابن سليم- عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ في "تاريخه" من طرق عن إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة. ومن طريق أبي عاصم، عن أبي بكر السبري، عن صفوان بن سليم، به (٩). والمراد بالقرآن هاهنا الزبور الذي أنزله عليه وأوحاه إليه. وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظًا، فإنه كان ملكًا له أتباع، فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تُسرج الدواب، وهذا أمر سريع مع التدبُّر والترنُّم والتغني

стр. 595

به على وجه التخشع، صلوات الله وسلامه عليه. وقد قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] والزبور كتاب مشهور، وذكرنا في "التفسير" الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان، وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه. وقوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ أي: أعطيناه ملْكًا عظيمًا وحُكمًا نافذًا. روى ابن جرير (١)، وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلين تداعيا إلى داود ﵇ في بقر ادَّعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه، فأنكر المدَّعى عليه، فأرجأ أمرهما إلى الليل، فلما كان الليل أوحى الله إليه أن يَقتل المدَّعي، فلما أصبح قال له داود: إن الله تعالى قد أوحى إلي أن أقتلك، فأنا قاتلك لا محالة، فما خبرك فيما ادعيته على هذا؟ قال: والله يا نبي الله إني لَمحق فيما ادعيت عليه، ولكني كنت اغتلت أباه قبل هذا. فأمر به داود فقُتل، فعظم أمرُ داود في بني إسرائيل جدًا، وخضعوا له خضوعًا عظيمًا، قال ابن عباس وهو قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوة، ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، قال شريح والشعبي وقتادة وأبو عبد الرحمن السُّلَمي وغيرهم: فصل الخطاب: الشهود والأيمان، يعنون بذلك البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر (٢). وقال مجاهد والسّدي: هو إصابة القضاء وفهمه (٣). وقال مجاهد: هو الفصل في الكلام وفي الحكم. اختاره ابن جرير (٤) وهذا لا ينافي ما رُوي عن أبي موسى أنه قول: أما بعد. وقال وهب بن منبه: لما كثر الشر وشهادات الزور في بني إسرائيل أُعطي داود سلسلة لفصل القضاء، فكانت ممدودة من السماء إلى صخرة بيت المقدس، وكانت من ذهب، فإذا تشاجر الرجلان في حق فأيهما كان محقًا نالها، والآخر لا يصل إليها، فلم تزل كذلك حتى أودع رجلٌ رجلًا لؤلؤة فجحدها منه، واتخذ عكازًا وأودعها فيه، فلما حضر عند الصخرة تناولها المدعي، فلما قيل للآخر: خُذها بيدك عمد إلى العكاز فأعطاه المدعي وفيه تلك اللؤلؤة وقال: اللهم إنك تعلم أني دفعتها إليه، ثمّ تناول السلسلة فنالها، فأشكل أمرها على بني إسرائيل. ثمّ رفعت سريعًا من بينهم. ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين. وقد رواه إسحاق بن بشر، عن إدريس بن سنان، عن وهب، به، بمعناه. ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا

стр. 596

وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٣ - ٢٥]. قد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصاً وأخباراً أكثرها إسرائيليات، ومنها ما هو مكذوبٌ لا محالة، تركنا إيرادها في كتابنا قصداً اكتفاءً واقتصاراً على مجرّد تلاوة القصّة من القرآن العظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وقد اختلف الأئمة في سجدة ﴿ص﴾ هل هي من عزائم السجود، أو إنما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود، على قولين. قال البخاري (١): حدّثنا محمد بن عبد الله، حدّثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوَّام قال: سألت مجاهداً عن سجدة ﴿ص﴾ فقال: سألت ابنَ عباس: من أين سجدت؟ فقال (٢): أوما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فكان داود ممن أُمِر نبيُّكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود ﵇ فسجدها رسول الله ﷺ . وقد قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا إسماعيل -هو ابن علية- عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في السجود في ﴿ص﴾: ليست من عزائم السجود. وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها. وكذا رواه البخاري (٤)، وأبو داود (٥)، والترمذي (٦)، والنسائي (٧)، من حديث أيوب. وقال الترمذي: " حسن صحيح ". وقال النسائي (٨): أخبرني إبراهيم بن الحسن المِقْسَمي، حدثنا حجّاج بن محمد، عن عمر بن ذَرّ، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ سجد في ﴿ص﴾ وقال: "سَجَدَها دَاودُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُها شُكْراً" تفرد به، ورجاله ثقات.

стр. 597

وقال أبو داود (١): حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد ابن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرح، عن أبي سعيد الخدري قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّن (٢) الناس للسجود فقال: "إنّما هي تَوْبَةُ نَبي ولكنْ رَأَيْتكُم تَشَزنْتُم" فنزل وسجد. تفرد به أبو داود. وإسناده على شرط الصحيح. وقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا عفان، حدّثنا يزيد بن زُريع، حدّثنا حُميد، حدّثنا بكر -هو ابن عمر- وأبو الصديق الناجي (٤) أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب ﴿ص﴾ فلما بلغ (إلى) التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكلَّ شيء بحضرته انقلب ساجداً، قال: فقصَّها على النبي ﷺ ، فلم يزل يسجد بها بعد. تفرّد به أحمد. وروى الترمذي (٥) وابن ماجه (٦) من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس، عن الحسن بن محمد بن عُبيد (٧) الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جُريج: حدّثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: إني رأيت فيما يرى النائم كأني أُصلي خلف شجرة، ففرأت السجدةَ، فسجدت الشجرة بسجودي، فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلْها لي عندك ذُخراً، وضع عنّي بها وِزراً، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود، قال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة ثمّ سجد، فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة. ثمّ قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد ذكر بعض المفسرين أنه ﵇ مكث ساجداً أربعين يوماً. وقاله مجاهد والحسن وغيرهما. وورد في ذلك حديث مَرفوع لكنه من رواية يزيد الرقاشي، وهو ضعيف متروك الحديث (٨). قال

стр. 598

الله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. أي: وإن له يوم القيامة لزلفى، وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة (١) قدسه بسببها، كما ثبت في الحديث: "المُقْسِطُوْنَ على مَنَابِرَ مِنْ نُوْرٍ عَنْ يَمِيْنِ الرَّحْمنِ، وَكِلْتَا يديه يمينٌ، الذين يُقْسِطون في أَهليهم وحكمِهم وما وَلوا" (٢). وقال الإمام أحمد في " مسنده ": حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أَحَبَّ النَاسِ إلى اللهِ يَوْمَ القِيامة وأَقْرَبَهُم مِنْه مَجْلِساً إمامٌ عَادِلٌ، وإنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَة (٣) وأشَدَّهُم عَذابًا إمامٌ جَائِرٌ" (٤). وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الأغرّ، به. وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سيّار، حدّثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: مقام داود ﵇ يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول الله: يا داود مجَّدْني اليومَ بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنتَ تمجَّدني به في الدنيا. فيقول: وكيف وقد سلبته؟ فيقول: إني أرده عليك اليومَ. قال: فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان. ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. هذا خطاب من الله تعالى مع داود، والمرادُ ولاة الأمور وحُكّام الناس، وأمرهم بالعدل واتِّباع الحق المنزّل من الله لا ما سواه من الآراء والأهواء، وتوعّد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك، وقد كان داود ﵇ هو المقتدى به في ذلك الوقت (٦) في العدل وكثرة العبادة وأنواع القربات، حتى إنه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلاً ونهاراً، كما قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدّثنا صالح المُرَّي، عن

стр. 599

أبي عمران الجوني، عن أبي الجَلْد (١) قال: قرأت في مسألة داود ﵇ أنه قال: يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصِل إلى شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي "أن يا داود أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني؟ قال: بلى يا رب. قال: فإني أرضى بذلك منك" (٢). وقال البيهقي (٣): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن بالويه، حدّثنا محمد بن يونس القرشي، حدّثنا رَوح بن عبادة، حدّثني عبد الله بن لاحق، عن ابن شهاب قال: قال داود: الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعزّ جلاله. فأوحى الله إليه: إنك أتعبتَ الحفَظَةَ يا داود. ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن علي بن الجعد، عن الثوري، مثله (٤). وقال عبد الله بن المبارك في كتاب " الزهد" (٥): أخبرنا سفيان الثوري، عن رجل، عن وهب بن منبه قال: إن في حكمة آل داود: وحق على العقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب. وحق على العقل أن يعرف زمانه، ويحفظ لسانه، ويقبل على شأنه. وحق على العاقل أن لا يظعن إلا في إحدى ثلاث: زاد لمعاده، ومرمة لمعاشه، ولذة من غير محرم. وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا، عن أبي بكر بن أبي خيثمة، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي الأغر، عن وهب بن منبه، فذكره. ورواه أيضاً عن علي بن الجعد، عن عمر بن هيثم الرقاشي، عن أبي الأغر، عن وهب بن منبه، فذكره، وأبو الأغر هذا هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته. قال ابن عساكر: وقال عبد الرزاق: أخبرنا بشر بن رافع، حدّثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له: أبو عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه، فذكر مثله.

стр. 600

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ أشياء كثيرة مليحة، منها قوله: كن لليتيم كالأب الرحيم. واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد. وروى بسندٍ غريبٍ مرفوعاً قال داود: يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها. وعن داود ﵇ أنه قال: مثل الخطيب الأحمق في نادي القوم كمثل المغنّي عند رأس الميت. وقال أيضاً: ما أقبح الفقر بعد الغنى، وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى. وقال: انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت. وقال: لا تَعِدنَّ أخاك بما لا تنجزه له فإن ذلك عداوة ما بينك وبينه (١). وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، حدّثني هشام بن سعد، عن عمر مولى غفرة قال: قالت اليهود لما رأت رسول الله ﷺ يتزوج النساء: انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام، ولا والله ماله همة إلا إلى النَّساء، وحسدوه لكثرة نسائه، وعابوه بذلك، وقالوا: لو كان نبياً ما رغب في النساء. وكان أشدهم في ذلك حُيي بن أخطب، فكذبهم الله تعالى وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله عليه وسلامه قال : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني بالناسِ رسول الله ﷺ ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] يعني ما آتى الله سليمانَ بن داود، كانت له ألفُ امرأة، سبعمئة مهيرة (٢) وثلاثمئة سرية، وكانت لداود ﵇ مئة امرأة منهن امرأة أوريا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة، هذا أكثر مما لمحمد ﷺ . وقد ذكر الكلبي نحو هذا، وأنه كان لداود ﵇ مئة امرأة ولسليمان ألف امرأة منهن ثلاثمئة سرية. وروى الحافظ في "تاريخه" (٣) في ترجمة صدقة الدمشقي الذي يروي عن ابن عباس من طريق الفرج بن فضالة الحمصي، عن أبي هريرة الحمصي، عن صدقة الدمشقي: أن رجلاً سأل ابن عباس عن الصيام؟ فقال: لأحدثنك بحديثٍ كان عندي في التخت (٤) مخزوناً: إن شئت أنبأتك بصوم داود، فإنه كان صوَّاماً قوّاماً، وكان شجاعاً لا يفرُّ إذا لاقى، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وقال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ"، وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتاً يكون فيها. وكانت له ركعة من آخر (٥) الليل يبكي فيها نفسه، ويبكي ببكائه كلّ شيء ويصرف بصوته الهموم
следующие страницы →