Полный текст (8 257 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
أسماء محققي كل جزء من الكتاب
_________
١ - د. محيي الدين ديب مستو ﵀ [ت ١٤٤٢ هـ]
٢ - د. علي أبو زيد أبو زيد
٣ - مأمون محمد سعيد صاغرجي
٤ - محمود عبد القادر الأرناؤوط
٥ - د. رياض عبد الحميد مراد
٦ - د. محيي الدين ديب مستو ﵀ [ت ١٤٤٢ هـ]
٧ - د. رياض عبد الحميد ومحمد حسان عبيد
٨ - أكرم عبد اللطيف البوشي
٩ - محمد حسان عبيد
١٠ - مأمون محمد سعيد صاغرجي
١١ - ياسين محمد السواس
١٢ - إبراهيم عمر الزيبق
١٣ - صلاح محمد الخيمي ﵀
١٤ - د. رياض عبد الحميد مراد
١٥ - د. رياض عبد الحميد مراد ومحمد حسان عبيد
١٦ - حسن إسماعيل مروة
١٧ - الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ﵀ [ت ١٤٢٥ هـ]
١٨ - (فهارس) محمود عبد القادر الأرناؤوط
١٩ - (فهارس) أكرم عبد اللطيف البوشي
٢٠ - (فهارس) د رياض عبد الحميد مراد
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المدخل إلى البداية والنهاية
كتبه وعلق عليه
د. محيي الدين ديب مستو
راجعه وأضاف عليه
الدكتور بشار عواد معروف
стр. 3
(١) مقدمة التحقيق
الحمد للَّه الذي خلق فسَوَّى، وقدَّر فهدى، وجمع فأوعى.
والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، وعلى رسوله محمد بن عبد اللَّه المجتبى، وآله الشُّرفا، وأصحابه نجوم الهُدَى ورجوم العِدَى، ومن تبعهم بإحسان ووفَّى ووفَى.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى، أمات وأحيا، وجعل لكل أمة تاريخًا وأجلًا مسمَّى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه، صاحب المقام المحمود والشفاعة الكبرى، المبعوث إلى الخليقة جميعًا بالإنذار والبُشْرى.
وبعد:
• أهمية العمل ومبرراته:
فإن النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري قد شهد صحوة إسلامية فكرية وثقافية، واهتمامًا ملحوظًا بالكتب المطبوعة والمحقَّقة، على وفق أحدث الطرق الطباعية الحديثة، والإخراج الفني المتطور، والتجليد المتقن الفاخر، وظهرت أمَّات الكتب في التفسير والحديث والسيرة والتاريخ والتراجم، موثَّقة ومفهرسة، وبأجمل شكل وبأصدق مضمون، مثل: تهذيب الكمال للمِزي، وجامع الأصول؛ لابن الأثير، وزاد المعاد؛ لابن قيم الجوزية، وسير أعلام النبلاء للذهبي، والتفسير والتاريخ؛ للإمام الطبري، وغيرها.
وكان النصح إلى أصحاب دور النشر الكبيرة أن يتطلعوا إلى الكتب والمراجع في جميع مناحي الثقافة الإسلامية، وإحياء مخطوطاتها المنسية، وإعادة تحقيق الكتب المطبوعة من غير توثيق ولا تعليق ولا فهارس، والاستفادة من المخطوطات المشرقية، والمخطوطات المكتشفة حديثًا بعد أن كانت ضائعة أو مجهولة.
على أنَّه يتعين علينا أن نشير إلى أن العرب المسلمين حين تنبهوا إلى أهمية تراثهم وبدؤوا بنشره منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت المطابع الكبرى تعهد إلى مصححين من كبار العلماء لضبط النصوص وتصحيحها، فأخرجت مطبعة بولاق بمصر نفائس من هذا التراث وتبعتها دار الكتب المصرية وغيرها من المؤسسات المعتبرة.
стр. 4
وتحقيق المخطوطات والعناية بالنصوص علم قائم بذاته، أقام العلماء المسلمون منذ أمد بعيد قواعده على أحسن وجه، فأخرجوا لنا، ومنذ عصر المخطوطات، نماذج رائعة في التحقيق والتدقيق، نذكر منها كتابين مهمين هما نموذج لعشرات من نظرائهما؛ موطأ الإمام مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، وصحيح البخاري.
فقد عُني العلامة جمال الدين محمد بن يوسف المعروف بابن مَسْدي الأندلسي الغرناطي نزيل مكة المكرمة ودفينها "٥٩٩ - ٦٦٣ هـ" برواية الليثي من الموطأ فأخذه عن العديد من شيوخه ببلاد شتى وأسانيد كثيرة، وقابل بين نسخه وعَمِلَ لنفسه منه نسخة محققة مدققة مستندة إلى العديد من الروايات، ورمز لكل رواية من الروايات برمز معين ذكره في صدر نسخته، وثبت في حواشيها الاختلافات بينها (١).
وعني بصحيح البخاري عالمان جليلان هما: اليونيني، وابن مالك صاحب الألفية فجمعا روايات الصحيح وقابلا بينها ورجحا في الفراءات، وأثبتا الاختلافات في الحواشي، فكانت هذه النسخة من أعظم نسخ صحيح البخاري وأكثرها صحة وضبطًا وإتقانًا، وهي التي انتشرت فيما بعد، وطبع السلطان عبد الحميد يرحمه اللَّه "الصحيح" استنادًا إلى النسخة اليونينية، فهي إلى يوم الناس هذا أصح طبعة لهذا الكتاب وأدقها وأتقنها وكل الذين نشروا الصحيح عيال عليها، ولا أظن محققًا من محققي اليوم له القدرة على تجاوزها.
على أن انتشار الطباعة الحديثة ويُسْرها شجع الكثير من أصحاب الضمائر الضعيفة ممن يتصدون لنشر الكتب أو يدعون المعرفة بتحقيق النصوص إلى إخراج كتب مليئة بالتصحيف والتحريف والسقط، أو سرقة الكتب المحققة تحقيقًا علميًا طمعًا بالربح العاجل، فتُسلب حقوق المحققين المعنوية، وحقوق الناشرين الجادين المادية، فيسيؤون إلى كل عمل جاد وكل ناشر مخلص، وقيل في القواعد الاقتصادية: "إن العملة الرديئة تطرد العملة الصعبة"، نسأل اللَّه الستر والعافية.
و"دار ابن كثير" للطباعة والنشر والتوزيع التي تأسست عام ١٩٨٤ م في دمشق وبيروت، من دور النشر الكبيرة والجادة في خدمة الثقافة الإسلامية، وقد تطلعت إلى الإسهام في إعادة تحقيق ونشر كتب أمَّات (٢) في بابتها، ولعل اسمها كان أكبر مُحفِّز للاضطلاع بتحقيق كتاب "البداية والنهاية"، إذ هو من أعظم آثار الحافظ ابن كثير ﵀، ولما يمتاز به من التأريخ
_________
(١) انظر وصفها في مقدمة الدكتور بشار عواد لطبعته من موطأ مالك برواية الليثي، ط ٢، دار الغرب، بيروت ١٩٩٨ م جـ ١ ص ١٢ - ٢٢.
(٢) ومنها أطراف مسند الإمام أحمد؛ لابن حجر (١/ ١٠)، والمفهم في شرح ما أشكل من تلخيص صحيح مسلم؛ لأبي العباس القرطبي (١/ ٧). وفتح القدير في التفسير؛ للشوكاني (١/ ٦).
стр. 5
الإسلامي العام، والتأريخ لدمشق الشام في عصورها المختلفة بعامة، وفي عصر المؤلف بخاصة، وقد طبع -قديمًا- طبعة واحدة في مطبعة السعادة، وهي طبعة غير محققة مليئة بالتصحيف والتحريف والسقط والخلط، مما قلَّل من قيمتها وجعل الاعتماد عليها يسيء إلى البحث العلمي الرصين، وجل النشرات التي تلتها كانت تعتمدها على الرغم من ادعائها الاعتماد على مخطوطات، ولذلك تشَّوف إلى هذا العمل العلمي الكبير جمهرة من العلماء والدكاترة بإشراف الشيخ عبد القادر الأرناؤوط -يرحمه اللَّه-، وإدارة وتمويل الأستاذ علي مستو صاحب دار ابن كثير -حفظه اللَّه-.
وفي الأول من شهر شعبان المكرم سنة ١٤٠٥ هـ. تم الاجتماع في قرية "بسيمة" من وادي بردى، وحضره: الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ﵀، والدكتور علي أبو زيد، والدكتور محيي الدين ديب مستو، والدكتور رياض مراد، والأستاذ محمود الأرناؤوط، والدكتور نزار أباظة، والأستاذ محمد حسان عبيد، والأستاذ حسن مروة، والأستاذ أكرم البوشي، والأستاذ إبراهيم الزيبق، والدكتور مأمون الصاغرجي، والأستاذ ياسين السَّواس، والأستاذ صلاح محمد الخيمي ﵀، والأستاذ محمد ديب مستو، والأستاذ علي ديب مستو.
• خطة العمل ومنهج التحقيق:
وزَّع فضيلة الشيخ عبد القادر -يرحمه اللَّه- خطة العمل المقترحة على الأساتذة المشاركين في التحقيق، وهي كما يلي:
الحمد للَّه وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد:
فإنَّ أوَّل ما يجب أن يكون واضحًا لكل الإخوة من الأساتذة المشاركين في تحقيق الكتاب: أن هذا المنهج لم يُوضع لتقييد المحقق في الجزء الذي وكل إليه تحقيقه، وإنما أُريد منه أن يكون جامعًا لجهود المحقِّقين الأفاضل، لكي تنصبَّ جميع الجهود في جهة واحدة في الشكل والمضمون بالقدر المستطاع، حرصًا على نجاح العمل في الكتاب من الوجهتين العلمية والفنية، لأن الكتاب عند ظهوره -إن شاء اللَّه- سيكون مرتبطًا بأسماء المشاركين فيه، مما يدلُّ على أن نجاحه هو نجاح الجميع، ومن هنا كانت الرغبة في أن يتناول هذا المنهج جميع ما يتصل بتحقيق الكتاب وإخراجه على النحو التالي:
أولًا: فيما يتصل بالنسخ الخطية:
تعتمد نسخة المكتبة الأحمدية بحلب كنسخة رئيسة في العمل، وقد اصطلح على تسميتها
стр. 6
"النسخة الأم"، وذلك لكونها أتم النسخ من جهة، ولكونها قوبلت على أصل قوبل على نسخة المؤلف من جهة أخرى، وأخيرًا لاعتبارها نسخة شامية المصدر، لذا تجري عملية مقابلة المطبوع عليها لتصحيح ما وقع في المطبوع من الأخطاء، واستدراك ما حصل فيها من السقط، والإشارة إلى ما ورد فيها من الزيادة على النسخة المطبوعة من الكتاب، وبعد ذلك تجري عملية مقابلة النسخة الأحمدية على النسخة الأخرى: نسخة برلين، والنسخة الثالثة: نسخة دار الكتب الظاهرية، وذلك في الأجزاء التي توفَّرت لها أوراق من النسختين المذكورتين، فيثبت ما قد يرد فيها من الزيادة بين حاصرتين هكذا []، ويشار إلى ما وقع فيها من السقط والتحريف والتصحيف والاختلاف، وهذا الأمر ينطبق على ما يتوفر من النسخ الخطية الأخرى من الكتاب، ويُشار إلى النسخ المخطوطة في الحواشي عند وقوع سقط أو زيادة، أو تحريف أو تصحيف أو اختلاف بالرموز، وتُسمَّى مخطوطة الأحمدية بـ "النسخة: أ" ونسخة برلين بـ "النسخة: ب" ونسخة الظاهرية بـ "النسخة: ظ" والمطبوعة بـ "النسخة: ط".
ثانيًا: فيما يتصل بتحقيق نصوص الكتاب فإنه يجري على هذا الشكل:
١ - تفصيل النصوص، وترقيمها، وترتيبها، واعتبار الفصول في الأجزاء (١ - ٦) و (١٧ - ١٨) والسنوات في الأجزاء (٨ - ١٦) فيما يتعلق بأوائل الصفحات، وختم كل فصل، وحوادث كل سنة بخمس نجوم (* * * * *) في وسط الصفحة.
ويرجى ترقيم الآيات الواردة في الكتاب بذكر اسم السورة مع رقم الآية بين حاصرتين في متن الكتاب هكذا [. . .] وحصر الآيات بقوسين مزهرين هكذا ﴿. . .﴾ والأحاديث والآثار وأسماء الكتب بقوسين هكذا ". . . ".
٢ - ضبط ألفاظ الآيات، والأحاديث، والآثار، والأبيات الشعرية، وأسماء الأعلام، والبلدان والأماكن، والألفاظ التي قد يُشكل فهمها على كثير من الناس.
٣ - ذكر مصادر الترجمة للمترجمين تراجم مفردة في الكتاب مرتبة ترتيبًا زمنيًا، بحيث تذكر المصادر التي سبقت المؤلف وعاصرته.
٤ - تخريج الأحاديث النبوية الواردة في الكتاب من المصدر الذي نقل عنه المؤلف، والإشارة إلى ورود الحديث في المصادر الأخرى التي سبقت المؤلف، أو المصدر الذي نقل عنه، لا من طريق غيره من الرواة، وكذلك بالنسبة إلى الآثار الموقوفة على الصحابة، والتي لم ترفع إلى رسول اللَّه ﷺ ، ويرجى ترتيب المصادر حسب الترتيب الزمني أيضًا، والتأكد من سلامة النقل في المصدر الذي نقل منه المؤلف، وذلك لاستدراك ما قد يقع من السقط، والإشارة إلى ما قد يكون من زيادة في نصِّه، ويكون تخريج الحديث وفق ما يلي على سبيل المثال:
стр. 7
عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خير النَّاسِ قَرْني، ثمَّ الذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الذينَ يَلُونَهُمْ، ثمَّ يجيءُ قومٌ تَسْبِقُ شهادةُ أحدِهم يمينَه، ويمينُه شهادتَه". رواه أحمد في "مسنده" (١/ ٤٤٢) والبخاري في "صحيحه" (٧/ ٦) في فضائل أصحاب النبي ﷺ ، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٥٣٣) في فضائل أصحاب النبي ﷺ ، والترمذي في "جامعه" رقم (٣٨٥٨) في المناقب، باب ما جاء في فضل من رأى النبي ﷺ وصحبه. كلُّهم من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
٥ - التعريف بالبلدان المغمورة باختصار، مع الإشارة إلى المصدر الذي نقلت عنه المعلومات، وذكر الجزء والصفحة أو المادة من كتب اللغة.
٦ - الإشارة في الحواشي إلى أسماء المصادر التي نقل عنها المؤلف، وذكر الجزء والصفحة، ومقابلة النقل على المصدر الذي نقله منه، للتأكد من سلامة النقل، واستدراك ما قد يقع فيه من السقط، وتصحيح ما فيه من الخطأ، والإشارة إلى الخلاف ما بين النص المنقول من الكتاب أو النص الموجود في الأصل المنقول عنه.
٧ - ترقيم التراجم المفردة في الكتاب بأرقام متسلسلة، وذلك لحصر العدد الكامل لها في آخر الكتاب، والتعريف بالأعلام الذين ليس لهم ترجمة في الكتاب باختصار.
٨ - ذكر المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في كل جزء على حدة.
٩ - صنع فهرس للموضوعات في كل جزء على حدة، والتراجم المفردة الواردة فيه.
١٠ - يقوم كل محقق بكتابة مقدمة موجزة للجزء الذي وكل إليه تحقيقه.
١١ - يتولَّى كلُّ محقِّق تصحيح تجارب الطبع في الجزء الذي وكل إليه تحقيقه. وبالنسبة للحواشي والتعليقات يقوم المحقق بكتابتها على أوراق مستقلة، ويترك فراغًا بين التعليق والآخر مقدار ثلاثة أسطر تقريبًا، لكي يتسع لما قد يضيفه المراجع من التعليقات أثناء مراجعة الكتاب، لا سيما فيما يتصل بتخريج الأحاديث النبوية، للحكم عليها من جهة الصحة والضعف.
وفي الختام: نسأل اللَّه ﵎ أن يعيننا جميعًا على إخراج هذا الكتاب العظيم على النحو الذي يُرضيه عنا ﷻ ، وأن ينال الكتاب تقدير المخلصين العاملين في خدمة تراث هذه الأمة العظيمة، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين.
دمشق في ١ شعبان ١٤٠٥ هـ - خادم السنة النبوية/ عبد القادر الأرناؤوط.
стр. 8
• مدى الالتزام بهذه الخطة:
التزم المحققون جميعًا بهذه الخطة، وأتقنوا تفاصيلها، وبخاصة عندما تعدَّى التكليف بالتحقيق إلى أكثر من جزء أو جزأين.
* وبدأت تظهر بعضى الأجزاء المتقدمة، فتكون نموذجًا ونبراسًا للأجزاء المتأخرة، وكانت الجهود ظاهرة في خدمة النص، وتقديمه كاملًا ومتطابقًا مع ما أراده المؤلف وهدف إليه أو قريبًا منه، مع تعليقات وإضاءات مدروسة تنير غوامض بعضى الألفاظ، وتشع الضوء في مرامي جمله وعباراته.
* وأسهم التنضيد الحديث بإشراف وتنفيذ الأستاذ محمد إبراهيم شونو، في تقديم النص بصورة متقدمة ومشرقة، وأُخذت الآيات القرآنية مشكولة من المصحف الشريف، مع فواصلها وأرقامها، وتمَّ إدخال اللون الأحمر، ليبرز العناوين والأرقام والفوائد المهمة.
* وربما أعرض كثير من المحققين عن التقديم للأجزاء التي أنجزوها، حرصًا على وحدة الكتاب، واكتفاء منهم بالمقدمة الضافية التي سبقت الجزء الأول، وكانت بمثابة مقدمة للأجزاء كلها، واستقر الرأي على الاستغناء عن كثير من المقدمات الفردية.
* وامتاز الكتاب في هذه الطبعة المشرِّفة بالجمع بين البداية والنهاية، والتاريخ من بدء الخليقة إلى النهاية في أحوال الآخرة، وحقَّق هذا الجزء السابع عشر وراجعه فضيلة الشيخ المحدث عبد القادر الأرناؤوط ﵀ وجزاه اللَّه أعظم الأجر والثواب عن هذا العمل المبارك الموصول، وإنه لفخر يستحق الذكر والشكر أن تصدر البداية والنهاية كاملة وافية.
* وخُتم الكتاب بثلاثة أجزاء اشتملت على الفهارس العلمية الوافية، ولا شكَّ أن الفهارس مفاتيح، تُيسِّر للقارئ الاستفادة من الكتاب، والتجوال ضمن موضوعاته وكنوزه، وتضمَّنت:
- فهارس الآيات القرآنية، والأحاديث القولية والفعلية والآثار، صنعة الأستاذ محمود الأرناؤوط.
- وفهارس الأعلام المترجم لهم، وغير المترجم لهم، صنعة الأستاذ أكرم البوشي.
- وفهرس الموضوعات، وفهرس الشمائل والتاريخ، وفهرس مصادر ابن كثير والكتب المذكورة في الكتاب، وفهرس مشايخ ابن كثير، وفهرس الأقوال والخطب والرسائل والوصايا والتوقيعات، وفهرس الأماكن والبلدان والمواضيع، وفهرس الحيوان والنبات، وفهرس الشروح اللغوية، وشروح الغريبين، وفهرس القوافي والأشعار، وفهرس الأمثال والحكم العربية والإسلامية، وفهرس الأساليب العربية، وفهرس الفوائد، وفهرس الفهارس، صنعة الدكتور رياض مراد.
стр. 9
• القراءات المتعددة للكتاب بكامله:
١ - قراءة الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ﵀ وهو المشرف العام على الكتاب، ومراجعة وتخريج الأحاديث، واستدراك أي خلل أو تقصير، والحكم على أحاديث غير الصحيحين. وهذه القراءة الأولى لمسوَّدة كل جزء، والتعليقات لا تزال جذاذات وقصاصات، مفخرة للكتاب وللعاملين في تحقيقه؛ لما يحمله الشيخ بين جوانحه من علم وتواضع وإخلاص، وأنفاس طاهرة وأخلاق رضية، واختصاص حديثي مشهود له، ويظهر جليًا من خلال التعليقات القيمة المختومة بحرف "ع"، رحم اللَّه تعالى المحدث الجليل الشيخ عبد القادر، وأسكنه اللَّه تعالى فسيح جناته، وجمعنا به تحت لواء سيدنا محمد ﷺ .
٢ - قراءة الأستاذ الدكتور بشار عواد معروف حفظه اللَّه تعالى، وهو غني عن التعريف في اختصاصه وأستاذيته في مادة التاريخ الإسلامي والحديث النبوي الشريف، وأعماله الكثيرة في مجال التحقيق وخدمة الكتب التراثية، والنصوص التاريخية والحديثية. وتصحيحاته المثبتة على التجارب الأخيرة من تصحيح أجزاء "البداية والنهاية" في الأجزاء الست عشرة تشهد بخبرة عالم متضلع في فن التاريخ والتراجم والحديث، ومستحضر لأخطاء وتصحيفات يقع بها الرواة والنُّسَّاخ. وتعليقاته المختومة باسمه "بشار" تؤكد الحظ الباسم والوافر لهذا الكتاب.
٣ - قراءة الدكتور محيي الدين ديب مستو للكتاب في آخر تصحيح، ولصورة كاملة للأجزاء التي اعتمدت في الفهرسة، وكان الغرض منها: التنسيق العام في كل الأجزاء، وتوحيد علامات الترقيم، وتصحيح بعض الأخطاء المطبعية، ومقارنة النص كاملًا مع نسخة مقروءة ومصححة بقلم أستاذنا وشيخنا نايف العباس -رحمه اللَّه تعالى-، والتوقف عند تصحيحات الشيخ والاستفادة منها، ومعروف في دمشق اهتمام الشيخ نايف بالتاريخ الإسلامي وتدريسه له في معهد العلوم الشرعية التابع للجمعية الغراء، وقد قرأنا بين يديه السيرة النبوية لابن كثير بأجزائها الأربعة، وكانت قراءته أو ضبطه لما نقرأ في البداية والنهاية - طبعة المعارف - بيروت - ١٩٦٦ م، وقد أحضرها لي كاملة ابنه عبد المؤمن العباس جزاه اللَّه كل خير، وجعله سلفًا صالحًا لوالده.
وقد أثمرت هذه القراءة فوائد عظيمة وفرائد جليلة، فيها العبرة الصادقة والعظة المؤثرة، أشرت إليها في دفتري، وستُطبع في دار ابن كثير مستقبلًا تحت عنوان "فوائد وفرائد" من البداية والنهاية، وللَّه الحمد والمنة.
٤ - قراءة الأستاذ أكرم البوشي للكتاب مرتين، مرة أثناء الفهرسة، ومرة أخيرة؛ لتكون مسكَ الختام، وقد أثبتَ تصحيحات مهمة بقلمه الأخضر، فيها تقويم الشكل، وتصحيح الخطأ، وفيها استدراك بعض السقط، جزاه اللَّه كل خير، ووفَّقَه لكل صواب.
стр. 10
وختامًا:
أسأل اللَّه الجواد الكريم أن يجزل الأجر العظيم، والخير العميم لدار ابن كثير ممثلة بصاحبها الأستاذ علي ديب مستو الذي ضحَّى بماله ووقته، وصبر وصابر، معرضًا عن جهل الجاهلين، وهفوات المتعالين والمتعالمين. . كما أشكر باسمه كل من أسهم في إنجاز هذا العمل أو شارك فيه ولو بالقليل. . اللهم تفبل منا هذا الجهد -وهو جهد المقل- واكتبه في صحائفنا، وصحائف والدينا ومشايخنا. . يوم نلقى الأحبة محمدًا ﷺ وصحبه، ونلقى الحافظ ابن كثير. . والحمد للَّه ربِّ العالمين.
* * *
وكتب الدكتور محيي الدين ديب مستو أبو أديب
стр. 11
(٢) دراسة شخصية المؤلف الحافظ ابن كثير
أولًا: عصر المؤلف
ثانيًا: اسمه ونسبه
ثالثًا: ولادته ونشأته
رابعًا: أسرته
خامسًا: شيوخه وتلاميذه
سادسًا: كتبه
سابعًا: مكانته العلمية والاجتماعية
ثامنًا: وفاته
стр. 12
(٢) دراسة شخصية المؤلف الحافظ ابن كثير
أولًا: عصر المؤلف
تمهيد:
عاش الحافظ ابن كثير عمره البالغ (٧٤) عامًا، في حكم دولة المماليك البحرية، والممتد من عام ٦٤٨ هـ إلى ٧٨٤ هـ وقد انتزع هؤلاء السلطة والحكم من أسيادهم الأيوبيين، وتسمَّوا بالسلاطين مع الاحتفاظ بكلمة مملوك، وآثروا وجود الخلافة (١) العباسية شكلًا وصورة، لتبرير حكمهم، وإضافة شيء من الشرعية عليه، وقد خلا لهم الجو بمصر، وفرغت الساحة، واستطاعوا بفروسيتهم أن يبنوا لهم مجدًا جهاديًا بهزيمة المغول في عين جالوت (٦٥٨ هـ) والتتار في شقحب (٧٠٢ هـ)، وهزيمة لويس التاسع وأسره في دمياط (٦٤٨ هـ) وفتح عكا (٦٩٠ هـ) وتطهير جميع السواحل الشامية من الغزاة الصليبيين إلى الأبد.
واستمروا من عام (٧٠٣ هـ) إلى (٧٨٤ هـ) يخضعون البلاد والعباد بهاجس الخطر الصليبي، الذي يغيب ويظهر، بعد أن تجمعت فلوله في جزيرة قبرص.
وامتدت حدود الدولة المملوكية من اليمن جنوبًا إلى حدود الدولة العثمانية شمالًا، ومن الفرات شرقًا إلى برقة غربًا، وظهرت قوتهم في توحيد الشام ومصر، والتشرف بإخضاع الحجاز؛ لخدمة الحرمين الشريفين. أما بقية الأقاليم فتخضع لعاصمة الحكم في القاهرة بدرجات متفاوتة.
وقد عاصر ابن كثير من ولادته إلى وفاته (٥) خمسة من الخلفاء العباسيين، و (١٥) خمسة عشر سلطانًا، و (٢٠) عشرين نائبًا في دمشق، وسنلقي الضوء على هذه الفترة الزمنية من خلال التعرف على الحياة السياسية، والاجتماعية، والعلمية، والفكرية.
_________
(١) السلطان الظاهر بيبرس هو أول من عمل على إحياء الخلافة العباسية بمصر بدءًا من سنة ٦٥٩ هـ.
стр. 13
١ - الحياة السياسية:
وقد بدأنا بها لأنها التي توجد الاستقرار والأمان؛ لحياة اجتماعية فارهة، وحياة علمية متوهجة، وحياة فكرية متوقدة.
وهي التي إذا اضطربت وضعفت، وانعدمت الشورى، وافتقدت العدالة، وخاب الرأى الحر الغيور عن الحكام؛ انقلبت حياة الناس إلى ظلم وتعاسة، وفقر بائس، وركود علمي، وجمود فكري.
ومن المؤسف حقًا أن المماليك البحرية بدأوا تفرُّدهم بالحكم بالخيانة والغدر والتآمر والقتل، واستمر هذا حال الآمراء فيما بينهم، لا يستثنى من ذلك سوى مدة حكم السلطان الناصر محمد بن قلاوون بعد عودته للمرة الثالثة (٧٠٩ - ٧٤١ هـ)، ومدة حكم النائب سيف الدين تنكز في دمشق (٧١٢ - ٧٤٠ هـ).
فالخليفة: رمز شكلي يبايع السلطان، ويعيش في ظله، ولا يملك من أمور الدولة الدخلية أو الخارجية شيئًا، ويحمل لقبًا فخمًا، كما حمل أجداده من بني العباس؛ كالمستكفي باللَّه الأول (٧٠١ - ٧٣٦) والواثق باللَّه الأول (٧٣٦ - ٧٤٢) والحاكم بأمر اللَّه الثاني (٧٤٢ - ٧٥٣) والمعتضد باللَّه الأول (٧٥٣ - ٧٦٣) والمتوكل على اللَّه الأول (٧٦٣ - ٧٨٥).
والسلطان: هو الحاكم الفعلي، والذي يملك مقاليد الأمور السياسية الداخلية والحاجية، وتجبى الأموال إلى قصره، ولذلك يكون عرضة للقتل أو الخنق إذا كان ضعيفًا أو صغيرًا، أو لم يستطع أن يلبي متطلبات الاْمراء من حوله وفوق رأسه، أو كان فاسقًا أو فاجرًا يعلن مبررات خلعه، أو كان خائنًا غادرًا يعرض الأمة والبلاد للخطر الداهم، فتسقط عند الناس هيبته، ويطيح المتربصون برأسه. وإذا كان السلطان المنصور قد تمكن من تأسيس أسرة حاكمة، واستمرت في السلطنة (١٠٥) سنوات، فإن ابنه محمد هو الوحيد الذي حكم بقوة ومات على فراشه، وإن ستة من أولاد الناصر وأحفاده كانوا ضعافًا فخلعوا، وأربعة قتلوا، واثنان فقط ماتوا ميتة طبيعية.
والنائب في دمشق (١): هو المتنفذ طالما استقر به الحال، وهدأت من حوله العواصف، وجمع الثروات والعقارات، ولكن المؤامرات والوشايات له بالمرصاد، فيأمر السلطان بمسكه ومصادرته وقتله، وقد استثني النائب تنكز، فقد طالت مدته، وظهر العدل والاطمئنان في نيابته، وأصبح السلطان يخطب وده، ويكاتبه بألقاب الفخامة وعلو الجناب (٢)، ولكن قبض عليه حين
_________
(١) أكثر من نصف النواب الذين حكموا دمشق، وعاصرهم ابن كثير كانوا يحملون لقب "سيف الدين".
(٢) كتب له مرة يقول: "أعز اللَّه أنصار المقر الكريم العالي" بدائع الزهور (ص ١٤٦).
стр. 14
تغير خاطر الناصر عليه في أواخر نيابته، ودبَّت عقارب الفتن بينهما، فصودر وسُجن بالإسكندرية، حيث مات، قيل مخنوقًا، وقيل: مسمومًا، وقيل: غير ذلك، في المحرم سنة ٧٤١ هـ، وتأسف الناس عليه كثيرًا وطال حزنهم عليه (١).
٢ - الحياة الاجتماعية:
ارتاح الناس من الخطر القادم من الشرق أو الشمال بعد الانتصار على التتار في مرج الصفر جنوب دمشق سنة (٧٠٢ هـ)، وبقيت عيونهم مسَمَّرة على الساحل الغربي حيث طيف الخطر الصليبي. وآثار التدمير المغولي والتخريب الصليبي ماثل للعيان، وأوصال الأمة متقطعة، والأخبار منقطعة، وبخاصة في هذا القرن الثامن، فالقارئ لتاريخ ابن كثير لا يجد أي أخبار عن بغداد أو عن بلاد المغرب، وكأن العالم اختصر في دمشق والقاهرة.
والبعد الزمني عن الهجرة النبوية والقرون الخيِّرة الأولى، أدى إلى اختلاف وانقسام، وضعف في التطبيق العملي لمبادئ الإسلام.
فالحاكم السلطان ونوابه يتفنون في فرض الضرائب، ويتوسعون في منح الإقطاعات، لضمان جمع أكبر قدر من الأموال، مما يزيد في تراجع الزراعة، وتخلف الصناعة، وإفلاس التجارة، وتفشي البطالة، وغلاء الأسعار.
والمرأة يرتكس دورها في بناء الأسرة وصلاح المجتمع، فتثطلع إلى حبس زوجها إذا عجز عن النفقة، أو تأخر عن طلبها مؤخر صداقها، وتلبس الثياب ذات الأكمام العريضة والأزرار الحريرية، والأحذية المزركشة، التي تثير الغرائز أو تكشف عن المفاتن، مما يستدعي تدخل السلطان (٢) ومنعها. وربما يسهم الفقر في انتشار البغاء، وظهور نساء متنفذات يضمنَّ عمل البغايا، ثم يُبطل السلطان ذلك، وتنتشر الأغاني الخليعة وما يصاحبها من فسق وخمر، رغم فتاوى العلماء بتحريم ذلك، وكتابتهم أن هؤلاء المغنين هم "نوَّاحو جهنم" وأن السامعين لهم يُعذَّبون في قبورهم، ويُحاسبون يوم حشرهم.
وتزداد الحياة الاجتماعية سوءًا بتعرُّض البلاد لكثير من الجوائح والكوارث الطبيعية، كالفيضانات والزلازل والجراد، وإصابتها بالمجاعات والأوبئة؛ كالطاعون الذي يحصد الناس حصدًا، ويذهب منهم في اليوم الواحد بالمئات والألوف.
والناس الفقراء والمتبطلون يتبلَّد حسُّهم الجماعي، ويرضون بالواقع المر والظلم الغاشم،
_________
(١) انظر البداية والنهاية (١٦/ ٢٩٢).
(٢) المصدر السابق (١٦/ ٣٥٢).
стр. 15
ويغيبون عن المطالبة بأي تغيير، أو إحداث أي تأثير، مع أنهم في بعض الاستقبالات أو المآتم يحضرون ويتحركون.
٣ - الحياة العلمية:
وفي هذا الجو المظلم المكفهر كانت الحياة العلمية مزدهرة تعطي أطايب الثمار وأفضل النتائج، والعلماء يتمتعون بتكريم الحكام، واحترام الرعية، والمدارس الكثيرة تُبنى وتوقف لها الأوقاف، وتُرصد لها الأموال، ذلك أن المماليك كانوا يتقرَّبون إلى الناس برفع منزلة العلماء وتقديم الجوائز والوظائف الدينية للمتفوقين وذوي السمعة الطيبة منهم، وبخاصة في أوقات الشدة، وعندما يحتاجون إلى تأثير العلماء ونفوذهم القوي على عامة المسلمين.
وتتجلى للمتأمل في الحياة العلمية خلال القرن الثامن الظواهر التالية:
الأولى: عظمة هذا الدين الإسلامي وخلوده، وأنه صخرة منيعة، تتحطم عليها مطامع الغزاة ومعاول الهدَّامين والمخربين، لقد امتحن الإسلام في هذا العصر، وخرج من أقسى المحن وأشد الخطوب سالمًا منتصرًا، وأثَّر حتى في أعدائه القساة الحاقدين عليه، فاعتنقوه وانضووا تحت لوائه.
الثانية: نشاط العلماء في هذا العصر، وكثرتهم وكثرة تآليفهم، وقد وصلوا بكتبهم بين ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها، وأثبتوا صلابة مواقفهم وأنهم لم تقهرهم روح اليأس مما يُحيط بهم من ظلمات وأحوال.
الثالثة: الخلافات الاعتقادية لا سيما بين السنة والشيعة، وبين المذاهب الفقهية، كل ذلك أضعف الحياة العلمية، واستنفد أوقاتًا وجهودًا عظيمة، جعلت الماضي عبئًا على الحاضر، ولم يُفد واقع الأمة ولا مستقبلها شيئًا مذكورًا.
الرابعة: بعض الفرق الصوفية التي لا تلتزم الكتاب والسنة، حجرت على عقول الناس وأفكارهم، ومنعت كل تطور وإصلاح، واستهلكت أوقات العلماء وأعمارهم في تآليف وردود؛ لكشف البدع، وبيان زيف الخرافات، وتجاوز المظاهر والقشور.
الخامسة: الاقتصار على العلوم الشرعية، وعدم الاهتمام بالعلوم الكونية، وغياب شمس الحضارة التي سبق وسطعت في بغداد، وملأت الآفاق بنورها الشامل الوهَّاج.
علمًا بأن تحصيل العلوم الدنيوية، والنهوض بالصناعة وحيازة أسباب القوة مطلب شرعي، إذ هي فروض الكفاية المضيعة، والتي تزيد المسلمين ضعفًا وتخلُّفًا.
٤ - الحياة الفكرية:
لم تثمر الحياة العلمية في القرن الثامن الهجري حياة فكرية متوثبة أو متوقدة، بل بقيت مظاهر
стр. 16
الجمود والتخلف الفكري واضحة وراسخة؛ فالتعليم يقوم على حفظ المتون، والتآليف قاصرة على الشرح أو الاختصار، أو صنع الحواشي والهوامش، والطلاب الجدد لا يعرفون أي تجديد وابتكار، وهذا ما لاحظه الشيخ محمد أبو زهرة على الحياة العلمية وآثارها الفكرية؛ فقال:
"وإذا كانت القرون الثلاثة -٦ و ٧ و ٨ - قد امتازت بشيء، فقد امتازت بكثرة العلم، لا بعمق الفكر، فقد كانت المعلومات كثيرة، وتحصيلها كان بقدر عظيم، وعكوف الناس عليها كان كبيرًا. ولكن التفكير المطلق في مصادرها ومواردها، والمقايسة بين صحيح الآراء وسقيمها مقايسة حرة نزيهة من التعصب الفكري، والتحيز المذهبي، بالنظر الفاحص المجرد، أو النظر الذي يعم كلَّ الجوانب، لم تكن بقدر يتناسب مع تلك الثروة المثرية التي توارثتها الأجيال" (١).
ولا بد هنا ونحن نتصور الحياة الفكرية من تسجيل الملاحظات التالية:
الأولى: وجود التعصب المذهبي بين المذاهب الأربعة، وبين أهل المذاهب الواحد أحيانًا.
الثانية: الخلاف بين الشيخ ابن تيمية وتلاميذه وبين المتصوفة وبعض الفقهاء، مما أدى إلى سجن ابن تيمية ثلاث مرات، إحداهن بمصر، وسجن الحافظ المزي، وابن القيم في دمشق، بسبب اجتهادات فرعية فقهية، تدل على تحجر وضيق أفق.
الثالثة: الاهتمام بعلم التاريخ، ولكن من غير تجديد ولا نقد -باستثناء ابن خلدون والمقريزي- والاقتصار على التذييل والاختصار، مما عطَّل هذا العلم العظيم عن تحريك بناء الأمة، وتوحيدها، ودفعها إلى بناء الحضارة وتوحيد الشمل من جديد.
الرابعة: التأثر بعقائد الأمم والأجناس المختلفة، والخوض في علم الكلام، والتأثر بالمنطق الصوري، والانزلاق إلى متاهات الجبر والاختيار، والتأويل والتفويض، والتجسيم والتعطيل. . والإبقاء على الآراء المختلفة معلَّقة، تقسم الصف، وتهدد المستقبل، وتنذر بالفناء.
* * *
_________
(١) ابن تيمية، للدكتور محمد أبو زهرة (ص ١٥٤).
стр. 17
ثانيًا: اسمه ونسبه
هو الحافظ الحجَّة، والمُفسِّر العمدة، والمحدِّث الثقة، والمؤرِّخِ الموضوعيّ، والفقيه المستحضر، عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، بن ضَوْ بن درع (١) القرشي، الحَصْلي، البُصروي، الدِّمشقي، الشافعي، المعروف بابن كثير.
فهو عربي "قرشي" لأن بني حَصْلة ينتسبون إلى الشرف، وبأيديهم نسب، وقد وقف على بعضها الشيخ أبو الحجاج جمال الدين المِزِّي، فأعجبه ذلك وابتهج به، فصار يكتب في نسب ابن "القرشي" (٢).
وهو "بُصروي": لأن أباه من "بصرى" وهي بلدة قديمة بالشام من أعمال دمشق، وتقع في لجنوب الشرقي من سورية، وثاني مدينة بعد "درعا" في منطقة حوران، وتبعد عن دمشق حوالي (١٣٧) كم.
وهو بعد ذلك "دمشقي": لأنه سكن دمشق، ونشأ فيها، ثم توفي ودُفن فيها.
* * *
_________
(١) كذا في طبقات المفسرين؛ للداودي (١/ ١١) وإنباء الغمر بأبناء العمر، لابن حجر (١/ ٤٥) وفي شذرات الذهب، لابن العماد (٨/ ١٩٧) وذيل تذكرة الحفاظ؛ للحسيني (ص ٥٧) ابن ذُرَع. وفي الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة؛ لابن حجر (١/ ٣٩٩) "القيسي" وفي نسخة "العبسي".
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ٣٥).
стр. 18
ثالثًا: ولادته ونشأته
• ولادته:
ولد ابن كثير بقرية "مَجْدَلْ" (١) وهي قرية شرقي مدينة "بصرى" سنة ٧٠١ هـ، ولم يُنقل لنا شيء عن تحديد اليوم أو الشهر الذي وُلد فيه، بل إن بعض من ترجم له لم يجزم في تحديد سنة ولادته، فالإمام الذهبي يقول في "طبقات الحفاظ": ولد بعد السبعمئة أو فيها (٢). والحافظ ابن حجر يقول في "الدرر الكامنة": ولد سنة سبعمئة أو بعدها بقليل (٣).
وهذا التاريخ لولادة ابن كثير مستنبط من كلامه هو، حيث يقول في ترجمة أبيه المتوفى سنة ٧٠٣ هـ: "وكنتُ إذ ذاك صغيرًا ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أدركه إلا كالحلم" (٤) والذي يدقق النظر في كلامه: "ابن ثلاث سنين أو نحوها" يترجح لديه أن تكون ولادته في سنة ٧٠١ هـ لا في سنة ٧٠٠ هـ، إلا أن يكون قد وُلد في أواخر السبعمئة، وتوفي أبوه في أوائل سنة ٧٠٣ هـ. ويرى أحمد محمد شاكر في "عمدة التفسير": أن ولادة ابن كثير كانت سنة ٧٠٠ هـ أو قبلها بقليل، ورجَّح ذلك من عبارة ابن كثير نفسها: "لا أدركه إلا كالحلم" فقال: الذي هو في سن أقل من الثلاث، ما أظنه يذكر شيئًا كالحلم ولا أبعد من الحلم ولا أقرب، فهو حين موت أبيه قد جاوز الثالثة في أكبر ظني (٥). وقال: وابن ثلاث سنين لا يعرف تواريخ السنين على اليقين في تلك السن، فقد سمع إذن تحديد السنة التي مات فيها أبوه ممن حوله من إخوة وأهل وجيران (٦).
ولكننا نعود فنؤكد سنة ٧٠١ هـ، لأنها من تحديد المؤلف ابن كثير، حيث نجده يقطع الشك باليقين، ويقول في أواخر سنة (إحدى وسبعمئة): وفيها وُلد كاتبه إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي (٧).
_________
(١) وتعرف الآن باسم (الجدل) وهي بجوار بلدة (القُرَيَّة) وكلتاهما تقعان في السفح الجنوبي الغربي لجبل العرب. وهما تابعان إداريًا لمحافظة السويداء.
(٢) تذكرة الحفاظ؛ للذهبي (٤/ ١٥٠٨).
(٣) الدرر الكامنة (١/ ٣٩٩).
(٤) البداية والنهاية (١٦/ ٣٥٠).
(٥) عمدة التفسير (١/ ٢٣).
(٦) عمدة التفسير (١/ ٢٣).
(٧) البداية والنهاية (١٦/ ١٩).
стр. 19
• نشأته:
أما نشأته الأولى فكانت في قرية "مَجْدل" أو "مِجْدل" أو "مجيدل القُرَيَّة" (١) وتقع شرقي مدينة بصرى، وهي موطن أمه، انتقل إليها والد ابن كثير في أواخر حياته، وعمل بها إمامًا للصلوات وخطيبًا للجمع والأعياد، وبقيت الأسرة بعد وفاته مقيمة بها حوالي أربع سنين، ثم تحوَّلت إلى دمشق سنة ٧٠٧ هـ، وغادر ابن كثير هذه القرية بعد أن ملأ قلبه وفكره من ذكريات الطفولة فيها، وحفظ ما يتحدَّث الناس به عن خطب والده المؤثرة، وسمع ما يحفظونه من أقواله وشعره، وقصَّ عليه إخوته أن أباه سمَّاه إسماعيل تيمنًا بأن يكون كأخيه الكبير طالب علم، الذي اختطفته يد المنون بعد أن قطع في طريق طلب العلم شوطًا بعيدًا، فتطلَّعت نفسه منذ ذلك السن المبكر إلى السير في هذا الطريق، والارتواء من منهله العذب، فيقر بذلك عينَ والده في قبره، ومن ثَمَّ يصبح بين الناس كأبيه شيئًا مذكورًا.
وأما نشأته الثانية والمؤثِّرة، فكانت في دمشق الشام، فارتحل إليها مع أخيه الشقيق عبد الوهاب المحب الشفوق، الذي كان بمثابة الأب والمعلم الأول له، واستمر في ملازمته والاستفادة منه مدة طويلة، ولنسمع المؤرخ ابن كثير يحدثنا عن ذلك فيقول: "ثم تحوَّلنا من بعدُ -أي من بعد وفاة الوالد- في سنة ٧٠٧ هـ إلى دمشق صحبة كمال الدين عبد الوهاب، وكان لنا شقيقًا، وبنا رفيقًا شفوقًا، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين وسبعمئة، فاشتغلت على يديه في العلم، فيسَّر اللَّه تعالى على يديه ما تيسَّر، وسهَّل منه ما تعسَّر" (٢).
ويُحدِّد ابن كثير مكان سكناهم في دمشق، ولكن بأسماء قد تبدلت وعفَّى عليها الزمن فيقول:
"في هذه السنة ٧٠٧ هـ كان قدومنا من بُصرى إلى دمشق بعد وفاة الوالد، وكان أول ما سكنا بدرب سفُّون الذي يُقال له درب ابن أبي الهيجاء بالصاغة العتيقة عند الطيوريين" (٣).
ويقول في ترجمة الشيخ محيي الدين بن عبد اللَّه بن صفي الدين إبراهيم بن مرزوق المتوفى سنة ٦٦٢ هـ:
"داره التي جعلت مدرسة للشافعية، وقفها الأمير جمال الدين آقوش النَّجِيبي التى يقال لها "النجيبية" -تقبَّل اللَّه منه- وبها كانت إقامتنا، جعلها اللَّه دارًا تعقبها دار القرار في الفوز العظيم" (٤).
_________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٣٦).
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ٣٧).
(٣) المصدر السابق (١٦/ ٦٤).
(٤) المصدر السابق (١٥/ ٤٠١).
стр. 20
ولم ينشأ أبو الفداء في دمشق غريبًا، ثم يرحل عنها غريبًا، بل قضى عمره في ربوع دمشق يكتب تاريخها، فيُغني بكلماته أفراحها وانتصاراتها، ويبكي أحزانها وأتراحها. ويصف لنا من خلال الصراع على الحكم قلعتها وأبوابها، وطرقها وساحاتها، ويترجم ما يراه في عيون سكانها وهم يودِّعون واليًا مخلوعًا، أو يستقبلون حاكمًا جديدًا، أو يشهدون نائبًا متمرِّدًا أوآخر غادرًا.
ويُدعى ابن كثير بعد أن تخرج من محراب العلم إلى مجالس العلم والتحكيم، وهي تقام في بساتين دمشق الساحرة، أو في قاعات قصورها الشامية الفسيحة.
ويتطلع أهل دمشق إلى الاستفادة من حفظ ابن كثير واستحضاره، فيعتلي منابر المساجد خطيبًا، ويدخل المدارس المتخصصة مدرسًا ورئيسًا، ويجلس في مسجد بني أمية تحت قبة النسر مفسِّرًا ومحدِّثًا. فأيُّ مغاني خير وبركة كانت تنتظره في دمشق، فتفتح نفسه على العلم بنهم زائد، وتمنحه قلم الفقيه الورع والمؤرخ المسؤول، فيعيش للفيحاء أكثر مما يعيش فيها. ودمشق حين سكنها ابن كثير ونشأ فيها معدن العلم وموئل العلماء، فتحت صدرها للأساتذة الكبار العائذين بها من وجه الفرنجة والتتار، فأصبحت عشًا ومأمنًا لهم، وتلقتهم مدارسها بالترحاب، فملؤوها علمًا وكتبًا، وكان من علمائها الكبار المحدِّث الثقة أبو الحجاج المزي، والفقيه الشافعي الحجة تاج الدين الفزاري، والعالم المجدد ابن تيمية ومن جاء بعده من تلاميذه المشهورين كابن القيم وابن كثير.
ويهمنا أن نثبت هنا البدايات في تحصيله العلمي إبان نشأته:
- ختم القرآن الكريم حفظًا سنة ٧١١ هـ على الشيخ محمد بن أبي الحسن البعلبكي (١) الحنبلي المتوفى سنة ٧٣٠ هـ.
- وتعلَّم القراءات على الشيخ محمد بن جعفر (١) اللَّبَّاد المتوفى سنة ٧٢٤ هـ.
- وتعلَّم الكتابة على الشيخ نجم الدين موسى بن علي (١) المتوفى سنة ٧٢٣ هـ.
* * *
_________
(١) انظر ترجمة وافية لكل من هؤلاء الشيوخ في فقرة خامسًا "شيوخه" الآتية (ص ٢٣).
стр. 21
رابعًا: أسرته
• ونبدأ بالتعرُّف على أفراد أسرته التي تحدَّر منها، وهم:
أبوه:
قال ابنه: "الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير، ولد في حدود سنة ٦٤٠ هـ، واشتغل بالعلم عند أخواله بني عقبة ببصرى، فقرأ "البداية" في مذهب أبي حنيفة، وحفظ "جمل الزجَّاجي" وعُني بالنحو والعربية واللغة، وحفظ أشعار العرب، حتى كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح والمراثي، وقليل من الهجاء، وقرَّر بمدارس بصرى بمَبْرك الناقة (١) شمالي البلدة، حيث يُزار، وهو المَبْرك المشهور عند الناس، واللَّه أعلم بصحة ذلك. ثم انتقل إلى خطابة القُرَيَّة شرقي بصرى، وتمذهب للشافعي، وأخذ عن النواوي، والشيخ تقي الدين الفزاري -وكان يكرمه ويحترمه فيما أخبرني شيخنا العلَّامة ابن الزملكاني- فأقام بها نحوًا من ١٢ سنة، ثم تحوَّل إلى خطابة "مجدل" القرية التي منها الوالدة، فأقام بها مدة طويلة في خير وكفاية وتلاوة كثيرة، وكان يخطب جيدًا وله مقول عند الناس، ولكلامه وقع؛ لديانته، وفصاحته، وحلاوته. وكان يُؤثر الإقامة في البلاد؛ لما يرى فيها من الرفق ووجود الحلال له ولعياله. توفي والدي في شهر جمادى الأولى سنة ٧٠٣ هـ في قرية مجدل، ودفن بمقبرتها الشمالية عند الزيتونة" (٢).
إخوته وأخواته:
ونستمر بالإصغاء إلى الحافظ ابن كثير وهو يُحدثنا عن إخوته وأخواته فيقول:
"وقد وُلد له عدة أولاد من الوالدة ومن أخرى قبلها. أكبرهم إسماعيل، ثم يونس، ثم إدريس. ثم من الوالدة: عبد الوهاب، وعبد العزيز، وأخوات عِدَّة. ثم أنا أصغرهم، وسُمِّيتُ باسم الأخ "إسماعيل" لأنه كان قدم دمشق، فاشتغل بها بعد أن حفظ القرآن على والده، وقرأ مقدمة في النحو، وحفظ "التنبيه" وشرْحَه على العلامة تاج الدين الفزاري، وحصَّل "المنتخب" في أصول الفقه، قاله لي شيخنا ابن الزملكاني. ثم إنه سقط من سطح الشَّامية البرانية، فمكث أيامًا ومات، فوجد الوالد عليه وجدًا كثيرًا، ورثاه بأبيات كثيرة، فلما وُلدت أنا له بعد ذلك سمَّاني
_________
(١) أي: ناقة النبي ﷺ .
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ٣٧).
стр. 22
باسمه، فأكبر أولاده إسماعيل، وأصغرهم وآخرهم إسماعيل، فرحم اللَّه من سلف، وختم بخير لمن بقي" (١).
ولم يعرف من أحوال أفراد هذه الأسرة إلَّا ثلاثة: الأخ الأكبر إسماعيل من الزوجة الأولى، والأخ الأصغر إسماعيل المؤلف والمؤرخ المشهور، والأخ الثالث عبد الوهاب، وهو الأخ الشقيق والأكبر من الزوجة الثانية، الذي تحمَّل مسؤولية الأسرة، وارتحل بهم إلى دمشق طلبًا للرزق واستكمالًا للعلم، ووصفه ابن كثير بالرفق والشفقة، وقد اشتهرت من أولاد عبد الوهاب هذا بنت هي ست القضاة أم عيسى (٧٣٠ - ٨٠١ هـ) التي تميزت بالعلم والمعرفة والثقافة الدينية، فقد حدَّثت بالإجازة عن القاسم بن عساكر، والحجَّار، وعلي الواني، والمِزّي، والشرف ابن حافظ، وغيرهم. وقد سمع منها الفضلاء، وأجازت لابن حجر فيمن أجازت (٢).
• وأما أسرته التي أسسها في دمشق، فاختار لها الزوجة الصالحة، وأنجب الأولاد البررة، وأفرادها هم:
زوجه:
أمة الرحيم زينب، بنت الشيخ جمال الدين المِزِّي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ، وهو شيخه في علم الحديث، ولم يسجل ابن كثير في "البداية والنهاية" تاريخ زواجه؛ وإنما ذكر اسمها، وأنها حفظت القرآن مع أمها أم فاطمة عائشة بنت إبراهيم بن صديق، على الشيخة الصالحة العابدة أم زينب فاطمة بنت عباس التي ختَمت القرآن لنساء كثيرات (٣)، والمتوفاة سنة ٧١٤ هـ، وسمعتْ من والدها الكثير من الأجزاء والكتب الكبار، منها "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" حيث نجد اسمها ضمن من سمعوا هذا الكتاب على المؤلف (٤). وقد أرَّخ ابن كثير لوفاة حماته سنة ٧٤١ هـ. كما نقل عن زوجه زينب حادثة وفاة أبيها الشيخ أبي الحجاج (٥) المزي، يرحمه اللَّه تعالى.
أولاده:
الأول: عمر، وهو أكبر أولاده. قال ابن حجر في ترجمته: "عُني بالفقه، وكتب تصانيف أبيه، وولي الحِسْبة مرارًا، ونظرَ الأوقاف، ودرَّسَ بعدة أماكن، وعاش خمسًا وأربعين سنة، مات في رجب سنة ٧٨٣ هـ" (٦).
_________
(١) البداية والنهاية (١٦/ ٣٦).
(٢) الضوء اللامع، للسخاوي (١٢/ ٥٧) وشذرات الذهب (٩/ ١٨).
(٣) البداية والنهاية (١٦/ ٢٩٧).
(٤) تنظر مقدمة الدكتور بشار لكتاب تهذيب الكمال.
(٥) البداية والنهاية (١٦/ ٢٩٧).
(٦) إنباء الغمر بأبناء العمر؛ لابن حجر (٣/ ٧٥).
стр. 23
وذكر ابن حجر في ترجمة ابن كثير (١): أن ابنه عمر نسخ له مسند الإمام أحمد الذي رتبه ابن المحب الصامت المتوفى سنة ٧٨٩ هـ على ترتيب حروف المعجم، وكانت هذه النسخة أصلًا لأبيه في تأليف كتابه الكبير "جامع المسانيد والسنن" ثم بيَّض عمر هذا الكتاب الجامع، ورأى ابن حجر النسختين بخط عمر.
الثاني: زين الدين عبد الرحمن المتوفى سنة ٧٩٢ هـ، أشار إليه ابن فهد في كتابه "لحظ الألحاظ" (٢) واكتفى بالتصريح بأنه مات ودفن في دمشق.
الثالث: بدر الدين أبو البقاء محمد بن الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير، ولادته بدمشق سنة ٧٥٩ هـ ووفاته بها سنة ٨٠٣ هـ. ذكر السخاوي في "الضوء اللامع" وابن العماد في "شذرات الذهب" (٣) أنه وُلد بدمشق، ونشأ بها، واشتغل وطلب، وتخرَّج بابن المحبّ، وسمع الكثير من ابن أميلة، والصلاح بن أبي عمر، وغيرهما من أصحاب الفخر، ورحل إلى القاهرة، فسمع من بعض شيوخها، وتميَّز في هذا الشأن قليلًا، وشارك في الفضائل، مع خط حسن معروف جيد الضبط (٢). إلا أنَّ ابن حجي قال: لم يكن محمود السيرة، ودرَّس بعد أبيه في تربة أم صالح، وعلَّق تاريخًا للحوادث التي في زمنه، ذكر فيه أشياء غريبة. وقال الحافظ ابن حجر: سمعت من فوائده، وسمع بقراءتي في دمشق، ومات في سن الكهولة عن أربع وأربعين سنة بالرملة فارًا من دمشق" (٢). ولعله فرَّ من دمشق في الفتنة التيمورية، حيث دخل تيمورلنك دمشق في ربيع الثاني من عام ٨٠٣ هـ، ورحل عنها في شعبان من نفس السنة.
الرابع: تاج الدين عبد الوهاب، وُلد سنة ٧٦٧ هـ، وتوفي سنة ٨٤٠ هـ، وقال السخاوي في ترجمته: "سمع من أبيه، والمحب الصامت، وأحمد بن عبد الغالب الماكسيني، وابن أميلة، وحدَّث فسمع منه الفضلاء" (٤).
الخامس: شهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن عمر بن كثير، ذكره السخاوي (٥) في ترجمة ابنته المحدثة أسماء التي كانت سببًا في ذكر اسم أبيها وعدم نسيانه للأجيال المتأخرة، وهي التي تولَّت تربيتها وتعليمها ستُّ القضاة أم عيسى بنت عبد الوهاب، والتي تقدم ذكرها قريبا (٦).
* * *
_________
(١) المصدر السابق (١/ ٤٧).
(٢) لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفَّاظ؛ لابن فهد (ص ١٧٨).
(٣) الضوء اللامع؛ للسخاوي (٧/ ١٣٨)، وشذرات الذهب، لابن العماد (٩/ ٥٧).
(٤) الضوء اللامع؛ للسخاوي (٥/ ٩٨).
(٥) المصدر السابق (٥/ ٩٨).
(٦) انظر المقدمات (ص ٢٣).
стр. 24
خامسًا: شيوخه وتلاميذه
أ- شيوخه:
تمهيد: اتجه ابن كثير في دراسته إلى العلوم الشرعية، وبخاصة الفقه والحديث، وما يتصل بهما من علوم القرآن والسنة واللغة العربية، وهو الاتجاه السائد في عصره، يدفعه إلى ذلك نشأته الأولى في أسرته، وبخاصة أخوه وشيخه الأول عبد الوهاب، يضاف إلى ذلك أنه طالب علم نبيه ومتفوِّق، فهو كثير الحفظ، قليل النسيان، صحيح الذهن، مما يفسر العلاقة الحميمة بينه وبين شيوخه، الذين أحبُّوه وشجَّعُوه على الصبر والمثابرة، وكان لهم أثر كبير في تكوين شخصيته العلمية؛ كالمؤرخ الذهبي، والمحدِّث المزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وسنذكر فيما يلي تعريفًا مختصرًا بمشايخه، وهم صفوة العلماء في عصره، مرتبة أسماؤهم حسب سني وفاتهم، فنبدأ بالأقدم وفاة، حريصين كل الحرص على أن يكون التعريف بقلم ابن كثير ومن خلال تأريخه العظيم "البداية والنهاية":
١ - موسى بن علي بن محمد الحَلَبي، نجم الدين، الدمشقي المتوفى سنة ٧١٦ هـ:
قال ابن كثير: "الكاتب الفاضل المعروف بالبُصْبُص، شيخ صناعة الكتابة في زمانه، لا سيما في المزوج والمثلث، وقد أقام يُكتِّبُ الناسَ خمسين سنة، وأنا ممن كتب على يديه أثابه اللَّه، وكان شيخًا حسنًا، بهيَّ المنظر. . توفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة، ودفن بمقابر الباب الصغير، وله خمس وستون سنة" (١).
٢ - زكريا بن يوسف بن سمليمان بن حمَّاد، ركن الدين البجلي الشافعي، المتوفى سنة ٧٢٢ هـ:
لم يذكر ابن كثير العلم الذي أخذه عنه، وإنما قال: "شيخنا العلامة الزاهد ركن الدين، بقية السلف، نائب الخطابة، ومدرس الطيبية والأسدية، وله حلقة للإشغال (٢) بالجامع، يحضر بها عنده الطلبة، كان يشغل بالفرائض وغيرها، مواظبًا على ذلك، توفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى عن سبعين سنة، ودفن قريبًا من شيخه تاج الدين الفزاري -رحمهما اللَّه-" (٣).
_________
(١) البداية والنهاية (١٦/ ١٢١).
(٢) الإشغال هو التعليم، والاشتغال: طلب العلم.
(٣) البداية والنهاية (١٦/ ١٥٩).
стр. 25
٣ - عبد اللَّه، ضياء الدين، الدَّرْبَنْدِي النحوي، المتوفى سنة ٧٢٣ هـ:
أخذ عنه علم النحو، وقال: "كان قد اضطرب عقله فسافر من دمشق إلى القاهرة، فأشار شيخ الشيوخ القونوي فأُودع بالمارستان، فلم يُوافق، ثم دخل إلى القلعة وبيده سيف مسلول فقتلَ نصرانيًا، فحُمل إلى السلطان وظنوه جاسوسًا، فأمر بشنقه فشُنق، وكنتُ ممن اشتغل عليه في النحو" (١).
٤ - محمد بن محمد بن محمد، شمس الدين، أبو نصر الشيرازي، المتوفى سنة ٧٢٣ هـ:
أخذ عنه الحديث، وقال: "شيخنا الأصيل شمس الدين، أبو نصر محمد بن عماد الدين أبي الفضل محمد بن شمس الدين أبي نصر محمد بن هبة اللَّه محمد بن يحيى بن بندار بن مميل الشيرازي، مولده في شوال سنة تسع وعشرين وستمئة، وسمع الكثير وأسمع، وأفاد في عليَّة شيخنا المِزِي تغمده اللَّه برحمته، قرأ عليه عدة أجزاء بنفسه، وكان شيخًا حسنًا خيِّرًا، متواضعًا، مباركًا، يُذهِّبُ الربعات والمصاحف، له في ذلك يد طولى، ولم يتدنَّس بشيء من الولايات، ولا تدنِّس بشيء من وظائف المدارس ولا الشهادات إلى أن توفي يوم عرفة ببستانه من المزة، وصلِّي عليه بجامعها، ودُفن بتربتها ﵀" (٢).
٥ - عبد الوهاب بن ذؤيب الأسدي، المعروف بابن قاضي شهبة، المتوفى سنة ٧٢٦ هـ:
تفقَّه عليه ابن كثير، لأنه كان ينوب عن الشيخ تاج الدين الفزاري في حلقته، وله حلقة خاصة، قال عنه: "وُلد بحوران في سنة ثلاث وخمسين وستمئة، وقدم دمشق، واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري ولازمه، وانتفع به، وأعاد بحلقته، وتخرَّج به، وكذلك لازم أخاه الشيخ شرف الدين، وأخذ عنه النحو واللغة، وكان بارعًا في الفقه والنحو. . توفي بالمدرسة المجاهدية، وبها كانت إقامته، ليلة الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة، وصُلِّي عليه بعد صلاة الظهر، ودُفن بمقابر باب الصغير" (٣).
٦ - محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم، كمال الدين، أبو المعالي المعروف بابن الزملكاني، المتوفى سنة ٧٢٧ هـ:
أخذ ابن كثير عنه الفقه وحضر دروسه، وقال عنه: "انتهت إليه رئاسة المذهب تدريسًا وإفتاءً ومناظرة، برع وساد أقرانه، وحاز قصب السبق عليه بذهنه الوقَّاد، وتحصيله الذي أسهرَه ومنعه الرقاد، وعبارته التي هي أشهر من السهاد، وخطه الذي هو أنضر من أزاهير المهاد. . وقال: أما
_________
(١) البداية والنهاية (١٦/ ١٦٥).
(٢) المصدر السابق (١٦/ ١٦٩).
(٣) المصدر السابق (١٦/ ١٩٦).
стр. 26
دروسه في المحافل فلم أسمع أحدًا من الناس يُدرِّس أحسن منه، ولا أحلى من عبارته، وحسن تقريره، وجودة احترازاته، وصحة ذهنه، وقوة قريحته، وحسن نظمه، توفي في رمضان سنة سبع وعشرين وسبعمئة ببليس، وحُمل إلى القاهرة، ودُفن جوار قبَّة الشافعي ﵁" (١).
٧ - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تقي الدين، أبو العباس، الحراني الحنبلي، شيخ الإسلام، المتوفى سنة ٧٢٨ هـ:
لازم ابن كثير شيخه ابن تيمية، وأحبه حبًا عظيمًا، وأخذ عنه فأكثر من آرائه، وكان يُفتي برأيه في مسألة الطلاف، وامتحن بسبب ذلك وأوذي.
ويقول ابن حجر العسقلاني: "وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه، وامتحن بسببه" (٢) ورغم أن ابن كثير كان شافعي المذهب، فإنه كان مخلصًا لابن تيمية، تأثر به كل التأثر في نبذ البدع والضلالات المستحدثة ومناصرة السنة وأهلها. وفي الجزء السادس عشر من طبعتنا الجديدة للبداية والنهاية نجده يتتبع مواقف الشيخ ابن تيمية المشهودة، وجهاده البطولي، فيفرح لانتصاره على (٣) التتار وأهل البدع (٤) والزيغ، ويحزن لسجنه، ويحضر إلى قلعة دمشق عند وفاته، ويقبل وجهه عند غسله (٥)، ويصف جنازته الكبرى (٦)، التي خرج فيها أهل دمشق ومن حولها من القرى يُودِّعون العالم المصلح المجاهد، ويرى ابن كثير في هذه الحشود الحزينة أكبر انتصار لدعوة الشيخ الإصلاحية، ولطمة مؤلمة لأعدائه وحسَّاده.
وقال ابن كثير بعد ترجمة حاشدة أخذها من تاريخ شيخه البِرْزَالي: "وعملت له -للشيخ ابن تيمية- ختمات كثيرة ورؤيت له منامات صالحة عجيبة، ورثي بأشعار كثيرة وقصائد مطوَّلة جدًا، وقد أُفردت له تراجم كثيرة، وصنَّف في ذلك جماعة من الفضلاء، وسألخص من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه، وفضائله، وشجاعته، وكرمه، ونصحه، وزهادته، وعبادته، وعلومه المتنوعة الكثيرة المجودة، وصفاته الكبار والصغار، التي احتوت على غالب العلوم، ومفرداته في الاختيارات التي نصرها بالكتاب والسنة، وأفتى بها" (٧).
وبالجملة كان ﵀ من كبار العلماء، وممن يُخطئ ويُصيب، ولكن خطؤه بالنسبة إلى
_________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٢٩٧).
(٢) الدرر الكامنة (١/ ٤٠٠).
(٣) البداية والنهاية (١٦/ ٢٦).
(٤) البداية والنهاية (١٦/ ٤٣).
(٥) المصدر السابق (١٦/ ٢١٣).
(٦) المصدر السابق (١٦/ ٢١٤).
(٧) المصدر السابق (١٦/ ٢١٤).
стр. 27
صوابه كنقطة في بحر لجيٍّ، وخطؤه أيضًا مغفور له، كما في صحيح البخاري "إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصاب له أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" فهو مأجور، وقال الإمام مالك بن أنس: كلُّ أحدٍ يُؤخذ من قوله ويُترك إلا صاحب هذا القبر (١).
٨ - إبراهيم بن عبد الرحمن الفَزَاوي، برهان الدين، الشهير "بابن الفركاح"، المتوفى سنة ٧٢٩ هـ:
سمع ابن كثير عليه "صحيح مسلم" وغيره في الحديث، وتفقَّه عليه في المذهب الشافعي، وقال عنه: "كان مقبلًا على شأنه، عارفًا بزمانه، مستغرقًا أوقاته في الاشتغال والعبادة، كثير المطالعة وإسماع الحديث، وقد سمعنا عليه "صحيح مسلم" وغيره، وكان يُدرِّس بالمدرسة البادرائية، وله تعليق على "التنبيه"، فيه من الفوائد ما ليس يوجد في غيره، وله تعليق مختصر على "مختصر ابن الحاجب" في أصول الفقه، وله مصنفات في غير ذلك كبار، وبالجملة فلم أر شافعيًا من مشايخنا مثله، وكان حسن الشكل، عليه البهاء والجلالة والوقار، حسن الأخلاق، فيه حدَّة ثم يعود قريبًا، وكرمه زائد، وإحسانه إلى الطلبة كثير. .
توفي بكرة يوم الجمعة سابع جمادى الأولى بالمدرسة المذكورة، وصُلِّي عليه عقب الجمعة بالجامع، وحُملت جنازته على الرؤوس وأطراف الأنامل، وكانت حافلة، ودُفن عند أبيه وذويه بباب الصغير، رحمه اللَّه تعالى" (٢).
٩ - أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم بن نعمة، شهاب الدين، أبو العبَّاس، الحجَّار، المعروف "بابن الشحنة" المتوفى سنة ٧٣٠ هـ:
سمع عليه ابن كثير أجزاء حديثية بالإجازات والسَّماعات، و"صحيح البخاري"، وقال عنه: "كان شيخًا حسنًا، بهيَّ المنظر، سليم الصدر، ممتَّعًا بحواسِّه وقواه، فإنه عاش مائة سنة مُحَقَّقًا وزاد عليها، لأنه سمع "صحيح البخاري" من الزَّبِيدي في سنة ٦٣٠ هـ، وأسمعه هو في سنة ثلاثين وسبعمئة في ٩ صفر بجامع دمشق، وسمعنا عليه يومئذ، وللَّه الحمد.
توفي الحجار يوم الاثنين خامس وعشرين صفر من هذه السنة، وصُلِّي عليه بالمظفري يوم الثلاثاء، ودُفن بتربة له عند زاوية الدومي، بجوار جامع الأفرم، وكانت جنازته حافلة، ﵀" (٣).
_________
(١) البداية والنهاية (١٦/ ٢١٥).
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ٢٢٥).
(٣) البداية والنهاية (١٦/ ٢٣٢).
стр. 28
١٠ - محمد بن حسين بن غيلان، شرف الدين، أبو محمد، البعلبكي الحنبلي المتوفى سنة ٧٣٠ هـ:
ختم عليه ابن كثير حفظ القرآن سنة ٧١١ هـ، قال عنه: "سمع الحديث وأسمعه، وكان يُقرئ القرآن طرفي النهار، وعليه ختمت القرآن. .، وكان من الصالحين الكبار، والعبَّاد الأخيار" (١).
١١ - عبد اللَّه بن يوسف، شمس الدين، أبو محمد المقدسي، ابن العفيف، المتوفى سنة ٧٣٧ هـ:
قرأ عليه ابن كثير كثيرًا من الأجزاء الحديثية، وقال عنه: "قرأتُ عليه عام ثلاث وثلاثين وسبعمئة - مرجعنا من القدس كثيرًا من الأجزاء والفوائد، وهو والد صاحبنا جمال الدين يوسف، أحد مفتي الحنابلة وغيرهم، والمشهورين بالخير والصلاح" (٢).
توفي يوم الخميس ثاني وعشرين ربيع الآخر بنابلس، ودفن بها، وتأسف الناس عليه، رحمه اللَّه تعالى.
١٢ - القاسم بن محمد بن يوسف، علم الدين، أبو محمد البِرْزالي، الإشبيلي الأصل، الدمشقي، المتوفى سنة ٧٣٩ هـ:
أخذ عنه ابن كثير علم التاريخ، وقال: "هذا آخر ما أرَّخه شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في كتابه الذي ذيَّل به على تاريخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي (٣)، وقد ذيَّلتْ على تاريخه إلى زماننا هذا، وكان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء ٢٠ جمادى الآخرة من سنة ٧٥١ هـ".
توفي سنة ٧٣٩ هـ وهو محرم فغُسِّل وكُفِّن ولم يُستر رأسه، وحمله الناس على نعشه وهم يبكون حوله، وكان يومًا مشهودًا. .، توفي عن أربع وسبعين سنه (٤)، ﵀.
١٣ - يوسف ابن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الرحمن، أبو الحجاج، المِزِّي، المتوفى سنة ٧٤٢ هـ:
لازم ابنُ كثير هذا الشيخ الكبير، وسمع عليه أكثر تصانيفه، وتخرَّج على يديه، وقرأ عليه "صحيح البخاري"، وقرأ عليه كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" واسمه مذكور في طباق السماعات، وأصهر إليه فتزوَّج ابنته زينب، وأصبح قريبًا منه في حلقات دروسه، وقريبًا منه في
_________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٢٣١).
(٢) المصدر السابق (١٦/ ٢٧٨).
(٣) المسمّى "الروضتين في أخبار الدولتين".
(٤) البداية والنهاية (١٦/ ٢٨٨).
стр. 29
بيته، ومكثرًا من الأخذ عنه، وتأثر به تأثيرًا بينًا في العقائد، فإن المزي كان من أخلص مؤيدي شيخ الإسلام ابن تيمية، ووصف لنا مرضه الذي مات فيه، وجنازته المهيبة، فقال: "وفاة شيخنا أبي الحجَّاج المزي: تمرَّضَ أيامًا يسيرة، لا يُشغله عن شهود الجماعة، وحضور الدروس وإسماع الحديث، فلما كان يوم الجمعة حادي عشر صفر أسمع الحديث إلي قريب وقت الصلاة، ثم دخل منزلة ليتوضأ ويذهب للصلاة، فاعترضه في باطنه مغص عظيم ظنَّ أنه قولنج، وما هو إلا طاعون، فلم يقدر على حضور الصلاة، فلما فرغنا من الصلاة أخبرت بأنه منقطع، فذهبت إليه فدخلت عليه، فإذا هو يرتعد رعدة شديدة من قوة الألم الذي هو فيه، فسألته عن حاله، فجعل يُكرِّر الحمدُ للَّه، ثم أخبرني بما حصل له من مرض شديد، وصلَّى الظهر بنفسه، ودخل إلى الطهارة، وتوضأ على البِرْكةِ وهو في قوة الوجع، ثم اتصل به هذا الحال إلى الغد من يوم السبت، فلما كان وقت الظهر لم أكن حاضره إذ ذاك، لكن أخبرتنا بنته زينب زوجتي، أنه أذَّن الظهر تغيَّر ذهنه قليلًا، فقالت: يا أبة أذَّن الظهر! فذكر اللَّه وقال: أريد أن أصلي، فتيمَّم وصلَّى، ثم اضطجع فجعل يقرأ آيه الكرسي، حتى جعل لا يفيض بها لسانه، ثم قبضت روحه بين الصلاتين، ﵀، يوم السبت ثاني عشر صفر. . وفي يوم الأحد ثالث عشر صفر صبيحة ذلك اليوم، غُسِّل وكُفِّن وصُلِّي عليه بالجامع الأَمَوِي. . ثم صُلِّي عليه خارج باب النصر. . ودفن في مقابر الصوفية إلى جانب زوجته الصالحة الحافظة لكتاب اللَّه عائشة بنت إبراهيم بن صديق، غربي قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵏ أجمعين-" (١).
١٤ - محمد بن أحمد عثمان بن قايماز، أبو عبد اللَّه الذهبي التركماني، الفارقي، الدمشقي، المتوفى سنة ٧٤٨ هـ:
تتلمذ ابن كثير على هذا الشيخ: في علوم التفسير، والحديث، والتاريخ، وروى عنه، وقال في ترجمته: "وفي ليلة الاثنين ثالث شهر ذي الحجة توفي الشيخ الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، بتربة أم الصالح، وصُلِّي عليه يوم الاثنين صلاة الظهر في جامع دمشق، ودفن بباب الصغير، وقد ختم به شيوخ الحديث وحفَّاظه، ﵀" (٢).
١٥ - محمود بن عبد الرحمن، شمس الدين، أبو الثناء، الأصبهاني، المتوفى سنة ٧٤٩ هـ:
أخذ ابن كثير عنه علم الفقه، فقد كان بارعًا في العقليات، صحيحَ الاعتقاد، محبًا لأهل الصلاح (٣).
_________
(١) البداية والنهاية (١٦/ ٢٩٧).
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ٣٤٠).
(٣) شذرات الذهب (٨/ ٣٨١) والدرر الكامنة (٥/ ٩٥) والفتح المبين (٢/ ١٥٨).
стр. 30
اشتغل بتبريز، وتصدَّر للإقراء بها، ثم قدم دمشق ٧٢٥ هـ، ودرَّس بالرواحية، واشتهر أمره بمصر وصنَّف "التفسير الكبير" و"شرح مختصر ابن الحاجب" و"شرح منهاج البيضاوي في أصول الفقه".
توفي بالقاهرة بالطاعون، ودفن بها (١).
• وسمع ابن كثير على عدد من الشيوخ كتبًا، ومشيخات، وأجزاء وفوائد، فحُقَّ أن يُذكروا مشايخ له، وهم:
١ - عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن أحمد. . المسند، شرف الدين، أبو محمد السمسار في العقار، مُطَعِّم الأشجار، المتوفى سنة ٧١٩ هـ:
سمع عليه ابن كثير معظم الصحيح -صحيح البخاري- (٢).
٢ - القاسم بن مظفَّر بن محمود بن أحمد بن الحسن بن هبة اللَّه، بهاء الدين بن عساكر الدمشقي، الطبيب، المتوفى سنة ٧٢٣ هـ:
سمع عليه ابن كثير مشيخة في سنة وفاته، خرَّجها له علم الدين البرزالي، وقال عنه في "البداية والنهاية": شيخنا الجليل، الرُّحلة (٣).
٣ - يحيى بن إسحاق بن خليل بن فارس، محيي الدين، أبو زكريا الشيباني الشافعي، المتوفى سنة ٧٢٤ هـ:
سمع عليه ابن كثير "سنن الدراقطني" وغيره (٤).
٤ - محمد بن عمر بن عثمان بن عمر، عفيف الدين، الصقلي الدمشقي، المتوفى سنة ٧٢٥ هـ:
قال عنه ابن كثير: "إمام مسجد الرأس، آخر من حدَّث عن ابن الصلاح" ببعض سنن البيهقي، سمعنا عليه شيئًا منها" (٥).
٥ - إسماعيل بن المسلم بن الحسن بن النصر، ضياء الدين، أبو الفداء الدمشقي، المعروف بابن الحموي، المتوفى سنة ٧٢٧ هـ:
سمع ابن كثير منه مشيخة خرَّجها له البِرْزَالي (٦).
_________
(١) شذرات الذهب (٨/ ٣٨١) والدرر الكامنة (٥/ ٩٥) والفتح المبين (٢/ ١٥٨).
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ١٤٥).
(٣) المصدر السابق (١٦/ ١٦٧).
(٤) المصدر السابق (١٦/ ١٧٨).
(٥) المصدر السابق (١٦/ ١٨٤).
(٦) البداية والنهاية (١٦/ ٢٠١).
стр. 31
٦ - محمد بن عبد الملك بن إسماعيل بن العادل أبي بكر بن أيوب، الملك الكامل، ناصر الدين، أبو المعالي، المتوفى سنة ٧٢٧ هـ:
قال ابن كثير: كان له سماع كثير، سمعنا عليه، وكان يحفظ تاريخًا جيدًا (١).
٧ - حمزة بن مؤيد الدين أبي المعالي أسعد. . التميمي، الدمشقي، ابن القلانسي، المتوفى سنة ٧٢٩ هـ:
قال الحافظ ابن كثير: سمع الحديث من جماعة، ورواه، وسمعنا عليه (٢).
٨ - علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي التبريزي، المتوفى سنة ٧٢٩ هـ:
سمع ابن كثير عليه مشيخة بين سنة ٧٢٣ هـ وسنة ٧٢٩ هـ حين قدم القُونَوي إلى دمشق قاضيًا (٣).
٩ - محمد بن محمد بن سهل الأزدي الغرناطي الأندلسي، المتوفى سنة ٧٣٠ هـ:
سمع ابن كثير عليه "صحيح مسلم" بقراءته في تسعة مجالس قراءة صحيحه (٤).
١٠ - أحمد بن محمد بن محمد بن نصر اللَّه. . جمال الدين، أبو العباس التميمي، الدمشقي، ابن القلانسي، المتوفى سنة ٧٣١ هـ:
بسمع عليه مشيخة خرَّجها له فخر الدين البعلبكي (٥).
١١ - سليمان بن عمر بن سالم بن عمر بن عثمان، جمال الدين، الأذرعي، المتوفى سنة ٧٣٤ هـ:
سمع ابن كثير عليه مشيخةً، خرَّجها له البِرْزالي، عن اثنين وعشرين شيخًا (٦).
١٢ - عمر بن علي بن سالم بن عبد اللَّه، تاج الدين، أبو حفص اللخمي، الإسكندراني، المعروف "بابن الفاكهاني"، المتوفى سنة ٧٣٤ هـ:
سمع ابن كثير عليه حين قدم دمشق سنة ٧٣٠ هـ، أيام قاضي القضاة الأخنائي، فأنزله في دار السعادة، وقال: وسمعنا عليه ومعه (٧).
_________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٢٠٢).
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ٢٢٧).
(٣) المصدر السابق (١٦/ ٢٢٦).
(٤) المصدر السابق (١٦/ ٢٣٠).
(٥) البداية والنهاية (١٦/ ٢٤١).
(٦) المصدر السابق (١٦/ ٢٥٩).
(٧) المصدر السابق (١٦/ ٢٦١).
стр. 32
١٣ - أبو محمد عبد اللَّه بن محمد بن يوسف بن عبد المنعم بن نعمة، شمس الدين المقدسي، النابلسي الحنبلي، المتوفى سنة ٧٣٧ هـ:
سمع عليه سنة ٧٣٣ هـ كثيرًا من الأجزاء والفوائد (١).
١٤ - عمر بن أبي بكر بن المِيْهنيّ، البسطي، فخر الدين، ابن البخاري، المتوفى سنة ٧٤٢ هـ:
قرأ عليه ابن كثير مختصر المشيخة (٢).
١٥ - علم الدين الجاولي، المتوفى سنة ٧٤٥ هـ:
سمع عليه "مسند الإمام الشافعي"، وذلك حين مرَّ من دمشق يوم الثلاثاء ٢٥ صفر سنة ٧٤٣ هـ في طريقه إلى حماة لمباشرة نيابتها، وقد رأى ابن كثير عمله في "المسند"، وشرْحَه عليه، وأثنى عليه حسن ترتيبه (٣).
١٦ - يوسف بن عبد بن محمد بن يوسف، جمال الدين، أبو الحجاج المقدسي، المتوفى سنة ٧٥٤ هـ:
كان من العلماء العبَّاد الورعين محبًا للحديث وأهله، سمع "سنن ابن ماجه" من الحافظ ابن بدران النابلسي، وسمع منه ابن كثير (٤).
١٧ - أحمد بن عبد اللَّه الجهني، شهاب الدين البارزي الحموي، نزيل دمشق، المتوفى سنة ٧٥٥ هـ:
سمع ابن كثير منه "الغيلانيات" (٥)، وقد كان يُحدِّث بها عن غازي الحلاوي.
١٨ - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بركات بن شمس الدين المعروف "بابن الخباز" الحنبلي، المتوفى سنة ٧٥٦ هـ:
سمع منه المِزي، والذهبي، والسبكي، وابن جماعة، وابن رافع، وابن كثير، وغيرهم (٦).
١٩ - عبد العزيز بن محمد، عز الدين، أبو عمر بن جماعة، المتوفى سنة ٧٦٧ هـ:
سمع عليه ابن كثير بقراءته شيئًا كثيرًا، حين قدم دمشق في أواخر رجب سنة ٧٢٥ هـ من
_________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٢٧٨).
(٢) البداية والنهاية (١٦/ ٣٠٥).
(٣) المصدر السابق (١٦/ ٣١١).
(٤) ابن حجر: الدرر (١/ ١٩٠). شذرات الذهب (٨/ ٣٠٢).
(٥) ابن حجر: الدرر (١/ ١٩٠). شذرات الذهب (٨/ ٣٠٣).
(٦) شذرات الذهب (٨/ ٣١٠).
стр. 33
مصر (١)، ويبدو مما جاء عند ابن حجر أن ابن جماعة في هذه الرحلة انتفع بابن كثير، في تخريج أحاديث الرافعي (٢).
٢٠ - محمد بن موسى الأنصاري الدمشقي، الشهير "بابن الشيرجي"، المتوفى سنة ٧٧٠ هـ:
سمع عليه، وكان ابن الشيرجي سمع من الفخر ابن البخاري جزء الأنصاري، وحدَّث به، وتفرَّد به عنه (٣).
ومن طرائف الأمور الدالة على فهم ابن كثير في تلقي العلم وحرصه عليه أنه لم يكن يأنف أن يأخذ ممن هو أصغر منه سنًا حينما يكون ذلك الشاب متميزًا، فقد عرفنا أن ابن كثير استفاد أشياء من الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي المولود بمصر سنة ٧٢٥ هـ والمتوفى سنة ٨٠٦ هـ، قال السخاوي: "كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة كالسبكي والعلائي وابن جماعة وابن كثير. . . وكذا صَرَّح ابن كثير باستفادته منه تخريج شيءٍ وقف على المحدثين، وقرأ عليه شيئًا، وذكر في شرحه للألفية أنه سمع منه حديثًا من مشيخة قاضي المارستان" (٤).
• وأجاز لابن كثير:
من علماء بغداد ابن الدواليبي المتوفى سنة ٧٢٨ هـ.
ومن علماء مصر أبو موسى القرافي، وأبو الفتح محمد الدبوسي، ويوسف الخُتَني، وعلي بن عمر الوَاني (٥)، وغير واحد.
• لم أجد في المصادر القديمة -التي وقفت عليها- ما يدل على أن ابن القيم محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي المتوفى سنة ٧٥١ هـ كان شيخًا لابن كثير، وإنما هو صاحبه ومعاصره، ورفيقه في التلمذة والطلب على شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وفي ترجمة ابن كثير لابن القيم بعد وفاته يقول ابن كثير: "صاحبنا" (٦) ويقول: "وكنت من أصحب الناس له، وأحب الناس إليه" (٧).
ب- تلاميذه:
أثمر التلقي عن الشيوخ في حياة ابن كثير؛ إلى التبكير بظهور الحافظ ابن كثير عالمًا مشهورًا،
_________
(١) البداية والنهاية (١٦/ ١٨٣).
(٢) إنباء الغمر بأنباء العمر (١/ ٤٦).
(٣) شذرات الذهب (٦/ ١٧٦).
(٤) الضوء اللامع؛ للسخاوي (٤/ ١٧٣).
(٥) الدرر الكامنة؛ لابن حجر (١/ ٤٠٠)، ودرر العقود للمقريزي (١/ ٤٠١).
(٦) البداية والنهاية (١٦/ ٣٥٣).
(٧) البداية والنهاية (١٦/ ٣٥٤).
стр. 34
ومدرسًا مرموقًا، وشيخًا مقصودًا، يدخل المدارس العامة بثقة واعتبار، ويترأس المدراس المتخصصة بكفاءة واقتدار.
وأول مدرسة درَّس فيها المدرسة النجيبية، وقد تقدم أنه سكنها مع أسرته، وأول درس فيها كان يوم ١١ جمادى الأولى من سنة ٧٣٦ هـ، حيث فسَّر قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقال في تاريخه: "وكان الدرس حافلًا أثنى عليه الحاضرون وتعجبوا من جمعه وترتيبه" (١).
ثم ولي التدريس في المدرسة الفاضلية بعد أن شغرت عن الإمام الذهبي، وتولَّى مشيخة الحديث في المدرسة الصالحية، ودار القرآن والحديث التنكزية، ودار الحديث الأشرفية الجوانية (٢).
* وافتتح دروس التفسير في المسجد الأموي تحت قبة النسر صباح يوم ٢٨ شوال سنة ٧٦٧ هـ وكان درسًا حافلًا ومشهودًا في تفسير سورة الفاتحة، حضره الطلاب والقضاة والأعيان (٣).
* وكان عضوًا في لجان الامتحان، لاختبار الطلاب والشبان النابهين في اللغة والحفظ؛ فحضر يوم ٢٠ شعبان من سنة ٧٤٧ هـ لامتحان صبي عمرهُ ست سنين يحفظ القرآن، ويؤدي القرآن بإتقان، وفي يوم ٢٠ شعبان من سنة ٧٦٣ هـ حضر مع العلماء لامتحان بدر الدين محمد بن الشيخ كمال الدين بن الشربيني، وكان يحفظ كثيرًا من شواهد اللغة.
• وحضر شاب من بلاد تبريز وخراسان يزعم أنه يحفظ "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، و"جامع المسانيد" لابن كثير، و"الكشاف" للزمخشري، فلما كان يوم الأربعاء سلخ شهر رجب سنة ٧٦٣ هـ، قرأ في الجامع الأموي بالحائط الشمالي منه، عند باب الكلَّاسة، من أول "صحيح البخاري" إلى أثناء كتاب العلم عنه من حفظه، وأنا أقابل عليه من نسخة بيدي (٤).
وقال الشاب: أنا ما خرجت من بلادي إلا إلى القصد إليك، وأن تجيزني، وذكرك في بلادنا مشهور (٥).
• كل هذا يجعل التلاميذ المتلقِّين عن ابن كثير لا يُحصون عددًا، ولا يُعرفون كثرة، فقال
_________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٢٦٩).
(٢) المصدر السابق (١٦/ ٢٦٩ و ٣٤٠).
(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٣٢١).
(٤) المصدر السابق (١٦/ ٤٣٢ - ٤٣٣).
(٥) المصدر السابق (١٦/ ٤٣٣).
стр. 35
مترجموه: "وتلامذته كثيرة" (١) و"أخذ عنه كثيرون" (٢) و"خرَّج كثيرًا من الطلاب" (٣).
ونجد هؤلاء المعرِّفين بابن كثير والمترجمين لحياته ومآثره يُغفلون أسماء تلاميذه، ولا يذكرون إلا اسم تلميذه ابن حجي! فأين ذهبت أسماء تلك الكثرة الكاثرة من التلاميذ والمريدين؟!.
• وتعليل ذلك فيما نرى -واللَّه أعلم- أن المشايخ والعلماء الكبار ينقسمون إلى ثلاثة أصناف:
الأول: ينشغل بالشأن العلمي العام، وإلقاء الدروس الخاصة والعامة، وممارسة الوظائف الرئاسية والإدارية، ويتفرغون في بيوتهم وأوقاتهم الخاصة للتصنيف والتأليف.
والثاني: صنف يلقي دروسه الخاصة والعامة، ويكرس كلَّ وقته لطلابه ومريديه، ممن يختار من المتفوقين والنابهين. وهؤلاء يتشرَّبون علومه ومنهجه، ويحملون اسمه، ويُذيعون بين الناس دعوته وطريقته.
والثالث: صنف يجمع بين الأمرين، ويُحقِّق الانتشار العام، وتخريجَ التلاميذ الأَكْفَاء المتميزين.
ولعل شيخنا العلَّامة ابن كثير من الصنف الأول، ممن شغل الناس بدروسه في حياته، وشغل الناس بكتبه ومصنفاته بعد مماته.
كما يلاحظ أن كتب التراجم إنما تُعنى بذكر التلاميذ الآخذين عن الشيوخ المُعَمَّرين، ولم يكن ابن كثير منهم، لأسانيدهم العالية، فتأمل مثلًا أسماء المذكورين في الكتب من الآخذين عن الحَجَّار بسبب كونه معمرًا عالي السنَد.
- ومع ذلك فإننا نستطيع العثور على عدد من أسماء التلاميذ ممن نصَّت الكتب على أخذه أو سماعه أو إجازته من شيخه الكبير ابن كثير، وهم:
١ - محمد بن موسى بن محمد بن سند بن نعيم، شمس الدين أبو العباس اللخمي، المتوفى سنة ٧٩٢ هـ:
أذن له في الإفتاء العلائي، وابن كثير (٤).
٢ - يحيى بن يوسف بن يعقوب بن أحمد بن يحيى، محيي الدين، أبو زكريا الرحبي، المتوفى سنة ٧٩٤ هـ:
_________
(١) شذرات الذهب (٨/ ٣٩٩).
(٢) عصر سلاطين المماليك، لمحمود رزق سليم (٤/ ١٤٤).
(٣) دائرة المعارف للبستاني (٣/ ٤٧٧).
(٤) شذرات الذهب (٨/ ٥٥٨).
стр. 36
قال الحافظ ابن حجر: لازم ابن كثير، وكتب عنه فوائد حديثية، أكثرها يتعلق بالصحيح (١).
٣ - محمد بن بهادر بن عبد اللَّه، بدر الدين الزركشي التركي، المتوفى سنة ٧٩٤ هـ:
قال ابن حجر: "رحل إلى دمشق، فأخذ عن ابن كثير الحديث، وقرأ عليه مختصره في علوم الحديث، ورثاه عند وفاته ببيتين من الشعر هما:
لفقدك طلاب العلوم تأسفوا … وجادوا بدمعٍ لا يبيدُ غزير
ولو مزجوا ماء المدامع بالدما … لكان قليلًا فيك يا بن كثير (٢)
٤ - محمد بن محمد بن عنقة، أبو جعفر البسكري ثم المدني، المتوفى سنة ٨٠٤ هـ:
قال ابن العماد: وحمل عن ابن رافع، وابن كثير (٣).
٥ - سعد بن يوسف بن إسماعيل بن يوسف، سعد الدين النواوي، المتوفى سنة ٨٠٥ هـ:
قال النُّعيمي: حمل عن ابن كثير، وقرأ عليه تأليفه "اختصار علوم الحديث" وأذن له ابن كثير بالفتوى (٤).
٦ - محمد بن محمد بن محمد بن الخضر، شمس الدين الزبيري العيزري الغزي الشافعي المولود بالقدس سنة ٧٢٤ هـ والمتوفى سنة ٨٠٨ هـ.
قال السخاوي: "ودخل دمشق فأخذ بها عن ابن كثير و. . . إلخ" (٥).
٧ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عمر بن رضوان، شهاب الدين الحريري، الدمشقي، المعروف بالسلاوي، المتوفى سنة ٨١٣ هـ:
قال السخاوي: سمع الحديث على التقي بن رافع، وابن كثير، وقرأ عليهما (٦).
٨ - علي بن زيد بن علوان بن صبرة بن مهدي بن حريز، أبو الحسن -وكناه بعضهم أبا زايد- الردماوي الزُّبَيْدي، وتسمَّى بأخرة عبد الرحمن، المتوفى سنة ٨١٣ هـ:
قال السخاوي: سمع من اليافعي، والشيخ خليل، وابن كثير (٧).
_________
(١) المصدر السابق (٨/ ٥٧٥) والدرر الكامنة (٤/ ٣٤٠).
(٢) الدرر الكامنة؛ لابن حجر (٣/ ٣٩٧).
(٣) شذرات الذهب (٩/ ٧٣).
(٤) الدارس في أخبار المدارس (١/ ٣٢٠).
(٥) الضوء اللامع (٩/ ٢١٨).
(٦) الضوء اللامع؛ للسخاوي (٢/ ٨١).
(٧) الضوء اللامع (٥/ ٢٢١).
стр. 37
٩ - أحمد بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العال، أبو العباس، شهاب الدين بن الحسباني، المتوفى سنة ٨١٥ هـ:
قال ابن فهد: وأخذ عن الحافظين: ابن كثير، وابن رافع (١).
١٠ - محمود بن عمر بن محمود بن إيمان، شرف الدين الأنطاكي ثم الدمشقي الحنفي المتوفى في شعبان سنة ٨١٥ هـ.
قال السخاوي: "قدم من بلده إلى حلب ثم إلى دمشق فسمع بها من ابن كثير والصلاح الصفدي وغيرهما" (٢).
١١ - مسعود بن عمر بن محمود بن أنمار، شرف الدين، الأنطاكي النحوي، نزيل دمشق، المتوفى سنة ٨١٥ هـ:
قال ابن العماد: قدم دمشق، وأخذ عن الصَّفدي، وابن كثير، وغيرهما (٣).
١٢ - أحمد بن العلاء حجِّي بن موسى بن أحمد. . شهاب الدين، أبو العباس، ابن حجّي السعدي الحُسْباني، المتوفى سنة ٨١٦ هـ:
تخرَّج في علوم الحديث بالحافظين: ابن كثير، وابن رافع (٤). وأثنى ابن حجي على شيخه ابن كثير، وصرَّح بأنه لازمه ست سنين (٥). وقد ذيّل على "البداية والنهاية" وسماه "تاريخ ابن حجي" وهو مطبوع.
١٣ - محمد بن سلمان بن محمد، شمس الدين البغدادي الأصل الدمشقي الصالحي الشافعي الصوفي القادري، نزيل القاهرة، المولود في حدود سنة ٧٥٠ هـ والمتوفى سنة ٨٢٠ هـ.
قال السخاوي: "وطلب العلم ولازم التاج السبكي وفتح الدين ابن الشهيد والعماد ابن كثير، وسمع منه مصنَّفه في علوم الحديث وفي فضل الجهاد وكتب له إجازة حسنة" (٦).
١٤ - محمد بن أحمد بن معالي، أبو المعالي، شمس الدين الحَبَتِّي (٧)، المتوفى سنة ٨٢٤ هـ:
قال السخاوي: سمع بدمشق من متأخري أصحاب الفخر، كابن أميلة، وكذا سمع من
_________
(١) لحظ الألحاظ (ص ٢٤٥).
(٢) الضوء اللامع (١٠/ ١٤٢).
(٣) شذرات الذهب (٨/ ١٧٠).
(٤) الدارس (١/ ١٤٢).
(٥) شذرات الذهب (٩/ ١٧٣).
(٦) الضوء اللامع (٧/ ٢٥٦).
(٧) قيده السخاوي فقال: "بمهملة ثم موحدة مفتوحتين ثم مثناة مشددة".
стр. 38
العماد ابن كثير (١)، وقال ابن حجر: كان ينقل عن شيخه ابن كثير الفوائد الجليلة" (٢).
١٥ - محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف، أبو الخير شمس الدين بن الجزري الشافعي، المتوفى سنة ٨٣٣ هـ:
صرَّح ابن الجزري بالسماع والرواية عن ابن كثير في كتابه "المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد" (٣). وذكر مترجموه أنه أخذ عنه الحديث، وأذن له ابن كثير بالإفتاء (٤).
١٦ - محمد بن أحمد بن حاجي، شمس الدين التبريزي ثم المقدسي الشافعي المعروف بابن عذيبة. ولد قبيل سنة ٧٥٥ هـ بتبريز، قال السخاوي: "ودخل مصر. . . وحلب. . . والشام في زمن ابن كثير وابن رافع وحضر عندهم" مات بمكة سنة ٨٣٥ هـ (٥).
١٧ - أحمد بن علي، تقي الدين المقريزي المولود سنة ٧٦٦ هـ والمتوفى سنة ٨٤٥ هـ، قال في كتابه: "درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة" (١/ ٤٠١، الترجمة ٣٢٧) "سمعت عليه بعدما كُف بصره الحديث المسلسل بالأوليات، وأجاز لي مسموعاته ومروياته".
١٨ - عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عَيَّاش، زين الدين أبو الفرج وأبو بكر الدمشقي الأصل، المكي الشافعي المقرئ المتوفى سنة ٨٥٣ هـ بمكة. قال السخاوي: "سمع حسبما كان يخبر على العمادين: ابن كثير وابن السراج" (٦).
وأجاز الحافظ ابن كثير لعدد من الطلبة، منهم: محمد بن أحمد بن موسى بن نجاد، ناصر الدين أبو عبد اللَّه النابلسي المقدسي، قال السخاوي: "أجاز له في سنة ست وخمسين الحفاظ الثلاثة: ابن كثير والعلائي والشهاب أبو محمود. . . إلخ" (٧).
* * *
_________
(١) الضوء اللامع (٧/ ١٠٧).
(٢) إنباء الغمر (٧/ ٤٠٨).
(٣) مسند الإمام أحمد، لأحمد شاكر (١/ ٣١).
(٤) مفتاح السعادة (١/ ٣٩٢) وذيل السيوطي (ص ٣٧٦).
(٥) الضوء اللامع (٦/ ٣٠١).
(٦) الضوء اللامع (٤/ ٥٩).
(٧) الضوء اللامع (٧/ ١١٢).
стр. 39
سادسًا: كتبه
تمهيد:
عاش ابن كثير ﵀ حياة علمية متنوعة ومتكاملة، بدأها بنشأته الأولى في أسرته العلمية، وانتهى بها بتعليمه العالي في دمشق الفيحاء التي تتسامى بالشيوخ والمؤلِّفين الكبار، ويُحيط به عن ملاصقة وقرب: أستاذه ابن تيمية، وحموه -أبو زوجه- أبو الحجاج المِزِّي، وشيخه الذهبي، وصاحبه ابن القيم، وكلُّهم كتب وألَّف، وشنَّف الآذان بما أملى وصنَّف.
وإذ تهيأ لابن كثير أن يدخل التدريس من أوسع أبوابه، فإن منصب الأستاذية الرئيس الذي بلغه يستدعي الجمع والتأليف. وكان من الطبيعي جدًا أن يكتب يراع الحافظ والمفسر المؤرِّخ الفقيه كتبًا عديدة في موضوعاتها، ومتميِّزة في أسلوبها، ومتقدِّمة في جوهرها، وفيها الرسائل الصغيرة، والكتب الموسوعية الكبيرة.
• وكان من الملفت حقًا أن يبدأ ابن كثير بالتأليف مبكرًا، وقد ظهر هذا في تأليف كتاب "الأحكام على أبواب التنبيه" في صغر (١)، ووقف عليه شيخه برهان الدين الفزاري، وأُعجب به، وأثنى عليه.
كما وضح في قدوم عز الدين بن جماعة -شيخ ابن كثير- إلى دمشق سنة ٧٢٥ هـ، واستقدم ابن كثير، وانتفع به في تخريج أحاديث الرافعي (٢)، مما يدل على نبوغ في علم الحديث، وسبق في فن تخريج الأحاديث.
واستمر هذا الشغف بالتأليف حتى نيف على السبعين، وكُفَّ بصرُه في إتمام كتابه الحديثي الكبير؛ كما صرح لتلميذه ابن الجزري حين قال له: "لا زلت أكتب فيه "جامع المسانيد" في الليل، والسراج ينوص، حتى ذهب بصري معه" (٣).
• وانتشرت كتبه في حياته، فقُرئتْ عليه نسخٌ من كتابه "اختصار علوم الحديث" وقرئت "السيرة النبوية" من تأليفه في المسجد الأموي تحت قبة النسر (٤)، ووصل كتابه "جامع المسانيد"
_________
(١) شذرات الذهب؛ لابن العماد (٨/ ٣٩٧).
(٢) إنباء الغمر بأنباء العمر (١/ ٤٥).
(٣) مسند الإمام أحمد؛ لأحمد شاكر (١/ ٤٠).
(٤) البداية والنهاية (١٤/ ٢٩٤).
стр. 40
إلى خراسان وادَّعى شاب أعجمي حفظ أجزاء منه، وجاء إلى دمشق ليطلب إجازة مؤلفه (١).
• وشهد العلماء الأفذاذ على جودة تآليفه وإتقانها، كما شهدوا على انتشارها وشيوعها بين الناس، فهذا الذهبي يقول: "له تصانيف مفيدة" (٢) ويؤيد ذلك العيني فيقول: "له مصنفات عديدة ومفيد (٣). ويقول ابن حجر "وصنف التصانيف الكثيرة في التفسير والتاريخ والأحكام" ويقول: "وسارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد مماته" (٤).
ويقول ابن حبيب: "سمع وجمع وصنَّف، وأطرب الأسماع بالفتوى وشنَّف، وحدَّث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسته العلم في التاريخ والحديث والتفسير" (٥).
• فاكتملت مؤهلات التأليف والعطاء عند ابن كثير، وأصبح من أجلِّ العلماء المصنِّفين في موضوعات محبَّبة ومتنوعة، تلقائية وغير متكلفة، تهتدي بالكتاب والسنة، وتتعدى حدود الزمن، فتخاطب الأجيال المتتابعة، وتظهر في العصور التالية وكأنها كُتبت لها!!.
فأي توفيق إلهي حالفه وهو يجمع مادة كتبه، وأي إخلاص رافقه وهو يصوغ كلماته وجمله، وأي نفَسٍ طاهر أجراه على أوراقه، فكتب له القَبُول عند اللَّه وعند خلقه؟!.
أ- الكتب المطبوعة والمخطوطة:
١ - تفسير القرآن العظيم:
ألَّفه في عشرة أجزاء قبل عام ٧٤٢ هـ تقريبًا (٦)، لكنه ظل ينقح فيه إلى آخر حياته وأحال إليه في "البداية والنهاية كثيرًا".
وطبع على حساب الملك عبد العزيز -رحمه اللَّه تعالى- بتحقيق الشيخ رشيد رضا، ومع تفسير البغوي في تسع مجلدات، في مطبعة المنار سنة ١٣٤٣ - ١٣٤٧ هـ، ومعه كتاب "فضائل القرآن" ملحقًا بالتفسير بعد أن عُثر عليه في آخر النسخة الخَطِّيَّة المَكِّيَّة. ثم أُعيد مستقلًا عن البغوي سنة ١٣٨٤ هـ في أربع مجلدات من القطع الكبير عن طبعة المنار، وعلَّق حواشيه عبد الوهاب
_________
(١) المصدر السابق (١٦/ ٤٣٢).
(٢) الدرر الكامنة (١/ ٣٧٤).
(٣) النجوم الزاهرة (١١/ ١٢٣).
(٤) إنباء الغمر بأنباء العمر (١/ ٤٦).
(٥) شذرات الذهب (٨/ ٣٩٨).
(٦) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٢٥٢) طبعة دار ابن كثير، تفسير الآية: ١٠٤ من سورة الأنبياء، ففيها ذكر ابن كثير شيخه المزي، ودعا له: "فسح اللَّه له في عمره، ونسأ في أجله" والشيخ المزي توفي سنة ٧٤٢ هـ.
следующие страницы →