← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

عليهم طبقاً من حديد، ولآمُرَنّ الأرض فلتكونَن سبيكة من نحاس، فلا سماء تمطر، ولا أرض تنبت. فإن أمطرت (١) خلال ذلك شيئاً سلّطت عليهم الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركةَ، وإن دَعَوني لم أجبْهم، وإن سألوني لم أُعْطِهم، وإن بكَوا لم أرحَمْهم، وإنْ تَضَرَّعوا إليَّ صرفتُ وجهي عنهم، وإن قالوا: اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك، وذلك بأنّك اخترتَنا لنفسكَ، وجعلتَ فينا نُبوَّتَك وكتابك ومساجدك، ثم مَكَّنْتَ لنا في البلاد واستخلفتنا فيها، وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صِغاراً، وحفظتنا وإيّاهم برحمتك كباراً، فأنتَ أوفى المُنْعِمين وإنْ غَيَّرْنا، ولا تُبَدّل وإنْ بدَّلْنا. وأن يتم نعمته وفضله ومَنَّه وطَوله وإحسانه (٢). فإن قالوا ذلك قلت لهم: إني أبتدئ عبادي برحمتي ونعمتي، فإن قبلوا أتممت، وإن استزادوا زدت، وإن شكروا ضاعَفْتُ، وإن بدلوا غيرت، وإذا غيّروا غضبت، وإذا غضبتُ عذَّبْتُ وليس يقوم شيء بغضبي. قال كعب: فقال أرميا: برحمتك أصبحْت، أتعلّم بين يديك، وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذلُّ وأضعفُ مِن أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك، ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم، وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني بما رضيت به مني طولًا، والإقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك حولي بغير نكر ولا تغيير مني، فإن تعذبني فبذنبي، وإن ترحمني فذلك ظَنّي بك. ثم قال: يا رب سبحانك وبحمدك وتباركتَ ربَّنا وتعاليت، أتُهلك هذه القرية وما حولَها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك؟ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رُفِعتْ لذكرك؟ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتل هذه الأمة وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك وأمة موسى نجيَّك وقوم داود صفيَّك؟. يا رب أي القرى تأمن عقوبتَك بعدُ؟ وأي العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم وأُمّة نجيّك موسى وقوم خليفتك داود، تسلط عليهم عبدة النيران؟ قال الله تعالى: يا أرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي فإني أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي، ولو أنهم عصوني لأنزلتهم دار العاصين إلا أن أَتَدارَكَهم برحمتي. قال أرميا: يا رب اتخذتَ إبراهيم خليلاً وحفظتنا به. وموسى قَرَّبته نجياً، فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفْنا ولا تسلط علينا عدوَّنا. فأوحى الله إليه: يا أرميا إني قدَّسْتُك في بطن أمك، وأخَّرتك إلى هذا اليوم، فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكينَ وابنَ السبيل لكنت الداعم لهم، وكانوا عندي بمنزلة جنةٍ ناعم شجرُها، طاهر ماؤها، ولا يغور ماؤها، ولا تبور ثماره ولا تنقطع. ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل، إني كنتُ لهم بمنزلة الداعي الشفيق أُجَنّبهم كل قَحْطِ وكل عسرة، وأتبع بهم الخِصب

стр. 632

حتى صاروا كباشاً ينطح بعضُها بعضًا، فيا ويلَهم ثمّ يا ويلهم، إنّما أُكرم من يكرمني (١)، وأُهين من هان عليه أمري. إنَّ من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي، وإن هؤلاء القوم يتبرَّعون بمعصيتي تبرُّعاً، فيُظهرونها في المساجد والأسواق وعلى رؤوس الجبال وظلال الأشجار، حتى عجَّت السماء إليَّ منهم، وعجَّت الأرض والجبال، ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها، وفي كل ذلك لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب. قال: فلما بلَّغهم أرميا رسالة ربهم، وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب، عصَوه وكذبوه واتهّموه وقالوا: كذبت وأعظمت على الله الفرية، فتزعم أن الله مُعطل أرضه ومساجدَه من كتابه وعبادته وتوحيده، فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابدٌ ولا مسجدٌ ولا كتاب؟! لقد أعظمت الفرية على الله واعتراك الجنون. فأخذوه وقيَّدوه وسجنوه. فعند ذلك بعث الله عليهم بختَ نصر، فاقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم، لْم حاصرَهم فكان كما قال تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾. قال: فلما طال بهم الحصر نزلوا على حُكمه، ففتحوا الأبوابَ وتخلَّلوا الأزِقة، وذلك قوله: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾، وحكم فيهم حُكم الجاهلية، وبطْشَ الجبّارين، فقتل منهم الثلثَ، وسبى الثلثَ، وترك الزَّمْنَى والشيوخَ والعجائز، ثم وطِئهم بالخيل، وهدم بيت المقدس، وساق الصبيان، وأوقف النساء في الأسواق محسرات (٢)، وقتل المقاتل وخرَّب الحصون، وهدمَ المساجد، وحرقَ التوراة، وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له الكتاب فوجدوه قد ماتَ، وأخرج أهلُ بيته الكتاب إليه وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر (٣) وميشائيل وعزرائيل وميخائيل فأمضى لهم ذلك الكتاب. وكان دانيال بن حزقيل خلفاً من دانيال الأكبر، ودخل بخت نصر بجنوده بيتَ المقدس، ووطئ الشامَ كلَّها، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم. فلما فرغ منها انصرف راجعاً وحمل الأموال التي كانت بها، وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألفَ غلامٍ، وقذف الكناسات في بيت المقدس، وذبح فيه الخنازير. وكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود، وأحدَ عشرَ ألفاً من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط إيشا بن يعقوب، وأربعة عشر ألفاً من سبط زيالون ونفتالي ابني يعقوب، وأربعةَ عشر ألفاً من سبط دان بن يعقوب وثمانية آلاف من سبط يستاخر بن يعقوب (٤) وألفين من سبط زيالون بن

стр. 633

يعقوب، وأربعة آلات من سبط روبيل ولاوي، واثني عشر ألفاً من سائر بني إسرائيل (١)، وانطلق حتى قدم أرض بابل. قال إسحاق بن بشر: قال وهب بن منبه: فلما فعل ما فعل قيل له: كان لهم صاحب يُحذرهُم ما أصابهم، ويصفك وخبرك لهم، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق كنائسهم، فكذّبوه واتّهموه وضربوه وقيَّدوه وحبسوه. فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن، فقال له: أكنتَ تُحذّر هؤلاء القوم ما أصابهم (٢)؟ قال: نعم. قال: فإني علمتُ ذلك. قال: أَرسلني الله إليهم فكذّبوني. قال: كذَّبوك وضربوك وسجنوك؟ قال: نعم. قال: بئس القوم قومٌ كذّبوا نبيَّهم وكذّبوا رسالة ربّهم، فهل لك أن تلحق بي فأكرمَك وأُواسيك؟ وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمَّنْتك. قال له أرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنتُ. لم أخرج منه ساعةً قَطُّ، ولو أن بني إسرائيل لم يَخْرجوا منه لم يخافوك ولا غيرَك، ولم يكن لك عليهم سلطانٌ. فلما سمع بخت نصر هذا القول منه تركه فأقام أرميا مكانه بأرض إيليا (٣). وهذا سياق غريب. وفيه حِكم ومواعظ وأشياء مليحة، وفيه من جهة التغريب غرابة. وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: كان بخت نصر إصبهبذا (٤) لما بين الأهواز إلى الروم للملك على الفرس وهو لهراسب، وكان قد بنى مدينة بلْخ (٥) التي تلقب بالخنساء، وقاتل الترك وألجأهم إلى أضيق الأماكن، وبعث بخت نصر لقتال بني إسرائيل بالشام، فلما قدم الشام صالحة (٦) أهل دمشق، وقد قيل إن الذي بعث بخت نصر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب، وذلك لتعدي بني إسرائيل على رسله إليهم. وقد روى ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيَّب: أن بخت نصر لما قدم دمشق وجد بها دماً يغلي على كبا -يعني القمامة- فسألهم ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركْنا آباءَنا على هذا، وكلما ظهرَ عليه الكَبا ظهرَ. قال: فقتل على ذلك سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم فسكنَ (٧).

стр. 634

وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيَّب، وقد تقدم من كلام الحافظ ابن عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا، وهذا لا يصح؛ لأن يحيى بن زكريا بعد بخت نصر بمدة، والظاهر أن هذا دم نبي متقدّم، أو دم لبعض الصالحين (١)، أو لمن شاء الله ممن الله أعلم به. قال هشام بن الكلبي: ثئم قدم بخت نصر بيت المقدس فصالحه ملكها وكان من آل داود، وصانعه عن بني إسرائيل، وأخذ منه بخت نصر رهائن ورجع. فلما بلغ طبرية بلغه أن بني إسرائيل ثاروا على مكهم فقتلوه لأجل أنه صالحه، فضرب رقابَ من معه من الرهائن، ورجَع إليهم فاخذ المدينة عَنوة، وقتل المقاتلة وسبى الذرية (٢). قال: وبلغنا أنه وجد في السجن أرميا النبيَّ، فأخرجه وقصَّ عليه ما كان من أمره إياهم وتحذيره لهم عن ذلك فكذبوه وسجنوه، فقال بخت نصر: بئس القوم قومٌ عصَوا رسول الله. وخفى سبيله وأحسن إليه واجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا: إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله مما صنعنا، فادْعُ الله أن يقبل توبتنا، فدعا ربَّه فأوحى الله إليه أنه غيرُ فاعلٍ، فإن كانوا صادقين فليقيموا معكَ بهذه البلدة، فأخبرهم ما أمره الله تعالى به، فقالوا: كيف نقيم بهذه البلدة وقد خربت وغضب الله على أهلها؟ فأبوا أن يقيموا (٣). قال ابن الكلبي: ومن ذلك الزمان تفرّقت بنو إسرائيل في البلاد، فنزلت طائفةٌ منهم الحجاز، وطائفة يثرب، وطائفة وأدي القُرى، وذهبت شِرْذمة منهم إلى مصر، فكتب بخت نصر إلى ملكها يطلب منه من شرد منهم إليه، فأبى عليه، فركب في جيشه فقاتله وقهره وغلبه وسبى ذراريهم. ثمّ ركب إلى بلاد المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية. قال: ثمّ انصرف بسبيٍ كثيرٍ من أرض المغرب ومصر وأهل بيت المقدس وأرض فلسطين والأردن، وفي السبي دانيال. قلت: والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الأصغر لا الأكبر على ما ذكره وهب بن منبه. والله أعلم.

стр. 635

ذكر (١) شيء من خبر دَانيال ﵇ قال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أحمد بن عبد الأعلى الشّيباني قال: إن لم أكن سمعته من شعيب بن صفوان، فحدّثني بعض أصحابنا عنه عن الأجلح الكِنْدي، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: ضَرَّى بختُ نَصَّر أَسَدين، فألقاهما في جُبٍّ، وجاء بدانيال فألقاه عليهما، فلم يهيجاه (٢)، فمكث ما شاء الله، ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب، فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام إن أعدِد طعاماً وشراباً لدانيال، فقال: يا رب أنا بالأرض المقدَّسة ودانيال بأرض بابل من أرض العراق، فأوحى الله إليه أن أعدِد ما أمرناك به فإنا سنرسل مَن يحملُك ويحملُ ما أعددت، ففعل، وأرسل الله تعالى مَن حَمَلَه وحمل ما أعدَّ، حتى وقف على رأس الجبّ، فقال: دانيالُ! دانيال! فقال: من هذا؟ قال: أنا أرميا. فقال: ما جاء بك؟ فقال: أرسلني إليك ربُّك. قال: وقد ذكرني (٣) ربي؟ قال: نعم. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى مَن ذَكره. والحمد لله الذي لا يخيَّب (٤) من رجاه. والحمد لله الذي من وثق به لم يكِلْه إلى غيره. والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا. والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاةً. والحمد لله الذي هو يكشف ضَرَّنا بعد كربنا. والحمد لله الذي هو يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا. والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا. قال: ولم أره ذكر إيصال ما أعدَّه أرميا لدانيال من الطعام الذي أحب (٥). وقال يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق عن أبي خَلْدة خالد بن دينار (٦)، حدّثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تُسْتَر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية. فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا. فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سِيَرُكم وأمورُكم ولُحون كلامكم، وما هو كائن بعدُ. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً مثفزقةً، فلما كان بالليل دفنّاه وسوّينا القبورَ كلَّها لنُعَمِّيه على الناس فلا ينبشونه. قلت: فما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيُمْطَرون. قلت: مَن كنتم تظنّون الرجلَ؟ قال: رجل يقال له: دانيال.

стр. 636

قلت: منذ كم وجدتموه قد مات؟ قال: من ثلاثمئة سنة. قلت: ما تغيَّر منه شيء؟ قال: لا، إلا شعرات من قفاه، إن لُحوم الأنبياء لا تُبليها الأرض ولا تأكلها السباع. وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية، ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظاً من ثلاثمئة سنة، فليس بنبي بل هو رجل صالح، لأن عيسى بن مريم ليس بينه وبين رسول الله ﷺ نبي بنص الحديث الذي في البخاري (١)، والفترة التي كانت بينهما أربعمئة سنة. وقيل: ستمئة. وقيل: ستمئة وعشرون سنة، وقد يكون تاريخ وفاته من ثمانمئة سنة، وهو قريب من وقت دانيال، إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في نفس الأمر، فإنه قد يكون رجلاً آخر، إما من الأنبياء أو الصالحين، ولكن قربت (٢) الظنون أنه دانيال، لأن دانيال كان قد أخذه ملك الفرس فأقام عنده مسجوناً، كما تقدم. وقد روي بإسناد صحيح إلى أبي العالية أن طول أنفه شِبرٌ. وعن أنس بن مالك بإسناد جيد أن طول أنفه ذراع (٣) -والله أعلم-، فيحتمل على هذا أن يكون رجلاً من الأنبياء الأقدمين قبل هذه المدد (٤). والله أعلم. وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "أحكام القبور" (٥): حدّثنا أبو بلال محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، حدّثنا أبو القاسم بن عبد الله، عن أبي الأشعث الأحمري قال: قال رسول الله ﷺ : إن دانيال دعا ربّه أن تدفنه أمّة محمد، فلما افتتح أبو موسى الأشعري تستر، وجده في تابوت تَضْرب عروقه ووريده، وقد كان رسول الله ﷺ قال: "من دل على دانيال فبشّروه بالجنة". فكان الذي دلّ عليه رجل يقال له: حُرقوص، فكتب أبو موسى إلى عمر بخبره، فكتب إليه عمر أنِ ادفنه وابعث إليّ حرقوص (٦) فإن النبي ﷺ بشَّره الجنة. وهذا مرسل من هذا الوجه، وفي كونه محفوظاً نظر. والله أعلم.

стр. 637

ثم قال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أبو بلال، حدّثنا قاسم بن عبد الله، عن عنبسة بن سعيد وكان عالماً قال: وجد أبو موسى مع دانيال مُصْحفاً وجَرَّة فيها ودك (١) ودراهم وخاتمه، فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: أمّا المصحف فابعث به إلينا، وأما الوَدَك فابعث إلينا منه، ومُر مَن قِبَلَك من المسلمين يستشفون به، واقسم الدراهم بينهم، وأمّا الخاتم فقد نَفَلْناكَهُ. وروى ابن أبي الدنيا من غير وجه أن أبا موسى لما وجده ذكروا له أنه دانيال التزمه وعانقه وقبّله. وكتب إلى عُمر يذكر له أمره، وأنه وجد عنده مالاً موضوعاً قريباً من عشرة آلاف درهم، وكان من جاء اقترض منها، فإن ردَّها وإلا مرض، وأن عنده ربعة (٢)، فأمر عُمر بأن يغسل بماءٍ وسدر (٣)، ويكّفن ويدفن ويُخفَى قبرُه فلا يعلم به أحد، وأمر بالمال أن يرد إلى بيت المال، وبالربعة فتحمل إليه، ونَفَلَه خاتمه. وروي عن أبي موسى أنه أمر أربعة من الأُسَراء فسَكَّروا نهراً، وحفروا في وسطه قبراً فدفنه فيه ثمّ قدم الأربعة الأسراء، فضرب أعناقهم، فلم يعلم بمكان موضع قبره غير أبي موسى الأشعري ﵁. وقال ابن أبي الدنيا: حدّثني إبراهيم بن عبد الله، حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: رأيت في يد أبي بردة بن أبي موسى الأشعري خاتماً نَقْش فصَّه أسدان بينهما رجل يلحسان ذلك الرجل، قال أبو بردة: هذا خاتم ذلك الرجل الميت الذي زعم أهل هذه البلدة أنه دانيال، أخذه أبو موسى يوم دفنه. قال أبو بردة: فسأل أبو موسى علماء تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم فقالوا: إن الملك الذي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجِّمون وأصحاب العلم فقالوا له: إنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يُغور (٤) ملكك ويفسده. فقال الملك: والله لا يبقى تلك الليلة غلام إلا قتلته، إلا أنَّهم أخذوا دانيال فألقوه في أجمة الأسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه ولم يضراه، فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه، فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ. قال أبو بردة: قال أبو موسى: قال علماء تلك القرية: فنقش دانيال صورته وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه لئلأ ينسى نعمة الله عليه. إسناد حسن.

стр. 638

وهذا ذكر عمارة بَيت المقدس بَعدَ خرابها واجتماع الملأ لمن بني إسرائيلِ بعد تفرقهم في بقاع الأرض وشعابها (١) قال الله تعالى في كتابه المبين وهو أصدق القائلين: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. قال هشام بن الكلبي: ثمّ أوحَى الله تعالى إلى أرميا ﵇، فيما بلغني، إني عامرٌ بيت المقدس فاخرج إليها فانزلها، فخرج حتى قدمها وهي خراب فقال في نفسه: سبحان الله، أمرني الله أن أنزل هذه البلدة، وأخبرني أنه عامرها، فمتى يعمرها؟! ومتى يُحييها الله بعد موتها؟! ثمّ وضع رأسه فنام ومعه حمارُه وسلَّة من طعام، فمكث في نومه سبعين سنةً حتى هَلَك بخت نصر والملك الذي فوقه، وهو لهراسب، وكان ملكه مئة وعشرين سنة، وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب وكان موت بخت نصر في دولته، فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب، وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين فلم يبق بها من الإنس أحد، فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل أن من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع، وملّك عليهم رجلاً من آل داود، وأمره أن يعمر بيت المقدس ويبني مسجدها. فرجعوا، فعمروها، وفتح الله لإرميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تُبنى وكيف تعمر، ومكث في نومه ذلك حتى تم له مئة سنة، ثم بعثه الله وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة، وقد عهد المدينة خراباً فلما نظر إليها عامرة آهلة قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: فأقام بنو إسرائيل بها وردّ الله عليهم أمرهم، فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف. ثمّ لم يكن لهم جماعة ولا سلطان (٢)، يعني بعد ظهور النصارى عليهم. هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه (٣) عنه. وذكر ابن جرير (٤) أن لهراسب كان ملكاً عادلًا سائساً لمملكته قد دانت له العباد والبلاد والملوك والقوّاد (٥) وأنه كان ذا رأي جيد في عمارة الأمصار والأنهار والمعاقل. ثمّ لما ضعف عن تدبير المملكة بعد مئة سنة ونيف نزل عن الملك لولده بشتاسب، فكان في زمانه ظهور دين المجوسية، وذلك أن رجلاً

стр. 639

اسمه زردشت كان قد صحب أرميا ﵇ فأغضبه فدعا عليه أرميا، فبرص زردشت، فذهب فلحق بأرض أذربيجان، وصحب بشتاسب، فلقنه دين المجوسية الذي اخترعه من تلقاء نفسه -لعنه الله- (١) فقبله منه بشتاسب، وحمل الناس عليه وقهرهم وقتل منهم خلقاً كثيراً ممن أباه منهم (٢). ثم كان بعد بشتاسب بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين والأبطال المذكورين وقد ناب بخت نصر لكلّ واحد من هؤلاء الثلاثة وعمر دهراً طويلاً، قبّحه الله. والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير من أن هذا المارَّ على هذه القرية هو إرميا ﵇. قاله (٣) وهب بن منبه، وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهما، وهو قوي من حيث السياق المتقدم. وقد رُوي عن علي وعبد الله بن سلام وابن عباس والحسن وقتادة والسُّدّي وسليمان بن بريدة وغيرهم أنه عُزير (٤). وهذا أشهر عند كثير من السلف والخلف. والله أعلم.

стр. 640

وَهذه قِصَّة العزير قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: هو عزير بن جروة، ويقال بن سوريق بن عديا بن أيوب بن درزنا ابن عري بن تقي بن إيشوع (١) بن فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران. ويقال: عزير بن سَروخا (٢). جاء في بعض الآثار أن قبره بدمشق. ثمّ ساق من طريق أبي القاسم البغوي عن داود بن عمرو عن حِبان بن علي عن محمد بن كُريب عن أبيه عن ابن عباس مرفوعاً "لا أدري ألُعِنَ تُبَّعٌ أم لا (٣)، ولا أدري أكان عزير نبياً أم لا". ثمّ رواه من حديث مؤمّل بن الحسن عن محمد بن إسحاق الشَّجْزي، عن عبد الرزاق عن معمر، عن أبي ذؤيب، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. ثمّ روي من طريق إسحاق بن بشر، وهو متروك (٤)، عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس أن عزيراً كان ممن سباه بخت نصر وهو غلام حدث، فلما بلغ أربعين سنة أعطاه الله الحكمة، قال: ولم يكن أحد أحفظ ولا أعلم بالتوراة منه. قال: وكان يُذكَر مع الأنبياء حتى محا الله اسمه من ذلك حين سأل ربّه عن القدر (٥). وهذا ضعيف ومنقطع ومنكر. والله أعلم. وقال إسحاق بن بشر عن سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة عن الحسن عن عبد الله بن سلام أن عزيراً هو العبد الذي أماته الله مئة عام ثمّ بعثه. وقال إسحاق بن بشر: أخبرنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن كعب، وسعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن، ومقاتل وجويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس وعن عبد الله بن إسماعيل السُّدي، عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عباس، وإدريس عن جده وهب بن منبه، قال إسحاق: كل هؤلاء جدَّثوني عن حديث عزير، وزاد بعضهم على بعض، قالوا بإسنادهم: إن عزيراً كان عبداً صالحاً حكيما، خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف أتى إلى خربة حين قامت الظهيرة وأصابه

стр. 641

الحر، ودخل الخربة وهو على حماره، فنزل عن حماره ومعه سلَّة فيها تين وسلَّة فيها عنب، فنزل في ظل تلك الخربة وأخرج قصعة معه، فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة، ثم أخرج خبزاً يابساً معه فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتل ليأكله، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط، فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها وقد باد أهلها، ورأى عظاماً بالية فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فلم يشك أن الله يحييها، ولكن قالها تعجُّباً، فبعث الله ملك الموت فقبض روحه، فأماته الله مئة عام. فلما أتت عليه مئة عام وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث، قال: فبعث الله إلى عزير مَلَكاً فخلق قلبه ليعقل (١) به، وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى. ثمّ ركَّب خلفه وهو ينظر ثمّ كَسَى عظامه اللحم والشعر والجلد، ثمّ نفخ فيه الروح، كلّ ذلك وهو يرى ويعقل، فاستوى جالساً، فقال له الملَك: كم لبثتَ؟ قال: لبثت يوماً، وذلك أنه كان لبث (٢) صدر النهار عند الظهيرة، وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب، فقال: أو بعض يوم، ولم يتم لي يوم، فقال له الملك: بل لبثت مئة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك، يعني الطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصر في القصعة فإذا هما على حالهما، لم يتغير العصير، والخبز يابس، فذلك قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يعني لم يتغير، وكذلك التين والعنب غض لم يتغير عن شيء من حالهم، فكأنه أنكر في قلبه، فقال له الملك: أنكرتَ ما قلتُ لك؟ انظر إلى حمارك، فنظر إلى حماره قد بليت عظامه وصارت نَخِرة، فنادى الملكُ عظامَ الحمار، فأجابت وأقبلت من كلَّ ناحية حتى ركبه الملك، وعزير ينظر إليه، ثمّ ألبسها العروق والعصب، ثمّ كساها اللحم، ثمّ أنبت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملك فقام الحمار رافعاً رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقاً يظن القيامةَ قد قامت، فذلك قوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ يعني: وانظر إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضاً في أوصالها حتى إذا صارت عظاماً مصوراً حماراً بلا لحم، ثمّ انظر كيف نكسوها لحماً، فلما تبيّن له قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من إحياء الموتى وغيره. قال: فركب حماره حتى أتى محلّته، فأنكره الناسُ، وأنكر الناسَ، وأنكر منزله، فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مئة وعشرون سنة، كانت أَمَةً لهم، فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وعقلته، فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة. فقال لها عزير: يا هذه أهذا منزل عزير؟ قالت: نعم هذا منزل عزير، فبكت وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنةً يذكر عزيراً وقد نسيه الناس قال: فإني أنا عزير كان الله أماتني مئة سنة ثم بعثني. قالت: سبحان الله

стр. 642

فإن عزيرًا [قد فقدناه منذ مئة سنة فلم نسمع له بذكر، قال: فإني أنا عزير. قالت: فإن عزيراً] (١) رجلٌ مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله أن يردّ عليّ بصري حتى أراك، فإن كنتَ عزيراً عرفتُك. قال: فدعا ربّه ومسح بيده على عينيها فصحَّتا وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله، فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نَشِطَتْ من عقال (٢) فنظرت فقالت: أشهد أنك عزير. وانطلقت إلى محلَّة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزير شيخ ابن مئة سنة وثماني عشرة سنة، ومن بني بنيه شيوخ في المجلس، فنادتهم فقالت: هذا عزير قد جاءكم، فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فردَّ عليّ بصري وأطلق رجليّ، وزعم أن الله أماته مئة سنة ثم بعثه. قال: فنهض الناس فأقبلوا إليه فنظروا إليه فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير. فقالت بنو إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حُدّثنا غير عزير، وقد حرق بخت نصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظتِ الرجال، فاكتبها لنا، وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام بخت نصر في موضع لم يعرفه أحد غير عزير، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب، قال: وجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدَّد لهم التوراة ونزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه فتذكَّر التوراة فجدَّدها لبني إسرائيل (٣). فمن ثم قالت اليهود: عزير ابن الله للذي كان من أمر الشهابين وتجديده التوراة وقيامه بأمر بني إسرائيل. وكان جدَّد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل. والقرية التي مات فيها يقال لها: سايراباذ. قال ابن عباس فكان كما قال الله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ﴾ يعني لبني إسرائيل. وذلك أنه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب؛ لأنه مات وهو ابن أربعين سنة فبعثه الله شاباً كهيئته يوم مات. قال ابن عباس: بعث بعد بخت نصر. وكذلك قال الحسن. وقد أنشد أبو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس: [من الطويل] وأسودُ رأسٍ شابَ من قبلِه ابنُهُ … ومن قبلِه ابنُ ابْنِه فَهْو أكْبرُ يَرَى ابنَهُ شَيْخاً يدبُّ على عَصاً … ولحيتُه سَودَاءُ والرأسُ أشقرُ وما لابنهِ حَيْلٌ ولا فَضْلُ قوّةٍ … يقومُ كما يمشي الصبيّ فيعْثرُ (٤) يَعُدُّ ابنُهُ في الناسِ تِسْعينَ حجةً … وعشرينَ لا يجري ولا يَتَبخْتَرُ

стр. 643

وعُمرُ أبيهِ أرْبَعُون أمرَّها … ولابن ابنه تِسْعون في الناسِ عُبّر (١) فما هُو في المعْقولِ إن كنتَ … وإن كنتَ لا تدْري فبالجَهْل تُعذَرُ (٢) فصْلٌ المشهور أن عزيراً نبي من أنبياء بني إسرائيل، وأنه كان فيما بين داود وسليمان، وبين زكريا ويحيى، وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه الله حِفظَها فسردَها على بني إسرائيل كما قال وهب بن منبه: أمر الله ملكاً فنزل بمغرفة من نور، فقذَفها في عزير، فنسخ التوراةَ حرفاً بحرف حتى فرغ منها (٣). وروى ابنُ عساكر (٤) عن ابن عباس أنه سأل عبد الله بن سلام عن قول الله تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] لم قالوا ذلك؟ فذكر له ابن سلام ما كان من كَتْبِه لبني إسرائيل التوراة من حفظه وقول بني إسرائيل: لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة إلا في كتاب، وإن عزيراً قد جاءنا بها من غير كتاب، فرماه طوائف منهم وقالوا عزير ابن الله. ولهذا يقول كثير من العلماء: إن تواتر التوراة انقطع في زمن العزير. وهذا متجه جداً إذا كان العزير غير نبي كما قاله عطاء بن أبي رباح والحسن البصري، فيما رواه إسحاق بن بشر عن مقاتل بن سليمان عن عطاء، وعن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه ومقاتل عن عطاء بن أبي رباح قال: كان في الفترة تسعة أشياء: بخت نصر، وجنة صنعاء، وجنة سبأ، وأصحاب الأُخد ود، وأمرحاصورا، وأصحاب الكهف، وأصحاب الفيل، ومدينة إنطاكية، وأمر تُبَّع. وقال إسحاق بن بشر: أخبرنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال: كان أمر عزير وبخت نصر في الفترة. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أَوْلَى الناسِ بابنِ مَرْيَمَ لأَنا، إنه ليْسَ بَيني وبَيْنَهُ نبيّ" (٥). وقال وهب بن منبه: كان فيما بين سليمان وعيسى ﵉.

стр. 644

وقد روى ابن عساكر عن أنس بن مالك وعطاء بن السائب أن عزيراً كان في زمن موسى بن عمران، وأنه استأذن عليه فلم يأذن له، يعني لما كان من سؤاله عن القدر، وأنه انصرف وهو يقول: مئة مَوتة أهون من ذُلَّ ساعة. وفي معنى قول عزير: مئة موتة أهون من ذُلِّ ساعة قول بعض الشعراء: [من السريع] قَد يَصْبر الحرُّ على السّيفِ … ويأنَفُ الصَّبرَ على الحيْفِ ويؤْثِرُ الموتَ على حَالةٍ … يَعْجَزُ فيها عن قِرى الضّيفِ فأما ما روى ابن عساكر وغيره عن ابن عباس ونَوْف البِكَالي (١) وسفيان الثوري وغيرهم من أنه سأل عن القدر فمحى اسمه من ذكر الأنبياء، فهو منكر، وفي صحته نظر، وكأنه مأخوذ من الإسرائيليات. وقد روى عبد الرزاق وقتيبة بن سعيد عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجَوني، عن نوف البكالي قال: قال عزير فيما يناجي ربَّه: يا رب تخلق خلقاً فتضل من تشاء وتهدي من تشاء، فقيل له: أعرض عن هذا، فعاد. فقيل له لتعرض عن هذا أو لأمحوَنَّ اسمك من الأنبياء، إني لا أُسأل عما أفعل وهم يسالون. وهذا لا يقتضي وقوع ما توعد عليه لو عاد. فما عاد، فما محي اسمه. والله أعلم. وقد روى جماعة سوى الترمذي من حديث يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة، وكذلك رواه شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نزل نبيٌّ من الأنبياء تحتَ شجرةٍ فلدغته نملةٌ، فأمَر بجِهازه فأخُرِجَ من تحتها، ثمّ أَمَرَ بها فأُحرِقَتْ بالنارِ، فأوحى الله إليه فهلَّا (٢) نملةً واحدةً (٣). فروى إسحاق بن بشر عن ابن جريج عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه أنه عزير. وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري أنه عزير، فاللّه أعلم.

стр. 645

قصّة زكرّيا ويحيى ﵉ قال الله تعالى في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٣٧ - ٤١]. وقال تعالى في سوره الأنبياء: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩، ٩٠]. وقال تعالى ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾ [الأنعام: ٨٥]. قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل: زكريا بن برخيا، ويقال: زكريا بن دان، ويقال: زكريا بن لدن (١) بن مسلم بن صدوف بن خُشبان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهغاشاط بن إينامن بن رحبعام بن سليمان بن داود أبو يحيى النبي ﵇ من بني إسرائيل. دخل البثنية (٢) من أعمال دمشق في

стр. 646

طلب ابنه يحيى. وقيل: إنه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى. واللّه أعلم (١). وقد قيل غير ذلك في نسبه، ويقال فيه: زكريا بالمد وبالقصر. ويقال: زكرى أيضًا. والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله محمدًا (٢) ﷺ أن يقصّ على الناس خبر زكريا ﵇ وما كان من أمره حين وهبه اللّه ولدًا على الكبر، وكانت امرأته عاقرًا (٣) في حال شبيبتها، وقد أسَنَّت أيضًا، حتى لا ييأس أحد من فضل الله ورحمته، ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس، فقال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. قال قتادة عند تفسيرها: إن اللّه يعلم القلب النقيَّ ويسمع الصوت الخفيَّ (٤). وقال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداةً أسرّها عمّن كان حاضرًا عنده مخافتة فقال: يا رب، يا رب، يا رب! فقال اللّه: لبيك لبيك لبيك ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي: ضعف وخار منَ الكبر، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ استعارة من اشتعال النار في الحطب، أي: غلب على سواد الشعر شيبُه، كما قال ابن دريد في مقصورته (٥): [من الرجز] إمّا تَرَيْ رَأسِيَ حاكَى لَوْنُه … طُرَّةَ صُبحٍ تَحْتَ أذيالِ الدُّجى واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ في مُسْودِّهِ … مِثْلَ اشْتِعالِ النَّارِ في جَمر الغَضى وآضَ عودُ اللَّهْوِ يَبْسًا ذَاويًا … مِنْ بَعْدِ ما قدْ كانَ مَجَّاجَ الثَّرَى (٦) يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطنًا وظاهرًا، وهكذا قال زكريا ﵇ ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: ما دعوتني فيما أسألك إلا الإجابة. وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنتَ عمران بن ماثان؛ وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أيامها ولا في أوانها، وهذه من كرامات الأولياء، فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدًا، وإن كان قد طعن في سنه (٧) ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾.

стр. 647

قيل: المراد بالموالي العصبة (١)، وكأنه خاف من تصرُّفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع اللّه وطاعته، فسأل وجود ولد من صلبه يكون برًّا تقيًا مرضيًا، ولهذا قال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك بحولك وقوتك ﴿وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ أي في النبوة والحُكْم في بني إسرائيل ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ يعني: كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياءَ، فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي، وليس المراد هاهنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة، ووافقهم ابن جرير هاهنا، وحكاه عن أبي صالح من السلف لوجوه: أحدها ما قدّمناه عند قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ أي في النبوة والملك كما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروي في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة أن رسول اللّه ﷺ قال: "لا نورث ما تَرَكْنا فَهُو صَدَقَةٌ" (٢) فهذا نص على أن رسول اللّه ﷺ لا يورث، ولهذا منع الصدّيق أن يصرف ما يختص به في حياته، إلى أحد من ورَّاثه الذين لولا هذا النص لصرف إليهم، وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس ﵃، واحتج عليهم الصدِّيق في منعه إياهم بهذا الحديث، وقد وافقه على روايته عن رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وأبو هريرة، وآخرون ﵃. الثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء "نَحْنُ مَعَاشرَ الأنبياءِ لا نورث" وصححه (٣). الثالث: أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها (٤) أو يلتفتوا إليها أو يفمهم أمرها، حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم، فإن من لا يصل إلى قريب منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدًا يكون وارثًا له فيها. الرابع: أن زكريا ﵇ كان نجّارًا يعمل بيده ويأكل من كسبها، كما كان داود ﵇ يأكل من كسب يده، والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهادًا يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له يخلفه من بعده، وهذا أمر بين واضح لكل من تامله بتدبُّر وتفهُّم إن شاء اللّه.

стр. 648

قال الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد، يعني ابن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كانَ زَكَرِيّا نجارًا". وهكذا رواه مسلم (٢) وابن ماجة (٣) من غير وجه (٤) عن حماد بن سلمة به. وقوله: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ وهذا مفسر بقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فلما بُشر بالولد وتحقَّق البشارة، شرع يستعلم على وجه التعجُّب وجود الولد والحالة هذه له ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير؟! قيل: كان عمره إذ ذاك سبعًا وسبعين سنة، والأشبه -والله أعلم - أنه كان أسن من ذلك ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ يعني وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرًا ولا تلد. والله أعلم. كما قال الخليل ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]. وقالت سارة: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢، ٧٣]. وهكذا أُجيب زكريا ﵇، قال له الملَك الذي يوحي إليه بأمر ربه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي هذا سهل يسير عليه ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أي قُدْرَتُه أوجدتْك بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا، أفلا يوجِدُ منكَ ولدًا وإن كنت شيخًا (٥). وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ومعنى إصلاح زوجته أنها كانت لا تحيض فحاضت. وقيل: كان في لسانها شيء، أي بذاءه (٦) ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة على وقت تعلّق مني المرأة بهذا الولد المبشّر به ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ يقول: علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزًا، وأنت في ذلك سَويّ الخلق، صحيح المزاج، معتدل البنية. وأمر بكثرة الذِّكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والإبكار، فلما بشّر بهذه البشارة خرج مسرورًا بها على قومه من محرابه ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. والوحي هاهنا هو

стр. 649

الأمر الخفي إما بكتابة، كما قال مجاهد والسُّدّي، أو إشارة كما قاله مجاهد أيضًا ووهب وقتادة (١). قال مجاهد وعكرمة ووهب والسُّدّي وقتادة: اعتقل لسانة من غير مرض. وقال ابن زيد: كان يقرأ ويسبّح، ولكن لا يستطيع كلام أحد. وقوله ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾، يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا ﵇، وأن الله تعالى علَّمه الكتابة والحكمة وهو صغير في حال صباه. قال عبد اله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب. فقال: ما للّعب خُلِقنا. قال: وذلك قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٢). وأما قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ فروى ابن جرير (٣) عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي رَحْمة من عندنا، رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد. وعن عكرمة ﴿وَحَنَانًا﴾ أي محبّة عليه. ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنّن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه، وهو محبَّتهما والشفقة عليهما وبرُّه بهما. وأما الزكاة: فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل. والتقوى طاعة اله بامتثال أوامره وترك زواجره. ثمّ ذكر برَّه بوالديه وطاعته لهما أمرًا ونهيًا وترك عقوقهما قولًا وفعلًا فقال ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان، فإنه ينتقل في كلّ منها من عالم إلى عالم آخر، فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه، ويصير إلى آخر، ولا يدري ما بين يديه، ولهذا يستهل صارخًا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمَّها، وينتفل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمّها. وكذلك إذا فارق هذه الدار، وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار وصار بعد الدور (٤) والقصور إلى عَرَصة الأموات سكان القبور، وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور، فمن مسرور ومحيور، ومن محزون ومثبور، وما بين مجبور (٥) وكسير، وفريق في الجنة وفريق في السّعير. ولقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول: [من الكامل] وَلَدتكَ أُمّكَ باكيًا مُسْتَصْرِخًا … والناسُ حولَك يَضْحكونَ سُرورا فاحْرِصْ لنفسِك أن تكونَ إذا بَكَوا … في يَوْمِ مَوْتِك ضاحِكًا مَسْرُورا

стр. 650

ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلَّم الله تعالى على يحيى في كلّ موطن منها فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. وقال سعيد ابن أبي عَروبة، عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي أنت خيرٌ مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمتُ على نفسي، وسلّم الله عليكَ، فعرف والله فضلها (١). وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فقيل: المراد بالحَصُور الذي لا يأتي النساء. وقيل غير ذلك وهو أشبه لقوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. وقد قال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا عفّان، حَدَّثَنَا حمّاد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس أن رسول اللّه ﷺ قال: "ما من أحدٍ من ولد آدمَ إلَّا وقدْ أخطأ أو هَمَّ بخطيئة، لَيْس يَحْيى بن زكريا، وما ينبغي لأحدٍ يقول: أنا خَيْرٌ مِنْ يُوْنُس بن متَّى". علي بن زيد بن جُدْعان، تكلم فيه غير واحدٍ من الأئمة، وهو منكر الحديث (٣). وقد رواه ابن خزيمة والدارقطني من طريق أبي عاصم العبّادَاني عن علي بن زيد بن جدعان به مطولًا، ثمّ قال ابن خزيمة: وليس على شرطنا. وقال ابن وهب: حدثني ابن لَهِيْعة، عن عُقَيْل، عن ابن شهاب قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه يومًا وهم يتذاكرون فضل الأنبياء، فقال قائل: موسى كليم الله. وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته. وقال قائل (٤): إبراهيم خليل الله (٥)، فقال: أين الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب. قال ابن وهب: يريد يحيى بن زكريا (٦). وقد رواه محمد بن إسحاق، وهو مدلّس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، حدّثني ابن العاص أنه سمع رسول اللّه ﷺ يقول: "كلُّ ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنْبٌ، إلا ما كان من يحيى بن زكريا" (٧).

стр. 651

فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلّسين (١)، وقد عنعن هاهنا. ثمّ قد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب مرسلًا. ثمّ رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة عن يحيى بن سعيد الأنصاري. ثم (٢) رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجُوزجَاني خطيب دمشق (٣)، حدّثنا محمد بن الأصبهاني، وحَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد اللّه بن عمرو قال: ما أحد إلا يلقى اللّه بذنب إلا يحيى بن زكريا. ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ثمّ رفع شيئًا من الأرض فقال: ما كان معه إلا مثل هذا، ثمّ ذبح ذبحًا. وهذا موقوف من هذه الطريق وكونه موقوفًا أصح من رفعه. واللّه أعلم. وأورده ابن عساكر من طرق (٤): من ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر، وهو ضعيف (٥)، عن عثمان بن ساج (٦) عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ عن النبي ﷺ بنحوه. وروي من طريق أبي داود الطيالسي وغيره، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نُعْم (٧)، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول اللّه ﷺ : "الحسَنُ والحُسَيْن سَيِّدا شبابِ أهْلِ الجَنةِ إلّا ابني الخالة يَحيَى وعيْسى ﵉" (٨). وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني: حدّثنا إسحاق بن أحمد، حدّثنا إبراهيم بن يوسف، حَدَّثَنَا أحمد ابن أبي الحَواري، سمعت أبا سليمان يقول: خرج عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا يتماشيان فصدم يحيى امرأة، فقال له عيسى: يا ابن خالة، لقد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أن تغفر لك أبدًا، قال: وما هي يا ابن خالة. قال: امرأة صدمتها. قال: واللّه ما شعرت بها. قال: سبحان اللّه بدنك معي فأين روحك؟ قال: معلق بالعرش، ولو أن قلبي اطمئنَّ إلى جبريل لظننتُ أني ما عرفت اللّه طرفة عين.

стр. 652

فيه غرابة، وهو من الإسرائيليات. وقال إسرائيل، عن أبي حصين، عن خيثمة قال: كان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة، وكان عيسى يلبس الصوف، وكان يحيى يلبس الوبر، ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم ولا عبد ولا أمة ولا مأوى يأويان إليه، أين ما جنَّهما الليلُ أويا، فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحيى: أوصني، قال: لا تغضب. قال: لا أستطيع إلا أن أغضب. قال: لا تقتَنِ مالًا. قال: أمَّا هذه فعسى. وقد اختلفت الروايات عن وهب بن منبه (١): هل مات زكريا ﵇ موتًا، أو قتل قتلًا على روايتين: فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال: هرب من قومه فدخل شجرةً، فجاؤوا فوضعوا المنشار عليها، فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أنَّ، فأوحى الله إليه لئن لم يسكن أنينُك لأقلبنَّ الأرض ومن عليها، فسكن أنينه حتى قطع باثنتين. وقد روي هذا في حديث مرفوع سنورده بعدُ إن شاء اللّه. وروى إسحاق بن بشر، عن إدريس بن سنان، عن وهب أنه قال: الذي انصدعت له الشجرة هو شعيا، فأما زكريا فمات موتًا. فاللّه أعلم. وقال الإمام أحمد (٢): حدّثنا عفّان، حَدَّثَنَا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يُعدُّ من البُدَلَاء (٣)، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جدّه ممطور، عن الحارث الأشعري، أن نبي الله ﷺ قال: "إنّ الله أمَرَ يَحْيَى بنَ زَكَرِيا بخمسِ كلماتٍ أنْ يَعْمَلَ بِهنَّ وأنْ يأمُرَ بَني إسْرائيلَ أنْ يَعْملوا بهنَّ وكادَ أنْ يُبْطِئَ، فقالَ له عِيْسى ﵇: إنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ بخمسِ كلماتٍ أنْ تَعَملَ بهنَّ وتأمُرَ بَني إسْرائيلَ أنْ يَعْملُوا بهن، فإمّا أنْ تُبلّغهنَّ، وإمّا أنْ أُبلّغَهنَّ. فقالَ: يا أخي إني أخشى إنْ سَبقْتَني أنْ أُعَذَّبَ أو يُخْسَفَ بي. قالَ: فجمعَ يَحْيَى بني إسرائيلَ في بيتِ المقدسِ حتّى امتلأ المسجدُ، فَقعدَ على الشرفِ، فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ ثمَّ قال: إنَّ الله أمرني بخمسِ كلماتٍ أنْ أعْملَ بهنَّ وآمُرَكُم أنْ تَعملُوا بهنَّ. وأوَّلُهنّ أن تعبدوا اللهَ لا تُشْركُوا بهِ شيئًا، فإنَّ مَثَلَ ذلكِ مَثَلُ مَنِ اشْتَرى عَبدًا مِنْ خالصِ مالِه بوَرِقٍ أو ذَهَبٍ، فجعلَ يعملُ ويؤدي غلّته إلى غير سيّده، فأيكم يَسُرُّهُ أن يكونَ عبدُهُ كذلك؟ وأنَّ اللّه خَلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وآمُرَكُم بالصلاةِ فإن اللّه ينصبُ وجهَهُ قِبَلَ عَبْدِه ما لم يلتفتْ، فإذا صَلّيتم فلا تلتفتوا. وآمُرُكم بالصيامِ فإن مَثَلَ ذلك كمثلِ رَجُل معه صرةٌ من مِسْكٍ في عصابة كلُّهم يَجدُ ريحَ المسك (٤). وآمُرُكم بالصدقة، فإنَّ مَثل ذلك كمثل رجل أسَرَهُ العدوُّ فشدُّوا يده إلى عنقه، وقدَّموه ليضربوا

стр. 653

عنقه، فقال: هل لكم أن أفتديَ نفسي منكم، فجعل يفتدي نفسَه منهم بالقليل والكثير حتى فكّ نفسه. وآمركم بذكر اللّه كثيرًا، فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ طلبه العدو سِراعًا في إثره، فأتى حِصنًا حصينًا فتحصّن فيه، وإن العبدَ أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر اللّه ". قال: فقال رسول اللّه ﷺ : "وأنا آمرُكم بخمسٍ اللّهُ أمَرني بهنَّ: بالجماعةِ، والسَّمعِ، والطاعةِ، والهجرةِ، والجهادِ في سبيل اللّه. فإن مَنْ خَرجَ عن الجماعةِ قِيْد شِبرٍ فقد خَلَع ربقة الإسلام من عُنقِه إلا أنْ يرجعَ، ومن دَعَا بدعْوَى الجاهلية فهو من جُثَى جَهَنّم (١) ". قالوا: يا رسول اللّه وإن صام وصلّى؟ قال: "وإنْ صامَ وصلّى وزَعَم أنه مُسلم. ادْعوا المسلمينَ بأسمائهم بما سَمَّاهمُ اللّهُ المسلمينَ المؤمنينَ عباد اللّه ". وهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، به (٢). وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي (٣) وموسى بن إسماعيل (٤)، كلاهما عن أبان بن يزيد العطار، به. ورواه النَّسائي (٥) عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن سابور، عن معاوية بن سلَّام، عن أخيه زيد بن سلَّام، عن أبي سلَّام، عن الحارث الأشعري، به. ورواه الحاكم (٦) من طريق مروان بن محمد الطَّاطَرِي، عن معاوية بن سلَّام، عن أخيه، به. ثم قال: تفرّد به مروان الطّاطَري عن معاوية بن سلَّام. قلت: وليس كما قال. ورواه الطَّبَراني (٧) عن محمد بن عبدة، عن أبي تَوْبة الربيع بن نافع (٨) عن

стр. 654

معاوية بن سلام عن أبي سلام عن الحارث الأشعري، فذكر نحوه، فسقط ذكر زيد بن سلَّام عن أبي سلَّام عن الحارث الأشعري فذكر نحو هذه الرواية (١). ثمّ روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبد اللّه بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: ذُكر لنا عن أصحاب رسول اللّه ﷺ فيما سمعوا من علماء بني إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلماتٍ، وذكر نحو ما تقدّم. وقد ذكروا أن يحيى ﵇ كان كثيرَ الانفراد من الناس، إنما كان يأنسُ إلى البراري، ويأكل من ورق الأشجار، ويرد ماء الأنهار ويتغذى بالجراد في بعض الأحيان. ويقول: من أنعم منك يا يحيى!. وروى ابن عساكر (٢) أن أبويه خرجا في تطلُّبه فوجداه عند بحيرة الأردن، فلما اجتمعا به أبكاهما بكاءً شديدًا لما هو فيه من العبادة والخوف من الله . وقال ابن وهب عن مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد قال: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإنه كان ليبكي من خشية اللّه حتى لو كان القار على عينيه لخرقه. وقال محمد بن يحيى الذهلي: حدّثنا أبو صالح، حدّثنا الليث، حدّثني عُقيل، عن ابن شهاب قال: جلست يومًا إلى أبي إدريس الخولاني وهو يقص، فقال: ألا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعامًا؟ فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال: إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعامًا، إنما كان يأكل مع الوحش كراهةَ أن يُخالط الناس في معايشهم. وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد قال: فَقَدَ زكريا ابنَه يحيى ثلاثة أيام، فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبرًا وأقام فيه يبكي على نفسه، فقال: يا بني أنا أطلبك من ثلاثة أيام وأنت في قبرٍ قد احتفرته، قائم تبكي فيه؟ فقال: يا أبت ألستَ أنتَ أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة (٣) لا تقطع إلا بدموع البكّائين؟ فقال له: ابكِ يا بني، فبكيا جميعًا. وهكذا حكاه وهب بن منبه، ومجاهد بنحوه. وروى [ابن عساكر] عنه أنه قال: إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم، فكذا ينبغي

стр. 655

للصدّيقين أن لا يناموا (١) لما في قلوبهم من نعيم المحبّة لله . ثمّ قال: كم بين النعيمين وكم بينهما (٢)؟. وذكروا أنّه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خدّيه من كثرة دموعه (٣). بيان سبب قتل يحيى ﵇ (٤) وذكروا في قتله أسبابًا، من أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوّج ببعض محارمه أو من لا يحلّ له تزويجها، فنهاه يحيى ﵇ عن ذلك، فبقي في نفسها منه. فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها استوهبت منه دم يحيى، فوهبه لها، فبعث إليه من قتله وجاء (٥) برأسه ودمه في طست إلى عندها. فيقال: إنها هَلَكت من فورها وساعتها (٦). وقيل: بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها، فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك، فتمنع عليها الملك، ثمّ أجابها إلى ذلك فبعثت من قتله وأحضر إليها رأسه ودمه في طست. وقد ورد معناه في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه "المبتدا" (٧) حيث قال: أخبرنا يعقوب الكوفي، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه عن ابن عباس أن رسول اللّه ﷺ ليلة أسري به رأى زكريا في السماء، فسلَّم عليه وقال له: يا أبا يحيى خبّرني عن قتلك كيف كانَ، ولمَ قتلك (٨) بنو إسرائيل. قال: يا محمد أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه، وكان أجملهم وأصبحهم وجهًا، وكان كما قال الله تعالى ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾، وكان لا يحتاج إلى النساء، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل، وكانت بَغيّةً، فأرسلت إليه وعَصَمَهُ اللّه وامتنع يحيى وأبى عليها، وأجمعت على قتل يحيى. ولهم عيد يجتمعون في كل عام، وكانت سُنَّة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب. قال: فخرج الملك إلى العيد، فقامت امرأته فشيَّعته، وكان بها معجبًا، ولم تكن تفعله فيما مضى، فلما أن شيعته قال الملك: سليني فما سألتِني شيئًا إلا أعطيتُك. قالت: أريدُ دمَ يحيى بن زكريا، قال لها: سليني غيره. قالت: هو ذاك. فال: هو

стр. 656

لك. قال: فبعثت جَلاوِزَتَها إلى يحيى، وهو في محرابه يصلّي، وأنا إلى جانبه أصلي، قال: فذُبح في طستٍ وحُمل رأسه ودمُه إليها. قال: فقال رسول اللّه ﷺ : "فما بلغ من صَبْرِكَ؟ قال: ما انفتلت من صلاتي". قال: فلما حُمل رأسه إليها فوضع بين يديها، فلما أمسوا خَسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل: قد غضب إلَه زَكرِيا لزكرِيا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا، قال: فخرجوا في طلبي ليقتلوني، وجاءني النذير، فهربت منهم، وإبليس أمامهم يدلهم عليَّ، فلما أن تخوّفت أن لا أُعْجِزَهم عرضَتْ لي شجرةٌ، فنادتني وقالت: إليَّ إليَّ، وانصدعت لي، ودخلت فيها. قال: وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي، والتأمتِ الشجرةُ، وبقي طرف ردائي خارجًا من الشجرة، وجاءت بنو إسرائيل، فقال إبليس: أما رأيتموه دخل هذه الشجرة؟ هذا طرف ردائه، دخلها بسحره، فقالوا: نحرق هذه الشجرة، فقال إبليس: شُقّوهُ بالمنشار شقًا. قال: فَشُقِقْتُ مع الشجرة بالمنشار. قال له النبي ﷺ : "هل وَجَدْتَ لَهُ مسًّا أو وجعًا" قال: لا، إنما وجدَتْ ذلكَ الشجرةُ التي جعل اللّه روحي فيها (١). هذا سياق غريب جدًا، وحديث عَجيبٌ، ورفْعُهُ منكرٌ، وفيه ما ينكر على كلّ حال، ولم يُرَ في شيء من أحاديث الإسراء ذِكْرُ زكريا ﵇ إلا في هذا الحديث، وإنّما المحفوظ في بعض ألفاظ الصحيح في حديث الإسراء (٢): "فمررت بابني الخالة يَحْيَى وعِيسى"، وهما ابنا الخالة على قول الجمهور كما هو ظاهر الحديث، فإن أم يحيى أَشْياعَ بنتَ عمران أختُ مريم بنت عمران. وقيل: بل أشياع وهي امرأة زكريا أم يحيى هي أخت حَنَّةَ امرأة عمران أم مريم، فيكون يحيى ابن خالة مريم. فاللّه أعلم. ثمّ اختُلف في مقتل يحيى بن زكريا: هل كان بالمسجد الأقصى، أم بغيره على قولين، فقال الثوري عن الأعمش، عن شمر بن عطية قال: قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعونَ نبيًا منهم يحيى بن زكريا ﵇. وقال أبو عبيد القاسم بن سلّام: حَدَّثَنَا عبد اللّه بن صالح، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قدم بخت نصَّر دمشق، فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي، فسأل عنه، فأخبروه. فقتلَ على دمه سبعين ألفًا، فسَكَن (٣). وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهو يقتضي أنه قُتل بدمشق وأنَّ قصة بخت نصَّر كانت بعد المسيح كما قاله عطاء والحسن البصري. فاللّه أعلم.

стр. 657

وروى الحافظُ ابن عساكر (١) من طريق الوليد بن مسلم، عن زيد بن واقد قال: رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناءَ مسجد دمشق أُخرِج من تحت ركن من أركان القبلة الذي يلي المحراب مما يلي الشرق، فكانت البشرةُ والشعر على حاله لم يتغير. وفي رواية: كأنما قُتِل الساعةَ. وذكر في بناء مسجد دمشق أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكة. فاللّه أعلم (٢). وقد روى الحافظ ابن عساكر في "المستقصى في فضائل الأقصى" من طريق العباس بن صبح عن مروان عن سعيد بن عبد العزيز عن قاسم مولى معاوية قال: كان ملك هذه المدينة - يعني دمشق - هداد بن هداد، وكان قد زوج ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا، قلت: وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك (٣) بدمشق، وهو الصاغة العتيقة، قال: وكان قد حلف بطلاقها ثلاثًا. ثمّ إنه أراد مراجعتها، فاستفتى يحيى بن زكريا، فقال: لا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك، فحقدت عليه، وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا، وذلك بإشارة أُمها، فأبى عليها، ثمّ أجابها إلى ذلك، وبعث إليه وهو قائم يصلّي بمسجد جيرون مَنْ أتاه برأسه في صينية، فجعل الرأس يقول له: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، فأخذت المرأة الطبق فحملته على رأسها وأتت به أمها وهو يقول كذلك، فلما تمثَّلت بين يدي أمها خُسف بها إلى قدميها (٤)، ثم إلى حقويها. وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن ويلطمن وجوههن، ثمّ خُسف بها إلى منكبيها، فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها لتتسلى برأسها، ففعل. فلفظت الأرض جثتها عند ذلك، ووقعوا في الذلّ والفناء. ولم يزل دم يحيى يفور حتى قدم بخت نصَّر، فقتل عليه خمسةً وسبعين ألفًا. قال سعيد بن عبد العزيز: وهي دية كلّ نبي. ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا ﵇ فقال: أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن اللّه. فسكن (٥)، فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق إلى بيت المقدس، فتبعهم إليها فقتل خلقًا كثيرًا لا يُحصون كثرة، وسبا منهم ثمّ رجع عنهم. * * *

стр. 658

قصّة عيسى ابن مريم عبد اللّه ورسوله وابن أمته عليه من اللّه (١) أفضل الصلاة والسّلام قال الله تعالى في سورة آل عمران التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية منها في الردّ على النصارى، عليهم لعائن الله، الذين زعموا أن للّه ولدًا، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. وكان قد قَدِمَ وفد نجران (٢) منهم على رسول الله ﷺ ، فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم، ويدّعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة؛ وهم الذات المقدسة، وعيسى ومريم، على اختلاف فرقهم، فأنزل اللّه صدر هذه السورة بيّن فيها أن عيسى عبد من عباد اللّه خلقه وصوَّره في الرحم كما صوّر غيره من المخلوقات، وأنه خلقه من غير أبٍ كما خلق آدم من غير أب ولا أم، وقال له: كن، فكان، . وبين أصل ميلاد أمّه مريم، وكيف كان من أمرها، وكيف حملت بولدها عيسى، وكذلك بسط ذلك في سورة مريم كما سنتكلّم على ذلك كلّه بعون اللّه وحسن توفيقه وهدايته. فقال تعالى وهو أصدق القائلين ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [٣٣ - ٣٧]. يذكر أنه اصطفى آدم ﵇ والخُلَّص من ذريته المتَّبِعِين شرعَه الملازمين طاعته، ثمّ خصص فقال: ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فدخل فيهم بنو إسماعيل وبنو إسحاق. ثمّ ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران، والمراد بعمران هذا والد مريم ﵍. وقال محمد بن إسحاق (٣) وهو عمران بن باشم بن أمون ابن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن موثم بن عزازيا بن أمصيا بن ياوش بن احريهو بن يازم بن بهفاشاط بن إيشا بن إيان بن رحبعام بن سليمان بن داود. وقال أبو القاسم بن عساكر: مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن اخنر بن صادوق بن عيازور بن الياقيم بن ايبود بن زريابيل بن شالتال بن [يوحينا بن برشا بن أمون بن ميشا بن

стр. 659

حزقا] (١) بن احاز بن موثام بن عزريا بن يورام بن يوشافاط ابن ايشا بن ايبا بن رحبعام بن سليمان بن داود ﵇ (٢). وفيه مخالفة لما ذكره محمد بن إسحاق، ولا خلاف أنها من سلالة داود ﵇، وكان أبوها عمران صاحبَ صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكانت أمها وهي حَنَّة بنت فاقود بن قبيل من العابدات، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم أشياع في قول الجمهور. وقيل: زوج خالتها أشياع فاللّه أعلم (٣). وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره (٤) أن أم مريم كانت لا تحبل، فرأت يومًا طائرًا يزقُّ فَرخًا له، فاشتهت الولد، فَنَذرت للّه إن حملت لتجعلَنَّ ولدها مُحَرَّرًا، أي: حبيسًا في خدمة بيت المقدس. قالوا: فحاضت من فورها، فلما طَهُرت واقَعَها بعلُها، فحملت بمريم ﵍ ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ وقُرِئ بضم التاء (٥) ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ أي في خدمة بيت المقدس. وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خدّاما من أولادهم. وقولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ استُدل به على تسمية المولود يوم يولد. وكما ثبت في الصحيحين (٦) عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول اللّه ﷺ فَحنَّكَ أخاهُ وسمَّاه عبد اللّه. وجاء في حديث الحسن عن سَمُرة مرفوعًا "كُلُّ غُلامٍ رَهِيْنَةٌ بِعَقِيْقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ ويُسَمَّى ويُحْلَقُ رَأْسُه". رواه أحمد (٧)، وأهل السنن (٨)، وصحّحه الترمذي. وجاء في بعض

стр. 660

ألفاظه (ويُدَمَّى) بدلَ (ويسمَّى). صححه بعضهم (١). والله أعلم. وقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ قد استُجيب لها في هذا، كما تقُبَّل منها نذرها. فقال الإمام أحمد (٢): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ مَوْلُوْدٍ إلَّا والشيطانُ يَمَشُهُ حِيْنَ يُوْلَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسَّ الشَّيْطَانِ إيّاهُ إلَّا مَرْيَمَ وابْنَها". ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إنْ شئتم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أخرجاه من حديث عبد الرزاق (٣). ورواه ابن جرير (٤) عن أحمد بن الفرج [عن بقية] (٥)، عن الزبيدي (٦)، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. وقال أحمد (٧) أيضًا: حَدَّثَنَا إسماعيل بن عمر، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المُشْمَعِل، عن

стр. 661

أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ مولودٍ من بني آدم يَمَسُّه الشَّيْطانُ بإصبَعِه إلَّا مَرْيَمَ بنتَ عِمْرانَ وابْنَها يْسى". تفرّد به من هذا الوجه. ورواه مسلم (١) عن أبي الطاهر، عن ابن وَهْب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، بنحوه. وقال أحمد (٢): حدّثنا هشيم، حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "كُلُّ إنْسانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلْكزُه (٣) الشَّيْطَانُ في حِضْنَيْه (٤) إلَّا ما كانَ مِنْ مَرْيَمَ وابْنِها. أَلَمْ تَرَ إلى الصَّبِي حِيْنَ يَسْقُطُ كَيْفَ يَصْرُخُ؟ قالُوا: بَلَى يا رسُولَ اللهِ. قالَ: ذلكَ حِيْنَ يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ بِحِضْنَيه". وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه من هذا الوجه. ورواه قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا وَقَدْ عَصَرَهُ الشَّيْطَانُ عَصْرَةً أو عَصْرَتَيْنِ إلَّا عِيْسَى بنَ مَرْيَمَ ومَرْيَمَ" (٥). ثم قرأ رسول اللّه ﷺ : ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وكذا رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بأصل الحديث (٦). وقال الإمام أحمد (٧): حَدَّثَنَا عبد الملك (٨)، حدّثنا المغيرة هو ابن [عبد الرحمن] بن عبد الله الحِزَامي (٩)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ بني آدمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ في جَنْبِهِ حِيْنَ يُوْلَدُ، إلا عِيْسى بنَ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ في الحِجَابِ". وهذا على شرط الصحيحين، ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾: ذكر كثيرٌ من المفسرين أن أُمها حين وضعتها لفَّتها في خروقها ثمّ خرجت بها إلى المسجد،

стр. 662

فسلَّمتها إلى العُبّاد الذي هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم فتنازعوا فيها. والظاهر أنّها إنّما سلَّمتها إليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها. ثمّ لمّا دفعتها إليهم تنازعوا في أيّهم يكفلها، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان قد أراد أن يستبدّ بها دونهم من أجل أن زوجته أختها أو خالتها على القولين، فشاحُّوه في ذلك، وطلبوا أن يقترع معهم، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم، وذلك أن الخالة بمنزلة الأم. قال الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي بسبب غلبه لهم في القُرعة. كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. قالوا (١): وذلك أن كلًا منهم ألقى قلمه معروفًا به، ثمّ حملوها ووضعوها في موضع، وأمروا غلامًا لم يبلغ الحنث، فأخرج واحدًا منها، وظهر قلم زكريا ﵇. فطلبوا أن يقترعوا مرّة ثانية وأن يكون ذلك بأن يلقوا أقلامهم في النهر، فأيّهم جَرى قلمُه على خلاف جرية الماء (٢) فهو الغالب، ففعلوا، فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جَرية الماء، وسارت أقلامهم مع الماء، ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيُّهم جرى قلمه مع الماء، ويكون بقية الأقلام قد انعكس (٣) سيرها صعُدًا فهو الغالب، ففعلوا، فكان زكريا هو الغالب لهم، فكفلها إذ كان أحقَّ بها شرعًا وقدرًا لوجوه عديدة. قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال المفسرون: اتخذ لها زكريا مكانًا شريفًا من المسجد لا يدخله سواها، فكانت تعبد اللّه فيه وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتُها، وتقوم بالعبادة ليلَها ونهارَها، حتى صارت يُضرب المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة، حتى إنه كان نبي اللّه زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجدُ عندها رزقًا غريبًا في غير أوانه، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف (٤) فيسألها أنَّى لك هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي رزق رَزَقَنِيْه اللّه، إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب، فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولدٍ من صُلبه وإن كان قد أسَنَّ وكبر ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. قال بعضهم: قال: يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه (٥) هب لي ولدًا، وإن كان في غير أوانه، فكان من خبره وقضيته ما قدّمنا ذِكره في قصته.

стр. 663

﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٥١]. يذكر أن الملائكة بشّرت مريمَ باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها بأنِ اختارها لإيجاد ولدٍ منها من غير أبٍ، وبُشّرث بأن يكون نبيًا شريفًا ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في صِغره يدعوهم إلى عبادة اللّه وحدَه لا شريك له، وكذلك في حال كهولته، فدلّ على أنه يبلغ الكهولةَ ويدعو إلى اللّه فيها. وأُمِرَتْ بكثرة العبادة والقُنوتِ والسجودِ والركوع لتكون أهلًا لهذه الكرامة، ولتقوم بشُكْر هذه النعمة. فيقال: إنها كانت تَقُومُ في الصلاة حتى تفطّرت قدماها، ﵂ ورحمها ورحم أمها وأباها. فقول الملائكة: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أي اختارك واجْتباك ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ أي من الأخلاق الرذيلة، وأعطاك الصفات الجميلة، ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، يحتمل أنه يكون المراد عالمي زمانها، كقوله لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] وكقوله عن بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. ومعلومٌ أن إبراهيم ﵇ أفضل من موسى، وأن محمدًا ﷺ أفضل منهما، وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها، وأكثر عددًا، وأفضل علمًا، وأزكى عملًا من بني إسرائيل وغيرهم. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ محفوظ العموم، فتكون أفضل نساء الدنيا (١) ممن كان قبلها ووجد بعدها، لأنها إن كانت نبيةً، على قول من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى محتجًا بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى - كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره - فلا يمتنع على هذا أن تكون مريم أفضل من سارة وأم موسى لعموم قوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ إذ لم يعارضه غيره واللّه أعلم. وأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره عن أهل السنة والجماعة من أن النبوة مختصةٌ بالرجال، وليس في النساء نبيَّة، فيكون أعلى مقامات مريم كما قال اللّه تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ

стр. 664

ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥]. فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصِّدِّيقات المشهورات ممن كان قبلها وممن يكون بعدها واللّه أعلم. وقد جاء ذِكرها مقرونًا مع آسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ﵅ وأرضاهن. وقد روى الإمام أحمد (١)، والبخاري (٢) ومسلم (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) من طرق عديدة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "خَيْرُ نِسائها مَرْيَمُ بنْتُ عِمْرَانَ، وخْيرُ نِسائِها خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلد". وقال الإمام أحمد (٦): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "حَسْبُكَ مِنْ نِساءِ العالَمِيْنَ بأرْبَعٍ: مَزيَم بِنْت عِمْران، وآسِية امْرأَة فِرعَوْن، وخَدِيْجَة بِنْت خُوَيْلِد وفاطِمَةُ بنت مُحَمّد". ورواه الترمذي (٧) عن أبي بكر بن زَنجَويه (٨)، عن عبد الرزاق، به، وصححه. ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، وابنُ عساكر من طريق تميم بن زياد، كلاهما عن أبي جعفر الرازي، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ نِساءَ العالَمينَ أرْبَعٌ: مريمُ بنتُ عِمران، وآسِيةُ امْرأَةُ فِرْعَون، وخَدِيجةُ بنتُ خُوَيْلِد، وفاطمةُ بنت محمد (٩) رسول اللّه". وقال الإمام أحمد (١٠): حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب قال: كان أبو هريرة يحدث أن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ، صالحُ نِساءَ قُرَيْشٍ، أَحْناهُ عَلَى وَلَدٍ في صِغَرِهِ وأرْعَاهُ لِزَوجٍ في ذاتِ يدِهِ". قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بعيرًا قط. وقد رواه مسلم في "صحيحه" (١١) عن محمد بن رافع وعبد بن حُمَيد كلاهما عن عبد الرزاق به.

стр. 665

وقال أحمد (١): حَدَّثَنَا زيد بن الحباب، حدّثني موسى بن عُلَيّ، سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه ﷺ : "خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِساءُ قُرَيْشٍ أحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ في صِغَرِهِ وَأَرْأَفَهُ بِزَوْجٍ عَلَى قِلَّةِ ذاتِ يَدِهِ". قال أبو هريرة: وقد علم رسول الله ﷺ أن ابنة عمران لم تركب الإبل. تفرد به وهو على شرط الصحيح. ولهذا الحديث طرق أخر عن أبي هريرة (٢). وقال أبو يعلى الموصلي: حدّثنا زهير، حَدَّثَنَا يونس بن محمد، حدّثنا داود بن أبي الفرات، عن عِلباء بن أحْمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خَط رَسُول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط فقال: "أتَدْرُوْنَ ما هذا؟ "قالوا: اللّه ورسوله أعلم. فقال رسول اللّه ﷺ : "أفضلُ نِساءَ أهْل الجنةِ خَديجةُ بنتُ خويلد، وفاطمةُ بنتُ محمدٍ، ومَريَمُ بنتُ عِمران، وآسيةُ بنتُ مُزاحم امرأةُ فرعونَ" (٣). ورواه النسائي من طرق عن داود بن أبي الفرات (٤). وقد رواه ابن عساكر من طريق أبي بكر عبد اللّه بن أبي داود سليمان بن الأشعث، حدّثنا يحيى بن حاتم العسكري، حدّثنا بشر بن مهران بن حمدان، حدّثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ﷺ : "حَسْبُكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعُ سَيّداتِ نساء العالمين: فاطمةُ بنتُ محمد، وخديجةُ بنتُ خويلدٍ، وآسيةُ بنتُ مُزاحم، ومريمُ بنتُ عمران" (٥). وقال أبو القاسم البغوي: حدّثنا وهب بن منبه، حدثنا خالد بن عبد اللّه الواسطي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت لفاطمة: أرأيتِ حين أكْبَبْتِ على رسول اللّه ﷺ فبكيت ثم ضحكتِ؟ قالتْ: أخْبرني أنه مَيّتٌ من وجعه هذا فبكيت، ثم أكْبَبتُ عليه فأخبرني أني أسرع أهله لحوقًا به، وأني سيدةُ نساء أهل الجنة إلا مريمَ بنتَ عمران فضحكتُ (٦). وأصل هذا الحديث في الصحيح. وهذا إسناد على شرط مسلم، وفيه أنهما أفضل الأربع المذكورات (٧). وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٨)، حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن يزيد هو ابن

стр. 666

أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد قال: قال رسول اللّه ﷺ : "فاطمةُ سَيّدةُ نساءِ أهلِ الجَنَةِ، إلّا ما كانَ مِنْ مَرْيَمَ بنتِ عِمران". إسناد حسن، وصححه الترمذي (١)، ولم يخرجوه، وقد روي نحوه من حديث علي بن أبي طالب، ولكن في إسناده ضعف. والمقصود أن هذا يدل على أن مريم وفاطمة أفضل هذه الأربع. ثمّ يحتمل الاستثناءُ أن تكون مريم أفضل من فاطمة، ويحتمل أن يكونا على السواء في الفضيلة، لكن ورد حديث إن صَحَّ عيَّنَ الاحتمال الأول؛ فقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: أخبرنا أبو الحسن بن الفراء وأبو غالب وأبو عبد اللّه ابنا البنّاء قالوا: أخبرنا أبو جعفر ابن المُسْلِمة أخبرنا أبو طاهر المُخَفَص حَدَّثَنَا أحمد بن سليمان، حَدَّثَنَا الزبير - هو ابن بكار - حَدَّثَنَا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن غريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيّدة نساءِ أهلِ الجنةِ مريمُ بنتُ عِمران، ثم فاطمةُ، ثم خديجةُ، ثم آسيةُ امرأةُ فرعونَ". فإن كان هذا اللفظ محفوظًا بـ"ثم" التي للترتيب فهو مبيِّنٌ لأحد الاحتمالين اللذين دلّ عليهما الاستثناء، وتقدّم على ما تقدّم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي (٢) لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه. والله أعلم. وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي، عن داود الجعفري (٣)، عن عبد العزيز بن محمد - وهو الدَّرَاوَرْدِي (٤) عن إبراهيم بن عقبة، عن كُريب، عن ابن عباس مرفوعًا، فذكره بواو العطف لا "بثمَّ" التي للترتيب (٥) فخالفه إسنادًا ومتنًا. فاللّه أعلم. فأما الحديث الذي رواه ابن مَردويه من حديث شعبة، عن معاوية بن قرّة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه ﷺ : "كمُلَ مِنَ الرِجَّالِ كَثِيْرٌ، ولَمْ يَكْمُل مِنَ النّسَاءَ إلَّا ثَلاثٌ: مَرْيَمُ بنتُ عِمْران، وآسيةُ امْرَأَةُ فِرعَون، وخَدِيْجَةُ بنتُ خُوَيْلدِ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلَى النِّسَاءَ كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ عَلَى سَائرِ الطَّعامِ". وهكذا الحديث الذي رواه الجماعة (٦) إلا أبا داود من طرقٍ عن شعبة عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن

стр. 667

أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللّه ﷺ : "كَمُل مِنَ الرِّجَالِ كَثِيْرٌ ولم يَكْملْ مِنَ النِّسَاءِ إلّا آسِيةُ امرأةُ فِرعَون ومَرْيَمُ بنتُ عِمران وإنَّ فَضْلَ عائِشَةَ على النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ عَلَى الطَّعَامِ"، فإنه حديث صحيح كما ترى، اتفق الشيخان على إخراجه، ولفظه يقتضي حَصْر الكمال في النساء في مريم وآسية، ولعل المراد بذلك في زمانهما، فإن كلًا منهما كفلت نبيًا في حال صغره، فاَسية كفلت موسى الكليم، ومريم كفلت ولدها عبد اللّه ورسوله، فلا ينفي كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة وفاطمة، فخديجة خدمت رسول اللّه ﷺ قبل البعثة خمس عشرة سنة، وبعدها أزيد من عشر سنين، وكانت له وزيرَ صِدْق بنفسها ومالها ﵂ وأرضاها. وأما فاطمة بنتُ رسول اللّه ﷺ فإنها خُصّت بمزيد فضيلة على أخواتها، لأنها أصيبت برسول اللّه ﷺ وبقيةِ أخواتها مِتن في حياة النبي ﷺ . وأما عائشة فإّنها كانت أحبَّ أزواج رسول اللّه ﷺ إليه، ولم يتزوج بِكرًا غيرها، ولا يُعرف في سائر النساء في هذه الأمة، بل ولا في غيرها، أعلم منها ولا أفهم، وقد غار اللّه لها حين قال لها أَهل الإفك ما قالوا، فأنزل براءتها من فوق سبع سموات، وقد عُمِّرت بعد رسول اللّه ﷺ قريبًا من خمسين سنةً تبلّغ عنه القرآن والسُّنَّةَ، وتفتي المسلمين، وثصلح بين المختلفين، وهي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات والبنين في قول طائفة من العلماء السابقين واللاحقين، والأحسن الوقف فيهما ﵄. وما ذاك إلا لأن قوله ﷺ : "وفضلُ عائِشَة على النساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ علَى سائرِ الطَّعامِ" يحتمل أن يكون عامًا بالنسبة إلى المذكورات [وغيرهن، ويحتمل أن يكون عامًا بالنسبة إلى ما عدا المذكورات] (١). واللّه أعلم. والمقصود هاهنا ذِكْر ما يتعلّق بمريم بنتِ عمران ﵍، فإن اللّه طهَّرها واصْطفاها على نساء عالمي زمانها، ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقًا، كما قدّمنا. وقد ورد في حديثٍ أنها تكون من أزواج النبي ﷺ في الجنة هي وآسية بنت مزاحم. وقد ذكرنا في "التفسير" (٢) عن بعض السلف أنه قال ذلك واستأنس بقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، قال: فالثيب آسية، ومن الأبكار مريم بنت عمران. وقد ذكرناه في آخر سورة التحريم. فاللّه أعلم. قال الطبراني (٣): حدثنا عبد اللّه بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العَوْفي (٤) حدثنا أبي حدثنا عمي

стр. 668

الحسين، حدثنا يونس بن نُفيع عن سعد بن جُنَادة - هو العَوْفي -، قال: قال رسول اللّه ﷺ : "إن اللّهَ زَوَّجَنِي في الجنةِ مَرْيَمَ بنتَ عِمْرانَ وامرأةَ فِرْعَوْنَ وأُخْتَ مُوْسَى". وقال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا إبراهيم بن عرعرة، حَدَّثَنَا عبد النور بن عبد الله، حدّثنا يونس بن شعيب، عن أبي أمامة قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أُشْعِرْتُ أنَّ اللّهَ زَوَّجَني مَرْيَمَ بنتَ عِمْران وآسِيةَ بنْتَ مُزاحِم وكَلْثَم أُخْتَ مُوْسى". رواه أبو جعفر العُقَيلي (١) من حديث عبد النور به، وزاد: "فقلت هنيئًا لك يا رسول اللّه" ثم قال العقيلي: وليس بمحفوط (٢). وقال الزبير بن بكار: حدّثني محمد بن الحسن، عن يعلى بن المغيرة، عن ابن أبي روَّاد قال: دخل رسول اللّه ﷺ على خديجة وهي في مرضها الذي توفيت فيه فقال لها: "بالكُرهِ منّي ما أرى مِنْكِ يا خديجةُ، وقد يَجْعلُ اللّهُ في الكُره خَيْرًا كثيرًا. أما علمتِ أنَّ اللّهَ قَدْ زَوَّجَني مَعَكِ في الجَنَةِ مَرْيَمَ بنتَ عِمران وكَلْثَمَ أختَ مُوْسى وآسيةَ امرأةَ فِرعون "قالت: وقد فعل الله بكَ ذلك يا رسول اللّه؟ قال: "نعم". قالت: بالرِّفاء والبنين (٣). وروى ابن عساكر (٤) من حديث محمد بن زكريا الغَلَابي (٥)، حدّثنا العباس بن بكار، حدّثنا أبو بكر الهذلي (٦)، عن عكرمهّ، عن ابن عباس أن رسول اللّه ﷺ دخل على خديجة وهي في مرض الموت، فقال: "يا خَدِيجةُ إذا لَقِيْتِ ضَرَائِرَكِ فَأقْرِئيهِنَّ مِنّي السَّلامَ" قالَت: يا رسول الله وهل تزوجتَ قبلي؟ قال: "لا، ولكن اللّه زوَّجَني مريَمَ بنتَ عِمران وآسيةَ بنتَ مُزاحِم وكَلثَمَ أختَ موسى" (٧). وروى ابن عساكر من طريق سُويد بن سعيد، حدّثنا محمد بن صالح بن عمر عن الضحاك ومجاهد، عن ابن عمر قال: نزل جبريل إلى رسول الله ﷺ بما أُرسِل به، وجلس يُحدّث رسول اللّه ﷺ إذ مَرّت

стр. 669

خَديجةُ، فقال جبريل: من هذه يا محمد؟ قال: "هذه صِدِّيقَةُ أُمتي". قال جبريل: معي إليها رسالة من الرب ، يقرئها السلام ويبشّرها ببيت في الجنة من قَصَبٍ بعيد من اللهب لا نصَب فيه ولا صَخَب. قالت: اللّه السلام ومنه السلام والسلام عليكما ورحمة اللّه وبركاته على رسول اللّه، ما ذلك البيت الذي من قصب؟ قال: لؤلؤة جوفاء بين بيت مَريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم، وهما من أزواجي يوم القيامة. وأصل السلام على خديجة من الله وبشارتها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا وصب في الصحيح (١)، ولكن هذا السياق بهذه الزيادات غريب جدًا. وكل هذه الأحاديث في أسانيدها نظر. وروى ابنُ عساكر من حديث أبي زُرْعة الدمشقي، حدّثنا عبد اللّه بن صالح، حدّثني معاوية، عن صفوان بن عمرو، عن خالد بن معدان، عن كعب الأحبار أن معاوية سأله عن الصخرة - يعني صخرة بيت المقدس - فقال: الصخرة على نخلة، والنخلة على نهر من أنهار الجنة، وتحت النخلة مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ينظمان سموط أهل الجنة حتى تقوم الساعة. ثمّ رواه من طريق إسماعيل بن عياش (٢)، عن ثعلبة بن مسلم، عن مسعود بن عبد الرحمن، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ بمثله. وهذا منكر من هذا الوجه، بل هو موضوع. وقد رواه أبو زرعة عن عبد اللّه بن صالح عن معاوية عن مسعود بن عبد الرحمن، عن ابن عابد أن معاوية سأل كعبًا عن صخرة بيت المقدس، فذكره. قال الحافظ ابن عساكر: وكونه من كلام كعب الأحبار أشبه. قلت وكلامُ كعب الأحبار هذا إنما تلقّاه من الإسرائيليات التي منها ما هو مكذوب مفتعل وضعه بعض زنادفتهم أو جهّالهم، وهذا منه. واللّه أعلم. * * *

стр. 670

ذكر ميلاد العبد الرسول عيسى ابن مَريم البتول (١) قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ١٦ - ٣٧]. ذكر تعالى (٢) هذه القصّة بعد قصّة زكريا التي هي كالمقدمة لها والتوطئة قبلها، كما ذكر في سورة آل عمران، قَرَن بينهما في سياق واحد، وكما قال في سورة الأنبياء: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩١]. وقد تقدّم أنّ مريم لما جعلتها أمُّها محرَّرةً تخدم بيت المقدس، وأنّه كفلها زوجُ أختها أو خالتها نبيُّ ذلك الزمان زكريا ﵇، وأنه اتّخذ لها محرابًا وهو المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد عليها سواه، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات وظهر عليها من الأحوال ما غَبَطها به زكريا ﵇، وأنها خاطبتْها الملائكةُ بالبشارة لها باصطفاء اللّه لها وبأنه سَيَهب لها ولدًا زكيًا يكون نبيًا كريمًا طاهرًا مكرَّمًا مؤيدًا بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والدٍ لأنها لا زوج لها، ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا
следующие страницы →