← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٣ - ٢٥]. قد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصاً وأخباراً أكثرها إسرائيليات، ومنها ما هو مكذوبٌ لا محالة، تركنا إيرادها في كتابنا قصداً اكتفاءً واقتصاراً على مجرّد تلاوة القصّة من القرآن العظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وقد اختلف الأئمة في سجدة ﴿ص﴾ هل هي من عزائم السجود، أو إنما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود، على قولين. قال البخاري (١): حدّثنا محمد بن عبد الله، حدّثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوَّام قال: سألت مجاهداً عن سجدة ﴿ص﴾ فقال: سألت ابنَ عباس: من أين سجدت؟ فقال (٢): أوما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فكان داود ممن أُمِر نبيُّكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود ﵇ فسجدها رسول الله ﷺ . وقد قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا إسماعيل -هو ابن علية- عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في السجود في ﴿ص﴾: ليست من عزائم السجود. وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها. وكذا رواه البخاري (٤)، وأبو داود (٥)، والترمذي (٦)، والنسائي (٧)، من حديث أيوب. وقال الترمذي: " حسن صحيح ". وقال النسائي (٨): أخبرني إبراهيم بن الحسن المِقْسَمي، حدثنا حجّاج بن محمد، عن عمر بن ذَرّ، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ سجد في ﴿ص﴾ وقال: "سَجَدَها دَاودُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُها شُكْراً" تفرد به، ورجاله ثقات.

стр. 597

وقال أبو داود (١): حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد ابن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرح، عن أبي سعيد الخدري قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّن (٢) الناس للسجود فقال: "إنّما هي تَوْبَةُ نَبي ولكنْ رَأَيْتكُم تَشَزنْتُم" فنزل وسجد. تفرد به أبو داود. وإسناده على شرط الصحيح. وقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا عفان، حدّثنا يزيد بن زُريع، حدّثنا حُميد، حدّثنا بكر -هو ابن عمر- وأبو الصديق الناجي (٤) أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب ﴿ص﴾ فلما بلغ (إلى) التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكلَّ شيء بحضرته انقلب ساجداً، قال: فقصَّها على النبي ﷺ ، فلم يزل يسجد بها بعد. تفرّد به أحمد. وروى الترمذي (٥) وابن ماجه (٦) من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس، عن الحسن بن محمد بن عُبيد (٧) الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جُريج: حدّثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: إني رأيت فيما يرى النائم كأني أُصلي خلف شجرة، ففرأت السجدةَ، فسجدت الشجرة بسجودي، فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلْها لي عندك ذُخراً، وضع عنّي بها وِزراً، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود، قال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة ثمّ سجد، فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة. ثمّ قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد ذكر بعض المفسرين أنه ﵇ مكث ساجداً أربعين يوماً. وقاله مجاهد والحسن وغيرهما. وورد في ذلك حديث مَرفوع لكنه من رواية يزيد الرقاشي، وهو ضعيف متروك الحديث (٨). قال

стр. 598

الله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. أي: وإن له يوم القيامة لزلفى، وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة (١) قدسه بسببها، كما ثبت في الحديث: "المُقْسِطُوْنَ على مَنَابِرَ مِنْ نُوْرٍ عَنْ يَمِيْنِ الرَّحْمنِ، وَكِلْتَا يديه يمينٌ، الذين يُقْسِطون في أَهليهم وحكمِهم وما وَلوا" (٢). وقال الإمام أحمد في " مسنده ": حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أَحَبَّ النَاسِ إلى اللهِ يَوْمَ القِيامة وأَقْرَبَهُم مِنْه مَجْلِساً إمامٌ عَادِلٌ، وإنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَة (٣) وأشَدَّهُم عَذابًا إمامٌ جَائِرٌ" (٤). وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الأغرّ، به. وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سيّار، حدّثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: مقام داود ﵇ يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول الله: يا داود مجَّدْني اليومَ بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنتَ تمجَّدني به في الدنيا. فيقول: وكيف وقد سلبته؟ فيقول: إني أرده عليك اليومَ. قال: فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان. ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. هذا خطاب من الله تعالى مع داود، والمرادُ ولاة الأمور وحُكّام الناس، وأمرهم بالعدل واتِّباع الحق المنزّل من الله لا ما سواه من الآراء والأهواء، وتوعّد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك، وقد كان داود ﵇ هو المقتدى به في ذلك الوقت (٦) في العدل وكثرة العبادة وأنواع القربات، حتى إنه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلاً ونهاراً، كما قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدّثنا صالح المُرَّي، عن

стр. 599

أبي عمران الجوني، عن أبي الجَلْد (١) قال: قرأت في مسألة داود ﵇ أنه قال: يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصِل إلى شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي "أن يا داود أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني؟ قال: بلى يا رب. قال: فإني أرضى بذلك منك" (٢). وقال البيهقي (٣): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن بالويه، حدّثنا محمد بن يونس القرشي، حدّثنا رَوح بن عبادة، حدّثني عبد الله بن لاحق، عن ابن شهاب قال: قال داود: الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعزّ جلاله. فأوحى الله إليه: إنك أتعبتَ الحفَظَةَ يا داود. ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن علي بن الجعد، عن الثوري، مثله (٤). وقال عبد الله بن المبارك في كتاب " الزهد" (٥): أخبرنا سفيان الثوري، عن رجل، عن وهب بن منبه قال: إن في حكمة آل داود: وحق على العقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب. وحق على العقل أن يعرف زمانه، ويحفظ لسانه، ويقبل على شأنه. وحق على العاقل أن لا يظعن إلا في إحدى ثلاث: زاد لمعاده، ومرمة لمعاشه، ولذة من غير محرم. وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا، عن أبي بكر بن أبي خيثمة، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي الأغر، عن وهب بن منبه، فذكره. ورواه أيضاً عن علي بن الجعد، عن عمر بن هيثم الرقاشي، عن أبي الأغر، عن وهب بن منبه، فذكره، وأبو الأغر هذا هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته. قال ابن عساكر: وقال عبد الرزاق: أخبرنا بشر بن رافع، حدّثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له: أبو عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه، فذكر مثله.

стр. 600

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ أشياء كثيرة مليحة، منها قوله: كن لليتيم كالأب الرحيم. واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد. وروى بسندٍ غريبٍ مرفوعاً قال داود: يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها. وعن داود ﵇ أنه قال: مثل الخطيب الأحمق في نادي القوم كمثل المغنّي عند رأس الميت. وقال أيضاً: ما أقبح الفقر بعد الغنى، وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى. وقال: انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت. وقال: لا تَعِدنَّ أخاك بما لا تنجزه له فإن ذلك عداوة ما بينك وبينه (١). وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، حدّثني هشام بن سعد، عن عمر مولى غفرة قال: قالت اليهود لما رأت رسول الله ﷺ يتزوج النساء: انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام، ولا والله ماله همة إلا إلى النَّساء، وحسدوه لكثرة نسائه، وعابوه بذلك، وقالوا: لو كان نبياً ما رغب في النساء. وكان أشدهم في ذلك حُيي بن أخطب، فكذبهم الله تعالى وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله عليه وسلامه قال : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني بالناسِ رسول الله ﷺ ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] يعني ما آتى الله سليمانَ بن داود، كانت له ألفُ امرأة، سبعمئة مهيرة (٢) وثلاثمئة سرية، وكانت لداود ﵇ مئة امرأة منهن امرأة أوريا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة، هذا أكثر مما لمحمد ﷺ . وقد ذكر الكلبي نحو هذا، وأنه كان لداود ﵇ مئة امرأة ولسليمان ألف امرأة منهن ثلاثمئة سرية. وروى الحافظ في "تاريخه" (٣) في ترجمة صدقة الدمشقي الذي يروي عن ابن عباس من طريق الفرج بن فضالة الحمصي، عن أبي هريرة الحمصي، عن صدقة الدمشقي: أن رجلاً سأل ابن عباس عن الصيام؟ فقال: لأحدثنك بحديثٍ كان عندي في التخت (٤) مخزوناً: إن شئت أنبأتك بصوم داود، فإنه كان صوَّاماً قوّاماً، وكان شجاعاً لا يفرُّ إذا لاقى، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وقال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ الصَّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ"، وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتاً يكون فيها. وكانت له ركعة من آخر (٥) الليل يبكي فيها نفسه، ويبكي ببكائه كلّ شيء ويصرف بصوته الهموم

стр. 601

والحموم (١). وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان، فإنه كان يصوم من أوّل الشهر ثلاثة أيام، ومن وسطه ثلاثة أيام، ومن آخره ثلاثة أيام، يستفتح الشهر بصيام، ووسطه بصيام، ويختمه بصيام. وإن شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى ابن مريم؛ فإنه كان يصوم الدهر، ويأكل الشعير، ويلبس الشعر، يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ليس له ولد يموت ولا بيت يخرب، وكان أينما أدركه الليل صفن بين قدميا (٢)، وقام يصلّي حتى يصبح، وكان راميًا لا يفوته صيد يريده، وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم حوائجهم. وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران فإنّها كانت تصوم يومًا (٣) وتفطر يومين. وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الأمي محمد ﷺ فإنه كان يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام، ويقول: "إن ذلك صوم الدهر (٤) ". وقد روى الإمام أحمد عن أبي النضر، عن فرج بن فضالة، عن أبي هرم، عن صدقة، عن ابن عباس مرفوعاً في صوم دواد (٥). ذكر (٦) كمّيّة حياته وكيفيّة وفاته ﵇ قد تقدم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم (٧) أن الله لما استخرج ذريته من ظهره فرأى فيهم الأنبياء ﵈، ورأى فيهم رجلاً يزهر فقال: أي ربَّ من هذا؟ قال: هذا ابنُك داود. قال: أي ربّ كم عمره؟ قال: ستون عاماً. قال: أي ربّ زِدْ في عمره. قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألفَ عام، فزاده أربعين عاماً، فلما انقضى عمر آدم جاءه ملكُ الموت، فقال: بقي من عمري أربعون سنة، ونسي آدم ما كان وهَبه لولده داود، فأتمها الله لآدم ألف سنة ولداود مئة سنة. رواه أحمد (٨) عن ابن عباس، والترمذي -وصححه- (٩) عن أبي هريرة. وابن خزيمة (١٠)

стр. 602

وابن حبان (١). وقال الحاكم (٢): على شرط مسلم. وقد تقدم ذكر طرقه وألفاظه في قصة آدم. قال ابن جرير (٣): وقد زعم بعض أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعاً وسبعين سنة. قلت: هذا غلط مردود عليهم قالوا: وكان مدة ملكه أربعين سنة. وهذا قد يُقبل نقله لأنه ليس عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه. وأما وفاته ﵇، فقال الإمام أحمد في "مسنده" (٤): حدّثنا قتيبة، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كانَ داودُ ﵇ فِيهِ غَيْرَةٌ شَدِيْدَةٌ، فَكانَ إذا خَرَجَ أُغلقت الأبواب فَلَم يَدْخُلْ عَلى أَهْلِهِ أَحَدٌ حَتَّى يَرْجِعَ. قال: فَخَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ وغلقت الدارُ فأقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ تَطلع إلى الدَّارِ، فإذا رَجُلٌ قائِمٌ وَسطَ الدَّارِ، فَقَالَت لِمَنْ في البيْتِ: مِنْ أيْنَ دَخَلَ هذا الرَّجُلُ والدَّارُ مُغْلَقَةٌ؟ واللهِ لنَفْتَضِحَنَّ بداود. فجاءَ داودُ فإذا الرجُلُ قائِمٌ وسطَ الدَّارِ، فقالَ لَهُ داودُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أنا الذي لا أَهَابُ الملوكَ ولا يمتنع (٥) من الحجَّاب، فقالَ داودُ: أنتَ واللهِ إذَنْ مَلَكُ الموْتِ، مَرْحَباً بأمْرِ اللهِ. فَزَمَلَ دَاوُدُ مَكَانَهُ حَتّى قُبِضَتْ نَفْسُه، حتى فَرَغَ مِنْ شَأنِه. وطَلَعَتْ (٦) عَليهِ الشَّمْسُ، فقالَ سُليمانُ لِلطَّيْر: أَظِلّي عَلَى دَاوُد، فأظَلَّت عَلَيه الطيرُ حتى أظلَمَتْ عَلَيهِ الأرْضُ. فقالَ سُلَيمانُ لِلطَّيْر: اقبضي جناحاً جناحًا". قال أبو هريرة: يرينا رسول الله ﷺ كيف (٧) فعلت الطير، وقبض رسول الله ﷺ بيده، وغلبت عليه يومئذ المضرحية. انفرد بإخراجه الإمام أحمد. وإسناده جيد قوي، رجاله ثقات. ومعنى قوله: "وغلبت عليه يومئذ المضرحية" أي: وغلبت على التظليل عليه المضرحية وهي الصقور الطوال الأجنحة، وإحداها: مَضْرحي. قال الجوهري: وهو الصقر الطويل الجناح (٨) وقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس قال: مات داود نبي الله ﵇ فجأة، وكان بسبت، وكانت الطير تظله.

стр. 603

وقال السدي أيضاً عن أبي مالك، وعن سعيد بن جبير قال: مات داود ﵇ يوم السبت فجأة. وقال إسحاق بن بشر، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: مات داود ﵇ وهو ابن مئة سنة، ومات يوم الأربعاء فجأة. وقال أبو السكن الهجري: مات إبراهيم الخليل فجأة، وداود فجأة، وابنه سليمان فجأة، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. رواه ابن عساكر (١). وروي عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه، فقال له: دعني أنزل أو أصعد. فقال: يا نبي الله نفدت (٢) السنون والشهور والآثار والأرزاق. قال: فخرَّ ساجداً على مِرْقاة من تلك المراقي، فقبضه وهو ساجد. وقال إسحاق بن بشر: أخبرنا زافر (٣) بن سليمان، عن أبي سليمان الفلسطيني، عن وهب بن منبه قال: إن الناس حضروا جنازة داود ﵇، فجلسوا في الشمس في يومٍ صائفٍ. قال: وكان شيَّع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس، ولم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهارون أحد كانت بنو إسرائيل أشد جزعاً عليه منهم على داود. قال: فأذلقهم الحر (٤) فنادوا سليمان ﵇ أن يعجل عليهم لما (٥) أصابهم من الحر، فخرج سليمان فنادى الطيرَ، فأجابت، فأمرها فأظلمت (٦) الناس. قال: فتراص بعضها إلى بعض من كلّ وجه حتى استمسكت الريح فكاد الناس أن يهلكوا غماً، فصاحوا إلى سليمان ﵇ من الغم، فخرج سليمانُ فنادى الطير: أن أظلي الناس من ناحية الشمس وتنَحي عن ناحية الريح، ففعلت، فكان الناس في ظل تهب عليهم الريح، فكان ذلك من أول ما رأوا من ملك سليمان (٧). وقال الحافظ أبو يعلى: حدّثنا أبو همّام الوليد بن شجاع، حدّثني الوليد بن مسلم، عن الهيثم بن حميد، عن الوضين بن عطاء، عن نصر بن علقمة، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: قال

стр. 604

رسول الله ﷺ : "لَقَد قَبَضَ اللهُ دَاودَ مِنْ بَينِ أصْحابهِ ما فُتِنوا ولا بَدَّلوا، وَلَقَد مَكَثَ أصْحَابُ المسيحِ على سننهِ وهَدْيهِ مئتي سَنةٍ". هذا حديث غريب، وفي رفعه نظر. والوضين بن عطاء كان ضعيفاً في الحديث (١). والله أعلم.

стр. 605

قصّة سليمان بن داود ﵉ قال الحافظ ابن عساكر (١): هو سليمان بن داود بن إيشا بن عويد بن باغز بن سلمون بن نحشون بن عميناداب بن إرم بن حَضْرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، أبو الربيع، نبي الله ابن نبي الله. جاء في بعض الآثار أنه دخل دمشق. قال ابن ماكولًا (٢): فارص، بالصاد المهملة، وذكر نسبه قريباً مما ذكره ابن عساكر. قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]: ورثه في النبوة والملك، وليس المراد وراثة المال؛ لأنه قد كان له بنون غيره (٣)، فما كان ليخص بالمال دونهم، ولأنه قد ثبت في الصَّحاح من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال: "لا نُورثُ ما تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ" (٤) وفي لفظ: "نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِياءِ لا نُورث" (٥) فأخبر الصادق المصدوق أن الأنبياء لا تُورَث أموالُهم عنهم كما يورَث غيرهم، بل تكون أموالهم صدقةً من بعدهم على الفقراء والمحاويج، لا يخصون بها أقرباءهم، لأن الدنيا كانت أهون عليهم وأحقر عندهم من ذلك، كما هي عند الذي أرسلَهم واصطفاهم وفضَّلهم. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ يعني أنه ﵇ كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها، ويعبَّر للناس عن مقاصدها وإراداتها. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا علي بن حمشَاذ، حدّثنا إسماعيل بن قتيبة، حدّثنا علي بن قدامة، حدّثنا أبو جعفر

стр. 606

الأسواني يعني محمد بن عبد الرحمن، عن يعقوب القُمِّي (١)، حدّثني أبو مالك قال: مرَّ سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: وما يقول يا نبي الله؟ قال: يخطُبُها إلى نفسها ويقول: زوجيني أُسْكنكِ أيَّ غُرَفِ دمشق شئت. قال سليمان ﵇: لأن غرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها أحد، ولكن كلّ خاطبٍ كذاب. ورواه ابن عساكر عن أبي القاسم زاهر بن طاهر، عن البيهقي، به (٢). وكذلك ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات. والدليل على هذا قوله بعد هذا من الآيات: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من كلّ ما يحتاج الملك إليه من العُدَدِ والآلات، والجنود والجيوش، والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش (٣) السارحات، والعلوم والفهوم، والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات. ثمّ قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ أي: من بارئ البريات، وخالق الأرض والسماوات، كما قال تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٧ - ١٩]. يخبر عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يوماً في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير، فالجن والإنس يسيرون معه، والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحزَّ وغيره، وعلى كلٍّ من هذه الجيوش الثلاثة وَزَعَةٌ، أي: نقباء يردون أوله على آخره فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه ولا يتأخّر عنه. قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فأمرت وحذّرت، واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور. وقد ذكر وَهْب: أنه مرّ وهو على البساط بوادٍ بالطائف، وأن هذه النملة كان اسمها (جرس) (٤) وكانت من قبيلة يقال لهم بنو الشيصبان، وكانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب (٥). وفي هذا كلّه نظر، بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكباً في خيوله وفرسانه لا كما زعمه بعضهم من أنه كان إذ ذاك

стр. 607

على البساط، لأنه لو كان كذلك لم ينل النملَ منه شيء ولا وطْء؛ لأن البساط كان يكون عليه جميع ما يحتاجون إليه من الجيوش والخيول والجمال والأثقال والخيام والأنعام، والطير من فوق ذلك كله، كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله تعالى. والمقصود أن سليمان ﵇ فهم ما خاطبت به تلك النملة لأُمَّتها من الرأي السديد والأمر الحميد، وتبسّم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره. وليس كما يقوله بعض الجهلة من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان، وتخاطب الناس، حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهدَ، وألجمها، فلم تتكلّم مع الناس بعد ذلك، فإن هذا لا يقوله إلا الذين لا يعلمون، ولو كان هذا هكذا، لم يكن لسليمان في فهم لغاتها مزية على غيره، إذ قد كان الناس كلّهم يفهمون ذلك، ولو كان قد أخذ عليها العهد أن لا تتكلم مع غيره وكان هو يفهمها، لم يكن في هذا أيضاً فائدة يعوّل عليها (١). ولهذا قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي ألهمني وأرشدني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾. فطلب من الله أن يقيّضه للشكر على ما أنعم به عليه، وعلى ما خصّه به من المزيّة على غيره، وأن ييسّر عليه العمل الصالح، وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين. وقد استجاب الله تعالى له. والمراد بوالديه: داود ﵇ وأمه، وكانت من العابدات الصالحات، كما قال سُنيد بن داود، عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "قالَتْ أمُّ سُلَيمان بنِ داودَ: يا بُنيَّ لا تُكْثرِ النَوْمَ باللَّيلِ، فإن كَثرةَ النومِ بالليلِ تَدَعُ العبدَ فَقِيراً يومَ القِيامة". رواه ابن ماجه (٢) عن أربعة من مشايخه، عنه، به، نحوه. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزُّهري: إن سليمان بن داود ﵇ خرج هو وأصحابه يستسقون، فرأى نملة قائمةً رافعة إحدى قوائمها تستسقي، فقال لأصحابه: ارجعوا فقد سُقيتم، إن هذه النملة استسقت فاستُجيب لها. قال ابن عساكر (٣): وقد رُوي مرفوعاً، ولم يذكر فيه سليمان، ثمّ ساقه من طريق محمد بن عزيز، عن سلامة بن روح بن خالد، عن عقيل، عن ابن شهاب، حدّثني أبو سلمة عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله

стр. 608

ﷺ يقول: "خَرجَ نبيٌ منَ الأنبياءِ بالناس يَسْتَسْقونَ الله، فإذا هُم بنَملةٍ رافعة بَعضَ قوائِمها إلى السماء، فقال النبي: ارجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيْبَ لَكُم مِنْ أَجْلِ هذهِ النملةِ" (١). وقال السدي: أصاب الناس قحطٌ على عهد سليمان ﵇، فأمر الناس فخرجوا، فإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول: اللهمَّ إنا خلقٌ من خلقك ولا غناء بنا عَنْ فَضْلِكَ، قال: فصب الله عليهم المطر. قال تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٢٠ - ٣٧]. يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد، وذلك أن الطيور كانت على كلَّ صنف منها مقدمون يقومون بما يطلب منهم، ويحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك، وكانت وظيفة الهدهد -على ما ذكره ابن عباس وغيره- أنهم كانوا إذا أعوزوا الماء في القفار في حال الأسفار يجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماءً، وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض، فإذا دلّهم حفروا عنه، واستنبطوه، وأخرجوه، واستعملوه لحاجتهم. فلما تطلبه سليمان ﵇ ذات يوم فقده، ولم يجده في موضعه من محلّ خدمته ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ أي: ماله مفقودٌ من هاهنا أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي؟ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ توعّده بنوع من العذاب اختلف المفسرون فيه، والمقصود حاصل على كل تقدير، ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي بحجّة تنجيه من هذه الورطة. قال الله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. أي: فغاب الهدهدُ غيبةً ليست بطويلةٍ ثم قدم منها

стр. 609

﴿فَقَالَ﴾ لسليمان ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ أي: بخبر صادق: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوّجِين، وكان المُلْك قدآل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يُخلَّف غيرها فملّكوها عليهم. وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملَّكوا عليهم بعد أبيها رجُلاً، فعمَّ به الفساد، فأرسلت إليه تخطُبه، فتزؤجها، فلما دخلت عليه سقته خمراً ثم حزَّت رأسه ونصبته على بابها، فأقبل الناس عليها وملَّكوها عليهم، وهي بلقيس بنت السيرح وهو الهدهاد، وقيل: شراحيل بن ذي جَدَن بن السيرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يَشْجب بن يعرب بن قحطان. وكان أبوها من أكابر الملوك وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن، فيقال إنه تزوج بامرأة من الجنّ اسمها ريحانة بنت السكن، فولدت له هذه المرأة واسمها تلقمة ويقال لها: بلقيس. وقد روى الثَّعْلَبى (١) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "كانَ أَحَدُ أبَوي بَلْقيس جِنيًّا" (٢). وهذا حديث غريب، وفي سنده ضعف. وقال الثعلبي: أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه (٣)، حدّثنا أبو بكر بن جرجة، حدّثنا ابن أبي الليث، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله ﷺ فقال: "لا يُفْلِحُ قَوْمٌ ولَّوا أَمْرَهُم امْرأَةً". إسماعيل بن مسلم هذا هو المكي: ضعيف (٤). وقد ثبت في "صحيح" (٥) البخاري من حديث عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ لما بلغه أن أهل فارس ملّكوا عليهم ابنة كسرى قال: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ ولّوا أمْرَهُمُ امْرَأَةً".

стр. 610

ورواه الترمذي (١)، والنسائي (٢) من حديث حميد، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ وقال الترمذي: حسن صحيح. وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي مما من شأنه أن تؤتاه الملوك. ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ يعني سرير مملكتها وكان مزخرفاً بأنواع الجواهر واللآلئ والذهب والحليَّ الباهر. ثمّ ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله وإضلالَ الشيطان لهم وصدّه إياهم عن عبادة الله وحده لا شريك له ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ أي: يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: له العرش العظيم الذي لا أعظم منه في المخلوقات. فعند ذلك بعث معه سليمان ﵇ كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله، والإنابة والإذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه، ولهذا قال لهم: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أي لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي: واقدموا عليّ سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة. فلما جاءها الكتاب مع الطير -ومن ثم اتخذ الناس البطائق، ولكن أين الثريا من الثرى؟! تلك البطاقة كانت مع طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له- فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها وهي في خلوة لها، ثمّ وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها، فجمعت أُمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾. ثم قرأت عليهم عنوانه أولًا ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ ثم قرأته ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. ثمّ شاورتهم في أمرها وما قد حل بها، وتأدّبت معهم، وخاطبتهم وهم يسمعون ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تعني: ما كنت لأبتَّ أمراً إلا وأنتم حاضرون: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ يعنون: لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال، فإن أردت منّا ذلك فإنا عليه من القادرين، ﴿و﴾ مع هذا فـ ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فبذلوا لها الطاعة، وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة، وفوَّضوا إليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم، فكان رأيها أتمَّ وأسدَّ من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يُغالَب ولا يُمانَع ولا يُخالَف ولا يُخادَع. ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقول برأيها السديد: إن هذا الملك لو قد غَلَب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم إلا إليَّ، ولم تكن الحدَّة الشديدة

стр. 611

والسطوة البليغة إلا عليَّ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها، ولم تعلم أن سليمان ﵇ لا يقبل منهم -والحالة هذه- صرفاً ولا عدلًا، لأنهم كافرون وهو وجنوده عليهم قادرون. ولهذا ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ هذا، وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة، كما ذكره المفسرون (١). ثم قال لرسولها إليه ووافدها الذي قدم عليه، والناس حاضرون يسمعون: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ يقول: ارجع بهديتك التي قدمت بها إلى من قَدْ مَنَّ بها فإن عندي مما قد أنعم الله عليّ وأسداه إليّ من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا، وخير من هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أي: فلأبعثنَّ إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم، ولأخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ عليهم الصّغار والعار والدمار. فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بدٌّ من السمع والطاعة، فبادروا إلى إجابته في تلك الساعة، وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين، فلما سمع بقدومهم عليه ووفودهم إليه قال لمن بين يديه ممن هو مسخَّر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن. ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٨٣ - ٤٤]. لما طلب سليمان من الجان أن يُحضِروا له عرش بلقيس، وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني قبل أن ينقضيَ مجلسُ حكمك، وكان -فيما يقال- من أول النهار إلى قريب الزوال، يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ أي: وإني لذو قدرة على إحضاره إليك وأمانَةٍ على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المشهور أنه آصف بن برخيا، وهو ابن خالة سليمان. وقيل: هو رجل من مؤمني الجان، كان -فيما يقال- يحفظ الاسم الأعظم. وقيل: رجل من بني

стр. 612

إسرائيل، من علمائهم، وقيل: إنه سليمان، وهذا غريب جداً. وضعفه السُّهَيْلي بأنه لا يصح في سياق الكلام، قال: وقد قيل فيه قول رابع وهو جبريل: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قيل معناه قبل أن تبعث رسولاً إلى أقصى ما ينتهي إليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك. وقيل: قبل أن يصل إليك أبعد من تراه من الناس. وقيل: قبل أن يكلَّ طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك. وقيل: قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته وهذا أقرب ما قيل. ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ أي: فلما رأى عرش بلقيس مستقراً عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ أي: هذا من فضل الله عليّ وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود نفع ذلك عليه ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أي: غني عن شكر الشاكرين، ولا يتضرر بكفر الكافرين. ثم أمر سليمان ﵇ أن يُغَيَّر حُليُّ هذا العرش ويُنكَّر لها ليختبر فهمها وعقلها، ولهذا قال: ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ وهذا من فطنتها وغزارة فهمها، لأنها استبعدت أن يكون عرشَها؛ لأنها خلَّفته وراءَها بأرض اليمن، ولم تكن تعلم أن أحداً يقدر على هذا الصنيع العجيب الغريب. قال الله تعالى إخباراً عن سليمان وقومه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي: ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله اتباعاً لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا حداهم على ذلك. وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج، وعمل في ممرَّه ماء، وجعل عليه سقفاً من زجاج، وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء، وأُمِرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد قيل: إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان، وأن تُبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها، وخشوا أن يتزوجها لأن أمَّها من الجان فتتسلط عليهم معه. وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة، وهذا ضعيف. وفي الأول أيضاً نظر. والله أعلم. إلا أن سليمان قيل: إنه لما أراد إزالته حين عَزَم على تَزَوُّجها سألَ الإنس عن زواله فذكروا له الموسى، فامتنعت من ذلك، فسأل الجان فصنعوا له النُّوْرَة (١) ووضعوا له الحمَّام، فكان أول من دخل الحمَّام، فلما وجد مَسَّه قال: أوَّه من عذاب أوَّه، أوَّه (٢) قبل أن لا ينفع أوَّه. رواه الطبراني مرفوعاً وفيه نظر. وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أَقرَّها على مملكة اليمن وردّها إليه، وكان يزورها في

стр. 613

كلّ شهرٍ مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثمّ يعود على البساط. وأمر الجان فبنَوا لها ثلاثة قصور باليمن، غمدان، وسالحين، وبيتون. فالله أعلم. وقد روى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أن سليمان لم يتزوجها، بل زوجها بملك هَمْدان وأقرها على ملك اليمن، وسخَّر زوبعة ملك جن اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن، والأول أشهر وأظهر. واللّه أعلم. وقال تعالى في سورة ص: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٣٠ - ٤٠] يذكر أنه وهب لداود سليمان ﵉، ثم أثنى عليه تعالى فقال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: رجّاع مطيع لله. ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات، وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، الجياد، وهي المضمَّرة السراع (١). ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ يعني الشمس. وقيل: الخيل -على ما سنذكره من القولين- ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ قيل: مسح عراقيبها وأعناقَها بالسيوف. وقيل: مسح عنها العرق لمَّا أجراها وسابق بينها وبين يديه على القول الآخر. والذي عليه أكثر السلف الأول، فقالوا: اشتغل بعَرض تلك الخيول حتى خرج وقتُ العصر وغربت الشمس. رُوي هذا عن علي بن أبي طالب (٢) وغيره. والذي يُقطع به أنه لم يترك الصلاة عَمْداً من غير عذر، اللهمَّ إلا أن يُقال: إنه كان سائغاً في شريعتهم فَأَخَّرَ الصلاة لأجل أسباب الجهاد، وعَرْض الخيل من ذلك. وقد ادّعى طائفة من العلماء في تأخير النبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق أن هذا كان مشروعاً إذ ذاك حتى نُسخ بصلاة الخوف. قاله الشافعي وغيره.

стр. 614

وقال مكحول والأوزاعي: بل هو حُكم مُحْكَم إلى اليوم؛ أنه يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد، كما ذكرنا تقرير ذلك في سورة النساء عند صلاة الخوف. وقال آخرون: بل كان تأخير النبي ﷺ صلاة العصر يوم الخندق سهواً نسيانا، وعلى هذا فَيُحمَل فعلُ سليمان ﵇ على هذا. واللّه أعلم. وأما من قال: الضمير في قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ عائد على الخيل، وأنه لم يفته وقت صلاة، وأن المراد بقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ يعني مسح العرق عن عراقيبها وأعناقها، فهذا القول اختاره ابن جرير، ورواه الوالبي عن ابن عباس في مسح العرق. ووجَّه هذا القول ابنُ جرير بأنه ما كان لِيعذَّبَ الحيوانَ بالعرقبة، ويهلك مالًا بلا سبب ولا ذنب لها (١). وهذا الذي قاله فيه نظر، لأنه قد يكون هذا سائغاً في ملّتهم. وقد ذهب بعض علمائنا إلى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شيء من الحيوانات من أغنام ونحوها جاز ذبحُها وإهلاكها لئلا يتقوَّوا بها عليهم، وعليه (٢) حُمل صنيع جعفر بن أبي طالب يومَ عَقَر فرسه بمؤته (٣). وقد قيل: إنها كانت خيلاً عظيمة. قيل: كانت عشرة آلاف فرس. وقيل: عشرين ألفَ فرس. وقيل: كان فيها عشرون فرساً من ذوات الأجنحة. وقد روى أبو داود في " سننه ": حدّثنا محمد بن عوف، حدّثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدّثني عُمارة بن غَزيَّة أن محمد بن إبراهيم حدّثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سَهْوَتها (٤) سِتْر، فهبَّت الريح فكشفت ناحية الستر عن بناتٍ لعائشة لُعَب، فقال: " ما هذا يا عائشةُ " فقالت: بناتي. ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع فقال: " ما هذا الذي أرى وسْطَهنَّ "؟ قالت: فرس. قال: " وما الذي عليه هذا"؟ قالت: جناحان. قال: " فرسٌ له جناحان "؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ (٥). وقال بعض العلماء: لما ترك الخيلَ للّه عوَّضَه اللّهُ عنها بما هو خير له منها، وهو الريح التي كانت غُدُوُّها شهرٌ ورَواحها شهر، كما سيأتي الكلام عليها.

стр. 615

كما قال الإمام أحمد: حدّثنا إسماعيل، حدّثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة وأبي الدهماء، وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلّمني مما علّمه الله ، وقال: "إنّكَ لا تَدَعُ شَيْئاً اتّقاءَ اللّهِ إلّا أَعْطاكَ اللّهُ خَيْراً مِنْهُ" (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾: ذكر ابن جرير (٢)، وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين هاهنا آثاراً كثيرة عن جماعة من السلف، وأكثرها أوْ كلُّها متلقَّاة من الإسرئيليات، وفي كثير منها نكارة شديدة. وقد نبهنا على ذلك في كتابنا "التفسير" (٣)، واقتصرنا هاهنا على مجرّد التلاوة. ومضمون ما ذكروه أن سليمان ﵇ غاب عن سريره أربعين يوماً ثمّ عاد إليه. ولما عاد أمر ببناء بيث المقدس فبناه بناءً مُحْكماً. وقد قدَّمْنا أنه جدَّده، وأن أول من جَعله مسجداً إسرائيلُ ﵇ كما ذكرنا ذلك عند قول أبي ذر: قلت: يا رسول الله أيُّ مسجد وضع أوّل؟ قال: " المسْجِدُ الحَرَامُ ". قلت: ثم أي؟ قال: " مَسْجِدُ بَيْتِ المْقدِسِ ". قلت: كم بينهما؟ قال: " أرْبَعُونَ سَنةً" (٤). ومعلوم أن بين إبراهيم الذي بنى المسجد الحرام وبين سليمان بن داود ﵉ أزيد من ألف سنة، دع أربعين سنة، وكان سؤاله المُلْك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بعدَ إكماله بناء بيت المقدس كما قال الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، بأسانيدهم عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ "إنَّ سُلَيمانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ المَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ خِلالًا ثلاثاً فأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ، ونَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنا الثالِثَةُ، سَأَلَهُ حُكْماً يُصَادِفُ حُكْمَهَ فَأَعْطَاهُ إياهُ، وسَأَلَهُ مُلْكاً لا يَنْبَغي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فأعْطَاهُ إيَّاهُ، وسَأَلَه أيّما رَجُل خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لا يُرِيْدُ إلّا الصَّلاةَ في هذا المسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيْئَتِهِ مِثْلَ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَنَحْنُ نَرْجُو أنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ أَعْطانا إياها" (٥). فأما (٦) الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى، فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله: ﴿وَدَاوُودَ

стр. 616

وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم، فنفشت فيه غنم قوم آخرين، أي: رعته بالليل فأكلت شجره بالكلية، فتحاكموا إلى داود ﵇، فحكم لأصحاب الكرم بقيمته، فلما خرجوا على سليمان قال: بم حكم لكم نبي الله؟ فقالوا: بكذا وكذا، فقال: أما لو كنتُ أنا لما حكمت إلاّ بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلّونها نتاجًا ودرّا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه، ثمّ يتسلّموا غنمهم، فبلغ داود ﵇ ذلك فحكم به. وقريب من هذا ما ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما امْرأتان مَعَهما ابْناهُما، إذْ عَدا الذَّئْبُ فأَخَذَ ابنَ إحْداهُما، فَتَنَازَعَتَا في الآخَر، فَقَالتِ الكُبْرِى: إنَّما ذَهَبَ بابْنِكِ. وقَالَت الصُّغْرى: بلْ إنَّما ذَهَبَ بابنكِ. فتَحَاكَمتا إلى دَاودَ فَحَكَم بِهِ لِلْكُبْرى، فخَرجَتا علَى سُلَيمان فَقَال: ائْتُوني بالسَّكِّين أَشُقُّهُ نِصْفَيْنِ لِكُلِّ واحِدَةٍ منهما (١) نِصْفُه، فَقَالَتِ الصُّغْرى: لا تَفْعَل يَرْحَمُك اللهُ هُوَ ابنُها فَقَضَى بهِ لَها" (٢) ولعل كلاًّ من الحُكمين كان سائغاً في شريعتهم، ولكن ما قاله سليمان أرجح. ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه ومدح بعد ذلك أباه فقال تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ أي وسخرنا

стр. 617

لسليمان الريح عاصفة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١، ٨٢]. وقال في سورة ص: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [٣٦ - ٤٠]. لما تَرَكَ الخَيلَ ابتغاء وجه الله عوَّضه الله منها الريح التي هي أسرع سيراً وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها، تجري بأمره رُخاءً ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث أراد من أيَّ البلاد. كان له بساط يركبُ عليه من أخشاب (١)، بحيث إنه يسع جميع ما يحتاج إليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرجال من الإنس والجان، وغير ذلك من الحيوانات والطيور، فإذا أراد سفراً أو مستنزهاً أو قتالَ ملك أو أعداءً من أي بلاد الله شاء، فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على البساط أمر الريحَ فدخلت تحته فرفعته، فإذا استقل بين السماء والأرض أمر الرُّخاء (٢) فسارت به، فإن أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون فوضعته في أي مكان شاء، بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس فتغدو به الريح فتضعه بإصطخر، مسيرة شهر، فيقيم هناك إلى آخر النهار ثمّ يروح من آخره فترده إلى بيت المقدس، كما قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٢، ١٣] قال الحسن البصري: كان يغدو من دمشق فينزل بإصطخر فيتغدّى بها ويذهب رائحاً منها فيبيت بكابُل، وبين دمشق وبين إصطخر مسيرةُ شهر، وبين إصطخر وكابُل مسيرة شهر (٣). قلتُ: قد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان أن إصطخر بنتها الجان لسليمان، وكان فيها قرار مملكة الترك قديماً، وكذلك غيرها من بلدان شتى كتدمر وبيت المقدس، وبابُ جيرون وباب البريد (٤) اللذان بدمشق، على أحد الأقوال. وأما القِطْر (٥) فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد: هو النحاس، وقال قتادة: وكانت باليمن أنبعها الله له. قال السدي: ثلاثة أيام فقط أخذ منها جميع ما يحتاج إليه للبنايات وغيرها.

стр. 618

وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: وسخر الله له من الجِنّ عُمّالاً يعملون له ما يشاء لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته، ومن خرج منهم عن الأمر عذّبه ونكلّ به. ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ وهي الصور في الجدران، وكان هذا سائغاً في شريعتهم ومفَتهم ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾. قال ابن عباس: الجفنة كالجوبة من الأرض، وعنه: كالحياض (١). وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (٢). وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء كما قال الأعشى: [من الطويل] تَرُوْحُ على آلِ المُحَلَّقِ جَفنةٌ … كَجابِيةِ السَّيْحِ العِراقيَّ يَفْهَقُ (٣) وأما القدور الراسيات، فقال عكرمة: أثافيها منها، يعني أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن. وهكذا قال مجاهد وغير واحد (٤). ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والإحسان إلى الخلق من إنسان وجان قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ يَعني أن منهم من قد سَخّره في البناء، ومنهم من يأمره بالغوص في الماء لا ستخراج ما هنالك من الجواهر واللآلئ وغير ذلك مما لا يوجد إلا هنالك. وقوله: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ أي قد عصوا فقُيَّدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد، وهي: القيود. وهذا كلّه من جملة ماهيأ الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ولم يكن أيضاً لمن كان قبله. وقد قال البخاري (٥): حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ عِفْرِيْتاً مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عليّ البارِحَةَ لِيَقْطَعَ علَيّ صَلاتي فأمْكَنَني اللهُ مِنْهُ، فاخَذْتُهُ فأرَدْتُ أنْ أَرْبِطَهُ إلى سَارِيَةٍ مِنْ سَوارِى المَسْجِد حَتّى تَنْظُروا إليَه كُلَّكُم، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أخي سُلَيْمانَ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَدْتُهُ خاسِئاً".

стр. 619

وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبةُ (١). وقال مسلم (٢): حدّثنا محمد بن سلمة المرادي، حدّثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدّثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي الدرْداء قال: قام رسول الله ﷺ فصلّى، فسمعناهُ يَقُولُ: "أعوذُ باللهِ مِنْكَ، أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ الله ثلاثاً، وبَسَطَ يَدَهُ كأنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئاً، فلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلْنا يا رَسُولَ الله سَمِعْناكَ تَقُوْلُ في الصلَّاةِ شَيْئاً لم نَسْمَعك تَقُوْلُهُ قَبْلَ ذلكَ، ورأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ. قال: "إنَّ عَدُوَّ اللهِ إبْليس جَاءَ بِشِهابٍ مِنْ نارٍ لِيَجْعَلَهُ في وَجْهي فَقُلْتُ أعُوذُ باللّهِ مِنْكَ ثَلاثَ مَرَّاتِ، ثُمَّ قُلْتُ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ الله التَّامَّةِ، فَلَم يَسْتأْخِر ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ. واللهِ لَولا دَعْوَةُ أَخِيْنا سُلَيمانَ لأَصْبَحَ مُوْثَقاً يَلْعَبُ بهِ وِلْدَانُ أهْلِ المدِيْنَة". وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة، بة (٣). وقال أحمد (٤): حدّثنا أبو أحمد، حدّثنا مسرَّة بن معبد، حدثنا أبو عبيد صاحب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يُصلي، فذهبتُ أمرُّ بين يديه، فردّني، ثمّ قال: حدّثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام فصلّى صلاةَ الصُّبح وهو خلفَه، فقرأ، فالتبسَتْ عليه القراءة. فلمّا فرغ من صلاته قال: "لَوْ رَأَيْتُمُوْني وإبْلِيْس فأَهْوَيْتُ بِيَدِي فما زِلْتُ أخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعابِهِ بَيْنَ أصْبعَيَّ هاتَيْن" الإبهام والتي تليها "ولَولا دَعْوَةُ أخي سُلَيمانَ لأصْبَحَ مَرْبُوطاً بِسَارِيةٍ مِنْ سَوارِي المسْجِدِ يَتَلاعَبُ بهِ صِبْيانُ المدِيْنة، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُم أنْ لا يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ أحَدٌ فَلْيَفْعَلْ". روى أبو داود (٥) منه "فَمَن اسْتَطَاع" إلى آخره، عن أحمد بن سريج، عن أحمد الزبيري، به. وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة سبعمئة بمهور، وثلاثمئة سراري، وقيل بالعكس ثلاثمئة حرائر وسبعمئة من الإماء. وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمراً عظيماً جداً. قال البخاري: حدّثنا خالد بن مَخْلَد، حدّثنا مغيرة بن عبد الرحمان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قالَ: "قال سُلَيْمانُ بنُ دَاودَ: لأَطُوْفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِيْنَ امْرأةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرأةٍ فارِساً يُجَاهِدُ في سَبِيْلِ اللهِ. فقالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إنْ شاءَ اللهُ. فلم يَقُلْ، فَلَمْ تَحْمِألْ شَيْئاً إلّا واحِداً ساقِطاً أَحَدُ شِقَّيْهِ". فقال النبي ﷺ : "لَوْ قَالَها لَجَاهَدُوا في سَبِيْلِ اللهِ". وقال

стр. 620

شعيب، وابن أبي الزناد: تسعين، وهو أصح، تفرّد به البخاري من هذا الوجه (١). وقال أبو يعلى: حدّثنا زهير، حدّثنا يزيد، أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "قال سُلَيمانُ بنُ دَاودَ: لأَطُوْفَنَّ اللَّيلةَ عَلَى مئةِ امْرأةٍ كُلُّ امْرأةٍ منْهُنَّ تَلِدُ غُلاماً يَضْرِبُ بالسَّيْفِ في سَبِيْلِ اللهِ، وَلَم يَقُلْ: إنْ شَاءَ اللهُ. فَطافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ على مئةِ امْرأَةٍ فَلَم تَلِدْ مِنْهُنَ امْرأَةٌ إلَّا امْرأةً وَلَدَتْ نِصْفَ إنْسَانٍ". فقال رسول الله ﷺ : "لو قَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ لَوَلَدَتْ كُلُّ امْرأةً مِنْهُن غُلاماً يَضْرِبُ بالسَّيْفِ في سَبِيْلِ الله ". إسناده على شرط " الصحيح "، ولم يخرجوه من هذا الوجه (٢). وقال الإمام أحمد: حدّثنا هُشيم، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال سليمان ابن داود: لأطوفن الليلة على مئة امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله، ولم يستثن، فما ولدت إلا واحدة منهن بشِقّ إنسان قال: قال رسول الله ﷺ : "لَو اسْتَثْنَى لَوُلدَ لَهُ مِئةُ غُلام. كُلُّهُم يُقَاتِلُ في سَبِيْلِ الله " تفرد به أحمد أيضاً (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ سُليمانُ بنُ داودَ لأَطُوْفَنَّ اللَّيْلةَ بمئةِ امْرأةٍ تَلِدُ كُلُّ امْرأةٍ مِنْهُنَّ غُلاماً يُقاتِلُ في سَبِيْلِ اللهِ" قال: "ونَسِيَ أنْ يَقُولَ: إنْ شَاءَ اللهُ، فأطَافَ بِهِنَّ" قال: "فلَم تَلِدْ مِنْهُنَّ امْرأةٌ إلْا واحِدَةٌ نِصْفَ إنْسانٍ" فقال رسول الله ﷺ : "لو قَالَ إنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنثْ وكانَ دركاً لحاجَتِهِ" (٤). وهكذا أخرجاه في " الصحيحين " من حديث عبد الرزاق، به، مثله (٥). وقال إسحاق بن بشر: أخبرنا مقاتل، عن أبي الزناد، وابن أبي الزناد عن أبيه، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن سليمان بن داود كان له أربع مئةِ امْرأةٍ وستمئة سرية، فقالَ يَوْماً: لأَطُوْفَنَّ اللَّيْلَةَ علَى ألْفِ امْرأةٍ فَتَحْمِلُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِفارِسٍ يُجَاهِدُ في سَبِيْلِ اللهِ، ولَمْ يَسْتَثْنِ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَحْمِلْ واحِدَةٌ مِنْهُنَّ إلا امْراْةٌ واحِدَةٌ مِنْهُنَّ جاءَتْ بِشِقّ إنْسَانٍ. فقال النبي ﷺ : "والذي نَفْسِي بِيَده لَوِ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، لَوُلدَ لَهُ ما قالَ فُرسانٌ، ولَجاهَدُوا في سَبِيلِ الله ".

стр. 621

وهذا إسناد ضعيفٌ لحال إسحاق بن بشر فإنه مُنكَر الحديث، ولاسيما وقد خالف الروايات الصحاح (١). وقد كان له ﵇ من أمور المُلك واتِّساع الدولة وكثرة الجنود وتنوُّعها مالم يكن لأحدٍ قبلَه ولا يعطيه الله أحداً بعده، كما قال: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. وقد أعطاه الله ذلك بنص الصَّادق المصدوق. ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه وأسداه من النعم الكاملة العظيمة إليه قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ أي: أعط من شِئت، واحرم من شئت، فلا حساب عليك، أي: تصزَّف في المال كيف شئت، فإن الله قد سوَّغ لك كل ما تفعله من ذلك، ولا يحاسبك على ذلك. وهذا شأن النبي المَلِك، بخلاف العبد الرسول، فإنّ مِنْ شأنه أن لا يُعطي أحداً، ولا يمنع أحداً إلا بإذن الله له في ذلك. وقد خُيَّر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين، فاختار أن يكون عبداً رسولًا. وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك فأشار إليه: أن تواضع، فاختار أن يكون عبداً رسولًا صلوات الله وسلامه عليه. وقد جعل الله الخِلافة والمُلْك من بعده في أمته إلى يوم القيامة، فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة. فلله الحمد والمِنَّة. ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان ﵇ من خير الدنيا، نَبَّه على ما أعدَّه له في الآخرة من الثواب الجزيل والأجر الجميل، والقربة التي تقرَّبه إليه والفوز العظيم والإكرام بين يديه، وذلك يوم المعاد والحساب حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. ذكر وَفاته وكم كانت مدّة ملكه وحياته (٢) قال الله ﵎: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ [سبأ: ١٤]. روى ابن جرير، وابن أبي حاتم وغيرهما من حديث إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب (٣) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "كانَ سُلَيمانُ نَبِيُّ اللهِ ﵇ إذا صَلَّى رَأَى شَجَرَةً

стр. 622

نابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُوْلُ لَها: ما اسْمُكِ؟ فَتَقُول: كَذَا. فَيَقُولُ: لأيَّ شَيْءٍ أنْتِ؟ فإنْ كَانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ، وإنْ كَانتْ لِدَوَاءٍ أنبتت (١) فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلّي ذاتَ يَوْم إذْ رَأَى شَجَرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَها: ما اسْمُكِ؟ قالتْ: الخرُّوْب. قال: لأيّ شَيء أنْتِ؟ قالتْ: لخرابِ هذا البْيتِ. فَقَالَ سُلَيمانُ: اللهُمّ عَمِّ عَلَى الجِنِّ مَوْتي حَتَّى تَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ. فَنَحَتَها عَصاً فَتَوَكَّأَ عَلَيْها حَوْلًا والجِنُّ تَعْمَلُ فَأكَلَتْها الأَرَضَةُ، فتَبيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَا لَبِثُوا حَوْلاً في العذابِ المُهِيْنِ" (٢). قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك (٣)، قال: فشكرت الجنُّ للأرضة فكانت تأتيها بالماء. لفظ ابن جرير (٤). وعطاء بن السائب (٥) في حديثه نكارة (٦). وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفا (٧)، وهو أشبه بالصواب. والله أعلم. وقال السُّدي في خبرٍ ذَكَره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرَّة عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة: كان سليمان ﵇ يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، يُدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي تُوُفّي فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها، فيسألُها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا. فيقول لها: لأي شيء نبتِّ؟ فتقول: نبتُّ لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع (٨). فإذا كانت نبتت لغرس غرسها، وإن كانت نبتت لدواءٍ (٩) قالت: نبتُّ دواءً لكذا وكذا، فيجعلها كذلك. حتى نبتت شجرة يقال لها: الخرُّوبة، فسألها: ما اسمك؟ فقالت: أنا الخرُّوبة. فقال: ولأي شيء

стр. 623

نبتّ؟ فقالت: نبتُّ لخراب هذا المسجد. فقال سليمان: ما كان الله ليخرِبه وأنا حيّ، أنتِ التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط (١) له. ثم دخل المحراب، فقام يصلي مُتّكِئاً على عصاه، فمات ولم يعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له، يخافون اْن يخرج فيعاقبهم. وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كُوًى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جليداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر. فدخل شيطان من أولئك فمرَّ -ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان ﵇ وهو في المحراب إلا احترق- ولم يسمع صوت سليمان، ثمّ رجع فلم يسمع، ثمّ رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان ﵇ قد سقط ميتاً، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات. ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا مِنْسأته -وهي العصا بلسان الحبشة- قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلةً. ثمّ حسبوا على ذلك النحو فوجدوه فد مات منذ سنة. وهي قراءة ابن مسعود: "فمكثوا يدأبون (٢) له من بعد موته حولًا كاملاً"، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان. ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله : ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم. ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنتِ تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام، ولو كنتِ تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين. قال فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين تشكراً لها (٣). وهذا فيه من الإسرائيليات التي لا تُصدّق ولا تكذّب. وقال أبو داود في كتاب " القدر" (٤): حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا قبيصة، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال سليمان بن داود ﵉ لملك الموت: إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني. قال: ما أنا أعلم بذاك منك، إنما هي كُتب يُلقى إليَّ فيها تسميةُ من يموت. وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال سليمان لملَك الموت: إذا أمرتَ بي فأعلمني. فأتاه فقال: يا سليمان قد أُمِرت بك، قد بقيت لك سُوَيعة، فدعا

стр. 624

الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب، فقام يُصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملَك الموت فقبض روحه وهو متوكئ على عصاه. ولم يصنع ذلك فراراً من ملك الموت. قال: والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي، قال فبعث الله دابَّة الأرض -يعني إلى مِنْسأته- فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضَعُفتْ وثقُل عليها، فخرّ، فلما رأت الجن ذلك انفضوا وذهبوا. قال: فذلك قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (١). قال أصبغ: وبلغني عن غيره أنها مكثت سنة تأكل في مِنسأته حتى خَرَّ. وقد رُوِي نحوُ هذا عن جماعة من السلف وغيرهم. واللّه أعلم (٢). قال إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري وغيره، إن سليمان ﵇ عاش ثنتين وخمسين سنةً، وكان ملكه أربعين سنة. وقال إسحاق أخبرنا أبو روق، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ملكه كان عشرين سنة. فالله أعلم. وقال ابن جرير: فكان جميع عمر سليمان بن داود ﵉ (٣) نيفاً وخمسين سنة. وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر (٤). ثمّ ملك بعده ابنه رحبعيم (٥) مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير، وقال: ثم تفرقت بعده مملكة بني إسرائيل (٦).

стр. 625

باب (١) ذكر جَماعَة من أنبيَاء بني إسرائيل ﵈ ممن لا يعلم وقت زمانهم على التعيين إلا أنهم بعد داود وسليمان ﵉ وقبل زكريا وَيحيى ﵉ (٢) فمنهم: شعيا بن أمصيا قال محمد بن إسحاق: وكان قبل زكريا ويحيى، وهو ممن بَشَّر بعيسى ومحمد ﵉. وكان في زمانه ملك اسمه صديقة (٣) على بني إسرائيل ببلاد بيت المقدس، وكان سامعاً مطيعاً لشعيا فيما يأمره به وينهاه عنه من المصالح، وكانت الأحداث قد عظمت في بني إسرائيل، فمرض الملك وخرجت في رجله قَرْحة. وقصد بيت المقدس ملكُ بابل في ذلك الزمان وهو سنحاريب. قال ابن إسحاق: في ستمئة ألف راية، وفزع الناس فزعاً عظيماً شديداً، وقال الملك للنبي شعيا: ماذا أوحَى الله إليك في أمر سنحاريب وجنوده؟ فقال: لم يُوْحَ إليَّ فيهم شيء بعدُ. ثمّ نزل عليه الوحي بالأمر للملك صديقة بأن يوصي ويستخلف على ملكه مَن يشاء فإنه قد اقترب أجلُه، فلما أخبره بذلك أقبل الملكُ على القبلة فصلّى وسبّح ودعا وبكى، فقال وهو يبكي ويتضرّع إلى الله بقلب مخلص وتوكُّل وصبر: اللهمَّ ربَّ الأرباب وإلَه الآلهة (٤)، يا رحمن يا رحيم (٥) يا من لا تأخذه سِنَة ولا نوم، اذكرني بعلمي (٦) وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل، وذلك كله كان منك، فأنت أعلم به من نفسي، سري وإعلاني لك (٧). قال: فاستجاب الله له ورحمه. وأوحى الله إلى شعيا أن يبشّره بأنه قد رَحِم بكاءه، وقد أخّر في أجله خمسَ عشرة سنة، وأنجاه من عدوه سنحاريب. فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن، وخرّ ساجداً، وقال في سجوده: اللهم أنت الذي تعطي المُلْكَ من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، عالم الغيب والشهادة، أنت الأول والآخر، والظاهر والباطن، وأنت

стр. 626

ترحم وتستجيب دعوة المضطرين (١). فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على قَرحته فيشفى ويصبح قد برئ، ففعل ذلك، فشفي. وأرسل الله على جيش سنحاريب الموت فأصبحوا وقد هلكوا كلهم سوى سنحاريب وخمسة من أصحابه، منهم بخت نصّر، فأرسل ملكُ بني إسرائيل فجاء بهم، فجعلهم في الأغلال وطاف بهم في البلاد على وجه التنكيل بهم والإهانة لهم سبعين يوماً، ويطعم كلّ واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير. ثمّ أودعهم السجن. وأوحى الله تعالى إلى شعيا أن يأمر الملك بإرسالهم إلى بلادهم لينذروا قومَهم ما قدْ حلَّ بهم، فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه وأخبرهم بما قد كان من أمرهم، فقال لهم السحرة والكهنة: إنا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم. فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به. ثمّ مات سنحاريب بعد سبع سنين (٢). قال ابن إسحاق: ثم لما مات صديقة ملك بني إسرائيل مَرِج أمرُهم، واختلطت أحداثهم، وكثر شرهم، فأوحى الله تعالى إلى شعيا، فقام فيهم فوعظهم وذكّرهم. وأخبرهم عن الله بما هو أهله، وأنذرهم بأسه وعقابه إن خالفوه وكذّبوه. فلما فرغ من مقالته عَدَوا عليه وطلبوه ليقتلوه، فهرب منهم، فمرَّ بشجرة فانفلقت له فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها، فلما رأوا ذلك جاؤوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها. فإنا لله وإنا إليه راجعون (٣). ومنهم: أرميَا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب وقد قيل: إنه الخضر. رواه الضحّاك عن ابن عباس (٤)، وهو غريب وليس بصحيح (٥). قال ابن عساكر (٦): جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريا وهو يفور بدمشق

стр. 627

فقال أيها الدم فتنت الناس فاسكن، فسكن ورسب حتى غاب. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثني علي بن أبي مريم، عن أحمد بن حباب، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال أرميا: أي ربّ أيُّ عبادك أحَبُّ إليك؟ قال: أكثرهم لي ذِكراً، الذين يشتغلون بذِكري عن ذكر الخلائق. الذين لا تعرض لهم وساوس الفناء ولا يُحدِّثون أنفسهم بالبقاء. الذين إذا عرض لهم عيش الدنيا قَلُّوه، وإذا زوي عنهم سُرُّوا بذلك. أولئك أنحلهم محبتي وأعطيهم فوق غاياتهم. ذكر (١) خراب بَيت المقدس وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٢ - ٨]. وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: أرميا حين ظهرت فيهم المعاصي: أن قُم بين ظهراني قومك فأخبرهم أن لهم قلوباً ولا يفقهون، وأعيناً ولا يبصرون، وآذاناً ولا يسمعون، وإني تذكَّرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم، فسلْهم كيف وجدوا غِبَّ طاعتي، وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي، وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي، إن الدوابَّ تذكر أوطانها فتنزع إليها، وإن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها، أما أحبارهم فأنكروا حقي، وأما قُزَاؤهم فعبدوا غيري، وأما نُسّاكهم فلم ينتفعوا بما علموا، وأما وُلاتهم فكذبوا عَليّ وعلى رُسلي. خَزَنوا المكر في قلوبهم، وعوَّدوا الكذبَ ألسنتَهم. وإني أقسم بجلالي وعزتي لأهيجنَّ عليهم جيولاً (٢) لا يفقهون ألسنتهم، ولا يعرفون وجوههم، ولا يرحمون بكاءهم، ولأبعثن فيهم مَلِكاً جبَّاراً قاسياً، له عساكر كقطع السحاب، ومواكب كأمثال الفجاج، كأن خفقان راياته طيران النسور، وكأن حمل فرسانه كَرّ العقبان، يعيدون العمران خراباً، ويتركون القرى وحشة، فياويل

стр. 628

إيليا وسكانها كيف أذلّلهم للقتل وأسلّط عليهم السبي، وأُعيد بعد لجب الأعراس صُراخاً، وبعد صهيل الخيل عُواء الذئاب، وبعد شرافات القصور مساكن السباع، وبعد ضوء السرج وهج العجاج، وبالعزِّ الذُّلَّ، وبالنعمة العبودية، وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب، وبالمشي على الزرابي الخبب (١)، ولأجعلن أجسادهم زبلاً للأرض، وعظامَهم ضاحية للشمس، ولأدوسنَّهم بألوان العذاب، ثم لآمرنَّ السماء فتكون طبقاً من حديد والأرض سبيكة من نحاس، فإن أُمطرت لم تنبت الأرض، هان أنبتت شيئاً في خلال ذلك فبِرحْمتي للبهائم، ثمّ أحبسه في زمان الزرع، وأرسله في زمان الحصاد، فإن زرعوا في خلال ذلك شيئًا سلطت عليه الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة، فإن دعوني لم أجبهم، وإن سألوا لم أعطهم، [وإن بكَوا لم أرحمهم، وإن تضرّعوا صرفتُ وجهي عنهم. رواه ابن عساكر بهذا اللفظ] (٢). وقال إسحاق بن بشر: أخبرنا إدريس، عن وهب بن منبه، قال: إن الله تعالى لما بعث أرميا إلى بني إسرائيل، وذلك حين عظمت الأحداث فيهم، فعملوا بالمعاصي وقتلوا الأنبياء، طمع بخت نصّر فيهم، وقذف الله في قلبه، وحدَّث في نفسه بالمسير إليهم لمَّا أراد الله أن ينتقم به منهم، فأوحى الله إلى أرميا إني مهلك بني إسرائيل ومنتقمٌ منهم، فَقُم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي، فقام أرميا فشق ثيابه وجعل الرماد على رأسه وخَرَّ ساجداً وقال: يا رب ودِدْتُ أمي لم تلدني حين جعلتني آخِر أنبياء بني إسرائيل فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي، فقال له: ارفع رأسك. فرفع رأسه فبكى ثم قال: يا رب من تُسَلَّط عليهم؟ فقال: عبدة النيران، لا يخافون عقابي ولا يرجون ثوابي. قم يا أرميا فاستمع وحيي أخبرْك خبرك وخبر بني إسرائيل: من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصوّرك في رحم أُمّك قَدَسْتُك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهَرْتُك، ومن قبل أن تبلغ نبَّأْتُك، ومن قبل أن تبلغ الأشدَّ اخترتُك، ولأمر عظيمٍ اجتبيتك (٣). فقم مع الملِك تُسدّده وترشده. فكان مع الملك يسدد (٤) ويأتيه بالوحى (٥) من الله، حتى عظمت الأحداث ونَسُوا ما نجّاهم اللهُ به من عدوّهم سنحاريب وجنوده، فأوحى الله إلى أرميا: قم فاقصص عليهم ما آمرك به، وذكَّرْهم نعمتي عليهم، وعَرِّفْهم أحْدَاثَهم. فقال أرميا: يا رب إني ضعيفٌ إن لم تقوّني، عاجزٌ إن لم تبلّغني، مخطِئٌ إنْ لم تسدّدْني، مَخذولٌ إن لم تنصرني، ذليلٌ إن لم تُعرني. فقال الله تعالى: أَوَلَمْ تَعْلَمْ أَنَ الأُمُوْرَ كُلَّها تصدر عن مشيئتي، وأن الخلقَ والأمر كله لي، وأنّ

стр. 629

القلوب والألسنة كلها بيدي فأقلّبُها كيف شئِتُ فتطيعني، فأنا الله الذي ليس شيء مثلي. قامت السماوات والأرض وما فيهن بكلمتي، وإنه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلّا لي، ولا يعلم ما عندي غيري، وأنا الذي كلّمتُ البحار ففهمتْ قولي، وأمرتها ففعلت أمري، وحدَّدْتُ عليها حدوداً فلا تعدو حدِّي، وتأتي بأمواجٍ كالجبال فإذا بلغت حَدّي ألبستُها مذَلَّةً لطاعتي وخوفاً واعترافاً لأمري، وإني معكَ ولن يصل إليك شيءٌ معي، وإني بعثتُك إلى خلقٍ عظيمٍ من خلقي لتبلِّغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر منِ اتّبعك، ولا ينقص من أجورهم شيئاً [وإن تقصر عنها تستحق بذلك مني وزر من تركته في عماية ولا ينتقص ذلك من أوزارهم شيئاً] (١) انطلق إلى قومك فقُم فيهم وقل لهم: إن الله قد ذكَركم بصلاح آبائكم فلذلك استبقاكم. يا معشر أبناء الأنبياء، كيف وجد آباؤكم مَغَبَّةَ طاعتي؟ وكيف وجدتم مغبةَ معصيتي؟ وهل وجدوا أحداً عصاني فسعد بمعصيتي؟! وهل علموا أحداً أطاعني فشقي بطاعتي؟ إن الدوابَّ إذا ذَكَرت أوطانَها الصالحة نزعت إليها، وإن هؤلاء القوم رتعوا في مُروج الهلَكَة وتركوا الأمر الذي به أكرمتُ آباءهم، وابتغوا الكرامة من غير وجهها. أما أحبارهم ورهبانهم: فاتخذوا عبادي خَوَلًا (٢) يتعبَّدونهم ويعملون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري، وأنسَؤهم ذكري وسُنَّتي وغرُّوهم عني، فدانَ لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلّا لي فهم يطيعونهم في معصيتي. وأما ملوكهم وأمراؤهم: فبطروا نعمتي وأمِنوا مكري، وغرَّتهمُ الدنيا حتى نبذوا كتابي ونسوا عهدي، فهم يُحرّفون كتابي ويفترون على رسُلي جرأةً منهم عليَّ وغرة بي، فسبحان جلالي وعلَّ مكاني وعظمة شأني هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي؟ وهل ينبغي لبشر أن يُطاع في معصيتي؟! وهل ينبغي لي أن أخلق عباداً أجعلهم أرباباً من دوني، أوآذن لأحد بالطاعة لأحد لا تنبغي إلا لي؟!. وأما قُرَّاؤهم وفقهاؤهم: فيدرسون ما يتخَيَّرون فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي، فهم جَهَلة بما يعلمون لا ينتفعون بشيء مما علِموا من كتابي. وأما أولاد النبيين: فمقهورون ومفتونون، يخوضون مع الخائضين، يتمنَّون مثلَ نصري آباءهم، والكرامةَ التي أكرمتهم بها، ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم، بغير صدق منهم ولا تفكر، ولا يذكرون كيف كان صبرُ آبائهم، وكيف كان جهدهم في أمري حين اغترَّ المغترُّون، وكيف بذلوا أنفسهم ودماءَهم فصبروا وصدقوا حتى عزّ أمري وظهر ديني. فتأنَّيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني

стр. 630

ويرجعون، فتطوَّلت عليهم وصفحت عنهم فأكثرت ومددت لهم في العمر، وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون. وكل ذلك أُمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو؛ ولا يزدادون إلّا طغياناً وبُعداً مني. فحتى متى هذا؟ أبي يسخرون؟ أم بي يتحرَّشون؟ أم إياي يُخادعون؟ أم عليَّ يجترئون؟ فإني أُقسم بعزتي لأُتيحنَّ عليهم فتنة يتحير فيها الحكيم، ويضل فيها رأي ذوي الرأي وحكمة الحكيم، ثم لأسلطن عليهم جباراً قاسياً عاتياً أُلبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرأفة والرحمة، وآليت أن يتبعه عددٌ وسوادٌ مثلُ الليل المظلم، له فيه عساكر مثل قطع السحاب، ومواكب مثل العجاج، وكأن حفيف راياته طيرانُ النسور، وحمل فرسانه كسرب العقبان (١) يعيدون العمران خراباً والقرى وحشاً، ويعيثون في الأرض فساداً، ويُتبِّرون ما علوا تتبيراً، قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقون ولا يَرحمون ولا يبصرون، ولا يسمعون، يجولون في الأسواق بأصوات مُرتفعة مثل زئير الأسد تقشعِرُّ من هيبتها الجلود، وتطيش من سمعها الأحلام، بألسنة لا يفقهونها، ووجوه ظاهر عليها المنكر لا يعرفونها. فوعزَّتي لأُعَطّلن (٢) بيوتهم من كتبي وقدسي، ولأُخْلِيَن مجالسهم من حديثها ودروسها، ولأُوحِشَن مساجدَهم من عمّارها وزوّارها الذين كانوا يتزيَّنون بعمارتها لغيري، ويتهجَّدون فيها ويتعبَّدون لكسب الدنيا بالدين، ويتفقّهون فيها لغير الدين، ويتعلَّمون فيها لغير العمل. لأُبدلن ملوكها بالعز الذل، وبالأمن الخوف، وبالغنى الفقر، وبالنعمة الجوع، وبطول العافية والرخاء أنواع (٣) البلاء، وبلباس الديباج والحرير مَدارع الوبر والعباء، وبالأرواح الطيبة والأدهان جِيفَ القتل، وبلباس التيجان أطواق الحديد والسلاسل والأغلال. ثم لأعيدنَّ فيهم بعد القُصور الواسعة والحصون الحصينة الخرابَ، وبعد البروج المشيَّدة مساكن السباع، وبعد صَهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد ضوء السراج دخان الحريق، وبعد الأنس الوحشة والقفار. ثمّ لأبدلنَّ نساءها بالأسوِرَةِ الأغلال، وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد، وبألوان الطيب والأدهان النقع والغبار، وبالمشي على الزَّرابي (٤) عُبور الأسواق والأنهار والخبب إلى الليل في بطون الأسواق، وبالخدور والستور، الحسور عن الوجوه والسوق والأسفار والأرواح السّموم. ثمّ لأدوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حَالِق (٥) لَوَصَل ذلك إليه. إني إنما أُكرم من أكرمني، وإنما أُهين من هانَ عليه أمري. ثمّ لآمرَنَّ السماء خلال ذلك فلتكونن

стр. 631

عليهم طبقاً من حديد، ولآمُرَنّ الأرض فلتكونَن سبيكة من نحاس، فلا سماء تمطر، ولا أرض تنبت. فإن أمطرت (١) خلال ذلك شيئاً سلّطت عليهم الآفة، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركةَ، وإن دَعَوني لم أجبْهم، وإن سألوني لم أُعْطِهم، وإن بكَوا لم أرحَمْهم، وإنْ تَضَرَّعوا إليَّ صرفتُ وجهي عنهم، وإن قالوا: اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك، وذلك بأنّك اخترتَنا لنفسكَ، وجعلتَ فينا نُبوَّتَك وكتابك ومساجدك، ثم مَكَّنْتَ لنا في البلاد واستخلفتنا فيها، وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صِغاراً، وحفظتنا وإيّاهم برحمتك كباراً، فأنتَ أوفى المُنْعِمين وإنْ غَيَّرْنا، ولا تُبَدّل وإنْ بدَّلْنا. وأن يتم نعمته وفضله ومَنَّه وطَوله وإحسانه (٢). فإن قالوا ذلك قلت لهم: إني أبتدئ عبادي برحمتي ونعمتي، فإن قبلوا أتممت، وإن استزادوا زدت، وإن شكروا ضاعَفْتُ، وإن بدلوا غيرت، وإذا غيّروا غضبت، وإذا غضبتُ عذَّبْتُ وليس يقوم شيء بغضبي. قال كعب: فقال أرميا: برحمتك أصبحْت، أتعلّم بين يديك، وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذلُّ وأضعفُ مِن أن ينبغي لي أن أتكلم بين يديك، ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم، وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني بما رضيت به مني طولًا، والإقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك حولي بغير نكر ولا تغيير مني، فإن تعذبني فبذنبي، وإن ترحمني فذلك ظَنّي بك. ثم قال: يا رب سبحانك وبحمدك وتباركتَ ربَّنا وتعاليت، أتُهلك هذه القرية وما حولَها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك؟ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رُفِعتْ لذكرك؟ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتل هذه الأمة وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك وأمة موسى نجيَّك وقوم داود صفيَّك؟. يا رب أي القرى تأمن عقوبتَك بعدُ؟ وأي العباد يأمنون سطوتك بعد ولد خليلك إبراهيم وأُمّة نجيّك موسى وقوم خليفتك داود، تسلط عليهم عبدة النيران؟ قال الله تعالى: يا أرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي فإني أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي، ولو أنهم عصوني لأنزلتهم دار العاصين إلا أن أَتَدارَكَهم برحمتي. قال أرميا: يا رب اتخذتَ إبراهيم خليلاً وحفظتنا به. وموسى قَرَّبته نجياً، فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفْنا ولا تسلط علينا عدوَّنا. فأوحى الله إليه: يا أرميا إني قدَّسْتُك في بطن أمك، وأخَّرتك إلى هذا اليوم، فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكينَ وابنَ السبيل لكنت الداعم لهم، وكانوا عندي بمنزلة جنةٍ ناعم شجرُها، طاهر ماؤها، ولا يغور ماؤها، ولا تبور ثماره ولا تنقطع. ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل، إني كنتُ لهم بمنزلة الداعي الشفيق أُجَنّبهم كل قَحْطِ وكل عسرة، وأتبع بهم الخِصب

стр. 632

حتى صاروا كباشاً ينطح بعضُها بعضًا، فيا ويلَهم ثمّ يا ويلهم، إنّما أُكرم من يكرمني (١)، وأُهين من هان عليه أمري. إنَّ من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي، وإن هؤلاء القوم يتبرَّعون بمعصيتي تبرُّعاً، فيُظهرونها في المساجد والأسواق وعلى رؤوس الجبال وظلال الأشجار، حتى عجَّت السماء إليَّ منهم، وعجَّت الأرض والجبال، ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها، وفي كل ذلك لا ينتهون ولا ينتفعون بما علموا من الكتاب. قال: فلما بلَّغهم أرميا رسالة ربهم، وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب، عصَوه وكذبوه واتهّموه وقالوا: كذبت وأعظمت على الله الفرية، فتزعم أن الله مُعطل أرضه ومساجدَه من كتابه وعبادته وتوحيده، فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابدٌ ولا مسجدٌ ولا كتاب؟! لقد أعظمت الفرية على الله واعتراك الجنون. فأخذوه وقيَّدوه وسجنوه. فعند ذلك بعث الله عليهم بختَ نصر، فاقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم، لْم حاصرَهم فكان كما قال تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾. قال: فلما طال بهم الحصر نزلوا على حُكمه، ففتحوا الأبوابَ وتخلَّلوا الأزِقة، وذلك قوله: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾، وحكم فيهم حُكم الجاهلية، وبطْشَ الجبّارين، فقتل منهم الثلثَ، وسبى الثلثَ، وترك الزَّمْنَى والشيوخَ والعجائز، ثم وطِئهم بالخيل، وهدم بيت المقدس، وساق الصبيان، وأوقف النساء في الأسواق محسرات (٢)، وقتل المقاتل وخرَّب الحصون، وهدمَ المساجد، وحرقَ التوراة، وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له الكتاب فوجدوه قد ماتَ، وأخرج أهلُ بيته الكتاب إليه وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر (٣) وميشائيل وعزرائيل وميخائيل فأمضى لهم ذلك الكتاب. وكان دانيال بن حزقيل خلفاً من دانيال الأكبر، ودخل بخت نصر بجنوده بيتَ المقدس، ووطئ الشامَ كلَّها، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم. فلما فرغ منها انصرف راجعاً وحمل الأموال التي كانت بها، وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألفَ غلامٍ، وقذف الكناسات في بيت المقدس، وذبح فيه الخنازير. وكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود، وأحدَ عشرَ ألفاً من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين، وثمانية آلاف من سبط إيشا بن يعقوب، وأربعة عشر ألفاً من سبط زيالون ونفتالي ابني يعقوب، وأربعةَ عشر ألفاً من سبط دان بن يعقوب وثمانية آلاف من سبط يستاخر بن يعقوب (٤) وألفين من سبط زيالون بن

стр. 633

يعقوب، وأربعة آلات من سبط روبيل ولاوي، واثني عشر ألفاً من سائر بني إسرائيل (١)، وانطلق حتى قدم أرض بابل. قال إسحاق بن بشر: قال وهب بن منبه: فلما فعل ما فعل قيل له: كان لهم صاحب يُحذرهُم ما أصابهم، ويصفك وخبرك لهم، ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق كنائسهم، فكذّبوه واتّهموه وضربوه وقيَّدوه وحبسوه. فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن، فقال له: أكنتَ تُحذّر هؤلاء القوم ما أصابهم (٢)؟ قال: نعم. قال: فإني علمتُ ذلك. قال: أَرسلني الله إليهم فكذّبوني. قال: كذَّبوك وضربوك وسجنوك؟ قال: نعم. قال: بئس القوم قومٌ كذّبوا نبيَّهم وكذّبوا رسالة ربّهم، فهل لك أن تلحق بي فأكرمَك وأُواسيك؟ وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمَّنْتك. قال له أرميا: إني لم أزل في أمان الله منذ كنتُ. لم أخرج منه ساعةً قَطُّ، ولو أن بني إسرائيل لم يَخْرجوا منه لم يخافوك ولا غيرَك، ولم يكن لك عليهم سلطانٌ. فلما سمع بخت نصر هذا القول منه تركه فأقام أرميا مكانه بأرض إيليا (٣). وهذا سياق غريب. وفيه حِكم ومواعظ وأشياء مليحة، وفيه من جهة التغريب غرابة. وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: كان بخت نصر إصبهبذا (٤) لما بين الأهواز إلى الروم للملك على الفرس وهو لهراسب، وكان قد بنى مدينة بلْخ (٥) التي تلقب بالخنساء، وقاتل الترك وألجأهم إلى أضيق الأماكن، وبعث بخت نصر لقتال بني إسرائيل بالشام، فلما قدم الشام صالحة (٦) أهل دمشق، وقد قيل إن الذي بعث بخت نصر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب، وذلك لتعدي بني إسرائيل على رسله إليهم. وقد روى ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيَّب: أن بخت نصر لما قدم دمشق وجد بها دماً يغلي على كبا -يعني القمامة- فسألهم ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركْنا آباءَنا على هذا، وكلما ظهرَ عليه الكَبا ظهرَ. قال: فقتل على ذلك سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم فسكنَ (٧).

стр. 634

وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيَّب، وقد تقدم من كلام الحافظ ابن عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا، وهذا لا يصح؛ لأن يحيى بن زكريا بعد بخت نصر بمدة، والظاهر أن هذا دم نبي متقدّم، أو دم لبعض الصالحين (١)، أو لمن شاء الله ممن الله أعلم به. قال هشام بن الكلبي: ثئم قدم بخت نصر بيت المقدس فصالحه ملكها وكان من آل داود، وصانعه عن بني إسرائيل، وأخذ منه بخت نصر رهائن ورجع. فلما بلغ طبرية بلغه أن بني إسرائيل ثاروا على مكهم فقتلوه لأجل أنه صالحه، فضرب رقابَ من معه من الرهائن، ورجَع إليهم فاخذ المدينة عَنوة، وقتل المقاتلة وسبى الذرية (٢). قال: وبلغنا أنه وجد في السجن أرميا النبيَّ، فأخرجه وقصَّ عليه ما كان من أمره إياهم وتحذيره لهم عن ذلك فكذبوه وسجنوه، فقال بخت نصر: بئس القوم قومٌ عصَوا رسول الله. وخفى سبيله وأحسن إليه واجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا: إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله مما صنعنا، فادْعُ الله أن يقبل توبتنا، فدعا ربَّه فأوحى الله إليه أنه غيرُ فاعلٍ، فإن كانوا صادقين فليقيموا معكَ بهذه البلدة، فأخبرهم ما أمره الله تعالى به، فقالوا: كيف نقيم بهذه البلدة وقد خربت وغضب الله على أهلها؟ فأبوا أن يقيموا (٣). قال ابن الكلبي: ومن ذلك الزمان تفرّقت بنو إسرائيل في البلاد، فنزلت طائفةٌ منهم الحجاز، وطائفة يثرب، وطائفة وأدي القُرى، وذهبت شِرْذمة منهم إلى مصر، فكتب بخت نصر إلى ملكها يطلب منه من شرد منهم إليه، فأبى عليه، فركب في جيشه فقاتله وقهره وغلبه وسبى ذراريهم. ثمّ ركب إلى بلاد المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية. قال: ثمّ انصرف بسبيٍ كثيرٍ من أرض المغرب ومصر وأهل بيت المقدس وأرض فلسطين والأردن، وفي السبي دانيال. قلت: والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الأصغر لا الأكبر على ما ذكره وهب بن منبه. والله أعلم.

стр. 635

ذكر (١) شيء من خبر دَانيال ﵇ قال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أحمد بن عبد الأعلى الشّيباني قال: إن لم أكن سمعته من شعيب بن صفوان، فحدّثني بعض أصحابنا عنه عن الأجلح الكِنْدي، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: ضَرَّى بختُ نَصَّر أَسَدين، فألقاهما في جُبٍّ، وجاء بدانيال فألقاه عليهما، فلم يهيجاه (٢)، فمكث ما شاء الله، ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب، فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام إن أعدِد طعاماً وشراباً لدانيال، فقال: يا رب أنا بالأرض المقدَّسة ودانيال بأرض بابل من أرض العراق، فأوحى الله إليه أن أعدِد ما أمرناك به فإنا سنرسل مَن يحملُك ويحملُ ما أعددت، ففعل، وأرسل الله تعالى مَن حَمَلَه وحمل ما أعدَّ، حتى وقف على رأس الجبّ، فقال: دانيالُ! دانيال! فقال: من هذا؟ قال: أنا أرميا. فقال: ما جاء بك؟ فقال: أرسلني إليك ربُّك. قال: وقد ذكرني (٣) ربي؟ قال: نعم. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى مَن ذَكره. والحمد لله الذي لا يخيَّب (٤) من رجاه. والحمد لله الذي من وثق به لم يكِلْه إلى غيره. والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا. والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاةً. والحمد لله الذي هو يكشف ضَرَّنا بعد كربنا. والحمد لله الذي هو يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا. والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا. قال: ولم أره ذكر إيصال ما أعدَّه أرميا لدانيال من الطعام الذي أحب (٥). وقال يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق عن أبي خَلْدة خالد بن دينار (٦)، حدّثنا أبو العالية قال: لما افتتحنا تُسْتَر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريراً عليه رجل ميت عند رأسه مصحف فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية. فأنا أول رجل من العرب قرأه، قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا. فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سِيَرُكم وأمورُكم ولُحون كلامكم، وما هو كائن بعدُ. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً مثفزقةً، فلما كان بالليل دفنّاه وسوّينا القبورَ كلَّها لنُعَمِّيه على الناس فلا ينبشونه. قلت: فما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيُمْطَرون. قلت: مَن كنتم تظنّون الرجلَ؟ قال: رجل يقال له: دانيال.
следующие страницы →