← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

إلى مداواته. ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ هو الذي لا طِبّ فيه، بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عُضالًا. ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي من قُبُورهم أحياء بإذني. وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارًا متعددةً مما فيه كفاية. وقوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وذلك حين أرادوا صلبه، فرفَعه الله إليه وأنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابه الكريم عن الأذى، وسلامة لهم من الردى. وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ قيل: المراد بهذا الوحي وحْي إلهامٍ، أي: أرشدهم الله إليه ودلهم عليه كما قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧]. وقيل: المراد وحي بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم لقبول الحق، ولهذا استجابوا قائلين ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (١). وهذا من جملة نِعم الله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم أن جعل له أنصارًا وأعوانًا وحواريين (٢) ينصرونه ويدعون معه إلى عبادة الله وحدَه لا شريك له، كما قال تعالى لعبده محمد ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣]. وقال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٤٨ - ٥٤]. كانت معجزة كلّ نبي في زمانه بما يناسب أهلَ ذلك الزمان، فذكروا أن موسى ﵇ كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه، وكانوا سحرةً أذكياء، فَبُعِثَ بآيات بهرتِ الأبصار وخضعت لها الرقاب، ولما كان السحرةُ خبيرين بفنون السحر وما ينتهي إليه، وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل

стр. 702

الذي لا يمكن صدوره إلّا عَمَّنْ أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقًا له، أسلموا سراعًا ولم يتلعثموا (١). وهكذا عيسى ابن مريم بُعث في زمن الطبائعية الحكماء، فأُرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها، وأنى لحكيم إبراء الأكْمَه الذي هو أسوأ حالًا من الأعمى والأبرص والمجذوم ومن به مرضٌ مزمن؟! وكيف يتوصل أحدٌ من الخلق إلى أنْ يقيم الميت من قبره؟! هذا مما يعلم كلُّ أحد أنه معجزة دالة على صدق من قامت به وعلى قدرة من أرسله. وهكذا محمد ﷺ وعليهم أجمعين بُعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، فلفظه معجز تحدّى به الإنس والجن أن ياتوا بمثله (٢)، أو بعشر سور من مثله (٣)، أو بسور (٤)، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال (فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا) وما ذاك إلا لأنه كلام الخالق ، والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والمقصود أن عيسى ﵇ لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم، فانتدب له من بينهم طائفة صالحة، فكانوا له أنصارًا وأعوانًا قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته، وذلك حين هَمَ به بنو إسرائيل ووشَوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان، فعزموا على قتله وصلبه، فأنفذه الله منهم ورفعه إليه من بين أظهرهم، وألقى شبهه على أحد أصحابه، فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى، وهم في ذلك غالطون وللحق مكابرون، وسَلَّم لهم كثيرٌ من النصارى ما ادّعوه، وكلا الفريقين في ذلك مخطئون. قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إلى أن قال بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي

стр. 703

إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ٦ - ١٤] فعيسى ﵇ هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد قام فيهم خطيبًا فبشَّرَهم بخاتم الأنبياء الآتي بعدَه، ونوَّه باسمه، وذكر لهم صفَتَه ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه، إقامةً للحُجَّة عليهم وإحسانًا من الله إليهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قال محمد بن إسحاق: حدّثني ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبُشْرَى عيسى. ورَأتْ أمّي حِيْنَ حَمَلتْ بي كأنّه خَرَجَ منها نورٌ أضاءَتْ لَهُ قُصورُ بُصْرَى من أرضِ الشامِ" (١). وقد رُوي عن العِرْباض (٢) بن سارية وأبي أمامة عن النبي ﷺ نحو هذا (٣)، وفيه "دعوة إبراهيم وبشرى عيسى" وذلك أن إبراهيم لما بنى الكعبة قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية: [البقرة: ١٢٩]. ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى قام فيهم خطيبًا، فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم، وأنها بعده في النبي العربي الأميِّ خاتم الأنبياء على الإطلاق أحمد، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵈. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] يحتمل عود الضمير إلى عيسى ﵇، ويحتمل عوده إلى محمد ﷺ ، ثمّ حَرَّض تعالى عباده المؤمنين على نُصرة الإسلام وأهله، ونُصرةِ نبيه ومؤازرته ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي من يساعدني (٤) في الدعوة إلى الله ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ وكان ذلك في قرية يُقال لها: الناصرة، فَسُمّوا بذلك النصارى. قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤]، يعني لما دعا عيسى بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى، منهم مَن آمن، ومنهم

стр. 704

من كفر، وكان ممن آمن به أهل أنطاكية بكمالهم، فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير (١). بعث إليهم رسلًا ثلاثة أحدهم شمعون الصفا، فاَمنوا واستجابوا، وليس هؤلاء هم المذكورين في سورة "يس" لما تقدم (٢) تقريره في قصّة أصحاب القرية، وكفر آخرون من بني إسرائيل وهم جمهور اليهود، فأيّد الله من آمن به على مَن كفر فيما بعد، وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية: [آل عمران: ٥٥] فكل من كان إليه أقرب كان عاليًا لمن (٣) دونه، ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الذي لا شك فيه، من أنه عبد الله ورسوله، كانوا ظاهرين على النصارى الذين غَلوا فيه وأطروه وأنزلوه فوق ما أنزله الله به، ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب إليه اليهود - عليهم لعائن الله - كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة إلى زمن الإسلام وأهله. * * *

стр. 705

ذكر خبر المائدة قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٢ - ١١٥]. قد ذكرنا في "التفسير" (١) الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وغيرهم من السّلف. ومضمون ذلك أن عيسى ﵇ أمر الحواريّين بصيام ثلاثين يومًا، فلما أتمّوها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها، وتطمئن بذلك قلوبهم أنَّ الله قد تقتل صيامهم وأجابهم إلى طلبتهم، وتكون لهم عيدًا يفطرون عليها يوم فطرهم، وتكون كافية لأولهم وآخرهم، لغنيِّهم وفقيرهم. فوعظهم عيسى في ذلك، وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حقّ شروطها، فأبوا عليه إلّا أن يسأل لهم ذلك من ربّه . فلما لم يقلعوا عن ذلك قام إلى مُصَلاّه، ولبس مسحًا من شعر، وصفّ بين قدميه، وأطرقَ رأسه، وأسبل عينيه بالبكاء، وتضرّع إلى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا، فأنزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تتحدر بين غمامتينِ، وجعلت تدنو قليلًا قليلا، وكلّما دنت سأل عيسى ربَّه أن يجعلها رحمةً لا نقْمةً، وأن يجعلها بركة وسلامة، فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى ﵇ وهي مُغَطّاة بمنديل، فقام عيسى فكشف عنها وهو يقول: (بسم الله خير الرازقين)، فإذا عليها سبعة من الحيتان، وسبعة أرغفة. وبُقُول وخلّ. ويُقال: ورمان وثمار، ولها رائحةٌ عظيمة جدًا، قال الله لها: كوني، فكانت. ثمّ أمرهم بالأكل منها، فقالوا: لا نأكل حتى تأكل، فقال: إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها، فأبوا أن يأكلوا منها ابتداءً، فأمر الفقراءَ والمحاويج والمرضى والزَّمْنَى (٢)، وكانوا قريبًا من ألف وثلاثمئة، فأكلوا منها، فَبَرئ كلُّ مَنْ به عاهة أو آفة أو مرض مزمن، فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك. ثمّ قيل: إنها كانت تنزل كلّ يوم مرّة، فيأكل الناس منها، يأكل آخرهم كما يأكل أولهم، حتى قيل: إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف. ثم كانت تنزل يومًا بعد يوم، كما كانت

стр. 706

ناقة صالح يشربون لبنها يومًا بعد يوم. ثمّ أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء، فشَقّ ذلك على كثير من الناس، وتكلّم منافقوهم في ذلك، فرفعت بالكُلّية، ومسخ الذين تكلّموا في ذلك خنازير. وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير جميعًا: حدّثنا الحسن بن قَزَعَة الباهلي، حدّثنا سُفيان بن حبيب، حدّثنا سعيد بن أبي عَروبة، عن قَتادة، عن خِلاس (١)، عن عمار بن ياسر، عن النبي ﷺ قال: "نزلت المائدة من السماء خُبز ولحم، وأُمروا أن لا يخونوا ولا يدّخروا ولا يرفعوا لغد (٢) فخانوا وادّخروا ورفعوا فَمُسخوا قِردَة وخنازير" (٣). ثم رواه ابن جرير عن بندار (٤)، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خِلاس، عن عمار، موقوفًا، وهذا أصح (٥). وكذا رواه من طريق سماك، عن رجل من بني عجل، عن عمار موقوفًا (٦). وهو الصواب والله أعلم. وخلاس عن عمار منقطع (٧)، فلو صح هذا الحديث مرفوعًا لكان فيصلًا في القصة، فإن العلماء اختلفوا في المائدة: هل نزلت أم لا. فالجمهور أنّها نزلت، كما دلّت عليه هذه الآثار، وكما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن، ولا سيّما قوله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ (٨). والله أعلم. وقد روى ابن جرير (٩) بإسناد صحيح إلى مجاهد، وإلى الحسن بن أبي الحسن البصري أنهما قالا: لم تنزل، وإنهم أبوا نزولها حين قال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. ولهذا قيل: إن النصارى لا يعرفون خبرَ المائدة، وليس مذكورًا في كتابهم، مع أن خبرها مما تتوفَّر الدواعي على نقله. والله أعلم.

стр. 707

وقد تقصينا الكلام على ذلك في "التفسير" (١) فليُكْتَب من هناك. ومن أراد مراجعته فلينظره من ثَمَّ. ولله الحمد والمنة. فصلٌ قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثنا رجل سقط اسمه، حدّثنا حجاج بن محمد، حدّثنا أبو هلال محمد بن سليمان، عن بكر بن عبد الله المزني (٢) قال: فقد الحواريون عيسى (٣)، فقيل لهم: توجَّه نحو البحر، فانطلقوا يطلبونه، فلما انتهوا إلى البحر إذا هو يمشي على الماء، يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى، وعليه كساء مُرتدٍ بنصفه ومؤتزر بنصفه، حتى انتهى إليهم، فقال له بعضهم - قال أبو هلال: ظننت أنه من أفاضلهم -: ألا أجيء إليك يا نبي الله؟ قال: بلى. قال: فوضع إحدى رجليه على الماء، ثمّ ذهب ليضع الأخرى فقال: أَوّه، غرقت يا نبي الله! فقال: أرني يدك يا قصير الإيمان، لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء (٤). ورواه أبو سعيد بن الأعرابي، عن إبراهيم بن أبي الجحيم، عن سليمان بن حرب، عن أبي هلال، عن بكر، بنحوه. ثم قال ابن أبي الدنيا: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان، حدّثنا إبراهيم بن الأشعث، عن الفضيل بن عياض قال: قيل لعيسى بن مريم: يا عيسى بأي شيء تمشي على الماء؟ قال: بالإيمان واليقين. قالوا: فإنا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت، قال: فامشوا إذًا. قال: فمشوا معه في الموج، فغرقوا، فقال لهم عيسى: ما لكم؟ فقالوا: خِفنا الموج. قال: ألا خفتم ربّ الموج. قال: فأخرجهم، ثمّ ضرب بيده إلى الأرض فقبض بها ثمّ بسطها، فإذا إحدى يديه ذهب، وفي الأخرى مَدَر (٥) أو حصى، فقال: أيهما أحلى في قلوبكم؟ قالوا: هذا الذهب. قال: فإنهما عندي سواء (٦). وقدَّمنا في قصة يحيى بن زكريا (٧) عن بعض السلف أن عيسى ﵇ كان يلبس الشعر ويأكل من

стр. 708

ورق الشجر، ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال ولا يدّخر شيئًا لغد. قال بعضهم: كان يأكل من غزل أمه، صلوات الله وسلامه عليه. وروى ابن عساكر (١) عن الشعبي أنه قال: كان عيسى ﵇ إذا ذكر عنده الساعة صاح ويقول: لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة، ويسكت. وعن عبد الملك بن سعيد بن بحر أن عيسى كان إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكلى (٢). وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، حدّثنا جعفر بن بُرْقَان (٣) أن عيسى كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتَهنًا بعملي، فلا فقير أفقر مني، اللهم لا تشمتْ بي عدوي، ولا تَسُؤْ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في دِيني، ولا تسلط علىَّ من لا يرحمنى (٤). وقال الفُضيل بن عياض، عن يونس بن عُبيد: كان عيسى يقول: لا نصيب (٥) حقيقة الإيمان حتى لا نبالي من أَكَلَ الدنيا (٦). وقال الفضيل: وكان عيسى يقول: فكَّرت (٧) في الخلق، فوجدت من لم يُخلق أغبط عندي ممن خُلق (٨). وقال إسحاق بن بشر، عن هشام بن حسان، عن الحسن قال: إن عيسى رأس الزاهدين، يؤمُّ الزاهدين يوم (٩) القيامة. قال: وإن الفرّارين بذنوبهم، يُحشَرون يوم القيامة مع عيسى (١٠). قال: وبينما عيسى يومًا نائم على حجر قد توسّده، وقد وجد لذة النوم، إذ مرّ به إبليس فقال:

стр. 709

يا عيسى ألست تزعم أنك لا تريد شيئًا من عرض الدنيا! فهذا الحجر من عرض الدنيا. فقام فأخذ الحجر ورمى به إليه وقال: هذا لك مع الدنيا (١). وقال معتمر بن سليمان: خرج عيسى على أصحابه وعليه جُبَّة صوف وكساءٌ وتُبَّان (٢) حافيًا باكيًا شعِثًا، مصفرّ اللون من الجوع، يابس الشفتين من العطش. فقال: السلام عليكم يا بني إسرائيل، أنا الذي أنزلتُ الدنيا منزلتها بإذن الله، ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال: بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل، وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس، وريحاني بُقُول الأرض، ولباسي الصوف، وشعاري خوف رب العزة، وجلسائي الزَّمنى (٣)، والمساكين، أُصبح وليس لي شيء، وأمسي وليس لي شيء (٤)، وأنا طيّب النفس غير مكترث، فمن أغنى مني وأربح! رواه ابن عساكر (٥). وروى في ترجمة محمد بن الوليد بن أبان بن حيان أبي الحسن العقيلي المصري: حدّثنا هانئ بن المتوكل الإسكندراني، عن حَيْوة بن شُريح، حدّثني الوليد بن أبي الوليد، عن شُفَي بن ماتع (٦)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى: أن يا عيسى انتقل من مكان إلى مكان لئلا تُعرف فتؤذى، فوعزتي وجلالي لأزوجنّك ألفَ حوراء، ولأولمنَّ عليك أربعمئة عام (٧). وهذا حديث غريب رفعه، وقد يكون موقوفًا من رواية شُفَي بن ماتع عن كعب الأحبار أو غيره من الإسرائيليين. والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك، عن سفيان بن عيينة، عن خلف بن حَوشب قال: قال عيسى للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة، فكذلك فاتركوا لهم الدنيا (٨). وقال قتادة: قال عيسى ﵇: سلوني فإني ليّن القلب، وإني صغير عند نفسي. وقال إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال عيسى للحواريين: كلوا

стр. 710

خبز الشعير، واشربوا الماء القَراح، واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، بحق ما أقول لكم: إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وإن عباد الله ليسوا بالمتنعِّمين، بحق ما أقول لكم إن شركم عالم يؤثر هواه على علمه، يود أن الناس كلّهم مثلا (١). ورُوي نحوه عن أبي هريرة (٢). وقال أبو مصعب، عن مالك أنه بلغه أن عيسى كان يقول: يا بني إسرائيل عليكم بالماء القَراح والبقل البَزَي، وخبز الشعير، وإياكم وخبز البُرِّ، فإنكم لن تقوموا بشكره (٣). وقال ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: كان عيسى يقول: اعبروا الدنيا ولا تَعْمُروها. وكان يقول: حب الدنيا رأس كلّ خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة. وحكى وُهَيب بن الوَرْد مثله، وزاد: ورُب شهوةٍ أورثت أهلها حُزنًا طويلًا (٤). وعن عيسى ﵇: يا ابن آدم الضعيف، اتق الله حيثما كنت، وكن في الدنيا ضيفًا، واتخذ المساجد بيتًا، وعلّم عينك البكاء، وجسدك الصبر، وقلبك التفكر، ولا تهتم برزق غد فإنها خطيئة (٥). وعنه ﵇ أنه قال: كما أنه لا يستطيع أحدكم أن يتّخذ على موج البحر دارًا فلا يتخذ الدنيا قرارًا (٦). وفي هذا يقول سابق البربري (٧): [من البسيط] لكُم بيوتٌ بمستَنِّ السُّيوفِ وهَلْ … يُبنَى على الماءَ بيتٌ أُسُّه مَدَرُ وقال سفيان الثوري: قال عيسى بن مريم: لا يستقيم حبُّ الدنيا وحبُّ الآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناءٍ (٨).

стр. 711

وقال إبراهيم الحربي، عن داود بن رُشيد، عن أبي عبد الله الصوفي قال: قال عيسى (١): طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر؛ كلّما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يقتله (٢). وعن عيسى ﵇: إن الشيطان مع الدنيا، ومَكْرُهٌ (٣) مع المال، وتزيينه مع الهوى، واستمكانه عند الشهوات (٤). وقال الأعمش، عن خيثمة: كان عيسى يصنع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم ويقول: هكذا فاصنعوا بالقرى (٥). وبه قال امرأة لعيسى ﵇: طوبى لحِجْر [حملك ولثدي أرضعك. فقال: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه. وعنه: طوبى] (٦) لمن بكى من ذكر خطيئته، وحفظ لسانه، ووسعه بيته (٧). وعنه: طوبى لعين نامت ولم تحدِّث نفسها بالمعصية، وانتبهت إلى غير إثم (٨). وعن مالك بن دينار قال: مرّ عيسى وأصحابه بجيفة، فقالوا: ما أنتن ريحَها! فقال: ما أبيض أسنانَها، لينهاهم عن الغيبة (٩). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا الحسين بن عبد الرحمن، عن زكريا بن عدي قال: قال عيسى بن مريم: يا معشر الحواريين ارضوا بدَنيِّ الدّنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بِدَنيِّ الدين مع سلامة الدنيا. قال زكريا: وفي ذلك يقول الشاعر: [من البسيط] أرى رِجالًا بأدنى الدّينِ قَدْ قَنِعوا … ولا أَراهُم رَضُوا في العَيْشِ بالدّونِ فاستَغْنِ بالدينِ عنْ دنيا الملوكِ كما … اسْتغنَى الملوكُ بدُنياهُم عنِ الدِّين (١٠)

стр. 712

وقال أبو مصعب، عن مالك: قال عيسى ابن مريم ﵇: لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله فتقسوَ قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيدٌ من الله ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب، وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان معافى ومبتلًى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية (١). وقال الثوري: سمعت أبي يقول، عن إبراهيم التيمي قال: قال عيسى لأصحابه: بحق أقول لكم: من طلب الفردوس فخبز شعير له (٢) والنوم في المزابل مع الكلاب كثير (٣). وقال مالك بن دينار: قال عيسى: إن أكل الشعير مع الرَّماد، والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس. وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال عيسى: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم، انظروا لهذه الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها، فإن قلتم: نحن أعظم بطونًا من الطير، فانظروا إلى هذه الأباقر (٤) من الوحوش والحمر فإنها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها (٥). وقال صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد الله، عن يزيد بن ميسرة قال: قال الحواريون للمسيح: يا مسيح الله انظر إلى مسجد الله ما أحسنه، قال: آمين آمين بحق أقول لكم: لا يترك الله من هذا المسجد حجرًا قائمًا إلا أهلكه بذنوب أهله، إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الأحجار التي تعجبكم شيئًا، إن أحمث إلى الله منها القلوب الصالحة، وبها يعمرُ الله الأرض، وبها يخرب الله الأرض إذا كانت على غير ذلك (٦). وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في "تاريخه": أخبرنا أبو منصور أحمد بن محمد الصوفي، أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوَرْكانية (٧)، قالت: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن عبد الله بن الهيثم إملاءً، حدّثنا الوليد بن أبان إملاءً، حدّثنا أحمد بن جعفر الرازي، حدّثنا سهل بن

стр. 713

إبراهيم الحنظلي، حدّثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز، عن المعتمر، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: مرّ عيسى ﵇ على مدينة خربة فأعجبه البنيان، فقال: أي ربّ مُر هذه المدينة أن تجيبني. فأوحى الله إلى المدينة: أيتها المدينة الخربة جاوبي عيسى. قال: فنادت المدينة عيسى: حبيبي وما تريد مني؟ قال: ما فعل أشجارك؟ وما فعل أنهارك؟ وما فعل قصورك؟ وأين سكانك؟ قالت: حبيبي جاء وعد ربك الحق، فيبست أشجاري، ونشفت أنهاري، وخربت قصوري، ومات سكاني. قال: فأين أموالهم؟ فقالت: جمعوها من الحلال والحرام موضوعة في بطني، لله ميراث السموات والأرض. قال: فنادى عيسى ﵇: تعجبت (١) من ثلاثة أناس: طالب الدنيا والموت يطلبه، وباني القصور والقبر منزله، ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه. ابنَ آدم لا بالكثير تشبع، ولا بالقليل تقنع، تجمع مالك لمن لا يحمدك، وتقدم على رب لا يعذرك، إنما أنت عبد بطنك وشهوتك، وإنما يُملأ بطنك إذا دخلت قبرك. وأنت يا ابن آدم ترى حشد مالك في ميزان (٢) غيرك. هذا حديث غريب جدًا، وفيه موعظة حسنة فكتبناه لذلك. وقال سفيان الثوري، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي قال: قال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء، فإن قلب الرجل حيث كنزه (٣). وقال ثور بن يزيد، عن عبد العزيز بن ظبيان قال: قال عيسى ابن مريم: من تعلّم وعَلِم وعمل دُعي عظيمًا في ملكوت السماء (٤). وقال أبو كريب: روي أن عيسى ﵇ قال: لا خير في علم لا يَعْبُر معك الوادي ويعبر بك النادي (٥). وروى ابن عساكر بإسناد غريب عن ابن عباس مرفوعًا: أن عيسى قام في بني إسرائيل فقال: يا معشر الحواريين لا تحدثوا بالحكمة (٦) غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، والأمور ثلاثة: أمرٌ تبيَّن رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيُّه فاجتنبوه، وأمر اختلف عليكم فيه، فردُّوا علمه إلى الله (٧).

стр. 714

وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن رجل، عن عِكرمة قال: قال عيسى: لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير، فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئًا، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها، فإن الحكمة خير من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزيز (١). وكذا حكى وهب وغيره عنه. وعنه أنه قال لأصحابه: أنتم ملح الأرض، إذا فسدتم فلا دواء لكم، وإن فيكم خصلتين من الجهل: الضحك من غير عُجب، والصُّبْحة من غير سهر (٢). وعنه أنه قيل له: من أشد الناس فتنة؟ قال: زلّة العالم. فإن العالم إذا زلَّ يزلُّ بزلَّته عالم كثير (٣). وعنه أنه قال: يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رؤوسكم، والآخرة تحت أقدامكم، قولكم شفاءٌ وعملكم داءٌ، مَثَلكم مثل شجرة الدفلى (٤) تُعْجِبُ من رآها وتَقْتُلُ مَنْ أَكَلَها (٥). وقال وهب: قال عيسى: يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة فلا تدخلونها، ولا تَدَعون المساكين يدخلونها، إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه (٦). وقال مكحول: التقى يحيى وعيسى، فصافحه عيسى وهو يضحك، فقال له يحيى: يا ابن خالة مالي أراك ضاحكًا كأنك قد أمنت؟! فقال له عيسى: مالي أراك عابسًا كأنك قد يئست. فأوحى الله إليهما إن أحبكما إليّ أبشُّكما بصاحبة (٧). وقال وهب بن منبه: وقف عيسى هو وأصحابه على قبر وصاحبه يُدلّى فيه، فجعلوا يذكرون القبر وضيقه، فقال: قد كنتم فيما هو أضيق منه من أرحام أمهاتكم، فإذا أحب الله أن يوسّع وَسَّع (٨). وقال أبو عمر الضرير: بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت تفطّر جلده دمًا. والآثار في مثل هذا كثيرة جدًا. وقد أورد الحافظ ابن عساكر (٩) منها طرفًا صالحاً اقتصرنا منها على هذا القدر. والله الموفق للصواب. * * *

стр. 715

ذكر (١) رفع عيسى ﵇ إلى السماء في حفظ الربّ وبيانِ كذب اليهود والنصارى عليهم لعائن الله فى دعوى الصلب قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٤ - ٥٥]. وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٥ - ١٥٩] فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعدما توفاه بالنوم، على الصحيح المقطوع به، وخلّصه ممن كان أراد أذيَّته من اليهود الذين وشَوا به إلى بعض الملوك الكَفَرة في ذلك الزمان. قال الحسن البصري، ومحمد بن إسحاق: كان اسمه داود بن نودا (٢)، فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دارٍ ببلد بيت (٣) المقدس، وذلك عشية الجمعة ليلة السبت، فلما حان وقت دخولهم، أُلقي شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده، ورُفع عيسى من رَوْزَنة (٤) من ذلك البيت إلى السماء وأهل البيت ينظرون، ودخل الشُّرَط فوجدوا ذلك الشاب الذي أُلقي عليه الشبه، فأخذوه ظانّين أنّه عيسى، فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه إهانةً له، وسلَّم لليهود عامةُ النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر عيسى أنه صُلب، وضَلوا بسبب ذلك ضلالًا مبينًا كثيرًا فاحشًا بعيدًا. وأخبر تعالى بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام كما بَيَّنا ذلك، بما ورد فيه من الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء (٥)، وكما سنورد ذلك مستقصًى في كتاب الفتن

стр. 716

والملاحم (١) عند أخبار المسيح الدجّال، فنذكر ما ورد في نزول المسيح المهدي ﵇ من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي إلى الضلال، وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى السماء. قال ابن أبي حاتم: حدّثنا أحمد بن سنان، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلًا منهم من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماءً، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثمّ قال: أَيّكم يُلقى عليه شبهي فيُقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنًا، فقال له: اجلس. ثمّ أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: اجلس. ثمّ أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: أنا، فقال: أنت، هو ذاك، فأُلقي عليه شبه عيسى، ورُفع عيسى من رَوْزَنةٍ في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبه، فقتلوه، ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء، ثمّ صعد إلى السماء، هؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثمّ رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بعث الله محمدًا ﷺ . قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (٢) [الصف: ١٤]. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم. ورواه النسائي عن أبي كُريب، عن أبي معاوية، به نحوه. ورواه ابن جرير، عن سَلْم (٣) بن جُنادة، عن أبي معاوية. وهكذا ذكر غير واحد من السلف. وممن ذكر ذلك مطولًا محمد بن إسحاق بن يسار قال: وجَعَل عيسى ﵇ يدعو الله أن يؤخّر أجله، يعني ليبلِّغ الرسالة ويكمل الدعوة ويكثر الناس الدخول في دين الله، قيل: وكان عنده من الحواريين اثنا عشر رجلًا: فطرس (٤)، ويعقوب بن زبدا، ويحنس أخو يعقوب، واندرابيس، وابن قلما، ومتى، وتوماس، ويعقوب بن خلفايا،

стр. 717

وتراوسيس، وقنانيا، ويودس، وزكريا يوطا، وهذا هو الذي دلّ اليهود على عيسى. قال ابن إسحاق: وكان فيهم رجل آخر اسمه سرجس كتمته النصارى، وهو الذي أُلقي شبه المسيح عليه فصُلِب عنه. قال: وبعض النصارى يزعم أن الذي صُلب عن المسيح وأُلقي عليه شبهه هو يودس بن زكريا يوطا. والله أعلم. وقال الضحاك، عن ابن عباس: استخلف عيسى شمعون، وقتلت اليهود يوذا (١) الذي ألقي عليه الشبه (٢). وقال أحمد بن مروان: حدثنا محمد بن الجهم قال: سمعت الفَرَّاء (٣) يقول في قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] قال: إن عيسى غاب عن خالته زمانًا فأتاها، فقام رأس الجالوت اليهودي، فضرب على عيسى حتى اجتمعوا على باب داره، فكسروا الباب، ودخل رأس جالوت (٤) ليأخذ عيسى، فطمس الله عينيه عن عيسى (٥)، ثمّ خرج إلى أصحابه فقال: لم أره. ومعه سيف مسلولٌ، فقالوا: أنت عيسى. وألقى الله شبه عيسى عليه، فأخذوه فقتلوه وصلبوه. فقال جلَّ ذِكْرُه: ﴿وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]. وقال ابن جرير (٦): حدّثنا ابن حميد، حدّثنا يعقوب القُمِّي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت، فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليهم صوَّرهم (٧) الله كلّهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سَحَرْتمونا، لتُبْرِزُنَّ إلينا (٨) عيسى أو لنقتلنَكم جميعًا، فقال عيسى لأصحابه: من يشتري منكم (٩) نفسه اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج إليهم فقال: أنا عيسى، وقد صوَّره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثَم شُبّه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى. وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورَفَعَ اللهُ عيسى من يومه ذلك.

стр. 718

قال ابن جرير (١): وحدّثنا المثنى، حدّثنا إسحاق، حدّثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدّثني عبد الصمد بن مَعْقِل أنه سمع وَهْبًا يقول: إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جَزعَ من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين وصنع لهم طعامًا، فقال: احضُروني الليلة فإن لي إليكم حاجةً، فلما اجتمعوا إليه من الليل عشّاهم وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده (٢)، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من ردّ عليّ شيئًا الليلة (٣) مما أصنع فليس مني ولا أنا منه، فأقرّوه حتى إذا فرغ من ذلك قال: أمَّا ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسّلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعظّم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض (٤) كما بذلت نفسي لكم، وأما حاجتي الليلة التي استعنتكم عليها فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أَجَلي، فلما نصبوا أنفسهم للدّعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاءً، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها؟ فقالوا: والله ما ندري مالنا! واللّه لقد كنّا نسمر فنكثر السّمر وما نطيق الليلة سمرًا، وما نريد دعاءً إلا حِيْل بيننا وبينه! فقال: يَذهب الراعي وتتفرّق الغنم، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه. ثمّ قال: الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلنّ ثمني. فخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا: هذا من أصحابه، فجحد وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه. ثمّ أخذه آخرون فجحد كذلك، ثمّ سمع صوتَ ديك فبكى وأحزنه. فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود، فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلّهم عليه، وكان شبّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون: أنت كنت تُحمي الموتى وتنتهر الشيطان (٥) وتبرئ المجنون، أفلا تنجي (٦) نفسك من هذا الحبل، ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك حتى أتَوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه وصلَبوا ما شُبّه لهم، فمكث سبعًا. ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: عَلامَ تبكيان؟ قالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه ولم يُصِبْني إلّا خير، وإن هذا شيء شُبّه لهم.

стр. 719

فأْمُرَا الحواريين أن يَلقوني إلى مكان كذا وكذا، فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفَقَد الذي كان باعه ودلَّ عليه اليهود فسأل عنه أصحابَه، فقالوا: إنه ندم على ما صنع فاختنق وقَتَل نفسه. فقال لو تاب لتاب الله عليه. ثمّ سألهم عن غلام كان يتبعهم يقال له: يحيى، فقال: هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كلّ إنسان منكم (١) يحدّث بلغة قومٍ فلينذرهم وليدْعُهم. وهذا إسناد غريب عجيب، وهو أصحّ مما ذكره النصارى لعنهم الله من أن المسيح جاء إلى مريم وهي جالسة تبكي عند جذعة فأراها أماكن المسامير من جسده، وأخبرها أن روحه رفعت، وأن جسده صلب. وهذا بُهت وكذب واختلاق وتحريف وتبديل، وزيادة باطلة في الإنجيل على خلاف الحقّ ومقتضى النقل (٢). وحكى الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن حبيب فيما بلغه أن مريم سألت من بيت الملك بعد ما صُلب المصلوب بسبعة أيام، وهي تحسب أنّه ابنها أن ينزل جسده، فأجابهم إلى ذلك، ودُفن هنالك. فقالت مريم لأم يحيى: ألا تذهبين بنا نزور قبر المسيح؟ فذهبتا، فلما دنتا من القبر قالت مريم لأم يحيى: ألا تستترين؟ فقالت: وممن أستتر؟ فقالت: من هذا الرجل الذي هو عند القبر. فقالت أم يحيى: إني لا أرى أحدًا، فرجت مريم أن يكون جبريلَ، وكانت قد بعد عهدها به، فاستوقفت أمَّ يحيى وذهبت نحو القبر، فلما دنت من القبر قال لها جبريل، وعرفته: يا مريم أين تريدين؟ فقالت: أزور قبر المسيح فأسلّم عليه وأحدث (٣) عهدًا به. فقال: يا مريم إن هذا ليس المسيح، إن الله قد رفع المسيحَ وطهَّره من الذين كفروا، ولكن هذا الفتى الذي أُلقي شبهه عليه وصُلِبَ وقُتِلَ مكانه. وعلامة ذلك أن أهله قد فقدوه فلا يدرون ما فعل. فهم يبكون عليه، فإذا كان يوم كذا وكذا فأْتي غيضة كذا وكذا فإنك تلقَيْن المسيح. قال: فرجعت إلى أختها وصعد جبريل فأخبرتها عن جبريل وما قال لها من أمر الغيضة. فلما كان ذلك اليوم ذهبت فوجدت عيسى في الغيضة، فلما رآها أسرع إليها فأكمت عليها، فقبَّل رأسها وجعل يدعو لها كما كان يفعل، وقال: يا أُمَّه إن القوم لم يقتلوني، ولكنَّ الله رفعني إليه وأذن لي في لقائك، والموت يأتيك قريبًا، فاصبري واذكري الله كثيرًا. ثم صعد عيسى فلم تلقه إلا تلك المرة حتى ماتت. قال: وبلغني أن مريم بقيت بعد عيسى خمس سنين وماتت ولها ثلاث وخمسون سنة ﵂ وأرضاها. وقال الحسن البصري: كان عمر عيسى ﵇ يومَ رُفع أربعًا وثلاثين سنة.

стр. 720

وفي الحديث: "إنَّ أهلَ الجنة يدخلونها جُردًا مُرداً مكحّلين أبناء ثلاث وثلاثين (١) ". وفي الحديث الآخر على ميلاد عيسى وحُسْنِ يوسف (٢). وكذا قال حماد بن سلمة، عن علي بن زَيْد (٣)، عن سعيد بن المسيب أنه قال: رُفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فأما الحديث الذي رواه الحاكم في "مستدركه" ويعقوب بن سفيان الفسوي في "تاريخه" (٤) عن سعيد بن أبي مريم، عن نافع عن يزيد، عن عمارة بن غَزيَّة، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، أن أمَّه فاطمة بنت الحسين حدّثته أن عائشة كانت تقول: أخبرتني فاطمة أن رسول الله ﷺ أخبرها (٥) أنه لم يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش الذي بعده نصف عمر الذي كان قبله، وأنه أخبرني أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومئة سنة، فلا أراني إلا ذاهب على رأس ستين. هذا لفظ الفسوي، فهو حديث غريب (٦). قال الحافظ ابن عساكر: والصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر، وإنما أراد به مدة مقامه في أمته كما روى سفيان ين عيينة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال: قالت فاطمة: قال لي رسول الله ﷺ : إن عيسى بن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة (٧). وهذا منقطع. وقال جرير والثوري عن الأعمش عن إبراهيم: مكث عيسى في قومه أربعين عامًا. ويروى عن أمير المؤمنين علي أن عيسى ﵇ رُفع في ليلة الثاني والعشرين من رمضان، وتلك الليلة في مثلها توفي علي بعد طعنه بخمسة أيام (٨). وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن عيسى لما رُفع إلى السماء جاءته سحابة فدنت منه حتى جلس عليها، وجاءته مريم فودَّعته وبكت، ثمّ رُفع وهي تنظر، وألقى إليها عيسى بردًا له وقال: هذا علامة ما بيني وبينك يوم القيامة، وألقى عمامته على شمعون، وجعلت أُمُّه تودعه بإصبعها تشير بها إليه حتى

стр. 721

غاب عنها، وكانت تحبّه حبًا شديدًا، لأنه توفر عليها حُبُّه من جهتي الوالدين، إذْ لا أبَ له، وكانت لا تفارقه سَفَرًا ولا حضرًا. فكانت كما قال بعض الشعراء: وكُنتُ أرى كالموْتِ من بَينِ ساعةٍ … فكيفَ بِبَيْنٍ كانَ مَوْعِدَه الحَشْرُ وذكر إسحاق بن بِشْر، عن مجاهد بن جبر (١) أن اليهود لمَّا صَلبوا ذلك الرّجل الذي شُبّه لهم، وهم يحسبونه المسيح، وسَلّم لهم أكثر النصارى بجهلهم ذلك، تسلّطوا على أصحابه بالقتل والضرب والحبس، فبلغ أمرهم إلى صاحب الروم، وهو ملك دمشق في ذلك الزمان، فقيل له: إن اليهود قد تسلّطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله، وكان يُحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويفعل العجائب، فَعَدَوا عليه فقتلوه وأهانوا أصحابه وحبسوهم، فبعث، فجيء بهم وفيهم يحيى بن زكريا وشمعون وجماعة، فسألهم عن أمر المسيح، فأخبروه عنه، فبايعهم في دينهم، وأعلى كلمتهم، وظهر الحق على اليهود، وعلت كلمة النصارى عليهم، وبعث إلى المصلوب فوضع عن جذعه، وجيء بالجذع الذي صُلب عليه ذلك الرجل فعظَّمه (٢). فمن ثَمَّ عَظَّمتِ النصارى الصليبَ، ومن هاهنا دخل دين النصرانية في الروم (٣). وفي هذا نظر من وجوه: أحدها: أن يحيى بن زكريا نبيٌّ لا يُقرُّ على أن المصلوب عيسى، فإنه معصوم يعلم ما وقع على جهة الحق. الثاني: أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلاثمئة سنة، وذلك في زمان قسطنطين بن قسطن (٤) باني المدينة المنسوبة إليه على ما سنذكره. الثالث: أنّ اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثمّ ألقوه بخشبته، جعلوا مكانه مطرحًا للقمامة والنجاسة (٥) وجِيف الميتات والقاذورات، فلم يزل كذلك حتى كان في زمان قسطنطين المذكور، فعمدت أُمُّه هيلانة الحرّانية الفندقانية، فاستخرجته من هنالك معتقدة أنه المسيح، ووجدوا الخشبة التي صُلب عليها المصلوب، فذكروا أنه ما مسّها ذو عاهة إلا عوفي. فالله أعلم أكان هذا أم لا، وهل كان هذا لأن ذلك

стр. 722

الرجل الذي بذل نفسه كان رجلًا صالحًا أو كان هذا محنة وفتنة لأمّة النصارى في ذلك اليوم حتى عظَّموا تلك الخشبة وغَشَوها بالذهب واللآلئ، ومن ثمّ اتخذوا الصلبانات وتبرّكوا بشكلها وقبّلوها لعنهم الله وأمرت أم الملك هيلانة فأزيلت تلك القمامة وبُني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة، فهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها: القمامة باعتبار ما كان عندها، ويسمونها: القيامة يعنون التي يقوم جسد المسيح منها. ثمّ أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قِبلة اليهود، فلم يزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس، فكنس عنها القمامة بردائه، وطهرها من الأخباث والأنجاس، ولم يضع المسجد وراءها ولكن أمامها حيث صلّى رسول الله كي ﷺ ليلة الإسراء بالأنبياء، وهو الأقصى. * * *

стр. 723

ذكر (١) صِفة عيسى ﵇ وشمائله وفضائله قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥]. قيل: سُمَّي المسيح لمسحه الأرض، وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان لشدّة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمّه ﵉. وقيل: لأنه كان ممسوح القدمين (٢). وقال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ (٣) بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]. والآيات في ذلك كثيرةٌ جدًا. وقد تقدم (٤) ما ثبت في (الصحيحين) (٥): "ما من مولود إلا والشيطان يطعن في خاصرته حين يولد فيستهلّ صارخًا إلا مريم وابنها ذهب يطعن فطعن في الحجاب". وتقدم (٦) حديث عُمير بن هانئ عن جنادة عن عبادة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل". رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم (٧).

стр. 724

وروى البخاري (١) ومسلم (٢) من حديث الشعبي، عن أبي بُرْدة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أدَّبَ الرجلُ أَمَتَهُ فأحْسَنَ تأديبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، ثمّ أعتقها، فتزوَّجها؛ كان له أجران. وإذا آمن بعيسى ابن مريم، ثم آمن بي فله أجران. والعبد إذا اتّقى ربّه وأطاع مواليه فله أجران" هذا (٣) لفظ البخاري. وقال البخاري (٤): حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام عن معمر، "ح" وحدّثني محمود، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهري، أخبرني سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "ليَلَةَ أُسْرِيَ بي لقيتُ موسى" قال: فنعته فإذا رَجُلٌ حَسِبْتُهُ قال مُضطرب رَجِلُ الرأس كأنه من رجال شنوءة. قال: "ولقيت عِيسى" فنعته النبي ﷺ فقال: "رَبْعَة أَحْمَرُ كَأَنّما خَرَجَ مِن دِيماس" يعني: الحمّام "ورأيتُ إبراهيمَ وأنا أشْبَهُ ولده به". الحديث. وقد تقدم في قصتي إبراهيم (٥) وموسى (٦). ثم قال: حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال النبي: "رأيتُ عِيسى وموسى وإبراهيم، فأمَّا عيسى فأحمرُ جَعْدٌ عريضُ الصَّدْر. وأما موسَى فإدمُ جَسِيْم سَبِطٌ، كأنّه من رِجال الزُّطِّ" تفرّد به البخاري (٧). وحدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أبو ضَمْرة، حدّثنا موسى بن عُقْبة، عن نافع قال: قال عبد الله بن عمر: ذكر النبي ﷺ يومًا بينَ ظَهْراني الناسِ المسيحَ الدجّالَ فقال: "إن اللهَ لَيْسَ بأعورَ إلّا أنَّ المسيحَ

стр. 725

الدجَّالَ أعورُ العينِ اليمنى كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِية. وأراني الليلةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ في المنامِ فإذا رَجُلٌ آدَمُ كأحْسَنِ ما يُرى من أُدْمِ الرِّجالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَينَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعْرِ، يَقْطُرُ رأسُه ماءً، واضعًا يديهِ على مَنْكِبي رَجُلَيْنِ، وهُو يطوفُ بالبيت، فقلتُ: من هذا؟ فقالوا: المسيحُ بنُ مريمَ. ثُمَ رأيتُ رَجُلًا ورَاءَهُ جَعْدًا قَطَطًا أعْورَ عينِ اليُمْنَى كأشْبَهِ من رأيْتُ بابنِ قَطَني، واضعًا يدَه على مَنكبي رَجُل يطوفُ بالبيتِ، فقلتُ: مَن هذا؟ فقالوا: المسيحُ الدَّجَّال" (١). ورواه مسلم (٢) من حديث موسى بن عقبة به (٣). ثمّ قال البخاري: تابعه عُبيد الله، عن نافع (٤). ثمّ ساقه من طريق الزُّهري عن سالم [عن] ابن عمر. قال الزهري: وابن قَطَن رجل من خزاعة هلك في الجاهلية (٥). فبين صلوات الله وسلامه عليه صفة المسيحَيْنِ مسيحِ المهدي ومسيحِ الضلالة، ليُعرَفَ هذا إذا نَزَل فيؤمن به المؤمنون، ويُعرَف الآخر فيحذره الموحِّدون. وقال البخاري (٦): حدَّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن همام بن منبّه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "رأى عيسى ابن مريم رجلًا يسرق، فقالَ له: أسَرَقْتَ؟ قال: كلاّ والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى: آمنت بالله وكذّبْتُ عيني". وكذا رواه مسلم عن (٧) محمد بن رافع عن عبد الرزاق. وقال أحمد (٨): حدّثنا عفان، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن حُميد الطويل، عن الحسن وغيره، عن أبي هريرة قال: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: "رأى عيسى رَجُلًا يَسْرقُ فقالَ: يا فلان أسرقت؟ فقال: لا والله ما سرقت. فقال: آمنتُ باللهِ وكذَّبْتُ بصري".

стр. 726

وهذا يدلّ على سجيّةٍ طاهرة، حيث قدَّم حلف ذلك الرجل، فظنَّ أن أحدًا لا يحلف بعظمة الله كاذبًا، على ما شاهده منه عيانًا، فقبل عُذرَه، ورجع على نفسه فقال: آمنت بالله، أي: صدَّقتُكَ، وكذّبت بصري لأجل حلفك. وقال البخارى (١): حدّثنا محمد بن يوسف، حدّثنا سُفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "تُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا" ثمّ قرأ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، فأوَّلُ الخلقِ يُكْسَى إبراهيم، ثمّ يُؤْخَذُ برجالٍ من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي! فيقال: إنّهم لن يزالوا مرتَدّين على أعقابهم منذ فارقتَهُم. فأقول كما قال العبدُ الصالحُ عيسى ابنُ مريم ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]. تفرّد به دون مسلم من هذا الوجه. وقال (٢) أيضًا: حدّثنا عبد الله بن الزبير الحُمَيدِي، حدّثنا سفيان، سمعت الزُّهْري يقول: أخبرني عُبَيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس سمع عُمر يقول على المنبر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تُطْروني كما أطْرتِ النَّصارى عيسى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ ورسولُه". وقال البخاري (٣): حدّثنا مسلم بن (٤) إبراهيم، حدّثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لم يَتكَلَّمْ في المهدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عيسى، وكانَ في بني إسرائيل رجلٌ يقال له جُرَيج يُصَلِّي إذْ جاءته (٥) أُمُّهُ فدعتْه، فقال: أُجِيْبُها أو أُصَلّي؟ فقالت: اللهم لا تُمِتْهُ حَتّى تُريه وجوهَ المومساتِ. وكان جُريجٌ في صَوْمَعةٍ، فتعرَّضت (٦) له امرأة وكلَّمته فأبى، فأتت راعيًا فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، [فقيل لها: ممن؟] (٧) قالت: من جريج. فأتَوْه وكَسروا صومعته، فأنزلوه وسبّوه. فتوضّأَ وصلّى، ثمّ أتى الغلامَ فقالَ: من أبوك يا غلام؟ قال: فلانٌ الراعي. قالوا: أنبني صومعتَكَ من ذهب؟ قال: لا، إلا من طين. وكانتِ امرأةٌ تُرضعُ ابنًا لها في بني إسرائيل، فمرَّ بها رجلٌ

стр. 727

راكبٌ ذُو شَارَةٍ. فقالتْ: اللهمَّ اجعل ابني مثلَه، فترك ثديَها وأقبلَ على الراكِب فقال: اللهم لا تجعلْني مثلَه. ثم أقْبَلَ عَلى ثَدْيها يَمُصُّه. قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يمص أصبعه. "ثم مُر بأَمَةٍ، فقالتْ: اللهم لا تجعل ابني مثلَ هذه. فتركَ ثديَها فقال: اللهم اجعلني مثلَها. فقالت: لم ذلك؟ فقالت: الراكبُ جبَّارٌ من الجبابرة، وهذه الأمَةُ يقولون سَرَقَتْ وزَنَتْ (١) ولم تفعل". وقال البخاري (٢): حدثنا أبو اليَمان، حدثنا شُعيب، عن الزهري، أخبرني أبو سَلَمة أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ : "أنا أَوْلى الناسِ بابنِ مَرْيَم، والأنبياءُ أولادُ عَلَّاتٍ، ليس بيني وبينه نبي". تفرد به البخاري من هذا الوجه. ورواه ابن حِبَّان في "صحيحه" من حديث أبي داود الحَفَرِي (٣)، عن الثوري، عن أبي الزناد، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة. وقال أحمد (٤): حدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان - هو الثوري - عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أَوْلَى الناسِ بِعيسى ﵇، والأنبياءُ إخْوةٌ أولادُ عَلَّاتٍ، ولَيْس بيني وبين عِيسى نبي". وهذا إسناد صحيح على شرطهما ولم يخرجوه من هذا الوجه. وأخرجه أحمد (٥) عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. وأخرجه ابن حبان من حديث عبد الرزاق نحو (٦). وقال أحمد (٧): حدّثنا يحيى، عن ابن أبي عَرُوبة، حدّثنا قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الأنبياءُ إخْوةٌ لِعَلاّت. ودِينُهم واحدٌ وأُمَّهاتُهُم شَتّى. وأنا أَوْلى الناسِ بِعِيْسَى ابنِ مَرْيَم لأنَّه لم يَكُنْ بَيني وبَيْنه نبيٌّ، وإنَّه نازِلٌ، فإذا رأَيْتُموهُ فاعْرفُوه، فإنهُ رَجُلٌ مربوعٌ إلى الحُمْرةِ والبياضِ، سَبط، كأنَّ رأسَهُ يَقْطُرُ وإنْ لَم يُصِبْهُ بَلَلٌ بَيْن مُمَصَّرَتَيْن (٨)، فيكسر الصليبَ، ويَقْتُلُ

стр. 728

الخِنزير، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويُعَطِّلُ المِلَلَ، حتى يهلك في زمانه المِلَل كلُّها غير الإسلام، ويُهلك اللهُ في زمانه المسيحَ الدجَّالَ الكذابَ، وتقع الأَمنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد جميعًا، والنمورُ مع البقر، والذئابُ مع الغنم، ويلعبُ الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضًا، فيمكثُ ما شاءَ اللهُ أنْ يمكثَ، ثمّ يُتَوفَّى، فَيُصَلِّي عليه المسلمونَ ويدفنونَه". ثمّ رواه أحمد (١) عن عَفّان، عن همام، عن قتادة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكر نحوه، وقال: "فيمكث أربعين سنةً. ثُمَّ يُتَوفّى ويصلّي عليه المسلمون". ورواه أبو داود عن هُدبة بن خالد، عن همام بن يحيى (٢)، به نحوه. وروى هشام بن عروة عن صالح مولى أبي هريرة، عنه أن رسول الله ﷺ قال: " فيمكث في الأرض أربعين سنة". وسيأتي بيانُ نزوله ﵇ في آخر الزمان في كتاب الملاحم (٣)، كما بسطنا ذلك أيضًا في "التفسير" عند قوله تعالى في سورة النّساء [الآية: ١٥٩]: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الآية (٥) [الزخرف: ٦١]، وأنَّه ينزل على المنارة البَيضاءَ بدمشق، وقد أقيمت صلاةُ الصبح، فيقول له إمام المسلمين: تقدَّم يا روح الله فَصَل، فيقول: لا، بعضُكم على بعضٍ أمراء تكرمة الله هذه الأمة، وفي رواية: فيقول له عيسى: إنما أُقيمت الصلاةُ لكَ، فيُصلي خلفه. ثمّ يركبُ ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال، فيلحقه عند باب لُدّ، فيقتله بيده الكريمة. وذكرنا أنه قَويَ الرجاءُ حِيْنَ بُنيت هذه المنارةُ الشرقيةُ بدمشق التي هي من حِجارة بيض، وقد بنيت (٦) أيضًا من أموال النصارى حين حَرقوا التي هدمت وما حولها، فينزل عليها عيسى ابن مريم ﵇، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل من أحدٍ إلّا إلاسلام، وأنه يخرج (٧) من فج الرَّوْحاء حاجًا أو معتمرًا أو ليُثَنِّيهما، ويقيم أربعين سنة، ثمّ يموت فيدفن فيما قيل في الحجرة النبوية عند رسول الله ﷺ وصاحبيه. وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر (٨) في آخر ترجمة (٩) المسيح ﵇ في كتاب عن

стр. 729

عائشة (١) مرفوعًا أنه يدفن مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعُمر في الحجرة النبوية. ولكن لا يصح إسناده. وقال أبو عيسى الترمذي (٢): حدّثنا زيد بن أخزم الطائي، حدّثنا أبو قتيبة سَلْم (٣) بن قتيبة، حدّثني أبو مودود المدني، حدّثنا عثمان بن الضحاك، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جدّه قال: مكتوب في التوراة صفة محمد، وعيسى ابن مريم ﵈ يُدفن معه. قال أبو مَوْدُود: وقد بقي من البيت موضع قبر. ثمّ قال الترمذي: هذا حديث حسن (٤). كذا قال: والصواب: الضحاك بن عثمان المدني. وقال البخاري: هذا الحديث لا يصح عندي ولا يُتابَع عليه. وروى البخاري (٥) عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن سلْمان قال: الفترة ما بين عيسى ومحمد ﷺ ستمئة سنة. وعن قتادة: خمسمئة وستون سنه (٦). وقيل: خمسمئة وأربعون سنه (٧). وعن الضحاك: أربعمئة وبضع وثلاثون سنة (٨). والمشهور ستمئة سنة (٩). ومنهم من يقول ستمئة وعشرون سنة بالقمرية لتكون ستمئة بالشمسية. والله أعلم. وقال ابن حِبّان في صحيحه (١٠): (ذِكْرُ المدة التي بقيت فيها أُمة عيسى على هديه): حدّثنَا أبو يعلى، حدّثنا أبو هَمام، حدّثنا الوليد بن مسلم، عن الهيثم بن حميد، عن الوَضِيْن بن عطاء، عن نصر بن علقمة، عن جبير بن نُفَير، عن أبي الدرداء قال:؛ قال رسول الله ﷺ : "لقد قَبَضَ الله داودَ من

стр. 730

بين أصحابه فما فُتنوا ولا بدلوا، ولقد مكث أصحاب المسيح على سُنته وهديه مئتي سنة". وهذا حديث غريب جدًا وإن صحَّحه ابن حِبَّان. وذكر ابن جرير عن محمد بن إسحاق أن عيسى ﵇ قبل أن يُرفع وصَّى الحواريين بأن يدعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعَيَّن كلَّ واحد منهم إلى طائفة من الناس في إقليم من الأقاليم من الشام والمشرق وبلاد المغرب، فذكروا أنه أصبح كل إنسان منهم يتكلم بلغة الذين أرسله المسيح إليهم. وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عنه أربعة: لوقا ومتّى ومرقس ويوحنا، وبين هذه الأناجيل الأربعة تفاوتٌ كثير بالنسبة إلى كل نسخة ونسخة، وزيادات كثيرة، ونقص بالنسبة إلى الأخرى، وهؤلاء الأربعة منهم اثنان ممن أدرك المسيحَ ورآه وهما متّى ويوحنا، ومنهم اثنان من أصحاب أصحابه وهما مرقس ولوقا. وكان ممن آمن بالمسيح وصدَّقه من أهل دمشق رجل يقال له ضينا، وكان مختفيًا في مغارة داخل الباب الشرقي قريبًا من الكنيسة المصلبة خوفًا من بولص اليهودي، وكان ظالمًا غاشمًا مبغضًا للمسيح ولما جاء به، وكان قد حلق رأسَ ابن أخيه حين آمن بالمسيح وطاف به في البلد ثمّ رَجَمه حتى مات ﵀. ولما سمع بولص أن المسيح ﵇ قد توجه نحو دمشق جَهَّز بغاله (١) وخرج ليقتله، فتلقاه عند كوكبا (٢)، فلما واجه أصحاب المسيح جاء إليه مَلَكٌ فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه. فلما رأى ذلك وقع في نفسه تصديق المسيح، فجاء إليه واعتذر مما صنع وآمن به، فَقَبِل منه، وسأله أن يمسح عينيه ليردَّ اللّهُ عليه بصرَه، فقال: اذهب إلى ضينا عندك بدمشق في طرف السوق المستطيل من المشرق فهو يدعو لك. فجاء إليه، فدعا له فرّد عليه بصره وحسن إيمان بولص بالمسيحِ ﵇ أنه عبد الله ورسوله، وبُنيت له كنيسة باسمه، فهي كنيسة بولص المشهورة بدمشق من زمن فتَحها الصحابة ﵃ حتى خربت في الزمان الذي سنورد (٣)، إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 731

فصلٌ اختلف أصحاب المسيح ﵇ بعد رفعه إلى السماء فيه على أقوال، كما قاله ابن عباس وغيره من أئمة السلف، كما أوردناه عند قوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] قال ابن عباس وغيره (١) قال قائلون منهم: كان فينا عبد الله ورسوله فرفع إلى السماء. وقال آخرون (٢) منهم: كان فينا ابن الله فرفعه إليه. وقال آخرون: كان الله فينا فارتفع إلى السماء، فالأول هو الحق، والقولان الآخران كفر عظيم كما قال: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧]. وقد اختلفوا في نقل الأناجيل على أربعة أقاويل ما بين زيادة ونقصان وتحريف وتبديل، ثمّ بعد المسيح بثلاثمئة سنة حدثت فيه الطامّة العظمى والبلية الكبرى؛ اختلف البتاركة الأربعة وجميع الأساقفة والقساوسة (٣) والشمامسة والرهابين في المسيح على أقوال متعدّدة لا تنحصر ولا تنضبط، واجتمعوا وتحاكموا إلى الملك قسطنطين باني القسطنطينية وهم المجمع الأول، فصار الملك إلى قول أكثر فرقة اتفقت على قول من تلك المقالات فسموا الملكية (٤) ودَحَض من عداهم وأبعدهم. وتفرّدت (٥) الفرقة التابعة لعبد الله بن اديوس الذي ثبت على أن عيسى عبد من عباد الله ورسول من رسله، فسكنوا البراري والبوادي، وبَنَوا الصوامع والديارات والقَلاَّيات (٦)، وقنعوا بالعيش الزهيد، ولم يخالطوا أولئك الملل والنحل. وبنت الملكية الكنائس الهائلة، عمدوا إلى ما كان من بناء (٧) اليونان فحوَّلوا محاريبها إلى الشرق وقد كانت إلى الشمال إلى الجدْي. * * *

стр. 732

(١) وبنى الملك قسطنطين بيتَ لحم على محلِّ مولد المسيح، وبَنَتْ أُمُّه هَيلانة القُمامةَ، يعني على قبر المصلوب، وهم يُسلّمون لليهود أنه المسيح. وقد كفرت (٢) هؤلاء وهؤلاء، ووضعوا القوانين والأحكام، ومنها مخالف للعتيقة التي هي التوراة، وأحلُّوا أشياء هي حرام بنص التوراة، ومن ذلك الخنزير، وصلّوا إلى الشرق ولم يكن المسيح صلّى إلا إلى صخرة بيت المقدس، وكذلك جميع الأنبياء بعد موسى. ومحمد خاتم النبيين صلى إليها بعد هجرته إلى المدينة ستة عشر أو سبعةَ عثر شْهرًا، ثمّ حُوِّل إلى الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل. وصوَّروا الكنائس ولم تكن مصورة قبل ذلك، ووضعوا العقيدة التي يحفظها أطفالهم ونساؤهم ورجالهم التي يُسمُّونها بالأمانة، وهي في الحقيقة أكبر الكفر والخيانة، وجميع الملكية والنسطورية أصحاب نسطورس أهل المجمع الثاني، واليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي أصحاب المجمع الثالث يعتقدون هذه العقيدة ويختلفون في تفسيرها. وها أنا أحكيها وحاكي الكفر ليس بكافر لأنبّه على ما فيها من ركّة الألفاظ وكثرة الكفر والخبال المفضي بصاحبه إلى النار ذات الشواظ، فيقولون عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة (٣): نؤمن بإلَه واحد (٤)، ضابط الكل، خالق السموات والأرض كل ما يُرى، وكل ما لا يرى، وبربٍّ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل (٥) الدهور، نور من نور، إلَه حق من (٦) إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر الذي كان به كل شيء من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا نزل السماء وتجسَّد من روح القدس ومن مريم العذراء، وتأنس وصلب على عهد ملاطس النبطي، وتألَّم وقبر، وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب، وأيضًا فسيأتي بجسده ليدبّر الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه (٧)، وروح القدس الربّ المحيي (٨) المنبثق من الأب والابن مسجود له، وبمجد الناطق في الأنبياء كنسبة

стр. 733

واحدة جامعة مقدسة بهولية، واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا وأنه حي قيامة الموتى وحياة الدهر العتيد كونه آمين (١). * * *

стр. 734

كتاب أخبار الماضين (١) من بني إسرائيل وغيرهم إلى آخر زمن الفترة، سوى أيام العرب وجاهليتهم، فإنا سنورد ذلك بعد فراغنا من هذا الفصل إن شاء الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩]. وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]. خبر ذي القرنين قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٨٣ - ٩٨]. ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا، وأثنى عليه بالعدل، وأنه بلغ المشارقَ والمغاربَ، وملك الأقاليم، وقَهَرَ أهلها، وسار فيهم بالمَعْدِلة التامة، والسلطان المؤيَّد المظفّر المنصور القاهر المقسط. والصحيح أنه كان ملِكًا من الملوك العادلين (٢)، وقيل: كان نبيًا. وقيل: رسولا (٣). وأغربَ من

стр. 735

قال: ملَكا (١) من الملائكة. وقد حُكي هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فإنه سمع رجلًا يقول لآخر: يا ذا القرنين، فقال: مَهْ! ما كفاكم أن تتسمَّوا بأسماء الأنبياء حتى تسمَّيتم بأسماء الملائكة. ذكره السهيلى (٢). وقد رَوَى وكيعٌ، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: كان ذو القرنين نبيًا. وروَى الحافظُ ابنُ عساكر من حديث أبي محمد بن أبي نصر، عن أبي إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن أبي ذؤيب، حدّثنا محمد بن حماد، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المَقْبُري، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أدْري أَتُبَّعٌ كانَ لَعِينًا أمْ لَا، ولا أدْري الحدُودُ كَفَّارات لأَهْلِها أمْ لا، ولا أدري ذو القرنين نبيًا كان أم لا" (٣). وهذا غريب من هذا الوجه. وقال إسحاق بن بشر، عن عثمان بن السَّاج، عن خُصَيْف (٤)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان ذو القرنين مَلِكا صالحًا، رضي الله عملَه، وأثنى عليه في كتابه، وكان منصورًا، وكان الخضِر وزيره. وذكروا أن الخضر ﵇ كان على مقدمة جيشه، وكان عنده بمنزلة المشاور الذي هو من الملك بمنزلة الوزير في اصطلاح الناس اليوم. وقد ذكر الأزرقي وغيره أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل، وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل ﵇. وروي عن عُبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما أن ذا القرنين حجَّ ماشيًا، وأن إبراهيم لما سمع بقدومه تلقّاه ودعا له ووصَّاه (٥)، وأن الله سخّر (٦) لذي القرنين السحابَ يحمله (٧) حيث أراد. والله أعلم.

стр. 736

واختلفوا في السبب الذي سُمِّي به ذا القرنين. فقيل: لأنه كان له في رأسه شبه القرنين. قال وهب بن منبه: كان له قرنان من نحاس في رأسه، وهذا ضعيف؛ [قال] (١): وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك فارس والروم. وقيل: لأنه بلغ قرني الشمس غربًا وشرقًا، وملك ما بينهما من الأرض. وهذا أشبه من غيره، وهو قول الزهري (٢). وقال الحسن البصري: كانت له غديرتان من شعر يطأ فيهما، فسمي ذا القرنين. وقال إسحاق بن بشر، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنّه قال: دعا ملكًا جبارًا إلى الله فضربه على قرنه فكسره ورضّه. ثم دعاه فدقّ قرنه الثاني فكسره، فسُمّي ذا القرنين. وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطُّفيل، عن علي بن أبي طالب أنه سُئِل عن ذي القرنين فقال: كان عبدًا ناصحَ الله (٣) فناصَحَه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله فدعا قومَه إلى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، فسُمّي ذا القرنين. وهكذا رواه شعبة عن القاسم (٤) بن أبي بَزَّة، عن أبي الطفيل، عن علي، به. وفي بعض الروايات عن أبي الطفيل، عن علي قال: لم يكن نبيًا ولا رسولًا ولا مَلِكًا، ولكن كان عبدًا صالحًا (٥). وقد اختُلِف في اسمه: فروى الزبير بن بَكَّار، عن ابن عباس: كان اسمه عبد الله بن الضحاك بن معد (٦). وقيل: مصعب (٧) بن عبد الله بن قَنّان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن غَوث (٨) بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان.

стр. 737

وقد جاء في حديث أنه كان من حمير، وأمه رومية (١)، وأنه كان يقال له: ابن الفيلسوف؛ لعقله. وقد أنشد بعض الحميريين في ذلك شعرًا يفخر (٢) بكونه أحد أجداده فقال: [من الكامل] قَد كانَ ذو القرنَيْنِ جَدّي مُسْلمًا … مَلِكًا تدين له الملوكُ وتَحشِدُ بلغَ المشارقَ والمغاربَ يَبتغي … أسبابَ أمرٍ مِنْ حَكيمٍ مُرشِدِ فرأى مغيبَ الشّمسِ عندَ غُروبها … في عيْنِ ذي خُلْبٍ وثَأْطٍ حِرْمِدِ (٣) مِن بعدِهِ بلقيسُ كانتْ عمّتي … مَلَكَتهُمُ حتّى أتاها الهدهدُ (٤) قال السهيلي: وقيل كان اسمه مرزبان بن مَرْذَبة (٥). ذكره ابن هشام. وذكر ابن هشام في موضع آخر أن اسمه الصعب بن ذي مراثد، وهو أول التبابعة، وهو الذي حكم لإبراهيم (٦) في بئر السبع. وقيل: إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحَّاك، وفي خطبة قُس: يا معشر إياد بن الصعب، ذو القرنين، ملك الخافقين، وأذل الثقلين، وعمر ألفين. ثم كان ذلك كلحظة عين (٧)، ثم أنشد ابن هشام للبيد (٨): [من الكامل] والصّعبُ ذو القَرنَيْنِ أصبحَ ثاويًا … بالحنوِ في جَدَثٍ - أُميم - مقيم (٩) وذكر الدارقطني وابن ماكولا أن اسمه هرمس، ويقال: هرويس بن قيطون بن رومى بن لنطى بن كشلوخين بن يونان (١٠) بن يافث بن نوح، فالله أعلم.

стр. 738

وقال إسحاق بن بشر، عن سعيد بن بشير، عن قَتادة قال: اسكندر هو ذو القرنين، وأبوه أول القياصرة، وكان من ولد سام بن نوح ﵇ (١). فأما ذو القرنين الثاني، فهو اسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردس (٢) بن ميطون بن رومي بن لنطى بن يونان بن يافث بن يونة بن شرخون بن رومة بن شرفط بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن يقز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (٣) - المقدوني اليوناني المصري باني إسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم، وكان متأخرًا عن الأول بدهرٍ طويل كان هذا متأخرًا (٤) قبل المسيح بنحو من ثلاثمئة سنة، وكان أرطاطاليس الفيلسوف وزيره، وهو الذي قتل دارا بن دارا وأذلّ ملوك الفرس وأوطأ أرضهم. وإنما نبَّهنا عليه لأن كثيرًا من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرطاطاليس وزيره، فيقع بسبب ذلك خطأ كبير، وفساد عريض طويل كثير، فإنّ الأول كان عبدًا مؤمنًا صالحًا، وملِكًا عادلا، وكان وزيره الخضر، وقد كان نبيًا، على ما قررناه قبل هذا. وأما الثاني فكان مشركًا، وكان وزيره فيلسوفًا، وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة. فأين هذا من هذا! لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبيٍّ لا يعرف حقائق الأمور. فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ كان سببه أن قريشًا سألوا اليهود عن شيء يمتحنون به علم رسول الله ﷺ فقالوا لهم: سلوه عن رجل طوَّافٍ في الأرض، وعن فتية خرجوا لا يُدرَى ما فعلوا، فأنزل الله تعالى قصّة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين (٥). ولهذا قال ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي من خبره وشأنه، ﴿ذِكْرًا﴾ أي خبرًا نافعًا كافيًا في تعريف أمره وشرح حاله، فقال: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أي وسَّعْنا مملكته في البلاد، وأعطينا (٦) من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمّات العظيمة والمقاصد الجسيمة. قال قتيبة، عن أبي عَوَانة، عن سِماك، عن حَبيب بن حماد، قال: كنت عند علي بن أبي طالب، وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب، فقال له: سُخِّرَ له السّحاب، ومُدَّت له الأسباب، وبُسط له في النور. وقال: أَزيدُك؟ فسكت الرجلُ، وسكت عليٌّ ﵁.

стр. 739

وعن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن عمرو بن عبد الله الوادعي، سمعت معاوية يقول: ملك الأرض أربعة: سليمان بن داود النبي ﵉، وذو القرنين، ورجلٌ من أهل حلوان، ورجلٌ آخر. فقيل له: الخضر؟ قال: لا (١). وقال الزبير بن بكار: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن الضحاك، عن أبيه، عن سفيان الثوري قال: بلغني أنه مَلك الأرضَ كلَّها أربعة: مؤمنان وكافران، سليمان النبي، وذو القرنين، ونُمرود، وبخت نصَّر (٢). وهكذا قال سعيد بن بشير سواء. وقال إسحاق بن بشر، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: كان ذو القرنين ملك بعد النمرود، وكان من قصته أنه كان رجُلًا مسلمًا صالحًا، أتى المشرق والمغرب، مدّ الله له في الأجل، ونصره حتى قهر البلاد واحتوى على الأموال، وفتح المدائن، وقتل الرجال، وجال في البلاد والقلاع، فسار حتى أتى المشرق والمغرب، فذلك قول الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي خبرًا ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أي: علمًا بطلب أسباب المنازل. قال إسحاق: وزعم مُقاتل أنّه كان يفتح المدائن ويجمع الكنوز، فمن اتبعه على دينه وشايعه (٣) عليه وإلا قتله (٤). وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جُبير وعِكرمة وعُبيد بن يعلى والسُّدَي وقتادة والضحاك: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ يعني علمًا (٥). وقال قتادة ومَطَر الورَّاق (٦): معالم الأرض، ومنازلها، وأعلامها، وآثارها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني تعليم الألسنة، كان لا يغزو قومًا إلا حدّثهم بلغتهم. والصحيح أنه يعم (٧) كلّ سبب يتوصّل به إلى نيل مقصوده في المملكة وغيرها، فإنه كان يأخذ من كلّ إقليم من الأمتعة والمطاعم والزاد ما يكفيه ويعينه على أهل الإقليم الآخر.

стр. 740

وذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث ألفًا وستمئة سنة يجوب الأرض ويدعو أهلها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي كلّ هذه المدّة نظر. والله أعلم. وقد روى البيهقي، وابن عساكر حديثًا متعلّقا بقوله ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ مطولًا جدًا، وهو منكر جدًا. وفي إسناده محمد بن يونس الكُدَيْمي، وهو مُتَّهم (١) فلهذا لم نكتبه لسقوطه عندنا. والله أعلم. وقوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أى طَريقًا ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ يعني من الأرض، انتهى إلى حيث لا يمكن أحدًا أن يجاوزه ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له: أُوقيانوس الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هي مبتدأ الأطوال على أحد قولي أرباب الهيئة، والثاني من ساحل هذا البحر كما قدّمنا. وعنده شاهد مغيب الشمس فيما رآه بالنسبة إلى مشاهدته ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ والمراد بها البحر في نظره، فإن من كان في البحر أو على ساحله يرى الشمسَ كأنها تطلع من البحر وتغرب فيه، ولهذا قال: ﴿وَجَدَهَا﴾ أي في نظره، ولم يقل: فإذا هي تغرب في عين حمئةٍ، أي ذات حمأة. قال كعب الأحبار (٢): وهو الطين الأسود. وقرأه بعضهم حامية (٣). فقيل: يرجع إلى الأول، وقيل من الحرارة، وذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس وشعاعها. وقد روى الإمام أحمد (٤)، عن يزيد بن هارون، عن العوَّام بن حَوْشَب، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله قال: نظر رسول الله ﷺ : إلى الشمس حين غابت فقال: "في نار الله الحامية، لولا ما يَزَعُها من أمر الله لأحْرقَتْ ما على الأرض" فيه غرابة، وفيه رجل مُبهم لم يُسَمَّ، ورفْعُه فيه نظر، وقد يكون موقوفًا من كلام عبد الله بن عمرو، فإنه أصاب يوم اليرموك زامِلتين من كتب المتقدّمين، فكان يحدِّث منها (٥). والله أعلم. ومن زعم من القصاص أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس وصار يمشي بجيوشه في ظلمات مُددًا طويلة فقد أخطأ وأبعدَ النجعة. وقال ما يخالف العقل والنقل.
следующие страницы →