← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

واختلفوا في السبب الذي سُمِّي به ذا القرنين. فقيل: لأنه كان له في رأسه شبه القرنين. قال وهب بن منبه: كان له قرنان من نحاس في رأسه، وهذا ضعيف؛ [قال] (١): وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك فارس والروم. وقيل: لأنه بلغ قرني الشمس غربًا وشرقًا، وملك ما بينهما من الأرض. وهذا أشبه من غيره، وهو قول الزهري (٢). وقال الحسن البصري: كانت له غديرتان من شعر يطأ فيهما، فسمي ذا القرنين. وقال إسحاق بن بشر، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنّه قال: دعا ملكًا جبارًا إلى الله فضربه على قرنه فكسره ورضّه. ثم دعاه فدقّ قرنه الثاني فكسره، فسُمّي ذا القرنين. وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطُّفيل، عن علي بن أبي طالب أنه سُئِل عن ذي القرنين فقال: كان عبدًا ناصحَ الله (٣) فناصَحَه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله فدعا قومَه إلى الله، فضربوه على قرنه الآخر فمات، فسُمّي ذا القرنين. وهكذا رواه شعبة عن القاسم (٤) بن أبي بَزَّة، عن أبي الطفيل، عن علي، به. وفي بعض الروايات عن أبي الطفيل، عن علي قال: لم يكن نبيًا ولا رسولًا ولا مَلِكًا، ولكن كان عبدًا صالحًا (٥). وقد اختُلِف في اسمه: فروى الزبير بن بَكَّار، عن ابن عباس: كان اسمه عبد الله بن الضحاك بن معد (٦). وقيل: مصعب (٧) بن عبد الله بن قَنّان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن غَوث (٨) بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان.

стр. 737

وقد جاء في حديث أنه كان من حمير، وأمه رومية (١)، وأنه كان يقال له: ابن الفيلسوف؛ لعقله. وقد أنشد بعض الحميريين في ذلك شعرًا يفخر (٢) بكونه أحد أجداده فقال: [من الكامل] قَد كانَ ذو القرنَيْنِ جَدّي مُسْلمًا … مَلِكًا تدين له الملوكُ وتَحشِدُ بلغَ المشارقَ والمغاربَ يَبتغي … أسبابَ أمرٍ مِنْ حَكيمٍ مُرشِدِ فرأى مغيبَ الشّمسِ عندَ غُروبها … في عيْنِ ذي خُلْبٍ وثَأْطٍ حِرْمِدِ (٣) مِن بعدِهِ بلقيسُ كانتْ عمّتي … مَلَكَتهُمُ حتّى أتاها الهدهدُ (٤) قال السهيلي: وقيل كان اسمه مرزبان بن مَرْذَبة (٥). ذكره ابن هشام. وذكر ابن هشام في موضع آخر أن اسمه الصعب بن ذي مراثد، وهو أول التبابعة، وهو الذي حكم لإبراهيم (٦) في بئر السبع. وقيل: إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحَّاك، وفي خطبة قُس: يا معشر إياد بن الصعب، ذو القرنين، ملك الخافقين، وأذل الثقلين، وعمر ألفين. ثم كان ذلك كلحظة عين (٧)، ثم أنشد ابن هشام للبيد (٨): [من الكامل] والصّعبُ ذو القَرنَيْنِ أصبحَ ثاويًا … بالحنوِ في جَدَثٍ - أُميم - مقيم (٩) وذكر الدارقطني وابن ماكولا أن اسمه هرمس، ويقال: هرويس بن قيطون بن رومى بن لنطى بن كشلوخين بن يونان (١٠) بن يافث بن نوح، فالله أعلم.

стр. 738

وقال إسحاق بن بشر، عن سعيد بن بشير، عن قَتادة قال: اسكندر هو ذو القرنين، وأبوه أول القياصرة، وكان من ولد سام بن نوح ﵇ (١). فأما ذو القرنين الثاني، فهو اسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردس (٢) بن ميطون بن رومي بن لنطى بن يونان بن يافث بن يونة بن شرخون بن رومة بن شرفط بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن يقز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" (٣) - المقدوني اليوناني المصري باني إسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم، وكان متأخرًا عن الأول بدهرٍ طويل كان هذا متأخرًا (٤) قبل المسيح بنحو من ثلاثمئة سنة، وكان أرطاطاليس الفيلسوف وزيره، وهو الذي قتل دارا بن دارا وأذلّ ملوك الفرس وأوطأ أرضهم. وإنما نبَّهنا عليه لأن كثيرًا من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرطاطاليس وزيره، فيقع بسبب ذلك خطأ كبير، وفساد عريض طويل كثير، فإنّ الأول كان عبدًا مؤمنًا صالحًا، وملِكًا عادلا، وكان وزيره الخضر، وقد كان نبيًا، على ما قررناه قبل هذا. وأما الثاني فكان مشركًا، وكان وزيره فيلسوفًا، وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة. فأين هذا من هذا! لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبيٍّ لا يعرف حقائق الأمور. فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ كان سببه أن قريشًا سألوا اليهود عن شيء يمتحنون به علم رسول الله ﷺ فقالوا لهم: سلوه عن رجل طوَّافٍ في الأرض، وعن فتية خرجوا لا يُدرَى ما فعلوا، فأنزل الله تعالى قصّة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين (٥). ولهذا قال ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي من خبره وشأنه، ﴿ذِكْرًا﴾ أي خبرًا نافعًا كافيًا في تعريف أمره وشرح حاله، فقال: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أي وسَّعْنا مملكته في البلاد، وأعطينا (٦) من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمّات العظيمة والمقاصد الجسيمة. قال قتيبة، عن أبي عَوَانة، عن سِماك، عن حَبيب بن حماد، قال: كنت عند علي بن أبي طالب، وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب، فقال له: سُخِّرَ له السّحاب، ومُدَّت له الأسباب، وبُسط له في النور. وقال: أَزيدُك؟ فسكت الرجلُ، وسكت عليٌّ ﵁.

стр. 739

وعن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن عمرو بن عبد الله الوادعي، سمعت معاوية يقول: ملك الأرض أربعة: سليمان بن داود النبي ﵉، وذو القرنين، ورجلٌ من أهل حلوان، ورجلٌ آخر. فقيل له: الخضر؟ قال: لا (١). وقال الزبير بن بكار: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن الضحاك، عن أبيه، عن سفيان الثوري قال: بلغني أنه مَلك الأرضَ كلَّها أربعة: مؤمنان وكافران، سليمان النبي، وذو القرنين، ونُمرود، وبخت نصَّر (٢). وهكذا قال سعيد بن بشير سواء. وقال إسحاق بن بشر، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: كان ذو القرنين ملك بعد النمرود، وكان من قصته أنه كان رجُلًا مسلمًا صالحًا، أتى المشرق والمغرب، مدّ الله له في الأجل، ونصره حتى قهر البلاد واحتوى على الأموال، وفتح المدائن، وقتل الرجال، وجال في البلاد والقلاع، فسار حتى أتى المشرق والمغرب، فذلك قول الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي خبرًا ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أي: علمًا بطلب أسباب المنازل. قال إسحاق: وزعم مُقاتل أنّه كان يفتح المدائن ويجمع الكنوز، فمن اتبعه على دينه وشايعه (٣) عليه وإلا قتله (٤). وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جُبير وعِكرمة وعُبيد بن يعلى والسُّدَي وقتادة والضحاك: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ يعني علمًا (٥). وقال قتادة ومَطَر الورَّاق (٦): معالم الأرض، ومنازلها، وأعلامها، وآثارها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني تعليم الألسنة، كان لا يغزو قومًا إلا حدّثهم بلغتهم. والصحيح أنه يعم (٧) كلّ سبب يتوصّل به إلى نيل مقصوده في المملكة وغيرها، فإنه كان يأخذ من كلّ إقليم من الأمتعة والمطاعم والزاد ما يكفيه ويعينه على أهل الإقليم الآخر.

стр. 740

وذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث ألفًا وستمئة سنة يجوب الأرض ويدعو أهلها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي كلّ هذه المدّة نظر. والله أعلم. وقد روى البيهقي، وابن عساكر حديثًا متعلّقا بقوله ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ مطولًا جدًا، وهو منكر جدًا. وفي إسناده محمد بن يونس الكُدَيْمي، وهو مُتَّهم (١) فلهذا لم نكتبه لسقوطه عندنا. والله أعلم. وقوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أى طَريقًا ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ يعني من الأرض، انتهى إلى حيث لا يمكن أحدًا أن يجاوزه ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له: أُوقيانوس الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هي مبتدأ الأطوال على أحد قولي أرباب الهيئة، والثاني من ساحل هذا البحر كما قدّمنا. وعنده شاهد مغيب الشمس فيما رآه بالنسبة إلى مشاهدته ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ والمراد بها البحر في نظره، فإن من كان في البحر أو على ساحله يرى الشمسَ كأنها تطلع من البحر وتغرب فيه، ولهذا قال: ﴿وَجَدَهَا﴾ أي في نظره، ولم يقل: فإذا هي تغرب في عين حمئةٍ، أي ذات حمأة. قال كعب الأحبار (٢): وهو الطين الأسود. وقرأه بعضهم حامية (٣). فقيل: يرجع إلى الأول، وقيل من الحرارة، وذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس وشعاعها. وقد روى الإمام أحمد (٤)، عن يزيد بن هارون، عن العوَّام بن حَوْشَب، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله قال: نظر رسول الله ﷺ : إلى الشمس حين غابت فقال: "في نار الله الحامية، لولا ما يَزَعُها من أمر الله لأحْرقَتْ ما على الأرض" فيه غرابة، وفيه رجل مُبهم لم يُسَمَّ، ورفْعُه فيه نظر، وقد يكون موقوفًا من كلام عبد الله بن عمرو، فإنه أصاب يوم اليرموك زامِلتين من كتب المتقدّمين، فكان يحدِّث منها (٥). والله أعلم. ومن زعم من القصاص أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس وصار يمشي بجيوشه في ظلمات مُددًا طويلة فقد أخطأ وأبعدَ النجعة. وقال ما يخالف العقل والنقل.

стр. 741

[بَيان طلب ذي القرنين عين الحياة] (١) وقد ذكر ابن عساكر (٢) من طريق وكيع، عن أبيه، عن معتمر بن سليمان، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه زين العابدين خبرًا مطولًا جدًا فيه أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له: رناقيل (٣)، فسأله ذو القرنين: هل تعلم في الأرض عينًا يقال لها: عين الحياة؟ فذكر له صِفةَ مكانها. فذهب ذو القرنين في طلبها، وجعل الخَضِرَ على مقدّمته، فانتهى الخضِر إليها في وادٍ في أرض الظلمات، فشرب منها، ولم يهتد ذو القرنين إليها. وذكر اجتماع ذي القرنين ببعض الملائكة في قصرٍ هناك، وأنه أعطاه حجرًا، فلما رَجَع إلى جيشه سأل العلماءَ عنه، فوضعوه في كِفَّة ميزان، وجعلوا في مقابلته (٤) ألف حجر مثله فوزنها، حتى سأل الخضرَ، فوضع قباله حجرًا وجعل عليه حفنة من تراب فرجح به (٥)، وقال: هذا مَثَلُ ابن آدم لا يشبع حتى يوارى بالتراب، فسجد له العلماء تكريمًا له وإعظامًا. والله أعلم. ثمّ ذكر تعالى أنه حكَّمه في تلك الناحية ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٨٦ - ٨٧] أي فيجتمع عليه عذاب الدنيا والآخرة، وبدأ بعذاب الدنيا لأنه أزجَرُ عند الكافر. ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ فبدأ بالأهَمّ وهو ثواب الآخرة، وعطف عليه الإحسان منه إليه، وهذا هو العدل والعلم والإيمان، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي سَلك طريقًا راجعًا من المغرب إلى المشرق، فيقال: إنه رجع في ثنتي عشرة (٦) سنة ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ أي: لَيْسَ لَهُم بُيُوْتٌ ولا أكْنان (٧) يَسْتَتِرُونَ بها من حرّ الشمس. قال كثيرٌ من العلماء (٨): ولكن كانوا يأوون إذا اشتد عليهم الحَرُّ إلى أسراب قد اتخذوها في الأرض شبهَ القبور. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أي ونحن نعلم ما هو عليه ونحفظه ونكلَؤه بحراستنا في مسيره ذلك كلّه من مغارب الأرض إلى مشارقها. وقد رُوي عن عُبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما من السلف أن ذا القرنين حجَّ ماشيًا، فلما سمع

стр. 742

إبراهيمُ الخليل بقدومه تلقّاه، فلما اجتمعا دعا له الخليل، ووصّاه بوصايا، ويقال: إنه جيء. بفرس ليركبها فقال: لا أركبُ في بلد فيه الخليل، فسخَّر اللهُ له السحابَ، وبشّره إبراهيم بذلك، فكانت تحمله إذا أراد (١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ يعني غُشما. يُقال: إنهم هم التُّركُ أبناء عم يأجوج ومأجوج، فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم وأفسدوا في بلادهم وقطعوا السُّبُل عليهم، وبذلوا له حَمْلا، وهو الخراج (على أن يقيم بينهم وبينهم حاجزًا يمنعهم من الوصول إليهم فامتنع من أخذ الخراج (٢) اكتفاءً بما أعطاه الله تعالى من الأموال الجزيلة. ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ ثمّ طلب منهم أن يجمعوا له رجالًا وآلاتٍ ليبني بينهم وبينهم سدًا، وهو الردم بين الجبلين، وكانوا لا يستطيعون الخروج إليهم إلا من بينهما، وبقية ذلك بحارٌ مُغرِقة وجبالٌ شاهقةٌ، فبناه كما قال الله تعالى من الحديد والقَطر، وهو النحاس المذاب، وقيل: الرصاص، والصحيح الأول، فجعل بَدَل اللَّبِن حديدًا، وبدلَ الطِّين نحاسًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي يَعلو عليه بسلالم ولا غيرها ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي بمعاول ولا فؤوس ولا غيرها، فقابل الأسهلَ بالأسهل، والأشد بالأشد. ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: قَدَّرَ اللّهُ وجودَه ليكون رحمةً منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم على مَن جاورهم في تلك المحلة ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: الوقت الذي قدّر خروجهم على الناس في آخر الزمان ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: مُساويًا للأرض، ولا بد من كون هذا، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾. كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧]. ولذا قال هاهُنا: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يَعني يوم فتح السدِّ على الصحيح (٣) ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾. وقد أوردنا الأحاديث المرويّة في خروج يأجوج ومأجوج في "التفسير" (٤)، وسنوردها إن شاء الله في كتاب الفتن والملاحم من كتابنا هذا إذا انتهينا إليه بحول الله وقوته وحسن توفيقه ومعونته وهدايته (٥).

стр. 743

قال أبو داود الطيالسي، عن الثوري: بلغنا أن أَوَّلَ من صافح ذو القرنين (١). وروي عن كعب الأحبار أنه قال لمعاوية: إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمَّه إذا هو مات أن تصنع طعامًا وتجمع نساء أهل المدينة وتضعه بين أيديهن وتأذن لهن فيه إلا من كانت ثَكْلَى فلا تأكل منه شيئًا، فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدَها فيه، فقالت لهن: سبحان الله كلكنَّ ثَكْلى؟ فقلن: إي والله ما منا (إلا من أثكَلتْ. فكان ذلك تسلية لأمه) (٢). وذكر إسحاق بن بشر عن عبد الله بن زياد عن بعض أهل الكتاب وصية ذي القرنين وموعظة أمه موعظة بليغة طويلة، فيها حكم وأمور نافعة، وأنه مات وعمره ثلاثة آلاف سنة. وهذا غريب. قال ابن عساكر (٣): وبلغني من وجه آخر أنه عاش ستًا وثلاثين سنةً. (وقيل كان عمره ثنتين وثلاثين سنة. وكان بعد داود بسبعمئة سنة وأربعين سنة) (٤). وكان بعد آدم بخمسة آلاف ومئة وإحدى وثمانين سنة. وكان ملكه ست عشرة سنة (٥). وهذا الذي ذكره إنما ينطبق على الإسكندر الثاني لا الأول، وقد خلط في أول الترجمة وآخرها بينهما، والصواب التفرقة كما ذكرنا اقتداءً بجماعة من الحفّاظ. واللّه أعلم. وممن جعلهما واحدًا الإمام عبد الملك بن هشام راوي السيرة (٦)، وقد أنكر ذلك عليه الحافظ أبو القاسم السُهيلي (٧)، ﵀، إنكارًا بليغًا، ورد قوله ردًا شنيعًا، وفرَّق بينهما تفريقًا جيدًا كما قدمنا، قال: ولعل جماعة من الملوك المتقدمين تسمَّوا بذي القرنين تشبُّهًا بالأول. والله أعلم. * * *

стр. 744

ذكر أُمَّتَيْ يأجوج ومأجوج وصفاتهم وما ورد من أخبارهم وصفة السد هم من ذرية آدم بلا خلاف نعلمه، ثمّ الدليل على ذلك ما ثبت في "الصحيحين" (١) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول اللهُ تعالى يومَ القيامة: يا آدمُ قُمْ فَابْعثْ بَعْثَ النارِ من ذُرّيّتك. فيقولُ: يا ربِّ وما بعْثُ النار؟ فيقولُ: من كُل ألفٍ تسعمئةٍ وتسعةٌ وتسعونَ إلى النارِ، وواحدٌ إلى الجنة، فحينئذٍ يَشيبُ الصغيرُ، وتَضَعُ كلُّ ذاتِ حَمْل حَمْلَها، وتَرَى النَّاسَ سُكَارى وما هُمْ بِسُكَارى ولكِنَّ عذابَ اللّهِ شَدِيْدٌ. قالوا: يا رسول الله أيُّنا ذلك الواحدُ؟ فقال رسول الله ﷺ : أبشروا فإن منكم واحدًا، ومن يأجوج ومأجوج ألفًا". وفي رواية: فقال: "أبشروا فإن فيكم أُمَّتين ما كانتا في شيء إلا كثَّرتاه" أي غلبتاه كثرةً، وهذا يدلّ على كثرتهم، وأنهم أضعاف الناس مرارًا عديدة. ثمّ هم من ذرية نوح، لأن الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]. وقال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]. وتقدم (٢) في الحديث المروي في "المسند" (٣) و"السنن" (٤) أن نوحًا وُلد له ثلاثة، وهم سام، وحام ويافث، فسام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك. فيأجوج وماجوج طائفةٌ من الترك وهم مثل (٥) المغول، وهم أشدّ بأسًا وأكثر فسادًا من هؤلاء، ونسبتهم إليهم كنسبة هؤلاء إلى غيرهم. وقد قيل: إن الترك إنما سموا بذلك حين بنى ذو القرنين السدَّ وألجأ يأجوج ومأجوج إلى ما وراءه، فبقيت منهم طائفة لم يكن عندهم كفسادهم فتركو (٦) من ورائه. فلهذا قيل لهم الترك.

стр. 745

ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم، فاختلطت بترابٍ، فَخُلِقوا من ذلك، وأنهم ليسوا من حواء، فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النووي (١) في شرح مسلم وغيره، وضَعَّفوه، وهو جدير بذلك، إذ لا دليل عليه، بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن. وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدًا؛ فمنهم من هو كالنخلة السحوق. ومنهم من هو غاية في القصر. ومنهم من يفترش أذنًا من أذنيه ويتغطى بالأخرى، فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان (٢). والصحيح أنهم من بني آدم، وعلى أشكالهم وصفاتهم. وقد قال النبي ﷺ : "إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا … ثمّ لم يزل الخلق ينقص حتى الآن" (٣). وهذا فيصل في هذا الباب وغيره. وما قيل من أن أحدهم لا يموت حتى يرى من ذريته ألفًا، فإن صَحَّ في خبرٍ قُلنا به، وإلا فلا نردُّه، إذ يحتمله العقل، والنقل أيضًا قد يرشد إليه. والله أعلم. بل قد ورد حديث مصرّح بذلك إن صَحَّ، قال الطبراني: حدّثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصبهاني، حدّثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدّثنا أبو داود الطيالسي، حدّثنا المغيرة، عن مسلم، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أُرْسِلوا لأفسدوا على الناس معايِشَهم، ولن يموتَ منهم رَجُلٌ إلّا تَرَكَ من ذُرّيته ألفًا فصاعدًا، وإن من ورائهم ثلاثَ أُمَم: تاويل وتاريس ومنسك". وهو حديث غريب جدًا وإسناده ضعيف. وفيه نكارة شديدة. وأما الحديث الذي ذكره ابن جرير في "تاريخه" (٤) أن رسول الله ﷺ ذهب إليهم ليلة الإسراء فدعاهم إلى الله فامتنعوا من إجابته ومتابعته، وأنه دعا تلك الأمم التي هناك (تارس وتاويل ومنسك) فأجابوه فهو حديث موضوع، اختلقه أبو نعيم عمر بن الصبح (٥) أحد الكذَّابين الكبار الذين اعترفوا بوضع الحديث. والله أعلم.

стр. 746

فإن قيل: فكيف دلّ الحديث المتفق عليه أنهم فداء المؤمنين يوم القيامة، وأنهم في النار ولم يُبعثْ إليهم رُسُلٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، (فالجواب أنهم لا يُعذَّبون إلا بعد قيام الحجّة عليهم والإعذار إليهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾) (١) فإن كانوا في زمن (٢) الذي قبل بعث (٣) محمد ﷺ قد أتتهم رسل منهم، فقد قامت على أولئك الحجّة، وإن لم يكن قد بعث الله إليهم رسُلاً، فهم في حكم أهل الفترة، ومن لم تبلغه الدعوة، وقد دلَّ الحديث المرويُّ من طُرُق عن جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ أن من كان كذلك يُمتحَنُ في عَرَصَات القيامةِ، فمن أجابَ الداعي دخَلَ الجَنَّةَ، ومن أبى دَخلَ النار. وقد أوردنا الحديث بطرقه (٤) وألفاظه وكلام الأئمة عليه عند قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وقد حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري إجماعاً عن أهل السنة والجماعة، وامتحانهم لا يقتضي نجاتهم ولا ينافي الإخبار عنهم بأنهم من أهل النار، لأن الله يُطلع رسوله ﷺ على ما يشاء من أمر الغيب، وقد أطلعه على أن هؤلاء من أهل الشقاء، وأن سجاياهم تأبى قَبولَ الحق والانقياد له، فهم لا يجيبون الداعي إلى يوم القيامة، فيُعلَم من هذا أنهم كانوا أشدّ تكذيباً للحق في الدنيا لو بلغهم فيها، لأن في عرصات القيامة ينقاد خلقٌ ممن كان مكذِّباً في الدنيا، فإيقاع الإيمان هنالك لما يشاهد من الأهوال أولى وأحرى منه في الدنيا، والله أعلم. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢]. وقال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨]. وأما الحديث الذي فيه أن رسول الله ﷺ دعاهم ليلة الإسراء فلم يُجِيبوا، فإنه حديث منكَرٌ، بل موضوع، وضعه عمر بن الصبح. وأما السَّدُّ، فقد تقدّم أن ذا القرنين بناه من الحديد والنُّحاس، وساوَى به الجبالَ الصم (٥) الشامخات الطوال، فلا يُعرفُ على وجه الأرض بناءٌ أجلّ منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم. قال البخاري: وقال رجل للنبي ﷺ : رأيتُ السد. قال: "وكَيْفَ رَأَيْتَهُ "؟ قالَ: مثل البُرْدِ المحبَّر. فقال: "رأيته هكذا". ذكره البخاري (٦) معلقاً بصيغة الجزم، ولم أَرَه مُسْنَداً من وجه متصل أرتضيه، غير أن ابن جرير

стр. 747

رواه في "تفسيره" (١) مرسَلاً فقال: حدّثنا بِشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن رجلاً قال: يا رسول الله قد رأيتُ سد يأجوج ومأجوج، قال: "انعتْه لي". قال: كالبُردِ المحبَّر طريقة سواد وطريقة حمراء. قال: "قد رأيته". وقد ذُكر أن الخليفة الواثق (٢) بعث رسلاً من جهته، وكتب لهم كتباً إلى الملوك يوصلونهم من بلاد إلى بلاد حتى ينتهوا إلى السد فيكشفوا عن خبره، وينظروا كيف بناه ذو القرنين على أي صفة؟ فلما رجعوا أخبروا عن صفته وأن فيه باباً عظيماً، وعليه أقفال، وأنه بناءٌ محكم شاهقٌ منيفٌ جدّاً، وأن بقية اللَّبِن الحديد والآلات في برج هناك، وذكروا أنه لا يزال هناك حرس لتلك الملوك المتاخمة لتلك البلاد، ومحلّته في شرقي الأرض في جهة الشمال في زاوية الأرض الشرقية الشمالية، ويقال: إن بلادهم متسعة جداً، وإنهم يقتاتون بأصناف من المعايش من حراثة وزراعة واصطياد من البر ومن البحر، وهم أمم وخلق لا يعلم عدَدَهم إلا الذي خلقهم. فإن قيل: فما الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وبين الحديث الذي رواه البخاري (٣) ومسلم (٤) عن زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂ قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من نوم محمرَّاً وجهه وهو يقول: "لا الله إلا الله، ويلٌ لِلعربِ من شَرٍّ قَدِ اقْتَربَ، فُتحَ اليومَ من ردمِ يأجوج ومأجوج مثلُ هذه" وحلّق تسعين (٥). قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: " نعم إذا كَثُرَ الخَبَثُ ". وأخرجاه في "الصحيحين" (٦) من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "فُتحَ اليومَ من رَدْمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه" وعقد تسعين. فالجواب: أما على قول من ذهب إلى أن هذا إشارة إلى فتح أبواب الشر والفِتن، وأن هذا استعارة محضة، وضرْبُ مثلٍ، فلا إشكال.

стр. 748

وأما على قول من جَعل ذلك إخباراً عن أمير محسوس كما هو الظاهر المتبادر، فلا إشكال أيضاً، لأن قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي: في ذلك الزمان، لأن هذه صيغة خبر ماضٍ فلا ينفي وقوعُه فيما يستقبل بإذن الله لهم في ذلك قدراً، وتسليطهم عليه بالتدريج قليلاً قليلاً حتى يتم الأجل وينقضي الأمر المقدور فيخرجون كما قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ولكن الحديث الآخر أشكل من هذا، وهو ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" (١) قائلاً: حدّثنا رَوْح، حدّثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، حدّثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: " إن يأجوج ومأجوج ليَحْفِرُنَّ السدّ كل يومٍ حتى إذا كادوا يرونَ شعاعَ الشمسِ قالَ الذي عَلَيهم: ارجِعُوا فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتُهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاعَ الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرون غداً إن شاء الله، ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته يوم تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فيستقون (٢) المياه وتتحصن الناس منهم (٣) في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث اللّه عليهم نغفاً (٤) في أقفائهم فيقتلهم بها "، قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسُ محمدٍ بيده إن دوابَّ الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم ودمائهم ". رواه أحمد (٥) أيضاً عن حسن بن موسى عن سفيان عن قتادة. وهكذا رواه ابن ماجه (٦) من حديث سعيد عن قتادة، إلا أنه قال: حدّث أبو رافع. ورواه الترمذي (٧) من حديث أبي عوانة عن قتادة به، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. فقد أخبر في هذا الحديث أنهم كل يوم يلحسونه حثى يكادوا ينظرون (٨) شعاع الشمس من ورائه لرقَّته، فإن لم يكن رفع هذا الحديث محفوظاً. وإنما هو مأخوذ عن كعب الأحبار، كما قاله بعضهم، فقد استرحنا من المؤونة، وإن كان محفوظاً، فيكون محمولاً على أن صنيعهم هذا يكون في آخر الزمان

стр. 749

عند اقتراب خروجهم، كما هو المروي عن كعب الأحبار، أو يكون المراد بقوله: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي: نافذاً منه، فلا ينفي أن يلحسوه ولا ينفذوه. والله أعلم. وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين ما في "الصحيحين" عن أبي هريرة "فُتح اليومَ من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" وعقد تسعين، أي: فتح فتحاً نافذاً فيه. والله أعلم. * * *

стр. 750

قصة أصحاب الكهف قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٩ - ٢٦]. كان سبب نزول قصّة أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين ما ذكره محمد بن إسحاق في " السيرة " (١) وغيره أن قريشاً بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ ويسألونه عنها ليختبروا ما يجيب به فيها، فقالوا: سلوه عن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يُدرَى ما صنعوا، وعن رجل طوّافٍ في الأرض، وعن الروح. فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي

стр. 751

الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣]، وقال هاهنا ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ أي ليسوا بعجب عظيم بالنسبة إلى ما أطلعناك عليه من الأخبار العظيمة والآيات الباهرة والعجائب الغريبة. والكهف: هو الغار في الجبل. قال شُعيب الجَبَائي (١): واسم كهفهم حَيزم. وأما الرَّقيم، فعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما المراد به. وقيل: هو الكتاب المرقوم فيه أسماؤهم وما جرى لهم، كُتِبَ من بعدهم، اختاره ابن جرير (٢) وغيره. وقيل: هو اسم الجبل الذي فيه كهفهم. قال ابن عباس وشعيب الجَبَائي واسمه بنجلوس (٣). وقيل: هو اسم وادٍ عند كهفهم. وقيل: اسم قرية هنالك. والله أعلم. قال شعيب الجَبَائي: واسم كلبهم حَمران. واعتناء اليهود بأمرهم ومعرفة خبرهم يدل على أن زمانهم متقدِّم على ما ذكره بعض المفسرين أنهم كانوا بعد المسيح، وأنهم كانوا نصارى. والظاهر من السياق أن قومهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام. قال كثير من المفسرين (٤) والمؤرخين وغيرهم كانوا في زمن ملك يقال له: دقيانوس، وكانوا من أبناء الأكابر. وقيل: من أبناء الملوك. واتفق اجتماعهم في يوم عيدٍ لقومهم، فرأوا ما يتعاطاه قومُهم من السجود للأصنام والتعظيم للأوثان، فنظروا بعين البَصِيرة، وكشف اللّه عن قلوبهم حجابَ الغفلة، وألهمَهم رشدهم، فعلموا أن قومهم ليسوا على شيء، فخرجوا عن دينهم، وانتموا إلى عبادة الله وحدَه لا شريك له. ويقال: إن كل واحد منهم لما أوقع الله في نفسه ما هداه إليه من التوحيد انحاز عن الناس، واتفق اجتماع هؤلاء الفتية في مكانٍ واحد، كما صحّ في البخاري (٥) "الأرْواحُ جُنودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعارَفَ مِنها ائتَلَفَ وما تنَاكَرَ مِنها اخْتَلَفَ"، (فكلٌّ منهم سأل الآخر عن أمره وعن شأنه فأخبره ما هو عليه، واتفقوا على الانحياز عن قومهم) (٦) والتبرّي منهم، والخروج من بين أظهرهم، والفرار بدينهم منهم، وهو المشروع حال الفِتن وظهور الشرور. قال الله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي: بدليل ظاهيرٍ على ما ذهبوا إليه وصاروا من الأمر عليه

стр. 752

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي وإذ فارقتموهم في دينهم وتبرَّأتم مما يعبدون من دون الله، وذلك لأنهم كانوا يشركون مع الله كما قال الخليل: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] وهكذا هؤلاء الفتية قالوا بعضهم بعضًا (١): إذ قد فارقتم قومكم في دينهم (٢) فاعتزلوهم بأبدانكم لتسلموا منهم أن يوصِلوا إليكم شراً ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ أي: يُسْبلْ عَلَيكُم ستره وتكونوا تحت حفظه وكنفه ويجعل عاقبةَ أمركم إلى خيرٍ، كما جاء في الحديث "اللهُمَّ أحسن عاقِبَتَنا في الأُمورِ كُلَّها، وأَجِرْنا مِن خزي الدُّنيا ومِن عذابِ الآخرة" (٣). ثمّ ذكر تعالى صفة الغار الذي أووا إليه، وأن بابه موجَّه إلى نحو الشمال، وأعماقه إلى جهة القبلة، وذلك أنفع الأماكن أن يكون المكان قبلياً وبابه نحو الشمال، فقال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ﴾ وقُرِئ (٤) ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ فأخبر أن الشمس -يعني في زمن الصيف وأشباهه- تشرق أوَّل طلوعها في الغار في جانبه الغربي، ثم تشرع في الخروج منه قليلاً قليلاً، وهو ازورارُها ذاتَ اليمين (٥) فترتفع في جو السماء وتتقلص عن باب الغار، ثم إذا تضيَّفت للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلاً قليلاً إلى حين الغروب، كما هو المشاهد بمثل هذا المكان، والحكمة في دخول الشمس إليه في بعض الأحيان أن لا يفسد هواؤه ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بقاؤهم على هذه الصفة دهراً طويلاً من السنين لا يأكلون ولا يشربون ولا تتغذَّى أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات الله وبرهان قدرته العظيمة. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ قال بعضهم: لأن أعينهم مفتوحة لئلا تفسد بطول الغمض. ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ قيل: في كل عام يتحوَّلون مرةً من جنب إلى جنب، ويحتمل أكثر من ذلك. فالله أعلم. ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (قال شُعيب الجَبَائي: اسم كلبهم حَمْران. وقال غيره: الوصيد (٦):

стр. 753

أُسْكُفَّةُ الباب (١). والمراد أن كلبهم الذي كان معهم وصَحِبَهم حال انفرادهم من قومهم لزمهم ولم يدخل معهم إلى الكهف، بل رَبَض على بابه ووضع يديه على الوصيد، وهذا من جملة أدبه ومن جملة ما أُكرِموا به، فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، ولما كانت التبعية مؤثرة حتى كان في كلب هؤلاء صار باقياً معهم ببقائهم، لأن من أحبَّ قوماً سَعِد بهم، فإذا كان هذا في حق كلبٍ فما ظنك بمن تبع أهل الخير وهو أهل للإكرام. وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأً وخبراً طويلاً أكثره متلقَّى من الإسرائيليات، وكثير منها كَذِبٌ ومما لا فائدة فيه، كاختلافهم في اسمه ولونه (٢). وأما اختلاف العلماء في محلّة هذا الكهف، فقال كثيرون: هو بأرض أيْلة. وقيل: بأرض نينوى. وقيل: بالبلقاء. وقيل: ببلاد الروم، وهو أشبه والله أعلم. ولما ذكر الله تعالى ما هو الأنفع من خبرهم والأهم من أمرهم، ووصف حالهم حتى كأن السامع راءٍ والمخبر مشاهِدٌ لصفة كهفهم، وكيفيتهم في ذلك الكهف، وتقلّبهم من جنب إلى جنب، وأن كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد، قال: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي: لِما عليهم من المهابة والجلالة في أمرهم الذي صاروا إليه. ولعلّ الخطاب هاهنا لجنس الإنسان المخاطَب لا بخصوصية الرسول ﷺ ، كقوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] أي: أيّها الإنسان، وذلك لأن طبيعة البشرية تنفر من رؤية الأشياء المهيبة غالباً، ولهذا قال: ﴿اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ ودلَّ على أن الخبر ليس كالمعاينة، كما جاء في الحديث (٣)، لأن الخبر قد حصل ولم يحصل الفرار ولا الرعب. ثمّ ذكر تعالى أنه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمئة سنة وتسع سنين، فلما استيقظوا قال بعضهم لبعض: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي: بدراهمكم هذه، يعني التي معهم، إلى المدينة، ويقال: كان اسمها دفسوس، ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ أي: أطيب مالًا ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ أي: بطعابم تأكلونه، وهذا من زهدهم وورعهم ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي في دخوله إليها ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ أي: إن عُدتم في ملتهم بعد إذ أنقذكم الله منها، وهذا كله لظنهم أنهم رقدوا يوماً أو بعضَ يومٍ أو أكثر من ذلك، ولم يحسِبوا أنهم قَدْ رقدوا أَزْيَدَ من ثلاثمئة سنة،

стр. 754

وقد تبدَّلت الدول أطواراً عديدةً، وتغيَّرت البلاد ومن عليها، وذهب أولئك القرن الذين كانوا فيهم، وجاء غيرُهم، وذهبوا وجاء غيرهم، ولهذا لما خرج أحدُهم وهو تيذوسيس (١) فيما قيل، وجاء إلى المدينة متنكراً لئلا يعرفه أحد من قومه فيما يحسبه تنكرت له البلاد واستنكره من يراه من أهلها واستغربوا شكله وصفته ودراهمه، فيقال: إنهم حملوه إلى متولِّيهم وخافوا من أمره أن يكون جاسوساً أو تكون له طوية (٢) يخشون من مضرتها فيقال: إنه هرب منهم. ويقال: بل أخبرهم خبرَه ومن معه وما كان من أمرهم، فانطلقوا معه ليُريهم مكانَهم، فلما قربوا من الكهف دخل إلى إخوانه فأخبرهم حقيقَة أمرهم ومقدار ما رقدوا، فعلموا أن هذا أمرٌ قدَّره الله، فيقال: إنهم استمرُّوا راقدين، ويقال: بل ماتوا بعد ذلك. وأما أهل البلدة (٣) فيقال: إنهم لم يهتدوا إلى موضعهم من الغار، وعمَّى الله عليهم أمرهم، ويقال: لم يستطيعوا دخوله حِسّاً، ويقال: مهابةً لهم (٤). واختلفوا في أمرهم: فقائلون يقولون: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ أي: سدُّوا عليهم بابَ الكهف لئلا يخرجوا أو لئلا يصلَ إليهم ما يؤذيهم. وآخرون، وهم الغالبون على أمرهم، قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أي: معبداً يكون مباركاً لمجاورته هؤلاء الصالحين (٥). وهذا كان شائعاً فيمَن كان قبلنا، فأما في شَرْعنا، فقد ثبت في " الصحيحين " عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لَعَنَ اللّهُ اليهودَ والنصارَى اتّخذُوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ " يُحذِّرُ ما فعلوا (٦). وأما قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (فمعنى أعثرنا: أطلعنا على أمرهم الناس. قال كثير من المفسرين: ليعلم الناسُ أن المعاد حقٌّ وأن الساعة

стр. 755

لا ريب) (١) فيها إذا علموا أن هؤلاء القوم رقدوا أزيد من ثلاثمئة سنة ثمّ قاموا كما كانوا من غير تغير منهم، فإن من أبقاهم كما هُم قادر على إعادة الأبدان وإن أكلتها الديدان، وعلى إحياء الأموات وإن صارت أجسامهم وعظامهم رُفاتاً، وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون (٢) ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. هذا ويحتمل عود الضمير في قوله: ﴿لِيَعلَمُواْ﴾ إلى أصحاب الكهف، إذ علْمُهم بذلك من أنفسهم أبلغ من علم غيرهم بهم. ويحتمل أن يعود على الجميع. والله أعلم. ثمّ قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فذكر اختلافَ الناس في كميتهم، فحكى ثلاثة أقوال وضعّف الأوَّليْنِ وقرَّر الثالثَ، فدلّ على أنه الحقُّ، إذ لو قيل غير ذلك لحكاه، ولو لم يكن هذا الثالث هو الصحيح لوهَّاه، فدلّ على ما قلناه (٣). ولمَّا كان النزاع في مثل هذا لا طائل تحته ولا جدوى عنده أرشد نبيه ﷺ إلى الأدب في مثل هذا الحال إذا اختلف الناس فيه أن يقول: الله أعلم. ولهذا قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾. وقوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أي: من الناس. ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: سَهلا، ولا تتكلف أعمال الجدال في مثل هذا الحال ولا تَسْتَفْتِ في أمْرِهم أحداً من الرجال. ولهذا أبهَم اللّه تعالى عدَّتَهم في أوَّلِ القِصة فقال: ﴿إِنَّهُم فِتيَةُ ءَامَنُوْا بِرَبِّهِم﴾ ولو كان في تعيُّن عدَّتهم كبير فائدة لذكرها عالم الغيب والشهادة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أدب عظيم أرشده الله تعالى إليه وحَثّ خلقه عليه، وهو ما إذا قال أحدهم: إني سأفعل في المستقبل كذا، فيشرع له أن يقول: إن شاء الله، ليكون ذلك تحقيقاً لعزمه، لأن العبدَ لا يعلم ما في غدٍ، ولا يدري أهذا الذي عَزَم عليه مقدَّرٌ أم لا، وليس هذا الاستثناء تعليقاً وإنما هو الحقيقي، ولهذا قال ابن عباس إنه يصح إلى سنة (٤) ولكن قد يكون في بعض المحال لهذا، ولهذا كما تقدّم في قصّة سليمان ﵇ (٥) حين قال: لأطوفنَّ الليلةَ على سبعين (٦) امرأةً تلد كل

стр. 756

واحدة (١) منهنَّ غلاماً يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف فلم تلد منهن إلا امرأةٌ واحدةٌ نصف إنسان. قال رسول الله ﷺ : "والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لو قالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، لم يَحْنَثْ وكانَ دركاً لحاجته". وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ وذلك لأن النسيان قد يكون من الشيطان، فذِكْرُ اللهِ يطرده عن القلب فيذكر ما كان قد نسيه. وقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أي: إذا اشْتبه أمرٌ وأشكَلَ حالٌ والتبس أقوالُ الناس في شيءٍ فارغب إلى الله يُيسّره لك ويسهّله عليك. ثمّ قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. لما كان في الإخبار بطول مدة لبثهم فائدة عظيمة ذَكَرها تعالى، وهذه التسع المزيدة بالقمرية وهي لتكميل ثلاثمئة شمسية، فإن كل مئة قمرية تنقص عن الشمسية ثلاث سنين. ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أي: إذا سُئِلْتَ عن مثل هذا وليس عندك في ذلك نقلٌ، فرُدَّ الأمرَ في ذلك إلى الله ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي هو العالم بالغيب فلا يُطلع عليه إلا من شاء من خلقه ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ يعني أنه يضع الأشياء في مَحالّها لعلمه التام بخلقه وبما يستحقونه. ثم قال: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي: ربك المنفرد بالملك والمتصرف (٢) وحدَه لا شريك له.

стр. 757

قصة الرجلين المؤمن والكافر قال الله تعالى في سورة الكهف بعد قصة أهل الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ إلى قوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الآيات: ٣٢ - ٤٤]. قال بعض الناس: هذا مثل مضروب ولا يلزم أن يكون واقعاً. والجمهور أنه أمرٌ قد وقع. وقوله: ﴿وَاَضْرِب لَهُم مَّثَلًا﴾ يعني لكفارِ قُريش في عَدَم اجتماعهم بالضعفاء والفقراء وازدرائهم بهم وافتخارهم عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣]. كما قدَّمنا (١) الكلام على قصَّتهم قبل قصة موسى ﵇. والمشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين، وكان أحدُهما مؤمناً والآخر كافراً، ويقال: إنه كان لكل منهما مالٌ، فأنفق المؤمن مالَه في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه، وأما الكافر فإنه اتخذ له بستانين، وهما الجنتان المذكورتان في الآية على الصفة والنعت المذكور، فيهما أعنابٌ ونخيل تحفّ تلك الأعناب والزروع في ذلك (٢)، والأنهار سارحةٌ هاهنا وهاهنا للسقي والتنزُّه، وفد استوثقت فيهما الثمار، واضطربت فيهما الأنهار، وابتهجت الزروع والثمار، وافتخر مالكُهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلاً له: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي أوسع (٣) جناناً. ومرادُه أنّه خيرٌ منه، ومعناه: ماذا أغنى عنكَ إنفاقُك ما كنتَ تملكُه في الوجه الذي صرفتَه فيه؟! كان الأولى بكَ أن تفعل كما فعلتُ لتكونَ مثلي، فافتخر على صاحبه ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: وهو على غير طريقةٍ مرضية. قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ وذلك لِما رأى من اتّساع أرضِها وكثرة مائها وحُسن نبات أشجارِها، ولو قد بادت كلُّ واحدةٍ من هذه الأشجار لاستخلف مكانها أحسن منها، وزروعها دارةٌ لكثرة مياهها. ثمّ قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ فَوَثِقَ بزهرةِ الحياة الدنيا الفانية وكذّب بوجود الآخرة الباقية الدائمة. ثمّ قال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ أي: وَلَئن كان ثَمَّ آخرةٌ ومعادٌ فلأجدنَّ هنالكَ خيراً من هذا، وذلك لأنه اغترَّ بدنياه واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها إلّا لحبّهِ له وحظوته عنده،

стр. 758

كما قال العاص بن وائل فيما قَصَّ اللّه من خبره وخبر خَبَّاب بن الأرَت (١) في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨]. وقال تعالى إخباراً عن الإنسان إذا أنعم اللّه عليه: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ قال الله تعالى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠]. وقال قارون ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي: لعلم الله بي أنّي أستحقه، قال الله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]. وقد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصّة موسى (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]. ولما اغتر هذا الجاهل بما خُوِّل به في الدنيا فجحد الآخرة وادّعى أنها إن وجدت لَيَجدنَّ عند ربّه خيراً مما هو فيه. وسمعَه صاحبُه يقول ذلك قال له ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أي: يجادله: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ أي: أَجَحَدْتَ (٣) المَعَادَ وأنت تعلم أن اللّه خلقك من تراب، ثمّ من نطفة، ثمّ طوَّرك (٤) أطواراً حتى صِرت رجلاً سوياً سميعاً بصيراً، تعلم وتبطش وتفهم، فكيف أنكرت المعاد واللّه قادرٌ على البداءة. ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: لكن أنا أقول بخلاف ما قلتَ، وأعتقد خلافَ معتقدكَ ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ أي: لا أعبد سِواه، وأعتقد أنه يبعث الأجساد بعد فَنائها، ويعيد الأموات، ويجمع العظام الرُّفات، وأعلم أنَّ الله لا شريك له في خلقه ولا في ملكه، ولا إلَه غيره. ثم أرشده إلى ما كان الأولى به أن يسلكه عند دخول جنته فقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ولهذا يُسْتحَب لكلِّ من أعجبه شيءٌ من ماله أو أهله أو حاله أن يقول كذلك، وقد ورد فيه حديثٌ مرفوعٌ، في صحته نظر.

стр. 759

قال أبو يعلى الموصلي: حدَّثنا جَرَّاح بن مَخْلد (١)، حدّثنا عمر بن يونس (٢)، حدّثنا عيسى بن عون، حدّثنا عبد الملك بن زرارة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنعَمَ اللهُ على عبدٍ نِعمةً من أهْلٍ أو مالٍ أو ولدٍ فَيقُولُ: ما شاءَ اللهُ لا قوةَ إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت" (٣). وكان يتأول هذه الآية ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ قال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون عن عبد الملك بن زُرارة عن أنس لا يصح. ثمّ قال المؤمن للكافر: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال ابن عباس، والضحّاك، وقتادة: أي: عذاباً من السماء (٤). والظاهر أنه المطر المزعج الباهِر الذي يَقْتَلِعُ زروعها وأشجارها ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ وهو الترابُ الأملس الذي لا نبات فيه (٥) ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ وهو ضد المَعِين السارح ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ يعني فلا تقدر على استرجاعه. قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أي: جاءه أمرٌ أحاط بجميع حواصله وخَرَّب جنته ودمرَّها ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: خربت بالكُلّية فلا عودَة لها، وذلك ضد ما كان عليه أَمَّل حيث قال (٦): ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ وندم على ما كان سلف منه من القول الذي كفر بسببه باللّه العظيم فهو يقول: وَيَقُولُ ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ﴾ أي: لم يكن أحد يتدارك ما فرط من أمره، وما كان له قدرة في نفسه على شيءٍ من ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] وقوله: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾. ومنهم من يبتدئ بقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ وهو حَسَنٌ أيضاً لقوله ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٦] فالحكم الذي لا يُرَدُّ

стр. 760

ولا يُمانَع ولا يُغالَب في تلك الحال، وفي كل حال للّه الحق. ومنهم من رفع ﴿الْحَقِّ﴾ جعله صفةً للوَلاية، وهما متلازمتان (١). وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [أي: معاملته خيرٌ لصاحبها ثواباً، وهو الجزاء، وخير عُقبا] (٢). وهو العاقبة في الدنيا والآخرة. وهذه القصّة تضمنت أنه لا ينبغي لأحد أن يركن إلى الحياة الدنيا، ولا يغترّ بها ولا يثق بها، بل يجعل طاعةَ الله والتوكُّلَ عليه في كلّ حال نصب عينيه. وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه. وفيها: أن من قدَّم شيئاً على طاعة الله والإنفاق في سبيله عُذِّب به، وربما سُلب منه معاملة له بنقيض قصده. وفيها: أن الواجب قبول نصيحة الأخ المشفق، وأن مخالفته وبال ودَمار على من رد النصيحة الصحيحة. وفيها: أن الندامةَ لا تنفع إذا حانَ القدر ونفذ الأمر الحتم، بالله المستعان وعليه التكلان.

стр. 761

قصة أصحاب الجنّة قال الله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ٣٣]. وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول العظيم الكريم إليهم، فقابلوه بالتكذيب والمخالفة (١)، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩]. قال ابن عباس: هم كفار قريش، فضرب تعالى لهم مثلاً بأصحاب الجنة المشتملة على أنواع الزروع والثمار التي قد انتهت واستحقت أن تُجذَّ وهو الصرام، ولهذا قال ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ فيما بينهم ﴿لَيَصرِمُنَّهَا﴾ أي: ليجذّنها وهو الاستغلال ﴿مُصبِحِينَ﴾ [أي: وقت الصبح] (٢) حيث لا يراهم فقيرٌ ولا محتاج فيعطوه شيئاً، فحلفوا على ذلك، ولم يستثنوا في يمينهم، فعجَّزهم الله وسلّط عليها (٣) الآفة التي أحرقتها وهي السفعة التي اجتاحتها ولم تُبقِ بها شيئاً يُنْتَفَع به، ولهذا قال: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي: كالليل الأسود المنصرم من الضياء، وهذه معاملة بنقيض المقصود. ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أي: فاستيقَظوا من نومهم فنادى بعضُهم بعضاً قائلين: ﴿اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ أي باكروا إلى بستانكم فاصرموه قبل أن يرتفع النهار ويكثر السُّؤّال ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ أي يتحدثون فيما بينهم خِفْيةً قائلين: ﴿لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ أي: اتفقوا على هذا واشتوروا عليه ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: انطلقوا مُجدِّين في ذلك قادرين عليه مضمرين على هذه (٤) النية الفاسدة. وقال عِكْرمة والشَّعْبي: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: غضب على (٥) المساكين (٦). وأبعد السُّدِّي في قوله: أن اسم

стр. 762

حرثهم (١) حرد ﴿فَلَمَّا رَأَوهَا﴾ أي: وصلوا إليها ونظروا ما حصل (٢) بها وما قد صارت إليه من الصفة المنكرة بعد تلك النضرة والحُسْن والبهجة، فانقلبت بسبب النية الفاسدة، فعند ذلك ﴿قَالُواْ إِنَّا لَضَاَلُّونَ﴾ أي: قد تهنا (٣) عنها وسلكنا غير طريقها. ثمّ قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: بل عوقبنا بسبب سوء قصدنا وحُرِمنا بركة حَرْثنا. ﴿قَالَ أَوسَطُهُم﴾، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أعدلهم وخيرهم (٤) ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ قيل: تستثنون، قاله مجاهد والسُّدِّي وابن جرير (٥). وقيل: تقولون خيراً بدل ما قلتم من الشر. ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾، فندموا حيث لا ينفع (٦) واعترفوا بالذنب بعد العقوبة وذلك حيث لا ينجع. وقد قيل: إن هؤلاء كانوا إخوةً وقد ورثوا هذه الجنة من أبيهم وكان يتصدّق منها كثيراً، فلما صار أمرها إليهم استهجنوا أمر أبيهم وأرادوا استغلالها من غير أن يعطوا الفقراء شيئاً، فعاقبهم الله أشد (٧) العقوبة، ولهذا أمر الله تعالى بالصدقة من الثمار وحَثَّ على ذلك يوم الجذاذ كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ثمّ قيل: كانوا من أهل اليمن من قرية يقال لها: ضَرَوَان (٨). وقيل: من أهل الحبشة. والله أعلم (٩). قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي: هكذا نعذّب من خالف أمرنا ولم يعطف على المحاويج من خلقنا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي أعظم وأحكم من عذاب الدنيا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقصة هؤلاء شبيه بقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣] قيل: هذا مثل مضروب لأهل مكة، وقيل (١٠): هم أهل مكة أنفسهم ضربهم مثلاً لأنفسهم ولا ينافي ذلك. والله أعلم.

стр. 763

قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦]. وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦]. وقال تعالى في سورة النساء: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولً﴾ [٤٧]. قال ابن عباس ومُجاهد وعِكْرمة وقَتادة والسُّدَي وغيرُهم: هم أهل أيلة (١). زاد ابن عباس بين مَدْين والطُّور (٢). قالوا: وكانوا متمسِّكين (٣) بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان، فكانت الحِيْتان قد أَلِفَتْ منهم السكينة في مثل هذا اليوم، وذلك أنه كان يحرَّم عليهم الاصطياد فيه، كذلك جميع الصنائع والتجارات والمكاسب، فكانت الحِيْتان في مثل يوم السبت يكثر غشيانها لمحلَّتهم من البحر، فتأتي من هاهنا وهاهنا ظاهرةً آمنةً مسترسلةً، فلا يهيجونها ولا يذعرونها، ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ وذلك لأنهم كانوا يصطادونها فيما عدا السبت. قال الله تعالى: ﴿كذَلِكَ نَبلُوهُم﴾ أي: نختبرهم بكثرة الحِيْتان في يوم السبت ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: بسبب فسقهم المتقدَّم. فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها في يوم السبت بأن نصبوا الحبال والشباك والشُّصُوص (٤) وحفروا الحُفَر التي يجري معها الماء إلى مصانع قد أعدوها إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها، ففعلوا ذلك في يوم الجمعة، فإذا جاءت الحيْتان مُسترسلةً يوم السبت علقت بهذه المصايد، فإذا خرج

стр. 764

سبتُهم أخذوها، فغضب الله عليهم ولَعَنَهم لِمَا احتالوا على خلاف أمره وانتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظاهرة للناظر، وهي في الباطن مخالفةٌ مَحضَةٌ، فلما فعل ذلك طائفةٌ منهم افترق الذين لم يفعلوا فرقتين: فرقة أنكروا عليهم صنيعهم هذا واحتيالهم على مخالفة الله وشرعه في ذلك الزمان، وفرقة أخرى لم يفعلوا ولم ينهوا بل أنكروا على الذين نهوا وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ يقولون (١): ما الفائدة في نهيكم هؤلاء وقد استحَقوا العقوبةَ لا محالة، فأجابتهم الطائفة المنكرة بأنْ قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما أَمَرَنا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنقوم به خوفاً من عذابه ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ولعل هؤلاء يتركون ما هُم عليه من هذا الصنيع فيقيهم اللّه عذابه ويعفو عنهم إذا هم رَجَعوا واستمعوا. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: لم يلتفتوا إلى مَن نهاهْم عن هذا الصنيع الشنيع الفظيع ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهم الفرقة الآمرة بالمعروف والناهية (٢) عن المنكر ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المرتكبون الفاحشة ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ وهو الشديد المؤلم الموجع ﴿بِمَاكاَنُواْ يَفْسُقُونَ﴾. ثم فَشَر العذاب الذي أصابهم بقوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وسنذكر ما ورد من الآثار عن ذلك (٣). والمقصود هنا أن الله تعالى أخبر أنه أهلكَ الظالمين، ونجَّى المؤمنين المنكرِين، وسكت عن الساكتين. وقد اختلف فيهم العلماءُ على قولين: فقيل: هم (٤) من الناجين. وقيل: إنهم من الهالكين. والصحيح الأول عند المحقّقين، وهو الذي رَجَع إليه ابن عَبَّاس إمامُ المفسرين، وذلك عند (٥) مناظرة مولاه عِكرمة، فكساه من أجل ذلك حُلَةً سَنِيَّةً تكرمةً. قلت: وإنما لم يُذكَروا مع الناجين لأنهم وإن كرهوا ببواطِنهم تلك الفاحشةَ إلا أنهم كان ينبغي لهم أن يحملوا ظواهرهم بالعمل المأمور به من الإنكار القولي الذي هو أوسط المراتب الثلاث التي أعلاها الإنكار باليد ذات البَنان، وبعدَها الإنكار القولي باللسان، وثالثها الإنكار بالجَنان، فلما لم يُذكَروا نجوا مع الناجين، إذ لم يفعلوا الفاحشة بل أنكروا (٦).

стр. 765

وقد روَى عبد الرزاق، عن ابن جُرَيج، عن رجل، عن عِكرمة، عن ابن عباس (١)، وحكى مالك، عن ابن رومان، وشيبانُ عن قتادة وعطاء الخراساني ما مضمونه أن الذين ارتكبوا هذا الصنيع اعتزلهم بقيةُ أهل البلد، ونهاهم من نهاهم منهم، فلم يقبلوا، فكانوا يبيتون وحدَهم، ويغلقون بينهم وبينهم أبواباً حاجزاً لما كانوا يترقبون من هلاكهم، فأصبحوا ذاتَ يوم وأبوابُ ناحيتهم مغلقة لم يفتحوها، وارتفع النهار واشتد الضحاء، فأمر بقية أهل البلد رجلاً أن يصعد على سلالم ويشرف عليهم من فوقهم، فلما أشرف عليهم إذا هم قِردة لها (٢) أذناب يتعاوون ويتعادون، ففتحوا عليهم الأبواب فجعلت القردة تعرف قراباتهم ولا يعرفهم قراباتهم، فجعلوا يلوذون بهم ويقول لهم الناهون: ألم ننهكم عن صنيعكم؟ فتشير القردة برؤوسها أنْ نعم. ثمّ بكى عبد الله بن عباس وقال: إنا لَنَرى مُنكراتٍ كثيرةً ولا نُنكرها ولا نقول فيها شيئاً (٣). وقال العَوْفي (٤) عن ابن عباس: صار شباب القرية قردة وشيوخها خنازير. وروى ابن أبي حاتم (٥) من طريق مجاهد عن ابن عباس أنهم لم يعيشوا إلا فُوَاقاً (٦) ثتم هلكوا ما كان لهم نسل. وقال الضحاك عن ابن عباس (٧): إنه لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل هؤلاء ولم يشربوا ولم ينسلوا. وقد استقصينا الآثار في ذلك في تفسير سورة البقرة والأعراف (٨). ولله الحمد والمنة. وقد روى ابن أبي حاتم (٩) وابن جرير (١٠) من طريق ابن أبي نَجيح، عن مجاهد أنه قال: مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة وخنازير، وإنما هو مَثَلٌ (١١) ضربه الله ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحمِلُ أَسفَارَاً﴾ [الجمعة: ٥] وهذا صحيح إليه، وغريب منه جداً، ومخالف لظاهر القرآن، ولما نصّ عليه غير واحد من السلف والخلف. والله أعلم.

стр. 766

قصّة ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣] تقدَّم ذِكْرُها (١) قَبْلَ قِصَّة مُوسى ﵇. قصّة سبأ: سيأتي ذكرها (٢) في أيام العرب إن شاء الله تعالى، وبه الثقة. قصّة قارون، وقصّة بلعام: تقدّمتا (٣) في قصّة موسى. وهكذا قصّة الخضر وقصّة فرعون والسَّحرة كلّها في ضمن (٤) قصّة موسى. وقصة البقرة تقدَّمت (٥) في قصّة موسى. وقصّة ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. في قصّة حزقيل (٦). وقصّة ﴿الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [البقرة: ٢٤٦] في قصّة شمويل (٧). وقصّة الذي ﴿مَرَّ عَلَى قَريَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] في قصّة عُزَيْر (٨).

стр. 767

قصّة لقمان قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٢ - ١٩]. هو لقمان بن عنقاء بن سدون. ويقال: لقمان بن ثاران، حكاه السهيلي عن ابن جرير والقتيبي. قال السهيلي: وكان نُوبيّاً من أهل أَيْلَة. قلت: وكان رجلاً صالحاً ذا عبادةٍ وعبارةٍ وحكمةٍ عظيمةٍ. ويقال: كان قاضياً في زمان داود ﵇. فالله أعلم. وقال سفيان الثوري، عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان (١) عبداً حبشياً نجاراً (٢). وقال قتادة، عن عبد الله بن الزبير: قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم في (٣) شأن لقمان؟ قال: [كان قصيراً أفطس من النوبة. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيِّب قال] (٤): كان لقمان من سودان مصر (٥). ذو مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة. وقال الأوزاعي: حدّثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيِّب يسأله، فقال

стр. 768

له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان، بلال ومِهْجع (١) مولى عمر، ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر (٢). وقال الأعمش، عن مجاهد: كان لقمان عبداً أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين، وفي رواية مصفح القدمين (٣). وقال عمرو (٤) بن قيس: كان عبداً أسود غليظ الشفتين مصفَّح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدّثهم، فقال له: ألستَ الذي كنتَ ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا (٥)؟ قال: نعم. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صِدْقُ الحديث، والصمتُ عما لا يعنيني. رواه ابن جرير (٦) عن ابن حُميد عن الحكم عنه. وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا صفوان، حدّثنا الوليد، حدّثناعبد الرحمن بن يزيد (٧) ابن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم لحكمته، فرآه رجلٌ كان يعرفه قبل ذلك فقال: ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى (٨) بالأمس؟ قال: بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قَدَرُ الله، وأداء الأمانة، وصِدْقُ الحديث، وترك ما لا يعنيني (٩). وقال ابن وهْب: أخبرني عبد الله بن عياش القِتْبَاني (١٠)، عن عمر مولى غفر (١١) قال: وقف رجل

стр. 769

على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان؟ أنت عبد بني الحسحاس (١)؟! قال: نعم. قال: فأنت راعي الغنم الأسود؟ قال: أمّا سَوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطْءُ الناس بساطَك، وغشيهم بابَكَ، ورضاهم بقولك. قال: يا ابن أخي إن صنعت (٢) ما أقول لك كنتَ كذلك. قال: ما هو (٣)؟ قال لقمان: غَضِّي بصري، وكَفّي لساني، وعِفَّةُ مطعمي، وحفظي فرجي، وقيامي بعدَّتي، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيّرني كما ترى (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبي، حدّثنا ابن فضيل، حدّثنا عمرو بن واقد، عن عبدة بن رباح، عن ربيعة، عن أبي الدرداء أنه قال يوماً (٥)، وذَكَر لقمانَ الحكيم فقال: ما أوتي ما أوتي (٦) عن أهل ولا مالٍ ولا حَسَب ولا خصال، ولكنه كان رجلاً صمصامة (٧) سِكِّيتاً، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهاراً قط، ولم يره أحد يبزق ولا يتنخَّع (٨) ولا يبول ولا يتغوَّط ولا يغتسل ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقاً نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحدٌ، وكان قد تزوَّج وولد له أولاد فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكّام لينظر ويتفكّر ويعتبر، فبذلك أوتي ما أوتي (٩). ومنهم من زعم أنه عُرضت عليه النجوة فخاف أن لا يقوم بأعبائها فاختار الحكمة لأنها أسهل عليه. وفي هذا نظر والله أعلم. وهذا مروي (١٠) عن قتادة كما سنذكره. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير (١١) من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر الجُعْفي عن عكرمة أنه قال: كان لقمان نبياً. وهذا ضعيف لحال الجُعْفي (١٢).

стр. 770

والمشهور عن الجمهور أنه كان حكيماً ولياً ولم يكن نبياً. وقد ذكره الله تعالى في القرآن فأثنى عليه وحكى من كلامه فيما وَعَظَ به [ولده الذي هو أحبُّ الخلق إليه، وهو أشفق الناس عليه، فكان من أول ما وَعَظَ به] (١) أن قال: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فنهاه عنه وحذّره منه. وقد قال البخاري (٢): حدّثنا قُتيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أيَّنا لم يلبس (٣) إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ : " إنه ليس بذاك، ألم تسمع إلى قول لقمان: ﴿يابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ورواه مسلم من حديث سُليمان بن مِهران الأعمش (٤) به. ثم اعترض تعالى بالوصية بالوالدين وبيان حقهما على الولد وتأكُّده، وأمر بالإحسان إليهما حتى ولو كانا مشرِكَيْن، ولكن لا يطاعان على الدخول في دينهما، إلى أن قال مُخبراً عن لقمان فيما وعظ به ولده: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ينهاه عن ظلم الناس ولو بحبَّةِ خردلٍ، فإن الله يسأل عنها ويحضرها حوزة الحساب ويضعها في الميزان كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وأخبره أن هذا الظلم ولو كان في الحَقارة كالخردلة، ولو كان في جوف صخرةٍ صَمَّاء لا بابَ لها ولا كُوَّة، أو لو كانت ساقطةً في شيءٍ من ظلمات الأرض أو السموات في اتساعهما وامتداد أرجائهما، لعلم اللهُ مكانها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيُرٌ﴾ أي: عِلْمُه دقيقٌ فلا يخفى عليه الذَّرُّ مما تراءى للنواظر أو توارى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] وقال ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].

стр. 771

وقد زعم السُّدَي في خبره عن الصحابة أن المراد بهذه الصخر (١) الصخرة التي تحت الأرضين السبع، وهكذا حكي عن عطية العَوْفي (٢) وأبي مالك والثوري والمِنْهال بن عمرو وغيرهم، وفي صحة هذا القول من أصله نظر. ثمّ إن في هذا هو المراد نظر آخر، فإن هذه الآية نَكِرة غير معرفة فلو كان المراد بها ما قالوه لقال: فتكن في الصخرة، وإنما المراد فتكن (٣) في صخرة أي صخرة كانت، كما قال الإمام أحمد: حدّثنا حسن بن موسى، حدّثنا ابن لَهِيْعة، حدّثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال (٤): "لو أَنَّ أحدَكُم يَعمَلُ في صَخْرَةٍ صَمَّاءَ ليس لها بابٌ ولا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عملُه للناسِ كائِناً ما كان" (٥). ثم قال "يَابُنَىَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ" أي: أَدّها بجميع واجباتها من حدودها وأوقاتها وركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها وما شرع فيها، واجتنب ما نُهي عنه فيها. ثم قال: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي: بجَهْدك وطاقتك أي إن استطعت باليد فباليد، وإلّا فبلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك. ثمّ أمر بالصبر فقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ وذلك أن الآمرَ بالمعروف والناهي عن المنكر في مظنة أن يُعادَى ويُنال منه، ولكن له العاقبة، ولهذا أمره بالصبر على ذلك، ومعلوم أن عاقبة الصبر الفرج. وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [أي: إن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر وصبرك على الأذية من عزائم الأمور] (٦) التي لا بد منها ولا مَحيد عنها. وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جُبير والضحَّاك ويزيد بن الأصَمّ وأبو الجوزاء وغير واحد (٧): معناه لا تتكبّر على الناس وتميِّل خدّك حال كلامك لهم وكلامهم لك على وجه التكبّر عليهم والازدراء لهم. قال أهل اللغة (٨): وأصلُ الصَّعَر داءٌ يأخذ الإبل في

стр. 772

أعناقها فتلتوي رؤوسُها فشبّه به الرجل المتكبّر الذي يميل وجهه إذا كلَّم الناس أو كلّموه على وجه التعاظم (١) عليهم. قال أبو طالب في شعره: [من الطويل] وكُنّا قديماً لا نُقِرُّ ظُلَامةً … إذا ما ثَنَوا صُعْرَ الخُدودِ نُقيْمُها وقال عمرو بن حُنَي (٢) التغلَبي: [من الطويل] وكنّا إذا الجّبار صَعَّر خدَّه … أَقمنا لَهُ من مَيْلهِ فتقوّما (٣) وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ينهاه عن التبختر في المِشية على وجه العظمة والفخر على الناس، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولً﴾ [الإسراء: ٣٧]، يعني لستَ بسرعة مشيك تقطع البلاد في مشيتك هذه، ولست بدقّك الأرضَ برجلك تخرِق الأرض بوطئك عليها، ولست بتشامخك وتعاظُمك وترفُّعك تبلغ الجبال طولًا، فاتّئد على نفسك، فلست تعدو قدرك. وقد ثبت في الحديث "بينما رجلٌ يمشي في بُردَيه يَتَبَخْتَرُ فيهما إذ خَسَفَ اللهُ به الأرضَ، فهو يَتَجَلْجَلُ (٤) فيها إلى يوم القيامة" (٥). وفي الحديث الآخر: "وإياكَ وإسْبال الإزارِ فإنَّها مِن المَخِيلَة والمخيلة لا يحبُّها الله" (٦). كما قال في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. ولما نهاه عن الاختيال في المشي أمره بالقصد فيه، فإنه لا بدَّ له أن يمشي، فنهاه عن الشر وأمره بالخير، فقال: ﴿وَاَقصِد فِى مَشيِكَ﴾ أي: لا تتباطا مُفرِّطاً ولا تسرع إسراعاً مُفْرِطاً، ولكن بين ذلك قواما، كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].

стр. 773

ثمّ قال: ﴿وَاغضُض مِن صَوتِكَ﴾ ويعني إذا تكلّمت فلا تتكلَّف رفع صوتك، فإن أرفع الأصوات وأنكرها صوت الحمير. وقد ثبت في " الصحيحين " (١) الأمر بالاستعاذة عند سماع صوت الحمير بالليل، فإنها رأت شيطاناً، ولهذا نُهي عن رفع الصوت حيث لا حاجة إليه ولا سيما عند العُطاس، فيستحب خفضُ الصوت وتخميرُ الوجه كما ثبت به الحديث من صنيع رسول الله ﷺ (٢). فأما رفع الصوت بالأذان وعند الدعاء إلى الفئة للقتال، وعند الإهلال (٣) ونحو ذلك فذلك مشروع. فهذا مما قصَّه الله تعالى عن لقمان ﵇ (٤) في القرآن من الحِكَم والوصايا النافعة الجامعة للخير المانعة من الشر. وقد وردت آثار كثيرة في أخباره ومواعظه وقد كان له كتاب يؤثر عنه يسمى مجلة (٥) لقمان. ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى. قال الإمام أحمد: حدّثنا علي بن إسحاق (٦) أخبرنا ابن المبارك أخبرنا سفيان، أخبرني نَهْشل بن مجمّع (٧) الضبي، عن قَزَعَة عن ابن عمر قال: أخبرنا رسول الله ﷺ قال: " إنَّ لُقمانَ الحكيمَ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللهَ إذا استُودع شيئاً حفظه " (٨). وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا عيسى بن يونس عن الأوْزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مُخَيْمرة (٩) أن رسول الله ﷺ قال: " قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني إياك

стр. 774

والتقنُّعَ فإنه مَخْوفة بالليل ومذمّة بالنهار" (١). وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان (٢) حدثنا ضمرة حدثنا السري بن يحيى قال قال لقمان لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. وحدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان أخبرنا ابن المبارك أخبرنا عبد الرحمن المسعودي، عن عون بن عبد اللّه قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيتَ نادي قومٍ فارمهم بسهم الإسلام، يعني السلام، ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر اللّه فأجِل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم. وحدّثنا أبي، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا ضَمرة، عن حفص بن عمر قال: وضع لقمان جراباً من خَردلٍ إلى جانبه، وجعل يَعظُ ابنَهُ وعظة ويُخرج خَردلةً، حتى نَفِدَ الخردل، فقال: يا بني وعظتك موعظةً لو وُعِظها جبلٌ تفطَرَ. قال: فتفطّر ابنه. وقال أبو القاسم الطبراني: حدّثنا يحيى بن عبد الباقي المصِّيْصي، حدّثنا أحمد بن عبد الرحمن الحزَاني، حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الطَّرَائفي (٣) حدّثنا أبين بن سفيان (٤) المقدسي، عن خليفة بن سلاّم، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اتّخذِوا السُّودان فإنَّ ثَلاثَةً منهم من سادات أهل (٥) الجنة: لُقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن (٦) " قال الطبراني: يعني الحبشي. وهذا حديث غريب بل منكر. وقد ذكر له الإمام أحمد في كتاب " الزهد " ترجمة ذكر فيها فوائد مهمة جمة، فقال (٧): حدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، قال: الفقه والإصابة في غير نبوه (٨). وكذا روي عن وهب بن منبه.

стр. 775

وحدّثنا وكيع، حدّثنا سفيان. عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشياً (١). وحدّثنا أسود (٢)، حدّثنا حماد، عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن لقمان كان خياطاً. وحدثنا سيَّار (٣)، حدّثنا جعفر، حدّثنا مالك يعني ابن دينار قال: قال لقمان لابنه: يا بني اتخذ طاعة الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة. وحدّثنا يزيد (٤)، حدّثنا أبو الأشهب عن محمد بن واسع قال: كان لقمان يقول لابنه: يا بني اتق الله ولا تُري الناس أنك تخشى الله ليكرموك بذلك وقلبك فاجر. وحدّثنا يزيد بن هارون ووكيع قالا (٥): حدّثنا أبو الأشهب، عن خالد الربَّعي قاك: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً، فقال له سيده: اذبح لي شاة، فذبح له شاة، فقال: ائتني بأطيب مضغتين فيها، فأتاه باللسان والقلب. فقال: أما كان فيها شيء أطيب من هذين؟ قال: لا. قال: فسكت عنه ما سكت، ثم قال له: اذبح لي شاةً، فذبح له شاة، فقال له: ألق أخبثها مضغتين، فرمى باللسان (٦) والقلب، فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب!، فقال له: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا (٧). وحدّثنا داود بن رُشَيد، حدّثنا ابن المبارك، حدّثنا معمر، عن أبي عثمان رجلٍ من أهل البصرة يقال له: الجعد أبو عثمان، قال: قال لقمان لابنه: لا ترغب في ودِّ الجاهل فيرى أنك ترضى عمله، ولا تَهاوَن بمقْت الحكيم فيزهده فيلث (٨). وحدّثنا داود بن أسيد، حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شُريح بن عبيد الحضرمي، عن عبد الله بن زيد قال: قال لقمان: ألا إن يد الله على أفواه الحكماء، لا يتكلّم أحدُهم إلا ما هيَّأ الله له (٩).
следующие страницы →