← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

الشيرجي، ولبس أقبجا خلعة (١) شَدّ الدواوين في باب [الأمير] الوزير شمس الدين سنقر الأعسر، وباشر الأمير عز الدين أيبك الدويدار النجيبي (٢) ولاية البر، بعدما جعل من أمراء الطبلخانة (٣). ودرّس الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلكاني بأم الصالح عوضًا عن جلال الدين القزويني يوم الأحد الحادي والعشرين من شعبان. وفي هذا اليوم ولي قضاء الحنفية شمس الدين بن الصفي الحريري عوضًا عن حسام الدين الرومي، فُقد يوم (٤) المعركة [وجاء بعد ذلك تدريس الخانق منه عوضًا عن حسام الدين الرازي] (٥) في ثاني رمضان. ورفعت الستائر عن القلعة في ثالث رمضان. وفي مستهلّ رمضان جلس الأمير سيف الدين سلار بدار العدل في الميدان الأخضر وعنده القضاة والأمراء يوم السبت (٦)، وفي السبت الآخر خلع على الصدر عز الدين القلانسي خلعة سنية وجعل ولده عماد الدين [عبد العزيز] شاهدًا في الخزانة العالية. وفي هذا اليوم رجع سيف الدين سلار بالعساكر إلى مصر وانصرفت (٧) العساكر الشامية إلى مواضعها وبلدانها. وفي يوم الإثنين عاشر رمضان درس [صدر الدين] علي بن الصفي بن أبي القاسم البصراوي الحنفي بالمدرسة (٨) المقدمية. وفي شوال فيها (٩) عرفت جماعة ممن كان يلوذ بالتتر (١٠) ويؤذي المسلمين، وشنق منهم طائفة وسُمّر آخرون وكحّل بعضهم وقطعت ألسن وجرت أمور كثيرة.

стр. 7247

وفي منتصف شوال دَرَّس بالدولعية قاضي القضاة (١) جمال الدين الزرعي نائب الحكم عوضًا عن جمال الدين بن الباجربَقي. وفي يوم الجمعة العشرين منه (٢) ركب نائب السلطنة جمال الدين آقوش الأفرم في جيش دمشق إلى جبال الجرد وكسروان، وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه (٣) خلق كثير من المُطَوَّعة الحوارنة لقتال أهل تلك الناحية، بسبب (فساد نيتهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم، و) ما [كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتر وهربوا حين اجتازوا ببلادهم، وثبوا عليهم ونهبوهم وأخذوا أسلحتهم وخيولهم، وقتلوا كثيرًا منهم، فلما وصلوا إلى بلادهم] (٤) جاء رؤساؤهم إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستتابهم وبين للكثير منهم الصواب وحصل بذلك خير كثير، وانتصار كبير (٥) على أولئك المفسدين، والتزموا برد ما كانوا أخذوه من أموال الجيش، وقرر عليهم أموالًا (٦) كثيرة يحملونها إلى بيت المال، وأقطعت أراضيهم وضياعهم (٧)، ولم يكونوا قبل ذلك يدخلون في طاعة الجند ولا يلتزمون أحكام الملة، ولا يدينون دين الحق، ولا يحرِّمون ما حرم اللّه ورسوله. وعاد نائب السلطنة يوم الأحد ثالث عشر ذي القعدة وتلقاه الناس بالشموع إلى [طريق بعلبك وسط النهار. وفي يوم الأربعاء سادس عَشرِه نودي في البلدان يعلق الناس الأسلحة بالدكاكين، وأن يتعلم الناس الرمي فعملت الإماجات في أماكن كثيرة من البلد، وعلقت الأسلحة بالأسواق، ورسم قاضي القضاة بعمل الإماجات في المدارس، وأن يتعلم الفقهاء الرمي ويستعدوا لقتال العدوِّ إن حضر، وباللّه المستعان] (٨). (وفي الحادي والعشرين من ذي القعدة استعرض نائب السلطنة أهل الأسواق بين يديه وجعل على كلّ سوقٍ مقدَّمًا وحوله أهل سوقه).

стр. 7248

وفي الخميس رابع عشرينه (١) عرضت الأشراف مع نقيبهم نظام الملك الحسيني بالعُدد والتجمُّل الحسن، وكان يومًا مشهودًا. ومما كان من الحوادث في هذه السنة أن جدد إمام راتب عند رأس قبر زكريا، وهو الفقيه شرف الدين أبو بكر الحموي، وحضر عنده يوم (٢) عاشوراء القاضي إمام الدين الشافعي، وحسام الدين الحنفي وجماعة، ولم تطل (٣) مدته إلا شهورًا ثم عاد الحموي إلى بلده وبطلت (٤) هذه الوظيفة إلى الآن وللّه الحمد. وممن توفي فيها من الأعيان: القاضي حُسام الدّين أبو الفضائل (٥) الحسن بن القاضي تاج الدين أبي المفاخر أحمد بن الحسن أَنُو شَرْوَان الرّازي الحنفي. ولي قضاء مَلَطْيَة (٦) مدة عشرين سنة، ثم قدم دمشق فوليها مدةً، ثم انتقل إلى مصر (٧) فوليها مدةً، وولده جلال الدين بالشام ثم صار إلى الشام فعاد إلى الحكم بها، ثم لما خرج الجيش إلى لقاء قازان بوادي الخزندار عند وادي سلمية (٨) خرج معهم ففقد من الصف ولم يدر ما خبره، وقد قارب السبعين، وكان فاضلًا بارعًا رئيسًا، له نظم حسن، ومولده بأقسرا (٩) من بلاد الروم في المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمئة، فُقد يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ربيع الأول منها [وهو يوم الوقعة] (١٠)، وقد قُتل يومئذ

стр. 7249

عدة من مشاهير (١) (الأمراء) ثم ولي بعده القضاء شمس الدين الحريري [كما ذكرنا] (٢). القاضي الإمام (٣) العالم (٤) إمام الدين أبو المعالي عمر بن القاضي سعد الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن الشيخ إمام الدين أبي حفص عمر بن أحمد بن محمد القزويني الشافعي. قدم دمشق هو وأخوه جلال الدين، فقررا في مدارس، ثم انتزع إمام الدين قضاء القضاة بدمشق من بدر الدين بن جماعة كما تقدم في سنة سبع وسبعين (٥)، وناب عنه أخوه، وكان جميل الأخلاق كثير الإحسان (رئيسًا)، قليل الأذى. ولما أزف قدوم التتار سافر إلى مصر (٦)، فلما وصل إليها لم يقم بها سوى أسبوع وتوفي ودفن بالقرب من (قُبَّة) الشافعي عن ست وأربعين سنة، وصار المنصب إلى بدر الدين بن جماعة، مضافًا إلى (ما بيده من) الخطابة (وغيرها)، ودرس أخوه بعده بالأمينية، كما ذكرنا. المُسْنِد (المُعَمَّر) الرِّحْلَة (٧) شرف الدين أحمد بن هبة اللّه (بن أحمد بن محمد) (٨) بن الحسن بن هبة اللّه بن عبد اللّه بن الحسن بن عساكر الدمشقي. ولد سنة أربع عشرة وستمئة، وسمع الحديث وروى، توفي خامس عشر (٩) جمادى الأولى من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة. الخطيب الإمام العالم الرئيس (١٠) موفق الدين أبو المعالي محمد بن محمد بن المفضَّل البَهْراني (١١)

стр. 7250

القُضاعي الحموي، خطيب حماة (١)، ثم خطب بدمشق عوضًا عن الفاروثي، كما ذكرنا ودرس بالغزالية ثم عزل بابن جماعة، وعاد إلى بلده، ثم قدم دمشق عام (٢) قازان فمات بها. الصَّدْر شمس الدين (٣) محمد بن سلمان (٤) بن حمائل بن علي المقدسي المعروف بابن غانم. وكان من أعيان الناس وأكثرهم مروءةً، ودرَّس بالعصرونية، (توفي وقد) جاوز الثمانين، وكان من الكتاب المشهورين (٥) المشكورين، وهو والد الصدر علاء الدين بن غانم. الشيخ جمال الدين أبو محمد (٦) عبد الرحيم بن عمر بن عثمان البَاجُرْبَقي (٧) الشافعي. أقام مدةً بالموصل يشتغل ويفتي، ثم قدم دمشق (عام قازان فمات بها، وكان قد) أقام بها مدة كذلك، ودرس بالقليجية والدولعية، وناب في الخطابة ودرس بالغزالية نيابة عن الشمس الأَيْكي، وكان قليلَ الكلام مجموعًا عن الناس، وهو والد الشمس محمد المنسوب إلى الزندقة والانحلال، وله أتباع (ينسبون إلى) ما ينسب إليه، ويعكفون على ما كان يعكف عليه، وقد حدث جمال الدين المذكور "بجامع الأصول" عن بعض أصحاب مصنفه (٨) ابن الأثير، وله نظم حسن، والله سبحانه أعلم. [ثم دخلت] (٩) سنة سبعمئة من الهجرة النبوية [استُهلت والخليفةُ والسلطانُ ونوابُ البلاد والحكام بها هم المذكورون في التي قبلها، غير الشافعي

стр. 7251

والحنفي] (١)، ولما كان ثالث المحرم جلس (٢) المستخرج لاستخلاص أجرة أربعة أشهر عن جميع أملاك الناس وأوقافهم بدمشق، فهرب أكثر الناس من البلد، وجرت خبطه عظيمة (٣) قوية وشق ذلك على الناس جدًّا (٤). وفي مستهل صفر وردت الأخبار بقصد التتر بلاد الشام، وأنهم عازمون على دخول مصر، فانزعج الناس لذلك وازدادوا ضعفًا على ضعفهم، وطاشت عقولهم وألبابهم، وشرع الناس في الهرب إلى بلاد مصر والكرك والشوبك والحصون المنيعة، فبلغت الحمارة إلى مصر خمسمئة، وبيع (٥) الجمل بألف، والحمار بخمسمئة، وبيعت (٦) الأمتعة والثياب والغلات بأرخص الأثمان، وجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية في ثاني صفر بمجلسه في الجامع وحرَّض الناس على القتال، وساق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في إنفاق الأموال في الذبِّ عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل اللّه كان خيرًا، وأوجب جهاد التتر حتمًا في هذه الكرة، وتابع المجالس في ذلك، ونودي في البلاد لا يسافر أحد إلا بمرسوم وورقة، فتوقف الناس عن السير وسكن جأشهم، وتحدث الناس بخروج السلطان من القاهرة بالعساكر ودقت البشائر لخروجه، لكن كان قد خرج جماعة من بيوتات دمشق كبيت ابن صصرى وبيت ابن فضل اللّه وابن منجا وابن سويد وابن الزملكاني وابن جماعة (٧). وفي أول ربيع الآخر قوي الإرجاف بأمر التتر، وجاء الخبر بأنهم قد وصلوا إلى البيرَة ونودي في البلد (٨) أن تخرج العامة مع العسكر، وجاء مرسوم النائب من المرج بذلك، فاستعرضوا في أثناء الشهر فعرض نحو خمسة آلاف من العامة بالعدة والأسلحة على قدر طاقتهم، وقنت الخطيب ابن جماعة في

стр. 7252

الصلوات كلها، وتبعه (١) أئمة المساجد، وأشاع المرجفون بأن التتر (٢) قد وصلوا إلى حلب وأن نائب حلب تقهقر إلى حماة، ونودي في البلد بتطييب قلوب الناس وإقبالهم على معايشهم، وأن السلطان والعساكر واصلة، وأبطل ديوان المستخرج وأقيموا، ولكن كانوا قد استخرجوا أكثر مما أمروا به وبقيت بواقي على الناس (٣) الذين قد اختفوا فعفى عما بقي، ولم يرد ما سلف، لا جرم أن عواقب هذه الأفعال خسر ونكر، وأن أصحابها لا يفلحون، ثم جاءت (٤) الأخبار بأن سلطان مصر رجع عائدًا إلى مصر (٥) بعد أن خرج منها قاصدًا الشام، فكثر الخوفُ واشتدّ الحالُ، وكثرتِ الأمطارُ جدًّا، وصار بالطرقات من الأوحال والسيول ما يحول بين المرء وبين ما يريده من الانتشار في الأرض والذهاب فيها، فإنّا للّه وإنا إليه راجعون (٦). وخرج كثير من الناس خفافًا وثقالًا يتحمَّلون بأهاليهم وأولادهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وجعلوا يحملون الصغار في الوحل الشديد والمشقة على الدواب والرِّقاب، وقد ضعفت الدواب من قلة العلف مع كثرة الأمطار والزلق والبرد الشديد والجوع وقلة الشيء فلا حول ولا قوة إلا بالله. واستهلَّ جمادى الأولى والناس على خطة صعبة من الخوف، وتأخر السلطان واقترب العدو. وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀ في مُسْتَهل هذا الشهر، وكان يوم السبت إلى نائب الشام في المرج فثبَّتهم وقوَّى جأشهم وطَيَّبَ (٧) قلوبهم ووعدهم النصر والظفر على الأعداء، وتلا قوله تعالى ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠] وبات عند العسكر ليلة الأحد ثم عاد إلى دمشق وقد سأله النائب والأمراء أن يركب على البرد إلى مصر يستحث السلطان على المجيء فساق وراء السلطان، وكان السلطان قد وصل إلى الساحل فلم يدركه إلا وقد دخل القاهرة وتفارط الحال، ولكنه استحثهم على تجهيز العساكر إلى الشام إن كان لهم به حاجة، وقال لهم فيما قال: إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن، ولم يزل بهم حتى جردت العساكر إلى الشام، ثم قال لهم: لو قدِّر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه

стр. 7253

واستنصركم أهله وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم، وقوَّى جأشهم وضمن لهم النصر في هذه الكرة، فخرجوا إلى الشام، فلما تواصلت العساكر إلى الشام فرح الناس فرحًا شديدًا بعد أن كانوا قد يئسوا من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، ثم قويت الأراجيف بوصول التتر، وتحقق عود السلطان إلى مصر، ونادى ابن النحاس متولي البلد في الناس من قدر على السفر فلا يقعد بدمشق، فتصايح النساء والولدان، ورهق الناس ذلة عظيمة وخمدة، وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وغُلقت الأسواق وتيقنوا أن لا ناصر لهم إلا اللّه ، وأن نائب الشام لما كان فيه قوة مع السلطان عام أول لم يقو على التقاء جيش التتر فكيف به الآن وقد عزم على الهرب؟ ويقولون: ما بقي أهل دمشق إلا طعمة العدو، ودخل كثير من الناس [القلعة وامتنع الناس من النوم والقرار وخرج كثير من الناس] إلى البراري والقفار والمفر بأهليهم من الكبار والصغار، ونُودي في الناس مَنْ كانت نيته الجهاد فليلحق بالجيش فقد اقترب وصول التتر، ولم يبق بدمشق من أكابرها إلا القليل، وسافر ابن جماعة والحريري وابن صَصْرَى وابن مُنَجّى، وقد سبقهم بيوتهم إلى مصر، وجاءت الأخبار بوصول التتر إلى سَرْمين (١) وخرج الشيخ زين الدين الفارقي والشيخ إبراهيم الرقي وابن قوام وشرف الدين بن تَيْميّة وابن جُبارة (٢) إلى نائب السلطنة الأفرم فقوَّوا عزمه على ملاقاة العدو، واجتمعوا بِمُهنَّا أمير العرب فحرَّضوه على قتال العدو فأجابهم بالسمع والطاعة، وقويت نياتهم على ذلك، وخرج طلب سلار من دمشق إلى ناحية المرج، واستعدوا للحرب والقتال بنيات صادقة. ورجع (٣) الشيخ تقيّ الدين بن تَيْميّة من الديار المصرية في السابع والعشرين من جمادى الأولى على البريد، وأقام بقلعة مصر ثمانية أيام يحثّهم على الجهاد والخروج إلى العدو، وقد اجتمع بالسلطان والوزير وأعيان الدولة فأجابوه إلى الخروج، وقد غلت الأسعار بدمشق جدًّا، حتى بيع خاروفان (٤) بخمسمئة درهم، واشتد الحال، ثم جاءت الأخبار بأن ملك التتار قد خاض الفرات راجعًا عامه ذلك لضعف جيشه وقلة عددهم، فطابت النفوس لذلك وسكن الناس، وعادوا إلى منازلهم منشرحين آمنين مستبشرين. ولما جاءت الأخبار بعدم وصول التتار إلى الشام في جمادى الآخرة تراجعت أنفس الناس إليهم وعاد نائب السلطنة إلى دمشق، وكان مخيمًا في المرج من مدة أربعة أشهر متتابعة، وهو من أعظم الرباط، وتراجع الناس إلى أوطانهم.

стр. 7254

وكان الشيخ زين الدين الفارقي قد درس بالناصرية لغيبة مدرسها كمال الدين بن الشريشي بالكرك هاربًا، ثم عاد إليها في رمضان. وفي أواخر الشهر درس ابن الزكي بالدولعية عوضًا عن جمال الدين الزرعي لغيبته. وفي يوم الإثنين قرئت شروط الذمة على أهل الذمة وألزموا بها واتفقت الكلمة على عزلهم عن الجهات، وأخذوا بالصغار، ونودي بذلك في البلد وألزم النصارى بالعمائم الزرق، واليهود بالصفر، والسامرة بالحمر، فحصل بذلك خير كثير وتميزوا عن المسلمين. وفي عاشر رمضان جاء المرسوم بالمشاركة بين أرجواش والأمير سيف الدين أقبجا في نيابة القلعة، وأن يركب كل واحد منهما يومًا، ويكون الآخر بالقلعة يومًا، فامتنع أرجواش من ذلك. وفي شوال درّس بالإقبالية الشيخ شهاب الدين بن المجد عوضًا عن علاء الدين القونوي (١) بحكم إقامته بالقاهرة. وفي يوم الجمعة الثالث عشر (٢) من ذي القعدة عزل شمس الدين بن الحريري عن قضاء الحنفية بالقاضي جلال الدين بن حسام الدين على قاعدته وقاعدة أبيه، وذلك باتفاق من الوزير شمس الدين سنقر الأعسر ونائب السلطان الأفرم. وفيها: وصلت رسل ملك التتار إلى دمشق، فأنزلوا بالقلعة ثم ساروا إلى مصر. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ حسن الكردي (٣). المقيم بالشاغور في بستان له يأكل من غلَّته ويطعم من ورد عليه، وكان يزار، فلما احتضر اغتسل وأخذ من شعره واستقبل القبلة وركع ركعات (٤)، ثم توفي ﵀ يوم الإثنين الرابع من جمادى الأولى، وقد جاوز المئة سنة. الطواشي صفيّ الدين جَوْهَر التّفْلِيسي (٥) المحدّث.

стр. 7255

اعتنى بسماع الحديث وتحصيل الأجزاء وكان حسن الخلق لين الجانب رجلًا جيدًا مباركًا صالحًا، ووقف أجزاءه التي ملكها على المحدثين. الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء (١) بن محمد الهذباني (٢) الإربلي مُتَوَلّي دمشق. كان لديه فضائلُ كثيرةٌ في التواريخ والشعر وربما جمع شيئًا في ذلك، وكان يسكن بدرب سعور (٣) يعرف به، فيقال درب ابن أبي الهيجاء، وهو أول منزل نزلناه حين قدمنا دمشق في سنة ست وسبعمئة، ختم الله لي بخير في عافية آمين، توفي ابن أبي الهيجاء في طريق مصر وله ثمانون سنة، وكان مشكور السيرة حسن المحاضرة. الأمير جمال الدين آقوش الشريفي والي الولاة بالبلاد القبلية، توفي في شوال وكانت له هيبة وسطوة وحرمة. انتهى الجزء الخامس عشر من كتاب البداية والنهاية - حسب تقسيمنا -، ويتلوه الجزء السادس عشر، وهو الأخير

стр. 7256

البداية والنهاية «٧٠١ هـ - ٧٦٨ هـ» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه حسن إسماعيل مروة راجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط - الدكتور بشار عواد معروف الجزء السادس عشر

стр. 7257

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسَّلام على خيرة خلقه محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا الجزء السادس عشر من كتاب الحافظ العماد ابن كثير "البداية والنهاية" أقدّمه متمِّمًا لما سبقه من أجزاء وقد كنت في غنىً عن التقديم له، لأن عملي في تحقيقه لم يخرج عن الخطة التي وضعتها دار ابن كثير العامرة لإخراج هذا الكتاب وفق منهج علمي متميّز، لما للكتاب من شأن كبير في مكتبتنا العربية، ولما لمصنّفه ﵀ من مكانة بين نظرائه من العلماء. غير أنّ مشاكل اعترضتني تخصُّ هذا الجزء من الكتاب، فرأيت توضيحها وبيانها منها: أولًا: إن النّسختين المصورتين (أ) و (ب) المعتمدتين في التحقيق تنتهيان إلى سنة (٧٣٨ هـ)، وتابعت بعد ذلك تحقيق القسم المتبقي مستعينًا بمراجع ومصادر تلك الفترة، خاصة تلك التي نقل أصحابها عن ابن كثير مباشرة. ثانيًا: هناك فروق كبيرة وسقط يصل أحيانًا إلى عدَّة صفحات بين المطبوع والنسخة (أ) التي اعتمدتها في التحقيق. ثالثًا: هناك آراء وأقاويل تدور حول نسبة القسم الأخير من الكتاب إلى ابن كثير، وهذا الخلاف يسير في وجهتين متضادتين تمامًا، ولكل وجهة منها من يؤيدها وينتصر لها بحججٍ ذات قيمة. القول الأوّل: إن تاريخ ابن كثير ينتهي في سنة (٧٣٨ هـ)، وما بعده ذَيْل ذيّله عليه ابن حجي ثم تابع بعده ابن قاضي شهبة. والقائل بهذا الرأي المؤرّخ العلّامة الأستاذ محمد راغب الطبّاخ، ﵀. وقد جاء ذلك في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق في المجلد ١٨: (٣٧٦ - ٣٧٧). وللأمانة أثبته بحروفه: "وصلني من عهد قريب الجزء الثالث عشر والجزء الرابع عشر من "تاريخ البداية والنهاية" للحافظ العلّامة إسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفّى سنة (٧٧٤ هـ)، فرأيته ذكر في آخر الجزء الرابع عشر

стр. 7258

حوادث سنة (٧٦٨ هـ) إلى شهر ربيع الآخر ولم يعنون لها، فعجبت لهذا لأني أعلم أن النسخة المخطوطة من هذا التاريخ المحفوظة في مكتبة المدرسة الأحمدية بحلب والتي هي في عشر مجلدات كبار تحت رقم ١٢١٧ قد انتهى التاسع منها الذي فيه الوفيات والحوادث إلى سنة (٧٣٨ هـ) وآخر العبارة فيه: كان فراعي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وسبعمئة أحسن الله خاتمتها آمين، إلى هنا انتهى ما كتبته من لدن خلق آدم - عليه وعلى نبينا أفضل الصَّلاة والسَّلام - إلى زماننا هذا. والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وتابعيهما بإحسان إلى يوم الدين. ثم هناك بخط آخر: يتلوه إن شاء الله الجزء الآخر، وهو النهاية في أمور الآخرة آخر البداية في البَعْث والنشور، والجزء العاشر يبتدئ بالملاحم والفتن في آخر الزمان وبعد التأمل في آخر الجزء الرابع عشر وجدته قال في نهاية حوادث سنة (٧٣٨ هـ) كتبه: إسماعيل بن كثير القرشي الشافعي عفا الله تعالى عنه آمين. وهنا كتب المصحح في الذيل: كذا بسائر الأصول. فهذا وذاك يفيدنا أن المؤلف قد انتهى تاريخه إلى هذه السنة، ثم قال في الأصل المطبوع: ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وسبعمئة، وأخذ في سرد حوادثها ووفياتها إلى أن ذكر بعض حوادث سنة (٧٦٨ هـ) كما تقدم، وبها ختم الكتاب. فهذه السنين أي من سنة (٧٣٩ هـ) إلى سنة (٧٦٨ هـ) هي بلا ريب لغير الحافظ ابن كثير. الشيخ العلامة الشيخ عماد الدين بن كثير درّس التفسير إلى آخره، وهنا قال المصحح: كذا بنسخ الآستانة، وفي المصرية بياض نصف صحيفة من الأصل، وهذا صريح في أنّ الكلام لغير الحافظ ابن كثير، وسقط كلام في أوّل السّنة، وعند ذلك أحببت أن أقف على مؤلف الذيل، فاخذت في البحث فرأيت مكتوبًا بخطي على هامش كشف الظنون في الكلام على هذا التاريخ، انظر ماكتب في ذيل ذيول تذكرة الحفاظ الذي طبعه السيد حسام الدين القدسي في ص (٢٥٠)، فرجعت إليه، فإذا هناك من تعليقات العلامة الفاضل الشيخ محمد زاهد الكوثري على ترجمة العلامة أحمد بن حجي المتوفى سنة (٨١٦ هـ) ما نصُّه: وكتب ذيلًا على تاريخ ابن كثير، ذكر فيه حوادث الشهر ثم من توفّي فيه، وهو مفيد جدًّا قال الحافظ السخاوي في "ضوئه" (١/ ٢٧٠) يبتدئ من سنة (٧٤١ هـ) وينتهي إلى سنة (٨١٥ هـ). قال ابن قاضي شهبة: كتب من سنة (٧٤١ هـ) ستًا ثم بدأ من سنة (٧٦٩ هـ) فكتب إلى قبيل وفاته بيسير، وكان قد أوصى لي بتكميل الخرم المذكور فأكمله. ثم رجعت إلى ضوء السخاوي (١/ ٢٧٠) وإلى الشذرات (٧/ ١١٧) فوجدت الأمر كما قال. فهنا يتبين أن هذا الذيل من سنة (٧٣٩ هـ) إلى الآخر لا (٧٤١ هـ) بعضه لأحمد بن حجي، ولعضه لابن

стр. 7259

قاضي شهبة، وأن ابن حجي ذيّله من سنة (٧٦٩ هـ) إلى سنة (٨١٥ هـ). وأن ابن قاضي شهبة ذيّله بعد ذلك إلى سنة (٨٤٠ هـ) في سبع مجلدات كبار، ثم اختصره في نحو نصفه. هذا ما ظهر لنا والله الموفق إلى الصواب". انتهى. محمد راغب الطباخ القول الثانى: إنّ هذا الكتاب مع ما يُدَّعى أنّه ذيلٌ له هما لابن كثير، والقائل به الأستاذ: محمد أحمد دهمان ﵀ وذلك في مقال نشرته مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق المجلد ٢٠ (٩٠ - ٩٣) ردًّا على قول الأستاذ الطبّاخ السابق. وأنا مثبته بتمامه أيضًا لنقف على الرأيين معًا، فبعد تلخيص لما جاء في المقال الأول يقول: "وبعد دراستي لهذا الموضوع خرجت بنتيجتين: ١ - هو أن الحافظ ابن كثير انتهى تاريخه بحوادث سنة (٧٣٨ هـ) وأنه توجد عدة نسخ خطية تنتهي بالسنة المذكورة. ٢ - أنّ المؤلف بعد أن وصل إلى هذه السنة في تاريخه ذيل عليه بعد مدة من سنة (٧٣٩ - ٧٧٤ هـ) كما في النسخة المطبوعة، وأن هذه الزيادة موجودة في بعض النسخ دون بعض، وهي للحافظ ابن كثير بلا شك ولا ريب. أما أدلّتي على الأمر الأول فهي: أولًا: النسخة الخطية الحلبية التي تكلم عنها الأستاذ الطباخ. ثانيًا: النسخة التي نقل عنها عبد القادر النعيمي المتوفَّى سنة (٩٢٧ هـ) في كتابه "تنبيه الطالب وإرشاد الدارس" الذي تكلم فيه عن مدارس دمشق ومدرسيها، فقد أخذ نصوص تاريخ ابن كثير التي تتعلق بموضوعه وجعلها في كتابه المذكور، ولكننا نراه لا يذكر شيئًا من الزيادات التي بعد سنة (٧٣٨ هـ) وما تجدد من المدارس أو الحوادث بعد هذا التاريخ فبعضه ينقله من مصادر أخرى غير ابن كثير، والبعض الآخر يهمله لعدم اطلاعه عليه مع أن في الزيادات التي بعد سنة (٧٣٨ هـ) مواد قيمة تتعلق بموضوع كتابه لا يستغنَى عنها، وفي هذا دليل على أن النسخة التي كان ينقل منها النعيمي خالية من الزيادات الموجودة في النسخة المطبوعة وهي كنسخة حلب المحفوظة في المدرسة الأحمدية. وأما أدلتي على الأمر الثاني، وهو أن الزيادة لابن كثير نفسه فهي: أولًا: إن بعض تلاميذ المؤلف تصرّف في الكتاب حين يذكر المؤلف نفسه، فإذا ذكر نفسه بالاسم الصريح وضع التلميذ للاسم ألقاب التعظيم، فحينما قال المؤلف عن نفسه [ص ٣٢١] أنه في شوال حضر عماد الدين بن كثير درس التفسير، تصرف التلميذ في العبارة وقال: أنه في شوال حضر الشيخ العلامة الشيخ عماد الدين بن كثير، وحينما يتكلم عن نفسه بضمير المتكلم يزيد تلميذه اسم شيخه ويبين أنه هو المراد في هذا الضمير كما في [ص ٢١٦] حينما يتكلم المؤلف عن نفسه في جامع المرجاني

стр. 7260

فيقول: وكنت أنا الخطيب [يعني عماد الدين المصنف تغمده الله برحمته]. ولله الحمد والمنة. فما بين الحاصرتين ظاهر البداهة في أنه يراد به تفسير الضمير في: كنت أنا الخطيب، وإن هذه الزيادة من أحد تلامذة المؤلف أو أحد أصدقائه (١)، وقد تكرر هذا التفسير مرارًا ففي [ص ٢٤٥] وفي يوم السبت عاشره - أي عاشر الشهر المتقدم ذكره وهو شعبان من سنة (٧٥٣ هـ) - اجتمعنا [يقول الشيخ عماد الدين بن كثير المصنف ﵀] بالخليفة المعتضد بالله. و [ص ٢٥٤] وصنف - يعني ابن تيمية - في ذلك مسألة مفردة وقفت عليها [يعني الشيخ عماد الدين بن كثير] فرأيتها غاية الحسن. ثانيًا: أن المؤلف يذكر عن نفسه أعمالًا وصفات لاتنطبق إلّا عليه، فيقول عن المِزّي والذَّهبي [ص ١٩٠] شيخنا جمال الدّين المِزّي: وشيخنا الحافظ الذَّهبي. ويقول في [ص ١٩٢] عن شيخه المزّي: أخبرتنا بنته زينب زوجتي. وحينما يذكر ابن تيمية يقول [ص ١٢٩]: شيخنا العلامة ابن تيمية، أو زميله ابن القيم تلميذ ابن تيمية [ص ٢٠٢، ٢٣٤] صاحبنا العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي إمام الجوزية. وبعد أن يذكر وفاة الحافظ الذَّهبي [ص ٢٢٥] يقول: وفي يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة حضرت تربة أم الصالح - رحم الله واقفها - عوضًا عن الشيخ شمس الدّين الذّهبي، وحضر جماعة من أعيان الفقهاء، وبعض القضاة، وكان درسًا مشهودًا. وإذا رجعنا إلى ترجمة الحافظ ابن كثير نرى أن جميع هذه الصفات منطبقة عليه تمام الانطباق، فما جاء في ترجمته في كتاب "تنبيه الطالب" للنُّعَيمي في بحث دار الحديث الأشرفية: صاهر الحافظ أبا الحجّاج المِزّي ولازمه، وأخذ الكثير عن ابن تيمية، وولي مشيخة تربة أم الصالح بعد الذهبي، توفي سنة (٧٧٤ هـ) ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية ومثل ذلك في شذرات الذهب. على أن المؤلف صرح باسمه في موضعين آخرين مما لا يحتمل الشك ولا التأويل ففي [ص ٣١٧]: ولما كان يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر أعني ربيع الآخر طُلب القضاة الثلاثة وجماعة من المفتين، فمن ناحية الشافعي نائباه وهما القاضي شمس الدين الغزي والقاضي بدر الدين بن وهبة والشيخ جمال الدين بن قاضي الزبداني والمصنف عماد الدين بن كثير وووو … فاجتمعت مع نائب السلطنة بالقاعة التي في صدر المكان وجلسنا حوله. وفي [ص ٢٥٦] وقفت في شهر ذي القعدة على كتاب أرسله بعض الناس إلى صاحب له من بلاد طرابُلُس وفيه: والمخدوم يعرَّفُ الشيخ عماد الدّين بالذي جرى في بلاد السواحل. وبعد فهذه أَدلّة قاطعة _________ (١) بل هو ابنه عبد الرحمن كما أشار السّخاوي ﵀ وسيأتي ذلك عمّا قليل.

стр. 7261

على أن الذيل الذي في آخر تاريخ ابن كثير هو للمؤلف نفسه، ويرجع الفضل في إظهار هذه الحقيقة إلى الأستاذ محمد راغب الطباخ الذي أبدى ملاحظاته القيمة في هذا الموضوع أولًا. وبعد كتابة هذا المقال اطلع عليه الأستاذ يوسف العش فلفت نظري إلى كتاب "إنباء الغمر" لابن حجر وبعد الرجوع إليه إذا به يقول في خطبة الكتاب: هذا تعليق جمعت فيه حوادث الزَّمان الذي أدركته منذ مولدي [ثلاث وسبعين وسبعمئة] وهذا الكتاب يحسن من حيث الحوادث أن يكون ذيلًا على ذيل تاريخ الحافظ عماد الدين بن كثير فإنه انتهى في تاريخه إلى هذه السّنة. انتهى. وكلامه صريح ومؤيد لما ذهبنا إليه، وهو يفيدنا بأن النّسخة المطبوعة من تاريخ ابن كثير ينقص من آخرها حوادث خمس سنوات". انتهى محمد أحمد دهمان وبعد: فلقد وفقني الله إلى تحقيق وإخراج كتاب: "الذيل التام لتاريخ دول الإسلام" للإمام الحافظ المؤرخ شمس الدين أبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفّي سنة (٩٠٢ هـ) ﵀، وكل اعتقادي أن أحدًا من الذين كتبوا حول هذه النقطه له يطّلع على ما قاله السّخاوي في كتابه هذا، وإلّا فإنَّ ما جاء فيه جدير بالوقوف عنده والإشارة إليه. ولقد تزامن إخراجي لهذا الكتاب مع عملي في تحقيق الجزء السادس عشر من "البداية والنهاية" وهذا من فضل ربي وتوفيقه. وممّا لفت انتباهي كثرة نقول السّخاوي عن ابن كثير، فوقفت أستقرئ هذه النقول وأوازن بينها وبين ما قيل عن ذيل تاريخ ابن كثير فوصلت إلى ما يلي: أولًا: لقرب عهد السّخاوي من ابن كثير ولكونه تلميذًا لابن حجر صاحب "إنباء الغمر" الذي اعتبر كتابه ذيلًا لكتاب ابن كثير، ولقرب عهده من أحمد بن حجّي وابن قاضي شهبه اللّذين نُسب إليهما الذّيل، ولكون كتاب ابن كثير من مصادر السّخاوي الرئيسَة، كان من الممكن، بل ومن المؤكد أن يشير إلى هذه النقطة الخلافية في عزو الذّيل لو كان هذا الأمر واقعًا، إلّا أنه لم يفعل. ثانيًا: لقد كانت نُقُوله عن ابن كثير حرفيَّة، أضمع بعضًا منها للاستئناس. - ففي سنة (٧٤٥ هـ) وفي الصفحة (٦٩) يقول السخاوي في مسألة قتل الكلاب في دمشق، قال ابن كثير: "وكان الأولى قتلهم بالكلّية ثم أحرقوا … ". - وفي سنة (٧٤٩ هـ) ص (٩٧) قال السخاوي لدى حديثه عن طاعون القاهرة: قال ابن كثير: "المكثر يقول: ثلاثون، والمقلِّلُ يقول: أحد عشر .... ".

стр. 7262

- وفي سنة (٧٥٠ هـ) ص (١٠٨) قال السخاوي في معرض حديثه عن مقتل أركون شاه: قال ابن كثير: "إنّه أُثبتَ محضرٌ بذبحه نفسه". - وفي سنة (٧٥١ هـ) ص (١١٦) يقول في معرض ترجمته للشمس بن قيم الجوزية: قال ابن كثير: "لا أعرف في زماننا من أهل العلم أكثر عبادة منه". - وفي سنة (٧٥٣ هـ) ص (١٢٧) يقول في معرض حديثه عن الخليفة المعتضد بالله: قال ابن كثير: "شابٌّ حسن الشكل، مليحُ الكلام، متواضعٌ، جيد الفهم، حلو العبارة". - وفي السنة نفسها ص (١٣٠) يقول: قال الحافظ العماد بن كثير: "إنه اجتمع بالمعتضد حين كان مع الصّالح في كائنة بَيْبُغَا أُروس بدمشق، وهو الخليفة فيها وإنّه حج في التي قبلها وعاد إلى مصرَ سريعًا بسبب الخلاف". - وفي سنة (٧٦٢ هـ) ص (١٨٢) يقول: وحكى ابن كثير محرّمها أنه أُحضر حسن بن الخياط … " ونقل الخبر كاملًا عنه. - وفي سنة (٧٦٨ هـ) ص (٢١٩) يقول: وكذا قال ابن كثير في ذلك أبياتًا. - وفي سنة (٧٦٩ هـ) ص (٢٢٧) يقول لدى حديثه عن الطاعون: قال ابن كثير. وفيها أيضًا ولدى ترجمته للعلَّامة النحوي ابن عقيل ﵀ يقول: قال ابن كثير: "أحد علماء الشَّافعية والعربية بمصر، وذو التصانيف الكثيرة المفيدة وكانت فيه رئاسة وحشمة وتجمُّل، وله جوامك كثيرة، وتوسُّع في الملابس والمآكل، وحجّ رجبيًّا في التي قبلها، وكان بمكة في هيئته ونفقاته". - وفي سنة (٧٧٣ هـ) ص (٢٥٢) ولدى حديثه عن تولية الخطيب برهان الدين بن جماعة قضاء الشّافعية بمصر قال: قال ابن كثير: "وما سمعنا في هذه الأعصار بولاية أكمل منها ولا أبعد عن تهمة الرّشوة" وفيها أيضًا، ولدى ترجمته للبهاء أبي حامد أحمد بن علي بن عبد الكافي السُّبكي قال: قال ابن كثير: "كان قانتًا عابدًا كثير الحج". - وفي أحداث سنة (٧٧٤ هـ) أشار إلى انتهاء كتاب "الوفيات" لابن رافع في جمادى الثانية، ثم قال: وفي أثناء شعبانها - أي سنة ٧٧٤ هـ - انتهى تاريخ العماد بن كثير، وكان حين ضرره وضعفه يملي فيه على ولده عبد الرحمن. بعد هذا الاستقراء نستنتج أن النسخة التي اعتمدها السخاوي من كتاب "البداية والنهاية" تنتهي إلى شعبان سنة (٧٧٤ هـ) لا كما هو متوهم إلى سنة (٧٦٨ هـ) فضلًا عما يقال عن انتهائه سنة (٧٣٨ هـ).

стр. 7263

- والآن .... لو أضفنا هذه الأدلة إلى ما قدّمه الأستاذ محمد أحمد دهمان ﵀ لقطعنا بما يشبه اليقين بأن الكتاب كلَّه لابن كثير، بل ونحن الآن ننتظر الوقوع على القسم المفقود في مكان ما، كي يُلحق الفرع بالأصل، ويقطع الشك باليقين. والله الهادي إلى الصواب. وأخيرًا: كل الشكر إلى دار ابن كثير العامرة التي عملت على إخراج هذا الكتاب القيم، وأعطته كل ما هو أهلٌ له من العناية وللعاملين فيه من الرعاية، ولما لها من باع طويل في خدمة تراثنا المجيد، لربط الحاضر الزاهر بالماضي المشرق الباهر، نفعهم الله وأثابهم في الدارين. واللهَ أسألُ أن يوفقنا إلى أحسن الأعمال، وأن يختم لنا بالحسنى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. حسن إسماعيل مَرْوة دمشق الشام - معوبا الجمعة ٢٧ رجب المعظم ١٤١٢ هـ ٣١ كانون الثاني ١٩٩٢ م

стр. 7264

ثم دخلت سنة إحدى وسبعمئة استُهِلَّت والحُكَّام هم المذكورون في التي قبلها، والأمير سيف الدين سلّار (١) بالشام، والأفرم نائب دمشق (٢). وفي أولها عُزل الأمير قَطْلُبَك (٣) عن نيابة البلاد السّاحلية، وتولّاها الأمير سيف الدين أسَنْدَمُر (٤). وعزل عن وزارة مصر شمس الدين الأعسر (٥). وتولّى سيف الدين أقبجا المنصوري (٦) نيابة غزَّة، وجعل عوضه بالقلعة الأمير سيف الدين بهادر السَّنُجري (٧)، وهو من الرَّحبة. وفي صفر: رجعت رسل ملك التتر من مصرَ إلى دمشقَ فتلقّاهم نائبُ السلطنة والجيشُ والعامة. وفي نصف صفر ولي تدريس النورية (٨) الشيخ صدر الدين علي البُصراوي الحنفي عوضًا عن الشيخ ولي الدين السمرقندي، وإنما كان وَليَها ستةَ أيام، ودرَّس بها أربعة دروس بعد بني الصدر سليمان، الذي توفي وكان من كبار الصالحين، يصلّي كل يوم مئة ركعة. وفي يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول جلس قاضي القضاة وخطيب الخطباء بدر الدين بن جَماعة بالخانقاه السُّميساطية (٩) شيخ الشيوخ بها عن طلب الصوفية له في ذلك (١٠)، ورغبتهم فيه، وذلك بعد وفاة الشيخ يوسف بن حمويه الحمويي (١١). وفرحت الصوفية به وجلسوا حوله، ولم تجتمع هذه المناصب

стр. 7265

قبله لغيره (١)، ولا بلغنا أنّها اجتمعت لأحد بعده إلى زماننا هذا: القضاءُ والخَطابةُ ومَشْيَخَةُ الشُيوخ (٢). وفي يوم الإثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول قُتِلَ الفَتْحُ أحمد بن البَقَقِي (٣) بالدِّيار المصرية، حكم فيه القاضي زين الدين بن مخلوف المالكي بما ثبت عنده من تنقُّصه (٤) للشريعة واستهزائه بالآيات المحكمات، ومعارضة المشتبهات بعضها ببعض. يُذكر عنه أنّه كان يُحِلُّ المحرّمات من اللواط والخمر وغير ذلك، لمن كان يجتمع به (٥) من الفَسَقة من التُّرك وغيرهم من الجهلة. هذا وقد كان له فضيلة وله اشتغال وهيئة جميلة في الظاهر، وبِزَّته ولبسته جيدة، ولما أوقف عند شباك دار الحديث الكامِلية (٦) بين القَصْرَيْن استعان (٧) بالقاضي تقي الدين بن دقيق العيد وقال: ما تعرف مني؟ فقال: [إنما] (٨) أعرف منك الفضيلة، ولكن حكمك إلى القاضي زين الدين، فأمر القاضي للوالي أن يضرب عنقَه. فضُرِب عُنقُه وطِيف برأسه في البلد، ونوديَ عليه: هذا جزاء من طعن في الله ورسوله. قال البرزالي في "تاريخه" (٩): وفي وسط شهر ربيع الأول ورد كتابٌ من بلاد حماةَ من جهة قاضيها يخبر فيه أَنّه وقع في هذه الأيام ببارِيْنْ (١٠) من عمل حماة بَرَدٌ كِبار على صُور حيوانات مختلفة شتى؛ سباع وحَيّات وعقاربَ وطيورٍ ومَعَزٍ ونساءً، ورجالٍ في أوساطهم حَوَائص (١١)، وأن ذلك ثبت بمحضر عند قاضي الناحية، ثم نُقل ثبوتُه إلى قاضي حماة.

стр. 7266

وفي يوم الثلاثاء عاشر ربيع الآخر شُنِقَ الشيخُ علي الحوراني (١) بوّاب الظاهرية على بابها، وذلك أنه اعترف بقتل الشيخ زين الدّين السَّمرقندي. وفي النصف منه حضر القاضي بدر الدين بن جَماعة تدريس الناصرية الجوّانية عوضًا عن كمال الدين بن الشُّريشي (٢)، وذلك أنّه ثبت محضر أنّها لقاضي الشافعية بدمشق، فانتزعها من يد ابن الشريشي. وفي يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى قدم الصدر علاء الدين بن شرف الدين بن القلانسي (٣) على أهله من بلاد التتر بعد الأسر (٤) سنتين وأيامًا، وقد حبس مدَّةً ثم لطف الله به وتلطَّف حتى تخلَّص منهم ورجع إلى أهله، ففرحوا به. وفي سادس جمادى الآخرة قَدِم البريدُ من القاهرة، وأخبر بوفاة أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر الله العباسي، وأن ولده وليَ الخلافةَ من بعده، وهو أبو الربيع سليمان، ولقب بالمستكفي بالله، وأنه حضر جنازته الناسُ كلُّهُم مُشاةً، ودُفن بالقرب من الست نفيسة، وله أربعون سنة في الخلافة. وقدم مع البريد تقليد بالقضاء لشمس الدين [بن] (٥) الحريري الحنفي، ونظر الدواوين لشرف الدين بن مزهر (٦). واستمرت الخاتونية الجوانية (٧) بيد القاضي جلال الدين بن حسام الدين بإذن نائب السلْطنة. وفي يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة خُطب للخليفة المستكفي بالله وتُرُحِّم على والده بجامع دمشق، وأعيدت الناصرية إلى ابن الشريشي. [وعزل عنها ابن جَماعة] (٨) ودرَّس بها يوم الأربعاء الرابع عشر من جمادى الآخرة. وفي شوال قدم إلى الشام جَرادٌ عظيم أكل الزرع والثمار، وجرّد الأشجار حتى صارت مثل العِصِي، ولم يُعهَد مثل هذا. وفي هذا الشهر عُقد مجلس لليهود الخيابرة وأُلزِموا بأداء الجزية أُسْوةَ أمثالِهم مت اليهود، فأحضروا كتابًا معهم يزعمون أنّه من رسول الله ﷺ بوضع الجزية عنهم، فلما وقف عليه الفقهاء تبينوا أنّه مكذوبٌ

стр. 7267

مفتعل لِمَا فيه من الألفاظ الركيكة، والتواريخ المخبطة، واللّحن الفاحش، وحاقَقَهُم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وبيَّنَ لهم خطأهم وكذبهم، وأنه مزوَّر مَكْذوب، فأنابوا إلى أداء الجزية، وخافوا من أن تُستعاد منهم السِنُونَ (١) الماضية. قلت: وقد وقفت أنا على هذا الكتاب فرأيت فيه شهادة سعد بن معاذ عام خيبر، وقد توفي سعدٌ قبل ذلك، وشهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم إذ ذاك، وإنما أسلم بعد ذلك (٢) بنحوٍ من سنتين: وفيه: (وكتب علي بن أبي طالب) وفيه (٣) لحن لا يصدر عن أمير المؤمنين علي، لأن علم النحو إنما أُسند إليه من طريق أبي الأسود الدؤلي عنه، وقد جمعت فيه جزءًا مفردًا، وذكرت ما جرى فيه أيام القاضي الماورْدي (٤)، وكبار أصحابنا في ذلك العصر، وقد ذكره في "الحاوي" وصاحب "الشامل" (٥) في كتابه، وغير واحد، وبيَّنوا خطاه ولله الحمدُ والمِنَّةُ. وفي هذا الشهر ثار جماعة من الحَسَدة على الشيخ تقي الدين بن تيمية، وشَكَوا منه أنه يقيم الحدود ويُعزِّر، ويَحلق رؤوس الصبيان، وتكفم هو أيضًا فيمن يشكو منه ذلك، وبيَّن خطأهم، ثم سكنت الأمور. وفي ذي القعدة ضربت البشائر بقلعة دمشق أيامًا بسبب فتح أماكن من بلاد سِيْس (٦) عَنْوة، فتحها المسلمون، ولله الحمد. وفيه قدم عِزُّ الدين بن مبشر (٧) على نظر الدواوين عوضًا عن ابن مزهر. وفي يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة حضر عبد السيد بن المهذب ديَّان اليهود إلى دار العدل ومعه أولاده فأسلموا كلهم، فأكرمهم نائب السلطنة، وأمر أن يركب بخِلْعة وخلفه الدَّبَادِب (٨) تضرب والبوقات إلى داره، وعمل ليلتئذ خَتْمة عظيمة حضرها القضاةُ والعلماء، وأسلم على يديه جماعة كبيرة من اليهود، وخرجوا يوم العيد كلّهم يكبّرون مع المسلمين، وأكرمهم الناس إكرامًا زائدًا.

стр. 7268

وقدمت رُسُلُ ملِك التتار في سابع عشر ذي الحجّة، فنزلوا بالقلعة، وسافروا إلى القاهرة بعد ثلاثة أيام. وبعد مسيرهم بيومين مات أرجواش (١)، وبعد موته بيومين قَدِم الجيشُ من بلاد سِيْس وقد فتحوا جانبًا منها، فخرج نائب السلطنة والجيشُ لتلقَيهم، وخرج الناس للفُرْجة على العادة، وفرحوا بقدومهم ونصرهم. وممن توفي فيها من الأعيان: أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر الله: أبو العباس أحمد بن (بن أبي علي بن أبي بكر ابن) (٢) المسترشد بالله الهاشمي العباسي البغدادي المصري (٣)، بويع بالخلافة في الدولة الظاهرية في أول سنة إحدى وستين وستمئة، فاستكمل أربعين سنة في الخلافة. وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى. وصُلّي عليه وقت صلاة العصر بسوق الخيل بمصر، وحضر جنازته الأعيان ورجال الدولة كلّهم مشاةً. وكان قد عهد بالخلافة إلى ولده المذكور أبي الربيع سليمان. خلافة المستكفي بالله (٤) أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله العباسي لما عهد إليه أبوه كُتب تقليده بذلك وقُرئ بحضرة السلطان ورجال الدولة يوم الأحد العشرين من ذي الحجّة من هذه السنة، وخُطب له على المنابر بالديار المصرية والشامية، وسارت بذلك البريدية إلى جميع البلاد الإسلامية. وتوفي فيها: الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله النجيبي الدوادار (٥): والي دمشق، وأحد أمراء الطبلخانة (٦) بها، وكان مشكور السيرة، ولم تطل مدته، ودفن بقاسيون.

стр. 7269

توفي يوم الثلاثاء سادس عشر ربيع الأول. الشيخُ الإمام العالم شرف الدين أبو الحسين، علي (١): ابن الشيخ الإمام العالم العلّامة الحافظ الفقيه تقي الدين، أبي عبد الله، محمد بن الشيخ أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن محمد اليُوْنِيني البَعْلَبَكّي، وكان أكبر من أخيه الشيخ قطب الدين (٢) بن الشيخ الفقيه. ولد شرف الدين سنة إحدى وعشرين وستمئة فأسمعه أبوه الكثير، وتفقّه واشتغل، وكان عابدًا عاملًا كثير الخشوع، دخل عليه إنسان وهو بخزانة الكتب، فجعل يضربه بعصا في رأسه ثم بسكين، فبقي متمرضًا أيامًا، ثم توفي إلى رحمة الله يوم الخميس حادي عشر رمضان ببعْلَبَك، ودفن بباب بطحا، وتأسف الناس عليه لعلمه، وعمله، وحفظه الأحاديث، وتودُّدِه إلى الناس، وتواضعه، وحسن سَمْته، ومروءته. تغمده الله برحمته. الصدر ضياء الدين أحمد بن الحسين (٣) ابن شيخ السلامية: والد القاضي قطب الدين موسى (٤) الذي تولى فيما بعد نظر الجيش بالشام وبمصر أيضًا، توفي يوم الثلاثاء عشرين ذي القعدة، ودفن بقاسيون، وعمل عزاؤه بالرواحية. الأمير الكبير المرابط المجاهد علم الدين أَرْجَوَاش بن عبد الله المنصوري (٥): نائب القلعة بالشام، كان ذا هيبة وهمة وشهامة وقصد صالح، قدَّر الله على يديه حفظ معقل المسلمين لما ملكت التتار الشام أيام قازان، وعصت عليهم القلعة، ومَنَعَها الله منهم على يدَي هذا الرجل، فإنه التزم أن لا يسلمها إليها ما دام بها عين تطرف، واقتدت بها بقية القلاع الشامية (٦). وكانت وفاته بالقلعة ليلة السبت الثاني والعشرين من ذي الحجّة، وأُخرِج منها ضحوةَ يوم السبت، فصُليّ عليه، وحضر نائبُ السلطنة فمَن دونه جنازتَه، ثم حُمل إلى سفح قاسيون، ودفن بتربته. ﵀. الأَبَرْقُوْهِي المُسْند المعمَّر المصري: هو الشيخ الجليل المسند الرحلة، بقيةُ السلَف شهاب الدين

стр. 7270

أبو المعالي أحمد بن إسحاق (١) بن محمد بن المؤيد بن علي بن إسماعيل بن أبي طالب، الأَبَرْقُوْهي الهَمْداني ثم المصري. وُلد بأَبَرْقُوه من بلاد شيراز في رجب أو شعبان سنة خمس عشرة وستمئة، وسمع الكثير من الحديث على المشايخ الكثيرين، وخرجت له مشيخات، وكان شيخًا حسنًا لطيفًا مطيقًا، توفي بمكة بعد أن خرج الحجيج بأربعة أيام ﵀. وفيها توفي صاحب مكة الشريف أبو نُمَي محمد (٢) ابن الأمير أبي سعد حسن بن علي بن قتادة الحسني: صاحب مكة منذ أربعين سنة. وكان حليمًا وقورًا، ذا رأي وسياسة وعقل ومروءة. وفيها ولد كاتبه (٣) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي (٤) الشافعي عفا الله عنه، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة اثنتين وسبعمئة من الهجرة استهلت (٥) والحُكَّام هم المذكورون في التي قبلها. وفي يوم الأربعاء ثاني صفر فُتحت جزيرة أرواد بالقرب من أنطرسوس (٦)، وكانت من أضر الأماكن على أهل السواحل، فجاءتها المراكب من الديار المصرية في البحر وأردفها جيوش طرابلس، ففُتحت ولله الحمد إلى نصف النهار، وقتلوا من أهلها قريبًا من ألفين، وكانت الأسرى قريبًا من خمسمئة (٧)، وكان فتحها من تمام فتح السواحل، وأراح الله المسلمين من شر أهلها. وفي يوم الخميس السابع عشر من شهر صفر وصل البريد [من الديار المصرية] (٨) إلى دمشق، فأخبر بوفاة قاضي القضاة ابن دَقِيْق العِيْد، ومعه كتابٌ من السلطان إلى قاضي القضاة ابن جَماعة (٩)، فيه تعظيم له واحترام وإكرام، يستدعيه إلى قربه ليباشر وظيفَة القضاة بمصر على عادته، فتهيأ لذلك، ولما خرج،

стр. 7271

خرج معه نائب السلطنة [الأفْرم] (١) وأهل الحَلّ والعقد، وأعيان الناس ليودِّعوه. وستأتي ترجمة ابن دقيق العيد في الوفيات. ولما وصل ابن جَماعة إلى مصر أكرمه السلطان إكرامًا زائدًا (٢)، وخلع عليه خلعة صوف وبغلةً تساوي ثلاثة آلاف درهم، وباشر الحكم بمصر يوم السبت رابع ربيع الأول. ووصلت رسل التتار في أواخر ربيع الأول قاصدين بلاد مصر، وباشر الشيخ (٣) شرف الدين الفزاري مشيخة دار الحديث الظاهرية (٤) يوم الخميس ثامن ربيع الآخر عوضًا عن الشيخ (٥) شرف الدين الناسخ، وهو أبو حفص عمر بن محمد بن عمر بن حسن بن خواجا إمام، الفارسي، توفي بها عن سبعين سنة، وكان فيه بِرٌّ ومعروف وأخلاف حسنة. رحمه الله تعالى. وذكر الشيخ شرف الدين المذكور درسًا مفيدًا، وحضر عنده جماعة من الأعيان. وفي يوم الجمعة حادي عشر (٦) جمادى الأولى خلع على قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى (٧) بقضاء الشام عوضًا عن ابن جَمَاعة. وعلى الفارقي (٨) بالخطابة. وعلى الأمير ركن الدين بيبرس التِلَاوي (٩) بشدِّ الدواوين وهنَّأهم الناس. وحضر نائب السلطنة والأعيان المقصورة لسماع الخطبة. وقُرئ تقليد ابن صَصْرَى بعد الصلاة، ثم جلس في الشباك الكمالي وقُرئ تقليدُه مرةً ثانية. وفي جمادى الأولى وقع بيد نائب السلطنة كتابٌ مزوَّر فيه أن الشيخ تقي الدين بن تيمية (١٠) والقاضي شمس الدين بن الحريري (١١) وجماعة من الأمراء والخواص بباب السلطنة يناصحون التتر (١٢)، ويريدون تولية قبجق (١٣) على الشام، وأن الشيخ كمال الدين بن

стр. 7272

الزَّمْلَكَاني (١) يعلمهم بأحوال الأمير جمال الدين الأفرم، وكذلك كمال الدين بن العطا (٢). فلما وقف عليه نائب السلطنة عرف أن هذا مفتعل، ففحص عن واضعه فإذا هو فقيرٌ كان مجاورًا بالبيت الذي كان مجاور محراب الصحابة (٣)، يقال له: اليعفوري، وآخر معه يقال له: أحمد الغناري، وكانا معروفين بالشرِّ والفضول، ووجد معهما مسوَّدَة هذا الكتاب، فتحقق نائب السلطنة ذلك، فَعُزِّرا تعزيرًا عنيفًا، ثم وسطا بعد ذلك. [في مستهل جمادى الآخرة] (٤) وقطعت يد الكاتب الذي كتب لهما هذا الكتاب، وهو التاج المناديلي. وفي أواخر جمادى الأولى انتقل الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصوري إلى نيابة القلعة عوضًا عن أرجواش. عجيبة من عجائب البحر (٥) قال الشيخ علم الدين البِززالي في (تاريخه): قرأت في بعض الكتب الواردة من القاهرة أنه لما كان بتاريخ يوم الخميس رابع جمادى الآخرة ظهرت دابة، عجيبة الخِلْقة، من بحر النيل إلى أرض المنوفية، بين بلاد منية مسعود واصطباري والراهب، وهذه صفتها: لونها لون الجاموس بلا شعر، وآذانها كآذان الجمل، وعيناها وفرجها مثل الناقة، يغطي فرجَها ذنبٌ طوله شبر ونصف كذنب (٦) السمكة، ورقبتها مثل غلظ الكيس المحشو تبنًا، وفمها وشفتاها مثل الكِرْبال (٧)، ولها أربعة أنياب، اثنان من فوق واثنان من أسفل، طول كل واحد دون الشبر في عرض إصبعين، وفي فمها ثمانية وأربعون ضرسًا وسنًا مثل بيادق الشطرنج، وطول يدها من باطنها إلى الأرض شبران ونصف، ومن ركبتها إلى حافرها مثل بطن الثعبان، أصفر مجعَّد، ودور حافرها مثل السُّكُرُّجَة بأربعة أظافير مثل أظافير الجمل، وعرض ظهرها مقدار ذراعين ونصف، وطولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدمًا وفي بطنها ثلاثة كروش، ولحمها أحمر له زفرة مثل السمك، وطعمه كلحم الجمل، وغلظ جلدها أربعة أصابع ما تعمل فيه السيوف، وحمل جلدها على خمسة جمال في مقدار ساعة من ثقله على جمل بعد جمل، وأحضروه إلى بين يدى السلطان بالقلعة وحشوه تبنًا وأقاموه بين يديه، والله أعلم.

стр. 7273

وفي شهر رجب قويت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك واشتد خوفهم جدًّا، وقَنَتَ الخطيب في الصلوات، وقُرِئ البخاري، وشرع الناس في الجَفَل (١) إلى الديار المصرية والكَرَك والحصون المنيعة، وتأخر مجيء العساكر المصرية عن إبّانها، فاشتد لذلك الخوف. وفي شهر رجب باشر نجم الدين بن أبي الطيب نظر الخزانة عوضًا عن أمين الدين سليمان. وفي يوم السبت ثالث شعبان باشر مشيخة الشيوخ بعد ابن جماعة القاضي ناصر الدين عبد السلام (٢)، وكان جمال الدين الزرعي (٣) يسد الوظيفة إلى هذا التاريخ. وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان بالعساكر من مصر لمناجزة التتار [المخذولين] (٤). وفي هذا اليوم بعينه كانت وقعة عُرض (٥) وذلك أنّه التقى جماعة من أمراء الإسلام فيهم أسَنْدَمُر (٦) وبَهَادُر آص (٧) وكجكن وغرلو العادلي (٨)، وكلٌّ منهم سيف من سيوف الدين (٩) في ألف وخمسمئة فارس، وكان التتار في سبعة آلاف مقاتل (١٠)، فاقتتلوا، وصبر المسلمون صبرًا جيدًا، فنصرهم الله وخذل التتر، فقتلوا منهم خلقًا وأسروا آخرين، وولوا عند ذلك مدبرين، وغنم المسلمون منهم غنائم، وعادوا سالمين لم يفقد منهم إلا القليل ممن أكرمه الله بالشهادة، ووقعت البطاقة بذلك، ثم قدمت الأسارى يوم الخميس نصف شعبان، وكان يوم خميس النصارى. أوائل وقعة شقحب (١١) وفي ثامن عشر قدمت طائفة من جيش المصريين، فيهم الأمير ركن الدين بِيْبَرس

стр. 7274

الجَاشَنْكير (١)، والأمير حسام الدين لاجين المعروف بالإستادار (٢) المنصوري، والأمير سيف الدين كراي المنصوري (٣)، ثم قدمت بعدهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين أمير سلاح، وأيبك الخزندار، فقويت القلوب، واطمأن كثير من الناس، ولكن الناس في جَفَل عظيم من بلاد حلب وحماة وحمص وتلك النواحي، وتقهقر الجيش الحلبي والحموي إلى حمص، ثم خافوا أن يدهمهم التتر، فجاؤوا، فنزلوا المرج يوم الأحد خامس (٤) شعبان، ووصل التتار إلى حمص وبعلبك، وعاثوا في تلك الأراضي فسادًا، وقلق الناس قلقًا عظيمًا، وخافوا خوفًا شديدًا، واختبط البلد لتأخُّر قدوم السلطان ببقية الجيش، وقال الناس: لا طاقة لجيش الشّام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لكثرتهم، وإنما سبيلهم أن يتأخروا عنهم مرحلة مرحلة. وتحدث الناس بالأراجيف، فاجتمع الأمراء يوم الأحد المذكور بالميدان، وتحالفوا على لقاء العدو، وشجَّعوا أنفسهم، ونودي بالبلد أن لا يرحل أحدٌ منه، فسكن الناس وجلس القضاة بالجامع وحلَّفوا جماعة من الفقهاء والعامة على القتال، وتوجّه الشيخُ تقي الدين بن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم في القُطَيِّفة (٥) فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم، وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يحلف للأمراء والناس إنكم في هذه الكرة منصورون، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠]. وقد تكلَّم النّاسُ في كيفية قتال هؤلاء التتر من أي قبيل هو، فإنهم يُظهِرون الإسلام وليسوا بغاةً على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه. فقال الشيخ تقي الدين: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليٍّ ومعاويةَ، ورأَوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبِّسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك، وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم ونياتهم، ولله الحمد. ولما كان يوم الرابع والعشرين من شعبان خرجت العساكر الشَّامية فخيَّمت على الجسور من ناحية

стр. 7275

الكُسْوَة (١)، ومعهم القضاة، فصار الناس فيهم فريقين: فريق يقولون: إنما ساروا ليختاروا موضعًا للقتال، فإن المرج فيه مياه كثيرة فلا يستطيعون معها القتال، وقال فريق: إنّما ساروا إلى تلك الجهة ليهربوا وليلحقوا بالسلطان. فلما كانت ليلة الخميس ساروا إلى ناحية الكُسْوَة فقويت ظنون الناس في هربهم، وقد وصلت التتار إلى قَارَةَ (٢)، وقيل: إنهم وصلوا إلى القُطَيِّفة، فانزعج الناس لذلك انزعاجًا (٣) شديدًا، ولم يبق حول القرى والحواضر أحد، وامتلأت القلعة والبلد، وازدحمت المنازل والطرقات، واضطرب الناس، وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية صبيحة يوم الخميس من الشهر المذكور من باب النصر بمَشَقَّةٍ كبيرة، وصحِبته جماعة ليشهد القتالَ بنفسه ومن معه، فظنُّوا أنَّه إنَّما خرج هاربًا فحصل اللَّومُ من بعض الناس، وقالوا: أنت منعتنا من الجَفَل، وها أنت هارب من البلد؟ فلم يرد عليهم، وبقي البلد ليس فيه حاكم، وعاثت (٤) اللُّصوص والحرافيش فيه وفي بساتين الناس يخربون وينتهبون ما قدروا عليه، ويقطعون المشمش قبل أوانه والباقلاء والقمح وسائر الخضراوات، وحيل بين الناس وبين خبر الجيش وانقطعت الطرق إلى الكُسْوة، وظهرت الوحشة على البلد والحواضر، وليس للناس شغل غير الصعود إلى المآذن ينظرون يمينًا وشمالًا، وإلى ناحية الكُسْوة فتارة يقولون: رأينا غبرة فيخافون أن تكون من التتر، ويتعجبون من الجيش مع كثرتهم وجودة عدتهم وعددهم، أين ذهبوا؟ فلا يدرون ما فعل الله بهم، فانقطعت الآمال وألح الناس في الدعاء والابتهال وفي الصّلوات وفي كل حال، وذلك يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان، وكان الناس في خوف ورعب لا يعبَّر عنه، لكن كان الفرج من ذلك قريبًا، ولكن أكثرهم لا يعلمون (٥)، كما جاء في حديث أبي رزين (٦): "عَجِبَ رَبُّكَ مِنْ قُنُوْطِ عبادِهِ وقُرْبِ غِيَرِهِ ينظر إليكم أَزْلين قنطينَ، فيظَلُّ يضحَكُ يعلم أن فَرَجَكُم قَرِيْبٌ" (٧). فلما كان آخر هذا اليوم وصل الأمير فخر الدين إياس (٨) المرقبي أحد أمراء دمشق، فبشَّرَ الناس

стр. 7276

بخير، هو أن السلطان قد وصل وقت اجتمعت العساكر المصرية والشامية (١)، وقد أرسلني أكشف هل طَرَقَ البلدَ أحدٌ من التتر، فوجد الأمر كما يُحب [لم يطرقها أحد منهم] (٢)، وذلك أن التتار عرجوا من دمشق إلى ناحية العساكر المصرية، ولم يشتغلوا بالبلد، وقد قالوا: إن غَلَبنا، فالبلد لنا، وإن غُلبنا فلا حاجة لنا به، ونودي بالبلد بتطييب الخواطر، وأن السلطان قد وصل، فاطمأن الناس وسكنت قلوبهم (٣)، وأثبت الشهر ليلة الجمعة القاضي تقي الدين الحنبلي، فإن السماء كانت مغيمة، فعلقت القناديل، وصليت التراويح، واستبشر الناس بشهر رمضان وبركته، وأصبح الناس يوم الجمعة في هَمٍّ شديد وخوف أكيد، لأنهم لا يعلمون ما خبر الناس. فبينما هم كذلك إذ جاء الأمير سيف الدين غرلو العادلي، فاجتمع بنائب القلعة، ثم عاد سريعًا إلى العسكر، ولم يدر أحد ما أخبر به، ووقع الناس في الأراجيف والخوض. صفة وقعة شَقْحَب أصبح النّاسُ يومَ السبت على ما كانوا عليه من شدة الخوف وضيق الأمر، فرأوا من المآذن سوادًا وغبرة من ناحية العسكر والعدوّ، فغلب على الظنون أن الوقعة في هذا اليوم، فابتهلوا إلى الله بالدعاء في المساجد والبلد، وطلع النساء والصغار على الأسطحة وكشفوا رؤوسهم، وضج البلد ضجة عظيمة، ووقع في ذلك الوقت مطر عظيم غزير، ثم سكن الناس، فلما كان بعد الظهر قُرِئت بطاقةٌ بالجامع تتضمن أن في الساعة الثانية من نهار السبت هذا اجتمعت الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان في مرج الصُّفَّر (٤)، وفيها طلب الدعاء من الناس والأمر بحفظ القلعة. والتحرُّز على الأسوار. فدعا الناس في الجامع والبلد، وانقضى النهار، وكان يومًا مزعجًا هائلًا، وأصبح الناس يوم الأحد يتحدَّثون بكسر التتر، وخرج الناس إلى ناحية الكُسْوة، فرجعوا ومعهم شى من المكاسب، [ومعهم رؤوس من رؤوس التتر] (٥)، وصارت أدلة كسرة التتار تقوى وتتزايد قليلًا قليلًا حتى اتضحت جملة، ولكن الناس لِمَا عندهم من شدة الخوف وكثرة التتر لا يصدِّقون، فلما كان بعد الظهر قُرِئ كتابُ السلطان إلى متولّي القلعة يخبر فيه باجتماع الجيش ظهر يوم السبت بشَقْحَب وبالكُسْوة، ثم جاءت بطاقةٌ بعد العصر من نائب السلطان جمال الدين آقوش الأَفرم إلى نائب القلعة مضمونها أن الوقعة كانت من العصر يوم السبت إلى الساعة الثانية من يوم الأحد، وأن السيف كان يعمل في رقاب التتر ليلًا ونهارًا وأَنّهم هربوا وفرُّوا

стр. 7277

واعتصموا بالجبال والتلال، وأَنّه لم يسلم منهم إلا القليل، فأمسى الناس وقد استقرت خواطرهم، وتباشروا لهذا الفتح العظيم والنّصر المبارك، ودقّت البشائر بالقلعة من أول النهار المذكور، ونُودي بعد الظهر بإخراج الجُفَّال (١) من القلعة لأجل نزول السُّلطان بها، وشرعوا في الخروج. وفي يوم الإثنين رابع الشهر رجع الناس من الكُسْوة إلى دمشق، فبشَّروا النَّاس بالنَّصر. وفيه دخل الشيخ تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من الجهاد، ففرح النّاس به ودعَوْا له وهنّؤوه بما يسر الله على يديه من الخير، وذلك أَنّه ندبه العسكر الشامي أن يسير إلى السلطان يستحثه على السير إلى دمشق، فسار إليه فحثَّه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر، فجاء هو وإياه جميعًا، فسأله السُّلطان أن يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ: السُّنَّةُ أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم، وحرض السلطان على القتال، وبشَّره بالنصر، وجعل يحلف له بالله الذي لا إله إلا هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرة، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وأفتى الناسَ بالفطر مدَّة قتالهم، وأفطر هو أيضًا، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شى معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليتقوَّوا على القتال أفضل، [فيأكل الناس] (٢)، وكان يتأوَّل في الشاميين قوله ﷺ : "إنكُم مُلاقُو العدوَّ غدًا، والفِطْر أقْوى لَكُم" فعزم عليهم في الفطر عام الفتح كما في حديث أبي سعيد الخُدري (٣). وكان الخليفة أبو الربيع سليمان في صحبة السلطان، ولما اصطفت العساكر والتحم القتال ثبت السلطان ثباتًا عظيمًا، وأمر بجواده فقيِّد حتى لا يهرب، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف، وجرت خُطوب عظيمة، وقُتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ، منهم الأمير حسام الدين لاجين الرُّومي أستاذ دار السلطان، وثمانية من الأمراء المقدَّمين معه، وصلاح الدين بن الملك السعيد الكامل بن السعيد بن الصالح إسماعيل (٤)، وخلق من كبار الأمراء، ثم نزل النصر على المسلمين قريب العصر يومئذ، واستظهر المسلمون عليهم. ولله الحمد والمنة. فلما جاء الليلُ لجأَ التتر إلى اقتحام التُّلول والجبال والآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب، ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله ، وجعلوا يجيؤون بهم في الحبال فتضرب أعناقهم، ثم اقتحم منهم جماعة الهزيمة فنجا منهم القليل، ثم كانوا يتساقطون في الأودية والمهالك، ثم بعد ذلك غرق منهم جماعة في

стр. 7278

الفرات (١) بسبب الظلام، وكشف الله بذلك عن المسلمين غمّة عظيمة شديدة، ولله الحمد والمنّة. ودخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان وبين يديه الخليفة، وزُيِّنت البلد، وفرح كل واحد من أهل الجمعة والسبت والأحد (٢)، فنزل السطان في القصر الأَبْلق (٣) والميدان، ثم تحوّل إلى القلعة يوم الخميس، وصلّى بها الجمعة، وخلع على نوّاب البلاد وأَمَرَهم بالرجوع إلى بلادهم، واستقرت الخواطر، وذهب اليأس وطابت قلوب الناس. وعزل السلطان ابن النحّاس عن ولاية المدينة وجعل مكانه الأمير علاء الدين أَيْدغدي (٤) أمير علم، وعزل صارم الدين إبراهيم (٥) والي الخاص عن ولاية البر، وجعل مكانه الأمير حسام الدين لاجين الصغير (٦)، ثم عاد السطان إلى الديار المصرية (٧) يوم الثلاثاء ثالث شوال بعد أن صام رمضان وَعيَّد بدمشق. وطلب الصوفيَّةُ من نائب دمشق الأَفرم أن يولّي عليهم مشيخة الشيوخ للشيخ صفي الدين الهندي، فأذن له في المباشرة يوم الجمعة سادس شوال عوضًا عن ناصر الدين بن عبد السلام (٨)، ودخل السلطان القاهرة (٩) يوم الثلاثاء ثالث عِشري شوال، وكان يومًا مشهودًا، وزُيِّنت القاهرة. وفيها جاءت زلزلة (١٠) عظيمة يوم الخميس بكرة الثالث والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وكان جمهورها بالديار المصرية، تلاطمت بسببها البحار، فكُسِرت المراكب، وتَهدَّمت الدور، ومات خلق كثير لا يعلمهم إلا الله، وشقِّقت الحيطان، ولم يُرَ مثلُها في هذه الأعصار، وكان منها بالشام طائفة، لكن كان ذلك أخف [من سائر البلاد غيرها] (١١). وفي ذي الحجة باشر الشيخ أبو الوليد ابن الحاج الإشبيلي المالكي إمام (١٢) محراب المالكية بجامع دمشق بعد وفاة الشيخ شمس الدين محمد الصّنْهاجي.

стр. 7279

وممّن توفي فيها من الأعيان: ابن دَقِيْق العِيْد: الشيخ الإمام العالم العلّامة الحافظ قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد (١) القُشَيري المصري. ولد يوم السبت الخامس والعشرين (٢) من شعبان سنة خمس وعشرين وستمئة بساحل مدينة يَنْبُع من أرض الحجاز. سمع الكثير، ورحل في طلب الحديث، وخرَّج، وصنّف فيه إسنادًا ومتنًا مصنفات عديدةً، فريدة مفيدة، وانتهت إليه رياسة العلم في زمانه، وفاق أقرانه، ورحل إليه الطلبة (٣) ودرّس في أماكن كثيرة، ثم ولّي قضاء الديار المصرية في سنة خمس وتسعين (٤) وستمئة، ومشيخة دار الحديث الكاملية (٥). [وقد اجتمع به الشيخ تقي الدين بن تيمية، فقال له تقي الدين بن دقيق العيد لما رأى تلك العلوم منه: ما أظن بقي يخلق مثلك] (٦). وكان وقورًا قليل الكلام غزير الفوائد كثير العلوم في ديانة ونزاهة، وله شعر رائق. توفي يوم الجمعة حادي عشر شهر صفر، وصلّي عليه يوم الجمعة المذكور بسوق الخيل، وحضر جنازته نائب السلطنة والأمراء، ودفن بالقَرَافة الصُّغرى، ﵀. الشيخ برهان الدين الإسكندري إبراهيم بن فلاح (٧) بن محمد بن حاتم: سمع الحديث (٨) وكان ديّنًا فاضلًا. وُلد سنة ستٍّ وثلاثين وستمئة. وتوفي يوم الثلاثاء رابع وعشرين شوال عن خمس وستين سنة (٩).

стр. 7280

وبعد شهر (١) بسواء كانت وفاة: الصدر كمال (٢) الدين بن العطار: كاتب الدرج منذ أربعين سنة، أبو العباس أحمد بن أبي الفتح محمود بن أبي الوحش أسد بن سلامة بن سلمان (٣) بن فتيان الشيباني، كان من خيار الناس وأحسنهم نقيبة (٤)، ودفن بتربة لهم تحت الكهف بسفح قاسيون، وتأسف الناس عليه لإحسانه إليهم، رحمه الله تعالى. الملك العادل زين الدين كَتْبُغا (٥): توفي بحماة نائبًا عليها بعد صَرْخَد (٦) يوم الجمعة يوم عيد الأضحى، ونقل إلى تربته بسفح قاسيون غربي الرباط الناصري، [يقال لها: العادلية، وهي تربة مليحة ذات شبابيك وبوابة ومئذنة] (٧)، وله عليها أوقاف دارة على وظائف [من قراءة وأذان وإمامة] (٧) وغير ذلك، وكان من كبار الأمراء المنصورية، وقد ملك البلاد بعد مقتل الأشرف خليل بن المنصور (٨)، ثم انتزع الملك منه لاجين (٩) وجلس في قلعة دمشق، ثم تحول إلى صَرْخد وكان بها إلى أن قتل لاجين وأخذ الملك الناصر بن قلاوون، فاستنابه بحماة حتى كانت وفاته كما ذكرنا. وكان من خيار الملوك وأعدلهم وأكثرهم بِرًّا، وكان من خيار الأمراء والنوّاب، ﵀. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعمئة استهلت والحكام (١٠) هم المذكورون في التي قبلها.

стр. 7281

وفي صفر تولى الشيخ كمال الدين بن الشُّرَيْشي (١) نظارة الجامع الأموي، وخلع عليه، وباشره مباشرة مشكورة، وساوى بين الناس، وعزل نفسه في رجب منها. وفي شهر صفر تولَّى الشيخ شمس الدين الذهبي (٢) خطابة كَفْرَ بَطْنا (٣) وأقام بها. ولما توفي الشيخ زين الدين الفارقي في (٤) هذه السنة - كما سيأتي في الوفيات - كان نائب السلطنة في نواحي البَلْقاء (٥) يكشف بعض الأمور، فلما قدِم تكلموا معه في وظائف الفارِقي فعيّن الخطابة لشرف الدين الفَزَاري (٦)، وعَيَّن الشامية البرّانية ودار الحديث (٧) للشيخ كمال الدين بن الشَّرِيْشِي (٨)، وذلك بإشارة الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأخذ منه الناصرية (٩) للشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكَاني، ورسم بكتابة التواقيع بذلك، وباشر الشيخ شرف الدين الإمامة والخَطابة، وفرح الناس به لِحُسْن قراءته وطيب صوته وجودة سيرته. فلما كان بكرة يوم الإثنين ثاني عِشْري ربيع الأول، وصل البريد من مصر صحبةَ الشيخ صدر الدين بن الوكيل (١٠)، وقد سبقه مرسوم السلطان له بجميع جهات الفارقي مضافًا إلى ما بيده من التدريس، فاجتمع بنائب السلطنة بالقصر، وخرج من عنده إلى الجامع، ففتح له باب دار الخطابة، فنزلها وجاءه الناس يهنِّئونه، وحضر عنده القُرَّاء والمؤذنون، وصَلَّى بالناس العصر، وباشر الإمامة يومين، فأظهر الناسُ التالُّمَ من صلاته وخطابته، وسَعَوا فيه إلى نائب السلطنة، فمنعه من الخطابة، وأقَرّه على التدريس ودار الحديث، فباشر (١١) وجاء توقيعٌ سلطاني للشّيخ شرف الدين الفزاري بالخطابة، فخطب يوم الجمعة

стр. 7282

سابع عشر جمادى الأولى، وخلع عليه بطرحة، وفرح الناس به، وأخذ الشيخ كمال الدين بن الزمْلَكاني تدريس الشامية البرانية من يد ابن الوكيل، وباشرها في مستهل جمادى الأولى واستقرت دار الحديث بيد ابن الوكيل مع مدرستيه الأوليين، وأظنهما العذراوية والشامية الجوانية (١). ووصل البريد في ثاني عشر جمادى الأولى بإعادة السَّنْجَري إلى نيابة القلعة وتولية نائبها الأمير سيف الدين الجوكنداري (٢) نيابة حمص عوضًا عن عز الدين الحموي الذي توفي. وفي يوم السبت ثاني عشر رمضان (٣) قدمت ثلاثة آلاف فارس من مصر، وأُضيف إليها ألفان من دمشق، وساروا وأخذوا معهم نائب حمص الجوكندراني، ووصلوا إلى حماة، فصحبهم نائبها الأمير سيف الدين قبجق (٤)، وجاء إليهم أسَندمر (٥) نائب طرابلس، وانضاف إليهم قَرَاسُنْقر (٦) نائب حلب، وانفصلوا كلهم عنها، وافترقوا فرقتين، طائفة (٧) سارت صحبة قبجق إلى ناحية مَلَطْية، وقلعة الروم (٨)، والفرقة الأخرى صحبة قَرَاسُنْقُر [حتى] (٩) دخلوا الدَّرْبَنْدات، وحاصروا تلّ حمدون، فتسلموه عنوة في ثالث (١٠) ذي القعدة بعد حصار طويل، فدقت البشائر بدمشق لذلك، ووقع الاتفاق (١١) مع صاحب سِيْس على أن يكون للمسلمين من نهر جيحان إلى حلب، وبلاد ما وراء النهر (١٢) إلى ناحيتهم لهم، وأن يعجِّلوا حمل سنتين، ووقعت الهدنة على ذلك، وذلك بعد أن قتل خلق من أمراء الأرمن ورؤسائهم، وعادت العساكر إلى دمشق مؤيَّدين منصورين، ثم توجهت العساكر المصرية [صحبة مقدَّمهم أمير سلاح] (١٣) إلى مصر.

стр. 7283

وفي أواخر السنة كان موت غازان (١) وتولية أخيه خربندا. وهو ملك التتار قازان، واسمه محمود بن أرغون بن أبغا، وذلك في رابع عشر شوال أو حادي عشر أو ثالث عشر، بالقرب من هَمَذان، ونقل إلى تربته بتبريز (٢) بمكان يسمى الشام، ويقال: إنه مات مسمومًا. وقام في الملك بعده أخوه خَرَبَنْدَا (٣) محمد بن أَرْغُون، ولقَّبوه الملك غياث الدين، وخُطب له على منابر العراق وخراسان وتلك النواحي (٤). وحج في هذه السنة الأمير سيف الدين سَلّار نائب مصر (٥) وفي صحبته أربعون أميرًا، وجميع أولاد الأمراء، وحج معهم وزير مصر الأمير عز الدين البغدادي، وتولى مكانه بالبِرْكة (٦) ناصر الدين محمد الشيخي. وخرج سَلَّار في أُبَّهة عظيمة جدًّا، وأميرُ ركب المصريين الحاج إباق الحسامي، وترك الشيخ صفي الدين (٧) مشيخة الشيوخ، فوليها القاضي تقي الدين (٨) عبد الكريم ابن قاضي القضاة محيي الدين بن الزكي، وحضر الخانقاه يوم الجمعة الحادي والعشرين (٩) من ذي القعدة، وحضر عنده ابن صَصْرَى وعز الدين القلانِسي، والصاحب ابن مُيَسَّر، والمحتسِب، وجماعة. وفي ذي القعدة وصل من التتر مقدَّمُ كبير قد هرب منهم إلى بلاد الإسلام وهو الأمير بدر الدين جَنْكَلي بن البابا (١٠)، وفي صحبته نحو من عشرة، فحضروا الجمعة في الجامع، وتوجهوا إلى مصر، فاُكرم وأُعطي إمْرة ألف، وكان مقامه ببلاد آمد، وكان يناصح السلطان ويكاتبه ويطلعه على عورات التتر (١١)، فلهذا عَظُم شأنُه في الدولة الناصرية.

стр. 7284

وممن توفي فيها من الأعيان: ملك التترغازان (١). والشيخ القدوة العابد أبو إسحاق: إبراهيم بن أحمد (٢) بن محمد [بن معالي بن محمد] (٣) بن عبد الكريم الرَّقِّي الحنبلي. كان أصله من بلاد الشرق، ومولده بالرقة من سنة سبع وأربعين وستمئة. واشتغل، وحصَّل، وسمع شيئًا من الحديث، وقَدِم دمشق، فسكن بالمئذنة الشرقية في أسفلها بأهله إلى جانب الطهارة بالجامع، وكان معظَّمًا عند الخاص والعام، فصيحَ العبارة، كثير العبادة، خَشِن العيش، حسن المجالسة، لطيف الكلام، كثير التلاوة، قويّ التوجه، من أفراد العالم، عارفًا بالتفسير والحديث والفقه والأصلين، وله مصنفات وخُطب، وله شعر حسن. توفي بمنزله ليلة الجمعة خامس عشر المحرم، وصُلّي عليه عقيب الجمعة، ونقل إلى تربة الشيخ أبي عمر بالسفع (٤)، وكانت جنازته حافلة، ﵀ وأكرم مثواه. وفي هذا الشهر توفي الأمير زين الدين قراجا: أستاذ دار الأفرم، ودفن بتربته بميدان الحصا (٥) عند النهر. والشَّيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم ين عبد السلام: عرف بابن الحُبْلى، كان من خيار الناس، يتردّد إلى عكّا أيامًا حينما كانت في أيدي الفرنج، في فِكاك أَسارى المسلمين، جزاه الله خيرًا وعتقه من النار وأدخله الجنة برحمته. الخطيب ضياء الدين: أبو محمد عبد الرحمن (٦) ابن الخطيب جمال الدين أبي الفرج عبد الوهاب بن علي بن أحمد بن عقيل السُّلميّ، خطيب بَعلبَكّ نحوًا من ستين سنة، هو ووالده. وُلد سنة أربع عشرة وستمئة وسمع الكثير وتفرّد عن القزويني. وكان رجلًا جيدًا حسن القراء (٧) من كبار العُدُول. توفي ليلة الإثنين ثالث صفر، ودفن بباب سَطحا.

стр. 7285

الشيخ زين الدين الفَارقي: عبد الله بن مروان (١) بن عبد الله بن فهر بن الحسن، أبو محمد الفارقي، شيخ الشافعية. ولد سنة ثلاث وثلاثين وستمئة، وسمع الحديث الكثير، واشتغل ودرَّس في (٢) عدة مدارس، وأفتى مدةً طويلةً، وكانت له همّة وشهامة وصرامة، وكان يباشر الأوقاف جيدًا. وهو الذي عمر دار الحديث بعد خرابها زمن قازان (٣)، وقد باشرها سبعًا وعشرين سنة من بعد النواوي إلى حين وفاته. وكانت معه الشامية البرانية وخطابة الجامع الأموي تسعة أشهر، باشر به الخطابة قبل وفاته، وقد انتقل إلى دار الخطابة وتوفي بها يوم الجمعة بعد العصر، وصُلّي عليه ضحى السبت، صلى عليه ابن صَصْرَى عند باب الخطابة، وبسوق الخيل قاضي الحنفية شمس الدين بن الحريري (٤)، وعند جامع الصالحية قاضي الحنابلة تقي الدين سليمان (٥)، ودفن بتربة أهله شمالي تربة الشيخ أبي عمر ﵀. وباشر بعده الخطابة شرف الدين الفزاري (٦) ومشيخة دار الحديث ابن الوكيل (٧)، والشامية البرانية ابن الزَّمْلَكَاني، وقد تقدَّم ذلك. الأمير الكبير عز الدين أَيْبَك الحموي (٨): ناب بدمشق مدة، ثم عزل عنها إلى صرخد، ثم نقل قبل موته بشهر إلى نيابة حمص، وتوفي بها يوم العشرين من ربيع الآخر، ونقل إلى تربته بالسفح غربي زاوية ابن قوام، وإليه ينسب الحمام بمسجد القصب (٩) الذي يقال له: حمام الحموي، عمره في أيام نيابته. الوزير فتح الدين: أبو محمد عبد الله بن محمد (١٠) بن أحمد بن خالد بن محمد بن نصر بن صغير (١١) القرشي المخزومي ابن القَيْسراني.
следующие страницы →