← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

وفي صفر تولى الشيخ كمال الدين بن الشُّرَيْشي (١) نظارة الجامع الأموي، وخلع عليه، وباشره مباشرة مشكورة، وساوى بين الناس، وعزل نفسه في رجب منها. وفي شهر صفر تولَّى الشيخ شمس الدين الذهبي (٢) خطابة كَفْرَ بَطْنا (٣) وأقام بها. ولما توفي الشيخ زين الدين الفارقي في (٤) هذه السنة - كما سيأتي في الوفيات - كان نائب السلطنة في نواحي البَلْقاء (٥) يكشف بعض الأمور، فلما قدِم تكلموا معه في وظائف الفارِقي فعيّن الخطابة لشرف الدين الفَزَاري (٦)، وعَيَّن الشامية البرّانية ودار الحديث (٧) للشيخ كمال الدين بن الشَّرِيْشِي (٨)، وذلك بإشارة الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأخذ منه الناصرية (٩) للشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكَاني، ورسم بكتابة التواقيع بذلك، وباشر الشيخ شرف الدين الإمامة والخَطابة، وفرح الناس به لِحُسْن قراءته وطيب صوته وجودة سيرته. فلما كان بكرة يوم الإثنين ثاني عِشْري ربيع الأول، وصل البريد من مصر صحبةَ الشيخ صدر الدين بن الوكيل (١٠)، وقد سبقه مرسوم السلطان له بجميع جهات الفارقي مضافًا إلى ما بيده من التدريس، فاجتمع بنائب السلطنة بالقصر، وخرج من عنده إلى الجامع، ففتح له باب دار الخطابة، فنزلها وجاءه الناس يهنِّئونه، وحضر عنده القُرَّاء والمؤذنون، وصَلَّى بالناس العصر، وباشر الإمامة يومين، فأظهر الناسُ التالُّمَ من صلاته وخطابته، وسَعَوا فيه إلى نائب السلطنة، فمنعه من الخطابة، وأقَرّه على التدريس ودار الحديث، فباشر (١١) وجاء توقيعٌ سلطاني للشّيخ شرف الدين الفزاري بالخطابة، فخطب يوم الجمعة

стр. 7282

سابع عشر جمادى الأولى، وخلع عليه بطرحة، وفرح الناس به، وأخذ الشيخ كمال الدين بن الزمْلَكاني تدريس الشامية البرانية من يد ابن الوكيل، وباشرها في مستهل جمادى الأولى واستقرت دار الحديث بيد ابن الوكيل مع مدرستيه الأوليين، وأظنهما العذراوية والشامية الجوانية (١). ووصل البريد في ثاني عشر جمادى الأولى بإعادة السَّنْجَري إلى نيابة القلعة وتولية نائبها الأمير سيف الدين الجوكنداري (٢) نيابة حمص عوضًا عن عز الدين الحموي الذي توفي. وفي يوم السبت ثاني عشر رمضان (٣) قدمت ثلاثة آلاف فارس من مصر، وأُضيف إليها ألفان من دمشق، وساروا وأخذوا معهم نائب حمص الجوكندراني، ووصلوا إلى حماة، فصحبهم نائبها الأمير سيف الدين قبجق (٤)، وجاء إليهم أسَندمر (٥) نائب طرابلس، وانضاف إليهم قَرَاسُنْقر (٦) نائب حلب، وانفصلوا كلهم عنها، وافترقوا فرقتين، طائفة (٧) سارت صحبة قبجق إلى ناحية مَلَطْية، وقلعة الروم (٨)، والفرقة الأخرى صحبة قَرَاسُنْقُر [حتى] (٩) دخلوا الدَّرْبَنْدات، وحاصروا تلّ حمدون، فتسلموه عنوة في ثالث (١٠) ذي القعدة بعد حصار طويل، فدقت البشائر بدمشق لذلك، ووقع الاتفاق (١١) مع صاحب سِيْس على أن يكون للمسلمين من نهر جيحان إلى حلب، وبلاد ما وراء النهر (١٢) إلى ناحيتهم لهم، وأن يعجِّلوا حمل سنتين، ووقعت الهدنة على ذلك، وذلك بعد أن قتل خلق من أمراء الأرمن ورؤسائهم، وعادت العساكر إلى دمشق مؤيَّدين منصورين، ثم توجهت العساكر المصرية [صحبة مقدَّمهم أمير سلاح] (١٣) إلى مصر.

стр. 7283

وفي أواخر السنة كان موت غازان (١) وتولية أخيه خربندا. وهو ملك التتار قازان، واسمه محمود بن أرغون بن أبغا، وذلك في رابع عشر شوال أو حادي عشر أو ثالث عشر، بالقرب من هَمَذان، ونقل إلى تربته بتبريز (٢) بمكان يسمى الشام، ويقال: إنه مات مسمومًا. وقام في الملك بعده أخوه خَرَبَنْدَا (٣) محمد بن أَرْغُون، ولقَّبوه الملك غياث الدين، وخُطب له على منابر العراق وخراسان وتلك النواحي (٤). وحج في هذه السنة الأمير سيف الدين سَلّار نائب مصر (٥) وفي صحبته أربعون أميرًا، وجميع أولاد الأمراء، وحج معهم وزير مصر الأمير عز الدين البغدادي، وتولى مكانه بالبِرْكة (٦) ناصر الدين محمد الشيخي. وخرج سَلَّار في أُبَّهة عظيمة جدًّا، وأميرُ ركب المصريين الحاج إباق الحسامي، وترك الشيخ صفي الدين (٧) مشيخة الشيوخ، فوليها القاضي تقي الدين (٨) عبد الكريم ابن قاضي القضاة محيي الدين بن الزكي، وحضر الخانقاه يوم الجمعة الحادي والعشرين (٩) من ذي القعدة، وحضر عنده ابن صَصْرَى وعز الدين القلانِسي، والصاحب ابن مُيَسَّر، والمحتسِب، وجماعة. وفي ذي القعدة وصل من التتر مقدَّمُ كبير قد هرب منهم إلى بلاد الإسلام وهو الأمير بدر الدين جَنْكَلي بن البابا (١٠)، وفي صحبته نحو من عشرة، فحضروا الجمعة في الجامع، وتوجهوا إلى مصر، فاُكرم وأُعطي إمْرة ألف، وكان مقامه ببلاد آمد، وكان يناصح السلطان ويكاتبه ويطلعه على عورات التتر (١١)، فلهذا عَظُم شأنُه في الدولة الناصرية.

стр. 7284

وممن توفي فيها من الأعيان: ملك التترغازان (١). والشيخ القدوة العابد أبو إسحاق: إبراهيم بن أحمد (٢) بن محمد [بن معالي بن محمد] (٣) بن عبد الكريم الرَّقِّي الحنبلي. كان أصله من بلاد الشرق، ومولده بالرقة من سنة سبع وأربعين وستمئة. واشتغل، وحصَّل، وسمع شيئًا من الحديث، وقَدِم دمشق، فسكن بالمئذنة الشرقية في أسفلها بأهله إلى جانب الطهارة بالجامع، وكان معظَّمًا عند الخاص والعام، فصيحَ العبارة، كثير العبادة، خَشِن العيش، حسن المجالسة، لطيف الكلام، كثير التلاوة، قويّ التوجه، من أفراد العالم، عارفًا بالتفسير والحديث والفقه والأصلين، وله مصنفات وخُطب، وله شعر حسن. توفي بمنزله ليلة الجمعة خامس عشر المحرم، وصُلّي عليه عقيب الجمعة، ونقل إلى تربة الشيخ أبي عمر بالسفع (٤)، وكانت جنازته حافلة، ﵀ وأكرم مثواه. وفي هذا الشهر توفي الأمير زين الدين قراجا: أستاذ دار الأفرم، ودفن بتربته بميدان الحصا (٥) عند النهر. والشَّيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم ين عبد السلام: عرف بابن الحُبْلى، كان من خيار الناس، يتردّد إلى عكّا أيامًا حينما كانت في أيدي الفرنج، في فِكاك أَسارى المسلمين، جزاه الله خيرًا وعتقه من النار وأدخله الجنة برحمته. الخطيب ضياء الدين: أبو محمد عبد الرحمن (٦) ابن الخطيب جمال الدين أبي الفرج عبد الوهاب بن علي بن أحمد بن عقيل السُّلميّ، خطيب بَعلبَكّ نحوًا من ستين سنة، هو ووالده. وُلد سنة أربع عشرة وستمئة وسمع الكثير وتفرّد عن القزويني. وكان رجلًا جيدًا حسن القراء (٧) من كبار العُدُول. توفي ليلة الإثنين ثالث صفر، ودفن بباب سَطحا.

стр. 7285

الشيخ زين الدين الفَارقي: عبد الله بن مروان (١) بن عبد الله بن فهر بن الحسن، أبو محمد الفارقي، شيخ الشافعية. ولد سنة ثلاث وثلاثين وستمئة، وسمع الحديث الكثير، واشتغل ودرَّس في (٢) عدة مدارس، وأفتى مدةً طويلةً، وكانت له همّة وشهامة وصرامة، وكان يباشر الأوقاف جيدًا. وهو الذي عمر دار الحديث بعد خرابها زمن قازان (٣)، وقد باشرها سبعًا وعشرين سنة من بعد النواوي إلى حين وفاته. وكانت معه الشامية البرانية وخطابة الجامع الأموي تسعة أشهر، باشر به الخطابة قبل وفاته، وقد انتقل إلى دار الخطابة وتوفي بها يوم الجمعة بعد العصر، وصُلّي عليه ضحى السبت، صلى عليه ابن صَصْرَى عند باب الخطابة، وبسوق الخيل قاضي الحنفية شمس الدين بن الحريري (٤)، وعند جامع الصالحية قاضي الحنابلة تقي الدين سليمان (٥)، ودفن بتربة أهله شمالي تربة الشيخ أبي عمر ﵀. وباشر بعده الخطابة شرف الدين الفزاري (٦) ومشيخة دار الحديث ابن الوكيل (٧)، والشامية البرانية ابن الزَّمْلَكَاني، وقد تقدَّم ذلك. الأمير الكبير عز الدين أَيْبَك الحموي (٨): ناب بدمشق مدة، ثم عزل عنها إلى صرخد، ثم نقل قبل موته بشهر إلى نيابة حمص، وتوفي بها يوم العشرين من ربيع الآخر، ونقل إلى تربته بالسفح غربي زاوية ابن قوام، وإليه ينسب الحمام بمسجد القصب (٩) الذي يقال له: حمام الحموي، عمره في أيام نيابته. الوزير فتح الدين: أبو محمد عبد الله بن محمد (١٠) بن أحمد بن خالد بن محمد بن نصر بن صغير (١١) القرشي المخزومي ابن القَيْسراني.

стр. 7286

كان شيخًا جليلًا أديبًا شاعرًا مجوِّدًا من بيت رياسة ووزارة. ولي وزارة دمشق مدة، ثم أقام بمصر موقعًا مدة، وكان له اعتناء بعلوم الحديث وسماعه وإسماعه (١)، وله مصنف في أسماء الصحابة الذين خرَّج لهم في الصحيحين، وأورد شيئًا من أحاديثهم في مجلدين كبيرين موقوفين بالمدرسة الناصرية بدمشق، وكان له مذاكرة جيدة محررة باللفظ والمعنى، وقد خرَّج عنه الحافظ الدمياطي، وهو آخر من توفي من شيوخه. توفي بالقاهرة في يوم الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الآخر، وأصلهم من قيسارية (٢). وكان جدُّه موفق الدين أبو البقاء خالد (٣) وزيرًا لنور الدين الشهيد، وكان من الكتَّاب المجيدين المتقنين، له كتابة جيدة محررة جدًّا، توفي في أيام صلاح الدين سنة ثمان وثمانين وخمسمئة. وأبوه محمد بن نصر بن صغير (٤) ولد بعكا قبل أخذ الفرنج لها سنة ثمان وسبعين وأربعمئة، فلما أخذت بعد التسعين (٥) وأربعمئة انتقل أهلهم إلى حلب وكانوا بها، وكان شاعرًا مطبقًا له ديوان مشهور، وكان له معرفة جيدة بالنجوم وعلم الهيئة وغير ذلك. [ترجمة الوالد ﵀] (٦) وفيها توفي الوالد، وهو الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن درع القرشي، من بني خُصَيْلة (٧)، وهم ينتسبون إلى الشرف، وبأيديهم نسب، وقف على بعضها شيخنا المِزّي فأعجبه ذلك وابتهج به، فصار يكتب في نسبي بسبب ذلك: القرشي. من قرية يقال لها: الشركوين (٨) غربي بصرى، بينها وبين أذرعات، ولد بها في حدود سنة أربعين وستمئة، واشتغل بالعلم عند أخواله بني عقبة ببصرى، فقرأ (البداية) (٩) في مذهب أبي حنيفة، وحفظ (جمل) الزَّجّاجي،

стр. 7287

وعني بالنحو والعربية واللغة (١)، وحفظ أشعار العرب حتى كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح والمراثي وقليل من الهجاء، وقرَّر بمدارس بصرى بمبرك (٢) الناقة شمالي البلد حيث يزار [وهو المبرك المشهور عند الناس، والله أعلم بصحة ذلك] (٣). ثم انتقل إلى خطابة القرية شرقي بصرى، وتمذهب للشافعي، وأخذ عن النواوي، والشيخ (٤) تاج الدين الفزاري، [وكان يكرمه ويحترمه فيما أخبرني شيخنا العلامة ابن الزَّمْلَكاني] (٥)، فأقام بها نحوًا من اثنتي عشرة سنة، ثم تحول إلى خطابة مُجَيْدل، القُرَيَّة التي منها الوالدة رحمها الله، فأقام (٦) بها مدة طويلة في خير وكفاية وتلاوة كثيرة. وكان يخطب جيدًا، وله قبول (٧) عند الناس، ولكلامه عند الناس موقع، ولديانته وفصاحته، وحلاوة ومحاورته ومجالسته (٨)، وكان يؤثر الإقامة في البلاد لما يرى فيها من الرفق ووجود الحلال له ولعياله (٩). وقد ولد له عدة أولاد من الوالدة ومن أخرى قبلها، أكبرهم إسماعيل ثم يونس وإدريس، ثم من الوالدة عبد الوهاب وعبد العزيز ومحمد وأخوات عدة، ثم أنا أصغرهم، وسُمّيت باسم الأخ إسماعيل لأنه كان قد قدم دمشق فاشتغل بها بعد أن حفظ القرآن على والده وقرأ (١٠) مقدمة في النحو، وحفظ (التنبيه) (١١) وشرحه على العلامة تاج الدين الفزاري، وحصّل (المنتخب) في أصول الفقه، قاله لي شيخنا ابن الزَّمْلَكاني، ثم إنه سقط من سطح الشامية البرانية فمكث أيامًا ومات، فوَجَدَ الوالد عليه وَجْدًا كثيرًا، ورثاه بأبيات كثيرة، فلما وُلدْتُ له أنا بعد ذلك سمَّاني باسمه، فأكبر أولاده إسماعيل وآخرهم وأصغرهم إسماعيل (١٢)، فرحم الله من سلف وختم بخير لمن بقي.

стр. 7288

توفي والدي في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعمئة، بقرية مُجَيدل القرية (١)، ودفن بمقبرتها الشّمالية عند الزيتونة، وكنت إذ ذاك صغيرًا ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أُدركه إلا كالحُلُم، ثم تحوّلنا من بعده في سنة سبع وسبعمئة إلى دمشق صحبة الأخ (٢) كمال الدين عبد الوهاب، وقد كان لنا شقيقًا، وبنا رفيقًا شفوقًا، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين، فاشتغلت على يديه في العلم، فيسر الله تعالى منه ما يسّر، وسهّل منه ما تعسر. والله أعلم (٣).

стр. 7289

ثم دخلت سنة أربع وسبعمئة استُهِلَّت والخليفة والسلطان والحكام والمباشرون هم المذكورون في التي قبلها. وفي يوم الأحد ثالث ربيع الأول دارت (١) الدروس والوظائف التي أنشأها الأمير بيْبَرْسُ الجَاشَنْكِير المنصوري بجامع الحاكم بعد أن جدَّده من خرابه بالزلزلة التي طرقت ديار (٢) مصر في آخر سنة ثنتين وسبعمئة، وجَعَلَ القُضاةَ الأربعة هم المدرسين للمذاهب، وشيخ الحديث سعد الدين الحارثي، وشيخ النحو أثير الدين أبا حيان (٣)، وشيخ القراءات السبع الشيخ نور الدين الشَّطَّنَوْفي (٤)، وشيخ إفادة العلوم الشيخ علاء الدين القونوي (٥). وفي جُمادى الآخرة باشر الأمير ركن الدين بِيْبَرْس الحجوبية مع الأمير سيف الدين بَكْتَمُر (٦)، وصارا حاجبين كبيرين في دمشق. وفي رجب أُحضر إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية شيخ كان يلبس دلقًا كبيرًا متَسعًا جدًّا يسمى المجاهد إبراهيم القطان، فأمر الشيخ بتقطيع ذلك الدلق، [فتناهبه الناس من كل جانب وقطّعوه حتى لم يَدَعوا فيه

стр. 7290

شيئًا] (١)، وأمر بحلق رأسه، وكان ذا شعر، وقلم أظفاره، وكانوا طوالًا جدًّا، وحَفّ شاربه المسبل على فمه المخالف للسُّنة، واستتابه من كلام الفحش وأكْلِ ما يغيِّر العقل من الحشيشة وما لا يجوز من المحرَّمات وغيرها. وبعده استحضر الشيخ محمد الخبَّاز البلاسي فاستتابه أيضًا عن أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة، وكتب عليه مكتوبًا أن لا يتكلم في تعبير المنامات (٢) ولا في غيرها بما لا علم له به. وفي هذا الشهر بعينه راح الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مسجد النارنج (٣) وأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت بنهر قلوط تُزَار ويُنْذَر لها (٤)، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، [فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيمًا. وبهذا وأمثاله حسدوه وأبرزوا له العداوة، وكذلك بكلامه باين عربي وأتباعه، فحسد على ذلك وعودي، ومع هذا لم تأخذه في الله لومة لائم، ولا بالى، ولم يصلوا إليه بمكروه، وأكثر ما نالوا منه الحبس مع أنه لم ينقطع في بحث لا بمصر ولا بالشام، ولم يتوجه لهم عليه ما يشين، وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه، كما سيأتي، وإلى الله إياب الخلق وعليه حسابهم] (٥). وفي رجب جلس قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى بالمدرسة العادلية الكبيرة، وعملت التخوت بعد ما جددت عمارة المدرسة، ولم يكن أحد يحكم بها بعد وقعة قازان بسبب خرابها (٦)، وجاء المرسوم للشيخ برهان (٧) الدين الفزاري بوكالة بيت المال فلم يقبل. وللشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني بنظر الخزانة فقبل وخلع عليه بطَرحه (٨)، وحضر بها يوم الجمعة، وهاتان الوظيفتان كانتا مع نجم الدين بن أبي الطيب (٩)، توفي إلى رحمة الله. وفي شعبان سعى جماعة في تبطيل الوقيد ليلة النصف، وأخذوا خطوط العلماء في ذلك، وتكلموا مع نائب السلطنة، فلم يتفق ذلك، بل أشعلوا، وصُليت صلاة ليلة النصف أيضًا.

стр. 7291

وفي خامس رمضان وصل الشيخ كمال الدين بن الشَّرِيْشي من مصر بوكالة بيت المال، ولبس الخلعة يوم الجمعة (١) سابع رمضان، وحضر عند ابن صَصْرَى بالشباك الكمالي (٢). وفي سابع شوال عُزل وزيرُ مصر ناصر الدين بن الشيخي، وقطع إقطاعه ورسم عليه وعوقب إلى أن مات في ذي القعدة. وتولى الوزارة سعد الدين محمد بن محمد بن عطاء وخلع عليه. وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي القعدة حكم قاضي القضاة جمال الدين الزواوي بقتل الشمس محمد بن جمال الدين عبد الرحيم الباجربقي (٣)، وإراقة دمه وإن تاب وإن أسلم، بعد إثبات محضر عليه يتضمن كفر الباجربقي المذكور، وكان ممّن شهد عليه فيه الشيخ مجد الدين التونسي النحوي الشافعي، فهرب الباجربقي إلى بلاد الشرق، فمكث بها مدة سنين ثم جاء بعد موت الحاكم المذكور، كما سيأتي. وفي ذي القعدة كان نائب السّلطنة في الصيد، فقصدهم في الليل طائفةٌ من الأعراب، فقاتلهم الأمراء، فقتلوا من العرب نحو النّصف، وتوغَّل في العرب أمير يقال له سيف الدين بهادرسَمِز (٤) احتقارًا بالعرب، فضربه واحدٌ منهم برمح فقتله، فكرَّت الأمراء عليهم فقتلوا منهم خلقًا أيضًا، وأخذوا واحدًا منهم زعموا أنّه هو الذي قتله، فصُلب تحت القلعة، ودفن الأمير المذكور بقبر الست. وفي ذي القعدة تكلَّم الشيخ شمس الدين بن النقيب (٥) وجماعة من العلماء في الفتاوى الصادرة من الشيخ علاء الدين بن العطار (٦) شيخ دار الحديث النورية والقوصيّة، وأنها مخالفة لمذهب الشافعي، وفيها تخبيط كثير، فتوهَّم من ذلك وراح إلى الحنفي فحقن دمه وأبقاه على وظائفه، ثم بلغ ذلك نائب السلطنة فأنكر على المنكرين عليه، ورسم عليهم، ثم اصطلحوا، ورسم نائب السلطنة أن لا تثار الفتن بين الفقهاء (٧).

стр. 7292

وفي مستهل ذي الحجة ركب الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه جماعة من أصحابه إلى جبل الجرد والكسروانيين (١) ومعه نقيب الأشراف زين الدين بن عدنان (٢)، فاستتابوا خلقًا منهم وألزموهم بشرائع الإسلام، ورجَع مُؤَيدًا منصورًا. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ تاج الدين بن شمس الدين بن الرفاعي: شيخ الأحمدية بأم عَبِيْدة (٣) من مدة مديدة، وعنه تكتب إجازات الفقراء، ودفن هناك عند سلفه بالبطائح. الصدر نجم الدين عمر (٤): ابن أبي القاسم بن عبد المنعم بن محمد بن الحسن بن أبي الكتائب بن محمد بن أبي الطيب، وكيل بيت المال وناظر الخزانة، وقد ولّي في وقت نظر المارستان النوري (٥) وغير ذلك. وكان مشكور السيرة رجلًا جيدًا، وقد سمع الحديث وروى أيضًا. توفي ليلة الثلاثاء الخامس عشر من جمادى الآخرة، ودفن بتربتهم بباب الصغير (٦). ثم دخلت سنة خمس وسبعمئة استهلت والخليفة المستكفي والسلطان الملك الناصر، والمباشرون هم المذكورون (٧) فيما مضى. وجاء الخبر أن جماعة من التتر كمنوا لجيش حلب وقتلوا منهم خلقًا من الأعيان وغيرهم، وكثر النوح ببلاد حلب بسبب ذلك. وفي مستهل المحرم حكم جلال الدين القزويني (٨) أخو قاضي القضاة إمام الدين نيابة عن ابن صَصْرَى. وفي ثانيه خرج نائب السلطنة بمن بقي من الجيوش الشامية، وقد كان تقدم بين يديه طائفة من الجيش مع ابن تيمية في ثاني المحرم، فساروا إلى بلاد الجُرد والرُّفَّض والتيامنة، فخرج نائب السلطنة الأفرم

стр. 7293

بنفسه بعد خروج الشيخ لغزوهم، فنصرهم الله عليهم وأبادوا خلقًا كثيرًا منهم ومن فرقتهم الضالة، ووطئوا أراضٍ كثيرة من منيع (١) بلادهم، وعاد نائب السلطنة إلى دمشق في صحبته الشيخ ابن تيمية والجيش، وقد حصل بسبب شهود الشيخ هذه الغزوة خيرٌ كثير، وأبان الشيخ علمًا وشجاعة في هذه الغزوة، [وقد امتلأت قلوب أعدائه حسدًا له وغمًا] (٢). وفي مستهل جمادى الأولى قدم القاضي أمين الدين أبو بكر ابن القاضي وجيه الدين عبد العظيم بن الرقاقي (٣) المصري من القاهرة على نظر الدواوين بدمشق، عوضًا عن عز الدين بن مبشر. [ما جرى للشيخ تقي الدين بن تَيْمِيَّة مع الأحمدية وكيف عقدت له المجالس الثلاثة] (٤) وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى حضر جماعة كثيرة من الفقراء الأحمدية (٥) إلى نائب السلطنة بالقصر الأبلق وحضر الشيخ تقي الدين بن تيمية، فسألوا من نائب السلطنة بحضرة الأمراء أن يكفَّ الشيخ تقي الدين إنكاره عليهم (٦)، وأن يسلم لهم حالهم، فقال لهم الشيخ: هذا ما لا يمكن (٧)، ولا بد لكل أحد أن يدخل تحت الكتاب والسنة، قولًا وفعلًا، ومن خرج عنهما وجب الإنكار عليه. فأرادوا أن يفعلوا شيئًا من أحوالهم الشيطانية التي يتعاطونها في سماعاتهم، فقال (٨) الشيخ: تلك أحوال شيطانية باطلة، وأكثر أحوالهم من باب الحيل والبهتان، ومن أراد منهم أن يدخل النار فليدخل أولا إلى الحمام وليغسل جسده غسلًا جيدًا ويدلكه بالخل والإِشنان، ثم يدخل بعد ذلك إلى النار إن كان صادقًا، ولو فرض أن أحدًا من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل فإن ذلك لا يدل على صلاحه ولا على كرامته، بل حاله من أحوال الدجاجلة المخالفة للشريعة إذا كان صاحبها على السنة، فما الظن بخلاف ذلك. فابتدر شيخ المنيبع الشيخ صالح وقال: نحن أحوالنا إنما تنفُق عند التتر ليست تنفق عند الشرع. فضبط الحاضرون (٩) عليه تلك الكلمة، وكثر الإنكار عليهم من كل أحد، ثم اتفق الحال على أنهم يخلعون

стр. 7294

الأطواق الحديد من رقابهم، وأن من خرج عن الكتاب والسنة ضُربت عنقه. وصنَّف الشيخ جزءًا في طريقة الأحمدية، وبيَّنَ فيه أحوالهم ومسالكهم وتخيُّلاتهم، وما في طريقتهم من مقبول ومردود بالكتاب، وأظهر الله السنة على يديه، وأخمد بدعتهم. ولله الحمد والمِنَّة. وفي العشر الأوسط من هذا الشهر خلع على جلال الدين بن معبد، وعز الدين خطاب (١)، وسيف الدين بَكْتَمر (٢) مملوك بَكْتَاش الحُسامي بالإمرة ولبس التشاريف، وركبوا بها، وسلموا لهم جبل الجرد والكسروان والبقاع. وفي يوم الخميس ثالث رجب خرج الناس للاستسقاء إلى سطح المزة، ونصبوا هناك منبرًا وخرج نائب السلطنة وجميع الناس من القضاة والعلماء والفقراء، وكان مشهدًا هائلًا وخطبة عظيمة بليغة، فاستسقوا فلم يُسْقَوْا يومهم ذلك (٣). (٤) وفي يوم الإثنين ثامن رجب حضر القضاة والعلماء وفيهم الشيخ تقي الدين بن تيمية عند نائب السلطنة بالقصر، وقُرئت عقيدة الشيخ تقي الدين الواسطية، [وحصل بحث في أماكن منها] (٥)، وأُخّرت مواضع إلى المجلس الثاني. فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور، وحضر الشيخ صفي الدين الهندي (٦)، وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلامًا كثيرًا، [ولكن ساقيته لاطمَتْ بحْرًا] (٧)، ثم اصطلحوا على أن يكون الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني (٨) هو الذي يحاقِقُه من غير مسامحة، فتناظرا في ذلك، وشكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين بن الزمْلَكاني وجودة ذهنه وحسن بحثه، حيث [قاوم ابن تيمية في البحث، وتكلَّم معه، ثم انفصل الحال على قبول العقيدة] (٩)، وعاد الشيخ إلى منزله معظّمًا مكرمًا. وبلغني أن العامة حملوا له الشمع من باب القصر إلى القصَّاعين على جاري عادتهم في أمثال هذه الأشياء.

стр. 7295

وكان الحامل على هذه الاجتماعات كتاب ورد من السلطان في ذلك، كان الباعث على إرساله قاضي المالكية ابن مخلوف (١)، والشيخ نصر المَنْبِجي (٢) شيخ الجاشَنْكير (٣) وغيرهما من أعدائه. وذلك أن الشيخ تقي الدين بن تيمية كان يتكلم في المَنْبِجي وينسبه إلى اعتقاد ابن عربي، [وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدُّمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له، ومحبتهم له، وكثرة أتباعه، وقيامه في الحق، وعلمه وعمله] (٤). ثم وقع بدمشق خبط كثير وتشويش بسبب غيبة نائب السلطنة (٥). وطلب القاضي جماعة من أصحاب الشيخ، وعزّر بعضهم، ثم اتفق أن الشيخ جمال الدين المِزّي (٦) الحافظ قرأ فصلًا في الرد على الجهمية (٧) من كتاب (أفعال العباد) للبخاري تحت قبة النسر (٨) بعد قراءة ميعاد البخاري بسبب الاستسقاء، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين، وشكاه إلى القاضي الشافعي ابن صَصْرَى، وكان عدو الشيخ، فسُجِن المِزّي، فبلغ الشيخ تقي الدين، فتألم لذلك، وذهب إلى السجن، فأخرجه منه بنفسه، وراح إلى القصر فوجد القاضي هنالك، فتقاولا بسبب الشيخ جمال الدين المِزّي، فحلف ابن صَصْرَى لا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عَزَل نفسه، فأمر النَّائب بإعادته تطييبًا لقلب القاضي، فحبسه عنده في القُوصيّة أيامًا ثم أطلقه. ولما قدم نائب السلطنة ذكر له الشيخ تقي الدين ما جرى في حقه وحق أصحابه في غيبته، فتألم النائب لذلك، ونادى في البلد أن لا يتكلم أحد في العقائد، ومن عاد إلى تلك حلَّ مالُه ودمُه ونهبت (٩) داره وحانوته. فسكنت الأمور. وقد رأيت فصلًا من كلام الشيخ تقي الدين في كيفية ما وقع في هذه المجالس الثلاثة من المناظرات. ثم عقد المجلس الثالث في يوم سابع شعبان بالقصر، واجتمع الجماعة على الرضى بالعقيدة المذكورة. وفي هذا اليوم عزل ابن صَصْرَى نفسه عن الحكم بسبب كلام سمعه من بعض الحاضرين في

стр. 7296

المجلس المذكور، وهو من الشيخ كمال الدين بن الزمْلَكاني، ثم جاء كتاب السلطان في السادس والعشرين من شعبان فيه إعادةُ ابن صَصْرَى إلى القضاء، وذلك بإشارة المَنْبِجي، وفي الكتاب: إنا كنا رسمنا (١) بعقد مجلس للشيخ تقي الدين بن تيمية، وقد بَلَغنا ما عُقِد له من المجالس، وأنه على مذهب السلف، وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نُسب إليه. ثم جاء كتاب آخر في خامس رمضان يوم الإثنين، وفيه الكشف عما كان وقع للشيخ تقي الدين بن تيمية في أيام قازان (٢) والقاضي إمام الدين القزويني، وأن يحمل هو والقاضي ابن صَصْرَى إلى مصر، فتوجها على البريد نحو مصر، وخرج مع الشيخ خلق من أصحابه وبكوا وخافوا عليه من أعدائه، وأشار عليه نائب السلطنة الأفرم (٣) بترك الذهاب إلى مصر، وقال له: أنا أُكاتب السلطان في ذلك وأصلح القضايا، فامتنع الشيخ من ذلك، وذكر له أن في توجهه لمصر مصلحةً كبيرةً، ومصالح كثيرة. فلما توجه لمصر ازدحم الناس لوداعه ورؤيته، حتى انتشروا من باب داره إلى قرب الجسورة، فيما بين دمشق والكسوة، وهم فيما بين باك وحزين ومتفرج ومتنزِّه ومزاحم متغالٍ فيه. فلما كان يوم السبت دخل الشيخ تقي الدين غَزّة، فعمل في جامعها مجلسًا عظيمًا، ثم رحلا معًا إلى القاهرة، والقلوب معه، وبه متعلقة، فدخلا مصر يوم الإثنين الثاني والعشرين من رمضان، وقيل: إنهما دخلاها يوم الخميس. فلما كان يوم الجمعة بعد الصلاة عقد للشيخ مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة وأكابر الدولة، وأراد أن يتكلم على عادته، فلم يتمكن من البحث والكلام، وانتُدِب له الشمس بن عدنان خَصْمًا احتسابًا، وادّعى عليه عند ابن مخلوف المالكي أنه يقول: إنّ الله فوق العرش حقيقة، وأنَّ الله يتكلم بحرف وصوت. فسأله القاضي جوابه، فأخذ الشيخ في حمد الله والثناء عليه، فقيل له: أجب ما جئنا بك لتخطب. فقال: ومن الحاكم فيَّ؟ فقيل له: القاضي المالكي. فقال له الشيخ: كيف تحكم فيَّ وأنت خصمي؟! فغضب غضبًا شديدًا وانزعج، وأقيم مرسمًا عليه وحبس في برج أيامًا، ثم انتقل منه ليلة العيد إلى الحبس المعروف بالجُبّ (٤)، هو وأخَواه (٥) شرف الدين عبد الله، وزين الدين عبد الرحمن.

стр. 7297

وأما ابن صَصْرَى فإنه جُدِّد له توقيعٌ بالقضاء (١) بإشارة المَنْبجي شيخ الجاشنكير حاكم مصر، وعاد إلى دمشق يوم الجمعة سادس ذي القعدة والقلوب له ماقتة، والنفوس منه نافرة، وقُرئ تفليدُه بالجامع، وبعده قرئ كتاب فيه الحطُّ على الشيخ تقي الدين ومخالفته في العقيدة، وأن ينادى بذلك في البلاد الشامية، وأُلزم أهل مذهبه بمخالفته، وكذلك وقع بمصر، قام عليه جاشنكير وشيخه نصر المَنْبجي، وساعدهم جماعة كثيرة من الفقهاء والفقراء (٢)، وجرت فتن كثيرة منتشرة، نعوذ بالله من الفتن. وحصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة كثيرة، وذلك أن قاضيهم كان قليل العلم مزجي (٣) البضاعة، وهو شوف الدين الحرّاني (٤)، فلذلك نال أصحابهم ما نالهم، وصارت حالهم حالهم. وفي شهر رمضان جاء كتاب من مقدّم الخدّام بالحرم النبوي يستأذن السلطان في بيع طائفة من قناديل الحرم النبوي لينفق ذلك ببناء مئذنةٍ عند باب السلام الذي عند المطهرة، فرسم له بذلك، وكان في جملة القناديل قنديلان من ذهب زنتهما أَلف دينار، فباع ذلك وشرع في بنائها وولي سراجُ الدين عمر (٥) قضاءها مع الخطابة، فشق ذلك على الروافض. وفي يوم الخميس ثاني عشر ذي القعدة وصل البريد من مصر بتولية القضاء لشمس الدين محمد بن إيراهيم بن داود الأذرعي (٦) الحنفي قضاء الحنفية عوضًا عن [شمس الدين] بن الحريري (٧) [معزولًا] (٨) وبتولية [الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين] (٩) الفزاري خطابة دمشق عوضًا عن عمه الشيخ شرف الدين، توفي إلى رحمة الله (١٠)، وخلع عليهما بذلك، وباشرا في يوم الجمعة ثالث عشر الشهر، وخطب الشيخ برهان الدين خطبة حسنة حضرها الناس والأعيان. ثم بعد خمسة أيام عزل نفسه عن الخطابة وآثر بقاءه على تدريس البادرائية (١١) حين بلغه أنها طُلبت لتؤخذ منه، فبقي منصب الخطابة

стр. 7298

شاغرًا، ونائب الخطيب يصلّي بالناس ويخطب، ودخل عيد الأضحى وليس للناس خطيب، وقد كاتب نائب السلطنة في ذلك، فجاء المرسوم بإلزامه بذلك، وفيه: لعلمنا بأهليته وكفايته واستمراره على ما بيده من تدريس البادرائية، فباشرها معها مرة ثانية، ثم إن كمال الدين بن الشيرازي سعى في البادرائية (١) فأخذها، وباشرها في صفر من السنة الآتية بتوقيع سلطاني، فَعَزَل الفَزَاري نفسه عن الخطابة ولزم بيته، فراسله نائب السلطنة بذلك، فصمم على الترك (٢) وأنّه لا يعود إليها أبدًا، وذكر أنه عجز عنها، فلما تحقّق نائبُ السَّلطنة ذلك أعاد إليه مدرسته وكتبَ له بها توقيعًا بالعشر الأول من ذي الحجة. وخلع على شمس الدين بن الخَطِيري (٣) بنظر الخزانة عوضًا عن ابن الزمْلكاني. وحج بالنَّاس الأمير شرف الدين حسن بن حيدر. وممَّن توفي فيها من الأعيان: الشَّيخ عيسى بن الشيخ سيف الدين الرّجيحي (٤): ابن سابق بن الشّيخ يُونُس القَيْسي، ودفن بزاويتهم (٥) التي بالشّرف الشّمالي بدمشق غربي الوراقة والعزية يوم الثلاثاء سابع المحرم (٦). الملك الأوحد (٧): تقيّ الدين شاذي ابن الملك الزاهر مجير الدين داود بن الملك المجاهد أسد الدين شِيْركُوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شِيْرِكوه بن شاذي. توفي بجبل الجُرد في آخر نهار الأربعاء ثاني صفر، وله من العمر (٨) سبع وخمسون سنة فنقل إلى تربتهم بالسَّفح (٩). كان من خيار الملوك والدولة، معظَّمًا عند الملوك والأمراء، وكان يحفظ القرآن وله معرفة بعلوم، ولديه فضائل.

стр. 7299

الصَّدر علاء الدين: علي بن معالي الأنصاري الحراني (١) الحاسب، يُعرف بابن الرُّزَيْز. وكان فاضلًا بارعًا في صناعة الحساب انتفع به جماعة، توفي في آخر هذه السنة فجأة ودفن بقاسيون. وقد أخذت الحساب عن الحاضري عن علاء الدين الطيوري عنه. الخطيب شرف الدّين أبو العبّاس: أحمد بن إبراهيم بن سباع بن ضياء الفَزَاري (٢)، الشيخ الإمام العلّامة أخو العلّامة شيخ الشافعية تاج الدين عبد الرحمن، ولد سنة ثلاثين، وسمع الحديث الكثير، وانتفع على المشايخ في ذلك العصر كابن الصَّلاح والسَّخاوي (٣) وغيرهما، وتفقّه وأَفتى وناظر وبرع وساد أقرانه، وكان أستاذًا في العربية واللُّغة والقراءات وإيراد الأحاديث النبوية، والتردد إلى المشايخ للقراءة عليهم، وكان فصيح العبارة، حلو المحاضرة، لا تُمَلُّ مجالسته، وقد درس بالطّيبة (٤)، وبالرّباط النّاصري (٥) مدة، ثم تحوّل عنه إلى خطابة جامع جرّاح (٦)، ثم انتقل إلى خطابة جامع دمشق بعد الفارقي في سنة ثلاث ولم يزل به حتى توفي يوم الأربعاء عشية التَّاسع (٧) من شوَّال، عن خمس وسبعين سنة. وصلّي عليه صبيحة يوم الخميس على باب الخطابة، ودفن عند أبيه وأخيه بباب الصَّغير ﵏، ووليَ الخطابة (٨) ابنُ أخيه، شيخنا العلامة برهان الدين. الحافظ الكبير الدّمياطي: وهو الشيخ الإمام العالم الحافظ شيخ المحدثين شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خَلَف بن أبي الحسن بن شرف بن الخضر بن موسى الدمياطي (٩). حامل لواء هذا الفن - أعني صناعة الحديث وعلم اللغة - في زمانه مع كبر السن والقدر، وعلو الإسناد وكثرة الرواية، وجودة الدراية، وحسن التآليف وانتشار التصانيف، وتردد الطلبة إليه من سائر الآفاق (١٠).

стр. 7300

ومولده في آخر سنة ثلاث عشرة وستمئة، وقد كان أول سماعه في سنة ثنتين وثلاثين بالإسكندرية، سمع الكثير على المشايخ ورحل، وطاف، وحصَّل، وجمع فأوعى، ولكن ما منع ولا بخل، بل بذلَ وصنّف ونشر العلم، وولِّي المناصب بالديار المصرية، وانتفع الناس به كثيرًا، وجمع "معجمًا لمشايخه" الذين لقيهم بالشَّام والحجاز والجزيرة والعراق وديار مصر يزيدون على ألف وثلاثمئة شيخ، وهو مجلدان (١)، وله "الأربعون المتباينة الإسناد" وغيرها، وله كتاب في "الصلاة الوسطى" مفيد جدًّا، ومصنف في "صيام ستة أيام من شوال" أفاد فيه وأجاد، وجمع ما لم يسبق إليه، وله كتاب "الذكر والتسبيح عقيب الصلوات"، وكتاب "التسلِّي والاغتباط بثواب من يقدِّم من الأفراط" (٢) وغير ذلك من الفوائد الحسان، ولم يزل في إسماع الحديث إلى أن أدركته وفاته وهو صائم في مجلس الإملاء (٣) غشي عليه فحمل إلى منزله، فمات من ساعته يوم الأحد عاشر (٤) ذي القعدة بالقاهرة. ودفن من الغد بمقابر باب النَّصر وكانت جنازته حافلة جدًّا رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ست وسبعمئة استهلت (٥) والحكام هم المذكورون في التي قبلها والشيخ تقي الدين بن تيمية مسجون بالجُب من قلعة الجبل، [وخطيب دمشق برهان الدين الفزاري بعد عمه الشيخ شرف الدين ﵀ كما تقدّم بيانه، في أنه ألزم بها مرة ثانية، فلما كان صفر أخذ مدرسة البادرائية الشيخ كمال الدين الشيرازي، فعزل الشيخ برهان الدين نفسه عن الخطابة، فأعيدت إليه مدرسته] (٦). وفي يوم الأربعاء جاء البريد بتولية الخطابة للشيخ شمس الدين إمام الكلّاسة (٧)، وذلك في ربيع الأول، وهنِّئ بذلك، فأظهر التكرُّه لذلك والضعف عنه، ولم يحصل له مباشرة لغيبة نائب السلطنة في الصَّيد، فلما حضر أذن له فباشر يوم الجمعة العشرين من الشهر، فأوّلُ صلاةٍ صلَّاها الصبح يوم الجمعة، ثم خُلع عليه وخَطَب بها يومئذ. وفي يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الأول باشر نيابة الحكم عن القاضي نجم الدين أحمد بن

стр. 7301

عبد المحسن بن حسن المعروف بالدمشقي (١) عوضًا عن تاج الدين صالح بن تامر بن حَامد الجَعْبري (٢)، وكان محمرًا قديم الهجرة كثير الفضائل، ديّنًا ورعًا، جَيدَ المباشرة، وكان قد ولي نيابة الحكم في سنة سبع وخمسين وستمئة، فلما ولّي ابن صَصْرَى كره نيابته. وفي يوم الأحد العشرين من ربيع الآخر قدم البريد من القاهرة ومعه تجديد توقيع للقاضي شمس الدين الأذرعي الحنفي (٣)، فظنَّ النَّاسُ أنه بولاية القضاة لابن الحريري فذهبوا ليهنئوه مع البريديّ (٤) إلى الظاهرية، واجتمعَ النَّاس لقراءة التقليد على العادة، فشرع الشيخ علم الدين البِرْزالي في قراءته، فلما وصل إلى الاسم تبين له أنه ليس له، وأنه للأذرعي، فبطل القارئ، وقام الناس مع البريدي إلى الأذرعي، وحصلت كسرةٌ وخمدةٌ على الحريريّ والحاضرين. ووصل مع البريدي أيضًا كتاب فيه طلب الشيخ كمال الدين بن الزمْلَكاني إلى القاهر (٥)، فتوهَّم من ذلك، وخاف أصحابه عليه بسبب انتسابه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية، فتلطّف به نائبُ السّلطنة، ودارى عنه حتى أُعفي من الحضور إلى مصر، ولله الحمد. وفي يوم الخميس تاسع جمادى الأولى دخل الشيخ براق (٦) إلى دمشق ولصحبته مئة فقير كلّهم محلِّقي ذقونهم، موفري شواربهم، عكس ما وردت به السنَّة، وعلى رؤوسهم قرون لبابيد. ومعهم أجراس وكعاب وجواكينُ خشبٍ، فنزلوا بالمُنَيْبع وحضروا الجمعة برواق الحنابلة، ثم توجهوا نحو القدس فزاروا، ثم استأذنوا في الدخول إلى الديار المصرية فلم يؤذن لهم، فعادوا إلى دمشقَ، فصاموا بها رمضان ثمَّ انشمروا راجعين إلى بلاد الشرق، إذ لم يجدوا بدمشق قَبُولًا، وقد كان شيخهم براق روميًا من بعض قرى دوقات من أبناء الأربعين، وقد كانت له منزلة عند قازان ومكانة، وذلك أنه سلَّط عليه نَمِرًا فزجره فهرب منه وتركه، فحظيَ عنده وأعطاه في يوم واحد ثلاثين ألفًا ففرّقها كلَّها فأحبه، ومن طريقة أصحابه أنهم لا يقطعون لهم صلاة، ومن ترك صلاةً ضربوه أربعين جَلْدة، وكان يزعم أن طريقه الذي سلكه إنما سلكه ليخرِّب على نفسه، ويرى أنه زي المسخرة، وأن هذا هو الذي يليق بالدنيا، والمقصود إنما هو الباطن والقلب وعمارة ذلك، ونحن إنّما نحكُم بالظَّاهر، والله أعلم بالسرائر.

стр. 7302

وفي يوم الأربعاء سادس جمادى الآخرة حضر تدريس (١) النَّجيبية (٢) بهاء الدين يوسف بن كمال الدين أحمد بن عبد العزيز العجمي الحلبي، عوضًا عن الشيخ ضياء الدين الطوسي، توفي وحضر عنده ابن صَصْرَى وجماعةٌ من الفضلاء. وفي هذه السنة صُلِّيت صلاة الرَّغائب (٣) في النصف (٤) بجامع دمشق بعد أن كانت قد أبطلها ابن تيمية منذ أربع سنين، ولما كانت ليلةُ النصف حضر الحاجب ركن الدين بِيْبَرْسُ العلائي، ومَنع الناس من الوصول إلى الجامع ليلتئذ، وغلّقت أبوابه فبات كثير من الناس في الطرقات وحَصَل للناس أذىً كثير، وإنما أراد صيانة الجامع من اللَّغو والرفث والتخليط. وفي سابع عشر رمضان حكم القاضي تقي الدين الحنبلي بحقن دم محمد الباجَرْبقي (٥)، وأثبت عنده محضرًا بعداوة مَا بينه وبين الشُهود الستَّة الذين شهدوا عليه عند المالكي، حين حكم بإراقة دمه، وممَّن شهد بهذه العداوة ناصر الدين بن عبد السلام (٦) وزين الدّين بن الشريف عدنان (٧)، وقطب الدين ابن شيخ السلامية (٨) وغيرهم. وفيها باشر كمال الدين بن الزَّمْلكاني نظر ديوان ملك الأمراء (٩) عوضًا عن شهاب الدين الحنفي، وذلك في آخر رمضان، وخلع عليه بطَيْلسانَ وخلعةٍ، وحضر بها دار العدل. وفي ليلة عيد الفطر أَحْضَرَ الأميرُ سيف الدين سلّار نائب مصر القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء فالقضاة الشافعي والمالكي والحنفي، والفقهاء التاجي (١٠) والجزري (١١) والنمراوي (١٢)، وتكلَّموا في إخراج الشيخ تقي الدين بن تيمية من الحبس، فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطًا بذلك، [منها أنه

стр. 7303

يلتزم بالرجوع عن بعض العقيدة] (١) وأرسلوا إليه ليحضر ليتكلّموا معه في ذلك، فامتنع من الحضور وصمَّم، وتكرَّرت الرُّسلُ إليه ستَّ مراتٍ، فصمم على عدم الحضور، ولم يلتفت إليهم، ولم يعدهم شيئًا، فطال عليهم المجلس فتفرّقوا وانصرفوا غير مأجورين. وفي يوم الأربعاء ثاني شوال أذن نائب السلطنة الأفرم للقاضي جلال الدين القزويني (٢) أن يصلي بالناس ويخطب بجامع دمشق عوضًا عن الشيخ شمس الدين إمام الكلاسة، توفي، فصلَّى الظهر يومئذ وخطب الجمعة، واستمر بالإمامة والخطابة حتى وصل توقيعه بذلك من القاهرة. وفي مستهل ذي القعدة حضر نائب السلطنة والقضاة والأمراء والأعيان وشكرت خطبته. وفي مستهل ذي القعدة كمل بناء الجامع (٣) الذي ابتناه وعَمره الأمير جمال الدين نائب السلطنة الأفرم عند الرباط الناصري بالصالحية، ورتب فيه خطيبًا يخطب يوم الجمعة، وهو القاضي شمس الدين محمد بن العز الحنفي (٤)، وحضر نائب السلطنة والقضاة وشكرت خطبة الخطيب به، ومد الصاحب شهاب الدين الحنفي سماطًا بعد الصلاة بالجامع المذكور، وهو الذي كان الساعي في عمارته، والمستحث عليها، فجاء في غاية الإتقان والحسن، تقبل اللّه منهم. وفي ثالث ذي القعدة استناب ابن صَصْرَى القاضي صدر الدين سليمان بن هلال بن شبل الجعفري (٥) خطيب داريا في الحكم عوضًا عن جلال الدين القزويني، بسبب اشتغاله بالخطابة عن الحكم. وفي يوم الجمعة التاسع والعشرين من ذي القعدة قدم قاضي القضاة صدر الدين أبو الحسن علي بن الشيخ صفي الدين الحنفي البُصْراوي (٦) إلى دمشق من القاهرة متوليًا قضاء الحنفية عوضًا عن الأذرعي، مع ما بيده من تدريس النُّورية والمقدميّة (٧) وخرج الناس لتلقيه وهنَّؤوه، وحكم بالنُّورية، وقُرئ تقليدُه بالمقصورة الكِنْديَّة [في الزاوية الشرقية، من جامع بني أمية] (٨).

стр. 7304

وفي ذي الحجة ولي الأمير عز الدين بن صبرة على البلاد القبلية والي الولاة، عوضًا عن الأمير جمال الدين آقوش الرُّستمي، بحكم ولايته شد الدّواوين بدمشق، وجاء كتاب من السلطان بولاية وكالته للرئيس عز الدين بن حمزة القلانسي (١) عوضًا عن ابن عمه شرف الدين، فكره ذلك. [وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة أخبر نائب السلطنة بوصول كتاب من الشيخ تقي الدين من الحبس الذي يقال له: الجُب، فأرسل في طلبه فجيء به فقرئ على الناس فجعل يشكر الشيخ ويثني عليه وعلى علمه وديانته وشجاعته وزهده، وقال: ما رأيت مثله، وإذا هو كتاب مشتمل على ما هو عليه في السجن من التوجه إلى الله، وأنه لم يقبل من أحد شيئًا لا من النفقات السلطانية ولا من الكسوة ولا من الإدارات ولا غيرها، ولا تدنَّس بشيء من ذلك] (٢). [وفي هذا الشهر يوم الخميس السابع والعشرين منه طُلب أَخَوَا الشيخ تقي الدين: شرف الدين وزينُ الدّين من الحبس إلى مجلس نائب السلطان سلَّار، وحضر ابن مخلوف المالكي، وطال بينهم كلام كثير فظهر شرفُ الدِّين بالحُجَّة على القاضي المالكي بالنقل والدليل والمعرفة، وخطَّأه في مواضع ادعى فيها دعاوى باطلة، وكان الكلام في مسألة العرش، ومسألة الكلام، وفي مسألة النزول] (٣). [وفي يوم الجمعة أحضر شرف الدين أخو الشيخ تقي الدين وحده في مجلس نائب السلطنة سلَّار وحضر ابن عدنان، وتحكم معه الشيخ شرف الدين وناظره، وبحث معه وظهر عليه] (٤). وفي يوم الجمعة ثاني عشر (٥) ذي الحجة وصل على البريد من مصر نجم (٦) الدين محمد بن الشيخ فخر الدين ابن أخي قاضي القضاة البصراوي (٧) وزوج ابنته على الحِسْبة بدمشقَ عوضًا عن جمال الدين يوسف العجمي، وخلع عليه بطيلسانَ، ولبس الخِلعة ودار بها في البلد في مستهلّ سنة سبع وسبعمئة. وفي هذه السَّنة عُمر في حرم مكة بنحو مئة ألف. وحج بالنَّاس من الشام الأمير ركن الدين بِيْبَرْس المجنون (٨).

стр. 7305

وممَّن توفي فيها من الأعيان: القاضي تاج الدين: صالح بن تامر (١) بن حامد بن علي الجَعْبري (٢) الشافعى (٣)، نائب الحكم بدمشق، ومُعِيْد (٤) النَّاصرية، كان ثقة دينًا عدلًا مرضيًا زاهدًا، حكم في سنة سبع وخمسين وستمئة، له فضائل وعلوم، وكان حسَن الشَّكل والهيئة، توفي في ربيع الأول عن ست وسبعين سنة، ودفن بالسَّفح وناب في الحكم بعده نجم الدَّين الدمشقي (٥). الشيخ ضياء الدين الطُّوسي: أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن علي الشافعي (٦) مدرس النَّجيبية. شارح (الحاوي) (٧) و (مختصر ابن الحاجب) (٨) كان شيخًا فاضلًا بارعًا، وأعاد في الناصرية أيضًا، توفي يوم الأربعاء بعد مرجعه من الحمام تاسع عِشْري (٩) جمادى الأولى، وصُلِّي عليه يوم الخميس ظاهر باب النصر، وحضر نائب السَّلطنة وجماعة من الأمراء والأعيان، ودفن بالصُّوفية، ودرَّس بعده بالمدرسة بهاء الذين بن العَجَمي (١٠). الشيخ جمال الدين إبراهيم بن محمَّد بن سعد الطِّيْبي (١١): المعروف بابن السواملي (١٢)، والسوامِل الطَّاسات. كان معظَّمًا ببلاد الشرق جدًّا، كان تاجرًا كبيرًا توفي في هذا الشهر المذكور. الشيخ الجليل سيف الدين الرجيحي (١٣): سيف (١٤) بن سابق بن هلال بن يونس شيخ اليُونسيَّة بمقامهم، صلّي عليه سادسَ رجبٍ بالجامع، ثم أعيد إلى داره التي سكنها داخل باب توما، وتعرف بدار أمين الدولة فدفن بها، وحضر جنازته خلق كثير من الأعيان والقضاة والأمراء، وكانت له حرمة

стр. 7306

كبيرة عند الدولة وعند طائفته، وكان ضخم الهامة جدًّا محلوقَ الشَّعر، وخلَّف أموالًا وأولادًا. الأمير فارس الدين الروادي (١): توفي في العشر الأخير من رمضان، وكان قد رأى النبي ﷺ قبل وفاته بأيام وهو يقول له: أنت مغفور لك. أو نحو هذا، وهو من أمراءَ حسام الذَين لاجين. الشيخ القدوة العابد أبو عبد الله بن مطرف: توفي بمكة في شهر رمضان وقد كان مجاورًا بمكة ستين سنة وكان يطوف كل يوم وليلة خمسين أسبوعًا. وتوفي عن تسعين سنة ﵀ (٢). الشيخ العابد خطيب دمشق شمس الدينا (٣): محمد بن الشيخ أحمد بن عثمان الخلاطي إمام الكلَّاس (٤)، كان شيخا حسنًا بهيَّ المنظر كثير العبادة، عليه سكونٌ ووقار، باشر إمامة الكلاسة قريبًا من أربعين سنة، ثم طلب إلى أن يكون خطيبًا بدمشق بالجامع من غير سؤال منه ولا طلب، فباشرها ستة أشهر ونصف أحسن مباشرة، وكان حسنَ الصوت طيّب النغمة عارفًا بصناعة الموسيقا، مع ديانة وعبادة، وقد سمع الحديث. توفي فجأة بدار الخطابة يوم الأربعاء ثامن شوال عن ثنتين وستين سنة، وصُلّي عليه بالجامع وقد امتلأ بالناس، ثم صلّي عليه بسوق الخيل، وحضر نائب السَّلطنة والأمراء والعامة، وقد غلقت الأسواق ثم حمل إلى سفح قاسيون ﵀. ثم دخلت سنة سبع وسبعمئة [استهلت وخليفة الوقت المستكفي بالله بن الحاكم العباسي، وسُلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ونوابه وقضاته بالديار المصرية والبلاد الشامية هم المذكورون، ولكن خطيب الشام جلال الدين القزويني] (٥)، والشيخ تقي الدين بن تيمية معتقل في الحَبْس من (٦) قلعة الجبل بمصر، وفي أوائل المحرم أظهر السلطان الملك الناصر الغضب على الأمير سلَّار (٧) والجاشَنْكير (٨) وامتنع من العلامة، وأغلق القلعة، وتحصَّن فيها، ولزم الأميران بيوتَهما، واجتمع عليهما جماعةٌ من الأمراء وحُوصرت

стр. 7307

القلعةُ وجرت خبطة عظيمة، وغلَّقت الأسواق، ثم راسلوا السلطان فتوطَّدت الأمور وسكنت الشرور [على دَخَنٍ، وتنافرِ قلوب] (١). وقوي الأميران أكثر ممّا كانا قبل ذلك وركب السلطان ووقع الصُّلح على دخن. وفي المحرم وقعت الحرب بين التتر وبين أهل كيلان (٢)، وذلك أن ملك التّتر طلب منهم أن يجعلوا ببلادهم طريقًا لعساكره (٣) فامتنعوا من ذلك، فأرسل ملك التتر خَرْبَنْدا جيشًا كثيفًا ستين ألفًا من المقاتلة، أربعين ألفًا مع قطْلُوشَاه وعشرين ألفًا مع جُوْبان، فأمهلهم أهل كيلان حتى توسَّطوا بلادهم، ثم أرسلوا عليهم خليجًا من البحر، ورَمَوْهم بالنِّفط فغرق كثير منهم واحترق آخرون، وقَتَلوا بأيديهم طائفة كثيرة، فلم يُفلت منهم إلا القليل (٤)، وكان فيمن قتل أمير التتر الكبير قَطْلُوشَاه، [فاشتدَّ غضب خَرْبَنْدا على أهل كيلان، ولكنه فرح بقتل قُطْلُوشاه] (٥) فإنه كان يريد قتله فكُفي أمره عنهم، ثم قتل بعده بولاي، ثم إن ملك التتر أرسل الشيخ بُراق الذي قدم الشام فيما تقدَّم إلى أهل كيلان يبلِّغهم عنه رسالةً، فقتلوه وأراحوا النَّاس منه (٦). [وبلادهم من أحصن البلاد وأطيبها لا تُستطاع، وهم أهل سُنَّة وأكثرهم حنابلة لا يستطيع مبتدع أن يسكن بين أظهرهم] (٧). وفي يوم الجمعة رابع عشر صفر اجتمع قاضي القضاة بدرُ الدين بن جماعة (٨) بالشيخ تقي الدين بن تيمية في دار الأوحدي من قلعة الجبل، وطال بينهما الكلام ثم تفرَّقا قبل الصلاة، والشيخ تقي الدين مصمِّمٌ على عدم الخروج من السِّجن، فلما كان يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول جاء الأمير حسام الدين مُهَنَّا بن عيسى (٩) ملك العرب إلى السجن بنفسه وأقسم على الشيخ تقي الدين ليخرجنَّ إليه، فلما خرج أقسم عليه ليأتين معه إلى دار سلَّار، فاجتمع به بعض الفقهاء بدار سلَّار وجرت بينهم بحوث كثيرة، ثم فرَّقت بينهم الصَّلاةُ، ثم اجتمعوا إلى المغرب، وبات الشيخ تقي الدين عند سلَّار، ثم اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان جميعَ النَّهار، ولم يحضر أحد من القضاة، بل اجتمع من الفقهاء

стр. 7308

خلقٌ كثيرٌ، أكثر من كل يوم، منهم الفقيه نجم الدين بن الرِّفعة (١) وعلاء الدين التاجي، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد، وعز الدين النَّمْراوي، وشمس الدين بن عَدْنان وجماعةٌ من الفقهاء، وطلبوا القضاةَ فاعتذروا بأعذار، بعضهم بالمرض، وبعضهم بغيره، لمعرفتهم بما ابن تيمية منطوٍ عليه من العُلُوم والأدلَّة، وأن أحدًا من الحاضرين لا يُطيقه، فقبل عذرَهم نائب السلطنة ولم يكلِّفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم أو بفَصْل المجلس على خيرٍ، وبات الشيخُ عند نائب السَّلطنة، وجاء الأمير حسام الدين مُهَنَّا يريد أن يستصحب الشيخ تقي الدين معه إلى دمشق، فأشار سلَّار بإقامة الشيخ (٢) بمصرَ عنده ليرى النَّاسُ فضلَه وعلْمَه، وينتفع الناس به ويشتغلوا عليه. وكتب الشَّيخ كتابًا إلى الشام يتضمَّنُ ما وقع له من الأمور (٣).

стр. 7309

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7311

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7312

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7313

قال البِرْزالي: وفي شَوَّال منها شكى الصُّوفية بالقاهرة على الشيخ تقي الدين وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة، فردُّوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي، فعُقد له مجلس وادّعى عليه ابن عطاء (١). بأشياء فلم يثبت عليه منها شيء، لكنه قال: لا يُسْتَغَاثُ إلا بالله، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبارة، ولكن يُتَوسَّل به ويُشَفَّع به إلى الله، فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شيء، ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أن هذا فيه قلَّة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله. ثم إنّ الدولةَ خيّروه بين أشياء: إمّا أن يسير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروطة (٢) أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شَرَطَ، فأجاب أصحابَه إلى ما اختاروا جبرًا لخواطرهم. فركب خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال، ثم أرسلوا خلفه من الغد بريدًا آخر، فرَدُّوه، وحضر

стр. 7314

عند قاضي القضاة ابن جماعة وعنده جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: إنَّ الدولة ما ترضى إلا بالحَبْس، فقال القاضي: وفيه مصلحة له، واستناب شمس الدين التُّونسي المالكي وأُذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدَّين الزَّواوي المالكي فتحيَّر، فلمَّا رأى الشَيخُ توقُّفَهم في حبسه قال: أنا أمضي إلى الحبس وأتَّبع ما تقتضيه المصلحة، فقال نور الدّين الزواوي: يكون في موضع يصلح لمثله. فقيل له: الدولة ما ترضى إلا بمسمَّى الحبس، فأُرسل إلى حبس القضاة في المكان الذي كان فيه تقي الدَّين ابن بنت الأعز (١) حين سجن، وأُذن له أن يكون عندَه من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المَنْبجي لوجاهته في الدولة، فإنّه كان قد استحوذ على عقل الجَاشْنَكير الذي تسلطَنَ فيما بعد، وغيره من رجال الدولة، والسُّلطان مقهور معه، واستمرَّ الشيخ في الحبس يستفتى ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة التي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء وأعيان الناس، فيكتب عليها بما يحيِّر العقول من الكتاب والسُّنَة. ثم عقد للشيخ مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، ونزل الشيخ بالقاهرة بدار ابن شقير، وأكب الناس على الاجتماع به ليلًا ونهارًا. وفي سادس رجب باشر الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني نظر ديوان المارستان (٢) عوضًا عن يوسف العجمي توفّي، وكان محتسبًا بدمشق مدة فأخذها منه نجم الدين بن البُصْراوي (٣) قبل هذا بستَّة أشهر، وكان العجمي موصوفًا بالأمانة. وفي ليلة النصف من شعبان أُبطلت صلاة ليلة النصف لكونها بِدعة، وصين الجامع من الغوغاء والرّعاع، وحصل بذلك خير كثير ولله الحمد والمنة. وفي رمضان قدم الصدر نجم الدين البصراوي ومعه توقيع بنظر الخِزَانة عوضًا عن شمس الدين الخطيري (٤) مضافًا إلى ما بيده من الحِسْبة. ووقع في أواخر رمضان مطر قويٌّ شديد، وكان الناس لهم مدّة لم يُمطروا، فاستبشروا بذلك، ورَخُصت الأسعارُ، ولم يمكن الناس الخروج إلى المصلَّى من كثرة المطر، فصفُوا بالجامع، وحضر نائبُ السلطنة فصلَّي بالمقصورة. وخرج المحمل (٥)، وأمير الحج عامَئذٍ سيفُ الدّين بَلَبَانُ البَدريُّ التَّتَري (٦).

стр. 7315

وفيها حج القاضي شرف الدين البَارزيُّ (١) من حماة. [وفي ذي الحجة وقع حريقٌ عظيمٌ بالقرب من الظَّاهرية مبدؤه من الفُرن تجاهها الذي يقال له: فرن الصُّوفية (٢) ثم لطف الله وكف شرها وشررها] (٣). قلت: وفي هذه السنة كان قدومنا من بصرى إلى دمشق بعد وفاة الوالد، وكان أول ما سكنَّا بدرب سَفُّون (٤) الذي يقال له: درب ابن أبي الهيجاء بالصاغة العتيقة عند الطُّيوريين (٥)، ونسأل الله حسن العاقبة والخاتمة آمين. وممَّن توفي فيها من الأعيان: الأمير رُكن الدين بِيْبَرْس: العَجَميّ الصالحيّ (٦)، المعروف بالجَالِق، كان رأس نوبة (٧) الجِمْداريّة في أيام الملك الصالح نجم الدين أَيّوب وأمَّره الملك الظاهر. وكان من أكابر الدولة كثير الأموال، توفي بالرَّملة لأنّه كان في قسم إقطاعه في نصف جمادى الأولى، ونقل إلى القُدْس فدُفن به. الشَّيخ صالح الأَحمدي الرفاعي (٨): شيخ المُنَيْبع (٩)، وكان التَّتر يكرمونه لمّا قدموا دمشق، ولما جاء قُطْلُوشاه نائب التَّتر نزل عنده، وهو الذي قال للشيخ تقي الدين بن تيمية حين تناظروا (١٠) بالقصر: نحنُ ما ينفُق حالنا إلا عند التتر، وأمّا عند الشرع فلا. ثم دخلت سنة ثمان وسبعمئة استهلّت [والخليفة المستكفي وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون، ونوابه وقضاته بالديار المصرية والبلاد الشامية هم المذكورون في السنة التي قبلها]، والشيخ تقيُّ الدين قد أُخرج من الحَبْس، والنَّاس قد عكفوا عليه زيارة وتعلُّمًا واستفتاءً وغير ذلك.

стр. 7316

وفي مستهل ربيع الأول أُفرج عن الأمير نجم الدّين خَضِر بن الملك الظّاهر (١)، فأخرج من البرج (٢) وسكن دار الأَفْرَم (٣) بالقاهرة، ثم كانت وفاتُه في خامس رجب من هذه السَّنة. وفي أواخر جُمادى الأولى تولَّى نظر ديوان ملك الأمراء زينُ الدِّين الشَّريف ابن عدنان عوضًا عن ابن الزملكاني، ثم أُضيف إليه نظرُ الجَامع أيضًا عوضًا عن ابن الخطيري، وتولَّى نجمُ الدّين الدمشقي (٤) نظرَ الأيتام عوضًا عن نجم الدين بن هلال (٥). وفي رمضانَ عُزِل الصَّاحبُ أمين الدين الدقاقي (٦) عن نظر الدّواوين بدمشقَ وسافر إلى مصرَ. وفيها عَزَل كمالُ الدّين بن الشَّرَيْشي (٧) نفسَه عن وكالة بيت المال، وصمَّم على الاستمرار على العزل، وعُرض عليه العَودُ فلم يقبل، وحُمِلت إليه الخِلعة لمّا خُلع على المباشرين فلم يلبسها، واستمرَّ معزولًا إلى يوم عاشوراء من السَّنة الآتية، فجُدِّد تقليدُه وخُلع عليه في الدَّولة الجديدة. وفيها خرج السُّلطان (٨) الناصر محمّد بن قلاوون من الديار المصرية قاصدًا الحج، وذلك في السادس والعشرين من رمضانَ، وخرج معه جماعةٌ من الأمراء لتوديعه فردَّهم، ولما اجتاز بالكَرَك عَدَل إليها فنُصب له الجسرُ، فلما توسَّطه كُسر به، فسلم من كان أمامه وقفز به الفرسُ فسلم، وسقط من كان وراءه وكانوا خمسينَ، فمات منهم أربعة، وتهشَّم أكثرهم في الوادي الذي تحته (٩)، وبقي نائبُ الكَرَك الأمير جمالُ الدين آقوش (١٠) خَجِلًا يتوهَّم أن يكون هذا يظنُّه السلطان عن قصد، وكان قد عمل للسُّلطان ضيافةً غرِم عليها أربعةَ عشرَ ألفًا، فلم يقع الموقع لاشتغال السلطان بهم وما جرى له ولأصحابه، ثم خلع على النّائب، وأذن له في الانصراف إلى مصرَ فسافر، واشتغل السلطان بتدبير المملكة في الكَرَك وحدَها، وكان يحضر دارَ العدل ويباشر الأمورَ بنفسه،

стр. 7317

وقدمت عليه زوجُه (١) من مصرَ، فذكرت له ما كانوا فيه من ضيق الحال وقلَّة النفقات (٢). ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير (٣) لما استقر الملك النَّاصرُ بالكَرَك وعزم على الإقامة بها كتب كتابًا إلى الديار المصرية يتضمَّنُ عَزلَ نفسه عن المملكة، فأُثبت ذلك على القضاة بمصر، ثم نُفِّذَ على قضاة الشام، ويويع الأمير ركن الدين بِيْبَرس الجَاشْنَكير، بالسّلطنة (٤) في الثالث والعشرين من شوال يوم السبت بعد العصر، بدار الأمير سيف الدين سلَّار، اجتمع بها أعيان الدولة من الأمراء وغيرهم وبايعوه وخاطبوه بالملك المظفر، ثمَّ ركب إلى القلعة ومَشَوْا بين يديه، وجلس على سرير المملكة بالقلعة، ودُقت البشائر وسارت البريدية بذلك إلى سائر البلدان (٥). وفي مستهل ذي القعدة وصل الأمير عز الدّين البغدادي (٦) إلى دمشق فاجتمع بنائب السَّلطنة والقضاة والأمراء والأعيان بالقصر الأَبْلق، فقرأ عليهم كتاب الناصر إلى أهل مصر، وأنَّه قد نزل عن الملك وأعرض عنه، فأثبته القُضَاة وامتنع الحنبلي (٧) من إثباته وقال: ليس أحد يتركُ الملك مختارًا، ولولا أنه مضطهد ما تركه، فعُزِل وأُقيم غيرُه (٨)، ثم استحلفهم للسلطان الملك المظفر، وكتبت العلامة على القلعة، وألقابه على محال المملكة، ودُقت البشائر، وزُيِّنت البلد، ولما قرئ كتاب الملك الناصر على الأمراء بالقصر، وفيه: إني قد صحبت الناس عشر سنين ثم اخترت المقَام بالكَرَك، تباكَي جماعة من الأمراء وبايعوا كالمُكرهين. وتولى مكان الأمير ركن الدين بِيْبَرْس الجاشنكير الأمير سيف الدين ترغلى (٩)، ومكان ترغلى (١٠)

стр. 7318

سيف الدين بِتْخَاص (١)، ومكان بِتْخَاص الأمير جمال الدين آقوش (٢) الذي كان نائب الكَرَك، وخُطب للمظفر يوم الجمعة على المنابر بدمشق وغيرها، [وحضر نائب السلطنة الأفرم والقضاة، وجاءت الخلع وتقليد نائب السلطنة في تاسع عشر ذي القعدة] (٣). وقرأ تقليدَ النائب كاتبُ السرّ القاضي محيي الدين بن فضل الله (٤) بالقصر بحضرة الأمراء، وعليهم الخلعُ كلّهم. وركب المظفر بالخِلعة السوداء الخليفيَّة، والعِمَامة المدوَّرة ورجال الدَّولة بين يديه، عليهم الخِلعُ يوم السبت سابع ذي القعدة، والصَّاحب ضياء الدين النشاي (٥) حامل تقليد السُّلطان من جهة الخليفة في كيس أطلس أسود. وأَوّله ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]. ويقال: إنّه خلع في القاهرة قريب ألف خِلعة ومِئتي خِلعة، وكان يومًا مشهودًا، [وفرح بنفسه أيامًا يسيرة، وكذا شيخُه والمَنْبجيّ، ثمَّ أزالَ الله عنهما نعمتَه سريعًا] (٦). وفيها خطب ابنُ جماعة (٧) بالقلعة، وباشر الشيخ علاء الدين القُونوي (٨) تدريس الشَّريفية (٩). وممّن توفي فيها من الأعيان: الشَّيخ الصَّالح عثمان الحلبوني (١٠): أصلُه من صعيد مصرَ، فأقام مدة بقرية حلبون وغيرها من

стр. 7319

تلك الناحية، ومكثَ مدة لا يأكل الخبز، واجتمع عليه جماعةٌ من المريدين وتوفي بقرية برزة (١) في أواخر المحرَّم، ودُفن بها، وحضر جنازَته نائبُ الشّام والقضاة وجماعة من الأعيان. الشَّيخ الصَّالح: أبو الحسن علي بن محمد بن كثير الحرّاني (٢) الحَنْبلي إِمام مسجد عطيَّة، ويعرف بابن المقرئ، روَى الحديثَ، وكان فقيهًا بمدارس الحنابلة. ولد بحران سنة أربع وثلاثين وستمائة، وتوفي بدمشقَ في العشر الأخير من رمضان، ودُفن بسفح قاسيون. وتوفي قبله الشيخ زين الدين الحرَّاني (٣) بغزَّة، وعَمل عزاؤُه بدمشقَ. رحمهما الله. السَّيد الشَّريف زَيْن الدّين: أبو علي الحُسَين (٤) بن محمد بن عدنان الحُسَيني (٥) نقيب الأشراف، كان فاضلًا بارعًا فصيحًا متكلمًا، يعرف طريقة الاعتزال ويباحث الإمامية، ويناظر على ذلك بحضرة القضاة وغيرهم، وقد باشر قبل وفاته بقليل نظر الجامع ونظر ديوان الأَفْرم، توفي يوم الخامس من ذي القعدة عن خمسٍ وخمسينَ سنةً، ودُفن بتربتهم بباب الصغير. الشَّيخ الجليل ظهير الدين: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل بن مَنْعَةَ البغدادي (٦)، شيخُ الحَرَم الشَّريف بمكَّة بعد عمه عفيف الدّين منصور بن منعة، وقد سمع الحديث، وأقام ببغداد مدة طويلة، ثم سار إلى مكَّة، بعد وفاة عمه، فتولَّى مشيخة الحرم إلى أن توفي بها (٧). ثم دخلت سنة تسع وسبعمئة استهلّت وخليفةُ الوقت المستكفي أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله العباسي، وسلطان البلاد الملك المظفر ركن الدين بِيْبَرْس الجَاشْنَكِير، ونائبُه بمصرَ الأمير سيف الدين سلَّار، وبالشام (٨) آقوش الأَفْرم، وقضاةُ مصرَ والشَّام هم المذكورون في التي قبلها.

стр. 7320

وفي ليلة سلخ صفر توجه الشيخ تقي الدين بن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية صحبةَ أمير مُقَدّم، فأدخله دار السلطان وأنزله في برج منها فسيح متسّع الأَكناف، فكان الناس يدخلون عليه [ويشتغلون في سائر العلوم] (١)، ثم كان بعد ذلك يحضر الجُمُعَات، ويعمل المواعيد على عادته في الجامع، [وكان دخوله إلى الاسكندرية يوم الأحد، وبعد عَشْرةِ أيَّام وصل خبره إلى دمشقَ، فحصل عليه تألُّم وخافوا عليه غائلة الجاشْنَكير وشيخه المَنْبجي، فتضاعف له الدُّعاء، وذلك أنهم لم يمكِّنوا أحدًا من أصحابه أن يخرج معه إلى الإسكندرية، فضاقت له الصُّدور، وذلك أنّه تمكَن منه عدوُّه نصر المنَبْجي] (٢). وكان سبب عداوته له أنَّ الشيخ تقي الدّين كان ينال من الجاشْنَكير ومن شيخه نَصْر المَنْبجي، ويقول: زالت أيامه وانتهت رياسته، وقَرُب انقضاءُ أجله، ويتكلم فيهما وفي ابن عربي وأتباعه، فأرادوا أن يسيروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غِيْلة (٣)، فما زاد ذلك الناس إلا محبة فيه وقربًا منه، وانتفاعًا به، واشتغالًا عليه، وحُنُوًا وكرامةً له. [وجاء كتابٌ من أخيه (٤) يقول فيه: إنَّ الأخَ الكريم قد نزل بالثّغر المحروس على نيّة الرَّباط، فإنّ أعداءَ الله قصدوا بذلك أمورًا يكيدونه بها ويكيدون الإسلام وأهله، وكانت تلك كرامةً في حقّنا، وظنوا أنَّ ذلك يؤدي إلى هلاك الشيخ، فانقلبت عليهم مقاصدُهم الخبيثة، وانعكست من كل الوجوه، وأَصبَحُوا وأَمْسَوْا وما زالوا عند الله وعند النّاس العارفين سودَ الوُجوه، يتقطَّعون حسراتٍ وندمًا على ما فعلوا، وانقلبَ أهل الثغر أجمعين إلى الأخ مقبلينَ عليه، مُكرمين له، وفي كل وقت ينشرُ من كتاب الله وسنَّة رسوله ما تَقَرُّبِهِ أعينُ المؤمنين، وذلك شجى (٥) في حلوق الأعداء، واتّفق أنّه وجد بالإسكندرية إبليسَ قد باضَ فيها وفرَّخ، وأضل بها فرق السَبْعينَّة (٦) والعربيَّة (٧)، فمزق الله بقدومه عليهم شملَهم، وشتَّت جموعَهم شَذَرَ مَذرَ، وهتكَ أستارهم وفَضَحهم، واستتاب جماعةً كثيرةً منهم، وتوَّبَ رئيسًا من رؤسائهم، واستقر عند عامة المؤمنين وخواصِّهم من أمير وقاض وفقيه، ومفتي وشيخ وجماعة المجتهدين، إلا من شَذَّ من الأغْمَار الجُهَّال، مع الذلَّة والصَّغار - محبةُ الشَّيخ وتعظيمُه وقبولُ كلامه
следующие страницы →