← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

وبلاد السَّواد وَزَرع، ووصل دمشقَ في أول يوم من ذي القعدة، فدخلَها فوجد السُّلطان قد توجَّه إلى الحجاز الشريف في أربعين أميرًا من خواصِّه يوم الخميس ثاني ذي القعدة، [ثم إنَّ الشيخ بعد وصوله إلى دمشق واستقراره بها لم يزل ملازمًا لاشتغال النَّاس في سائر العلوم، ونشر العلم، وتصنيف الكتب، وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطوَّلة والاجتهاد في الأحكام الشرعية، ففي بعض الأحكام يفتي بما أَدَّى إليه اجتهادُه من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور في مذاهبهم. وله اختيارات كثيرة مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف] (١). فلمَّا سارَ السُّلطان إلى الحجِّ فرَّق العساكر والجيوش بالشَّام وترك أَرْغُون بدمشقَ. وفي يوم الجمعة لبس الشيخ كمال الدين بن الزملكاني خلعة وكالة بيت المَال (٢) عوضًا عن ابن الشُّرَيْشي، وحضر بها الشُبَّاك. وتكلَّم وزيرُ السُّلطان (٣) في البَلَد، وطلب من الناس (٤) أموالًا كثيرة وصادر وضرب بالمقارع، وأهان جماعة من الرُّؤساء منهم ابن فضل الله محيي الدِّين. وفيه عُيِّن شهاب الدين بن جهبل (٥) لتدريس الصَّلاحية بالقُدس، عوضًا عن نجم الدين داود الكردي توفى (٦)، وقد كان مدرسًا بها من نحو ثلاثين سنة، فسافر ابنُ جهبل إلى القدس بعد عيد الأضحى. وفيها مات ملك القفجاق المسمى طُقْطَاي (٧) خان، وكان له في الملك ثلاث وعشرون سنة، وكان عمره يوم مات (٨) ثلاثين سنة، وكان شهمًا شجاعًا على دين التَّتر في عبادة الأصنام والكواكب، يعظِّم المجسِّمة والحكماء والأطباء، ويكرِمُ المسلمين أكثر من جميع الطَّوائف، كان جيشه هائلًا لا يجسر أحد على قتاله لكثرة جيشه وقوتهم وعددهم وعُدَدهم، ويقال: إنَّه جرَّد مرةً تجريدةً من كل عشرة من جيشه واحدًا فبلغت التجريدةُ مائة ألفب وخمسين ألفًا.

стр. 7352

توفي في رمضان منها وقام في المُلْك من بعده ابن (١) أخيه أُزْبَك خَان، وكان مسلمًا فأظهر دينَ الإسلام ببلاده، وقتل خلقًا من أمراء الكفرة وعلت الشَّريعة (٢) المحمَّدية على سائر الشرائع هناك وللّه الحمد والمنة على الإسلام والسنة. وممن توفي فيها من الأعيان: الملك المنصور صاحب ماردين (٣): وهو نجمُ الدين أبو الفتح غازي بن الملك المظفّر قَرَا أَرْسلان بن الملك السعيد نجم الدين غازي بن الملك المنصور ناصر الدين أُرْتُق بن غازي [بن المنى بن تمرتاش بن غازي] (٤) بن أُرْتُق الأُرْتُقي. أصحاب ماردين من عدة سنين، كان شيخًا حسنًا مهيبًا كامل الخلقة بدينًا سمينًا إذا ركب يكون خلفه محفّة. خوفًا من أن يمسه لغوب فيركب فيها. توفي في تاسع ربيع الآخر ودفن بمدرسته تحت القلعة، وقد بلغ من العمر فوق السَّبعين، ومكث في الملك قريبًا من عشرين سنة، وقام من بعده في الملك ولده العادلُ فمكث سبعةَ عشرَ يومًا، ثم ملَكَ أخوه المنصوري (٥). وفيها مات: الأمير سيف الدين قُطْلُوبَك الشَّيخي (٦): كان من أمراء دمشقَ الكبار. الشَّيخ الصَّالح (٧): نورُ الدين أبو الحسن علي بن محمد بن هارون بن محمد بن هارون بن علي بن حميد (٨) التغلبي (٩) الدمشقي، قارئُ الحديث بالقاهرة ومُسنِدُها. روى عن ابن الزبير (١٠) وابن اللَّتِّي (١١) وجعفر الهمداني وابن الشيرازي وخلق، وقد خرج له الإمام

стр. 7353

العلامة تقي الدين السُّبكي مشيخةً. وكان رجلًا صالحًا توفي بكرة الثلاثاء تاسعَ عشرَ ربيع الآخر، وكانت جنازته حافلة. الأمير الكبير الملك المُظَفَّر (١): شهابُ الذين غازي بن الملك النّاصر داود بن المعظَّم. سمع الحديث (٢)، وكان رجلًا متواضعًا توفي بمصرَ ثاني عشرَ رجب، ودفن بالقاهرة. قاضي القضاة (٣): شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن داود بن حازم (٤) الأذرعي الحنفي، كان فاضلًا درَّس وأفتى، وولي قضاء الحنفية بدمشق سنةً ثم عُزل واستمر على تدريس الشِّبليَّة مدَّة، ثم سافر إلى مصر، فأقام بسعيد السُّعداء خمسة أيام، وتوفي يوم الأربعاء ثاني عشرين رجب فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وسبعمئة استهلت [والحكام هم هم] (٥)، والسُّلطان في الحجاز لم يقدَم بعدُ، وقد قدم الأمير سيف الدين قَجْلِيْسُ (٦) يوم السبت مستهلّ المحرّم من الحجاز وأخبر بسلامةِ السُّلطان، وأنه فارقه من المدينة النبوية، وأنه قد قارب البلاد، فدُقَّت البشائرُ فرحًا بسلامته. ثم جاء البريد فأخبر بدخوله إلى الكرك ثاني المحرم يوم الأحد، فلما كان يوم الثلاثاء حاديْ عَشَرَ المحرَّم دخل دمشقَ، وقد خرج الناس لتلقّيه على العادة، وقد رأيته مرجعَه من هذه الحِجَّة على شفته ورقةٌ قد ألصقها عليها، فنزل بالقصر وصلّى الجمعة رابعَ عشرَ المحرَّم بمقصورة الخطابة بالأموي (٧)،

стр. 7354

وكذلك الجمعة التي تليها، ولعب في المَيْدان بالكرة يوم السبت النصف من المحرم، وولَّى نظر الدواوين للصَّاحب شمس الدين بن غِبْريَال (١) يوم الأحد سادسَ عَشَرَ (٢) المحرَّم، وشدّ الدّواوين لفخر الدين إياس الأعسري (٣) عوضًا عن القَرَمانيّ، وسَافر القَرَمانيّ إلى نيابة الرَّحْبَة وخلع عليهما وعلى وزيره (٤)، وخلع على ابن صَصْرَى وعلى الفخر كاتب المماليك، وكان مع السلطان في الحج وولي شرف بن صصرى حجابَة الديوان (٥) وباشر فخر الدّين ابن شيخ السَّلامية نظر الجامع (٦)، وباشر بهاء الدّين بن عليم نظر الأوقاف، والمنكورسي شد الأوقاف. وتوجه السُّلطان راجعًا إلى الديار المصرية بكرة الخميس السابعَ والعشرين من المحرم، وتقدَّمت الجيوش بين يديه ومعه (٧). وفي أواخر صفر اجتاز على البريد في الرسلية إلى مهنّا الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وموسى بن مهنا، والأمير علاء الدين ألْطَنْبُغَا (٨) فاجتمعوا به في تَدْمُرَ، ثمَّ عاد ألْطَنْبُغَا وابنُ الوكيل إلى القاهرة (٩). وفي أَوَاخر (١٠) جُمادى الآخرة مُسك أمينُ المُلْك وجماعةٌ من الكبار معه، وصودروا بأموال كثيرة، وأقيم عوضه بدر الدين بن التُّركماني الذي كان والي الخزانة. وفي رجب كَمُلَت (١١) أربعةُ مجانيق، واحد لقلعة دمشق وثلاثةٌ تحمل إلى الكَرَك، ورُمي باثنين على باب الميدان وحضر نائب السلطنة تَنْكِزُ والعامَّةُ (١٢). وفي شعبان تكامل حَفْرُ النَّهر الذي عمله سُودي نائبُ حلب بها، وكان طولُه من نهر السَّاجور إلى نهر قُوَيق أربَعين ألف ذراع في عرض ذراعين وعمق ذراعين، وغرم عليه ثلثمئة ألف درهم (١٣)، وعُمِلَ بالعدل ولم يُظلم فيه أحد.

стр. 7355

وفي يوم السبت ثامنِ شوّال خرج الرَّكبُ من دمشقَ وأميرُه سيف الدين بَلَبَان (١) التَّتري، وحجَّ صاحبُ حماة (٢) في هذه السنة وخلقٌ من الرُّوم والعُرْبان (٣). وفي يوم السبت السادس والعشرين من ذي الحجة وصل القاضي قطب الدين موسى ابن شيخ السلامية من مصر على نظر الجيوش الشامية كما كان قبل ذلك، وراح معين الدين بن الحشيش إلى مصر في رمضان صحبة الصاحب شمس الدين بن غبريال، وبعد وصول ناظر الجيوش بيومين وصلت البشائر (٤) بمقتضى إزالة الإقطاعات الشامية (٥) لما رآه السلطان بعد نَظَره في ذلك (٦) أربعة أشهر. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الإمام المحدث (٧): فخر الدين أبو عمرو عثمان (٨) بن محمد بن عثمان بن أبي بكر بن محمد بن داود التَّوزَري (٩) بمكَّة يوم الأحد حادي عشر (١٠) ربيع الآخر، وقد سمع الكثيرَ، وأجازه خلقٌ يزيدون على ألف شيخ، وقرأ الكتب الكِبار وغيرها، وقرأ "صحيحَ البخاري" أكثر من ثلاثين مرة ﵀. عز الدِّين محمد بن العدل (١١) شهاب الدين أحمد بن عمر بن إلياس الرهاوي، كان يباشر استيفاء الأوقاف وغير ذلك، وكان من أخصّاء أمين المُلك، فلما مُسكَ بمصرَ أُرسل إلى هذا وهو معتقل بالعَذْراويّة (١٢) ليحضُرَ على البريد، فمرض فمات بالمدرسة العَذْراويّة ليلة الخميس التاسع عشر من جمادى الآخرة، وله من العمر خمسٌ وثلاثونَ سنة. وكان قد سمع من ابن طبرزد (١٣)، والكندي، ودفن من الغد بباب الصغير، وترك من بعده ولدين ذكرين جمالَ الدين محمدًا، وعزَّ الدين.

стр. 7356

الشَّيخُ الكبيرُ المقرى (١) شمس الدين المقصَّاتي (٢): هو أبو بكر بن عمر بن المشيع الجَزَري المعروف بالمقصاتي نائب الخطيب، وكان يُقرِئ النَّاس بالقراءات السَّبع (٣) وغيرها من الشّواذ، وله إلمامٌ بالنَّحو، وفيه ورع واجتهاد. توفي ليلة السبت حادي عشرين جمادى الآخرة ودفن من الغد بسفح قاسيون تجاه الرباط الناصري (٤)، وقد جاوز الثمانين ﵀. ثم دخلت سنة أربع عشرة وسبعمئة استهلت [والحكام هم هم] (٥) في التي قبلها إلَّا الوزير (٦) أمينُ المُلْك، فمكانه بدر الدين (٧) التُّركماني. وفي رابع المحرم عاد الصّاحبُ شمس الدين بن غبريال من مصر على نظر الدواوين وتلقّاه أصحابه. وفي عاشر المحرم يوم الجمعة قُرئ كتابُ السلطان على السُّدَّة بحضرة نائب السلطنة والقضاة والأمراء يتضمن بإطلاق البواقي من سنة ثمان وتسعين وستمئة إلى آخر سنة ثلاث عشرة وسبعمئة، فتضاعفت الأدعية للسلطان، وكان القارئُ جمال الدين (٨) بن القلانسي ومبلِّغُه صدر الدين (٩) بن صَبِيح المؤذّن، ثم قرئ في الجمعة الأخرى مرسوم آخر فيه الإفراج عن المسجونين وأن لا تؤخذ من كل واحد سوى نصف درهم، ومرسومٌ آخر فيه إطلاق السُّخَر في الغَصْب وغيره عن الفلاحين، قرأه ابن الزَّمْلَكاني وبلَّغه عنه أمين الدين محمد بن مؤذن النَّجيبي. وفي المحرّم استحضر السلطان إلى بين يديه الفقيه نور الدين علي البكري، وهمَّ بقتله وشَفَع فيه الأمراء، فنفاه، ومنعه من الكلام في الفتوى والعلم، [وكان قد هرب لمَّا طُلب من جهة الشيخ تقي الدين بن تيمية فهرب واختفى، وشَفَع فيه أيضًا، ثم لما ظَفِر به السلطان الآن وأراد قَتْله شَفَعَ فيه الأمراء،

стр. 7357

فنفاه ومنعه من الكلام والفتوى، وذلك لاجترائه وتسرُّعه على التكفير والقتل والجهل الحامل له على هذا وغيره] (١). وفي يوم الجمعة مستهلّ صفر قرأ ابنُ الزَّمْلكاني كتابًا سلطانيًا على السُّدَّة بحضرة نائب السلطان والقاضي، وفيه الأمر بإبطال ضمان القواسين وضمان الشد (٢) وغير ذلك، فدعا النَّاس للسُّلْطان. وفي أواخر ربيع الأول اجتمع القضاة بالجامع للنّظر في أمر الشهود، ونَهَوهُم عن الجلوس في المساجد، وأن لا يكون أحد منهم في مركزين، وأن لا يتولَّوْا إثبات (٣) الكتب ولا يأخذوا أجرةً على أداء الشهادة، وأن لا يغتابوا أحدًا وأن يتناصفوا في المعيشة، ثم جلسوا مرة ثانية لذلك وتواعدوا ثالثة فلم يتّفق اجتماعهم، ولم يقطع أحد من مركزه. وفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين منه عُقد مجلس في دار ابن صَصْرَى لبدر الدين بن بصخان (٤)، وأُنكر عليه شيء من القراءات، فالتزم بترك الإقراء بالكليّة، ثمَّ استأذن بعد أيام في الإقراء فأذن له فجلس بين الظُّهر والعصر بالجامع وصارت له حلقة على العادة. وفي منتصف رجب توفي نائبُ حلبَ الأمير سيف الدين سُودي ودفن بتربته، وولّي مكانه علاء الدين أَلْطُنْبُغَا الصَّالحي الحاجب بمصرَ، قبل هذه النيابة (٥). وفي تاسع شعبانَ خُلع على الشريف شرف الدين بن عدنان بنقابة الأَشراف بعد والده أمين الدين جعفر [توفي في الشهر الماضي] (٦). وفي خامس شوال دفن الملكُ شمس الدين ذُوباج (٧) بن مَلِكْشاه بن رُسْتم صاحب كِيْلان بتربته المشهورة به بسفح قاسيون (٨)، وكان قد قصَدَ الحجَّ في هذا العام، فلما كان بقُبَاقِبَ (٩) أدركته منيَّتُه يوم السبت سادسِ عِشْري رمضانَ فحمل إلى دمشق، وصلّي عليه ودُفن في هذه التوبة، اشتريت له وتُمِّمَت

стр. 7358

وجاءت حسنة وهي مشهورةٌ عند المكاريَّة شرقي الجامع المظفري، وكان له في مملكة كِيْلان خمسةٌ وعشرون سنة، وعمّر أربعًا وخمسينَ سنة، وأوصى أن يحُجَّ عنه جماعةٌ، ففعل ذلك. وخرج الرَّكبُ في ثالث شوال وأميره شمس (١) الدين سُنْقُر الإبراهيمي، وقاضيه محيي الدين قاضي الزَّبداني (٢). وفي يوم الخميس سابع ذي القعدة قدم القاضي بدر الدين بن الحدَّاد من القاهرة متوليًّا حِسْبة دمشقَ، فخُلع عليه عوضًا عن فخر الدين سُليمان البُصْراوي، عُزل فسافر سريعًا إلى البرِّيّة ليشتري خيلًا للسُّلطان يقدِّمها [رُشْوةً على المنصب المذكور] (٣)، فاتَّفق موتُه في البرِّيّة في سابعَ عشرَ الشهر المذكور، وحمل إلى بُصْرى فدفن بها عند أجداده في الثامن عشر من ذي القعدة (٤) وكان شابًا حسنًا كريمَ الأخلاق حسنَ الشكل. وفي أواخره مسك نائب صَفَد بَلَبَان طُرْنا (٥) المنصوري وسُجن وتولّى مكانه سيف الدين بَلَبَان (٦) البدري. وفي سادس ذي الحجة تولَّى ولاية البر الأمير علاء الدين علي بن محمود بن معبد البعلبكي (٧) عوضًا عن شرف الدين عيسى بن البرطاسي (٨). وفي يوم عيد الأضحى وصل الأمير علاء الدين بن صُبْح (٩) من مصر وقد أفرج عنه فسلّم عليه الأمراء. وفي هذا الشهر أُعيد أمين المُلْك إلى نظر النُّظَّار بمصر وخلع على الصَّاحب بهاء الدين النّسَّابي (١٠) بنظر الخزانة عوضًا عن سعد الدين حسن بن الأقفهسي (١١). وفيه وردت البريدية بأمر السلطان للجيوش الشامية بالمسير إلى حلب وأن يكونَ مقدَّمَ العساكر

стр. 7359

كلِّها تَنْكِزُ نائبُ الشَّام، وقدم من مصر ستةُ آلاف مقاتل عليهم الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الأبو بكري (١)، وفيهم قجليس (٢) وبدر الدين الوزيري (٣)، وقُلّي (٤) وابن طبْرس (٥) وشَاطِي (٦)، وابن سلَّار وغيرهم، فتقدموا إلى البلاد الحلبيّة بين يدي نائب الشّام تَنْكِز. وممَّن توفي فيها من الأعيان: سَوْدِي نائبُ (٧) حلب: في رجب ودفن بتربته، وهو الذي [كان السبب في إجراء نهرٍ إليها] (٨)، غرم عليه ثلثمئة ألف درهم، وكان مشكورَ السّيرة حميدَ الطَّريقة ﵀. وفي شَعْبَانَ توفي: الصّاحبُ شَرَفُ الدّين: يَعقُوبُ بنُ مُزْهِر (٩) وكان بارًّا بأهله وقرابته ﵀. والشَّيخ رشيد الدين (١٠) أبو الفداء إسماعيل: ابن محمد القرشي (١١) الحنفي المعروف بابن المعلِّم، كان من أعلام الفقهاء والمفتين، ولديه علوم شتى وفوائد وفرائد، وعنده زهد وانقطاع عن الناس، وقد درَّس بالبَلْخيَّة (١٢) مدة، ثم تركها لولده وسار إلى مصر فأقام بها، وعُرض عليه قضاءُ دمشق فلم يقبل، وقد جاوز السبعين من العمر. توفي سحرَ يوم الأربعاء خامس رجب ودفن بالقَرَافة رحمه الله تعالى. وفي شَوّال توفي:

стр. 7360

الشَّيخ سليمانُ التُّركماني (١): المولَّه الذي كان يجلس على مصطبته بالعُلَبيِّيْنَ، وكان قبل ذلك مقيمًا بطَهَارة باب البريد، وكان لا يتحاشى من النَّجاسات ولا يتَّقيها، ولا يصلّي الصلوات ولا يأتيها، [وكان بعضُ النَّاس من الهَمَج له فيه عقيدة] (٢)، قاعدةَ الهمَج الرّعاع الذين هم أتباع كل ناعق من المُوَلَّهين والمجانين، ويزعمون أنّه يكاشف، وأنه رجلٌ صالح، ودُفن بباب الصَّغير في يوم كثير الثلج. وفي يوم عَرَفةَ توفِّيت: الشَّيخة الصالحة العابدة الناسكة (٣): أُمُّ زينب فاطمة بنت عَبَّاس (٤) بن أبي الفتح بن محمد البغدادية بظاهر القاهرة، وشهدها خلق كثير، وكانت من العالمات الفاضلات، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم على الأَحْمديَّة في مؤاخاتهم النِّساء [والمردان] وتنكر أَحوالهم وأُصولَ أهل البدع وغيرهم] (٥)، وتفعل من ذلك ما لا تقدر عليه الرجال، وقد كانت تحضُر مجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستفادت منه ذلك وغيره، وقد سمعتُ الشيخ تقي الدين يُثْني عليها ويَصفُها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها أنَّها كانت تستحضر كثيرًا من "المُغْني" أو أكثره، وأنه كان يستعدُّ لها من كثرة مسائلها وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها، وهي التي ختَّمت نساءً كثيرًا القرآن، منهُن أمُّ عائشة بنتُ صُدَيق، زوجة الشيخ جمال الدين المِزِّي، وهي التي أقرأت ابنتها زوجتي أَمَةَ الرَّحيم زَيْنب، رحمهنَّ الله وأكرمهن برحمته وجنته آمين. ثم دخلت سنة خمس عشرة وسبعمئة استهلَّت [والحكام في البلاد هم المذكورون في التي قبلها] (٦). فتْحُ مَلَطْيَة (٧) في يوم الإثنين (٨) مستهل المُحَرّم خرج سيف الدين تَنْكِز بالجيوش قاصدًا مَلَطْيَةَ، وخرجت

стр. 7361

الأطلاب (١) على راياتها، وأَبرزوا ما عندهم من العُدَد وآلات الحرب، وكان يومًا مشهودًا، وخرج مع الجيش ابنُ صَصْرَى، لأنّه قاضي العساكر وقاضي قضاة الشامية، فساروا حتَّى دخلوا حَلَبَ في الحَاديْ عَشَرَ من الشَّهر، ومنها وَصَلوا (٢) في السادسَ عشرَ إلى بلاد الروم إلى مَلَطْيَةَ، فشرعوا في محاصرتها في الحادي والعشرينَ من المحَرَّم، وقد حُصِّنَت ومُنِعَتْ وغُلِّقَتْ أبوابُها، فلما رأوا كثرةَ الجيش نزلَ متولِّيْها وقاضيها، وطلَبُوا الأمان، فأَمَّنُوا المسلمين ودخلوها، فقتلوا من الأَرْمن خلقًا ومن النَّصارى، وأسروا ذريةً كثيرةً، وتعدَّى ذلك إلى بعض المسلمين وغَنِمُوا شيئًا كثيرًا، وأخذت أموال كثير من المسلمين ورجعوا عنها بعد ثَلَاثة أيَّام، يوم الأربعاء رابع عشرينَ المحرَّم إلى عَيْن تَاب (٣) إلى مرج دابق (٤)، وزُيّنت (٥) دمشقُ ودُقَّت البشائر. وفي أول صفر دَخل (٦) نائب مَلَطيةَ متوجهًا إلى السلطان. وفي نصف الشهر وصل قاضيها الشَّريف شمسُ الذين ومعه خلق من المسلمين من أهلها. وفي بكرة نهار الجمعة سادس عشر ربيع الأول دخل تَنْكِز دمشق وفي خدمته الجيوشُ الشَّامية والمصرية (٧)، وخرج النَّاسُ للفُرجة عليهم على العادة، وأقام المصريون قليلًا ثمَّ ترَحَّلُوا إلى القاهرة. وقد كانت مَلَطْيَةُ إقطاعًا للجُوْبَان (٨) أطلقها له ملك التَّتر، فاستناب بها رجلًا كرديًّا فتعدَّى وأساء وظلم، وكاتب أهلُها السُّلطانَ الناصرَ وأحبُّوا أن يكونوا من رعئته، فلما ساروا إليها وأخذوها وفعلوا ما فعلوا فيها، جاءها بعد ذلك الجُوبان فعَمَرَها وردَّ إليها خلقًا من الأَرْمن وغيرهم. وفي التاسعَ عشَر من هذا الشهر وصل إلينا الخبر بمَسْك بَكْتَمُر الحاجب وأَيْدُغْدِي شُقَيْر وغيرهما (٩)، وكان ذلك يوم الخميس مستهل هذا الشهر، وذلك أنّهم اتَّفقوا على السُّلطان فبلغه الخبرُ فمسكَهُم، واحتيط على أموالهم وحواصلهم، وظهر لبَكْتَمُر أموالٌ كثيرةٌ وأمتعةٌ وأخشابٌ وحواصلُ كثيرةٌ.

стр. 7362

وقدم قَجْليس من القاهرة فاجتاز بدمشقَ إلى ناحية طرابُلُس، ثم عاد (١) سريعًا ومعه الأَميرُ سيفُ الدّين تَمُر (٢) نائبُ طرابُلُس تحت الحوطة. ومُسك بدمشقَ الأمير سيف الدين بَهادُرآص المنصوري فحُمل الأَوَّل إلى القاهرة، وجُعل مكانَهُ في نيابة طَرَابُلُس كُسْتاي (٣)، وحُمل الثاني إلى الكَرَك (٤) وحزِن النَّاسُ عليه ودَعَوْا له. وفي يوم الخميس الحاديْ والعشرينَ من ربيع الآخر قدم عزُّ الدين بن مبثّر دمشقَ محتسبًا وناظر الأوقاف وانصرفَ ابنُ الحداد عن الحِسْبة، وبهاء الدين (٥) عن نظر الأوقاف. وفي ليلة الإثنين ثالثَ عشَر جُمادى الأولى وقع حريقٌ قُبالة مسجد الشنباشي داخلَ باب الصغير، احترق فيه دكاكين ودور وأموال وأمتعة. وفي يوم الأربعاء سادسَ عشرَ جُمادى الآخرة درَّس قاضي مَلَطْيَة الشريف شمس الدين بالمدرسة الخاتونية البرانية (٦) عوضًا (٧) عن قاضي القضاة الحنفي البصروي، وحضر عنده الأعيان، وهو رجلٌ له فضيلة وخلقٌ حسن، كان قاضيًا بملطية وخطيبًا بها نحوًا من عشرين سنة. وفي يوم الخميس رابع جمادى الآخرة أُعيد ابنُ الحدَّاد إلى الحِسْبة واستمر ابن مُبَشِّر ناظر الأوقاف. وفي يوم الأربعاء تاسع جمادى الآخرة درَّس ابن صَصْرَى بالأتَابَكية (٨) عوضًا عن الشيخ صفيّ الدين الهندي. وفي يوم الأربعاء الآخر حَضَر ابن الزَّمْلَكاني دَرْسَ الظَّاهرية الجوَّانية عوضًا عن الهندي أيضًا بَحكم وفاته كما ستأتي ترجمته. وفي أواخر رجب أُخرج الأمير آقوشُ نائبُ الكَرَك من سِجْن القاهرة وأُعيد إلى الإمرة. وفي شعبان توجَّه خمسةُ آلاف من بلاد حلبَ فأغاروا على بلاد آمد، وفتحوا بلدانًا كثيرة،

стр. 7363

وقتلوا وسَبَوْا وعادوا سالمين، وخَمسُوا ما سَبَوْا فبلغ سهمُ الخُمُس أربعةَ آلاف رأسٍ وكُسُور (١). وفي أواخر رمضان وصل قَرَاسُنْقُر المنصوري إلى بغداد ومعه زوجته الخاتون بنت أَبْغَا ملك التتر (٢)، وجاء في خدمته خَرْبنْدَا واستأذنه في الغارة على أطراف بلاد المسلمين فلم يأذن له، ووثَبَ عليه رجل فداوي من جهة صاحب مصرَ فلم يقدر عليه وقُتِل الفداوي. وفي يوم الأربعاء سادسَ عشرَ رمضانَ درَّس بالعادليَّة الصغير (٣) الفقيه الإمام فخر الدين محمَّد بن علي المصري المعروف بابن كاتب قُطْلُوبَك (٤)، بمقتضى نزول مدرِّسها كمال الدين بن الزَّمْلَكاني له عنها، وحضر عنده القضاة والأعيان، والخَطيبُ وابنُ الزَّمْلَكاني أيضًا. وفي هذا الشهر كَمُلَت عمارة القَيْسَاريَّة المعروفة بالدَّهْشة عند الورَّاقين واللبَّادين وسكنها التُّجَّار، فتميزت بذلك أوقاف الجامع، [وذلك بمباشرة الصَّاحب شمس الدين] (٥). وفي ثامن شوال قتل أحمد الزّويني (٦) شهد عليه بالعظائم من ترك الواجبات واستحلال المحرّمات واستهانته وتنقيصه بالكتاب والسُّنَّة، فحكم المالكيُّ بإراقة دمه وإن أسلم، فاعتقل ثم قتل. وفي هذا اليوم كان خروج الركب الشّامي وأميره سيف الدين طَقْتَمُر وقاضيه قاضي مَلَطْيَةَ. وحج فيه قاضي حماةَ وحلبَ وماردينَ ومحيي الدين كاتب ملك الأُمراء تَنْكِز وصهره فخر الدين المصري. وتقيّ الدين الفاضلي. [وفي ثامنِ ذي الحِجّة ولد للسُّلطان ولدٌ ذكرٌ فزُيِّنَتِ البلادُ له] (٧). وممّن توفي فيها من الأعيان: شرف الدين أبو عبد الله: محمد بن العدل عماد الدين (٨) بن أبي الفضل محمد بن أبي الفتح

стр. 7364

نصر الله بن المظفَّر بن أسعد بن حمزة بن أسد بن علي بن محمد التَّميمي الدمشقي ابن القَلَانسي (١)، ولد سنة ست وأربعين وستمئة وباشر نظر الخاص. وقد شهد قبل ذلك في القيمة ثمَّ تركها، وقد ترك أولادًا وأموالًا جمَّة، توفي ليلة السبت ثانيْ عشرَ صفر، ودفن بقاسيون. الشَّيخ صفيّ الدّين الهِنْدي: أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرْمويّ (٢) الشافعي المتكلم. ولد بالهِنْد سنة أربع وأربعين وستمئة، واشتغل على جده لأف، وكان فاضلًا، وخرج من دِهْلي (٣) في رجب سنة سبع وستين، فحج وجاور بمكة ثلاث (٤) أشهرٍ، ثم دخل اليمن فأعطاه ملكُها المظفَّرُ أربعمئة دينار، ثم دخل مصرَ فأقام بها أربعَ سنين، ثم سافر إلى الرُّوم على طريق أنطاكية فأقام إحدى عَشْرَةَ سنةً، بقُونيةَ خمسًا (٥) وبسيواسَ خمسًا، وبقيسارية (٦) سنة، واجتمع بالقاضي سراج الدين فأكرمه، ثم قدم إلى دمشقَ في سنة خمس وثمانين فأقام بها واستوطنها، ودرَّس بالرّواحية والدّولعية والظّاهريّة والأَتَابكية، وصنّف في الأصول والكلام (٧)، وتَصَدَّر (٨) للاشتغال والإفتاء، ووقف كتبَه بدار الحديث الأشرفية، وكان فيه بِرٌّ وصلة. توفي ليلة الثلاثاء تاسع عشرين صفر ودفن بمقابر الصوفية، ولم يكن معه وقتَ موته سوى الظَّاهريةِ وبها مات. فدرَّس بعده فيها ابنُ الزَّمْلَكاني، وأخذ ابنُ صَصْرَى الأتَابَكية. القاضي المُسندِ المُعَمَّر الرِّحْلَةُ: تقيُّ الدين سُلَيمان بن حمزَة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر المقدسي (٩) الحنبلي الحاكم بدمشق. ولد في نصف رجب سنة ثمان وعشرين وستمئة، وسمع الحديثَ الكثير، وقرأ بنفسه، وتفقه وبرع، وولّي الحكم وحدّث، وكان من خيار الناس وأحسنهم خلقًا وأكثرهم مروءة، توفي فجأة بعد

стр. 7365

مرجعه من البلد وحُكْمه بالجَوْزيّة، فلما صار إلى منزله بالدير (١) تغيّرت حاله ومات عَقِيب صلاة المغرب ليلة الإثنين حادي عِشْري ذي القعدة، ودفن من الغد بتربة جده (٢)، وحضر جنازته خلق كثير وجم غفير ﵀. الشَّيْخُ على بن الشيخ علي الحريري (٣): كان مقدَمًا في طائفتة (٤)، مات أبوه وعمره سنتان، توفي في قرية بُسر (٥) في جُمادى الأولى. الحكيمُ الفاضل البارع: بهاءُ الدّين عبدُ السّيد بن المهذب إسحاق بن يحيى الطبيب الكحَّال (٦) المتشرِّفُ بالإسلام، ثم قرأ القرآن جميعه لأنّه أَسلم على بصيرة، وأسلم على يديه خلقٌ كثيرٌ من قومه وغيرهم، وكان مباركًا على نفسه وعليهم، وكان قبل ذلك ديَّان اليَهُود، فهداه الله تعالى. وتوفي يوم الأحد سادسِ جُمادى الآخرة ودفن من يومه بسفح قاسيون، [أسلمَ على يدي شيخ الإسلام ابن تيميَّة لمَّا بيّن له بُطْلان دينهم وما هم عليه وما بدَّلوه من كتابهم وحَرَّفوه من الكَلِم عن مواضعه ﵀] (٧). ثم دخلت سنة ست عشرة وسبعمئة استهلت [وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها] (٨) غير الحنبلي بدمشق فإنه توفي في أواخر (٩) السنة الماضية. وفي المحرَّم تكمَّلت تفرقة المثالات (١٠) السلطانية بمصر بمقتضى إزالة الأجناد، وعُرض الجيشُ على السلطان، وأَبطل السلطان المَكْسَ بسائر البلاد القبليَّة والشَّامية.

стр. 7366

وفيه وقعت فتنة بين الحنابلة والشافعية ببَعْلَبَكَّ (١) بسبب العقائد، وترافعوا إلى دمشقَ فحضروا بدار السَّعادة عند نائب السلطنة تَنْكِز فأصلح بينهم، وانفصل الحالُ على خير من غير محاققة ولا تشويش على أحد من الفريقين، وذلك يوم الثلاثاء سادسَ عَشَر المحَرَّم. وفي يوم الأحد سادسَ عَشَرَ صفر قُرئ تقليد قاضي القضاة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مسلم بن مالك بن مَزْروع الحنْبلي (٢)، بقضاء الحنابلة والنَظر باوقافهم عوضًا عن تقي الدين سُلَيمان بحكم وفاته ﵀، وتاريخ التقليد من سادس ذي الحجة، وقُرئ بالجامع الأموي بحضور القضاة والصّاحب والأعيان، ثم مَشَوْا معه وعليه الخِلْعة إلى دار السعادة، فسلَّم على النائب وراح إلى الصَّالحية، ثم نزل من الغَد إلى الجَوْزيّة فحكم بها على عادة من تقدَّمه، واستناب بعد أيام (٣) الشيخ شرف الدين بن الحافظ (٤). وفي يوم الإثنين سابع صفر وصل الشيخ كمال الدين بن الشُّريشي من مصرَ على البريد ومعه توقيع بعود الوَكَالة إليه، فخُلع عليه وسلَّم على النَّائب والخِلعةُ عليه. وفي هذا الشهر مُسِك الوزير عز الدين بن القلانسي واعتقل بالعَذْراوية وصُودر بخمسين ألفًا، ثم أُطلق له ما كان أُخذ منه وانفصل من ديوان نظر الخاص (٥). وفي ربيع الآخر وصل من مصر الأمير (٦) فَضْلُ بن عيسى (٧)، وأُجري له ولابن أخيه موسى بن مهنَّا إقطاعات جيدة (٨)، وذلك بسبب دخول مهنَّا إلى بلاد التَّتر واجتماعه (٩) بملكهم خَزبَنْدا. وفي يوم الإثنين سادس عِشْري (١٠) جُمادى الأولى باشر ابن صَصْرَى مشيخة الشُّيوخ بالسُّمَيْسَاطية بسؤال الصُّوفية وطلبهم له من نائب السّلطنة، فحضرها وحضر عنده الأعيان في هذا اليوم عوضًا عن الشَّريف شهاب الدين أبي القاسم محمّد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحيم بن عبد الكريم بن

стр. 7367

محمد بن علي بن الحسن بن الحسين بن يحيى بن موسى بن جعفر الصادق، وهو الكاشغري (١) توفي عن ثلاثٍ وستّين سنة ودُفن بالصوفية. وفي جمادى الآخرة باشر بهاء الدين إبراهيم بن جمال الدين يحيى الحنفي المعروف بابن عليمة (٢) هو ناظر ديوان النّائب بالشّام نظر الدواوين عوضًا عن شمس الدين محمد بن عبد القادر الخطيري الحاسب الكاتب (٣) توفي، وقد كان مباشرًا عدةً من الجهات الكبار، مثل نظر الخِزانة، ونظر الجامع، ونظر المارستان وغير ذلك، واستمرّ نظرُ المارستان من يومئذ بأيدي ديوان نائب السلطنة من كان، وصارت عادة مستمرة. وفي رجب نقل نائب (٤) حمص الأمير شهاب الدين قَرَاطاي (٥) إلى نيابة طرابُلُس عوضًا عن الأمير سيف الدين التُّركُسْتاي بحكم وفاته، وولّي الأمير سيف الدين إرقْطاي نيابة حمص، وتولَّى نيابة الكَرَكِ سيفُ الدين طَقْطَاي النَّاصري عوضًا عن سيف الدين بَيْبُغَا (٦). وفي يوم الأربعاء عاشر رجب درَّس بالنَّجيبية القاضي نجم (٧) الدين الدمشقي عوضًا عن بهاء الدين يوسف بن جمال الدين أحمد (٨) بن ظافر (٩) العجميّ الحلبيّ، سبط الصَّاحب كمال الدين بن العديم، توفي ودُفن عند خاله ووالده بتربة العديم (١٠). وفي أواخر شعبَانَ وصل القاضي شمس الدين بن عز الدين يحيى الحراني (١١) أخو قاضي قضاة الحنابلة بمصر شرف الدين عبد الغني (١٢)، إلى دمشقَ متوليًا نظر الأوقاف بها عوضًا عن الصّاحب عز الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن مبشر (١٣)، توفي في مستهل رجب بدمشقَ، وقد باشر نظر الدَّواوين

стр. 7368

بها وبِمصرَ، والحِسبة، وبالإسكندرية وغير ذلك، ولم يكن بقي معه في آخر وقتٍ سوى نظرِ الأوقاف بدمشقَ، مات (١) وقد قارب الثمانين ودفن بقاسيون. وفي تاسع (٢) شوال خرج الركب الشامي وأميرهم سيف الدين أَرْغُون السِّلَحْدار النّاصري الساكن عند دار الطِّراز بدمشقَ، وحجَّ من مصرَ سيفُ الدّين الدَّوادار وقاضي القضاة ابن جماعة، وقد زار القدسَ الشّريفَ في هذه السنة بعد وفاة ولده الخطيب جمال الدّين عبد الله، وكان قد رأَسَ وعَظُم شأنُه. وفي ذي القعدة سارَ الأميرُ سيف الدين تَنْكِز إلى زيارة القُدْس فغاب عشرين يومًا. وفيه وصل الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الحاجب إلى دمشقَ من مصرَ وقد كان معتقلًا في السِّجن فأُطلق وأُكرم وولّي نيابَةَ صَفَد، فسار إليها بعدما قضى أشغاله بدمشقَ. ونقل القاضي حسام الدين القزويني من قضاء صفد إلى قضاء طرابُلُس، وأُعيدت ولاية قضاء صفَد إلى قاضي دمشق، فولَّى فيها ابنُ صَصْرَى شرفَ الدين النَّهاوندي (٣)، وكان متوليًا فضاء طرابُلُسَ قبل ذلك، ووصل مع بَكْتَمُر الحاجب الطواشي ظهيرُ الدّين مختارٌ المعروف بالزَّرْعي، متولِّيًا الخِزانة بالقلعة عوضًا عن الطَّواشي ظهير الدِّين مختار البِلْبيسي (٤) توفي. وفي هذا الشهر أعني ذا القعدة وصلت الأخبار بموت ملك التَتر خَرْبَنْدا محمد (٥) بن أَرْغُون بن أَبْغَا بن هولاكوقان ملك العراق وخُراسان وعراق العجم والروم وأَذْربيجان والبلاد الأَرْمينية وديار بكر. توفي في السابع والعشرين من رمضان ودفن بتربته بالمدينة التي أنشأها، التي يقال لها: السلطانية وقد جاوز الثلاثين من العمر، وكان موصوفًا بالكرم ومحبًا للهو واللعب والعمائر، وأظهر الرَّفض في بلاده (٦)، أقام سنة على السثة ثم تحوَّل إلى الرَّفض، أقام شعائره في بلاده وحظي عنده الشيخ جمال الدين بن مُطَهَّر الحِلِّي (٧)، تلميذ نَصير الدّين الطُّوسي، وأقطعه عدة بلاد، ولم يزل على هذا المذهب الفاسد إلى أن مات في هذه السنة. وقد جرت في أيّامه فتن كبار ومصائبُ عظام، فأراح الله منه العباد والبلاد.

стр. 7369

وقام في الملك بعده ولده بُوسَعيد (١) وله إحدى عشرة سنة، ومدبر الجيوش والممالك له الأمير جُوبان، واستمرَّ في الوزارة علي شاه التبريزي، وأخذ أهل دولته بالمصادرة وقتل الأعيان ممن اتَّهمهم بقتل أبيه مسمومًا، وتعب (٢) كثيرٌ من النّاس به في أوّل دولته ثم عَدَل إلى العدْل وإقامة السُّنَّة، فأمر بإقامة الخطبة بالتَّرضِّي عن الشيخين أولًا، ثُمَّ عُثْمان ثم علي ﵃، ففرح النَّاسُ بذلك وسكَنَتْ بذلك الفتَنُ والشُّرور والقتال الذي كان بين أهل تلك البلاد وبهَراةَ وأَصْبَهان وبغداد وإربل وسَاوَة وغير ذلك. وكان صاحبُ مكة الأميرُ خميصةُ بن أبي نُميّ الحسني، قد قصدَ ملك التَّتر خرْبَنْدَا لينصرَه على أهل مكّة، فساعده الرَّوافض هناك وجهَّزُوا معه جيشًا كثيفًا من خراسان، فلمَّا مات خَرْبَنْدَا بطَلَ ذلك بالكلِّية، وعاد خُمَيْصَةُ خالْبًا خاسئًا، وفي صحبته أميرٌ من كبار الرَّوافض من التَّتر يقال له الذُلْقَنْدقي، وقد جمع لخُمَيْصَةَ أموالًا كثيرة ليقيم بها الرَّفض في بلاد الحجاز، فوقع بهما الأمير محمَّدُ بن عيسى أخو مهنّا، وقد كان مهنَّا (٣) في بلاد التَّتر أيضًا ومعه جماعةٌ من العرب فكسرهما (٤) ومن كان معهما، ونهبَ ما كان معهما من الأموال، وتفرَّق (٥) الرجال. وبلغت أخبارُ ذلك إلى الدَّولة الإسلامية، فرضيَ عنه الملك النَّاصر وأهل دولته، وغَسَلَ ذلك ذنبَه عندَهُ، فاستدعى به السُّلطان إلى حضرته فحضر سامعًا مطيعًا، فأكرمه نائب الشام، فلمَّا وصل إلى السُّلطان (٦) أكرمه أيضًا، ثم إنَّه استُفْتِيَ الشَّيخُ تقي الدين بن تيمية، [وكذلك أرسل إليه السُّلطان يسأله (٧) في الأموال التي أُخذت من الدُّلْقَنْدِي، فأفتاهم أنَّها تُصرف في المصالح التي يعود نفعُها على المسلمين، لأنَّها كانت معدَّة لعناد الحق ونُصرة أهل البدعة على السنَّة. وممَّن توفي فيها من الأعيان: عز الدين المبشر (٨). والشهاب الكاشغري شيخ الشيوخ (٩).

стр. 7370

[وشمس الدين الخطيري] (١). والبهاء العجمي مدرِّس النجيبية (٢). وفيها قُتل خطيبُ المِزَّة (٣)، قتله رجل جَبَليّ، ضربَهُ بفأس اللَّحام في رأسه في السوق فبقي أيامًا ومات، وأُخذ القاتل فشُنق في السُّوق الذي قتل فيه، وذلك يوم الأحد ثالثَ عشرَ ربيع الآخر، ودفن هناك وقد جاوَزَ السِّتِّين. الشَّرفُ صالح بن محمد بن عَرَبْشَاه: ابن أبي بكر الهمداني (٤)، مات في جُمادى الآخرة، ودفن بمقابر النَّيْرب، وكان مشهورًا بطيب القراءة وحُسنِ السّيرة، وقد سمعَ الحديثَ وروى "جُزْءَ ابنِ عرفة" (٥). صاحبُ التَّذكرة الكنديَّة (٦): الشيخ الإمام المقرئ المحدِّث النحوي الأديب علاء الدين علي بن المظفر بن إبراهيم بن عمر بن زيد بن هبة الله الكندي الاسكندراني، ثم الدمشقي، سمع الحديث على أزيد من مئتي شيخ، وقرأ القراءات السبع، وحصّل علومًا جيدة، ونظم الشعر الحسن الرائق الفائق، وجمع كتابًا في نحو من خمسين مجلدًا، فيه علوم جمة أكثرها أدبيات سمّاها "التذكرة الكندية" (٧)، وقفها بالسُّمَيْسَاطيّة وكتب حسنًا وحَسَب جيدًا، وخدم في عدَّة خدم، وولّي مشيخة دار الحديث النَّفِيسية في مدَّة عشر سنين، وقرأ "صحيح البخاري" مرات عديدة، وأسمع الحديث، [وكان يلوذ بشيخ الإسلام ابن تيمية] (٨)، وتوفي ببستانه (٩) عند قبة المَسْجف (١٠) ليلة الأربعاء سابعَ عشرَ رجب، ودُفن بالمِزَّة عن ست وسبعين سنة.

стр. 7371

الطَّواشي ظهيرُ الدّين مختار (١): البِلْبِيْسيّ (٢) الخَزِنْدار بالقلعة وأحد أمراء الطَّبْلخانات بدمشقَ. كان زاكيًا خبيرًا فاضلًا، يحفظ القرآن ويؤدّيه بصوت طيّب، ووقف مكتبًا للأيتام على باب قلعة دمشقَ، ورتَّب لهم الكُسْوة والجامكيَّة، وكان يمتحنهم بنفسه ويفرح بهم، وعمل تربةً خارجَ باب الجَابية، ووقف عليها القَرْيَتَيْن (٣)، وبنى عندها مسجدًا حسنًا ووقفه بإمام وهي من أوائل ما عُمل من التُّرَب بذلك الخط. ودفن بها في يوم الخميس عاشر شعبانَ ﵀، وقد كان حسنَ الشكل والأخلاق، عليه سكينة ووقار وهيبة، وله وجاهة في الدَّولة سامحه الله، وولي بعده الخِزانة سميُّه ظهيرُ الذين مختار الزَّرْعي. الأمير بدر الدين (٤): محمَّد بن الوَزيري، كان من الأُمراء المقدّمين، ولديه فضيلة ومعرفة وخبرة، وقد ناب عن السُّلطان بدار العدل مرَّة بمصرَ، وكان حاجب الميسرة، وتكلم في الأوقاف وفيما يتعلق بالقضاة والمدرِّسين، ثم نقل إلى دمشق، فماتَ بها في سادسَ عشرَ شعبان، ودفن بمَيْدان الحصَى فوق خان النَّجيبي، وخلَّف تركة عظيمةً. الشيخة الصالحة (٥): ست الوُزَراء بنت عمر بن أسعد بن المُنَجَّى، راوية "صحيح البخاري" وغيره، جاوزت التِّسعين سنة، وكانت من الصالحات، توفيت ليلة الخميس ثامنَ عشرَ شعبانَ، ودفنت بتربتهم فوق جامع المظفَّري بقاسيون. القاضي محب الدين (٦): أبو الحسن ابن قاضي القضاة تقي الدين بن دَقيق العيد، استنابَهُ أبوه (٧) في أيّامه وزوَّجه بابنة الحاكم بأمر الله، ودرَّس بالكُهارية (٨) ورأس بعد أبيه، وكانت وفاته يوم الإثنين تاسع عشر رمضان، وقد قارب الستين، ودفن عند أبيه بالقرافة.

стр. 7372

الشيخة الصالحة (١): ستُّ النِّعم (٢) بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرَّانية، والدة الشيخ تقي الدين بن تيمية عُمِّرت فوقَ السبعين (٣) سنة، (٤) ولم تُرزق بنتًا قط. توفيت يوم الأربعاء العشرين من شوال ودفنت بالصُّوفية وحضرَ جنازتها خلقٌ كثير وجَمٌّ غفير. رحمها الله. الشيخ نجم الدين موسى بن علي بن محمد (٥): الحَلَبي (٦) ثم الدمشقي، الكاتب الفاضل المعروف بالبُصْبُص، شيخ صناعة الكتابة في زمانه لا سيما في المَزْوج والمَثْلث، وقد أقام يكتبُ النَّاسَ خمسينَ سنةً. وأنا ممَّن كتب عليه أثابه الله. وكان شيخًا حسنًا بهي المنظر يُشعر جيدًا (٧). توفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة ودفن بمقابر الباب الصَّغير وله خمسٌ وستُّون سنةً. الشيخ تقي الدين الموصلي (٨): أبو بكر بن محمد (٩) بن أبي بكر بن أبي الكرم شيخ القراءة عند محراب الصحابة، وشيخ ميعاد ابن عامر مدّة طويلة، وقد انتفع الناس به نحوًا من خمسين سنةً في التَّلقين والقراءات، وختَّم خلقًا كثيرًا، وكان يقصد لذلك ويجمع تصديقات يقولُها الصبيان ليالي ختمهم، وقد سمع الحديث وكان خيرًا دينًا. توفي ليلة الثلاثاء سابعَ عشَر ذي القعدة، ودفن بباب الصّغير ﵀. الشيخ الصالح الزاهد المقرئ (١٠): أبو عبد الله محمّد بن الخطيب سلامة بن سالم بن الحسن بن يَنْبُوب الماليني، أحدُ الصُّلحاء المشهورين بجامع دمشقَ. سمع الحديثَ، وأقرأَ النَّاسَ نحوًا من خمسين سنة، وكان يفصِّح الأولاد في الحروف الصَّعبة، وكان مبتلىً في فمه يحمل طاسة تحت فمه من كثرة ما يسيل منه من الزَيال وغيره وقد جاوزَ الثَّمانين بأربع سنينَ.

стр. 7373

توفيّ بالمدرسة الصَّارميَّة (١) يوم الأحد ثانيْ عِشْري (٢) ذي القعدة ودفن بباب الصغير بالقرب من القَنْدَلاوي، وحضر جنازته خلق كثير جدًّا نحوًا من عشرة آلاف رحمه الله تعالى. الشيخ الصَّدر بن الوكيل (٣): هو العلَّامة أبو عبد الله محمد بن الشيخ الإمام مفتي المسلمين زين الدين عمر بن مكّي بن عبد الصَّمد المعروف بابن المُرَحِّل وبابن الوكيل شيخ الشَّافعيَّة في زمانه، وأشهرهم في وقته بالفضيلة وكثرة الاشتغال والمطالعة والتَّحصيل والافتنان بالعلوم العديدة، وقد أجاد معرفة المذهب والأَصْلين، ولم يكن بالنحو بذاك القويّ، [وكان يقع منه اللَّحنُ الكثيرُ] (٤)، مع أنه قرأ فيه "المفصَّل" للزمخشري، وكانت له محفوظات كثيرة. ولد في شوال سنة خمس وستين وستمئة، وسمع الحديث على المشايخ من ذلك "مسند أحمد" علي ابن علّان، والكتب الستَّة، وقُرئ عليه قطعة كبيرة من "صحيح مسلم" بدار الحديث عن الأمين (٥) الإِربلي والعامريّ والمِزِّي، وكان يتكلَّم على الحديث بكلام مجموع من علوم كثيرة، من الطب والفلسفة وعلم الكلام -[وليس ذلك بعلم] (٦) - وعلوم الأَوائل، وكان يكثر من ذلك، وكان يقول الشعر جيدًا، وله ديوان مجموع [مشتمل على أشياء لطيفة] (٧)، وكان له أصحابٌ يحسدونه ويحبُّونه، وآخرون يحسُدونه ويبغضُونه، وكانوا يتكلَّمون فيه بأشياء ويرمونه بالعظائم، [وقد كان مسرفًا على نفسه قد ألقى جِلْبابَ الحياء فيما يتعاطاه من القاذورات والفواحش] (٨)، وكان ينصب العداوة للشَّيخ ابن تيمية ويناظره في كثير من المحافل والمجالس، وكان يعترف للشّيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة ويُثني عليه، ولكنه كان يجاحف (٩) عن مذهبه وناحيته وهواه، وينافحُ عن طائفته. وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يُثني عليه وعلى علومه وفضائله، ويشهد له بالإسلام إذا قيل له عن أفعاله وأعماله القبيحة، وكان يقول: كان مخلِّطًا على نفسه [متَّبعًا مُراد الشيطان منه] (١٠)، يميل إلى الشُّهرة (١١)

стр. 7374

والمحاضرة، ولم يكن كما يقول فيه بعض أصحابه ممَّن يحسده ويتكلّم فيه هذا أو ما هو في معناه. وقد درَّس بعدَّة مدارس بمصر والشام، ودرَّس بدمشق بالشَّاميتَيْن والعَذْراوية ودار الحديث الأشرفية، وولّي في وقت الخطابة [أيامًا يسيرة كما تقدَّم، ثم قام الخلق عليه وأخرجوها من يده، ولم يرقَ منبرها] (١)، ثمّ خالطَ نائب السلطنة الأَفْرم فجرت له أمورٌ لا يمكن ذكرها ولا يُحسبْنَ [من القبائح] (٢) ثم آل به الحال على أن عزم على الانتقال من دمشق إلى حلبَ لاستحواذه على قلب نائبها، فأقامَ بها ودرَّس، ثم تردَّد في الرسلية بين السُّلطان ومهنَّا صحبةَ أرْغُون وَأَلْطَنْبُغَا، ثم استقرَّ به المنزل بمصرَ ودرَّس فيها بمشهد الحُسَين إلى أن توفي بها بكرة نهار الأربعاء رابع عشري ذي الحجة بداره قريبًا من جامع الحاكم، ودفن من يومه قريبًا من الشيخ محمد بن أبي حمزة بتربة القاضي ناظر الجيش بالقَرَافة، ولما بلغت وفاتُه دمشقَ صُلِّي عليه بجامعها صلاة الغائب بعد الجمعة ثالث المحرَّم من السنة الآتية، ورثاهُ جماعة، منهم ابن غانم علاء الدين، والقَحْفازي (٣) والصَّفدي لأنَّهم كانوا من عُشَرائه. وفي يوم عرفة توفي: الشَيخُ عماد الدين إسماعيل الفوغي (٤): وكيل قَجْليس، وهو الذي بنى له البَاشُورة على باب الصَّغير بالبرَّانية الغربيَّة، وكانت فيه نهضة وكفاية، وكان من بيت الرَّفض، اتفق أنَّه استحضره نائبُ السَّلطنة فضربَه بين يديه، وقام النائبُ إليه بنفسه فجعل يضربه بالمهاميز في وجهه فرُفع من بين يديه وهو تالفٌ فمات في يوم عرفة، ودفن من يومِهِ بسفح قاسيون وله دار ظاهرَ باب الفراديس. ثم دخلت سنة سبع عشرة وسبعمئة استهلَّت والحكام (٥) هم المذكورُون في التي قبلها. وفي صفر شُرع في عمارة الجامع الذي أنشأَهُ ملك الأمراء تَنْكِز نائبُ الشَّام ظاهرَ باب النَّصر تجاه حِكْر السماق، على نهر بانياس بدمشقَ، وتردَّدَ القُضَاةُ والعلماء في تحرير قبلته، فاستقرَّ الحال في أمرها على ما قاله الشَّيخ تقي الدين بن تيمية في يوم الأحد الخامس والعشرين منه، وشرعوا في بنائه بأمر السُّلطان، ومساعدته لنائبه في ذلك (٦).

стр. 7375

وفي صفرٍ هذا جاء سيل عظيم بمدينة بَعْلَبَك أهلك خلقًا كثيرًا من النَّاس، وخرَّب دورًا وعمائر كثيرة، وذلك في يوم الثلاثاء سابع وعشرين صفر. وملخَّص ذلك أنَّه قبل ذلك جاءَهم رعدٌ وبرقٌ عظيم معهما بَردٌ ومطَر، فسالت الأودية، ثم جاءهم بعده سيلٌ هائلٌ خسف من سور البلد من جهة الشّمال شرق مقدار أربعين ذراعًا، مع أن سمك الحائط خمسةُ أذرع، وحمل برجًا صحيحًا ومعه من جانبيه بدنتين (١)، فحمله كما هو حتى مرَّ وحفر في الأرض نحو خمسمئة ذراع سعةَ ثلاثين ذراعًا، وحمل السَّيل ذلك إلى غربيّ البلد، لا يمر على شيء إلا أتلفه، ودخل المدينة على حين غَفْلةٍ من أهلها، فأتلف ما يزيد على ثلثها، ودخل الجامع فارتفع فيه على قامة ونصف، ثم قوي على حائطه الغربي فأخربه وأتلف جميع ما فيه من (٢) الحواصل والكتب والمصاحف وأَتلف شيئًا كثيرًا من رباع (٣) الجامع، وهلك تحت الهدم خلق كثير من الرجال والنساء والأطفال، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وغرق في الجامع الشَّيخ علي بن محمد بن الشيخ علي الحريري (٤) هو وجماعة معه من الفقراء، ويقال: كان من جملة من هلك في هذه الكائنة من أهل بعلبك مئة وأربعة وأربعون نفسًا سوى الغرباء، وجملة الدور التي خرَّبها والحوانيت التي أَتلفها نحوٌ من ستمئة دار وحانوت، وجملة البساتين التي جرف أشجارها عشرون بستانًا، ومن الطَّواحين ثمانية سوى الجامع والأَمْينيَّة (٥) وأَما الأماكن التي دخلها وأتلف ما فيها ولم تخرب فكثير جدًّا. وفي هذه السنة زادَ النِّيل زيادة عظيمة لم يسمع بمثلها من مُدَد، وغرَّق بلادًا كثيرة، وهلك فيها ناسٌ كثير أيضًا، وغَرَّق مُنْيَةَ الشِّيْرج (٦) فهلك للناس فيها شيء كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي مستهلّ ربيع الآخر جلس السُّلطان بوسعيد بن خَرْبَنْدا على تخت الملك بالمدينة السلطانية (٧). وفي ربيع الآخر منها أغار جيش حلب على مدينة آمد فنهبوا وسَبَوْا وعادوا سالمين.

стр. 7376

وفي يوم السبت تاسع وعشرين منه قدم قاضي المالكيَّة إلى الشَّام من مصرَ وهو الإمام العلامة فخر الدين أبو العباس أحمد بن سلامة بن (١) أحمد بن سلامة الإسكندري المالكي، على قضاء دمشقَ عوضًا عن قاضي القضاة جمال الدين الزواوي لضعفه واشتداد مرضه، فالتقاه القُضاةُ والأعيان، وقُرئ تقليده بالجامع ثاني يوم وصوله، وهو مؤرخ بثانيْ عشرَ الشهر، وقدم نائبه الفقيه نور الدين السخاوي ودرَّس بالجامع في مستهلّ (٢) جُمادى الأولى، وحضر عنده الأعيان، وشُكرت فضائله وعلومُه ونزاهته وصرامته وديانته، وبعد ذلك بتسعة أيام توفي الزَّواوي المعزول، وقد باشر القضاءَ بدمشق ثلاثينَ سنة. وفيها أفرج عن الأمير سيف الدين بَهَادُرآص من سِجْن الكَرَك، وحُمل إلى القاهرة، وأكرمه السلطان، وكان سَجْنُه بها مطاوعةً لإشارةِ نائب الشّام بسبب ما كان وقع بينهما بمَلَطْيَةَ. وخرج المَحْمَلُ في يوم الخميس تاسع شوال، وأمير الحج سيف الدين كُجْكُن (٣) المنصوري. وممَّن حجَّ (٤) قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرى وابن أخيه شرف الدين، وكمال الدين بن الشِّيرازي، والقاضي جلال الدين الحنفي، والشيخ شرف الدين بن تيمية، وخلق. وفي سادس هذا الشهر درَّس بالجَاروخية (٥) القاضي في (٦) الدين محمد بن الشيخ كمال الدين بن الشُريشي بعد وفاة الشَّيخ شرف الدين بن سلام (٧) وحضر عنده الأعيان. وفي التاسعَ عشرَ منه درَّس ابن الزَّمْلَكاني بالعَذْراويّة عوضًا عن ابن سَلَام. وفيه درّس الشيخ شرف الدّين بن تيمية بالحَنْبلية (٨) عن إذن أخيه له بذلك بعد وفاة أخيهما لأمِّهما بدر الدِّين قاسم بن محمد بن خالد، ثم سافر الشَّيخ شرفُ الدين إلى الحجّ، وحضر الشيخ تقي الدّين الدَّرَس بنفسه، وحضر عنده خلقٌ كثير من الأعيان وغيرهم حتى عاد أخوه، وبعد عوده أيضًا. وجاءت الأخبارُ بأنّه قد أُبطلت الخمور والفواحش كلُّها من بلاد السَّواحل وطرابُلُس وغيرها، ووضعت مُكُوسٌ كثيرةٌ عن النَّاس هنالك، وبنيت بقرى النُّصَيريّة في كل قرية مسجد، ولله الحمد والمنة.

стр. 7377

وفي بُكْرة نهار الثُّلاثاء الثامن والعشرين من شوّال وصل الشّيخ الإمام العلّامة شيخ الكتَّاب شهابُ الدّين محمود بن سليمان الحلبي على البريد من مصرَ إلى دمشقَ متولِّيًا كتابةَ السرِّ بها، عوضًا عن شرف الدين عبد الوَهَّاب بن فضل الله توفي إلى رحمة الله (١). وفي ذي القعدة يوم الأحد دُرِّسَ بالصَّمْصاميّة (٢) التي جُددت للمالكية، وقد وقف عليها الصاحب شمس الدين بن غبريال درسًا، ودرَّس بها فقهًا (٣)، وعيَّن تدريسها لنائب الحكم الفقيه نور الدين علي بن عبد النُّصير (٤) المالكي، وحضر عنده القضاة والأعيان، وممَّن حضَر عنده الشيخ تقي الدين بن تيمية، وكان يعرفه من إسكندريَّة. وفيه درس بالدّخْواريَّة (٥) الشيخ جمال الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد الكحّال، ورُتِّب في رياسة الطبّ عوضًا عن أَمين الدين سُليمان الطبيب، بمرسوم نائب السَّلطنة تَنْكِز، واختاره لذلك. واتّفق أنّه في هذا الشهر تجمَّع جماعةٌ من التجار بماردين وانضاف إليهم خَلقٌ من الجُفَّال من الغَلاء قاصدين بلاد الشام، حتى إذا كانوا بمرحلَتَيْن من رأس العين لحقهم ستون فارسًا من التتار فمالوا عليهم بالنَّشَاب وقتلوهم عن آخرهم، ولم يبق منهم سوى صبيانهم نحو سبعين صبيًّا، فقالوا من يقتل هؤلاء؟ فقال واحد منهم: أنا بشرط أن تنفِّلوني بمال من الغنيمة، فقتلهم كلهم عن آخرهم، وكان جملة من قتل من التُّجَّار ستمئة، ومن الجفلان ثلثمئة من المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وردموا بهم خمس صهاريج هناك حتى امتلأت بهم ﵏، ولم يسلم من الجميع سوى رجل واحدٍ تُرْكُماني، هرب وجاء إلى رأس العين فأخبر الناس بما رأى وشاهد من هذا الأمر الفظيع المؤلم الوجيع، فاجتهد مُتَسَلِّمُ ديار بكر سُوتاي (٦) في طلب أولئك التَّتر حتى أهلكهم عن آخرهم، ولم يبق سوى رجلين، لا جمعَ الله بهم شملًا، ولا لقَّاهم مرحبًا وسهلا، ولا ردَّ عليهم يوم القيامة مالًا ولا أهلًا (٧). آمين يا رب العالمين.

стр. 7378

صفة خروج المهدي الضال بأرض جبلة (١) وفي هذه السنة خرجت النُّصيريَّة عن الطَّاعة فأقاموا (٢) من بينهم رجلًا سَمَّوْهُ محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، [وتارة يدَّعي أنه عليُّ بنُ أبي طالب فاطرُ السموات والأرض، تعالى الله عمّا يقولُون علوًّا كبيرًا (٣) وتارةً يدّعي أنَّه محمدٌ بن عبد الله صاحب البلاد، وصرّح بكفْر (٤) المسلمين، وأنَّ النُّصيريّة على الحقِّ، واحتوى هذا الرجلُ على عقول كثير من كبار النُّصيرية الضُّلَّال، وعيَّن لكل إنسان منهم تقدمةَ ألف، وبلادًا كثيرة ونيابات، وحَمَلوا على مدينة جَبَلة فدخلوها وقتلوا خلقًا من أهلها، وخرَجُوا منها يقولون: لا إله إلّا علي، ولا حجاب إلّا محمد، ولا باب إلّا سلمان. وسَبُّوا الشَّيْخين، فصاح أهل البلد وا إسلاماه، وا سلطاناه، وا أميراه، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد، وجعلوا يبكون ويتضرَّعون إلى الله ، فجمع هذا الضَّالُّ تلك الأموال فقسمها على أصحابه وأتباعه قبّحهم الله أجمعين. وقال لهم: لم يبق للمسلمين ذكر ولا دولة، ولو لم يبق معي سوى عشرة نفر لملكنا البلاد كلَّها. ونادى في تلك البلاد: إنَّ المقاسمة (٥) بالعُشْر لا غير، ليرغِّب الفلاحين (٦) فيه، وأمر أصحابه بخراب المساجد واتّخاذها خَمَّارات، وكانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين. قل لا إله إلا علي، واسجد لإلهك المهدي، الذي يُحيي ويُميت حتَّى يُحقن دَمُك، ويكتب لك فرمان، وتجهَّزوا وعملوا أمرًا عظيمًا جدًّا، فجُرّدت إليهم العساكر فهزموهم وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وجمًا غفيرًا، وقُتِلَ المهديُّ الذي أضلَّهم، وهو يكون يوم القيامة مقدَّمَهم إلى عذاب الشعير، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٧) [الحج: ٣ - ٤]. وفيها حجَّ الأمير حسام الدين مُهَنَّا وولده سليمان في ستة آلاف، وأخوه محمد بن عيسى في أربعة آلاف، ولم يجتمع مُهَنَّا بأحدٍ من المصريين ولا الشَّاميين (٨)، وقد كان في المصريين قَجْليس وغيره والله أعلم.

стр. 7379

وممَّن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الصالح (١): أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله (٢) كان فاضلًا، وكتب حسنًا، نسخ "التنبيه" (٣) و "العمدة" (٤) وغير ذلك، وكان النّاس ينتفعون به ويقابلون عليه ذلك ويصحِّحون عليه، ويجلسون إليه عند صندوق كان له في الجامع، توفي ليلة الإثنين سادسِ محرّم ودُفن بالصُّوفية، وقد صحّحْتُ عليه في "العُمْدة" وغيره. الشيخ شهاب الدين الرومي (٥): أحمد بن محمد بن إبراهيم بن المراغي، درَّس بالمُعِيْنيّة (٦)، وأمَّ بمحراب الحنفيَّة بمَقْصورتهم الغربية إذ كان محرابهم هناك، وتولّى مشيخة الخاتُونيّة، وكان يؤُمّ بنائب السلطان الأَفْرم، وكان يقرأ حسنًا بصوت مليح، وكانت له مكانةٌ عنده، وربما راح إليه الأَفْرم ماشيًا حتى يدخل عليه زاويته التي أنشأَها بالشرف (٧) الشمالي على الميدان الكبير، ولما توفي بالمحرم ودفن بالصّوفية قام ولداه عماد الدين وشرف الدين بوظائفه. الشيخ الصَّالح العَدْل (٨): فخر الدين عثمان بن أبي الوفاء بن نعمة الله الأعزازي، كان ذا ثروة من المال، كثيرَ المروءة والتلاوة، أدّى الأمانة في ستِّين ألف دينار وجواهر لا يعلمُ بها إلا الله ، بعد ما مات صاحبُها مجرّدًا في الغَزَاة وهو عز الدين الجرَّاحي نائبُ غَزَّة، أودعه إياها فأَدَّاها إلى أهلها أثابَهُ الله. ولهذا لما مات يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الآخر حضر جنازته خلقٌ لا يعلمهم إلا الله تعالى، حتى قيل: إنَّهم لم يجتمعوا في مثلها قبل ذلك، ودفن بباب الصغير ﵀. قاضي القضاة (٩): جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن يوسف الزَّواوي قاضي المالكية بدمشق، من سنة سبع وثمانين وستمئة، قدم مصر من المغرب واشتغل بها، وأخذ عن مشايخها، منهم

стр. 7380

الشيخ عز الدين بن عبد السّلام، ثم قدم دمشقَ قاضيًا في سنة سبع وثمانين وستمئة، وكان مولده تقريبًا في سنة تسع وعشرين وستمئة. وأقام شعار مذهب مالك وعمر الصَّمْصَاميَّة في أيامه وجدَّد عمارة النُّوريَّة (١)، وحدَّث "بصحيح مسلم" و "موطأ مالك" عن يَحْيَى بن يَحْيَى (٢) عن مالك، وكتاب "الشِّفَا" (٣) للقاضي عِيَاض (٤)، وعزل قبل وفاته بعشرين يومًا عن القضاء، وهذا من خيره حيث لم يمُت قاضيًا، توفي بالمدرسة الصَّمْصَامية يوم الخميس التاسع من جمادى الآخرة. وصُلِّي عليه بعد الجمعة ودفن بمقابر باب الصغير تجاه مسجد النارنج (٥)، وحضر الناس جنازته وأثنَوْا عليه خيرًا، وقد جاوز الثمانين كمالك ﵀. ولم يبلغ (٦) إلى سبعةَ عشرَ من عمره على مقتضى مذهبه أيضًا. القاضي الصَّدر الرَّئيس (٧): رئيسُ الكتَّاب شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب بن جمال الدين فضل الله بن مُجَلِّي (٨) القرشي العدويّ العُمَريُّ (٩). ولد سنة تسع (١٠) وعشرين وستمئة، وسمع الحديث وخدم وارتفعت منزلته حتى كتب الإنشاء بمصرَ، ثم نقل إلى كتابة السرّ بدمشق إلى أن توفي في ثامن رمضان، ودفن بقاسيون، وقد قارب التِّسعين، وهو متمتع بحواسه وقواه، وكانت له عقيدة حسنة في العلماء ولا سيّما في ابن تيمية وفي الصُّلحاء ﵀. وقد رثاه الشّهاب محمودُ كاتب السر بعده بدمشق (١١)، وعلاء الدين بن غانم، وجمال الدين بن نباتة.

стр. 7381

الفقيه الإمام العالم المُنَاظر (١): شرف الدين أبو عبد الله الحُسين بن الإمام كمال الدين علي بن إسحاق بن سلام الدمشقي الشافعي، ولد سنة ثلاث وسبعين وستمئة، واشتغل وبرع وحصل ودرس بالجاروخية (٢) والعَذْراوية، وأعاد بالظَّاهرية وأفتى بدار العدل. وكان واسع الصَّدر كثيرَ الهمة كريمَ النفس مشكورًا في فهمه وخطِّه (٣) وفصاحته ومناظرته. توفي في رابع عشرين رمضان وترك أولادًا ودَيْنًا كثيرًا، فوفته عنه زوجته بنت زُوَيْزَان تقبّل الله منها وأحسن إليها. الصاحب أنيس الملوك (٤): بدر الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الإربلي، ولد سنة أربعين (٥) وستمئة، واشتغل بالأدب فحصل على جانبٍ جيّد منه وارتزق عند الملوك به، [فمن رقيق شعره ما أورده الشيخ علم الدين في ترجمته قوله: ومدامةُ خمرٍ تشبهُ خدَّ منْ … أَهوى ودمعي يسقي بها قمرا أعزّ عليَّ من سمعي ومن بصري … [ … ... … ... ] وقوله في مغنية: وعزيزةٍ هيفاءَ ناعمةِ الصّبا … طوعَ العناقِ مريضةَ الأجفان (٦) غنَّتْ وماسَ قوامُها فكأنّها الـ … ورقاءُ تسجعُ فوق غصنِ البانِ] الصّدر الرئيس شرف الدين محمد بن جمال الدين إبراهيم (٧): ابن شرف الدين عبد الرحمن بن أمين الدين سالم بن الحافظ بهاء الدين الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صَصْرَى، بَاشر عدة جهات، وخرج مع خاله قاضي القضاة ابن صَصْرَى إلى الحج (٨)، فلمَّا كانوا بِبدرٍ (٩) اعتراه مرض، ولم يزل به حتى مات، توفي بمكة وهو محرمٌ مُلَبٍّ، فشهد النَّاسُ جنازتَه وغَبطُوه بهذه الموتة، وكانت وفاته يوم الجمعة

стр. 7382

آخر النهار سابع ذي الحجة، ودفن ضحى يوم السبت بمقبرة الحجون (١) رحمه الله تعالى وأكرم مثواه. ثم دخلت سنة ثمان عشرة وسعمئة [الخليفة والسلطان هما هما، وكذلك النواب والقضاة سوى المالكي بدمشق فإنه العلامة فخر الدين بن سلامة بعد القاضي جمال الدين الزواوي ﵀] (٢). ووصلت (٣) الأخبار في المحرّم من بلاد الجزيرة وبلاد الشرق وسِنجار والمَوْصل ومارِدين وتلك النواحي بغلاءٍ عظيم وفناء شديد، وقلة الأمطار، وجَوْر (٤) التتار، وعدم الأقوات وغلاء الأسعار، وقلة النفقات، وزوال النّعم، وحلول النّقم، بحيث إنَّهم أكَلوا ما وجدوه من الجمادات والحيوانات والنباتات (٥)، وباعُوا حتَّى أولادهم، وأهاليهم، فبيع الولد بخمسين درهمًا وأقلَّ من ذلك، حتى إن كثيرًا من الناس (٦) كانوا لا يشترون من أولاد المسلمين تأثُّمًا (٧)، وكانت المرأة تصرَّحُ بأنَّها نصرانية ليُشْتَرى منها ولدُها لتنتفع بثمنه ويحصُلَ له من يطعمه فيعيش، وتأمن عليه من الهلاك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ووقعت أحوال صعبة يطول ذكرها، وتنُبو الأسماعُ عن وصفها، وقد ترحَّلت منهم فرقة قريبَ الأربعمئة إلى ناحية مَرَاغة (٨) فسقط عليهم ثلجٌ أهلكهم عن آخرهم، وصحبت طائفة منهم فرقة من التتار، فلما انتهوا إلى عقبةٍ، صعِدها التَّتار ثم منعوهم أن يصعدوها لئلا يتكلَّفوا بهم فماتوا عن آخرهم. فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وفي بُكرة الإثنين السابع (٩) من صفر قدم القاضي كريمُ الدّين عبدُ الكريم بن العلَم هبة الله وكيل الخاص السلطاني بالبلاد جميعها، قدم إلى دمشق فنزل بدار السعادة وأقام بها أربعة أيام، وأمر ببناء جامع القُبَيْبَات (١٠)، الذي يقال له: جامع كريم الدين (١١)، وراح لزيارة بيت المَقْدس، وتصدَّق بصدقات كثيرة وافرة، وشرع ببناء جامعه بعد سفره.

стр. 7383

وفي ثاني صفر جاءت ريحٌ شديدةٌ ببلاد طَرَابُلس على ذوق تركمان، فأهلكت لهم كثيرًا من الأَمتعة، وقتلت أميرًا منهم يقال له طرالي وزوجته وابنتيه وابني ابنيه وجاريته وأحدَ عشرَ نفسًا، وقتلت جِمالًا كثيرة وغيرها، وكسرت الأمتعة والأثاث وكانت ترفع البَعير في الهواء مقدارَ عَشْرة أَرماح ثم تلقيه مقطعًا، ثم سقط بعد ذلك مطر شديد وبرَدٌ عظيم بحيث أتلف زروعًا كثيرة في قرى عديدة نحوًا من أربع وعشرين قرية، حتى إنَّها لا ترد بدارها (١). وفي صفر أخرج الأمير سيف الدين طُغَاي النَّاصري (٢) إلى نيابة صفد فأقام (٣) بها شهرين مسك. والصاحب أمين الدين إلى نظر الدواوين (٤) بطرابُلُس على معلوم وافر. قال الشيخ علَم الدين: وفي يوم الخميس منتصف ربيع الأول اجتمع قاضي القضاة شمسُ الدين بن مسلم (٥) بالشيخ الإمام العلامة تقي الدين بن تيمية وأشار عليه في ترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطَّلاق، فقبل الشيخ نصيحته وأجاب إلى ما أشار به، رعاية لخاطره وخواطر الجماعة المُفتين. ثم ورد البريد في مستهل جُمادى الأولى بكتاب من السلطان فيه منع الشيخ تقي الدّين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، وانعقد بذلك مجلس، وانفصل الحال على ما رسم به السلطان، ونُودي به في البلد، [وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلم الحنبلي جماعةٌ من المفتين الكبار، وقالوا له: أن ينصح الشيخ في ترك الإفتاء في مسألة الطلاق، فعلم الشيخ نصيحته، وأنه إنّما قصد بذلك ترك ثوران فتنة وشر] (٦). وفي عاشره جاء البريد إلى صفد (٧) بمسك سيف الدين طُغَاي (٨)، وتَوْلية بدر الدين القَرْمَانيّ نيابةَ حمصَ. وفي هذا الشهر وصل (٩) مقتل رشيد الدولة فضل الله بن أبي الخير بن علي (١٠) الهَمْداني، كان أصله

стр. 7384

يهوديًا عطَّارًا، فتقدَّم بالطب وشملته السعادة حتى كان عند خَرْبَنْدَا الجزءَ الذي لا يتجزأ، وعلت رتبته وكلمتُه، وتولَّى مناصبَ الوُزراء، وحَصَل له من الأموال والأملاك والسعادة ما لا يُحدُّ ولا يُوصف، وكان قد أظهر الإسلام، وكانت لديه فضائل جمّة، وقد فسر القرآن وصنّف كتبًا كثيرة، وكان له أولاد وثروة عظيمة، وبلغ الثمانين (١) من العمر، وكانت له يد جيّدة يوم الرَّحْبَة (٢)، فإنه صانَع عن المسلمين [وأتقن القضية في رجوع ملك التتار عن البلاد الشامية] (٣)، سنة ثنتي عشرة كما تقدَّم، وكان يناصح الإسلام، ولكن قد نال منه خلقٌ كثير من النَّاس واتَّهموه على الدِّين وتكلموا في تفسيره هذا، ولا شك أنه كان مخبِّطًا مخلِّطًا، وليس لديه علم نافع، [ولا عمل صالح] (٤). ولما تولى أبو سعيد المملكةَ عزله وبقي مدَّةً خاملًا، ثم استدعاه جُوْبَان وقال له: أنت سقيت السلطان خَرْبَنْدا سُمًّا؟ فقال له: أنا كنت (٥) في غاية العظمة والعزة، فكيف أعمَد إلى سقيه والحالة هذه؟ فأحضرت الأطبّاء فذكروا سورة مرض خَرْبَنْدا وصفته، وأن الرشيد أشار بإسهاله لما عنده في باطنه من الحواصل، فانطلق باطنه نحوًا من سبعين مجلسًا، فمات [فاعترف] (٦) بذلك على وجه أنَّه أخطأ في الطب. فقال: فأنت إذًا قتلته، فقتله وولده إبراهيمَ، واحتيط على حواصله وأمواله، فبلغت شيئًا كثيرًا، وقُطعت أَعضاؤُه وحُمل كل جزء منها إلى بلدة، ونودي على رأسه بتبْريز: هذا رأسُ اليهودي الذي بدل كلام الله لعنه الله، ثم أُحرقت جثته، وكان القائم عليه علي شَاه (٧). وفي هذا الشَّهر - أَعْني جُمادى الأولى - تولَّى قضاء المالكية بمصرَ تقي الدين الإخنائي (٨) عوضًا عن زين الدين بن مخلوف توفي عن أربعٍ وثمانين سنة، وله في الحكم ثلاث وثلاثون سنة. وفي يوم الخميس عاشر رجب لبس صلاح الدين يوسف بن الملك الأوحد خلعة الإمرة بمرسوم السلطان (٩). وفي آخر رجب جاء سيلٌ عظيمٌ بظاهر حمصَ خرَّب شيئًا كثيرًا، وجاء إلى البلد ليدخلها فمنعه الخندق.

стр. 7385

وفي شعبانَ تكامل بناءُ الجامع الذي عمره تَنْكِز ظاهرَ باب النَصر، وأقيمت الجمعة فيه يوم عاشر شعبان، وخطب فيه الشيخ نجم الدّين علي بن داود بن يحيى الحنفي المعروف بالقَحْفازي (١)، من مشاهير الفضلاء ذوي الفنون المتعدّدة، وحضر نائبُ السَّلطنة والقضاة والأعيان والقراء والمنشدون، وكان يومًا مشهودًا. وفي يوم الجمعة التي يليها خُطب بجامع القُبَيْبَات الذي أنشأه كريم الدين وكيل السلطان، وحضر فيه القضاةُ والأعيان، وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الواحد بن يوسف بن الرزين (٢) الحراني الآمدي (٣) الحنبلي، وهو من الصَّالحين الكبار، ذوي الرهادة والعبادة والنّسك والتوجُّه وطيب الصوت وحسن السَّمت. وفي حادي عشر رمضان خرج الشيخ شمس الدين بن النقيب (٤) إلى حمص حاكمًا بها مطلوبًا مولّى مرغوبًا فيه، وخرج النَّاس لتوديعه. وفي هذا الشهر حصل سيل عظيم بسلميَّة ومثلُه بالشُّوبك، وخرج المحمل في تاسع (٥) شوال وأمير الركب الأمير علاء الدين بن سعد (٦) والي البر، وقاضيه زين الدين ابن قاضي الخليل الحاكم بحلب. وممَّن حج في هذه السنة من الأعيان: الشيخ برهان الدين الفزاري وكمال الدين بن الشريشي وولده وبدر الدين بن العطار. وفي الحادي والعشرين من ذي الحجة انتقل الأمير فخر الدين إِياس (٧) الأَعْسري من شد الدواوين بدمشق إلى طَرَابُلُس أميرًا. وفي يوم الجمعة السابع عشر من (٨) ذي الحجة أقيمت الجمعة في الجامع الذي أنشأه الصاحب شمس الدين بن غِبْرِيال ناظرُ الدواوين بدمشقَ خارج باب شرقي (٩)، إلى جانب ضِرار بن الأَزور [﵁] (١٠) بالقرب من محلة القعاطلة، وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن التَّدمري المعروف

стр. 7386

بالنَّيرباني، وهو من كبار الصَّالحين ذوي العبادة والزهادة، وهو من أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية، وحضره الصَّاحبُ المذكور وجماعة من القضاة والأعيان. وفي يوم الإثنين، العشرين (١) من ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عُثْمان الذّهبي (٢) المحدِّث الحافظ بتربة أمِّ الصالح (٣) عوضًا عن كمال الدين بن الشُّريشي، توفي بطريق الحج (٤) في شوّال، وقد كان له في مشيختها ثلاثٌ وثلاثون سنة، وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة. وفي يوم الثلاثاء صبيحة هذا الدَّرس أُحضر الفقيه زين الدين بن عُبَيْدان الحنبلي من بعلبك وحوقق على منام رأه زعم أنه رآه بين النائم واليقظان، وفيه تخليط وتخبيط وكلام كثير لا يصدر عن مستقيم المزاج، كان كتبه بخطه وبعثه لي بعضُ أصحابه، فاستسلمه القاضي الشّافعي وحقَنَ دمَهُ وعزَّرَه، ونُودي عليه في البلد ومُنع من الفتوى وعقود الأنكحة، ثم أُطلق. وفي يوم الأربعاء بُكْرةً باشر بدر الدين محمد بن بصخان (٥) مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح عوضًا عن الشيخ مجد الدين التونسي توفي، وحضر عنده الأعيان الفضلاء، قد حضرته يومئذ، وقبل ذلك باشر مشيخة الإقراء بالأشرفية عوضًا عنه أيضًا الشيخ محمد بن خروف المَوصلي. وفي يوم الخميس ثالث عِشْري ذي الحجة باشر الشيخ الإمام العلّامة الحافظ الحجّة شيخُنا ومفيدنا أبو الحَجَّاج يوسُف بن الزَّكي عبد الرحمن بن يوسف المِزِّي مشيخةَ دار الحديث الأشرفية عوضًا عن كمال الدين بن الشريشي، ولم يحضُر عنده كبير أحد، لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك، مع أنه لم يتولَّها أحدٌ قبله أحق بها منه، ولا أحفظ منه، [وما عليه منهم؟ إذ لم يحضروا عنده فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده، وبعدهم عنه أنس، والله أعلم] (٦). وممّن توفي فيها من الأعيان: الشّيخ الصّالح العابد الناسك: الورع الزاهد القدوة بقية السَّلف وقدوةُ الخلف أبو عبد الله محمد بن الشّيخ الصالح عمر بن السيد القدوة الناسك الكبير العارف أبي بكر بن قوام بن علي بن قوام

стр. 7387

البالسي (١)، ولد سنة خمسين وستمئة ببَالِسَ (٢)، وسمع من أصحاب ابن طبرزد، وكان شيخًا جليلًا بشوش الوجه حسنَ السَّمت، مقصدًا لكل أحد، كثير الوقار، عليه سيما العبادة والخير، [وكان يوم قازان في جملة من كان مع الشيخ تقي الدين بن تيمية لما تكلم مع قازان، فحكى عن كلام شيخ الإسلام تقي الدين لقازان وشجاعته وجرأته عليه، وأنه قال لترجمانه قل للقان: أنت تزعم أنّك مسلم ومعك مؤذِّنون وقاضٍ ها مام وشيخ على ما بلغنا فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا؟ وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين وما غَزَوا بلاد الإسلام، بل عاهدوا قومنا، وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت! قال: وجرت له مع قازان وقُطْلوشاه وبُولاي أمورٌ ونُوَبٌ، قام ابن تيمية فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله . قال وقرَّب إلى الجماعة طعامًا فأكلوا منه إلا ابن تيمية، فقيل له ألا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامكم وكله ممّا نهبتم من أغنام النَّاس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس، قال: ثم إن قازان طلب منه الدعاء فقال في دعائه: "اللَّهم إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا وليكون الدين كله لك فانصره وأيده وملِّكه البلاد والعباد، وإن كان إنما قام رياءً وسمعةً وطلبًا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا وليذلَّ الإسلامَ وأهلَه فاخذُلْه وزلزله ودمِّرْه واقطع دابره". قال: وقازان يؤمن على دعائه، ويرفع يديه. قال: فجعلنا نجمع ثيابنا خوفًا من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله. قال: فلما خرجنا من عنده قال له قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى وغيره: كدت أن تهلكَنا وتهلكَ نفسك، والله لا نصحبُك من هنا، فقال: وأنا والله لا أصحبكم. قال فانطلقنا عصبة وتأخر هو في خاصَّة نفسه ومعه جماعة من أصحابه، فتسامعت به الخوَّاقين والأمراء من أصحاب قازان فأتوه يتبرَّكون بدعائه، وهو سائر إلى دمشق، وينظرون إليه، قال: والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلثمئة فارس في ركابه، وكنت أنا من جملة من كان معه، وأما أولئك الذين أبَوْا أن يصحبوه فخرج عليهم جماعة من التَّتر فشلحوهم عن آخرهم، هذا الكلام أو نحوه، وقد سمعت هذه الحكاية من جماعة غيره، وقد تقدم ذلك] (٣). توفي الشيخ محمد بن قَوام ليلة الإثنين الثاني والعشرين من صفر بالزَّاوية (٤) المعروفة بهم غربيّ الصالحية والناصرية والعادلية، وصُلّي عليه بها ودُفن بها، وحضر جنازته ودفنه خلق كثير وجم غفير، وكان في جملة الجمع الشيخ تقي الدين بن تيمية، لأنه كان يحبه كثيرًا، ولم يكن للشيخ محمّد مرتب على

стр. 7388

الدولة ولا غيرهم، ولا لزاويته مرتَّب ولا وقف، وقد عرض عليه ذلك غير مرة فلم يقبل، وكان يُزار، وكان لديه علم وفضائل جمة، وكان فهمه صحيحًا، وكانت له معرفة تامة، وكان حسنَ العقيدة وطويتُه صحيحة، محبًا للحديث وآثار السلف، كثير التلاوة [والجمعية على الله ] (١)، وقد صنف جزءًا فيه أخبار جَدِّه (٢)، ﵀ وبلّ ثراه بوابل الرحمة آمين. الشيخ الصالح الأديب البارع الشاعر المجيد: تقي الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ أحمد بن تمام بن حسان التلي (٣) ثم الصالحي الحنبلي (٤)، أخو الشيخ محمد بن تمّام، ولد سنة خمس وثلاثين وستمئة، وسمع الحديث، وصحبَ الفُضَلاء، وكان حسنَ الشَّكل والخُلُق، طيِّب النفس مليح المجاورة والمجالسة، كثيرَ المفاكهة، أقام مدَّة بالحجاز واجتمع بابن سبعين (٥) وبالتَّقي الحورانيّ، وأخذ النَّحوَ عن ابن مالك (٦) وابنه بدر الدين وصحبَه مدَّة، وقد صحبه الشّهاب محمود مدَّةَ خمسين سنة، وكان يثني عليه بالزهد والفراغ من الدنيا، توفي ليلة السبت الثالث من ربيع الآخر ودفن بالسَّفح. وقد أورد الشيخ علَم الدين البِرْزالي في ترجمته قطعة من شعره: فمن ذلك قوله: أَسُكَّانَ المعاهدِ من فُؤادي … لكُم في خافقٍ منه (٧) سكونُ أكرِّرُ فيكمُ أبدًا حديثي … فيحلو والحديثُ له (٨) شجونُ وأنظمهُ عقيقًا (٩) من دموعي … فتنثرهُ المحاجرُ والجفونُ وأبتكرُ المعاني في هواكُم … وفيكُم كلّ قافيةٍ تهونُ وأسألُ عنكُمُ البكَّاء (١٠) سرًّا … وسرُّ هواكمُ سرٌّ (١١) مصونُ

стр. 7389

وأغتبقُ (١) النسيم لأنَّ فيه … شمائلَ منْ معاطفكُمْ تبينُ فكمْ لي في محبَّتكمْ غرامٌ … وكمْ لي في الغرامِ بكم فنونُ؟ قاضي القضاة زين الدين: علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم بن منعم بن خلف النويري المالكي (٢) الحاكم بالدّيار المصرية، ولد (٣) سنة أربع وثلاثين وستمئة، وسمع الحديث واشتغل وحصل، وولي الحكم بعد ابن شاس (٤) سنة خمس وثمانين، وطالت أيّامه إلى هذا العام، وكان غزير المروءة والاحتمال والإحسان إلى الفقهاء والشُّهود، ومن يقصِدُه. توفي ليلة الأربعاء حاديْ عشرَ جمادى الآخرة ودفن بسفح المقطَّم بمصرَ، وتولّى الحكم بعده بمصر تقي الدين الأخنائي المالكي. الشيخ (٥) إبراهيم بن أبي العلاء (٦): المقرئ الصيّت المشهور المعروف بابن شَعْلان، وكان رجلًا جيدًا في شهود المسمارية (٧)، ويقصد للختمات لطِيْبِ (٨) صَوْته. توفي يوم الجمعة وهو كهل ثالثَ عشَر جُمادى الآخرة، ودفن بسفح قاسيون. الشيخ الإمام العالم الزاهد: أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي جعفر أحمد بن خلف بن إبراهيم بن أبي عيسى بن الحاج التُّجيبي (٩) القرطبي ثم الإشبيلي (١٠)، ولد بإشبيلية سنة ثمان وثلاثين وستمئة، وقد كان أهله بيت العلم والخطابة والقضاء بمدينة قُرطبة، فلمّا أخذها الفرنج انتقلوا إلى إشبيلية وتمحقت أموالهم وكتبهم، وصادر ابن الأحمر جده القاضي بعشرين ألف دينار، ومات أبوه وجدُّه في سنة إحدى وأربعين وستمئة، ونشأ يتيمًا ثم حجَّ وأقبل إلى الشام، فاستقام

стр. 7390

بدمشقَ من سنة أربع وثمانين، وسمع من ابن البخاري وغيره، وكتب بيده نحوًا من مئة مجلد، إعانةً لولديه أبي عَمْرو وأبي عبد الله على الاشتغال. ثم كانت وفاته بالمدرسة الصلاحية (١) يوم الجمعة وقت الأذان ثامنَ عشرَ رجب، وصُلّي عليه بعد العصر ودفن عند الفندلاوي (٢)، بباب الصغير بدمشق، وحضر جنازته خلق كثير. الشيخ كمال الدين بن الشَّرَيشي: أحمد ابن الإمام العلامة جمال الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن (٣) سُجْمان (٤) البكري الوائلي الشريشي (٥)، كان أبوه مالكيًا كما تقدَّم، واشتغل هو في مذهب الشافعي فبرع وحصل علومًا كثيرة، وكان خبيرًا بالكتابة (٦) مع ذلك، وسمع الحديث وكتب الطّباق بنفسه، وأفتى ودرس وناظَرَ وباشَرَ بعدّة مدارسَ ومناصبَ كبار، أَول ما باشر مشيخة دار الحديث بتربة أم الصالح بعد والده من سنة خمس وثمانين وستمئة إلى أن توفي (٧)، وناب في الحكم عن ابن جماعة، ثم ترك ذلك وولي وَكالة بيت المال وقضاء العسكر ونظر الجامع مرات، ودرَّس بالشَّامية البرَّانية ودرَّس بالناصرية عشرين سنة، ثم انتزعها من يده ابنُ جماعة وزينُ الدين الفارقي، فاستعادها منهما وباشر مشيخة الرّباط النّاصري بقاسيون مدَّةً، ومشيخة دار الحديث الأشرفية ثمان سنين، وكان مشكور السيرة فيما يولَّى من الجهات كلِّها، وقد عزم في هذه السنة على الحجّ فخرج بأهله فأدركته منيته بالحَسَا (٨) في سَلخ شوّال من هذه السنة، ودفن هناك ﵀، وتولى بعده الوكالة جمال الدين بن القلانسي، ودرَّس بالناصرية كمال الدين بن الشيرازي، وبدار الحديث الأشرفية الحافظ جمال الدين المِزِّي، وبأم الصالح الشيخ شمس الدين الذهبي، وبالرباط الناصري ولده جمال الدين. الشّهاب المقرئ: أحمد بن أبي بكر بن أحمد البغدادي (٩) نقيب (١٠) المتعمِّمين، كان عنده فضائل جمة نثرًا ونظمًا ممّا يناسب الوقائع وما يحضر فيه من التّهاني والتَّعازي، ويعرفُ الموسيقى والشَّعْبَذَةَ،
следующие страницы →