← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

وفي مستهل ربيع الأول أُفرج عن الأمير نجم الدّين خَضِر بن الملك الظّاهر (١)، فأخرج من البرج (٢) وسكن دار الأَفْرَم (٣) بالقاهرة، ثم كانت وفاتُه في خامس رجب من هذه السَّنة. وفي أواخر جُمادى الأولى تولَّى نظر ديوان ملك الأمراء زينُ الدِّين الشَّريف ابن عدنان عوضًا عن ابن الزملكاني، ثم أُضيف إليه نظرُ الجَامع أيضًا عوضًا عن ابن الخطيري، وتولَّى نجمُ الدّين الدمشقي (٤) نظرَ الأيتام عوضًا عن نجم الدين بن هلال (٥). وفي رمضانَ عُزِل الصَّاحبُ أمين الدين الدقاقي (٦) عن نظر الدّواوين بدمشقَ وسافر إلى مصرَ. وفيها عَزَل كمالُ الدّين بن الشَّرَيْشي (٧) نفسَه عن وكالة بيت المال، وصمَّم على الاستمرار على العزل، وعُرض عليه العَودُ فلم يقبل، وحُمِلت إليه الخِلعة لمّا خُلع على المباشرين فلم يلبسها، واستمرَّ معزولًا إلى يوم عاشوراء من السَّنة الآتية، فجُدِّد تقليدُه وخُلع عليه في الدَّولة الجديدة. وفيها خرج السُّلطان (٨) الناصر محمّد بن قلاوون من الديار المصرية قاصدًا الحج، وذلك في السادس والعشرين من رمضانَ، وخرج معه جماعةٌ من الأمراء لتوديعه فردَّهم، ولما اجتاز بالكَرَك عَدَل إليها فنُصب له الجسرُ، فلما توسَّطه كُسر به، فسلم من كان أمامه وقفز به الفرسُ فسلم، وسقط من كان وراءه وكانوا خمسينَ، فمات منهم أربعة، وتهشَّم أكثرهم في الوادي الذي تحته (٩)، وبقي نائبُ الكَرَك الأمير جمالُ الدين آقوش (١٠) خَجِلًا يتوهَّم أن يكون هذا يظنُّه السلطان عن قصد، وكان قد عمل للسُّلطان ضيافةً غرِم عليها أربعةَ عشرَ ألفًا، فلم يقع الموقع لاشتغال السلطان بهم وما جرى له ولأصحابه، ثم خلع على النّائب، وأذن له في الانصراف إلى مصرَ فسافر، واشتغل السلطان بتدبير المملكة في الكَرَك وحدَها، وكان يحضر دارَ العدل ويباشر الأمورَ بنفسه،

стр. 7317

وقدمت عليه زوجُه (١) من مصرَ، فذكرت له ما كانوا فيه من ضيق الحال وقلَّة النفقات (٢). ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير (٣) لما استقر الملك النَّاصرُ بالكَرَك وعزم على الإقامة بها كتب كتابًا إلى الديار المصرية يتضمَّنُ عَزلَ نفسه عن المملكة، فأُثبت ذلك على القضاة بمصر، ثم نُفِّذَ على قضاة الشام، ويويع الأمير ركن الدين بِيْبَرس الجَاشْنَكير، بالسّلطنة (٤) في الثالث والعشرين من شوال يوم السبت بعد العصر، بدار الأمير سيف الدين سلَّار، اجتمع بها أعيان الدولة من الأمراء وغيرهم وبايعوه وخاطبوه بالملك المظفر، ثمَّ ركب إلى القلعة ومَشَوْا بين يديه، وجلس على سرير المملكة بالقلعة، ودُقت البشائر وسارت البريدية بذلك إلى سائر البلدان (٥). وفي مستهل ذي القعدة وصل الأمير عز الدّين البغدادي (٦) إلى دمشق فاجتمع بنائب السَّلطنة والقضاة والأمراء والأعيان بالقصر الأَبْلق، فقرأ عليهم كتاب الناصر إلى أهل مصر، وأنَّه قد نزل عن الملك وأعرض عنه، فأثبته القُضَاة وامتنع الحنبلي (٧) من إثباته وقال: ليس أحد يتركُ الملك مختارًا، ولولا أنه مضطهد ما تركه، فعُزِل وأُقيم غيرُه (٨)، ثم استحلفهم للسلطان الملك المظفر، وكتبت العلامة على القلعة، وألقابه على محال المملكة، ودُقت البشائر، وزُيِّنت البلد، ولما قرئ كتاب الملك الناصر على الأمراء بالقصر، وفيه: إني قد صحبت الناس عشر سنين ثم اخترت المقَام بالكَرَك، تباكَي جماعة من الأمراء وبايعوا كالمُكرهين. وتولى مكان الأمير ركن الدين بِيْبَرْس الجاشنكير الأمير سيف الدين ترغلى (٩)، ومكان ترغلى (١٠)

стр. 7318

سيف الدين بِتْخَاص (١)، ومكان بِتْخَاص الأمير جمال الدين آقوش (٢) الذي كان نائب الكَرَك، وخُطب للمظفر يوم الجمعة على المنابر بدمشق وغيرها، [وحضر نائب السلطنة الأفرم والقضاة، وجاءت الخلع وتقليد نائب السلطنة في تاسع عشر ذي القعدة] (٣). وقرأ تقليدَ النائب كاتبُ السرّ القاضي محيي الدين بن فضل الله (٤) بالقصر بحضرة الأمراء، وعليهم الخلعُ كلّهم. وركب المظفر بالخِلعة السوداء الخليفيَّة، والعِمَامة المدوَّرة ورجال الدَّولة بين يديه، عليهم الخِلعُ يوم السبت سابع ذي القعدة، والصَّاحب ضياء الدين النشاي (٥) حامل تقليد السُّلطان من جهة الخليفة في كيس أطلس أسود. وأَوّله ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]. ويقال: إنّه خلع في القاهرة قريب ألف خِلعة ومِئتي خِلعة، وكان يومًا مشهودًا، [وفرح بنفسه أيامًا يسيرة، وكذا شيخُه والمَنْبجيّ، ثمَّ أزالَ الله عنهما نعمتَه سريعًا] (٦). وفيها خطب ابنُ جماعة (٧) بالقلعة، وباشر الشيخ علاء الدين القُونوي (٨) تدريس الشَّريفية (٩). وممّن توفي فيها من الأعيان: الشَّيخ الصَّالح عثمان الحلبوني (١٠): أصلُه من صعيد مصرَ، فأقام مدة بقرية حلبون وغيرها من

стр. 7319

تلك الناحية، ومكثَ مدة لا يأكل الخبز، واجتمع عليه جماعةٌ من المريدين وتوفي بقرية برزة (١) في أواخر المحرَّم، ودُفن بها، وحضر جنازَته نائبُ الشّام والقضاة وجماعة من الأعيان. الشَّيخ الصَّالح: أبو الحسن علي بن محمد بن كثير الحرّاني (٢) الحَنْبلي إِمام مسجد عطيَّة، ويعرف بابن المقرئ، روَى الحديثَ، وكان فقيهًا بمدارس الحنابلة. ولد بحران سنة أربع وثلاثين وستمائة، وتوفي بدمشقَ في العشر الأخير من رمضان، ودُفن بسفح قاسيون. وتوفي قبله الشيخ زين الدين الحرَّاني (٣) بغزَّة، وعَمل عزاؤُه بدمشقَ. رحمهما الله. السَّيد الشَّريف زَيْن الدّين: أبو علي الحُسَين (٤) بن محمد بن عدنان الحُسَيني (٥) نقيب الأشراف، كان فاضلًا بارعًا فصيحًا متكلمًا، يعرف طريقة الاعتزال ويباحث الإمامية، ويناظر على ذلك بحضرة القضاة وغيرهم، وقد باشر قبل وفاته بقليل نظر الجامع ونظر ديوان الأَفْرم، توفي يوم الخامس من ذي القعدة عن خمسٍ وخمسينَ سنةً، ودُفن بتربتهم بباب الصغير. الشَّيخ الجليل ظهير الدين: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل بن مَنْعَةَ البغدادي (٦)، شيخُ الحَرَم الشَّريف بمكَّة بعد عمه عفيف الدّين منصور بن منعة، وقد سمع الحديث، وأقام ببغداد مدة طويلة، ثم سار إلى مكَّة، بعد وفاة عمه، فتولَّى مشيخة الحرم إلى أن توفي بها (٧). ثم دخلت سنة تسع وسبعمئة استهلّت وخليفةُ الوقت المستكفي أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله العباسي، وسلطان البلاد الملك المظفر ركن الدين بِيْبَرْس الجَاشْنَكِير، ونائبُه بمصرَ الأمير سيف الدين سلَّار، وبالشام (٨) آقوش الأَفْرم، وقضاةُ مصرَ والشَّام هم المذكورون في التي قبلها.

стр. 7320

وفي ليلة سلخ صفر توجه الشيخ تقي الدين بن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية صحبةَ أمير مُقَدّم، فأدخله دار السلطان وأنزله في برج منها فسيح متسّع الأَكناف، فكان الناس يدخلون عليه [ويشتغلون في سائر العلوم] (١)، ثم كان بعد ذلك يحضر الجُمُعَات، ويعمل المواعيد على عادته في الجامع، [وكان دخوله إلى الاسكندرية يوم الأحد، وبعد عَشْرةِ أيَّام وصل خبره إلى دمشقَ، فحصل عليه تألُّم وخافوا عليه غائلة الجاشْنَكير وشيخه المَنْبجي، فتضاعف له الدُّعاء، وذلك أنهم لم يمكِّنوا أحدًا من أصحابه أن يخرج معه إلى الإسكندرية، فضاقت له الصُّدور، وذلك أنّه تمكَن منه عدوُّه نصر المنَبْجي] (٢). وكان سبب عداوته له أنَّ الشيخ تقي الدّين كان ينال من الجاشْنَكير ومن شيخه نَصْر المَنْبجي، ويقول: زالت أيامه وانتهت رياسته، وقَرُب انقضاءُ أجله، ويتكلم فيهما وفي ابن عربي وأتباعه، فأرادوا أن يسيروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غِيْلة (٣)، فما زاد ذلك الناس إلا محبة فيه وقربًا منه، وانتفاعًا به، واشتغالًا عليه، وحُنُوًا وكرامةً له. [وجاء كتابٌ من أخيه (٤) يقول فيه: إنَّ الأخَ الكريم قد نزل بالثّغر المحروس على نيّة الرَّباط، فإنّ أعداءَ الله قصدوا بذلك أمورًا يكيدونه بها ويكيدون الإسلام وأهله، وكانت تلك كرامةً في حقّنا، وظنوا أنَّ ذلك يؤدي إلى هلاك الشيخ، فانقلبت عليهم مقاصدُهم الخبيثة، وانعكست من كل الوجوه، وأَصبَحُوا وأَمْسَوْا وما زالوا عند الله وعند النّاس العارفين سودَ الوُجوه، يتقطَّعون حسراتٍ وندمًا على ما فعلوا، وانقلبَ أهل الثغر أجمعين إلى الأخ مقبلينَ عليه، مُكرمين له، وفي كل وقت ينشرُ من كتاب الله وسنَّة رسوله ما تَقَرُّبِهِ أعينُ المؤمنين، وذلك شجى (٥) في حلوق الأعداء، واتّفق أنّه وجد بالإسكندرية إبليسَ قد باضَ فيها وفرَّخ، وأضل بها فرق السَبْعينَّة (٦) والعربيَّة (٧)، فمزق الله بقدومه عليهم شملَهم، وشتَّت جموعَهم شَذَرَ مَذرَ، وهتكَ أستارهم وفَضَحهم، واستتاب جماعةً كثيرةً منهم، وتوَّبَ رئيسًا من رؤسائهم، واستقر عند عامة المؤمنين وخواصِّهم من أمير وقاض وفقيه، ومفتي وشيخ وجماعة المجتهدين، إلا من شَذَّ من الأغْمَار الجُهَّال، مع الذلَّة والصَّغار - محبةُ الشَّيخ وتعظيمُه وقبولُ كلامه

стр. 7321

والرُّجوعُ إلى أمره ونهيه، فعلَتْ كلمةُ الله بها على أعداء الله ورسوله، ولُعِنوا سرًا وجهرًا وباطنًا وظاهرًا، في مجامع الناس بأسمائهم الخاصّة بهم، وصار ذلك عند نصر المَنْبجي القيمَ المُقيم، ونزل به من الخوف والذلِّ ما لا يعبَّر عنه، وذكر كلامًا كثيرًا] (١). والمقصودُ أنَّ الشَّيخَ تقي الدين أقامَ بثغر الإسكندرية ثمانيةَ أشهر مقيمًا ببُرجٍ متَّسع مليح نظيفٍ، له شبّاكان أحدهما إلى جهة البحر والآخر إلى جهة المدينة، وكان يدخل عليه من شاء، ويتردد إليه الأكابرُ والأعيانُ والفقهاءُ، يقرؤون عليه ويستفيدون منه، وهو في أطيب عيش وأشرح صدر. وفي آخر ربيع الأول عزل الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلكاني عن نظر المارستان (٢) [بسبب انتمائه إلى ابن تيمية بإشارة المنبجي] (٣)، وباشره شمس الدين عبد القادر بن الخطيري. وفي يوم الثلاثاء ثالث ربيع الآخر ولّى قضاء الحنابلة بمصر الشيخ الإمام الحافظ سعد الدين أبو محمود (٤) مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد (٥) الحارثي، شيخ الحديث بمصر، بعد وفاة القاضي شرف الدين أبي محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحرّاني. وفي جُمادى الأولى برزت المراسيم السلطانية المظفَّرية إلى نوّاب البلاد السَّاحلية (٦) بإبطال الخمور، وتخريب الحانات، ونفي أهلها، ففُعل ذلك، وفرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا. وفي مستهل جُمادى الآخرة وصل بريد بتولية قضاء الحنابلة بدمشق للشيخ شهاب الدين أحمد بن شرف (٧) الدين حسن بن الحافظ جمال الدين أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي، عوضًا عن التَّقي سُليمان بن حمزة بسبب تكلُّمه في نزول الملك النّاصر عن الملك، وأنه إنّما نزل عنه مضطهدًا بذلك، ليس بمختار، وقد صدق فيما قال. وفي عشرين جُمادى الآخرة وصل البريد بولاية شدِّ الدواوين للأمير سيف الدين بَكْتَمُر الحاجب (٨)، عوضًا عن الرُّسْتُميّ (٩) فلم يقبل، وبنظر الخِزَانة للأمير عزّ الدين أحمد بن الزَّين (١٠) محمد بن أحمد بن

стр. 7322

محمود المعروف بابن القَلَانسي، فباشرها (١) وعزل عنها البصراوي محتسب البلد. وفي هذا الشهر باشر قاضي القضاة (٢) ابن جماعة مشيخة سعيد السُّعداء بالقاهرة بطلب الصُّوفية له، ورَضُوا منه بالحضور عندهم في الجمعة مرةً واحدة، وعُزل عنها الشيخ كريم الدين الآمُلي (٣) لأنَّه عزل منها الشُّهود، فثاروا عليه، وكتبوا في حقه محاضرَ بأشياء قادحة في الدّين، فرُسم بصرفه عنهم، وعُومل بنظير ما كان يعامل به النّاس، [ومن جملة ذلك قيامه على شيخ الإسلام ابن تيمية وافتراؤه عليه الكذبَ، مع جهله وقلة ورعه، فعجَّل الله له هذا الخزي على يدي أصحابه وأصدقائه جزاءً وفاقًا] (٤). وفي شهر رجبٍ كَثُر الخوفُ بدمشقَ وانتقل الناس من ظاهرها إلى داخلها، وسبب ذلك أنَّ السلطانَ الملك الناصر محمد بن قلاوون ركب من الكَرَك قاصدًا دمشقَ يطلب عودَه إلى الملك، وقد مالأَهُ جماعةٌ من الأمراء وكاتبوه في الباطن وناصحوه، وقفز إليه جماعة من أمراء المصريين، وتحدَّث النَّاسُ بسفر نائب دمشق الأَفْرم إلى القاهرة، وأن يكون مع الجمِّ الغفير، فاضطرب النّاسُ ولم تفتح أبوابُ البلد إلى ارتفاع النهار، وتخبَّطت الأمور، فاجتمع القضاة وكثيرٌ من الأمراء بالقصر وجددوا البيعة للملك المظفَّر (٥)، وفي آخر نهار السبت غلّقت أبوابُ البلد بعد العصر وازدحم الناس بباب النصر وحصَلَ لهم تعبٌ عظيم، وازدحم البلد بأهل القرى وكثر الناس بالبلد، وجاء البريد بوصول الملك الناصر إلى الخَمَّانِ (٦)، فانزعجَ نائبُ الشام لذلك، وأظهر أنه يريد قتاله ومنعه من دخول البلد، وقفز إليه الأميران ركن الدين بِيْبَرس المجنون (٧)، وبِيْبَرْس العلميّ (٨)، وركب إليه الأمير سيف الدين بَكْتَمُر حاجب الحجّاب يشير عليه بالرجوع، ويخبره بأنه لا طاقَةَ له بقتال المصريين، ولحقه الأمير سيفُ الدّين بَهَادُر (٩) آص يشير عليه بمثل ذلك، ثم عاد إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رجب وأُخْبر أن السلطان الملك الناصر قد عاد إلى الكَرَك، فسكن الناس ورجع نائبُ السلطنة إلى القصر، وتراجَعَ بعض الناس إلى مساكنهم، واستقروا بها.

стр. 7323

صفة عود المُلْكِ إلى المَلِكِ الناصر بن الملك المنصور قلاوون (١) [وزوال دولة الملك المظفّر الجاشْنَكير بيبرس وخذلان شيخه نصر المنبجي الاتحادي الحلولي (٢) لما كان ثالثَ عشَر شعبان جاء الخبر بقدوم الملك الناصر إلى دمشق، فساق إليه الأميران سيف الدين قُطْلُوبَك والحاج بَهَادُر إلى الكَرَك، وحضّاه على المجيء إليها، واضطرب نائبُ دمشق وركبَ في جماعةٍ من أتباعه على الهِجْن في سادسَ عشرَ شعبان ومعه ابن صُبْح صاحب (٣) شَقِيْف (٤) أَرْنُونَ، وهُيئت بدمشقَ أُبَّهةُ السَّلطنة والإقامات اللائقة به، والعصائب (٥) والكوسات، وركب من الكَرَك في أُبَّهة عظيمة، وأرسل الأمان إلى الأَفْرم، ودعا له المؤذنون في المئذنة ليلة الإثنين سابع عشر شعبان وضجَّ الناس (٦) بالدعاء له والسرور بذكره، ونُودي في الناس بالأمان، وأن يفتحوا دكاكينهم ويأمنوا في أوطانهم، وشرع النّاسُ في الزينة، ودقت البشائر، ونام الناس في الأسطحة ليلةَ الثلاثاء ليتفرَّجوا على السلطان حين يدخل البلد، وخرج القضاة، والأمراء والأعيان لتلقيه. قال كاتبه ابن كثير: وكنت فيمن شاهد دخوله يوم الثلاثاء وسط النهار في أُبَّهة عظيمة وبُسط له من عند المصلّي (٧) وعليه أُبَّهة الملك، وبسطت الشقاق الحرير تحت أقدام فرسه، كلما جاوز شقة طويت من ورائه، والجَتر (٨) على رأسه والأمراء السِّلَحْدارية عن يمينه وشماله، وبين يديه، والناس يدعون له ويضجُّون بذلك ضجيجًا عاليًا، وكان يومًا مشهودًا. قال الشيخ علم الدين البِرْزالي: وكان على السلطان يومئذٍ عمامة بيضاءُ، وكلوتة (٩) حمراء، وكان الذي حمل الغاشية على رأس السُّلطان الحاج بَهَادُر، وعليه خِلعةٌ معظَّمة مذهَّبة بفرو فاخم. ولما وصل إلى القلعة نصب له الجسر ونزل إليه نائبها الأمير سيف الدين السنجري، فقبّل الأرض بين يديه، فأشار إليه

стр. 7324

إني الآن لا أنزل هاهنا، وسار بفرسه إلى جهة القَصْر الأبلق والأمراء بين يديه، فخُطب له يوم الجمعة (١). وفي بكرة يوم السبت الثاني والعشرين من الشهر وصل الأمير جمال الدين آقوش الأَفرم نائب دمشق مطيعًا للسُّلطان، فقبّل الأرض بين يديه، فترجَّل له السلطان وأكرمه، وأذن له في مباشرة النيابة على عادته، وفرح الناسُ بطاعة الأَفْرم له، ووصل إليه أيضًا الأمير سيف الدين قَبْجَق (٢) نائب حماة، والأمير سيف الدِّين أسَنْدَمُر (٣) نائب طرابُلُس يوم الإثنين الرابع والعشرين من شعبانَ، وخرج الناس لتلقِّيهما وتلقاهما السلطان كما تلقى الأَفرم. وفي هذا اليوم رسم السلطان بتقليد قضاء الحنابلة وعوده إلى تقي الدين سليمان (٤)، وهنَّأه الناس وجاء إلى السلطان إلى القصر فسلَّم عليه ومضى إلى الجَوْزيّة (٥) فحكم بها ثلاثة أشهر. وأقيمت الجمعة الثانية بالمَيْدان (٦) وحضر السُّلطان والقضاة إلى جانبه، وأكابرُ الأمراء والدولة، وكثير من العامة. وفي هذا اليوم (٧) وصل إلى السلطان الأمير قَرَاسُنْقر المنصوري نائبُ حلب. وخرج دهليز السلطان يوم الخميس رابعَ رمضانَ ومعه القضاة والقرّاء وقت العصر، وأقيمت الجمعة خامس رمضان بالميدان أيضًا، ثم خرج السلطان من دمشق يوم الثلاثاء تاسع رمضان، وفي صحبته ابن صَصْرَى وصدرُ الدين الحنفي قاضي العساكر، والخطيب جلال الدين، والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، والموقِّعون وديوان الجيش وجيشِ الشام بكماله قد اجتمعوا عليه من سائر مدنه وأقاليمه بِنُوَّا به وأمرائه، فلما انتهى السلطان إلى غَزَّة دخلها في أبهة عظيمة، وتلقاه الأمير سيف الدين بَهَادُر هو وجماعةٌ من أمراء المصريين، فأخبروه أن الملك المظفَّر قد خلع نفسه من المملكة، ثم تواتر قدوم الأمراء من مصر إلى السلطان وأخبروه بذلك، فطابت قلوبُ الشَّاميين واستبشروا بذلك ودقت البشائر (٨) وتأخَّر مجيء البريد بصورة ما جري (٩)، واتّفق في يوم هذا العيد أنّه خرجَ نائبُ الخطيب الشيخ تقي الدين الجزري (١٠)

стр. 7325

المعروف بالمقصَّاتي (١) في السناجق إلى المصلّى على العادة، واستناب في البلد الشيخ مجد الدين التُّونُسي (٢)، فلمّا وصلوا إلى المصلّى وجدوا خطيبَ المُصلّى قد شرع في الصَّلاة فنُصبت السناجق في صحن المصلّى وصلّى بينهما تقي الدين المقصَّاتي ثمَّ خطب، وكذلك فعل ابن حسَّان (٣) داخل المُصلَّى، فعقد فيه صلاتان وخطبتان يومئذ، ولم يتفق مثل هذا فيما نعلم. وكان دخولُ السُّلطان الملك الناصر إلى قلعة الجبل آخرَ يوم عيد الفطر من هذه السنة، ورسم لسلَّار (٤) أن يسافرَ إلى الشَّوْبك (٥)، واستنابَ بمصرَ الأميرَ سيف الدين بَكْتَمُر الجَوْكَنْدار (٦) الذي كان نائبَ صَفَدٍ. وبالشام الأمير قَرَاسُنْقر المنصوري (٧)، وذلك في العشرين من شوال، واستوزر الصّاحب فخر الدين بن الخليلي بعدها بيومين (٨)، وباشر القاضي فخر الدين (٩) كاتب الممالك نظر الجيوش بمصر بعد بهاء الدّين عبد الله بن أحمد بن علي بن المظفَّر الحِلِّي (١٠)، توفي ليلة الجمعة عاشر شوال، وكان من صدور المصريين وكبار الأعيان (١١)، وقد روى شيئًا من الحديث، وصُرف الأميرُ جمالُ الدّين آقوش الأَفْرم إلى نيابة صَرْخَد، وقدم إلى دمشق الأميرُ زَين الدّين كَتْبُغَا رأس نوبة الجمدارية [في عشرين شوال على] (١٢) شد الدواوين، وأستاذ دار الأستادارية عوضًا عن سيف الدين أَقْبَجَا (١٣)، وتغيَّرت الدولة، وانقلبت قلبة عظيمة. قال الشيخ علم الدين البِرْزالي: ولمّا دخل السلطان إلى مصر يومَ عيد الفطر لم يكن له دَأْب إلا طلب الشيخ تقي الدين بن تيمية من الإسكندرية معززًا مكرمًا مبخلًا، فوجّه إليه في ثاني (١٤) يوم من شوال بعد

стр. 7326

وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر وخرج مع الشيخ خلق من الإسكندرية يودِّعُونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقّاه ومشى إليه في مجلس حافل (١)، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحُسين ﵁، والناس يتردَّدُون إليه، والأمراء والجند وكثير من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، [فقال: أنا حالَلْتُ كل من آذاني] (٢). قلت: وقد أخبرني القاضي جمال الدين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس، وما وقع فيه من تعظيمه وإكرامه ممّا حصل له من الشّكر والمدح من السلطان والحاضرين من الأمراء، وكذلك أخبرني بذلك قاضي القضاة منصور الدين الحنفي، ولكن أخبار ابن القلانسي أكثر تفصيلًا، [وذلك أنه كان إذ ذاك قاضي العساكر، وكلاهما كان حاضرًا هذا المجلس] (٣)، ذكر لي أن السلطان [لما قدم عليه الشيخ تقي الدين بن تيمية] (٤) نهض قائمًا للشيخ أوّل ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان واعتنقا هناك هنيهة، ثم أخذ بيده فذهب به إلى صُفّة (٥) فيها شباك إلى بستان فجلسا ساعة يتحدّثان، ثم جاءا ويد الشيخ في يد السلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي الوزير، وتحته ابن صَصْرَى، ثم صدر الدين علي الحنفي، وجلس الشيخ تقي الدين بين يدي السُّلطان على طرف طرَّاحته، وتكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنّهم قد التزموا للدِّيوان بسبعمئة ألف في كل سنة، زيادة على الحالية، فسكت الناس وكان فيهم قضاة مصر والشام وأكابر العلماء من أهل مصرَ والشَّام من جملتهم ابن الزَّمْلَكاني. قال ابن القلانسي: وأنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزَمْلَكاني، فلم يتكلم أحد من العلماء ولا من القضاة، فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلَّم أحدٌ، فجثا الشيخ تقي الدين على ركبتيه، وتكلَّم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ، وردَّ على الوزير ما قاله ردًا عنيفًا، وجعل يرفع صوتَه والسلطان يتلافاه ويُسْكتُه بِرِفْقٍ وتُؤَدة وتوقير. [وبالغ الشيخ في الكلام وقال ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله، ولا بقريب منه] (٦)، وبالغ في التشنيع على من يوافق في ذلك. وقال للسلطان: حاشاك أن يكونَ أَوَّلُ مجلس جلسته في أُبّهة الملك تَنصُرُ فيه أهلَ الذمة [لأجل حُطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمة الله عليك إذ ردَّ ملكك إليك، وكبت عدوَّك، ونصرك على أعدائك] (٧) فذكر أن

стр. 7327

الجاشْنَكير هو الذي جدَّد عليهم ذلك، فقال: والذي فعله الجاشْنَكير كان من مراسيمك لأنه إنما كان نائبًا لك، فأعجب السلطان ذلك واستمر بهم على ذلك، وجرت فصول يطول ذكرها [وقد كان السلطان أعلم بالشيخ من جميع الحاضرين، بعلمه ودينه وقيامه] (١) بالحق وشجاعته، وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لمَّا انفردا في ذلك الشُبَّاك الذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلَّموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشْنَكير، وأنَّهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضًا، وأخذ يحثُّه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنَّما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سَعَوْا فيه من عزله ومبايعة الجاشْنَكير، ففهم الشيخ مرادَ السُّلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكرُ أن يُنالَ أحدٌ منهم بسوءً وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارًا، فقال الشيخ: من آذاني فهو في حِل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتّى حلمَ عنهم السلطان وصفح. قال: فكان (٢) قاضي المالكيَّة ابن مَخْلُوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية، حَرَّضنا عليه فلم نقدر عليه وقدر علينا فصفَحَ عنَّا وحاجَجَ عنَّا، [ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وعاد إلى بث العلم ونشره، وأقبلت الخلق عليه ورحلوا إليه يشتغلون عليه ويستفتونه ويجيبهم بالكتابة والقول، وجاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال: قد جعلت الكل في حل، وبعث الشيخ كتابًا إلى أهله يذكر ما هو فيه من نعم الله وخيره الكثير، ويطلب منهم جملة من كتب العلم التي له ويستعينوا على ذلك بجمال الدين المزي، فإنه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب التي أشار إليها، وقال في هذا الكتاب: والحق كل ما له في علو وازدياد وانتصار، والباطل في انخفاض وسفول واضمحلال، وقد أذلَّ الله رقاب الخصوم، وطلب أكابرهم من السلم ما يطول وصفه، وقد اشترطنا عليهم من الشروط ما فيه عز الإسلام والسنة، وما فيه قمع الباطل والبدعة، وقد دخلوا تحت ذلك كله، وامتنعنا من قبول ذلك منهم، حتى يظهر إلى الفعل، فلم نثق لهم بقول ولا عهد، ولم نجبْهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولًا، والمذكور مفعولًا، ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم، وذكر كلامًا طويلًا يتضمن ما جرى له مع السلطان في قَمع اليهود والنّصارى وذلهم، وتركهم على ما هم عليه من الذِّلة والصَّغار والله سبحانه أعلم] (٣). وفي شوال أمسك السُّلطان جماعةً من الأمراء قريبًا من عشرين أميرًا (٤). وفي سادسَ عشرَ شوّال وقع بين أهل حوران من قَيْس ويمن، فقتل منهم مقتلة عظيمة جدًّا، قُتِلَ من

стр. 7328

الفريقين نحو من ألف نفس بالقرب من السُّوَيْداء، وهم يسمُّونها يوم (١) السويداء، [ووقعة الشُوَيداء] (٢)، وكانت الكَسْرة على يمن، فهربوا من قيس حتى دخل كثير منهم إلى دمشقَ في أسوأ حال وأضعفه، وهربت قيس خوفًا من الدولة، وبقيت القرى خالية والزروع سائبة. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي يوم الأربعاء سادس ذي القعدة قدم الأمير سيف الدين قَبْجَقُ المنصوري [نائبًا على حلب] (٣) فنزل القصر ومعه جماعةٌ من أمراء المصريين، ثم سافر إلى حلب بمن معه من الأمراء والأجناد، واجتاز الأمير سيف الدين بَهَادُر بدمشقَ ذاهبًا إلى نيابة طرابُلُسى (٤) والفتوحات السواحلية عوضًا عن الأمير سيف الدين أسَنْدَمر (٥)، ووصل جماعةٌ ممَّن كان قد سافر مع السلطان إلى مصرَ في ذي القعدة منهم قاضي قضاة الحنفيَّة صدر الدين الحنفي ومحيي الدّين بن فضل الله وغيرهما. قلت: وجلست يومًا إلى القاضي صدر الدين الحنفي بعد مجيئه من مصرَ، فقال لي: أتحبُّ ابن تيمية؟ قلت: نعم، فقال لي وهو يضحك: والله لقد أحببتَ شيئًا مليحًا، وذكر لي قريبًا ممّا ذكر ابن القلانسي، لكن سياق ابن القلانسي أتمّ. مقتل الجَاشْنكيري (٦): كان قد فر الخبيث (٧) في جماعة من أصحابه، فلما خرج الأميرُ سيف الدين قَرَاسُنْقُر المنصوري من مصرَ متوجهًا إلى نيابة الشام عوضًا عن الأَفْرم، فلما كان بغزَّةَ في سابعِ ذي القعدة ضرب حلقة لأجل الصيد، فوقع في وسطها الجاشْنَكير في ثلاثمئة من أصحابه، فأُحيط بهم، وتفرَّق عنه أصحابه فأمسكوه، ورجع مع قَرَاسُنْقُر وسيف الدين بَهَادُر على الهِجْن، فلما كانوا بالخَطَّارة (٨) تلقاهم أسَنْدَمُر فتسلَّمه منهم، ورجعا إلى عسكرهم، ودخل به أسَنْدَمُر على السلطان فعاتبه ولامه، وكان آخر العهد به، وقتل ودفن بالقَرَافة، [ولم ينفعه شيخه المَنْبجي ولا أمواله، بل قتل شر قتلة] (٩). ودخل قَرَاسُنْقُر دمشقَ يوم الإثنين الخامس والعشرين من ذي القعدة فنزل بالقصر، وكان في صحبته ابن صَصْرَى وابن الزَّمْلَكاني وابن القلانسي، وعلاء الدين بن غانم، وخلق من الأمراء المصريين

стр. 7329

والشاميين، وكان الخطيب جلال الدين القزويني قد وصل قبلهم يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر، وخطب يوم الجمعة على عادته، فلمّا كان يوم الجمعة الأُخرى وهو التاسع والعشرون من الشهر خطب بجامع دمشق القاضي بدر الدين محمد بن عثمان بن يوسف بن حدَّاد الحنبلي (١) عن إذن نائب السَّلطنة، وقرئ تقليدُه على المنبر بعد الصَّلاة بحضرة القضاة والأكابر والأعيان، وخلع عليه عقيب ذلك خِلعة سنية، واستمر يباشر الإمامة والخطابة اثنين وأربعين يومًا. ثم أُعيد الخطيب جلال الدّين (٢) بمرسوم سلطاني، وباشر يوم الخميس ثاني عشر المحرم من السنة الآتية. وفي ذي الحجّة درَّس كمالُ الدين بن الشِّيرازي (٣) بالمدرسة الشّامية البرانية، انتزعها من يد الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وذلك أن أسَنْدَمُر ساعده على ذلك. وفيها أظهر ملك التتر خَرْبَنْدا (٤) الرّفض في بلاده، وأمر الخطباء (٥) أن لا يذكروا في خطبتهم إلا عليَّ بن أبي طالب ﵁ وأهل بيته، ولما وصل خطيبُ باب الأَزَجِ (٦) إلى هذا الموضع من خطبته بكى بكاء شديدًا، وبكى الناس معه ونزل ولم يتمكن من إتمام الخطبة، فأُقيم من أتمَّها عنه، وصلّى بالناس وظهر على الناس بتلك البلاد من أهل السنة أهلُ البدعة فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولم يحج فيها أحد من أهل الشام بسبب تخبيط الدولة وكثرة الاختلاف (٧). وممّن توفي فيها من الأعيان: الخَطيبُ ناصرُ الدّين أبو الهدى: أحمد بن الخطيب بدر الدين يحيى بن الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٨) خطيب العُقَيْبة (٩) بداره بها وقد باشر نظر الجامع الأموي وغير ذلك، توفي يوم

стр. 7330

الأربعاء النصف من المحرم، وصُلّي عليه بجامع العُقَيْبة، ودفن عند والده بباب الصَّغير. وقد روى الحديث وباشر الخطابة بعد والده بدر الدين وحضر عنده نائبُ السلطنة والقضاةُ والأعيان. قاضي الحنابلة بمصر (١): شرفُ الدين أبو محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحرّاني ولد بحرّان سنة خمسٍ وأربعين وستمئة، وسمع الحديث وقدم مصرَ فباشر نظرَ الخِزانة وتدريسَ الصالحيّة ثم أُضيف إليه القضاء، وكان مشكورَ السيرة، كثيرَ المكارم، توفي ليلة الجمعة رابعَ عشرَ ربيع الأول، دفن بالقَرَافة، ووُلّي بعده سعد الدِّين الحارثي كما تقدّم. الشَّيخ نجم الدين (٢): أيُّوب بن سليمان بن مظفَّر المُقْرى (٣) المعروف بمؤذِّن النَجيبي، كان رئيسَ المؤذنين بجامع دمشقَ ونقيبَ الخطباء، وكان حسنَ الشكل رفيعَ الصوت، واستمرَّ بذلك نحوًا من خمسين سنة إلى أن توفي مستهلّ جُمادى الأولى. وفي هذا الشهر توفي: الأمير شمس الدين سُنْقُر الأَعْسر المنصوري (٤): تولى الوزارة بمصرَ مع شدِّ الدواوين معًا، وباشر شدَّ الدواوين بالشام مرَّات، وله دارٌ وبستان بدمشقَ مشهوران به، وكان فيه نهضةٌ وله همة عالية وأموال كثيرة، توفِّي بمصرَ. الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله الرُّستُميّ (٥): شادُّ الدواوين بدمشق، وكان قبل ذلك والي الولاة بالجهة القبلية بعد الشّريفي، وكانت له سطوة. توفي يوم الأحد تاسعَ جُمادى الأولى، ودفن ضحوةً بالقبة التي بناها تجاه قبة الشيخ رسلان، وكان فيه كفاية وخبرة (٦). وباشر بعده شدّ الدواوين أَقْجِبَا (٧). وفي شعبانَ أو في رجبٍ توفّي:

стр. 7331

التاجُ ابن سعيد الدولة (١): وكان مُسلمانيا (٢) وكان مشير (٣) الدولة، وكانت له مكانة عند الجاشنكير بسبب صحبته (٤) لنصر المَنْبجي [شيخ الجاشْنَكي] (٥)، وقد عرضت عليه الوزارة فلم يقبل، ولما توفى تولّى وظيفته ابن أخته كريم الدّين الكبير (٦). الشيخ شهاب الدين (٧): أحمد بن محمد بن أبي المكارم بن نصر الأصْبهاني، رئيس المؤذنين بالجامع الأموي، ولد سنة اثنتين وستمئة، وسمع الحديث وباشر وظيفة الأذان من سنة خمس وأربعين إلى أن توفي ليلة الثلاثاء خامس ذي القعد (٨)، وكان رجلًا جيدًا والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة عشر وسبعمئة استهلّت وخليفة الوقت المستكفي بالله أبو الربيع سليمان العباسي (٩)، وسُلطانُ البلاد الملك النّاصر محمد بن المنصور قلاوون (١٠)، ونائب مصر الأمير سيف الدين بَكْتَمُر أمير جُنْدار (١١)، وقضاتُه هم المذكورون في التي قبلها، سوى الحنبلي فإنّه مسعود (١٢) الحارثي، والوزير بمصر الخليلي (١٣)، (١٤) ونائبُ الشامِ قَرَا سُنْقر المنصوري، وقضاة دمشق هم هم، ونائبُ حلبَ قَبْجَق، ونائب طرابُلُس الحاج بَهَادُر، والأفْرم بصرخدَ.

стр. 7332

وفي محرَّم منها باشرَ الشَّيخ أمينُ الدين سالم بن أَبي الدَّر (١) وكيل بيت المال إمام مسجد ابن هشام (٢) تدريس الشّامية الجوَّانية، والشيخ صدر الدين سليمان بن موسى الكردي تدريس العَذْراوية، كلاهما انتزعها من ابن الوكيل بسبب إقامته بمصرَ، وكان قد وَفَدَ إلى المظفَّر فأكرمه ورتَّبَ له رواتب (٣) [لانتمائه إلى نصرٍ المَنْبِجِي] (٤)، ثم عاد بتوقيع سلطاني إلى مدرستيه، فأقام بهما شهرًا أو سبعةً وعشرينَ يومًا، ثُمَّ استعاداهما منه، ورجعتا إلى المدرِّسَين الأَوّلين: الأمين سالم، والصَّدر الكردي (٥). ورجع الخطيب جلال الدين (٦) إلى الخطابة في ثاني (٧) عشرَ المحرم، وعُزل عنها البدرُ بن الحداد. وباشر الصاحب شمس الدين (٨) نظر الجامع والأسرى والأوقاف قاطبةً يوم الإثنين، ثم خُلع عليه وأضيف إليه شرف الدين بن صَصْرَى في نظر الجامع، وكان ناظره مستقلًا به قَبْلَهما. وفي يوم عاشوراء قدم أسَنْدَمُر إلى دمشق متوليًا نيابة حماة (٩)، وسافر إليها بعد سبعة أيام. وفي المحرم باشر بدر الدّين بن الحدّاد نظر المارستان عوضًا عن شمس الدين بن الخطيري ووقعت منازعة بين صدر الدين بن الوكيل (١٠) وبين الصدر سليمان الكردي بسبب العذراوية، [وكتبوا في ابن الوكيل (١١) محضرًا يتضمّن من القبائح والفضائح والكفريات على ابن الوكيل] (١٢)، فبادر ابنُ الوكيل إلى القاضي تقي الدين بن سليمان الحنبلي، فحكم بإسلامه وحَقَن دَمَه، وحَكَم بإسقاط التَّعزير عنه والحكم بعدالته واستحقاقه للمناصب [وأشهد عليه بذلك في شهر المحرم المذكور] (١٣)، ولكن خرجت عنه

стр. 7333

المدرستان العَذْراوية لسليمان الكردي، والشَّامية الجوانية للأمين سالم، ولم يبق معه سوى دار الحديث الأشرفية. وفي ليلة الإثنين السابع من صفر وصل النَّجم محمد بن عثمان البصراوي من مصرَ متولِّيًا الوزارة بالشَّام، ومعه توقيع بالحِسْبة لأخيه فخر الدين سليمان، فباشرا المنصبين بالجامع، ونزلا بدرب سفُّون الذي يقال له: درب ابن أبي الهيجاء، ثم انتقل الوزير إلى دار الأعسر عند باب البريد، واستمر نظر الخزانة لعز الدين أحمد بن القلانسي أخي الشيخ جلال الدين. وفي مستهل ربيع الأول باشر القاضي جمال الدين الزُّرَعي (١) قضاءَ القضاة بمصرَ عوضًا عن ابن جماعة، وكان قد أخذ منه قبل ذلك في ذي الحجة مشيخة الشيوخ، وأُعيدت إلى الكريم الآملي، وأُخذت منه الخطابة أيضًا. وجاء البريد إلى الشام بطلب القاضي شمس الدين بن الحرير (٢) لقضاء الدّيار المصرية، فسار في العشرين من ربيع الأول وخرج معه جماعة لتوديعه، فلما قدم على السلطان أكرمه وعظَّمه وولَّاه قضاء الحنفية وتدريس النّاصرية والصالحيّة، وجامع الحاكم، وعزل عن ذلك القاضي شمس الدين السروجي فمكث أيامًا ثم مات. وفي نصف هذا الشهر مُسِكَ من دمشقَ سبعهُّ أمراء، ومن القاهرة أربعةَ عشر أميرًا (٣). وفي ربيع الآخر اهتمَّ السلطان بطلب الأمير سيف الدين سَلَّار فحضر هو بنفسه إليه فعاتبه، ثم استخلصت منه أمواله وحواصلُه في مدَّة شهر، ثم قُتِلَ بعد ذلك، فوُجِدَ معه من الأموال والحيوان (٤) والأملاك والأسلحة والمماليك والبغال [والجمال] (٥) والحمير أيضًا والرّباع شيئًا كثيرًا، وأما الجواهر والذَّهب والفضة، فشيء لا يحدُّ ولا يوصف في كثرته، وحاصل الأمر أنه قد استأثر (٦) لنفسه طائفة بيرة من بيت المال وأموال المسلمين تجري إليه، ويقال: إنه كان مع ذلك كثير العطاء كريًا محببًا إلى الدولة والرعية والله أعلم. وقد باشر نيابة السلطنة بمصر من سنة ثمانٍ وتسعينَ إلى أن قتل يوم الأربعاء رابع عشرين هذا الشهر، ودُفن بتربته ليلةَ الخميس بالقَرَافة (٧)، سامحه الله.

стр. 7334

وفي ربيع الآخر درَّس القاضي شمس الدين ابن المعز الحنفي (١) بالظَّاهرية عوضًا عن شمس الدين بن الحريري، وحضر عنده خالُه الصَّدر علي قاضي قضاة الحنفية وبقيَّة القُضاة والأَعيان. وفي هذا الشهر كان الأمير سيف الدين أسَنْدَمُر قد قدم دمشق لبعض أشغاله، وكان له حنوٌّ على الشيخ صدر الدين بن الوكيل، فاستنجز له مرسومًا بنظر دار الحديث وتدريس العَذْراوية، فلم يباشر ذلك حتى سافر أسَنْدَمُر، فاتفق أنه وقعت له بعد يومين كائنة بدار ابن درباس بالصالحية، وذكر أنّه وُجد عنده شيء من المنكرات واجتمع عليه جماعةٌ من أهل الصالحيَّة مع الحنابلة وغيرهم، وبلغ ذلك نائبَ السَّلطنة فكاتب فيه، فورد الجوابُ بعزله عن المناصب الدِّينية، فخرجت عنه دارُ الحديث الأشرفية وبقي بدمشقَ وليس بيده وظيفة لذلك. فلما كان في آخر رمضانَ سافر إلى حلب فقرَّر له نائبُها أسَنْدَمُر شيئًا على الجامع، ثم ولّاه تدريسًا هناك وأحسن إليه، وكان الأمير أسَنْدَمُر قد انتقل إلى نيابة حلبَ في جُمادى الآخرة عوضًا عن سيف الدين قَبْجَق، توفي، وباشر مملكة حماة بعدَهُ الأميرُ عماد الدين إسماعيل بن الأفضل علي بن محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب. وانتقل جمال الدين آقوش الأَفْرم من صَرْخَد إلى نيابة طرابُلُس عوضًا عن الحاج بَهَادُر. وفي يوم الخميس سادس عشر شعبان باشر الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني مشيخة دار الحديث الأشرفية عوضًا عن ابن الوكيل (٢)، وأخذ في التَّفسير والحديث والفقه، فذكر من ذلك دروسًا حسنة، ثم لم يستمرَّ بها سوى خمسةَ عشرَ يومًا حتى انتزعها منه كمال الدين بن الشُّرَيْشي، فباشرها يوم الأحد ثالث شهر رمضانَ. وفي شعبان رسم قَرَاسُنْقُر نائب الشام بتوسعة المقصورة، فأُخِّرت سدّةُ المؤذنين إلى الركنين المؤخرين تحت قبة النسر، ومنعت الجنائز من دخول الجامع أيامًا ثم أُذن في دخولها. وفي خامس رمضان قدم فخر الدين إياس (٣) الذي كان نائبًا في قلعة الروم (٤) إلى دمشق شاد الدواوين عوضًا عن زين الدين كَتْبُغَا المنصوري (٥). وفي شوال باشر الشيخ علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي مشيخة الشيوخ بالديار المصرية عوضًا

стр. 7335

عن الشيخ كريم الدين عبد الكريم بن الحسين الآملي (١) الذي توفي، وكان له تجريدٌ وهمَّة، وخُلع على القونوي خِلعة سنيّة، وحضر سعيد السُّعَداء بها (٢). وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة خُلع على الصاحب عز الدين القلانسي (٣) خِلعة الوزراء بالشَّام عوضًا عن النجم البصراوي بحكم إقطاعه إمرة عشرة وإعراضه عن الوزارة. وفي يوم الأربعاء سادسَ عشَر ذي القعدة عاد الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني إلى تدريس الشامية البرّانية (٤). وفي هذا اليوم لبس تقي الدين ابن الصاحب شمس الدين بن السلعوس (٥) خِلعة النَّظر على الجامع الأموي. ومُسك الأميرُ سيف الدين أسَنْدَمُر نائب حلب في ثاني عشر ذي الحجة ودخل إلى مصر (٦). وكذلك مُسِك نائبُ البيرة (٧) سيف الدين طُوْغَان (٨) بعده بليال. وممّن توفي فيها من الأعيان: قاضي القضاة الإمام العلَّامة (٩) شمس الدين أبو العبَّاس: أحمدُ بن إبراهيم بن عبد الغني السَّرُوجي الحنفي، شارح "الهداية" (١٠)، كان بارعًا في علوم شتى، وولّي الحكم بمصرَ مدة وعزل قبل موته بأيام، توفي يوم الخميس ثاني عشر ربيع الآخر، ودُفن بقرب الشافعي، وله اعتراضات على الشيخ تقي الدين بن تيمية في علم الكلالم (١١)، وقد رد عليه الشيخ تقي الدين في مجلدات، وأبطل حجته.

стр. 7336

وفيها توفّى سَلَّار مقتولًا كما تقدَّم (١). الصَّاحب أمين الدِّين (٢): أبو بكر بن الوجيه عبد العظيم بن يوسف المعروف بابن الدقَّاقي (٣). والحاج بَهَادر (٤): نائب طَرابُلُس مات بها. والأمير سيف الدين قَبْجَق (٥): نائب حلبَ، مات بها، ودفن بتربته بحماةَ، ثاني جُمادى الآخرة وكان شهمًا شجاعًا، وقد ولّي نيابة دمشق في أيام لَاجِيْن (٦)، ثم قفز إلى التَّتر خوفًا من لَاجين، ثم جاء مع التَّتر. وكان على يديه فرج المسلمين كما ذكرنا عام قازان، ثم تنقلت به الأحوال إلى أن مات بحلب، ثم وليها بعده أسَنْدَمُر، ومات أيضًا في آخر السنة (٧). الشيخ كريم الدين [أبو القاسم عبد الكريم] (٨) بن الحسين الآملي (٩): شيخ الشيوخ بمصر (١٠)، كان له صلة بالأمراء، وقد عُزل مرَّة عن المشيخة بابن جماعة (١١). توفي ليلة السبت سابع شوال بخانقاه سعيد السعداء، وتولاها بعده الشيخ علاء الدين القونوي كما تقدم.

стр. 7337

الفقيه الكبير عز الدّين عبد العزيز بن (١) عبد الجليل: النَّمراوي (٢) الشافعيّ، كان فاضلًا بارعًا، وقد صحب سلّار نائبَ مصر، وارتفع في الدنيا بسببه. ابن الرفعة (٣): هو الإمام العلامة نجم الدين أحمد بن محمد [شارح (التنبيه) (٤)، وله غير ذلك (٥)، وكان فقيهًا فاضلًا وإمامًا في علوم كثيرة ﵏] (٦). ثم دخلت سنة إحدي عشرة وسبعمئة استهلت (والخليفة والسلطان والمباشرون) (٧) هم المذكورون في التي قبلها، غيرَ الوزير (٨) بمصر فإنَّه عُزل ووُلي سيف الدين بَكْتَمُر وزيرًا. والنَّجم البصراوي عزل أيضًا بعز الدين بن القلانسي (٩). وقد انتقل الأَفْرَم من صرخد (١٠) إلى نيابة طرابُلُس [لإشارة ابن تيمية على السُّلطان بذلك] (١١). ومُلِّك (١٢) حماةَ الملك المؤيِّد عماد الدين على قاعدة أسلافه. وقد مات نائب حلب أسَنْدَمُر وهي شاغرة عن نائب فيها، وأَرْغُون الدَّوادار الناصري قد وصل إلى دمشق لتسفير قَرَاسُنْقُر منها إلى حلَبَ، وإحضار سيف الدين كَرَاي إلى نيابة دمشق (١٣)، وغالب العساكر

стр. 7338

بحلبَ والأَعرابُ محدقةٌ بأطراف البلاد، فخرج قَرَاسُنْقُر المنصوري من دمشقَ في ثالث المحرم في جميع حواصله وحاشيته وأتباعه، وخرج الجيش لتوديعه، وسار معه أَرْغون لتقريره بحلب، وجاء المرسوم إلى نائب القلعة الأمير سيف الدين بَهادُر السّنْجري (١) أن يتكلم في أمور دمشق إلى أن يأتيه نائب، فحضر عنده الوزير والموقعون وباشر النيابة، [وقويت شوكته] (٢) وقويت شوكة الوزير إلى أن ولّى ولاياتٍ عديدة، منها لابن أخيه عماد الدين نظر الأسرى (٣)، واستمرّ في يده. وقَدِم نائبُ السَّلطنة سيف الدين كَرَاي المنصوري إلى دمشقَ نائبًا عليها في يوم الخميس الحادي والعشرين من المحرّم وخرج الناس لتلقِّيه، وأوقدوا الشموع. وأُعيدت مقصورة الخطابة إلى مكانها يوم الأحد (٤) رابع عِشْري المحرم، وانفرج الناس، ولبس النجم البصراوي خِلعة الإمرة يوم الخميس ثالثَ عشرَ صفر على قاعدة الوزراء بالطرحة، وركب مع المقدّمين الكبار وهو أمير عشرة بإقطاع يضاهي إقطاع كبار الطبلخانات. وفي يوم الأربعاء سابعَ عشرَ ربيع الأول جلس القضاة الأربعة بالجامع لإنفاذ أمر الشهود بسبب تزويرٍ وقع من بعضهم، فاطلع عليه نائبُ السلطنة فغضب وأمر بذلك، فلم يكن منه كبير شيء، ولم يتغير حال. وفي هذا اليوم ولّي الشريف نقيب الأشراف أمين الدين جعفر بن (٥) محيي الدين عدنان نظر الدواوين عوضًا عن شهاب الدين الواسطيّ، وأُعيد تقي الدّين بن الزَّكي (٦) إلى مشيخة الشُّيوخ. وفيه ولّي ابنُ جماعة تدريس الناصرية بالقاهرة، وضياء الدين النشائي (٧) تدريس الشافعي، والميعاد العام بجامع ابن طولون، ونظرَ الأحباس أيضًا. وولي الوزارة بمصر أمين الملك أبو سعيد عوضًا عن الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الحاجب في ربيع الآخر (٨). وفي هذا الشهر احتيط على الوزير عز الدين بن القلانسي بدمشق، ورسم عليه مدة شهرين، وكان نائب السلطنة كثير الحَنَق عليه، ثم أفرج عنه. وأُعيد بدر الدين بن جماعة إلى الحكم بديار مصر في حادي عشرَ ربيع الآخر، مع تدريس دار

стр. 7339

الحديث الكاملية، وجامع ابن طولون والصَّالحية والناصرية، وحصل (١) له إقبال كثير من السلطان. واستقرّ جمال الدين الزَّرعي على قضاء العسكر وتدريس جامع الحاكم، ورسم له أن يجلس مع القضاة بين الحنفي والحنبلي بدار العدل عند السلطان (٢). وفي مستهلّ جُمادى الأولى أشهد القاضي نجمُ الدِّين الدمشقي (٣) نائب ابن صَصْرَى على نفسه بالحكم ببطلان البيع في الملك الذي اشتراه (٤) ابن القلانسي من تَرِكَةِ المنصوري في الرَّمثا (٥) والثُّوجَة (٦) والفضالية (٧) لكونه بدون ثمن المثل، ونفذه بقية الحكام، وأحضر ابن القلانسي إلى دار السعادة وادَّعى عليه بريع ذلك، ورُسم عليه بها، ثم حكم قاضي القضاة تقي الدين الحنبلي بصحة هذا البيع وبنقض ما حكم به الدّمشقي، ثم نَفَّذَ بقيةُ الحكام ما حكم به الحنبلي. وفي هذا الشهر قُرِّر على أهل دمشقَ ألف وخمسمئة فارس لكل فارس خمسمئة درهم، وضربت على الأملاك والأوقاف، فتألَّم الناس من ذلك تألُّمًا عظيمًا، وسُعِيَ إلى الخطيب جلال الدين فسعى إلى القضاة واجتمع النَّاس بكرةَ يوم الإثنين ثالث عشر الشهر واحتفلوا (٨) بالاجتماع وأخرجوا معهم المصحف العثماني والأثرَ النبوي والسَّناجق الخليفية، ووقفوا في الموكب، فلما رآهم كَرَاي تغيَّظ عليهم، وشتم القاضي (٩) والخطيب (١٠)، وضربَ مجد الدين التُّونسي (١١) ورسم عليهم ثم أطلقهم بضمانٍ وكفالة، فتألم الناس من ذلك كثيرًا، فلم يمهله الله إلا عشرة أيام فجاءه الأمرُ فجأةً فعُزِلَ وحُبِس، ففرح النّاس بذلك فرحًا شديدًا (١٢)، [ويقال: إن الشيخ تقي الدين بلغه ذلك الخبر عن أهل الشام فأخبر السلطان بذلك فبعثَ من فوره فمسكه شر مسكة] (١٣). وصفة مسكه أن تقدَّم الأمير سيف الدين أَرْغُون الدَّوادار فنزل في القصر، فلما كان يوم الخميس الثالث والعشرين من جُمادى الأولى خلع على الأمير سيف الدين كَرَاي خِلعة سنية، فلبسها وقبَّل العتبة،

стр. 7340

وحضر الموكب ومدَّ السِّماط، فقُيِّدَ بحضرة الأمراء وحُمِل على البريد إلى الكَرَك صُحْبَة غرلو العادليّ، وبِيْبَرس المجنون (١). وخرج عزُّ الدِّين بن القلانسي من التَّرسيم من دار السعادة، فصلى في الجامع الظهر ثم عاد إلى داره، وقد أُوقدت له الشموع، ودعا له الناس، ثم رجع إلى دار الحديث الأشرفية فجلس فيها نحوًا من عشرين يومًا، حتى قدم الأمير جمال الدين نائبُ الكَرَك. وفي هذا الشهر مسك نائب صفد (٢) الأمير سيف الدين قُطلُوبَك وقُيّد وحمل إلى الكَرَك، ومسك نائب مصر الأمير سيف الدين بكتمر أمير خازندار وعوض عنه بالأمير ركن الدين (٣) بَيْبَرْس الدَّوادار المنصوري. ومسك نائب غزة، وعوض عنه بالجاولي (٤)، فاجتمع في حبس الكَرَك أسَنْدَمُر نائبُ حلب، وبَكْتَمُر نائب مصر، وكَرَاي نائبُ دمشق، وقُطْلُوبك نائب صفد، وقُلْطَتُمر (٥) نائب غزة وبَتْخَاص (٦). وقدم جمال الدين آقوش المنصوري الذي كان نائب الكَرَك على نيابة دمشق إليها في يوم الأربعاء رابعَ عشرَ ربيع الآخر، وتلقّاه الناسُ وأُشعلت له الشموع، وفي صحبته الخطيري (٧) لتقريره في النّيابة، وقد باشر الكرك من سنة تسعين وستمئة إلى سنة تسع وسبعمئة وله بها آثار حسنة، وخرج عز الدين بن القلانسي لتلقّي النائب. وقُرئ يومَ الجمعة كتابُ السُّلطان على السدة بحضرة النائب والقضاة والأعيان، وفيه الأمر بالإحسان إلى الرعية وإطلاق البواقي التي كانت قد فرضت عليهم أيام كَرَاي، فكثرت الأدعية للسلطان وفرح الناس. وفي يوم الإثنين التاسعَ عشرَ خلع على الأمير سيف الدين بَهَادُرآص بنيابة صفد (٨) فقبّل العتَبَةَ، وسار إليها يوم الثلاثاء. وفيه لبس الصدر بدر الدين بن أبي الفوارس خِلعة نظر الدواوين بدمشقَ، مشاركًا للشريف ابن عدنان

стр. 7341

وبعد ذلك بيومين قَدمَ تقليدُ عز الدين بن القلانسي وكالة السُّلطان على ما كان عليه، وأنه أُعفيَ عن الوزارة لكراهته لذلك. وفي رجب باشر ابن السّلعُوس نظر الأوقاف عوضًا عن شمس الدين بن عدنان (١). وفي شعبانَ ركب نائبُ السَّلطنة (٢) بنفسه إلى أبواب السُّجون، فأطلقَ المحبوسين بنفسه، فتضاعَفَتْ له الأدعيةُ في الأسواق وغيرها. وفي هذا اليوم قدم الصّاحب عز الدين بن القلانسي من مصرَ فاجتمع بالنائب وخلع عليه ومعه كتاب يتضمَّن احترامه، وإكرامه، واستمرارَه على وكالة السُّلطان، ونظر الخاص، والإنكار لما ثَبَتَ عليه بدمشقَ، وأنَّ السلطان لم يعلم بذلك ولا وَكَّل فيه، وكان المساعد له على ذلك كريم الدّين ناظر الخاص السلطاني، والأمير سيف الدين أَرْغُون الدَّوادار (٣). وفي شعبانَ منع ابن صَصرَى الشهود والعقاد [من جهته، وامتنع غيرهم أيضًا وردهم المالكي] (٤). وفي رمضان جاء البريد بتوليه زين الدين كَتْبُغَا المنصوري حجوبيّة الحُجّاب، والأمير بدر الدين بَكْتُوت (٥) القَرَمانيّ شدَّ الدّواوين عوضًا عن طُوْغَان (٦)، وخلع عليهما معًا. وفيها ركب بهَادُر السِّنْجَري نائبُ قلعة دمشق على البريد إلى مصرَ وتولَّاها سيفُ الدّين بَلَبَان البدري، ثم عاد السِّنْجَري في آخر الشهر (٧) على نيابة البِيْرَة، فسار إليها. وجاء الخبر في آخر رمضان (٨) بأنّه قد احتيط على جماعة من قُصَّاد المسلمين ببغدادَ، فقتل منهم ابن العقاب وابن البدري (٩)، وتخلّص عُبيدةُ وجاء سالمًا. وخرج المحْمَلُ في شوال وأمير الحاج الأمير علاء الدين طَيْبُغَا أخو بَهَادُرآص. وفي عاشر (١٠) ذي القعدة جاء الخبر بأن الأمير قَرَاسُنْقُر رجع من طريق الحجاز بعد أن وصل إلى بركة

стр. 7342

زيزاء (١)، وأنه لحق بمهَنَّا بن عيسى، فاستجارَ به خائفًا على نفسه ومعه جماعةٌ من خواصه، ثم سار من هناك إلى التَّتَر بعد ذلك كله، وصحبَهُ الأَفْرَم (٢) والزَّرَدْكَاشُ (٣). وفي العشرين من ذي القعدة وصل الأمير سيف الدين أَرْغُون في خمسة آلاف إلى دمشق وتوجَّهوا إلى ناحية حمصَ، وتلك النواحي. وفي سابع ذي الحجّة وصل الشيخ كمال الدين بن الشُّريشي من مصرَ مستمرًا على وكالته (٤)، ومعه توقيع بقضاء العسكر الشامي، وخُلِعَ عليه في يوم عَرَفَةَ (٥). وفي هذا اليوم وصلت ثلاثةُ آلاف عليهم سيف الدين ملِّي (٦) من الديار المصرية فتوجَّهوا وراء أصحابهم إلى البلاد الشمالية. وفي آخر الشهر وصل الشيخ (٧) شهاب الدين الكاشغري (٨) من القاهرة ومعه توقيع بمشيخة الشُّيوخ، فنزل في الخانْقَاه، وباشرها بحضرة القُضاة والأعيان، وانفصل ابنُ الزكي عنها. وفيه باشر الصَّدْرُ علاء الدين بن تاج الدين بن الأَثير (٩) كتابةَ السرِّ بمصرَ، وعزل عنها شرف الدين بن فضل الله إلى كتابة السرّ بدمشقَ، عوضًا عن أخيه محيي الدّين، واستمرَّ محيي الدّين على كتابة الدست بمعلومه أيضًا. والله أعلم. وممّن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الرئيس بدر الدين: محمد بن رئيس الأطباء أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الأنصاري (١٠) - من سلالة سعد بن معاذ - السُّويدي، من سُوَيْداء حَوْران، سمعَ الحديثَ وبرع في الطب.

стр. 7343

توفي في ربيع الأول ببستانه بقرب الشِّبليّة (١)، ودفن في تربة له في قبة فيها عن سبعين (٢) سنة. الشَّيخ شعبانُ بن أبي بكر بن عمر الأرْبلي (٣): شيخ الحلبيّة بجامع بني أمية، كان صالحًا مباركًا فيه خيرٌ كثيرٌ، كان كثير العبادة وإيجاد الراحة للفقراء، وكانت جنازته حافلة جدًّا، صلّي عليه بالجامع بعد ظهر يوم السبت تاسع عشرين رجب ودُفن بالصُّوفية، وله سبع وثمانون سنة، وروى شيئًا من الحديث وخرَجْتُ له مشيخة حضرها الأكابر ﵀. [وقبله بيوم واحدٍ توفي نائب الإسكندرية بَكْتُوت أمير شِكَار] (٤). الشيخ ناصرُ الدِّين (٥) يحيى بن إبراهيم (٦): بن محمد بن عبد العزيز العُثْماني، خادم المُصحف العثماني نحوًا من ثلاثين سنة، وصُلِّي عليه بعد الجمعة سابع رمضانَ ودفن بالصوفية، وكان لنائب السَّلطنة الأَفرم فيه اعتقاد ووصله منه افتقاد، وبلغ خمسًا وستين سنة. الشَّيخ الصالح الجليل القدوة: أبو عبد الله محمد ابن الشيخ القدوة إبراهيم بن الشيخ عبد الله الأرموي (٧)، توفي في العشرين من رمضان بسفح قاسيون، وحضر الأمراء والقضاة والصدور جنازته وصلّي عليه بالجامع المظفَّري (٨)، ثم دفن عند والده، وغلق يومئذ سوق الصالحية له، وكانت له وجاهة عند الناس وشفاعة مقبولة، وكان عنده فضيلة وفيه تودد، وجمع أجزاء في أخبار جَدِّهِ (٩)، وسمع الحديث وقارب السبعين ﵀.

стр. 7344

ابن الوحيد الكاتب (١): هو الصّدر شرفُ الدّين أبو عبد الله محمد بن شريف بن يوسف الزُّرَعي المعروف بابن الوحيد، كان موقّعًا بالقاهرة، وله معرفة بالإنشاء، وبلغ الغاية في الكتابة في زمانه، وانتفع الناس به، وكان فاضلًا مقدامًا شجاعًا، توفي بالمَارِسْتان المنصوري بمصر يوم الثلاثاء (٢) سادسَ عشرَ شعبان (٣). الأميرُ ناصر الدين (٤): محمد بن عماد الدين حسن بن النسابي (٥) أَحدُ أمراء الطَّبْلَخَانات، وهو حاكم البُنْدق، ولّي ذلك بعد سيف الذَين بَلَبَان. توفي في العشر (٦) الآخر من رمضان. التَّميمي الدَّاري (٧): توفي يوم عيد الفطر ودفن بالقرافة الصغرى، وقد ولّي الوزارة بمصر، وكان خبيرًا كافيًا، مات معزولًا، وقد سمع الحديث وسمع عليه بعض الطلبة. وفي ذي القعدة جاء الخبر إلى دمشق بوفاة الأمير الكبير أسَنْدَمر (٨). وبَتْخَاص (٩) في السجن بقلعة الكَرَك. القاضي الإمام العلَّامة الحافظ: سعد الدين مسعود الحارثي (١٠) الحَنْبلي الحاكم بمصرَ، سمعَ الحديثَ، وجمَع وخرَّج وصنّف، وكانت له يدٌ طُولَى في هذه الصِّناعة والأَسانيد والمُتُون، وشرح قطعة من "سنن أبي داود" فأجاد وأَفاد، وأحسن الانتقاد (١١)، رحمه الله تعالى، والله أعلم (١٢).

стр. 7345

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7346

ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وسبعمئة استهلّت والذي فيه هو: الخليفة والسلطان هما هما، ونائب مصر ركن الدين بيبرس، والوزير أمين الملك والقضاة هم، ونائب الشام جمال الدين آقوش نائب الكرك، وليس به وزير، والقضاة لم يتغيروا، والخطيب جلال الدين القزويني، ومحتسب البلد فخر الدين سليمان أخو الصاحب نجم الدين البصراوي، وكاتب السرّ شرف الدين فضل الله، وناظر الخزانة عز الدين بن القلانسي. وفي خامس المُحرّم توجَّه الأميرُ عز الدين أزْدَمُر الزَّرَدْكَاش وأميران معه إلى الأَفْرم، وساروا

стр. 7347

بأجمعهم حتّى لحقوا بَقَراسُنْقُر وهو عند مهنَّا، وكاتبوا السُّلطان ثمّ ساروا نحو التتر (١) وكانوا كالمستجيرين من الرَّمضاء بالنَّار. وجاء البريد في صفر (٢) بالاحتياط على حواصل الأَفْرم وَقَارسُنْقُر والزَّرَدْكَاش وجميع ما يتعلّق بهم، وقُطعَ خبرُ مهنّا، وجُعل مكانه في الإِمْرة أخوه فضل (٣)، وعادت العساكر صحبة أرْغون من البلاد الشمالية، وقد حصل عند الناس من قَرَاسُنْقُر وأصحابه هَمٌّ وغَم وحُزْنٌ. وقدم سُودِي من مصرَ على نيابة حلبَ، فاجتاز بدمشقَ [فخرج الناس والجيش لتلقيه] (٤)، وحضر السماط، وقرئ مرسوم السلطان (٥) بطلب جمال الدّين نائب دمشقَ إلى مصرَ، فركب من ساعته على البريد إلى مصر وتكلَّم في نيابته لغيبة قرالاجين (٦). وطُلب في هذا اليوم قطب الدّين موسى بن شيخ السلامية ناظر الجيش إلى مصر، فركب في آخر النَّهار إليها فتولى بها نظر الجيش عوضًا عن فخر الدين الكاتب كاتب المماليك بحكم عزله ومصادرته وأخذ أمواله الكثيرة منه في عاشر ربيع الأول. وفي الحادي عشر منه باشر الحكم للحنابلة بمصر القاضي تقي الدين أحمد بن العز (٧) عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسي، وهو ابن بنت الشيخ شمس الدّين بن العماد (٨) أول قضاة الحنابلة. وقدم الأميرُ سيف الدّين تَمُر (٩) علي نيابة طرابُلُس عوضًا عن الأَفْرم بحكم هربه إلى التَّتر. وفي ربيع الآخر مُسك بيْبَرس العلائي نائبَ حمص وبِيْبَرس المجنون وطُوْكَان وجماعةٌ آخرون من الأمراء ستَّة في نهار واحد (١٠)، وسُيِّرُوا إلى الكَرَك معتقلين بها. وفيه مُسك نائبُ مصرَ الأمير ركن الدين بِيْبَرس الدَّوادار المنصوري (١١)، وولي بعده أَرْغُون الدَّوادار.

стр. 7348

ومسك نائبُ الشام جمال الدين نائبُ الكَرَك، وشمس الدين سُنْقُر الكمالي حاجب الحجَّاب بمصر، وخمسةُ أمراء آخرون (١)، وحبسوا كلهم بقلعة الكَرَك، في برج هناك. وفيه وقع حريقٌ داخل باب السَّلامة (٢) احترق فيه دورٌ كثيرة منها دار ابن أبي الفوارس، ودار الشريف القباني. نيابةُ تَنكِز على الشام (٣) في يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر دخل الأمير سيف الدين تَنْكِز بن عبد الله الحسامي الناصري نائبًا على دمشق بعد مسك نائب الكرك (٤) ومعه جماعة من مماليك السلطان منهم الحاج أَرُقْطَاي (٥) على خبز بِيْبَرْس العلائي، وخرجَ النَّاس لتلقيّه وفرحوا به كثيرًا، ونزل بدار السعادة، ووقع عند قدومه مطر (٦) عظيمٌ، وكان ذلك اليوم يومَ الرابع والعشرين من آب، وحضر يوم الجمعة الخطبة بالمَقْصورة وأُشعلت له الشُّموع في طريقه، وجاء توقيع لابن صَصْرَى بإعادة قضاء العسكر إليه، وأن يَنْظُر الأوقاف فلا يشاركه أحدٌ في الاستنابة في البلاد الشامية على عادة من تقدَّمه من قضاة الشافعية. وجاء مرسوم لشمس الدين أبي طالب بن حُمَيد (٧) بنظر الجيش عوضًا عن ابن شيخ السلامية بحكم إقامته بمصر. ثم بعد أيام وصل الصَّدر معين الدين (٨) هبة الله بن حشيش (٩) ناظر الجيش وجعل ابن حميد بوظيفة ابن البدر، وسافر ابن البدر على نظر جيش طرابُلُس. [وتولى أَرْغُون نيابة مصر] (١٠).

стр. 7349

وعاد فخر الدين كاتب المماليك إلى وظيفته مع استمرار قطب الدين ابن شيخ السلامية أيضًا مباشرًا معه. وفي هذا الشَّهر قام الشَّيخ محمد بن قَوَّام (١) وجماعةٌ من الصَّالحين على ابن نهرة (٢) المغربي الذي كان يتكلَّم بالكلَّاسة، وكتبوا عليه محضرًا يتضمَّن استهانته بالمُصْحف، [وأنّه يتكلَّم في أهل العلم، فأُحضر إلى دار العدل فاستسلم وحُقِن دمه] (٣) وعُزِّر تعزيرًا بليغًا عنيفًا وطِيفَ به في البلد باطنِه وظاهرِه، وهو مكشوفُ الرأسِ ووجهُه مقلوبٌ وظهره مضروب، يُنادى عليه: هذا جزاء من يتكلَّم في العلم بغير معرفة، ثم حُبس وأُطلق فهرب إلى القاهرة، ثم عاد على البريد في شعبان ورجع إلى ما كان عليه. وفيه قدم بَهَادُرآص من نيابة صفد إلى دمشقَ وهنَّأه الناس. وفيه قدمَ كتابٌ من السلطان إلى دمشق يتضمَّن (٤) أن لا يولى أحدٌ بمال ولا برِشْوة، فإِنَّ ذلك يُفْضي إلى ولاية من لا يستحق الولاية، [وإلى ولاية غير الأهل] (٥)، فقرأه ابن الزَّمْلَكاني على السُّدَّة وبلغه عنه ابن صَبِيح (٦) المؤذّن، وكان سبب ذلك الشَّيخ تقي الدين بن تيمية ﵀. وفي رجبٍ وشعبانَ حصل للنّاس خوفٌ بدمشق (٧) بسبب أن التَّتَر قد تحرَّكوا [للمجيء إلى الشام] (٨)، فانزعجَ النّاسُ من ذلك وخافوا، وتحول كثير منهم إلى البلد، وازدحموا في الأبواب، وذلك في شهر رمضان، وكثُرت الأَراجيفُ بأنهم قد وصلوا إلى الرَّحْبَة (٩)، وكذلك جرى واشتُهر بأنَّ ذلك بإشارة قَرَاسُنْقُر وذَويه فاللّه أعلم. وفي رمضانَ جاء كتابُ السلطان أن من قَتَلَ لا يجني أحدٌ عليه، بل يتبع القاتلُ حتى يقتصَّ منه بحكم الشرع الشريف، فقرأه ابن الزَّمْلكاني على السُّدَّة بحضرة نائب السَّلطنة (١٠) تنكِز [وسببه ابن تيمية، هو أمر بذلك وبالكتاب الأول قبله] (١١).

стр. 7350

وفي أوّل رمضانَ وصل التتر إلى الرَّحبَة فحاصروها عِشرينَ يومًا، وقاتلهم نائبُها الأميرُ بدر الدين موسى الأزدكشي (١) خمسة أيام قتالًا عظيمًا، ومنعهم منها، فأَشار رشيدُ الدَّولة بأن ينزلوا إلى خدمة السُّلطان خَرْبَنْدا ويهدوا له هدية ويطلبون منه العفو، فنزل القاضي نجم الدِّين إسحاق، وأدوا له خمسةَ رؤوس خيلٍ، وعَشْرَةَ أباليجَ سُكَّرٍ، فقبل ذلك ورجع إلى بلاده. وكانت بلاد حلب وحماة وحمص قد أُخْلُوْا منها وخرب أكثرها، ثم رجعوا إليها لما تحقّقوا رجوع التتر عن الرَّحبة، وطابت الأخبار وسكنت النفوس ودقت البشائر وتركت الأئمة القُنُوتَ، وخطب الخطيبُ يومَ العيد وذكَّر الناس بهذه النعمة. وكان سبب رجوع التتر قلةُ العلف وغلاء الأسعار وموت كثير (٢)، وأشار على سُلطانهم بالرُّجوع الرَّشيدُ وجُوْبان (٣). وفي ثامن شوَّال دُقّت البشائر بدمشقَ [بسبب خروج السُّلطان من مصرَ لأجل ملاقاة التَّتَر] (٤)، وخرج الرَّكبُ في نصفِ شوَّال وأميرُهم حسام الدين لاجين الصَّغير، الذي كان واليَ البر، وقدمت العساكر المصرية أرسالًا (٥)، وكان قدوم السّلطان ودخوله دمشق يوم الثلاثاء (٦) ثالث عشرين شوال، واحتفل الناس لدخوله ونزل القلعة وزُيّنت البلد ودُقَّت (٧) البشائر، ثم انتقل بعدَ لَيْلَتين (٨) إلى القصر وصلّى الجمعة بالجامع بالمقصورة وخَلع على الخطيب، وجلس في دار العدل يوم الإثنين، وقدم وزيره أَمينُ الملك يوم الثلاثاء عشرين الشهر. وقدم صحبةَ السُّلطان الشيخ الامام العالم العلَّامة تقيُّ الدين أبو العبَّاس أحمد بن تيمية إلى دمشقَ يوم الأربعاء مُسْتهل ذي القعدة، وكانت غيبتُه عنها سبعَ سنين، ومعه أخواه وجماعةٌ من أصحابه، وخرج خلقٌ كثير لتلقيه وسرُّوا بقدومه وعافيته ورؤيته، [واستبشروا به حتى خرج خلقٌ من النِّساء أيضًا لرؤيته] (٩)، وقد كان السُّلطان صحبه معه من مصرَ، فخرج معه بنيَّة الغَزَاة، فلمَّا تحقَق عدمُ الغزاة [وأن التتر رجعوا إلى بلادهم] (١٠) فارق الجيشَ من غزَّة وزار القدس وأقام به أيامًا، ثم سافر على عَجْلُون

стр. 7351

وبلاد السَّواد وَزَرع، ووصل دمشقَ في أول يوم من ذي القعدة، فدخلَها فوجد السُّلطان قد توجَّه إلى الحجاز الشريف في أربعين أميرًا من خواصِّه يوم الخميس ثاني ذي القعدة، [ثم إنَّ الشيخ بعد وصوله إلى دمشق واستقراره بها لم يزل ملازمًا لاشتغال النَّاس في سائر العلوم، ونشر العلم، وتصنيف الكتب، وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطوَّلة والاجتهاد في الأحكام الشرعية، ففي بعض الأحكام يفتي بما أَدَّى إليه اجتهادُه من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور في مذاهبهم. وله اختيارات كثيرة مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف] (١). فلمَّا سارَ السُّلطان إلى الحجِّ فرَّق العساكر والجيوش بالشَّام وترك أَرْغُون بدمشقَ. وفي يوم الجمعة لبس الشيخ كمال الدين بن الزملكاني خلعة وكالة بيت المَال (٢) عوضًا عن ابن الشُّرَيْشي، وحضر بها الشُبَّاك. وتكلَّم وزيرُ السُّلطان (٣) في البَلَد، وطلب من الناس (٤) أموالًا كثيرة وصادر وضرب بالمقارع، وأهان جماعة من الرُّؤساء منهم ابن فضل الله محيي الدِّين. وفيه عُيِّن شهاب الدين بن جهبل (٥) لتدريس الصَّلاحية بالقُدس، عوضًا عن نجم الدين داود الكردي توفى (٦)، وقد كان مدرسًا بها من نحو ثلاثين سنة، فسافر ابنُ جهبل إلى القدس بعد عيد الأضحى. وفيها مات ملك القفجاق المسمى طُقْطَاي (٧) خان، وكان له في الملك ثلاث وعشرون سنة، وكان عمره يوم مات (٨) ثلاثين سنة، وكان شهمًا شجاعًا على دين التَّتر في عبادة الأصنام والكواكب، يعظِّم المجسِّمة والحكماء والأطباء، ويكرِمُ المسلمين أكثر من جميع الطَّوائف، كان جيشه هائلًا لا يجسر أحد على قتاله لكثرة جيشه وقوتهم وعددهم وعُدَدهم، ويقال: إنَّه جرَّد مرةً تجريدةً من كل عشرة من جيشه واحدًا فبلغت التجريدةُ مائة ألفب وخمسين ألفًا.

стр. 7352

توفي في رمضان منها وقام في المُلْك من بعده ابن (١) أخيه أُزْبَك خَان، وكان مسلمًا فأظهر دينَ الإسلام ببلاده، وقتل خلقًا من أمراء الكفرة وعلت الشَّريعة (٢) المحمَّدية على سائر الشرائع هناك وللّه الحمد والمنة على الإسلام والسنة. وممن توفي فيها من الأعيان: الملك المنصور صاحب ماردين (٣): وهو نجمُ الدين أبو الفتح غازي بن الملك المظفّر قَرَا أَرْسلان بن الملك السعيد نجم الدين غازي بن الملك المنصور ناصر الدين أُرْتُق بن غازي [بن المنى بن تمرتاش بن غازي] (٤) بن أُرْتُق الأُرْتُقي. أصحاب ماردين من عدة سنين، كان شيخًا حسنًا مهيبًا كامل الخلقة بدينًا سمينًا إذا ركب يكون خلفه محفّة. خوفًا من أن يمسه لغوب فيركب فيها. توفي في تاسع ربيع الآخر ودفن بمدرسته تحت القلعة، وقد بلغ من العمر فوق السَّبعين، ومكث في الملك قريبًا من عشرين سنة، وقام من بعده في الملك ولده العادلُ فمكث سبعةَ عشرَ يومًا، ثم ملَكَ أخوه المنصوري (٥). وفيها مات: الأمير سيف الدين قُطْلُوبَك الشَّيخي (٦): كان من أمراء دمشقَ الكبار. الشَّيخ الصَّالح (٧): نورُ الدين أبو الحسن علي بن محمد بن هارون بن محمد بن هارون بن علي بن حميد (٨) التغلبي (٩) الدمشقي، قارئُ الحديث بالقاهرة ومُسنِدُها. روى عن ابن الزبير (١٠) وابن اللَّتِّي (١١) وجعفر الهمداني وابن الشيرازي وخلق، وقد خرج له الإمام

стр. 7353

العلامة تقي الدين السُّبكي مشيخةً. وكان رجلًا صالحًا توفي بكرة الثلاثاء تاسعَ عشرَ ربيع الآخر، وكانت جنازته حافلة. الأمير الكبير الملك المُظَفَّر (١): شهابُ الذين غازي بن الملك النّاصر داود بن المعظَّم. سمع الحديث (٢)، وكان رجلًا متواضعًا توفي بمصرَ ثاني عشرَ رجب، ودفن بالقاهرة. قاضي القضاة (٣): شمس الدين أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن داود بن حازم (٤) الأذرعي الحنفي، كان فاضلًا درَّس وأفتى، وولي قضاء الحنفية بدمشق سنةً ثم عُزل واستمر على تدريس الشِّبليَّة مدَّة، ثم سافر إلى مصر، فأقام بسعيد السُّعداء خمسة أيام، وتوفي يوم الأربعاء ثاني عشرين رجب فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وسبعمئة استهلت [والحكام هم هم] (٥)، والسُّلطان في الحجاز لم يقدَم بعدُ، وقد قدم الأمير سيف الدين قَجْلِيْسُ (٦) يوم السبت مستهلّ المحرّم من الحجاز وأخبر بسلامةِ السُّلطان، وأنه فارقه من المدينة النبوية، وأنه قد قارب البلاد، فدُقَّت البشائرُ فرحًا بسلامته. ثم جاء البريد فأخبر بدخوله إلى الكرك ثاني المحرم يوم الأحد، فلما كان يوم الثلاثاء حاديْ عَشَرَ المحرَّم دخل دمشقَ، وقد خرج الناس لتلقّيه على العادة، وقد رأيته مرجعَه من هذه الحِجَّة على شفته ورقةٌ قد ألصقها عليها، فنزل بالقصر وصلّى الجمعة رابعَ عشرَ المحرَّم بمقصورة الخطابة بالأموي (٧)،

стр. 7354

وكذلك الجمعة التي تليها، ولعب في المَيْدان بالكرة يوم السبت النصف من المحرم، وولَّى نظر الدواوين للصَّاحب شمس الدين بن غِبْريَال (١) يوم الأحد سادسَ عَشَرَ (٢) المحرَّم، وشدّ الدّواوين لفخر الدين إياس الأعسري (٣) عوضًا عن القَرَمانيّ، وسَافر القَرَمانيّ إلى نيابة الرَّحْبَة وخلع عليهما وعلى وزيره (٤)، وخلع على ابن صَصْرَى وعلى الفخر كاتب المماليك، وكان مع السلطان في الحج وولي شرف بن صصرى حجابَة الديوان (٥) وباشر فخر الدّين ابن شيخ السَّلامية نظر الجامع (٦)، وباشر بهاء الدّين بن عليم نظر الأوقاف، والمنكورسي شد الأوقاف. وتوجه السُّلطان راجعًا إلى الديار المصرية بكرة الخميس السابعَ والعشرين من المحرم، وتقدَّمت الجيوش بين يديه ومعه (٧). وفي أواخر صفر اجتاز على البريد في الرسلية إلى مهنّا الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وموسى بن مهنا، والأمير علاء الدين ألْطَنْبُغَا (٨) فاجتمعوا به في تَدْمُرَ، ثمَّ عاد ألْطَنْبُغَا وابنُ الوكيل إلى القاهرة (٩). وفي أَوَاخر (١٠) جُمادى الآخرة مُسك أمينُ المُلْك وجماعةٌ من الكبار معه، وصودروا بأموال كثيرة، وأقيم عوضه بدر الدين بن التُّركماني الذي كان والي الخزانة. وفي رجب كَمُلَت (١١) أربعةُ مجانيق، واحد لقلعة دمشق وثلاثةٌ تحمل إلى الكَرَك، ورُمي باثنين على باب الميدان وحضر نائب السلطنة تَنْكِزُ والعامَّةُ (١٢). وفي شعبان تكامل حَفْرُ النَّهر الذي عمله سُودي نائبُ حلب بها، وكان طولُه من نهر السَّاجور إلى نهر قُوَيق أربَعين ألف ذراع في عرض ذراعين وعمق ذراعين، وغرم عليه ثلثمئة ألف درهم (١٣)، وعُمِلَ بالعدل ولم يُظلم فيه أحد.

стр. 7355

وفي يوم السبت ثامنِ شوّال خرج الرَّكبُ من دمشقَ وأميرُه سيف الدين بَلَبَان (١) التَّتري، وحجَّ صاحبُ حماة (٢) في هذه السنة وخلقٌ من الرُّوم والعُرْبان (٣). وفي يوم السبت السادس والعشرين من ذي الحجة وصل القاضي قطب الدين موسى ابن شيخ السلامية من مصر على نظر الجيوش الشامية كما كان قبل ذلك، وراح معين الدين بن الحشيش إلى مصر في رمضان صحبة الصاحب شمس الدين بن غبريال، وبعد وصول ناظر الجيوش بيومين وصلت البشائر (٤) بمقتضى إزالة الإقطاعات الشامية (٥) لما رآه السلطان بعد نَظَره في ذلك (٦) أربعة أشهر. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الإمام المحدث (٧): فخر الدين أبو عمرو عثمان (٨) بن محمد بن عثمان بن أبي بكر بن محمد بن داود التَّوزَري (٩) بمكَّة يوم الأحد حادي عشر (١٠) ربيع الآخر، وقد سمع الكثيرَ، وأجازه خلقٌ يزيدون على ألف شيخ، وقرأ الكتب الكِبار وغيرها، وقرأ "صحيحَ البخاري" أكثر من ثلاثين مرة ﵀. عز الدِّين محمد بن العدل (١١) شهاب الدين أحمد بن عمر بن إلياس الرهاوي، كان يباشر استيفاء الأوقاف وغير ذلك، وكان من أخصّاء أمين المُلك، فلما مُسكَ بمصرَ أُرسل إلى هذا وهو معتقل بالعَذْراويّة (١٢) ليحضُرَ على البريد، فمرض فمات بالمدرسة العَذْراويّة ليلة الخميس التاسع عشر من جمادى الآخرة، وله من العمر خمسٌ وثلاثونَ سنة. وكان قد سمع من ابن طبرزد (١٣)، والكندي، ودفن من الغد بباب الصغير، وترك من بعده ولدين ذكرين جمالَ الدين محمدًا، وعزَّ الدين.
следующие страницы →