← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

هذا ونائب السلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر أعزه اللَّه يبطل المكوسات شيئًا بعد شيء ممّا فيه مضرة بالمسلمين، وبلغني عنه أن من عزمه أن يبطل جميع ذلك إن أمكنه اللَّه من ذلك، آمين انتهى. تنبيه (١) على واقعة غريبة واتفاقٍ عجيب نائب السلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر فيما بلغنا في نفسه عَتَب على أتابك الديار المصرية الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي مُدَبِّر الدولة بها، وقد توسَّم وتوهَّم منه أنّه يسعى في صرفه عن الشام، وفي نفس نائبنا قوة وصرامة شديدة، فتنسَّم منه ببعض الإباء عن طاعة يَلْبُغا، مع استمراره على طاعة السلطان، وأنه إن اتفق عُزْلٌ من قبل يَلْبُغَا أنه لا يسمع ولا يطيع، فعمل أعمالًا واتفق في غضون هذا الحال موت نائب القلعة المنصورة بدمشق وهو الأمير سيف الدين بُرْناق (٢) الناصري فأرسل نائب السلطنة من أصحابه وحاشيته من يتسلّم القلعة برُمّتها، ودخل هو بنفسه إليها، وطلب الأمير زين الدين زبَالة الذي كان فقيهًا ثم نائبها وهو من أخبر الناس بها وبخطاتها (٣) وحواصلها، فدار معه فيها وأراه حصونها وبروجها ومفاتحها وأغلاقها ودورها وقصورها وعددها وبركتها، وما هو معدٌّ فيها ولها، وتعجب الناس من هذا الاتفاق في هذا الحال، حيث لم يتفق ذلك لأحد من النواب قبله قط، وفتح الباب الذي هو تجاه دار السعادة وجعل نائب السلطنة يدخل منه إلى القلعة ويخرج بخدمه وحشمه وأُبَّهته يكشف أمرها وينظر في مصالحها أيده اللَّه. ولما كان يوم السبت خامس عشر شعبان ركب في الموكب على العادة واستدعى الأمير سيف الدين أسندَمُر الذي كان نائب الشام، وهو في منزله كالمعتقل فيه، لا يركب ولا يراه أحد، فأحضره إليه وركب معه، وكذلك الأمراء الذين قدموا من الديار المصرية: طُنَيْرق (٤)، وهو أحد أمراء الألوف وطَيْدَمُر الحاجب، كان، وأما ابن صُبْح وعمر شاه فإنهما كانا قد سافرا يوم الجمعة عشية النهار، والمقصود أنه سيَّرهم وجميع الأمراء بسوق الخيل، ونزل بهم كلهم إلى دار السعادة فتعاهدوا وتعاقدوا واتفقوا على أن يكونوا كلّهم كتفًا واحدًا، وعصبة واحدة على مخالفة من أرادهم بسوءٍ وأنهم يد على من سواهم ممّن أراد عزل أحد منهم أو قتله، وأن من قاتلهم قاتلوه، وأن السلطان هو ابن أستاذهم الملك المنصور بن حاجي بن الناصر بن المنصور قلاوون، فطاوعوا كلهم لنائب السلطنة على ما أراد من ذلك، وحلفوا له وخرجوا من عنده على هذا الحلف، وقام نائب السلطنة على عادته في عظمة هائلة، وأُبَّهة كثيرة، والمسؤول من اللَّه حسن العاقبة.

стр. 7667

وفي صبيحة يوم الأحد سادسَ عشرَ شعبان أبطل ملك الأمراء المكس الذي يؤخذ من الملح وأبطل مكس الأفراح، وأبطل أن لا تغنِّي امرأة لرجال، ولا رجل لنساء، وهذا في غاية ما يكون من المصلحة العظيمة الشامل نفعها. وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره شرع نائب السلطنة سيف الدين بَيْدَمُر في نصب مجانيق على أعالي بروج القلعة، فنصبت أربعة مجانيق من جهاتها الأربع، وبلغني أنه نصب آخر في أرضها عند البحرة، ثم نصب آخر وآخر حتى شاهد الناس ستة مجانيق على ظهور الأبرجة، وأخرج منها القلعية وأسكنها خلقًا من الأكراد والتركمان وغيرهم من الرجال الأنجاد، ونقل إليها من الغلات والأطعمة والأمتعة وآلات الحرب شيئًا كثيرًا، واستعد للحصار إن حُوصر فيها بما يحتاج إليه من جميع ما يرصد من القلاع، بما يفوت الحصر. ولما شاهد أهل البساتين المجانيق قد نصبت في القلعة انزعجوا وانتقل أكثرهم من البساتين إلى البلد، ومنهم من أودع عند أهل البلد نفائس أموالهم وأمتعتهم، والعاقبة إلى خير إن شاء اللَّه تعالى. وجاءتني فُتْيَا صورتها: ما تقول السادة العلماء في ملك اشترى غلامًا فأحسن إليه وأعطاه وقدَّمه، ثم إنَّه وثَبَ على سيده فقتله وأخذ ماله ومنع ورثته منه، وتصرف في المملكة، وأرسل إلى بعض نواب البلاد ليقدَمَ عليه ليقتله، فهل له الامتناع منه؟ وهل إذا قاتل دون نفسه وماله حتى يقتل يكون شهيدًا أم لا؟ وهل يُثاب الساعي في خلاص حق ورثة الملك المقتول من القصاص والمال؟ أفتونا مأجورين (١). فقلت للذي جاءني بها من جهة الأمير: إن كان مرادُه خلاصَ ذمته فيما بينه وبين اللَّه تعالى فهو أعلم بنيته في الذي يقصده، ولا يسعى في تحصيل حق معين إذا ترتب على ذلك مفسدة راجحة على ذلك، فيؤخَّر الطلب إلى وقت إمكانه بطريقه، وإن كان مراده بهذا الاستفتاء أن يتقوى بها في جمع الدولة والأمراء عليه، فلا بد أن يكتب عليها كبار القضاة والمشايخ أولًا، ثم بعد ذلك بقية المفتين بطريقه، واللَّه الموفق للصواب. هذا وقد اجتمع على الأمير نائب السلطنة جميع أمراء الشام، حتى فيل: إن فيهم من نواب السلطنة سبعةَ عشرَ أميرًا، وكلهم يحضر معه المواكب الهائلة، وينزلون معه إلى دار السعادة، ويمدّ لهم الأسمطة ويأكل معهم، وجاء الخبر بأن الأمير مَنْجَك الطرجاقسي المقيم ببيت المقدس قد أظهر الموافقة لنائب السلطنة، فأرسل له جِبْريل ثم عاد فأخبر بالموافقة، وأنه قد استحوذ على غزة ونائبه، وقد جمع وحشد واستخدم طوائف، ومسك على الجادة، فلا يدع أحدًا يمر إلا أن يفتش ما معه، لاحتمال إيصال كتب من هاهنا إلى هاهنا، ومع هذا كله فالمعدلة ثابتة جدًا، والأمن حاصل هناك، فلا يخاف أحد، وكذلك بدمشق وضواحيها، لا يُهاج أحد ولا يَتَعدَّى أحد على أحد، ولا ينهب أحد لأحد شيئًا وللَّه الحمد، غير أن بعض أهل البساتين توهَّموا وركبوا إلى المدينة وتحوّلوا، وأوْدع بعضهم نفائس ما عندهم، وأقاموا بها

стр. 7668

على وجل، ذلك لمَّا رأوا المجانيق الستة منصوبة على رؤوس قلال الأبراج التي للقلعة، ثم أحضر نائب السلطنة القضاة الأربعة والأمراء كلهم وكتبوا مكتوبًا سطَّره بينهم كاتب السر، أنهم راضون بالسُّلطان كارهون لِيَلبُغا، وأنهم لا يريدونه ولا يوافقون على تصرُّفه في المملكة، وشهد عليهم القضاة بذلك، وأرسلوا المكتوب مع مملوك للأمير طَيْبُغَا الطَّويل (١)، نظير يَلْبُغَا بالديار المصرية، وأرسل مَنْجك إلى نائب السلطنة يستحثه في الحضور إليه في الجيشر ليناجزوا المصريين، فعين نائب الشام من الجيش طائفة يبرزون بين يديه، وخرجت التجريدة ليلة السبت التاسع والعشرين من شعبان صحبة أسَنْدَمُر الذي كان نائب الشام مددًا للأمير مَنْجَك في ألفين، ويذكر الناس أن نائب السلطنة بمن بقي من الجيش يذهبون على إثرهم، ثم خرجت أخرى بعدها ثلاثة آلاف، ليلة الثلاثاء الثامن من رمضان كما سيأتي. وتوفي الشيخ الحافظ علاء الدين مُغْلَطاي (٢) المصري بها في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شعبان من هذه السنة، ودفن من الغد بالرَّيْدانية (٣)، وقد كتب الكثير وصنَّف وجمع، وكانت عنده كتب كثيرة ﵀. وفي مستهل رمضان أحضر جماعة من التجار إلى دار العدل ظاهر باب النصر ليباع شيء عليهم من القند والفولاذ والزجاج مما هو في حواصل يَلْبُغَا (٤)، فامتنعوا من ذلك خوفًا من استعادته منهم على تقدير، فضرب بعضهم منهم شهاب الدين بن الصواف بين يدي الحاجب، وشاد الدواوين، ثم أُفرج عنهم في اليوم الثاني، ففرَّج اللَّه بذلك. وخرجت التجريدة ليلة الثلاثاء بعد العشاء صحبة ثلاثة مقدمين منهم عراق (٥) ثم ابن صبح (٦) ثم ابن طرغية، ودخل نائب طرابلس الأمير سيف الدين تُومان إلى دمشقَ صبيحة يوم الأربعاء، عاشر رمضان، فتلقاه ملك الأمراء سيف الدين بَيْدَمُر إلى الأقيصر (٧) ودخلا معًا في أُبَّهة عظيمة، فنزل تُومان في القصر الأبلق، وبرز من معه من الجيوش إلى عند قبة يَلْبُغا، هذا والقلعة منصوب عليها المجانيق، وقد ملئت حرسًا شديدًا، ونائب السلطنة في غاية التحفُّظ.

стр. 7669

ولما أصبح يوم الخميس صمم تُوْمان تَمُر على ملك الأمراء في الرّحيل إلى غزَّة ليتوافى هو وبقية من تقدمه من الجيش الشامي، ومَنْجك ومن معه هنالك، ليقضي اللَّه أمرًا كان مفعولًا، فأجابه إلى ذلك وأمر بتقدُّم السبق بين يديه في هذا اليوم، فخرج السبق وأغلقت القلعة بابها المسلوك الذي عند دار الحديث، فاستوحش الناس من ذلك، واللَّه يحسن العاقبة. خروج ملك الأمراء بَيْدَمُر من دمشقَ متوجهًا إلى غزَّة ليلحق العساكر هناك صلى الجمعة بالمقصورة الثاني عشر من رمضان نائب السلطنة، ونائب طرابلس، ثم اجتمعا بالخطبة في مقصورة الخطابة، ثم راح لدار السعادة، ثم خرج طلبه في تجمُّل هائل على ما ذكر بعد العصر، وخرج معهم فاستعرضهم، ثم عاد إلى دار السعادة فبات إلى أن صلى الصبح، ثم ركب خلف الجيش هو ونائب طرابُلُس، وخرج عامة من بقي من الجيش من الأمراء وبقية الحلقة، وسلمهم اللَّه، وكذلك خرج القضاة، وكذا كاتب السر ووكيل بيت المال وغيرهم من كتاب الدست، وأصبح الناس يوم السبت وليس أحد من الجند بدمشق، سوى نائب الغيبة الأمير سيف الدين بن حمزة التُّركماني، وقريبه والي البر، ومتولِّي البلد الأمير بدر الدين صدقة بن أوحد، ومحتسب البلد ونواب القضاة، والقلعة على حالها، والمجانيق منصوبة كما هي. ولما كان صبح يوم الأحد رجع القضاة بكرة ثم رجع ملك الأمراء في أثناء النهار هو وتُوْمان تَمُر، وهم كلهم في لبس وأسلحة تامة، وكل منهما خائف من الآخر أن يمسكه، فدخل هذا دار السعادة، وراح الآخر إلى القصر الأبلق. ولما كان بعد العصر قدم مَنْجَك وأسَنْدَمُر كان نائب السلطنة بدمشق، وهما مغلولان قد كسرهما من كان قدم على مَنْجك من العساكر التي جهزها بَيْدَمُر إلى مَنْجَك قوة له على المصريين، وكان ذلك على يدي الأمير سيف الدين تَمُر حاجب الحجاب ويعرف بالمهمندار، قال لمَنْجَك: كلنا في خدمة من بمصرَ، ونحن لا نطيعك على نصرة بَيْدَمُر، فتقاولا ثم تقاتلا، فهزم مَنْجَك، وذهب تَمُر ومَنْجَك ومن كان معهما كابن صبح وطَيْدَمُر. ولما أصبح الصباح من يوم الإثنين خامس عشر لم يوجد لتُوْمان تمر وطُبَيْرق ولا أحد من أمراء دمشق عين ولا أثر، قد ذهبوا كلهم إلى طاعة صاحب مصر، ولم يبق بدمشق من أمرائها سوى ابن قَرَاسُنْقُر من الأمراء المتقدمين، وسوى بَيْدَمُر ومَنْجَك وأسَنْدَمُر، والقلعة قد هيئت والمجانيق منصوبة على حالها، والناس في خوف شديد من دخول بَيْدَمُر إلى القلعة، فيحصل بعد ذلك عند قدوم الجيش المصري حصار وتعب ومشقة على الناس، واللَّه يحسن العاقبة (١).

стр. 7670

ولما كان في أثناء نهار الإثنين سادس عشره دُقَّت البشائر في القلعة وأظهر أن يَلْبُغا الخاصكي قد نفاه السلطان إلى الشام، ثم ضربت وقت المغرب ثم بعد العشاء في صبيحة يوم الثلاثاء أيضًا، وفي كل ذلك يركب الأمراء الثلاثة مَنْجَك وَبَيْدَمُر وأسَنْدَمُر ملبسين، ويخرجون إلى خارج البلد، ثم يعودون، والناس فيما يقال: ما بين مصدق ومكذب، ولكن قد شُرع إلى تستير القلعة وتهيء الحصار فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. ثم تبيّن أن هذه البشائر لا حقيقة لها، فاهتم في عمل ستائر القلعة وحمل الزلط والأحجار إليها، الأغنام والحواصل، وقد وردت الأخبار بأن الركاب الشريف السلطاني وصحبته يَلْبُغَا في جميع جيش مصر قد عدا غزّة، فعند ذلك خرج الصاحب وكاتب السر والقاضي الشافعي وناظر الجيش ونقباؤه ومتولّي البلد وتوجهوا تلقاء حماة لتلقي الأمير علي الذي قد جاءه تقليدُ دمشقَ، وبقي البلد شاغرًا عن حاكم فيها سوى المحتسب وبعض القضاة، والناس كغنم لا راعي لهم، ومع هذا الأحوال صالحة والأمور ساكنة، لا يعدو أحد على أحد فيما بلغنا، هذا وبَيْدَمُر ومَنْجَك وأسَنْدَمُر في تحصين القلعة وتحصيل العدد والأقوات فيها، واللَّه غالب على أمره، أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، الستائر تعمل فوق الأبرجة، وصلَّى الأمير بَيْدَمُر صلاة الجمعة تاسع عشر الشهر في الشباك الكمالي، في مشهد عثمان، وصلَّى عنده مَنْجك إلى جانبه داخل موضع القضاة، وليس هناك أحدٌ من الحجبة ولا النقباء، وليس في البلد أحد من المباشرين بالكليّة، ولا من الجند إلا القليل، وكلهم قد سافروا إلى ناحية السلطان، والمباشرون إلى ناحية حماة لتلقي الأمير عليّ نائب الشام المحروس، ثم عاد إلى القلعة ولم يحضر الصلاة أسَنْدَمُر، لأنه قيل: كان منقطعًا، أو قد صلّى في القلعة. وفي يوم السبت العشرين من الشهر وصل البريد من جهة السلطان من أبناء الرسول إلى نائب دمشق يستعلم طاعته أو مخالفته، وبعث عليه فيما اعتمده من استحوذ على القلعة ويخطب فيها، وادِّخار الآلات والأطعمات فيها، وعدم المجانيق والستائر عليها، وكيف تصرَّف في الأموال السلطانية تصرف الملك والملوك، فتنصل ملك الأمراء من ذلك، وذكر أنه إنما أرصد في القلعة جنادتها وأنه لم يدخلها، وأن أبوابها مفتوحة، وهي قلعة السلطان، وإنما له غريم بينه وبينه الشرع والقضاة الأربعة -يعني بذلك يَلْبُغا- وكتب بالجواب وأرسله صحبة البريدي وهو كيكلدي مملوك طُقْطاي (١) الدويدار، وأرسل في صحبته الأمير صارم الدين أحد أمراء العشرات من يوم ذلك. وفي يوم الإثنين الثاني والعشرين من رمضان تصبح أبواب البلد مغلقة إلى قريب الظهر، وليس ثمّ مفتوح سوى باب النصر والفرج، والناس في حصر شديد وانزعاج، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، ولكن قد اقترب وصول السلطان والعساكر المنصورة.

стр. 7671

وفي صبيحة الأربعاء أصبح الحال كما كان وأزيد، ونزل الأمير سيف الدين يَلْبُغَا الخاصكي بقيَّة يَلْبُغَا، وامتد طلبه من سيْفِ داريَّا إلى القبة المذكورة في أُبَّهة عظيمة، وهيئة حسنة، وتأخَّر الركاب الشريف بتأخُّره عن الصَّنَمَيْن (١) بعد، ودخل بَيْدَمُر في هذا اليوم إلى القلعة وتحصَّن بها. وفي يوم الخميس الخامس والعشرين منه استمرت الأبواب كلها مغلقة سوى باب النصر والفرج، وضاق النطاق وانحصر الناس جدًا، وقطع المصريون نهر بانياس، والفرع الداخل إليها وإلى دار السعادة من القنوات، واحتاجوا لذلك أن يقطعوا القنوات ليسدوا الفرع المذكور، فانزعج أهل البلد لذلك، وملؤوا ما في بيوتهم من برك المدارس، وبيعت القربة بدرهم، والحق بنصف، ثم أرسلت القنوات وقت العصر من يومئذ وللَّه الحمد والمنة، فانشرح الناس لذلك، وأصبح الصَّبَاح يوم الجمعة والأبواب مغلقة ولم يفتح باب النصر والفرج إلى بعد طلوع الشمس بزمان، فأرسل يَلْبُغا من جهته أربعة أمراء وهم الأمير زين الدين زبالة الذي كان نائب القلعة، والملك صلاح الدين بن الكامل، والشيخ علي الذي كان نائب الزحبة من جهة بَيْدَمُر، وأمير آخر، فدخلوا البلد وكسروا أقفال أبواب البلد، وفتحوا الأبواب، فلما رأى بَيْدَمُر ذلك أرسل مفاتيح البلد إليهم انتهى. وصول السُّلطان الملك المنصور إلى المصطبة غربي عقبة سجورا كان ذلك في يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر رمضان في جحافل عظيمة كالجبال، فنزل عند المصطبة المنسوبة إلى عم ابنته الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون، وجاءت الأمراء ونواب البلاد لتقبيل يده والأرض بين يديه، كنائب حلب، ونائب حماة، وهو الأمير علاء الدين المارداني، وقد عُيّن لنيابة دمشق، وكتب بتقليده بذلك، وأرسل إليه وهو بحماة، فلما كان يوم السبت السابع والعشرين منه خلع على الأمير علاء الدين علي المارداني بنيابة دمشق، وأُعيد إليها عَودًا على بدءً، ثم هذه الكرة الثالثة، وقبّل يد السلطان وركب عن يمينه، وخرج أهل البلد لتهنئته، هذا والقلعة محصَّنة بيد بَيْدَمُر، وقد دخلها ليلة الجمعة واحتمى بها، هو ومَنْجَك وأسَنْدَمُر ومن معه من الأعوان بها، ولسان حال القدر يقول: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. ولما كان يوم الأحد طلب قضاة القضاة وأرسلوا إلى بَيْدَمُر وذويه بالقلعة ليصالحوه على شيء مَيْسور يشترطونة (٢)، وكان ما سنذكره انتهى واللَّه تعالى أعلم.

стр. 7672

سبب خروج بَيْدَمُر من القلعة وصفة ذلك لما كان يوم الأحد الثامن والعشرين منه أرسل قضاة القضاة ومعهم الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي، والشيخ سراج الدين الهندي الحنفي قاضي العسكر المصري للحنفية، إلى بَيْدَمُر ومن معه ليتكلّموا معهم في الصلح لينزلوا على ما يشترطون قبل أن يشرعوا في الحصار والمجانيق التي قد استدعيَ بها من صفد وبعلبك، وأُحضر من رجال النقاعين نحو من ستة آلاف رام، فلما اجتمع به القضاة ومن معهم وأخبروه عن السلطان وأعيان الأمراء بأنهم قد كتبوا له أمانًا إن أناب إلى المصالحة، فطلب أن يكون بأهله ببيت المقدس، وطلب أن يعطي مَنْجَك كذا بناحية بلاد سيس ليسترزق هنالك، وطلب أسَنْدَمُر أن يكون بشمقدارًا للأمير سيف الدين يَلْبُغَا الخاصكي. فرجع القضاة إلى السلطان ومعهم الأمير زين الدين جبريل الحاجب، كان، فأخبروا السلطان والأمراء بذلك، فأُجيبوا إليه، وخلع السلطان والأمراء على جِبْريل خلعًا، فرجع في خدمة القضاة ومعهم الأمير أسنْبُغَا بن [بَكْتَمُر] (١) البوبكري، فدخلوا القلعة وباتوا هنالك كلهم، وانتقل الأمير بَيْدَمُر بأهله وأثاثه إلى داره بالمطرِّزين، فلما أصبح يوم الإثنين التاسع والعشرين منه خرج الأمراء الثلاثة من القلعة ومعهم جِبْريل، فدخل القضاة وسلَّموا القلعة بما فيها من الحواصل إلى الأمير أسَنْبُغَا بن البُوبَكري انتهى. دخول السلطان المنصور محمد ابن الملك المظفر أمير حاجي ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون إلى دمشق في جيشه وجنوده وأمرائه وأُبَّهته لما كان صبيحة يوم الإثنين التاسع والعشرين من رمضان من هذه السنة، رجع القضاة إلى الوطاق الشريف، وفي صحبتهم الأمراء الذين كانوا بالقلعة، وقد أعطوا الأمان من جهة السلطان ومن معهم وذويهم، فدخل القضاة، وحجب الأمراء المذكورون، فخلع على القضاة الأربعة وانصرفوا راجعين مجبورين، وأما الأمراء المذكورون فإنهم أُركبوا على خيل ضعيفة، وخلف كل واحد منهم وساقيٌ (٢) أخذ بوسطه قبل، وفي يد كل واحد من الوِسَاقية خنجر كبير مسلول لئلا يستنقذه منه أحد فيقتله بها، فدخل جهرة بين الناس ليُروهم ذلتهم التي قد لبستهم، وقد أحدق الناس بالطريق من كل جانب، فقام كثير من الناس، اللَّه أعلم بعدتهم، إلا أنهم قد يقاربون المئة ألف أو يزيدون عليها، فرأى الناس منظرًا فظيعًا، فدخل به الوساقية إلى الميدان الأخضر الذي فيه القصر، فأُجلسوا هنالك وهم ستة نفر: الثلاثة النواب وجِبْريل وابن أسَنْدَمُر، وسادس، وظن كل منهم أن يُفْعل بهم فاقرة (٣)، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون.

стр. 7673

وأرسلت الجيوش داخلة إلى دمشق أطلابًا في تجمُّل عظيم، ولُبس الحرب بنهر النصر وخيول وأسلحة ورماح، ثم دخل السلطان في آخر ذلك كله بعد العصر بزمن، وعليه من أنواع الملابس قنباز (١) بخاري، والقبة والطير يحملهما على رأسه الأمير سيف الدين تُوْمَان تَمُر الذي كان نائب طرابُلس، والأمراء مشاة بين يديه، والبسط تحت قدمي فرسه، والبشائر تضرب خلفه، فدخل القلعة المنصورة المنصورية لا البدرية. ورأى ما قد أُرصد بها من المجانيق والأسلحة، فاشتد حنفه على بَيْدَمُر وأصحابه كثيرًا، ونزل الطارمة، وجلس على سرير المملكة، ووقف الأمراء والنواب بين يديه، ورجع الحق إلى نصابه، وقد كان بين دخوله ودخول عمه الصالح صالح في أول يوم من رمضان، وهذا في التاسع والعشرين منه، وقد قيل إنه سلخه واللَّه أعلم. وشرع الناس في الزينة. وفي صبيحة يوم الثلاثاء سلخ الشهر نقل الأمراء المغضوب عليهم الذين ضلّ سعيهم فيما كانوا أبرموه من ضمير سوءٍ للمسلمين إلى القلعة فأُنزلوا في أبراجها مهانين، مفرقًا بينهم، بعد ما كانوا بها آمنين حاكمين، أصبحوا معتقلين مهانين خائفين، فجاروا بعدما كانوا رؤساء، وأصبحوا بعد عزهم أذلاء، ونقبت أصحاب هؤلاء، ونودي عليهم في البلد، ووعد من دل على أحد منهم بمال جزيل، وولاية إمرة بحسب ذلك، ورسم في هذا اليوم على الرئيس أمين الدين بن القلانسي كاتب السر (٢)، وطلب منه ألف ألف درهم، وسُلِّم إلى الأمير زين الدين زبَالة نائب القلعة، وقد أُعيد إليها وأعطي تقدمة ابن قَرَاسُنْقُر، وأمره أن يعاقبه إلى أن يزن هذا المبلغ، وصلَّى السلطان وأمراؤه بالميدان الأخضر صلاة العيد، ضرب له خام عظيم وصلَّى به خطيبًا القاضي تاج الدين المُناوي (٣) الشافعي، قاضي العسكر المنصورة للشافعية، ودخل الأمراء مع السلطان للقلعة من باب المدرسة، ومدَّ لهم سماطًا هائلًا أكلوا منه ثم رجعوا إلى دورهم وقصورهم، وحمل الطير في هذا اليوم على رأس السلطان الأمير علي نائب دمشق، وخلع عليه خلعة هائلة. وفي هذا اليوم مُسك الأمير تُوْمان تَمُر الذي كان نائب طرابُلُس، ثم قدم على بَيْدَمُر، فكان معه، ثم قفل إلى المصريين واعتذر إليهم، فعذروه فيما يبدو للناس، ودخل وهو حامل القبة على رأس السلطان يوم الدخول، ثم ولّوه نيابة حمص، فصغّروه وحقّروه، ثم لما استمر ذاهبًا إليها فكان عند القابون أرسلوا إليه فأمسكوه وردوه، وطلب منه المئة ألف التي كان قبضها من بَيْدَمُر، ثم ردُّوه إلى نيابة حمصَ.

стр. 7674

وفي يوم الخميس اشتهر الخبز بأن طائفة من الجيش بمصر من طواشية وخاصكية ملَّكُوا عليهم حُسَيْن الناصر ثم اختلفوا فيما بينهم واقتتلوا (١)، وأن الأمر قد انفصل ورُدَّ حُسَيْن للمحلّ الذي كان معتقلًا فيه (٢)، وأطفأ اللَّه شر هذه الطائفة وللَّه الحمد. وفي آخر هذا اليوم لبس القاضي ناصر الدين بن يعقوب (٣) خلعة كتابة السر الشريفية، والمدرستين، ومشيخة الشيوخ عوضًا عن الرئيس علاء الدين بن القلانسي، عُزل وصُودر، وراح الناس لتهنئته بالعَوْد إلى وظيفته كما كان (٤). وفي صبيحة يوم الجمعة ثالث شوال مسك جماعة من الأمراء الشاميين منهم الحاجبان صلاح الدين وحسام الدين والمهمندار ابن أخي الحاجب الكبير، تَمُر، وناصر الدين ابن الملك صلاح الدين بن الكامل، وابن حمزة والطرخاني واثنان أخوان وهما طَيْبُغا زفر وبلجاك (٥)؛ كلهم طبلخانات، وأخرجوا خير وتمر حاجب الحجاب، وكذلك الحجوبية أيضًا لقاربي أحد أمراء مصر. وفي يوم الثلاثاء سابع شوال مسك ستّةَ عشر أميرًا من أمراء العرب بالقلعة المنصورة، منهم عمر بن موسى بن مُهَنَّا الملقب بالمِصْمَع، الذي كان أمير العرب في وقت، ومُعَيْقل بن فضل بن مهنا وآخرون، وذكروا أن سبب ذلك أن طائفة من آل فضل عرضوا للأمير سيف الدين الأحمدي الذي استاقوه على حلب، وأخذوا منه شيئًا من بعض الأمتعة، وكادت الحرب تقع بينهم. وفي ليلة الخميس بعد المغرب حمل تسعة عشر أميرًا من الأتراك والعرب على البريد مقيدين في الأغلال أيضًا إلى الديار المصرية، منهم بَيْدَمُر ومَنْجَك وأسَنْدَمُر وجِبْريل وصلاح الدين الحاجب وحسام الدين أيضًا وبلجك وغيرهم، ومعهم نحو من مئتي فارس ملبسين بالسلاح متوكلين بحفظهم، وساروا بهم نحو الديار المصرية، وأمَّروا جماعةً من البطالين منهم أولاد لاقوش، وأطلق الرئيس أمين الدين بن القلانسي من المصادرة والترسيم بالقلعة، بعد ما وَزَن بعضَ ما طلب منه، وصار إلى منزله، وهنَّأه الناس. خروج السلطان من دمشقَ قاصدًا مصرَ (٦) ولما كان يوم الجمعة عاشر شهر شوال خرج طلب يَلْبُغا الخاصكي صبيحته في تجمُّل عظيم لم ير

стр. 7675

الناس في هذه المُدَد مثله، من نجائب وجنائب ومماليك وعظمة هائلة، وكانت عامة الأطلاب قد تقدّمت قبله بيوم، وحضر السلطان إلى الجامع الأموي قبل أذان الظهر، فصلَّى في مشهد عُثْمان هو ومن معه من أمراء المصريين، ونائب الشام، وخرج من فوره من باب النصر ذاهبًا نحو الكُسْوة والناس في الطرقات والأسطحة على العادة، وكانت الزينة قد بقي أكثرها في الصّاغة والخواصين وباب البريد إلى هذا اليوم، فاستمرت نحو عشرة الأيّام (١). وفي يوم السبت حاديْ عشرَ شوال خُلع على الشيخ علاء الدين (٢) الأنصاري بإعادة الحِسْبة إليه وعزل عماد الدين بن الشيرجي (٣). وخرج المحمل يوم الخميس سادسَ عشر شوال على العادة، والأمير مصطفى البيري. وتوفي يوم الخميس ويوم الجمعة أربعة أمراء بدمشق، وهم طَشْتَمُر زَفَر (٤) وَطَيْبُغَا الفيل (٥)، ونَوْرُوز (٦) أحد مقدمي الألوف، وتَمُر المهمندار (٧)، وقد كان مقدم ألف، وحاجب الحجاب، وعمل نيابةَ غزة في وقت، ثم تعصَّب عليه المصريون فعزلوه عن الإمرة، وكان مريضًا فاستمر مريضًا إلى أن توفي يوم الجمعة، ودفن يوم السبت بتربته التي أنشأها بالصُّوفية، لكنّه لم يُدفن فيها بل على بابها كأنه مودِّع أو ندم على بنائها فوق قبور المسلمين ﵀. وتوفي الأمير ناصر الدين بن لاقُوش (٨) يوم الإثنين العشرين من شوال ودُفن بالقُبَيْبات، وقد ناب ببعلبك وبحمصَ، ثم قطع خبره هو وأخوه كُجْكُن (٩) ونفُوا عن البلد إلى بلدان شتى، ثم رضي عنهم الأمير يَلْبُغا وأعاد عليهم أخبازًا (١٠) بطبلخانات، فما لبث ناصر الدين إلا يسيرًا حتى توفي إلى رحمة اللَّه تعالى، وقد أثر آثارًا حسنة كثيرة، منها عند عقبة الرمانة خان مليح نافع، وله ببعلبك جامع وحمام وخان وغير ذلك، وله من العمر ست وخمسون سنة.

стр. 7676

وفي يوم الأحد السادس والعشرين منه درَّس القاضي بدر (١) الدين محمد ابن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء الشافعي بالمدرسة الأتابكية، نزل له عنها والده بتوقيع سلطاني، وحضر عنده القضاة والأعيان، وأخذ في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وفي هذا اليوم درَّس القاضي نجم الدين أحمد بن عثمان النّابلسي الشّافعي المعروف بابن الجابي (٢) بالمدرسة العَصْرونية (٣) استنْزل له عنها القاضي أمين الدين بن القلانسي في مصادراته. وفي صبيحة يوم الإثنين التاسع والعشرين من شوّال درَّس القاضي ولي الدين عبد اللَّه (٤) بن القاضي بهاء الدين أبي البقاء بالمدرستين الرَّواحية ثم القيْمريّة، نزل له عنهما والده المذكور بتوقيع سلطاني، وحضر عنده فيهما القضاة والأعيان. وفي صبيحة يوم الخميس سلخ شوال شُهر الشيخ أسد بن الشيخ الكردي (٥) على جمل وطِيْفَ به في حواضر البلد ونُودي عليه: هذا جزاء من يخامر على السلطان ويفسد نواب السلطان، ثم أُنزل عن الجمل وحمل على حمار، وطيف به في البلد ونُودي عليه بذلك، ثم ألزم السجن وطُلب منه مالٌ جزيل، وقد كان المذكور من أعوان بَيْدَمُر المتقدم ذكره وأنصاره، وكان هو المتسلِّم للقلعة في أيامه. وفي صبيحة يوم الإثنين حادي عَشَرَ ذي القعدة خُلع على قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح بقضاء العسكر الذي كان متوفِّرًا عن علاء الدين بن شَمَرْنُوخ (٦)، وهنأه الناس بذلك وركب البغلة بالزناري مضافًا إلى ما بيده من نيابة الحكم والتدريس. وفي يوم الإثنين ثامن عشره أُعيد تدريس الركنية بالصالحية إلى قاضي القضاة شرف الدين الكفري الحنفي، استرجعها بمرسوم شريف سلطاني، من يد القاضي عماد الدين بن العز، وخُلع على الكفري، وذهب الناس إليه للتهنئة بالمدرسة المذكورة (٧). وفي شهر ذي الحجة اشتهر وقوع فتن بين الفلاحين بناحية عَجْلون (٨)، وأنهم اقتتلوا فقتل من الفريقين

стр. 7677

اليمني والقيسي طائفة، وأن عين حيتا التي هي شرقي عَجْلون دفَرت وخربت، وقطع أشجارها ودمرت بالكلية. وفي صبيحة يوم السبت الثاني والعشرين من ذي الحجة لم تفتح أبواب دمشق إلى ما بعد طلوع الشمس، فأنكر الناس ذلك، وكان سببه الاحتياط على أمير يقال له: كَتْبُغَا (١)، كان يريد الهرب إلى بلاد الشرق، فاحتيط عليه حتى أمسكوه. وفي ليلة الأربعاء السادس والعشرين من ذي الحجة قدم الأمير سيف الدين طاز (٢) من القدس فنزل بالقصر الأبلق، وقد عميَ من الكحل حين كان مسجونًا بالإسكندرية، فأُطلق كما ذكرنا، ونزل ببيت المقدس مدة، ثم جاءه تقليد بأنه يكون طرخانًا (٣) ينزل حيث شاء من بلاد السلطان، غير أنه لا يدخل ديار مصر، فجاء فنزل بالقصر الأبلق، وجاء الناس إليه على طبقاتهم -نائب السلطنة فمن دونه- يسلّمون عليه وهو لا يبصر شيئًا، وهو على عزم أن يشتري أو يستكري له دارًا بدمشقَ يسكنها. انتهى واللَّه أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث وستين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والشامية والحرمين الشَّريفين وما والاهما من الممالك الإسلامية السّلطان الملك المنصور صلاح الدين محمد بن الملك المظفر أمير حاجي (٤) بن الملك المنصور قلاوون، وهو شاب دون العشرين. ومدبّر الممالك بين يديه الأمير يَلْبُغا، ونائب الديار المصرية قَشْتَمُر (٥). وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها. والوزير سيف الدين قَرَوينة وهو مريضٌ مُدْنَفٌ. ونائب الشام بدمشقَ الأمير علاء الدين المارداني، وقضاته هم المذكورون في التي قبلها، وكذلك

стр. 7678

الخطيب، ووكيل بيت المال، والمحتسب علاء الدين الأنصاري عاد إليها في السنة المنفصلة، وحاجب الحجَّاب قُماري (١)، والذي يليه السليماني وآخر من مصر أيضًا، وكاتب السر القاضي ناصر الدين محمد بن يعقوب الحلبي، وناظر الجامع القاضي تقي الدين بن مراجل، وأخبرني قاضي القضاة تاج الدين الشافعي أنَّه جُدِّد في أول هذه السنة قاضي حنفي بمدينة صفد المحروسة مع الشافعي، فصار في كل من حماة وطرابُلُس وصفد قاضيان شافعي وحنفي. وفي ثاني المحرّم قدم نائب السلطنة بعد غيبة نحو من خمسة عشر يومًا، وقد أوطأ بلاد فرير بالرعب، وأخذ من مقدميهم طائفة فأودعهم الحبس، وكان قد اشتهر أنه قصد العشيرات المواسين ببلاد عجلون، فسألتُه عن ذلك حين سلَّمتُ عليه فأخبرني أنه لم يتعد ناحية فرير، وأن العشيرات قد اصطلحوا واتفقوا، وأن التجريدة عندهم هناك. قال: وقد كبس الأعراب من حرم الترك، فهزمهم الترك وقتلو منهم خلقًا كثيرًا، ثم ظهر للعرب كمين فلجأ الترك إلى وادي صرح فحصروهم هنالك، ثم ولت الأعراب فرارًا ولم يقتل من الترك أحد، وإنما جرح منهم أمير واحد فقط، وقتل من الأعراب فوق الخمسين نفسًا. وقدم الحجّاج يوم الأحد الثاني والعشرين من المحرّم، ودخل المحمل السلطاني ليلة الإثنين بعد العشاء، ولم يحتفل لدخوله كما جرت به العادة، وذلك لشدة ما نال الركب في الرجعة من بريز إلى هنا من البرد الشديد، بحيث إنه قد قيل إنه مات منهم بسبب ذلك نحو المئة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، ولكن أُخبروا برخص كثير وأمن، وبموت ثقبه (٢) أخي عَجْلان صاحب مكة، وقد استبشر بموته أهل تلك البلاد لبغيه على أخيه عجلان العادل فيهم انتهى واللَّه أعلم. منام غريب جدًا ورأيتُ في ليلة الإثنين الثاني والعشرين من المحرَّم سنة ثلاث وستين وسبعمئة الشيخ محيي الدين النَّواوي (٣) ﵀، فقلت له: يا سيدي الشيخ لم لا أدخلت في شرحك المهذب (٤) شيئًا من مصنّفات

стр. 7679

ابن حزم (١)؟ فقال ما معناه: إنه لا يحبه، فقلت له: أنت معذور فيه فإنه جمع بين طرفي النقيضين في أصوله وفروعه، أما هو في الفروع فظاهري جامد يابس، وفي الأصول تول مائع (٢) قرمطة القرامطة وهرس الهرائسة، ورفعت بها صوتي حتى سمعت وأنا نائم، ثم أشرت له إلى أرض خضراء تشبه النخيل بل هي أردأ شكلًا منه، لا ينتفع بها في استغلال ولا رعي، فقلت له: هذه أرض ابن حزم التي زرعها [قال] انظر هل ترى فيها شجرًا مثمرًا أو شيئًا ينتفع به؟ فقلت: إنما تصلح للجلوس عليها في ضوء القمر. فهذا حاصل ما رأيته، ووقع في خَلَدي أنّ ابنَ حزم كان حاضرنا عند ما أشرت للشَّيخ محيي الدين إلى الأرض المنسوبة لابن حزم، وهو ساكت لا يتكلم. وفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر خلع على القاضي عماد الدين بن الشّيرجي بعَود الحسبة إليه بسبب ضعف علاء الدين الأنصاري عن القيام بها لشغله بالمرض المُدْنِف، وهنَّأه الناس على العادة. وفي يوم السبت السادس والعشرين من صفر توفي الشيخ علاء الدين الأنصاري (٣) المذكور بالمدرسة الأمينيّة، وصُلّي عليه الظهر بالجامع الأموي، ودفن بمقابر باب الصغير خلف محراب جامع جراح (٤)، في تربة هنالك، وقد جاوز الأربعين سنة، ودرَّس في الأمينية، وفي الحسبة مرتين، وترك أولادًا صغارًا وأموالًا جزيلة سامحه اللَّه ورحمه، وولي المدرسة بعده قاضي القضاة تاج الدين بن السُّبكي بمرسوم كريم شريف (٥). وفي العشر الأخير من صفر بلغنا وفاة: قاضي القضاة المالكية الإخنائي (٦) بمصر وتولية أخيه برهان الدين ابن قاضي القضاة علم الدين الشافعي أبوه قاضيًا مكان أخيه، وقد كان على الحسبة بمصرَ مشكور السيرة فيها، وأضيف إليه انظر الخزانة كما كان أخوه. وفي صبيحة يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول كان ابتداء حضور قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر

стр. 7680

عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدين أبي (١) الحسن بن عبد الكافي السُّبكي الشافعي تدريس الأمينيّة عوضًا عن الشيخ علاء الدين المحتسب، بحكم وفاته ﵀ كما ذكرنا، وحضر عنده خلق من العلماء والأمراء والفقهاء والعامة، وكان درسًا حافلًا، أخذ في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] الآية وما بعدها، فاستنبط أشياء حسنة، وذكر ضَرْبًا من العلوم بعبارة طلقة جارية معسولة، أخذ ذلك من غير تلعثُم ولا تلجلُجٍ ولا تكلّف فأجاد وأفاد، وشكره الخاصة والعامة من الحاضرين وغيرهم حتى قال بعض الأكابر: إنَّه لم يسمع درسًا مثله (٢). وفي يوم الإثنين الخامس والعشرين منه توفي: الصدر برهان الدين بن لؤلؤ الحوضي (٣)، في داره بالقَصَّاعين ولم يمرض إلا يومًا واحدًا، وصُلّي عليه من الغد بجامع دمشق بعد صلاة الظهر، وخرجوا به من باب النصر، فخرج نائب السَّلطنة الأمير علي فصلَّى عليه إمامًا خارج باب النصر، ثم ذهبوا به فدفنوه بمقابرهم بباب الصغير، فدفن عند أبيه ﵀، وكان ﵀ فيه مروءة وقيام مع الناس، وله وجاهةٌ عند الدّولة، وقبول عند نواب السلطنة وغيرهم، ويحب العلماء وأهل الخير، ويواظب على سماع مواعيد الحديث والخير، وكان له مال وثروة ومعروف، قارب الثمانين ﵀. وجاء البريد من الديار المصرية فأخبر بموت: الشيخ شمس الدين محمد (٤) بن النَّقَّاش المصري بها، وكان واعظًا باهرًا، وفصيحًا ماهرًا، ونحويًّا شاعرًا، له يدٌ طولى في فنون متعددة، وقدرة على نسج الكلام، ودخول على الدَّولة، وتحصيل الأموال، وهو من أبناء الأربعين ﵀. وأخبر البريد بولاية قاضي القضاة شرف الدين المالكي البغدادي، الذي كان قاضيًا بالشام للمالكية، ثم عُزل بنظر الخزانة بمصر، فإنَّه رُتِّب له معلوم وافر يكفيه ويفضل عنه، ففرح بذلك من يحبُّه. وفي يوم الأحد السابعَ عشرَ من ربيع الآخر توفي: الرَّئيس أمين الدين محمد (٥) بن الصدر جمال الدين أحمد بن الرئيس شرف الدين محمد بن

стр. 7681

القلانسي، أحد من بقي من رؤساء البلد وكبرائها، وقد كان باشر مباشرات كبار كأبيه وعمّه علاء الدين، ولكن فاق هذا على أسلافه فإنّه باشر وكالة المال مدّة، وولي قضاء العساكر أيضًا، ثم ولي كتابة السر مع مشيخة الشيوخ وتدريس النَّاصريّة والشَّامية الجوّانية، وكان قد درس في العَصْرونيّة (١) من قبل سنة ست وثلاثين، ثم لما قدم السلطان في السنة الماضية عُزل عن مناصبه الكبار، وصُودر بمبلغ كثير يقارب مئتي ألف، فباع كثيرًا من أملاكه، وما بقي بيده من وظائفه شيء، وبقي خاملًا مدَّة إلى يومه هذا، فتوفي بغتة، وكان قد تشوش قليلًا لم يشعر به أحد، وصُلّي عليه العصر بجامع دمشق، وخرجُوا به من باب الناطفانيين إلى تربتهم التي بسفح قاسيون ﵀. وفي صبيحة يوم الإثنين ثامن عشره، خلع على القاضي جمال الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين الكَفْري الحنفي (٢)، وجعل مع أبيه شريكًا في القضاء ولُقِّب في التوقيع الوارد صحبة البريد من جهة السلطان "قاضي القضاة" فلبس الخلعة بدار السعادة، وجاء ومعه قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي إلى النُّورية فقعد في المسجد ووضعت الربعة فقرئت وقرئ القرآن ولم يكن درسًا، وجاءت الناس للتهنئة بما حصل من الولاية له مع أبيه. وفي صبيحة يوم الثلاثاء توفّي: الشيخ الصالح العابد الناسك الجامع فتح الدين (٣) بن الشيخ زين الدين الفَارقي، إمام دار الحديث الأشرفية، وخازن الأثر بها، ومؤذن في الجامع، وقد أتت عليه تسعون سنة في خير وصيانة وتلاوة وصلاة كثيرة وانجماع عن الناس، صلّي عليه صبيحة يومئذ، وخرج به من باب النصر إلى نحو الصالحية ﵀. وفي صبيحة يوم الإثنين عاشر جمادى الأولى ورد البريد وهو قَرَابُغَا دوادار نائب الشام الصغير ومعه تقليد بقضاء قضاة الحنفية للشيخ جمال الدين يوسف ابن قاضي القضاة شرف الدين الكَفْري، بمقتضى نزول أبيه له عن ذلك، ولبس الخلعة بدار السعادة وأجلس تحت المالكي، ثم جاؤوا إلى المقصورة من الجامع وقرئ تقليده هنالك، قرأه شمس الدين بن السُّبكي نائب الحسبة، واستناب اثنين من أصحابهم

стр. 7682

وهما شمس الدين بن منصور (١)، وبدر الدين بن الجواشني (٢) ثم جاء معه إلى النورية فدرَّس بها ولم يحضره والده بشيء من ذلك انتهى واللَّه أعلم. موت الخليفة المُعْتضد باللَّه (٣): كان ذلك في العشر الأوسط من جُمادى الأولى بالقاهرة، وصُلِّيَ عليه يوم الخميس، أخبرني بذلك قاضي القضاة تاج الدين الشَّافعي، عن كتاب أخيه الشيخ بهاء الدين رحمهما اللَّه. خلافة المتوكّل على اللَّه ثم بُويع بعده ولده المتوكل على اللَّه (٤) أبو عبد اللَّه محمد بن المعتضد أبي بكر أبي الفتح بن المستكفي باللَّه أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر اللَّه أبي العباس أحمد رحم اللَّه أسلافه. وفي جمادى الأولى توجّه الرسول من الديار المصرية ومعه صناجق خليفية وسلطانية وتقاليد وخلع وتحف لصاحبي المَوْصل وسِنْجار من جهة صاحب مصر ليُخطب له فيهما. وولي قاضي القضاة تاج الدين الشافعي السُّبكي الحاكم بدمشق لقاضيهما من جهته تقليدين، حسب ما أخبرني بذلك، وأرسلا مع ما أرسل به السلطان إلى البلدين، وهذا أمر غريب لم يقع مثله فيما تقدم فيما أعلم واللَّه أعلم. وفي جُمادى الآخرة خرج نائب السلطنة إلى مرج الفسولة ومعه حجبته ونقباء النقباء، وكاتب السرّ وذووه، ومن عزمهم الإقامة مدة، فقدم من الديار المصرية أمير على البريد فأسرعوا الأوبة فدخلوا في صبيحة الأحد الحادي والعشرين منه، وأصبح نائب السلطنة فحضر الموكب على العادة. وخلع على الأمير سيف الدين يَلْبُغا الصَّالحي، وجاء النص من الديار المصرية بخلعة دوادار عوضًا عن سيف الدين كجكن (٥). وخلع في هذا اليوم على الصدر شمس الدين بن مرقي بتوقيع الدست، وجهات أخر، قدم بها من الديار المصرية، فانتشر الخبر في هذا اليوم بإجلاس قاضي القضاة شمس الدين الكفري الحنفي، فوق قاضي القضاة، لكن لم يحضر في هذا اليوم، وذلك بعد ما قد أُمر بإجلاس المالكي فوقه.

стр. 7683

وفي ثاني رجب توفي: القاضي الإمام العالم شمس الدين (١) بن مفلح المقدسي الحنبلي، نائب مشيخة قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن محمد المقدسي الحنبلي، وزوج ابنته، وله منها سبعة أولاد ذكور وإناث، وكان بارعًا فاضلًا متفنّنًا في علوم كثيرة، ولاسيما علم الفروع، كان غاية في نقل مذهب الإمام أحمد، وجمع مصنَّفات كثيرة منها كتاب "المقنع" نحوًا من ثلاثين مجلدًا كما أخبرني بذلك عنه قاضي القضاة جمال الدين، وعلق على "محفوظة أحكام الشيخ مجد الدين بن تيمية" (٢) مجلدين، وله غير ذلك من الفوائد والتعليقات ﵀، توفي عن نحو خمسين سنة، وصُلّي عليه بعد الظهر من يوم الخميس ثاني الشهر بالجامع المظفّري، ودُفن بمقبرة الشيخ الموفق، وكانت له جنازة حافلة حضرها القضاة كلهم، وخلق من الأعيان ﵀ وأكرم مثواه. وفي صبيحة يوم السبت رابع رجب ضرب نائبُ السلطنة جماعة من أهل قبر عاتكة (٣) أساؤوا الأدب على النائب ومماليكه، بسبب جامع للخُطبة جُدِّدَ بناحيتهم، فأراد بعض الفقراء أن يأخذ ذلك الجامع ويجعله زاوية للرقَّاصين، فحكم القاضي الحنبلي بجعله جامعًا قد نصب فيه. منبر، وقد قدم شيخ الفقراء على يديه مرسوم شريف بتسليمه إليه، فأنفت أنفس أهل تلك الناحية من عَوده زاوية بعد ما كان جامعًا، وأعظموا ذلك، فتكلم بعضهم بكلام سيء، فاستحضر نائب السلطنة طائفة منهم وضربهم بالمقارع بين يديه، ونودي عليهم في البلد، فأراد بعض العامة إنكارًا لذلك. وحُدِّد ميعاد حديث يقرأ بعد المغرب تحت قبة النسر على الكرسي الذي يقرأ عليه المصحف، رتَّبه أحد أولاد القاضي عماد الدين بن الشِّيرازي، وحدّث فيه الشيخ عماد الدين بن السراج، واجتمع عنده خلق كثير وجم غفير، وقرأ في "السِّيرة النبوّية" (٤) من خطِّي، وذلك في العشر الأول من هذا الشهر. أعجوبة من العجائب: وحضر شاب عجمي من بلاد تِبْريز وخُرَاسان يزعم أنّه يحفظ "البخاري" و"مسلمًا" و"جامع المسانيد" و"الكشاف" للزمخشري وغير ذلك من محاضيرها، في فنون أُخر. فلما كان يوم الأربعاء سلخ شهر رجب قرأ في الجامع الأموي بالحائط الشمالي منه، عند باب الكلاسة من أول "صحيح البخاري" إلى أثناء كتاب العلم منه، من حفظه وأنا أقابل عليه من نسخة بيدي، فأدَّى جيدًا، غير أنَّه

стр. 7684

يصحِّفُ بعضًا من الكلمات لعُجْم فيه، وربما لَحَن أيضًا في بعض الأحيان، واجتمع خلقٌ كثير من العامّة والخاضة وجماعةٌ من المحدّثين، فأعجب ذلك جماعةً كثيرين، وقال آخرون منهم: إن سردَ بقيَّة الكتاب على هذا المِنْوال لعظيمٌ جدًا. فاجتمعنا في اليوم الثاني وهو مستهلُّ شعبان في المكان المذكور، وحضر قاضي القضاة الشافعي وجماعة من الفضلاء، واجتمع العامة مُحْدقين، فقرأ على العادة غير نَّه لم يطوِّل كأول يوم، وسقط عليه بعض الأحاديث، وصحَّف ولحَن في بعض الألفاظ، ثم جاء القاضيان الخنفي والمالكي فقرأ بحضرتهما أيضًا بعضَ الشيء، هذا والعامة محتفُّون به متعجِّبون من أمره، ومنهم من يتقرب بتقبيل يديه، وفرح بكتابتي له بالسَّماع على الإجازة، وقال: أنا ما خرجت من بلادي إلَّا إلى القصد إليك، وأن تجيزني، وذكرك في بلادنا مشهور، ثم رجع إلى مصر ليلة الجمعة وقد كارمه القضاة والأعيان بشيء من الدَّراهم يقارب الألف. عزل الأمير علي عن نيابة دمشق المحروسة (١): في يوم الأحد حادي عَشَرَ شعبان ورد البريد من الدّيار المصرية وعلى يديه مرسوم شريف بعزل الأمير علي عن نيابة دمشقَ، فأحضر الأمراء إلى دار السعادة وقُرئ المرسوم الشريف عليهم بحضوره، وخُلع عليه خلعةٌ وردت مع البريد، ورُسم له بقرية دومة وأُخرى في بلاد طَرابُلُس على سبيل الراتب، وأن يكون في أي البلاد شاء من دمشقَ أو القدسِ أو الحجاز، فانتقل من يومه من دار السَّعادة وبباقي أصحابه ومماليكه، واستقرَّ نزوله في دَار الخليلي بالقصاعين التي جدَّدها وزاد فيها دويداره يَلْبُغا، وهي دار هائلة، وراح النَّاسُ للتَّأسُّف عليه والحُزن له انتهى. سفر قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب (٢) بن السُّبكي الشافعيّ مطلوبًا إلى الديار المصرية معزولًا عن قضاء دمشق: ورد البريد بطلبه من آخر نهار الأحد بعد العصر الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمئة، فأرسل إليه حاجب الحجاب قُماري وهو نائب الغيبة أن يسافرَ من يومه، فاستنظرهم إلى الغد فأمهل، وقد ورد الخبر بولاية أخيه الشيخ بهاء الدين بن السبكي بقضاء الشام عوضًا عن أخيه تاج الدين، وأرسل يستنب ابن أختهما قاضي القضاة تاج الدين في التأهُّب والسير، وجاء الناس إليه ليودّعُوه ويستوحشون له، وركب من بستانه بعد العصر يوم الإثنين ثاني عشر شعبان، متوجهًا على البريد إلى الديار المصرية، وبين يديه قضاة القضاة والأعيان، حتى قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي، حتى ردهم قريبًا من

стр. 7685

الجُسُورة، ومنهم من جاوزها واللَّه المسؤول في حسن الخاتمة في الدنيا والآخرة، انتهى واللَّه أعلم بالصواب. أعجوبة أخرى غريبة: لما كان يوم الثلاثاء العشرين من شعبان دُعيت إلى بستان الشيخ العلامة كمال الدين بن الشَّرِيشي شيخ الشافعية، وحضر جماعة من الأعيان منهم الشيخ العلامة شمس الدين بن الموصلي الشافعي (١)، والشيخ الإمام العلامة صلاح الدين الصَّفدي (٢)، وكيل بيت المال، والشيخ الإمام العلامة شمس الدين الموصلي الشافعي، والشيخ الإمام العلامة مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي من ذرية الشيخ أبي إسحاق الفيروزابادي (٣)، من أئمة اللُّغويين، والخطيب الإمام العلامة صدر الدين بن العز الحنفي أحد البلغاء الفضلاء، والشيخ الإمام العلامة نور الدين علي بن الصَّارم أحدُ القراء المحدِّثين البلغاء، وأحضروا نيفًا وأربعين مجلدًا من كتاب "المنتهى في اللغة" (٤) للتَّميمي البرمكي (٥)، وقف النَّاصريَّة (٦) وحضر ولد الشيخ كمال الدين بن الشَّرِيشي، وهو العلامة بدر الدين محمد، واجتمعنا كلُّنا عليه، وأخذ كل منّا مجلدًا بيده من تلك المجلَّدات، ثم أخذنا نسألُه عن بيوت الشّعر المُسْتشهد عليها بها، فينشر كُلًّا منها ويتكلم عليه بكلام مبين مفيد، فجزم الحاضرون والسَّامعون أنه يحفظ جميع شواهد اللُّغة ولا يشذُّ عنه منها إلا القليل الشاذ، وهذا من أعجب العجائب، وأبلغ الإعراب (٧). دخول نائب السلطنة سيف الدين قَشْتَمُر (٨): وذلك في أوائل رمضان يوم السبت (٩) ضُحًى، والحجبةُ بين يديه والجيش بكماله، فتقدَّم إلى سوق الخيل فأُركب فيه، ثم جاء ونزل عند باب السر، وقبّل العَتَبَة، ثم مشى إلى دار السعادة والناس بين يديه. وكان أول شيء حكم فيه أن أمر بصلب الذي كان قتل بالأمس والي الصالحيَّة، وهو ذاهب إلى صلاة الجمعة، ثم هرب فتبعه الناس فقتل منهم آخر، وجرح آخرين، ثم تكاثروا عليه فمُسك، ولما صُلب طافوا

стр. 7686

به على جملٍ إلى الصَّالحية فمات هناك بعد أيام، وقاسى أمرًا شديدًا من العقوبات، وقد ظهر بعد ذلك على أنه قتل خلقًا كثيرًا من الناس قبّحه اللَّه. قدوم قاضي القضاة بهاء الدين أحمد بن تقي الدين عوضًا عن أخيه قاضي القضاة تاج الدين بن عبد الوهاب: قدم يوم الثلاثاء قبل العصر فبدأ بملك الأمراء فسلَّم عليه، ثم مشى إلى دار الحديث فصلّى هناك، ثم مشى إلى المدرسة الرُّكنيّة (١) فنزل بها عند ابن أخيه قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح (٢)، قاضي العساكر، وذهب النَّاسُ للسَّلام عليه، وهو يكره من يلقِّبه بقاضي الفضاة، وعليه تواضُعٌ وتقشُّف، ويظهر عليه تأسُّف على مفارقة بلده ووطنه وولده وأهله، واللَّه المسؤول المأمول أن يحسن العاقبة (٣). وخرج المحملُ السّلطاني يوم الخميس ثامنَ عشرَ شوّال، وأمير الحاج الملك صلاح الدين ابن الملك الكامل بن السعيد بن العادل الكبير، وقاضيه الشيخ بهاء الدين بن سَبُع مدرس الأمينية (٤) ببعلبك، وفي هذا الشهر وقع الحكم بما يخص المجاهدين من وقف المدرسة التَّقويه (٥) إليهم، وأذن القضاة الأربعة إليهم بحضرة ملك الأمراء في ذلك. وفي ليلة الأحد ثالث شهر ذي القعدة توفي القاضي ناصر الدين محمد (٦) بن يعقوب كاتب السر، وشيخ الثيوخ ومدرّس النّاصريّة الجوّانيه (٧) والشَّامية الجوَّانية (٨) بدمشق، ومدرِّس الأسديّة (٩) بحلب، وقد باشر كتابة السر بحلب أيضًا، وقضاء العساكر وأفتى بزمان ولاية الشيخ كمال الدين الزملكاني قضاء حلب، أذن له هنالك في حدود سنة سبع وعشرين وسبعمئة، ومولده سنة سبع وسبعمئة، وقد قرأ "التنبيه" و"مختصر ابن الحاجب" في الأصول، وفي العربية، وكان عنده نباهةٌ وممارسةٌ للعلم، وفيه جودة طباع وإحسان بحسب ما يقدر

стр. 7687

عليه، وليس يُتوسّم منه سوء، وفيه ديانة وعفّة، حلف لي في وقت بالأيمان المغلَّظة أنه لم يكن (١) قطُّ منه فاحشة اللّواط ولا خطر له ذلك، ولم يزن ولم يشرب مُسكرًا ولا أكل حشيشة، فرحمه اللَّه وأكرم مثواه، صُلِّي عليه بعد الظهر يومئذ، وخُرج بالجنازة من باب النصر، فخرج نائبُ السلطنة من دار السعادة فحضر الصلاة عليه هنالك، ودُفن بمقبرة لهم بالصُّوفية وتأسَّفوا عليه وترحَّموا، وتزاحم جماعةٌ من الفقهاء بطلب مدارسه انتهى. ثم دخلت سنة أربع وستين وسبعمئة استهلّت هذه السنة وسلطان الإسلام بالديار المصرية والشامية والحجازية وما يتبعها من الأقاليم والرساتيق الملك المنصور صلاح الدين محمد بن الملك المنصور المظفّري حاجي بن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون الصالحي. ومدبر الممالك بين يديه وأتابك العساكر سيف الدين يَلْبُغا. وقضاة مصر هم المذكورون في التي قبلها، غير أن ابن جماعة قاضي الشَّافعية وموفق الدين قاضي الحنابلة في الحجاز الشريف، ونائبُ دمشقَ الأمير سيف الدين قَشْتَمرُ المنصوري، وقاضي قضاة الشافعية الشيخ بهاء الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي، وأخوه قاضي القضاة تاج الدين مقيمٌ بمصرَ، وقاضي قضاة الحنفية الشيخ جمال الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين الكَفْري، آثره والده بالمنصب وأقام على تدريس الرُّكنيّة يتعبَّدُ ويتلو ويُجْمعُ على العبادة، وقاضي قضاة المالكية جمال الدين المسلَّاتي، وقاضي قضاة الحنابلة الشيخ جمال الدين المرداوي [والخطيب] (٢) محمود بن جَمْلة، ومحتسب البلد الشيخ عماد الدين بن الشَّيرجي، وكاتب السر جمال الدين عبد اللَّه بن الأثير، قدم من الديار المصرية عوضًا عن ناصر الدين بن يعقوب، وكان قدومه يوم سلخ السنة الماضية (٣)، وناظر الدواوين بدر الدين حسن بن النابلسي، وناظر الخزانة القاضي تقي الدين بن مراجل. ودخل المحمل السلطاني يوم الجمعة الثاني والعشرين من المحرم بعد العصر خوفًا من المطر، وكان

стр. 7688

وقع مطرٌ شديد قبل أيام، فتلف منه غلاتٌ كثيرة بحَوْران وغيرها، ومساطيح (١) وغير ذلك، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وفي ليلة الأربعاء السابع والعشرين منه بعد عشاء الآخرة قبل دقة القلعة دخل فارس من ناحية باب الفرج إلى ناحية باب القلعة الجوانية، ومن ناحية الباب المذكور سلسلة، ومن ناحية باب النصر أخرى جددتا لئلا يمر راكب على باب القلعة المنصورة، فساق هذا الفارس المذكور على السلسلة الواحدة فقطعها، ثم مر على الأخرى فقطعها وخرج من باب النصر ولم يعرف لأنه ملثَّم. وفي حادي عشرَ صفر وقبله بيوم قدم البريد من الديار المصرية بطلب الأمير سيف الدين زبالة أحد أمراء الألوف إلى الديار المصرية مكرَّمًا، وقد كان عزل عن نيابة القلعة بسبب ما تقدم، وجاء البريد أيضًا ومعه التواقيع التي كانت بأيدي ناس كثير، زيادات على الجامع، رُدَّت إليهم وأُقرُّوا على ما بأيديهم من ذلك، وكان ناظر الجامع الصاحب تقي الدين بن مراجل قد سعى برفع ما زيد بعد التذكرة التي كانت في أيام صَرْغَتْمُش، فلم يف ذلك. وتوجَّه الشيخ بهاء الدين بن السبكي قاضي قضاة الشام الشافعي من دمشق إلى الديار المصرية يوم الأحد سادسَ عشرَ صفر من هذه السنة، وخرج القضاة والأعيان لتوديعه، وقد كان أخبرنا عند توديعه بأن أخاه قاضي القضاة تاج الدين قد لبس خلعة القضاء بالديار المصرية، وهو متوجه إلى الشَّام عند وصوله إلى ديار مصر، وذكر لنا أن أخاه كاره للشَّام. وأنشدني القاضي صلاح الدّين الصَّفدي ليلة الجمعة رابع عشره لنفسه فيما عكس عن المتنبي في يديه من قصيدته وهو قوله: إذا اعتاد الفتى خوضَ المنايا … فأيسرُ ما يمرُّ به الوحولُ (٢) وقال: دخولُ دمشقَ يُكسبُنا نُحُولًا … كأنَّ لها دخولًا في البَرَايا إذا اعتادَ الغريبُ الخوض فيها … فأيسرُ ما يمرُّ بهِ المنايا وهذا شعر قوي، وعكس جليّ، لفظًا ومعنًى (٣). وفي ليلة الجمعة الحادي والعشرين من صفر عملت خيمة حافلة بالمارستان الدقاقي جوار الجامع، بسبب تكامل تجديده قريب السقف مبنيًا باللَّبِن، حتى قناطره الأربع بالحجارة البلق، وجعل في أعاليه

стр. 7689

قمريات كبار مضيئة، وفتق في قبلته إيوانًا حسنًا زاد في أعماقه أضعاف ما كان، وبَيَّضَه جميعه بالجصّ الحسن المليح، وجُدّدت فيه خزائن ومصالح، وفرش ولحف جدد، وأشياء حسنة، فأثابه اللَّه وأحسن جزاءه آمين، وحضر الخيمة جماعات من الناس من الخواص والعوام، ولما كانت الجمعة الأخرى دخله نائب السلطنة بعد الصلاة فأعجبه ما شاهده من العمارات، وأخبره بما كانت عليه حاله قبل هذه العمارة، فاستجاد ذلك من صنيع النَّاظر. وفي أول ربيع الآخر قدم قاضي القضاة تاج الدين الشبكي من الديار المصرية على قضاء الشام عَودًا على بدءٍ يوم الثلاثاء رابع عشره، فبدأ بالسلام على نائب السلطنة بدار السعادة، ثم ذهب إلى دار الأمير عليّ (١) بالقصَّاعين فسلَّم عليه، ثم جاء إلى العادليَّة قبل الزوال، ثم جاءه الناس من الخاص والعام يسلِّمون عليه ويهنئونه بالعَود، وهو يتودَّد ويترحَّب بهم، ثم لما كان صبح يوم الخميس سادس عشره لبس الخلعة بدار السعادة ثم جاء في أبَّهة هائلة لابسها إلى العادلية فقرئ تقليده بها بحضرة القضاة والأعيان وهنَّأه النَّاسُ والشُّعراء والمدَّاح (٢). وأخبر قاضي القضاة تاج الدين بموت حسين (٣) بن الملك الناصر، ولم يكن بقي من بنيه لصلبه سواه، ففرح بذلك كثير من الأمراء وكبار الدولة، لما كان فيه من حِدَّة وارتكاب أمور منكرة. وأخبر بموت القاضي فخر الدين سليمان (٤) بن القاضي عماد الدين بن الشَّيْرجيّ (٥)، وقد كان اتفق له من الأمر أنه قُلد حِسبة دمشقَ عوضًا عن أبيه، نزل له عنها باختياره لكبره وضعفه، وخلع عليه بالديار المصرية، ولم يبق إلا أن يركب على البريد فتمرَّض يومًا وثانيًا وتوفِّي إلى رحمة اللَّه تعالى، فتألَّم والده بسبب ذلك تألُّمًا عظيمًا، وعزّاه الناس فيه، ووجدته صابرًا محتسبًا باكيًا مسترجعًا موجعًا انتهى. بشارة عظيمة بوضع الشطر من مكس الغنم: مع ولاية سعد الدين ماجد (٦) بن التاج إسحاق من الديار المصرية على انظر الدواوين قبله، ففرح

стр. 7690

الناس بولاية هذا وقدومه- وبعزل الأوَّل وانصرافه عن البلد فرحًا شديدًا، ومعه مرسوم شريف بوضع نصف مكس الغنم، وكان عبرته أربعة دراهم ونصف، فصار إلى درهمين وربع درهم، وقد نودي بذلك في البلد يوم الإثنين العشرين من شهر ربيع الآخر، ففرح الناس بذلك فرحًا شديدًا، وللَّه الحمد والمنّة، وتضاعفت أدعيتُهم لمن كان السبب في ذلك، وذلك أنه يكثر الجلب برخص اللَّحم على الناس، ويأخذ الديوان نظير ما كان يأخذ قبل ذلك، وقذر اللَّه تعالى قدوم وفود وقفول بتجائر متعدِّدة، وأخذ منها الديوان السلطاني في الزَّكاة والوكالة، وقدم مراكب كثيرة فأخذ منها في العشر أضعاف ما أطلق من المكس، وللَّه الحمد والمنة، ثم قرئ على الناس في يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة قبل العصر. وفي يوم الإثنين العشرين منه ضُرب الفقيه شمس الدين بن الصفدي بدار السعادة بسبب خانقاه الطواويس (١)، فإنه جاء في جماعة منهم يتظلمون من كاتب السر الذي هو شيخ الشيوخ، وقد تكلَّم معهم فيما يتعلق بشرط الواقف ممَّا فيه مشقّة عليهم، فتكلَّم الصفديُّ المذكور بكلام فيه غلظ، فبُطح ليضرب فشفِّع فيه، ثم تكلَّم فشفع فيه، ثم بطح الثالثة فضرب ثم أمر به إلى السجن، ثم أخرج بعد ليلتين أو ثلاث. وفي صبيحة يوم الأحد السادس والعشرين منه درس قاضي القضاة الشافعي (٢) بمدارسه (٣)، وحضر درس النَّاصرية الجوانية بمقتضى شرط الواقف الذي أثبته أخوه بعد موت القاضي ناصر الدين كاتب السر، وحضر عنده جماعة من الأعيان وبعض القضاة، وأخذ في سورة الفتح، قرئ عليه من تفسير والده في قوله ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]. وفي مستهل جُمادى الأولى يوم الجمعة بعد صلاة الفجر مع الإمام الكبير صُلِّي على القاضي قطب الدين محمد (٤) بن [عبد] المُحْسن الحاكم بحمصَ، جاء إلى دمشق لتلقِّي أخي زوجته قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي الشافعي، فتمرَّض مدة ثم كانت وفاته بدمشق، فصلِّيَ عليه بالجامع كما ذكرنا، وخارج باب الفرج، ثم صعدوا به إلى سفح قاسيون، وقد جاوز الثمانين بسنتين (٥)، وقد حدَّث وروى شيئًا يسيرًا ﵀.

стр. 7691

وفي يوم الأحد ثالثه قدم قاضيا الحنفية والحنابلة بحلب والخطيب بها والشيخ شهاب الدين الأذرعي، والشيخ زين الدين الباريني وآخرون معهم، فنزلوا بالمدرسة الإقبالية وهم وقاضي قضاتهم الشافعي، وهو كمال الدين المصري مطلوبون إلى الديار المصرية، فتحرَّر ما ذكروه عن قاضيهم وما نقموه عليه من السيرة السَّيئة فيما يذكرون في المواقف الشريفة بمصر، وتوجهوا إلى الديار المصرية يوم السبت عاشره. وفي يوم الخميس قدم الأمير زين الدين زبالة (١) نائب القلعة من الديار المصرية على البريد في تجمُّل عظيم هائل، وتلقَّاه الناس بالشموع في أثناء الطريق، ونزل بدار الذَّهب، وراح الناس للسّلام عليه وتهنئته بالعَود إلى نيابة القلعة، على عادته، وهذه ثالثُ مرَّة وليها لأنَّه مشكور السيرة فيها، وله فيها سعيٌ محمود في أوقات متعدِّدة. وفي يوم الخميس الحادي والعشرين صلَّى نائبُ السلطنة والقاضيان الشافعي والحنفي وكاتب السرّ وجماعةٌ من الأمراء والأعيان بالمقصورة، وقُرئ كتاب السلطان على السُّدَّة بوضع مكس الغنم إلى كل رأس بدرهمين، فتضاعفت الأدعية لوليّ الأمر، ولمن كان السبب في ذلك. غريبة من الغرائب وعجيبة من العجائب: وقد كثرت المياه في هذا الشهر وزادت الأنهار زيادة كثيرة جدًا، بحيث إنه فاض الماء في سوق الخيل من نهر بردى حتى عمَّ جميع العرصة المعروفة بموقف المركب، بحيث إنه أجريت فيه المراكب بالكلك، وركبت فيه المارة من جانب إلى جانب، واستمر ذلك جُمَعًا متعدّدة، وامتنع نائب السلطنة والجيش من الوقوف هناك، وربما وقف نائب السلطنة بعض الأيام تحت الطَّارمة تجاه باب الإسطبل السُّلطاني، وهذا أمر لم يُعهد مثله ولا رأيته قطُّ في مدة عمري، وقد سقطت بسبب ذلك بنايات ودور كثيرة، وتعطلت طواحين كثيرة غمرها الماء. وفي ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى توفّي الصدر شمس الدين عبد الرحمن (٢) بن الشيخ عز الدين بن المُنَجَّا التَّنوخي بعد العشاء الآخرة، وصُلِّيَ عليه بجامع دمشقَ بعد صلاة الظهر ودُفن بالسفح. وفي صبيحة هذا اليوم توفي

стр. 7692

الشَّيخ ناصر الدين محمد (١) بن أحمد القُونوي الحنفي، خطيب جامع يَلْبُغَا، وصُلِّيَ عليه عُقيب صلاة الظهر أيضًا، ودُفن بالصُّوفية، وقد باشر عوضه الخطابة والإمامة قاضي القضاة جمال الدين الكَفْري الحنفي. وفي عصر هذا اليوم توفي القاضي علاء الدين (٢) بن القاضي شرف الدين بن القاضي شمس الدين بن الشهاب محمود الحلبي، أحد موقّعي الدست بدمشق، وصُلِّيَ عليه يوم الأربعاء ودفن بالسفح. وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين منه خطب قاضي القضاة جمال الدين الكفري الحنفي بجامع يَلْبُغَا عوضًا عن الشيخ ناصر الدين بن القُونوي رحمه اللَّه تعالى، وحضر عنده نائب السلطنة الأمير سيف الدين قَشْتَمُر، وصلَّى معه قاضي القضاة تاج الدين الشَّافعي بالشباك الغربي القبلي منه، وحضر خلق من الأمراء والأعيان، وكان يومًا مشهودًا، وخطب ابن نُبَاتَةَ (٣) بأداءٍ حسنٍ وفصاحة بليغة، هذا مع علم أنَّ كلَّ مركبٍ صعبٌ. وفي يوم السبت خامس عشر جمادى الآخرة توجه الشيخ شرف الدين (٤) القاضي الحنبلي إلى الديار المصرية بطلب الأمير سيف الدين يَلْبُغا في كتاب كتبه إليه يستدعيه ويستحثُّه في القدوم عليه. وفي يوم الثلاثاء ثاني شهر رجب سقط اثنان سُكَارى من سطحٍ بحارة اليهود، أحدهما مسلم والآخر يهودي، فمات المسلم من ساعته، وانقلعت عين اليهودي وانكسرت يده لعنه اللَّه، وحُمل إلى نائب السَّلطنة فلم يحر جوابًا. ورجع الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل بعدما قارب غزَّة لما بلغه من الوباء بالديار المصرية (٥) فعاد إلى القدس الشريف، ثم رَجَع إلى وطنه فأصَاب السُّنَّة (٦)، وقد وردت كتب كثيرة تخبر بشدة الوباء

стр. 7693

والطاعون بمصر، وأنه يضبط من أهلها في النهار نحو الألف، وأنَّه مات جماعة ممَّن يُعرفون كولَدَيْ قاضي القضاة تاج الدين المُنَاوي، وكاتب الحكم ابن الفرات (١)، وأهل بيته أجمعين، فإنَّا للَّه وإنا إليه راجعون. وجاء الخبر في أواخر شهر رجب بموت جماعة بمصر، منهم أبو حاتم (٢) ابن الشيخ بهاء الدين السُّبكي المصري بمصرَ، وهو شاب لم يستكمل العشرين، وقد درَّس بعدة جهات بمصر وخطب، ففقده والدُه وتأسَّف النَّاس عليه وعزَّوا فيه عمَّه قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي قاضي الشافعية بدمشق. وجاء الخبر بموت قاضي القضاة شهاب الدين أحمد (٣) الرباحي (٤) المالكي، وكان بحلب وليها مرتين، ثم عُزل فقصد مصر واستوطنها مدّة ليتمكن من السعي في العَودة، فأدركته منيته في هذه السنة من الفناء وولدان له معه أيضًا. وفي يوم السبت سادس شعبان توجه نائب السلطنة في صحبة جمهور الأمراء إلى ناحية تَدْمُرَ لأجل الأعراب من أصحاب حيار (٥) بن مهنا، ومن التفّ عليه منهم، وقد دمّر بعضهم بلد تَدْمُرَ وحرّقوا كثيرًا من أشجارها، ورعَوْها وانتهبوا شيئًا كثيرًا، وخرجوا من الطّاعة، وذلك بسبب قطع إقطاعاتهم وتملُّك أملاكهم والحيلولة عليهم، فركب نائب السلطنة بمن معه كما ذكرنا، لطردهم عن تلك الناحية، وفي صحبتهم الأمير حمزة بن الخياط، أحد أمراء الطبلخانات، وقد كان حاجبًا لحيار قبل ذلك، فرجع عنه وألَّب عليه عند الأمير الكبير يَلْبُغا الخاصكي، ووعدَه إن هو أفرَه وكبّره أن يُظْفره بحيار وأن يأتيَه برأسه، ففعل معه ذلك، فقدم إلى دمشقَ ومعه مرسوم بركوب الجيش معه إلى حيار وأصحابه، فساروا كما ذكرنا، فوصلوا إلى تَدْمُر، وهربت الأعراب من بين يدي نائب الشام يمينًا وشمالًا، ولم يواجهوه هيبة له، ولكنهم يتحرَّفون على حمزة بن الخيَّاط، ثم بلغنا أنهم بيَّتوا الجيش فقتلوا منه طائفة وجرحوا آخرين وأسروا آخرين فإنا للَّه وإنا إليه راجعون (٦).

стр. 7694

سلطنة الملك الأشرف ناصر الدين: شعبان بن حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان. لما كان عشية السبت تاسعَ عشرَ شعبان من هذه السنة -أعني سنة أربع وستين وسبعمئة- قدم أمير من الديار المصرية فنزل بالقصر الأبلق، وأخبر بزوال مملكة الملك المنصور بن المظفر حاجي ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، و [أنه] (١) مسك واعتقل. وبُويع للملك الأشرف شعبان بن حسين الناصر بن المنصور قلاوون، وله من العمر قريب العشرين، فدُقَّت البشائر بالقلعة المنصورة، وأصبح الناس يوم الأحد في الزينة. وأخبرني قاضي القضاة تاج الدين والصاحب بدر الدين ماجد ناظر الدواوين، أنه لما كان يوم الثلاثاء الخامسَ عشرَ من شعبان عُزل الملك المنصور وأُودع منزله وأُجلس الملك الأشرف ناصر الدين شعبان على سرير الملك، وبُويع لذلك (٢). وقد وقع رعد في هذا اليوم ومطر كثير، وجرت المزاريب، فصار غدرانًا في الطرقات، وذلك في خامس حزيران، فتعجب الناس من ذلك. هذا وقد وقع وباء في مصر في أول شعبان، فتزايد وجمهوره في اليهود، وقد وصلوا إلى الخمسين في كل يوم وباللَّه المستعان. وفي يوم الإثنين سابعه اشتهر الخبر عن الجيش بأن الأعراب اعترضوا التجريدة القاصدين إلى الرّحبة وواقفوهم وقتلوا منهم ونهبوا وجرحوا، وقد سار البريد خلف النائب والأمراء ليقدموا إلى البلد لأجل البيعة للسلطان الجديد جعله اللَّه مباركًا على المسلمين، ثم قدم جماعة من الأمراء المنهزمين من الأعراب في أسوأ حال وذلّة، ثم جاء البريد من الديار المصرية بردهم إلى العسكر الذي مع نائب السَّلطنة على تَدْمُرَ، متوعدين بأنواع العقوبات، وقطع الإقطاعات. وفي شهر رمضان تفاقم الحال بسبب الطاعون فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وجمهوره في اليهود لعله قد فُقد منهم من مستهل شعبان إلى مستهل رمضان نحو الألف نسمة خبيثة، كما أخبرني بذلك القاضي صلاح الدين الصفدي وكيل بيت المال، ثم كثر ذلك فيهم في شهر رمضان جدًا، وعدة العدة من المسلمين والذّمة بالثمانين. وفي يوم السبت حادي عشره صلَّينا بعد الظهر على

стр. 7695

الشيخ المعمَّر الصَّدر بدر الدين محمد (١) بن [أحمد] (٢) الزقَّاق (٣) المعروف بابن الجوخي (٤). وعلى الشيخ صلاح الدّين محمد (٥) بن شاكر الكتبي (٦)، تفرد في صناعته وجمع تاريخًا (٧) مفيدًا نحوًا من عشرة مجلدات، وكان يحفظ ويذاكر ويفيد ﵀ وسامحه- انتهى. وفاة الخطيب جمال الدين محمود (٨) بن جملة ومباشرة تاج الدّين بعده: كانت وفاته يوم الإثنين بعد الظهر قريبًا من العصر، فصلَّى بالناس بالمحراب صلاة العصر قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي الشافعي عوضًا عنه، وصلَّى بالناس الصبح أيضًا، وقرأ بآخر المائدة من قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، ثم لمّا طلعت الشمس، وزال وقت الكراهة صُلِّي على الخطيب جمال الدين عند باب الخطابة، وكان الجمع في الجامع كثيرًا، وخرج بجنازته من باب البريد، وخرج معه طائفةٌ من العوام وغيرهم، وقد حضر جنازته بالصَّالحية على ما ذكر جمٌّ غفير وخلقٌ كثير، ونال قاضي القضاة الشافعيَّ من بعض الجهلة إساءةُ أدبٍ، فأُخذ منهم جماعة وأدِّبُوا، وحضر هو بنفسه صلاة الظهر يومئذ، وكذا باشر الظهر والعصر في بقية الأيام، يأتي للجامع في محفل من الفقهاء والأعيان وغيرهم، ذهابًا وإيابًا، وخطب عنه يوم الجمعة الشيخ جمال الدين ابن قاضي القضاة، ومُنع تاج الدين من المباشرة، حتى يأتي التشريف. وفي يوم الإثنين بعد العصر صُلِّي على الشيخ شهاب الدين أحمد (٩) بن عبد الرحمن (١٠) البَعْلبكيّ،

стр. 7696

المعروف بابن النقيب، ودُفن بالصوفية وفد قارب السبعين وجاوزها. وكان بارعًا في القراءات والنَّحو والتَّصريف والعربية، وله يد في الفقه وغير ذلك، وولّي مكانه مشيخة الإقراء بأمِّ الصَّالح شمس الدين محمد بن اللَّبَّان (١)، وبالتُّربة الأشرفية الشيخ أمين الدين عبد الوهاب بن السلَّار (٢). وقدم نائب السلطنة من ناحية الرحبة وتدمر وفي صحبته الجيش الذين كانوا معه بسبب محاربته إلى أولاد مهنا وذويهم من الأعراب في يوم الأربعاء سادس شوال. وفي ليلة الأحد عاشره توفي الشيخ صلاح الدين خليل (٣) بن أَيْبَك، وكيل بيت المال، وموقع الدست، وصُلّيَ عليه صبيحة الأحد بالجامع، ودُفن بالصوفية، وقد كتب الكثير من التاريخ واللغة والأدب، وله الأشعار الفائقة، والفنون المتنوعة، وجمع وصنّف وألف، وكتب ما يقارب مئتين من المجلدات. وفي يوم السبت عاشره جُمع القضاة والأعيان بدار السعادة وكتبوا خطوطهم بالرِّضى بخطابة قاضي القضاة تاج الدين السّبكي بالجامع الأموي، وكاتب نائب السلطنة في ذلك. وفي يوم الأحد حادي عشره استقرّ عزل نائب السلطنة سيف الدين قَشْتَمُر عن نيابة دمشق وأمر بالمسير إلى نيابة صَفَد فأنزل أهله بدار طَيْبُغا حجي من الشّرف الأعلى، وبرز هو إلى سطح المزّة ذاهبًا إلى ناحية صفد (٤). وخرج المحمل صحبة الحجيج وهم جم غفير وخلق كثير يوم الخميس رابع عشر شوال. وفي يوم الخميس الحادي والعشرين من شوال توفي القاضي أمين الدين (٥) أبو حيّان ابن أخي قاضي القضاة تاج الدين المسلَّاتي المالكي وزوج ابنته ونائبه في الحكم مطلقًا وفي القضاء والتدريس في غيبته، فعاجلته المنية. ومن غريب ما وقع في أواخر هذا الشهر أنّه اشتُهر بين النّساء وكثير من العوام أنّ رجلًا رأى منامًا فيه:

стр. 7697

أنه رأى النبي ﷺ عند شجرة توتة عند مسجد ضِرَار (١) خارج باب شرقي فتبادر النساء إلى تخليق (٢) تلك التوتة، وأخذوا أوراقها للاستشفاء من الوباء، ولكن لم يظهر صدق ذلك المنام، ولا يصح عمن يرويه. وفي يوم الجمعة سابع شهر ذي القعدة خطب بجامع دمشق قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي خطبة بليغة فصيحة أدَّاها أداءً حسنًا، وقد كان يُحسنُ من طائفة من العوام أن يشوشوا فلم يتكلم أحد منهم بل ضجوا عند الموعظة وغيرها، وأعجبهم الخطيب وخطبته وأداؤه وتبليغه ومهابته، واستمر يخطب هو بنفسه. وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرة توفي الصاحب تقي الدين سُليمان (٣) بن مَرَاجِل ناظر الجامع الأموي وغيره، وقد باشر انظر الجامع في أيام تَنْكِز، وعمر الجانب الغربي من الحائط القبلي، وكمَّل رخامه كله، وفتق محرابًا للحنفيّة في الحائط القبلي، ومحرابًا للحنابلة فيه أيضًا في غربيه، وأثر أشياء كثيرة فيه، وكانت له همَّة، ويُنسب إلى أمانةٍ وصرامةٍ ومباشرة مشكورة مشهورة، ودُفن بتربة أنشأها تجاه داره بالقُبَيْبَات ﵀، وقد جاوز الثمانين. وفي يوم الأربعاء تاسع عشره توفّي الشيخ بهاء الذين عبد الوهاب (٤) الإخميمي المِصْري، إمام مسجد دَرْب الحَجَزْ (٥) وصُلِّيَ عليه بعد العصر بالجامع الأموي، ودُفن بزاوية ابن السَّرَّاج (٦) عند الطُّيوريين (٧) بزاوية لبعض الفقراء الخزنة هناك، وقد كان له يد في أصول الفقه، وصنَّف في اللام كتابًا (٨) مشتملًا على أشياء مقبولة وغير مقبولة انتهى. دخول نائب السلطنة مَنْكُلي بُغَا: في يوم الخميس السابع والعشرين من ذي القعدة دخل نائب السلطنة مَنْكلي بُغا من حلب إلى دمشقَ

стр. 7698

نائبًا عليها في تجمُّل هائل، ولكنَّه مستمرض في بدنه بسبب ما كان ناله من التَّعب في مصابرة الأعراب، فنزل دار السعادة على العادة (١). وفي يوم الإثنين مستهل ذي الحجّة خُلع على قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي الشافعي للخطابة بجامع دمشق، واستمر على ما كان عليه يخطب بنفسه كل جمعة. وفي يوم الثلاثاء ثانيه قدم القاضي فتح الدِّين (٢) بن الشهيد ولبس الخلعة وراح الناس لتهنئته وفي يوم الخميس حضر القاضي فتح الدين بن الشّهيد كاتب السر مشيخة السُّمَيْسَاطية، وحضر عنده القضاة والأعيان بعد الظهر، وخلع عليه لذلك أيضًا، وحضر فيها من الغد على العادة. وخُلع في هذا اليوم على وكيل بيت المال الشيخ جمال الدين بن الرُّهاوي (٣)، وعلى الشيخ شهاب الدين الزهري (٤) بفُتيا دار العدل، انتهى. ثم دخلت سنة خمس وستين وسبعمئة استهلّت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والشامية والحرمين وما يتبع ذلك الملك الأشرف ناصر الدين شَعْبان بن حُسين بن السلطان الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون الصالحي، وهو في عمر عشر سنين. ومدبّر الممالك بين يديه الأمير الكبير نظام الملك سيف الدين يَلْبُغَا الخَاصْكي. وقضاة مصرهم المذكورون في السنة التي قبلها، ووزيرها فخر الدين بن قَرَوِيْنَة، ونائب دمشق الأمير سيف الدين مَنْكُلي بُغَا الشَّمسي، وهو مشكور السيرة. وقضاتها هم المذكورون في السنة التي قبلها، وناظر الدواوين بها الصاحب سعد الدين ماجد، وناظر الجيش علم الدين داود، وكاتب السر القاضي فتح الدين بن الشهيد، ووكيل بيت المال القاضي جمال الدين بن الرُّهاوي.

стр. 7699

استهلَّت هذه السنة وداء الفناء موجود في الناس، إلا أنه خفَّ وقلَّ وللَّه الحمد. وفي يوم السبت توجه قاضي القضاة -وكان بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي- إلى الديار المصرية مطلوبًا من جهة الأمير يَلْبُغَا وفي الكتاب إجابته له إلى مسائل، وتوجّه بعده قاضي القضاة تاج الدين الحاكم بدمشق وخطيبُها يوم الإثنين الرابعَ عشرَ من المحرم، على خيل البريد، وتوجَّه بعدهما الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي، مطلوبًا إلى الديار المصرية، وكذلك توجه الشيخ زين الدين المنفلوطي مطلوبًا. وتوفي في العشر الأوسط من المحرّم صاحبُنا الشيخ شمس الدين (١) بن العطّار الشافعي، كان لديه فضيلة واشتغال، وله فهم، وعلق بخطه فوائد جيدة، وكان إمامًا بالسّجن من مشهد علي بن الحسين بجامع دمشقَ، ومصدّرًا بالجامع، وفقيهًا بالمدارس، وله مدرسة الحديث الوادعية، وجاوز الخمسين بسنوات، ولم يتزوج قط. وقدم الركب الشامي إلى دمشق في اليوم الرابع والعشرين من المحرم، وهم شاكرون مثنون في كل خير بهذه السنة أمنًا ورخصًا وللَّه الحمد. وفي يوم الأحد حاديْ عشَرَ صفر درَّس بالمدرسة الفتحية (٢) صاحبنا الشيخ عماد الدين إسماعيل ابن خليفة الشافعي، وحضر عنده جماعة من الأعيان والفضلاء، وأخذ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]. وفي يوم الخميس خامس عشره نودي في البلد على أهل الذمة بإلزامهم بالصَّغار وتصغير العمائم، وأن لا يستخدموا في شيء من الأعمال، وأن لا يركبوا الخيل ولا البغال، ويركبون الحمير بالأكف بالعرض، وأن يكون في رقابهم ورقاب نسائهم في الحمَّامات أجراس، وأن يكون أحد النعلين أسود مخالفًا للون الأخرى، ففرح بذلك المسلمون ودعَوا للآمر بذلك. وفي يوم الأحد ثالث ربيع الأول قدم قاضي القضاة تاج الدين من الديار المصرية مستمرًا على القضاء والخطابة، فتلقّاه الناس وهنؤوه بالعَود والسلامة. وفي يوم الخميس سابعه لبس القاضي الصاحب البهنسي الخلعة لنظر الدواوين بدمشق، وهناه الناس، وباشر بصرامته واستعمل في غالب الجهات من أبناء السبيل. وفي يوم الإثنين حادي عشره ركب قاضي القضاة بدر الدين (٣) بن الفتح على خيل البريد إلى الديار

стр. 7700

المصرية لتوليه قضاء قضاة الشافعية بدمشق، وعن رضى من خاله قاضي القضاة تاج الدين ونزوله عن ذلك. وفي يوم الخميس خامس ربيع الأول احترقت الباسورة التي ظاهر باب الفرج على الجسر، ونال حجارة الباب شيء من حريقها فاتسعت، وقد حضر طفيها نائب السلطنة والحاجب الكبير، ونائب القلعة والولاة وغيرهم. وفي صبيحة هذا اليوم زاد النهر زيادة عظيمة بسبب كثرة الأمطار وذلك في أوائل كانون الثاني، وركب الماء سوق الخيل بكماله، ووصل إلى ظاهر باب الفراديس، وتلك النواحي، وكسر جسر الخشب الذي عند جامع يَلْبُغا، وجاء فصدم به جسر الزلابية فكسره أيضًا. وفي يوم الخميس ثاني عشره صُرف حاجب الحجَّاب قُمَاري (١) عن المباشرة بدار السعادة، وأخذت القضاة من يده وانصرف إلى داره في أقل من الناس، واستبشر بذلك كثير من الناس، لكثرة ما كان يفتئت على الأحكام الشرعية. وفي أواخره اشتهر موتُ القاضي تاج الدين (٢) المُنَاوي بديار مصر وولاية قاضي القضاة بهاء الدين بن أبي البقاء السُّبكي مكانه بقضاء العساكر بها، ووكالة السلطان أيضًا، ورتَّب له مع ذلك كفايته. وتولَّى في هذه الأيام الشيخ سراج الدين البُلْقيني إفتاء دار العدل مع الشيخ بهاء الدين أحمد ابن قاضي القضاة السُّبكي بالشام، وقد ولَّى هو أيضًا القضاء بالشام كما تقدم، ثم عاد إلى مصر موفَّرًا مكرّمًا وعاد أخوه تاج الدين إلى الشام، وكذلك وَلَّوْا مع البُلْقيني إفتاء دار العدل الحنفي (شيخًا) يقال له الشيخ شمس الدين بن الصائغ، وهو مفتٍ حنفي أيضًا (٣). وفي يوم الإثنين سابع ربيع الأول توفّي الشيخ نور الدّين (٤) محمد بن الشيخ أبي بكر [بن محمد بن] (٥) قوّام بزاويتهم (٦) بسفح جبل

стр. 7701

قاسيون، وغدا الناس إلى جنازته، وقد كان من العلماء الفضلاء الفقهاء بمذهب الشافعي، درَّس بالناصرية البرّانية مدَّة سنين بعد أبيه، وبالرّباط الدويداري (١) داخل باب الفرج، وكان يحضر المدارس، ونزل عندنا بالمدرسة النَّجيبية، وكان يحبُّ السُّنَّة ويفهمها جيدًا ﵀. وفي مستهل جمادى الأولى وُلِّي قاضي القضاة تاج الدين (٢) الشافعي مشيخة دار الحديث بالمدرسة التي فُتح بدرب القَلي (٣)، وكانت دارًا لواقفها جمال الدين عبد اللَّه بن محمد بن عيسى التدمري، الذي كان أستاذًا للأمير طاز، وجعل فيها درسًا للحنابلة، وجعل المدرس لهم الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن قيّم الجَوْزية (٤)، وحضر الدرس وحضر عنده بعض الحنابلة الدرس، ثم جرت أمور يطول بسطها. واستحضر نائب السلطنة شهود الحنابلة بالدَّرس، واستفرد كُلًّا منهم وسألهم كيف شهد في أصل الكتاب -المحضر- الذي أثبتوا عليهم، فاضطربوا في الشهادات فضُبط ذلك عليهم، وفيه مخالفة كبيرة لما شهدوا له في أصل المحضر، وشنَّع عليهم كثير من الناس، ثم ظهرت ديون كثيرة لبيت طاز على جمال الدين التَّدمري الواقف، وطلب من القاضي المالكي أن يحكم بإبطال ما حكم به الحنبلي، فتوقف في ذلك. وفي يوم الإثنين الحادي والعشرين منه، قرئ كتاب السلطان بصرف الوكلاء من أبواب القضاة الأربعة فصرفوا. وفي شهر جمادى الآخرة توفي الشيخ شمس الدين (٥) شيخ الحنابلة بالصالحية ويعرف بالتَّتريّ (٦) يوم الخميس ثامنة (٧)، صليّ عليه بالجامع المظفَّري بعد العصر ودفن بالسفح وقد قارب الثمانين. وفي الرابعَ عشرَ منه عُقد بدار السعادة مجلس حافل اجتمع فيه القضاة الأربعة وجماعة من المفتين،

стр. 7702

وطلبتُ فحضرتُ معهم بسبب المدرسة التَّدمرية، وقرابة الواقف ودعواهم، أنه وقف عليهم الثلث، فوقف الحنبلي في أمرهم عن ذلك أشد الدفاع. وفي العشر الأول من رجب وُجد جراد كثير منتشر، ثم تزايد وتراكم وتضاعف وتفاقم الأمر بسببه، وسدَّ الأرض كثرةً وعاثَ يمينًا وشمالًا، وأفسد شيئًا كثيرًا من الكروم والمقاثئ والزُّروعات النفيسة، وأتْلف للناس شيئًا كثيرًا (١)، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وفي يوم الإثنين ثالث شعبان توجه القضاة ووكيل بيت المال إلى باب كَيْسان فوقفوا عليه وعلى هيئته ومن نية نائب السلطنة فتحه ليتفرَّج النَّاسُ به. وعدم للناس غلات كثيرة وأشياء من أنواع الزروع بسبب كثرة الجراد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. فتح باب كَيْسَان (٢) بعد غلقه نحوًا من مئتي سنة: وفي يوم الأربعاء السادس والعشرين من شعبان اجتمع نائب السلطنة والقضاة عند باب كَيْسان، وشرع الصُّنَّاع في فتحه عن مرسوم السلطان الوارد من الديار المصرية، وأمر نائب السلطنة وإذن القضاة في ذلك واستُهلَّ رمضان وهم في العمل فيه. وفي العشر الأخير من شعبان توفي الشّريف شمس الدين محمد (٣) بن علي بن الحسن بن حمزة الحُسَيْني (٤) المحدِّث المحصِّل، المؤلِّف لأشياء مهمّة في الحديث (٥) قرأ وسمع وجمع وكتب أسماء الرجال بـ "مسند" الإمام أحمد، واختصر كتابًا (٦) في أسماء الرجال مفيدًا، وولي مشيخة الحديث التي وقفها في داره بهاء الدين القاسم بن عساكر (٧)، داخل باب توما. وخُتِمَت البُخاريَّات في آخر شهر رمضان.

стр. 7703

ووقع بين الشيخ عماد الدين بن السراج قارئ البخاري عند محراب الصحابة، وبين الشيخ بدر الدين بن الشيخ جمال الدين الشُّريشي، وتهاترا على رؤوس الأشهاد بسبب لفظة "يبتز" بمعنى يدَّخر، وفي نسخة يتير، فحكى ابن السرّاج عن الحافظ المزي أن الصواب "يبتز" من قول العرب: عزَّ بزَّ (١) وصدق في ذلك، فكأن منازعَه خطَّأ ابنَ المِزِّي، فانتصر الآخر للحافظ المزِّي، فقاد منه بالقول، ثم فام والده الشيخ جمال الدين المشار إليه فكشف رأسه على طريقة الصوفية، فكأن ابن السَّرَّاج لم يلتفت إليه، وتدافعوا إلى القاضي الشافعي فانتصر للحافظ المزِّي، وجرت أمور ثم اصطلحوا غير مرة، وعزم أولئك على كتْبِ محضرٍ على ابن السراج، ثم انطفأت تلك الشرور. وكثر الموت في أثناء شهر رمضان وقاربت العدة مئة، وربما جاوزت المئة، وربما كانت أقل منها وهو الغالب، ومات جماعة من الأصحاب والمعارف، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وكثر الجراد في البساتين، وعظُم الخطب بسببه، وأتلف شيئًا كثيرًا من الغلات والثمار والخضراوات، وغلت الأسعار وقلت الثمار، وارتفعت قيم الأشياء فبيع الدبس بما فوق المئتين القنطار، والرز بأزيد من ذلك، وتكامل فتح باب كَيْسان وسموه الباب القبلي، ووضع الجسر منه إلى الطريق السالكة، وعرضه أزيد من عشرة أذرع بالنجاري لأجل عمل الباسورة جنبتيه، ودخلت المارة عليه من المشاة والركبان، وجاء في غاية الحسن، وسلك الناس في حارات اليهود، وانكشف دَخَلُهم وأمِنَ النَّاسُ من دخنهم وغشهم ومكرهم وخبثهم، وانفرج الناس بهذا الباب المبارك. واستهل شوال والجراد قد أتلف شيئًا كثيرًا من البلاد، ورعى الخضراوات والأشجار، وأوسع أهل الشام في الفساد، وغلت الأسعار، واستمرَّ الفناء وكثر الضجيج والبكاء، وفقدنا كثيرًا من الأصحاب والأصدقاء، فلان مات. وقد تناقص الفناء في هذه المدة وقلَّ الوقع وتناقص للخمسين وفي شهر ذي القعدة تقاصر الفناء وللَّه الحمد، ونزل العدد إلى العشرين فما حولها. وفي رابعه دخل بالفيل والزُّرافة إلى مدينة دمشقَ من القاهرة، فأنزل في الميدان الأخضر قريبًا من القصر الأبلق، وذهب الناس للنَّظر إليهما على العادة. وفي يوم الجمعة تاسعه صُلِّي على الشيخ جمال الدين عبد الصمد (٢) بن خليل البغدادي، المعروف بابن الخُضَري، محدِّث بغدادَ وواعظها، كان من أهل السُّنَّة والجماعة ﵀ انتهى.

стр. 7704

تجديد خُطبة ثانية (١) داخل سورُ دمشق منذ فتوح الشام: اتّفق ذلك في يوم الجمعة الثالث، ثم تبين أنه الرابع والعشرين من ذي القعدة من هذه السنة بالجامع الذي جَدَّد بناءه نائب الشام سيف الدين مَنْكُلي بُغَا، بدرب البَيَّاعة (٢) قبلي مسجد درب الحجَر، داخل باب كَيْسان المجدَّد فتحُه في هذا الحين كما تقدَّم، وهو معروف عند العامة بمسجد الشَّهرزُوري (٣)، وإنما هو في "تاريخ" ابن عساكر مسجد الشهرزوري، وكان المسجد رثَّ الهيئة، قد تقادم عهده مدة دهر، وهُجر فلا يدخله أحد من الناس إلا قليل، فوسّعه من قبليّه وسقفَه جديدًا، وجعل له صرحة شمالية مبلطة، ورواقات على هيئة الجوامع، والداخل بأبوابه على العادة، وداخل ذلك رواق كبير له جناحان شرقي وغربي، بأعمدة وقناطر، وقد كان قديمًا كنيسة فأخذت منهم قبل الخمسمئة، وعُملت مسجدًا، فلم يزل كذلك إلى هذا الحين، فلما كَمُل كما ذكرنا وسيق إليه الماء من القنوات، ووضع فيه منبر مستعمل كذلك، فيومئذ ركب نائب السلطنة ودخل البلد من باب كَيْسان وانعطف على حارة اليهود حتى انتهى إلى الجامع المذكور، وقد استكف الناس عنده من قضاة وأعيان وخاصّة وعامّة، وقد عين لخطابته الشيخ صدر الدين بن منصور الحنفي، مدرس النَّجيبيَّةُ (٤) وإمام الحنفية بالجامع الأموي، فلمَّا أذَّن الأذان الأول تعذر عليه الخروج من بيت الخطابة، قيل لمرض عرض له، وقيل لغير ذلك من حصر أو نحوه، فخطب النَّاس يومئذ قاضي القضاة جمال الدين (٥) الحنفي الكفري، خدمة لنائب السلطنة. واستهل شهر ذي الحجَّة وقد رفع اللَّه الوباء عن دمشقَ وله الحمد والمنة. وأهل البلد يموتون على العادة ولا يمرض أحد بتلك العلَّة، ولكن المرض المعتاد، انتهى. ثم دخلت سنة ست وستين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة والسلطان الملك الأشرف ناصر الدين شعبان، والدولة بمصر والشام هم هم. ودخل المحمل السلطاني صبيحة يوم الإثنين الرابع والعشرين منه، وذكروا أنهم نالهم في الرجعة شدة شديدة من الغلاء وموت الجمال وهرب الجمَّالين، وقدم مع الركب ممَّن خرج من الديار المصرية

стр. 7705

قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح (١)، وقد سبقه التقليد بقضاء القضاة مع خالِهِ (٢) تاج الدين (٣) يحكم فيما يحكم فيه مستقلًّا معه ومنفردًا بعده. وفي شهر اللَّه المحرم رسم نائب السلطنة بتخريب قريتين من وادي التيم وهما مَشْغَرًا (٤) وتلفياثا (٥)، وسبب ذلك أنهما عاصيتان وأهلهما مفسدون في الأرض، والبلدان والأرض حصينة لا يصل إليهما إلا بكلفة كثيرة لا يرتقي إليهما إلا فارس فارس، فخربتا وعُمر بدلهما في أسفل الوادي، بحيث يصل إليهما حكم الحاكم والطلب بسهولة، فأخبرني الملك صلاح الدين بن الكامل أن بلدة تلفياثا عمل فيها ألف فارس، ونقل نقضها إلى أسفل الوادي خمسمئة حمار عدَّة أيام. وفي يوم الجمعة سادس صفر بعد الصَّلاة صُلِّي على قاضي القضاة جمال الدين يوسف (٦) ابن قاضي القضاة شرف الدين أحمد ابن أقضى القضاة ابن الحُسَين الكَفْري (٧) الحنفي، وكانت وفاته ليلة الجمعة المذكورة بعد مرض قريب من شهر، وقد جاوز الأربعين بثلاث من السنين، وُلِّيَ قضاء قضاة الحنفية، وخطب بجامع يَلْبُغَا، وأحضر مشيخة النفيسيّة (٨)، ودرَّس بأماكن من مدارس الحنفية، وهو أول من خطب بالجامع المستجد داخل باب كَيْسَان بحضرة نائب السلطنة. وفي صفر كانت وفاة الشيخ جمال الدين عمر (٩) بن القاضي عبد المُحْسن (١٠) بن إدريس الحنبلي محتسب بغداد، وقاضي الحنابلة بها، فتعصَّبت عليه الرَّوافض حتى ضُرب بين يدي الوزارة ضربًا مبرحًا، كان سبب موته سريعًا ﵀، وكان من القائمين بالحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، من أكبر المنكرين على الرَّوافض وغيرهم من أهل البدع ﵀، وبلَّ بالرحمة ثراه.
следующие страницы →