← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

قاسيون، وغدا الناس إلى جنازته، وقد كان من العلماء الفضلاء الفقهاء بمذهب الشافعي، درَّس بالناصرية البرّانية مدَّة سنين بعد أبيه، وبالرّباط الدويداري (١) داخل باب الفرج، وكان يحضر المدارس، ونزل عندنا بالمدرسة النَّجيبية، وكان يحبُّ السُّنَّة ويفهمها جيدًا ﵀. وفي مستهل جمادى الأولى وُلِّي قاضي القضاة تاج الدين (٢) الشافعي مشيخة دار الحديث بالمدرسة التي فُتح بدرب القَلي (٣)، وكانت دارًا لواقفها جمال الدين عبد اللَّه بن محمد بن عيسى التدمري، الذي كان أستاذًا للأمير طاز، وجعل فيها درسًا للحنابلة، وجعل المدرس لهم الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن قيّم الجَوْزية (٤)، وحضر الدرس وحضر عنده بعض الحنابلة الدرس، ثم جرت أمور يطول بسطها. واستحضر نائب السلطنة شهود الحنابلة بالدَّرس، واستفرد كُلًّا منهم وسألهم كيف شهد في أصل الكتاب -المحضر- الذي أثبتوا عليهم، فاضطربوا في الشهادات فضُبط ذلك عليهم، وفيه مخالفة كبيرة لما شهدوا له في أصل المحضر، وشنَّع عليهم كثير من الناس، ثم ظهرت ديون كثيرة لبيت طاز على جمال الدين التَّدمري الواقف، وطلب من القاضي المالكي أن يحكم بإبطال ما حكم به الحنبلي، فتوقف في ذلك. وفي يوم الإثنين الحادي والعشرين منه، قرئ كتاب السلطان بصرف الوكلاء من أبواب القضاة الأربعة فصرفوا. وفي شهر جمادى الآخرة توفي الشيخ شمس الدين (٥) شيخ الحنابلة بالصالحية ويعرف بالتَّتريّ (٦) يوم الخميس ثامنة (٧)، صليّ عليه بالجامع المظفَّري بعد العصر ودفن بالسفح وقد قارب الثمانين. وفي الرابعَ عشرَ منه عُقد بدار السعادة مجلس حافل اجتمع فيه القضاة الأربعة وجماعة من المفتين،

стр. 7702

وطلبتُ فحضرتُ معهم بسبب المدرسة التَّدمرية، وقرابة الواقف ودعواهم، أنه وقف عليهم الثلث، فوقف الحنبلي في أمرهم عن ذلك أشد الدفاع. وفي العشر الأول من رجب وُجد جراد كثير منتشر، ثم تزايد وتراكم وتضاعف وتفاقم الأمر بسببه، وسدَّ الأرض كثرةً وعاثَ يمينًا وشمالًا، وأفسد شيئًا كثيرًا من الكروم والمقاثئ والزُّروعات النفيسة، وأتْلف للناس شيئًا كثيرًا (١)، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وفي يوم الإثنين ثالث شعبان توجه القضاة ووكيل بيت المال إلى باب كَيْسان فوقفوا عليه وعلى هيئته ومن نية نائب السلطنة فتحه ليتفرَّج النَّاسُ به. وعدم للناس غلات كثيرة وأشياء من أنواع الزروع بسبب كثرة الجراد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. فتح باب كَيْسَان (٢) بعد غلقه نحوًا من مئتي سنة: وفي يوم الأربعاء السادس والعشرين من شعبان اجتمع نائب السلطنة والقضاة عند باب كَيْسان، وشرع الصُّنَّاع في فتحه عن مرسوم السلطان الوارد من الديار المصرية، وأمر نائب السلطنة وإذن القضاة في ذلك واستُهلَّ رمضان وهم في العمل فيه. وفي العشر الأخير من شعبان توفي الشّريف شمس الدين محمد (٣) بن علي بن الحسن بن حمزة الحُسَيْني (٤) المحدِّث المحصِّل، المؤلِّف لأشياء مهمّة في الحديث (٥) قرأ وسمع وجمع وكتب أسماء الرجال بـ "مسند" الإمام أحمد، واختصر كتابًا (٦) في أسماء الرجال مفيدًا، وولي مشيخة الحديث التي وقفها في داره بهاء الدين القاسم بن عساكر (٧)، داخل باب توما. وخُتِمَت البُخاريَّات في آخر شهر رمضان.

стр. 7703

ووقع بين الشيخ عماد الدين بن السراج قارئ البخاري عند محراب الصحابة، وبين الشيخ بدر الدين بن الشيخ جمال الدين الشُّريشي، وتهاترا على رؤوس الأشهاد بسبب لفظة "يبتز" بمعنى يدَّخر، وفي نسخة يتير، فحكى ابن السرّاج عن الحافظ المزي أن الصواب "يبتز" من قول العرب: عزَّ بزَّ (١) وصدق في ذلك، فكأن منازعَه خطَّأ ابنَ المِزِّي، فانتصر الآخر للحافظ المزِّي، فقاد منه بالقول، ثم فام والده الشيخ جمال الدين المشار إليه فكشف رأسه على طريقة الصوفية، فكأن ابن السَّرَّاج لم يلتفت إليه، وتدافعوا إلى القاضي الشافعي فانتصر للحافظ المزِّي، وجرت أمور ثم اصطلحوا غير مرة، وعزم أولئك على كتْبِ محضرٍ على ابن السراج، ثم انطفأت تلك الشرور. وكثر الموت في أثناء شهر رمضان وقاربت العدة مئة، وربما جاوزت المئة، وربما كانت أقل منها وهو الغالب، ومات جماعة من الأصحاب والمعارف، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وكثر الجراد في البساتين، وعظُم الخطب بسببه، وأتلف شيئًا كثيرًا من الغلات والثمار والخضراوات، وغلت الأسعار وقلت الثمار، وارتفعت قيم الأشياء فبيع الدبس بما فوق المئتين القنطار، والرز بأزيد من ذلك، وتكامل فتح باب كَيْسان وسموه الباب القبلي، ووضع الجسر منه إلى الطريق السالكة، وعرضه أزيد من عشرة أذرع بالنجاري لأجل عمل الباسورة جنبتيه، ودخلت المارة عليه من المشاة والركبان، وجاء في غاية الحسن، وسلك الناس في حارات اليهود، وانكشف دَخَلُهم وأمِنَ النَّاسُ من دخنهم وغشهم ومكرهم وخبثهم، وانفرج الناس بهذا الباب المبارك. واستهل شوال والجراد قد أتلف شيئًا كثيرًا من البلاد، ورعى الخضراوات والأشجار، وأوسع أهل الشام في الفساد، وغلت الأسعار، واستمرَّ الفناء وكثر الضجيج والبكاء، وفقدنا كثيرًا من الأصحاب والأصدقاء، فلان مات. وقد تناقص الفناء في هذه المدة وقلَّ الوقع وتناقص للخمسين وفي شهر ذي القعدة تقاصر الفناء وللَّه الحمد، ونزل العدد إلى العشرين فما حولها. وفي رابعه دخل بالفيل والزُّرافة إلى مدينة دمشقَ من القاهرة، فأنزل في الميدان الأخضر قريبًا من القصر الأبلق، وذهب الناس للنَّظر إليهما على العادة. وفي يوم الجمعة تاسعه صُلِّي على الشيخ جمال الدين عبد الصمد (٢) بن خليل البغدادي، المعروف بابن الخُضَري، محدِّث بغدادَ وواعظها، كان من أهل السُّنَّة والجماعة ﵀ انتهى.

стр. 7704

تجديد خُطبة ثانية (١) داخل سورُ دمشق منذ فتوح الشام: اتّفق ذلك في يوم الجمعة الثالث، ثم تبين أنه الرابع والعشرين من ذي القعدة من هذه السنة بالجامع الذي جَدَّد بناءه نائب الشام سيف الدين مَنْكُلي بُغَا، بدرب البَيَّاعة (٢) قبلي مسجد درب الحجَر، داخل باب كَيْسان المجدَّد فتحُه في هذا الحين كما تقدَّم، وهو معروف عند العامة بمسجد الشَّهرزُوري (٣)، وإنما هو في "تاريخ" ابن عساكر مسجد الشهرزوري، وكان المسجد رثَّ الهيئة، قد تقادم عهده مدة دهر، وهُجر فلا يدخله أحد من الناس إلا قليل، فوسّعه من قبليّه وسقفَه جديدًا، وجعل له صرحة شمالية مبلطة، ورواقات على هيئة الجوامع، والداخل بأبوابه على العادة، وداخل ذلك رواق كبير له جناحان شرقي وغربي، بأعمدة وقناطر، وقد كان قديمًا كنيسة فأخذت منهم قبل الخمسمئة، وعُملت مسجدًا، فلم يزل كذلك إلى هذا الحين، فلما كَمُل كما ذكرنا وسيق إليه الماء من القنوات، ووضع فيه منبر مستعمل كذلك، فيومئذ ركب نائب السلطنة ودخل البلد من باب كَيْسان وانعطف على حارة اليهود حتى انتهى إلى الجامع المذكور، وقد استكف الناس عنده من قضاة وأعيان وخاصّة وعامّة، وقد عين لخطابته الشيخ صدر الدين بن منصور الحنفي، مدرس النَّجيبيَّةُ (٤) وإمام الحنفية بالجامع الأموي، فلمَّا أذَّن الأذان الأول تعذر عليه الخروج من بيت الخطابة، قيل لمرض عرض له، وقيل لغير ذلك من حصر أو نحوه، فخطب النَّاس يومئذ قاضي القضاة جمال الدين (٥) الحنفي الكفري، خدمة لنائب السلطنة. واستهل شهر ذي الحجَّة وقد رفع اللَّه الوباء عن دمشقَ وله الحمد والمنة. وأهل البلد يموتون على العادة ولا يمرض أحد بتلك العلَّة، ولكن المرض المعتاد، انتهى. ثم دخلت سنة ست وستين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة والسلطان الملك الأشرف ناصر الدين شعبان، والدولة بمصر والشام هم هم. ودخل المحمل السلطاني صبيحة يوم الإثنين الرابع والعشرين منه، وذكروا أنهم نالهم في الرجعة شدة شديدة من الغلاء وموت الجمال وهرب الجمَّالين، وقدم مع الركب ممَّن خرج من الديار المصرية

стр. 7705

قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح (١)، وقد سبقه التقليد بقضاء القضاة مع خالِهِ (٢) تاج الدين (٣) يحكم فيما يحكم فيه مستقلًّا معه ومنفردًا بعده. وفي شهر اللَّه المحرم رسم نائب السلطنة بتخريب قريتين من وادي التيم وهما مَشْغَرًا (٤) وتلفياثا (٥)، وسبب ذلك أنهما عاصيتان وأهلهما مفسدون في الأرض، والبلدان والأرض حصينة لا يصل إليهما إلا بكلفة كثيرة لا يرتقي إليهما إلا فارس فارس، فخربتا وعُمر بدلهما في أسفل الوادي، بحيث يصل إليهما حكم الحاكم والطلب بسهولة، فأخبرني الملك صلاح الدين بن الكامل أن بلدة تلفياثا عمل فيها ألف فارس، ونقل نقضها إلى أسفل الوادي خمسمئة حمار عدَّة أيام. وفي يوم الجمعة سادس صفر بعد الصَّلاة صُلِّي على قاضي القضاة جمال الدين يوسف (٦) ابن قاضي القضاة شرف الدين أحمد ابن أقضى القضاة ابن الحُسَين الكَفْري (٧) الحنفي، وكانت وفاته ليلة الجمعة المذكورة بعد مرض قريب من شهر، وقد جاوز الأربعين بثلاث من السنين، وُلِّيَ قضاء قضاة الحنفية، وخطب بجامع يَلْبُغَا، وأحضر مشيخة النفيسيّة (٨)، ودرَّس بأماكن من مدارس الحنفية، وهو أول من خطب بالجامع المستجد داخل باب كَيْسَان بحضرة نائب السلطنة. وفي صفر كانت وفاة الشيخ جمال الدين عمر (٩) بن القاضي عبد المُحْسن (١٠) بن إدريس الحنبلي محتسب بغداد، وقاضي الحنابلة بها، فتعصَّبت عليه الرَّوافض حتى ضُرب بين يدي الوزارة ضربًا مبرحًا، كان سبب موته سريعًا ﵀، وكان من القائمين بالحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، من أكبر المنكرين على الرَّوافض وغيرهم من أهل البدع ﵀، وبلَّ بالرحمة ثراه.

стр. 7706

وفي يوم الأربعاء تاسع صفر حضر مشيخة النَّفيسيَّة الشيخ شمس الدين بن سَنَد (١)، وحضر عند قاضي القضاة تاج الدين (٢) وجماعة من الأعيان، وأورد حديث عبادة بن الصامت "لا صلاة لِمَنْ لَمْ يَقْرأ بفاتحة الكِتَاب" (٣) أسنده عن قاضي القضاة المشار إليه. وجاء البريد من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة تاج الدين إلى هناك؛ فسيَّر أهله قبله على الجمال، وخرجوا يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول جماعة من أهل بيتهم لزيارة أهاليهم هناك، فأقام هو بعدهم إلى أن قدم نائب السلطنة من الرّحبة وركب على البريد. وفي يوم الإثنين خامس عشر جمادى الآخرة رجع قاضي القضاة تاج الدين السبكي من الديار المصرية على البريد وتلقَّاه الناس إلى أثناء الطريق، واحتفلوا للسَّلام عليه وتهنئته بالسلامة انتهى. واللَّه أعلم. قتل الرافضي الخبيث: وفي يوم الخميس سابع عشره أول النهار وجد رجل بالجامع الأموي اسمه محمود بن إبراهيم الشِّيرازي، وهو يسبُّ الشيخين ويصزح بلعنتهما، فرُفع إلى القاضي المالكي قاضي القضاة جمال الدين المسلَّاتي فاستتابه عن ذلك، وأُحضر الضُّرَّاب، فأوَّل ضربة قال: لا إله إلا اللَّه، علي ولي اللَّه، ولما ضُرب الثّانية لعن أبا بكر وعمر، فالتهمه العامّة فأوسعوه ضربًا مبرحًا بحيث كاد يهلك، فجعل القاضي يستكفُّهم عنه فلم يستطع ذلك، فجعل الرَّافض يسب ويلعن الصَّحابة، وقال: كانوا على الضَّلال؛ فعند ذلك حُمل إلى نائب السلطنة، وشهد عليه قوله بأنَّهم كانوا على الضلالة، فعند ذلك حكم عليه القاضي بإراقة دمه، فأخذ إلى ظاهر البلد فضربت عنقه وأحرقته العامة قبَّحه اللَّه، وكان ممَّن يقرأ بمدرسة أبي عُمَر، ثم ظهر عليه الرَّفض فسجنه الحنبلي أربعين يومًا، فلم ينفع ذلك، وما زال يصرِّحُ في كل موطن يمرُّ (٤) فسِه بالسبِّ حتَّى كان يومه هذا، أظهر مذهبه في الجامع، وكان سببَ قتله قبّحه اللَّه كما قبّح من كان قبله، وقُتل بقتله في سنة خمسٍ وخمسين (٥).

стр. 7707

استنابة ولي الدين بن بهاء الدين أبي البكتاء السُّبكي: وفي آخر هذا اليوم -أعني يوم الخميس ثامن عشره- حكم أقضى القضاة ولي الدين (١) ابن قاضي القضاة بهاء الدين بن أبي البقاء بالمدرسة العادلية الكبيرة نيابة عن قاضي القضاة تاج الدين مع استنابة أقضى القضاة شمس الدين (٢) الغزّي، وأقضى القضاة بدر الدين بن وهبة (٣)، وأما قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح فهو نائب أيضًا، ولكنه بتوقيع شريف أنَّه يحكم مستقلًّا مع قاضي القضاة تاج الدين. وفي يوم الإثنين الثاني والعشرين منه استحضر نائب السلطنة الأمير ناصر الدين بن العاوي متولّي البلد ونقم عليه أشياء، وأمر بضربه، فضُرب بين يديه على أكتافه ضربًا ليس بمبرح، ثم عزله واستدعى بالأمير علم الدين سُلَيْمان أحد الأمراء العشراوات ابن الأمير صفيّ الدين بن أبي القاسم البُصْراوي، أحد أمراء الطبلخانات، كان قد ولي شد الدواوين ونظر القدس والخليل وغير ذلك من الولايات الكبار، وهو ابن الشيخ فخر الدين عثمان بن الشيخ صفي الدين أبي القاسم التميمي الحنفي. وبأيديهم تدريس الأمينيَّة التي ببُصْرى والحكيمية أزيد من مئة سنة، فولاه البلد على تكرُّه منه، فألزمه بها وخلع عليه، وقد كان وليها قبل ذلك فأحسن السيرة، وشُكر سعيه لديانته وأمانته وعفته، وفرح الناس وللَّه الحمد. ولاية قاضي القضاة بهاء الدين السبكي قضاء مصر بعد عزل عز الدين بن جماعة نفسه (٤): ورد الخبر مع البريد من الدّيار المصرية بأن قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز ابن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة عزل نفسه عن القضاء يوم الإثنين السادسَ عشرَ من هذا الشهر، وصمَّم على ذلك، فبعث الأمير الكبير يَلْبُغا إليه الأمراء يسترضونه فلم يقبل، فركب إليه بنفسه ومعه القضاة والأعيان فتلطَّفوا به فلم يقبل وصمَّم على الانعزال، فقال له الأمير الكبير: فعيِّن لنا من يصلح بعدك. قال: ولا أقول لكم شيئًا غير أنه لا يتولَّى رجل واحد، ثم ولُّوا من شئتم، فأخبرني قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي أنه قال: لا تولُّوا ابنَ عقيل، فعين الأمير الكبير قاضي القضاة بهاء الدين أبا البقاء، فقيل: إنه أظهر الامتناع، ثم قبل ولبس الخلعة. وباشر يوم الإثنين الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، وتولَّى قاضي القضاة الشيخ بهاء الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي قضاء العساكر الذي كان بيد أبي البقاء. وفي يوم الإثنين سابع رجب توفي

стр. 7708

الشيخ علي (١) المراوحي خادم الشيخ أسد المراوحي البغدادي، وكان فيه مروءة كثيرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدخل على النواب ويرسل إلى الولاة فتقبل رسالته، وله قبول عند الناس، وفيه بر وصدقة وإحسان إلى المحاويج (٢)، وبيده مال جيد يتَّجر له فيه، تعلَّل مدة طويلة ثم كانت وفاته في هذا اليوم فصلِّيَ عليه الظهر بالجامع، ثم حُمل إلى سفح قاسيون ﵀. وفي صبيحة يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان قدم الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الذي كان نائب الشام فنزل بداره عند مئذنة فيروز، وذهب الناس للسّلام عليه بعد ما سلَّم على نائب السلطنة بدار السعادة، وقد رُسم له بطبلخانتين وتقدمة ألف وولاية الولاة من غَزَّة إلى أقصى بلاد الشام، وأكرمه ملك الأمراء إكرامًا زائدًا، وفرحت العامة بذلك فرحًا شديدًا بعَوده إلى الولاية (٣). وخُتمت "البخاريات" بالجامع الأموي وغيره في عدة أماكن من ذلك ستة مواعيد، تقرأ على الشيخ عماد الدين ابن كثير في اليوم، أولها بمسجد ابن هشام بكرةً قبل طلوع الشمس، ثم تحت النَّسر، ثم بالمدرسة النُّورية، وبعد الظهر بجامع تَنْكِز، ثم بالمدرسة العزِّيّة، ثم بالكوشك لأم الزوجة الست أسماء بنت الوزير ابن السَّلْعوس، إلى أذان العصر، ثم من بعد العصر بدار ملك الأمراء أمير علي بمحلَّة القصَّاعين إلى قريب الغروب، ويقرأ "صحيح مسلم" بمحراب الحنابلة داخل باب الزِّيادة بعد قبة النَّسر وقبل النورية، واللَّه المسؤول وهو المعين الميسِّر المسهِّل. وقد قرئ في هذه الهيئة في عدة أماكن أُخر من دور الأمراء وغيرهم، ولم يعهد مثل هذا في السنين الماضية، فلله الحمد والمنة. وفي يوم الثلاثاء عاشر شوال توفي الشيخ نور الدين علي (٤) بن أبي الهيجاء الكَرَكي الشَّوْبَكيّ، ثم الدمشقي الشافعي، كان معنا في المقرئ والكتَّاب، وختمت أنا وهو في سنة إحدى عشرة، ونشأ في صيانة وعفاف، وقرأ على الشيخ بدر الدين بن سيحان للسبع، ولم يكمل عليه ختمة، واشتغل في "المنهاج" للنَّواوي فقرأ كثيرًا منه أو أكثره، وكان ينقل منه ويستحضر، وكان خفيف الروح، تحبُّه الناس لذلك، ويرغبون في عشرته لذلك ﵀، وكان يستحضر المتشابه في القرآن استحضارًا حسنًا متقنًا كثير التلاوة له، حسنَ الصَّلاة يقومُ اللّيل، وقرأ عليَّ "صحيح البخاري" بمشهد ابن هشام عدَّة سنين، ومهر فيه، وكان صوته جَهْوريًا فصيح العبارة، ثم وُلّي مشيخة الحلبيّة بالجامع، وقرأ في عدة كراسي بالحائط الشمالي، وكان مقبولًا

стр. 7709

عند الخاصة والعامة، وكان يداوم على قيام العشر الأخير في محراب الضحابة مع عدة قرَّاء يبيتون فيه ويُحيون الليل، ولما كان في هذه السنة أحيا ليلة العيد وحده بالمحراب المذكور ثم مرض خمسة أيام، ثم مات بعد الظهر يوم الثلاثاء عاشر شوال بدرب العميد، وصُلِّيَ عليه العصر بالجامع الأموي، ودُفن بمقابر الباب الصغير عند والده في تربة لهم، وكانت جنازته حافلة وتأسَّف النَّاسُ عليه، ﵀ وبل بالرحمة ثراه، وقد قارب خمسًا وستين سنة، وترك بنتًا سباعية اسمها عائشة، وقد أقرأها شيئًا من القرآن إلى تبارك، وحفَّظها "الأربعين" النواوية جبرها ربُّها ورحم أباها آمين. وخرج المحمل الشّامي والحجيجُ يوم الخميس ثاني عشره، وأميرهم الأمير علاء الدين علي بن علَم الدين الهلالي، أحد أمراء الطبلخانات. وتوفي الشيخ عبد اللَّه الملطي (١) يوم السبت رابع عشره، وكان مشهورًا بالمجاورة بالكلاسة في الجامع الأموي، له أشياء كثيرة من الطراريح والآلات الفقرية، ويلبس على طريقة الحريرية، وشكله مزعج، ومن الناس من كان يعتقد فيه الصلاح، وكنت ممن يكرهُهُ طبعًا وشرعًا أيضًا. وفي يوم الخميس الخامس والعشرين من ذي القعدة (٢) قدم البريد من ناحية المشرق ومعهم قماقم ماء من عيني هناك من خاصيَّتِه أنَّه يتبعه طير يسمى السَّمَرْمَر أصفر الريش قريب من شكل الخطَّاف من شأنه إذا قدم الجراد إلى البلد الذي هو فيه أنه يفنيه ويأكله أكلًا سريعًا، فلا يلبث الجراد إلا قليلًا حتى يرحل أو يؤكل على ما ذكر، ولم أشاهد ذلك. وفي المنتصف من ذي الحجة كمل بناء القيسارية التي كانت معملًا بالقرب من دار الحجارة، قبلي سوق الدهشة الذي للرجال، وفتحت وأُكريت دهشة لقماش النساء، وذلك كله بمرسوم ملك الأمراء ناظر الجامع المعمور ﵀، وأخبرني الصدر عز الدين الصَّيرفي المشارف بالجامع أنه غرم عليها من مال الجامع قريب ثلاثين ألف درهم انتهى. طرح مكس القطن المغزول البلدي والمجلوب (٣): وفي أواخر هذا الشهر جاء المرسوم الشريف بطرح مكس القطن المغزول البلدي والجلب أيضًا، ونودي بذلك في البلد، فكثرت الدعوات لمن أمو بذلك، وفرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا وللَّه الحمد والمنة.

стр. 7710

ثم دخلت سنة سبع ستين وسبعمئة استهلَّت وسلطان البلاد المصرية والشَّامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك من الأقاليم الملك الأشرف بن الحُسَين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وعمره عشر سنين فما فوقها، وأتابك العساكر ومدبر ممالكه الأمير سيف الدين يَلْبُغَا الخاصكي. وقاضي قضاة الشافعية بمصر بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي، وبقية القضاة هم المذكورون في السنة الماضية. ونائب دمشق الأمير سيف الدين مَنْكُلي بُغَا، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها سوى الحنفي فإنه الشيخ جمال الدين بن السرّاج شيخ الحنفية، والخطابة بيد قاضي القضاة تاج الدين الشافعي، وكاتب السر وشيخ الشيوخ القاضي فتح الدِّين بن الشَّهيد، ووكيل بيت المال الشيخ جمال الدين بن الرُّهَاويّ. ودخل المحمل السلطاني يوم الجمعة بعد العصر قريب الغروب، ولم يشعر بذلك أكثر أهل البلد، وذلك لغيبة النَّائب في السرحة ممَّا يلي ناحية الفرات، ليكون كالرد للتَّجريدة التي تعيَّنت لتخريب الكبيسات التي هي إقطاع حيار بن مهنا من زمن السلطان أُوَيْس ملك العراق انتهى. استيلاء الفرنج لعنهم اللَّه على الإسكندرية (١): وفي العشر الأخير من شهر المحرم احتيط على الفرنج بمدينة دمشق، وأُودعوا في الحبوس في القلعة المنصورة، واشتُهر أنَّ سبب ذلك أن مدينة الإسكندرية محاصرة بعدة شواين، وذكر أن صاحب قبرص معهم، وأن الجيش المصري صمدوا إلى حراسة مدينة الإسكندرية حرسها اللَّه تعالى وصانها وحماها، وسيأتي تفصيل أمرها في الشهر الآتي، فإنه وضح لنا فيه، ومكث القوم بعد الإسكندرية بأيام فيما بلغنا، بعد ذلك حاصرها أمير من التتار يقال له ماميه (٢)، واستعان بطائفة من الفرنج ففتحوها قسرًا، وقتلوا من أهلها خلقًا وغنموا شيئًا كثيرًا واستقرت عليها يد ماميه ملكًا عليها. وفي يوم الجمعة سلخ هذا الشهر توفي الشيخ برهان الدين إبراهيم (٣) بن الشيخ شمس الدين ابن قيّم الجوزية ببستانه بالمِزَّة، ونقل إلى عند

стр. 7711

والده بمقابر باب الصغير، فصليّ عليه بعد صلاة العصر بجامع جرَّاح، وحضر جنازته القضاة والأعيان وخلق من التجار والعامة، وكانت جنازته حافلة، وقد بلغ من العمر ثمانيًا وأربعين سنة، وكان بارعًا فاضلًا في النَّحو والفقه وفنون أُخر على طريقة والده رحمهما اللَّه تعالى، وكان مدرِّسًا بالصَّدرية والتَّدمرية، وله ثصدير بالجامع، وخطابة بجامع ابن صلحان، وترك مالًا جزيلًا يقارب المئة ألف درهم، انتهى. ثم دخل شهر صفر وأوله الجمعة، أخبرني بعض علماء السير أنه اجتمع في هذا اليوم -يوم الجمعة مستهل هذا الشهر- الكواكب السبعة سوى المويخ في برج العقرب، ولم يتفق مثل هذا من سنين متطاولة، فأما المرِّيخ فإنه كان قد سبق إلى برج القوس فيه، ووردت الأخبار بما وقع من الأمر الفظيع بمدينة الإسكندرية من الفرنج لعنهم اللَّه، وذلك أنهم وصلوا إليها في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر اللَّه المحرم، فلم يجدوا بها نائبًا (١) ولا جيشًا، ولا حافظًا للبحر ولا ناصرًا، فدخلوها يوم الجمعة بكرة النهار بعدما حرقوا أبوابًا كبيرة منها، وعاثوا في أهلها فسادًا، يقتلون الرجال ويأخذون الأموال ويأسرون النّساء والأطفال، فالحكم للَّه العلي الكبير المتعال. وأقاموا بها يوم الجمعة والسبت والأحد والإثنين والثلاثاء، فلما كان صبيحة يوم الأربعاء قدم الشاليش المصري، فأقلعت الفرنج لعنهم اللَّه عنها، وقد أسروا خلقًا كثيرًا يقاومون أربعة الآلاف (٢)، وأخذوا من الأموال ذهبًا وحريرًا وبهارًا وغير ذلك ما لا يُحدُّ ولا يوصف. وقدم السلطان والأمير الكبير يَلْبُغَا ظهر يومئذ، وقد تفارط الحال وتحولت الغنائم كلها إلى الشَّوائن بالبحر، فسمع للأسارى من العويل والبكاء والشكوى والجأر إلى اللَّه والاستغاثة به وبالمسلمين ما قطع الأكباد، وذرفت له العيون وأصم الأسماع، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. ولما بلغت الأخبار إلى أهل دمشق شقَّ عليهم ذلك جدًا، وذكر ذلك الخطيبُ يوم الجمعة على المنبر فتباكى [الناس] كثيرًا، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وجاء المرسوم الشريف من الديار المصرية إلى نائب السلطنة بمسك النَّصارى من الشام جملة واحدة، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم لعمارة ما خرب من الإسكندرية، ولعمارة مراكب تغزو الفرنج، فأهانوا النصارى وطُلبوا من بيوتهم بعنف وخافوا أن يقتلوا، ولم يفهموا ما يراد بهم، فهربوا كل مهرب، ولم تكن هذه الحركة شرعية، ولا يجوز اعتمادها شرعًا. وقد طلبتُ يوم السبت السادسَ عشرَ من صفر إلى الميدان الأخضر للاجتماع بنائب السلطنة، وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ بعد الفراغ من لعب الكرة، فرأيت منه أنسًا كثيرًا، ورأيته كامل الرأي والفهم، حسن العبارة كريم المجالسة، فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النَّصارى، فقال إن بعض فقهاء مصر

стр. 7712

أفتى للأمير الكبير بذلك، فقلت له: هذا ممَّا لا يسوَّغ شرعًا، ولا يجوز لأحد أن يفتي بهذا، ومتى كانوا باقين على الذمة يؤدُّون إلينا الجزية ملتزمين بالذِّلة والصَّغار، وأحكامُ الملَّة قائمة، لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم -الواحد- فوق ما يبذلونه من الجزية، ومثل هذا لا يخفى على الأمير فقال: كيف أصنع وقد ورد المرسوم بذلك ولا يمكنني أن أخالفه؟ وذكرت له أشياء كثيرة مما ينبغي اعتماده في حق أهل قبرص من الإرهاب ووعيد العقاب، وأنه يجوز ذلك وان لم يفعل ما يتوعدهم به، كما قال سُليمان بن داود ﵉: "ائْتُوني بالسِّكّين أَشُقُّه نصفَيْن" (١) كما هو الحديث مبسوط في "الصحيحين"، فجعل يعجبه هذا جدًا، وذكر أن هذا كان في قلبه وأني كاشفتُه بهذا، وأنه كتب به مطالعة إلى الديار المصرية، وسيأتي جوابها بعد عشرة أيام، فتجيء حتى تقف على الجواب، وظهر منه إحسان وقبول وإكرام زائد ﵀: ثم اجتمعت به في دار السعادة في أوائل شهر ربيع الأول فبشَّرني أنَّه قد رُسم بعمل الشَّواني والمراكب لغزو الفرنج وللَّه الحمد والمنة. ثم في صبيحة يوم الأحد طلب النصارى الذين اجتمعوا في كنيستهم إلى بين يديه وهم قريب من أربعمئة فحلَّفهم كم أموالهم، وألزمهم باداء الربع من أموالهم، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. وقد أمروا إلى الولاة بإحضار من في معاملتهم، ووالي البر قد خرج إلى القرايا بسبب ذلك، وجرّدت أمراء إلى النواحي لاستخلاص الأموال من النَّصارى في القدس وغير ذلك. وفي أول شهر ربيع الأول كان سفر قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي الشافعي إلى الفاهرة. وفي يوم الأربعاء خامس ربيع الأول اجتمعت بنائب السلطنة بدار السعادة، وسألتُه عن جواب المطالعة، فذكر لي أنه جاء المرسوم الشريف السلطاني بعمل الشَّواني والمراكب لغزو قبرص، وقتال الفرنج وللَّه الحمد والمنة. وأمر نائب السلطنة بتجهيز القطَّاعين والنشَّارين من دمشق إلى الغابة التي بالقرب من بيروت (٢)، وأن يُشرع في عمل الشَّواني في آخر يوم من هذا الشهر، وهو يوم الجمعة.

стр. 7713

وفتحت دار القرآن التي وقفها الشريف التعاداني إلى جانب حمَّام الكاس، شمالي المدرسة البادرائية، وعمل فيها وظيفة حديث وحضر واقفها يومية قاضي القضاة تاج الدين السبكي انتهى واللَّه أعلم. عقد مجلس بسبب قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي (١): ولما كان يوم الإثنين العشرين من ربيع الأول عقد مجلس حافل بدار السعادة بسبب ما رمي به قاضي القضاة تاج الدين الشافعي ابن قاضي القضاة تقي السُّبكي، وكنت ممّن طُلب إليه، فحضرته فيمن حضر، وقد اجتمع فيه القضاة الثلاثة، وخلق من المذاهب الأربعة، وآخرون من غيرهم، بحضرة نائب الشام سيف الدين مُنْكلي بُغَا، وكان قد سافر هو إلى الديار المصرية إلى الأبواب الشريفة، واستنجز كتابًا إلى نائب السَّلطنة لجمع هذا المجلس ليسأل عنه الناس، وكان قد كتب فيه محضران متعاكسان أحدهما له والآخر عليه، وفي الذي عليه خط القاضيين المالكي والحنبلي، وجماعة آخرين، وفيه عظائم وأشياء منكرة جدًا ينبو السَّمع عن استماعه. وفي الآخر خطوط جماعات من المذاهب بالثَّناء عليه، وفيه خطي بأني ما رأيتُ فيه إلا خيرًا. ولما اجتمعوا أمر نائب السلطنة بأن يمتاز هؤلاء عن هؤلاء في المجالس، فصارت كل طائفة وحدها، وتحاذوا فيما بينهم، وتأصَّل عنه نائبه القاضي شمس الدين الغزي، والنائب الآخر بدر الدين بن وهبة وغيرهما، وصرح قاضي القضاة جمال الدين الحنبلي بأنه قد ثبت عنده ما كتب به خطه فيه، وأجابه بعض الحاضرين منهم بدائم النفوذ، فبادر القاضي الغزي فقال للحنبلي: أنت قد ثبتت عداوتك لقاضي القضاة تاج الدين، فكثُر القول وارتفعت الأصوات وكثُر الجدال والمقال، وتكلم قاضي القضاة جمال الدين المالكي أيضًا بنحو ما قال الحنبلي، فأجيب بمثل ذلك أيضًا، وطال المجلس فانفصلوا على مثل ذلك، ولمَّا بلغتُ البابَ أمر نائب السلطنة برجوعي إليه، فإذا بقية الناس من الطرفين والقضاة الثلاثة جلوس، فأشار نائب السَّلطنة بالصلح بينهم وبين قاضي القضاة تاج الدين -يعني وأن يرجع القاضيان عما قالا- فأشار الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل وأشرت أنا أيضًا بذلك، فلان المالكي وامتنع الحنبلي، فقمنا والأمر بافي على ما تقدم، ثم اجتمعنا يوم الجمعة بعد العصر عند نائب السلطنة عن طلبه، فتراضوا كيف يكون جواب الكتابات مع مطالعة نائب السلطنة، ففعل ذلك، وسار البريد بذلك إلى الديار المصرية، ثم اجتمعنا أيضًا يوم الجمعة بعد الصلاة التاسعَ عشرَ من ربيع الآخر بدار السعادة، وحضر القضاة الثلاثة وجماعة آخرون، واجتهد نائب السلطنة على الصُّلح بين القضاة وقاضي الشافعية وهو بمصرَ، فحصل خلف وكلام طويل، ثم كان الأمر أن سكنت أنفس جماعة منهم إلى ذلك على ما سنذكره في الشهر الآتي.

стр. 7714

وفي مستهل ربيع الآخر كانت وفاة المعلِّم داود (١) الذي كان مباشرًا لنظارة الجيش، وأُضيف إليه نظر الدواوين إلى آخر وقت، فاجتمع له هاتان الوظيفتان، ولم يجتمعا لأحد قبله كما في علمي، وكان من أخبر النَّاس بنظر الجيش وأعلمهم بأسماء رجاله، ومواضع الإقطاعات، وقد كان والده نائبًا لنظَّار الجيوش، وكان يهوديًا قرائيًا، فأسلم ولده هذا قبل وفاة نفسه بسنوات عشر أو نحوها، وقد كان ظاهره جيدًا واللَّه أعلم بسرِّه وسريرته، وقد تمرَّض قبل وفاته بشهر أو نحوه، حتى كانت وفاته في هذا اليوم، فصُلِّيَ عليه بالجامع الأموي تجاه النَّسر بعد العصر، ثم حُمل إلى تربة له أعدها في بستانه بحوش، وله من العمر قريب الخمسين. وفي أوائل هذا الشهر ورد المرسوم الشريف السلطاني بالردّ على نساء النصارى ما كان أخذ منهنَّ مع الجباية التي كان تقدم أخذها منهن، وإن كان الجميع ظلمًا، ولكن الأخذ من النساء أفحش وأبلغ في الظلم، واللَّه أعلم. وفي يوم الإثنين الخامسَ عشرَ منه أمر نائب السلطنة أعزه اللَّه بكبس بساتين أهل الذمة فوجد فيها من الخمر المعتصر في الخوابي والحُبَاب (٢) فأريقت عن آخرها وللَّه الحمد والمنة، بحيث جرت في الأزقَّة والطرقات. وفاض نهر تُورَا (٣) من ذلك، وأمر بمصادرة أهل الذمة الذين وجد عندهم ذلك بمال جزيل، وهم تحت الجباية، وبعد أيام نودي في البلد بأن نساء أهل الذمة لا تدخل الحمَّامات مع المسلمات، بل تدخل حمَّامات تختصُّ بهن، ومن دخل من أهل الذمة الرجال مع الرجال المسلمين يكون في رقاب الكفار علامات يُعرفون بها من أجراس وخواتيم. ونحو ذلك، وأمر نساء أهل الذمة بأن تلبس المرأة خفَّيها مخالفَين في اللَّون بأن يكون أحدهما أبيض والآخر أصفر أو نحو ذلك. ولما كان يوم الجمعة التاسعَ عشرَ من الشهر -أعني ربيع الآخر- طلب القضاة الثلاثة وجماعة من المفتين: فمن ناحية الشافعي نائباه، وهما القاضي شمس الدين الغَزِّي والقاضي بدر الدين بن وهبة، والشيخ جمال الدين ابن قاضي الزَّبداني، والمصنِّف الشيخ عماد الدين بن كثير والشيخ بدر الدين حسن الزُّرَعي، والشيخ تقي الدين الفارقي. ومن الجانب الآخر قاضيا القضاة جمال الدين المالكي والحنبلي، والشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي، والشيخ جمال الدين بن الشُّرَيشي (٤)، والشيخ عز الدين بن حمزة ابن شيخ السَّلامية الحنبلي، وعماد الدين الحنائي، فاجتمعت مع نائب السلطنة بالقاعة

стр. 7715

التي في صدر إيوان دار السعادة، وجلس نائب السلطنة في صدر المكان، وجلسنا حوله، فكان أول ما قال: كنَّا نحنُ التركَ وغيرنا إذا اختلفنا واختصمنا نجيء بالعلماء فيصلحون بيننا، فصرنا نحن إذا اختلفت العلماء واختصموا فمن يُصلح بينهم؟ وشرع في تأنيب من شنَّع على الشافعي بما تقدم ذكرُه من تلك الأقوال والأفاعيل التي كتبت في تلك الأوراق وغيرها، وأن هذا يشفي الأعداء بنا، وأشار بالصُّلح بين القضاة بعضهم من بعض، فصمَّم بعضهم وامتنع، وجرت مناقشات من بعض الحاضرين فيما بينهم، ثم حصل بحثٌ في مسائل، ثم قال نائب السلطنة أخيرًا: أما سمعتم قول اللَّه تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] فلانت القلوب عند ذلك، وأمر كاتب السر أن يكتبَ مضمون ذلك في مطالعة إلى الديار المصرية، ثم خرجنا على ذلك انتهى واللَّه أعلم (١). عودة قاضي القضاة السُّبكي إلى دمشقَ (٢): في يوم الأربعاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى قدم من ناحية الكُسْوة وقد تلقّاه جماعة من الأعيان إلى الصّنمين (٣) وما فوقها، فلما وصل إلى الكُسْوة كثر الناس جدًا، وقاربها قاضي قضاة الحنفية الشيخ جمال الدين بن السَّرَّاج، فلما أشرف من عقبة شحورا تلقاه خلائق لا يحصوْن كثرةً، وأُشعلت الشموع حتى مع النساء، والناس في سرور عظيم، فلما كان قريبًا من الجسورة تلقته الخلائق الخليفيين مع الجوامع والمؤذنون يكبِّرون، والناس في سرور عظيم، ولما قارب باب النصر وقع مطر عظيم والناس معه لا تسعهم الطرقات، يدعون له ويفرحون بقدومه، فدخل دار السعادة وسلَّم على نائب السلطنة، ثم دخل الجامع بعد العصر ومعه شموع كثيرة، والرؤساء أكثر من العامة. ولما كان يوم الجمعة ثاني شهر جمادى الآخرة ركب قاضي القضاة السبكي إلى دار السعادة وقد استدعى نائبُ السَّلطنة بالقاضيين المالكي والحنبلي، فأصلح بينهم، وخرج من عنده ثلاثتهم يتماشوْن إلى الجامع، فدخلوا دار الخطابة فاجتمعوا هناك، وضيَّفَهُما الشافعي، ثم حضرا خطبته الحافلة البليغة الفصيحة، ثم خرجوا ثلاثتُهم من جوا إلى دار المالكي، فاجتمعوا هنالك وضيَّفَهم المالكي هنالك ما تيسَّر. واللَّه الموفق للصواب (٤). وفي أوائل هذا الشهر وردت المراسيم الشريفة السلطانية من الديار المصرية بأن يجعل للأمير من إقطاعه النصف خاصًا له، وفي النصف الآخر يكون لأجناده، فحصل بهذا رفق عظيم بالجند، وعدلٌ كثير

стр. 7716

وللَّه الحمد، وأن يتجهز الأجناد ويحرصوا على السَّبق والرمي بالنشاب، وأن يكونوا مستعدين، متى استُنْفروا نَفَروا، فاستعدُّوا لذلك وتأهَّبوا لقتال الفرنج، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] الآية. وثبت في الحديث أن رسول اللَّه ﷺ قال على المِنْبر: "ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ" (١). وفي الحديث الآخر "ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي" (٢). وفي يوم الإثنين بعد الظهر عقد مجلس بدار السعادة للكشف على قاضي القضاة جمال الدين المَرْدَاوي الحنبلي بمقتضى مرسوم شريف ورد من الديار المصرية بذلك، وذلك بسبب ما يعتمده كثير من شهود مجلسه من بيع أوقاف لم يستوف فيها شرائط المذهب، وإثبات إعسارات أيضًا كذلك وغير ذلك انتهى. الوقعة بين الأمراء بالديار المصرية (٣): وفي العشر الأخير من جمادى الآخرة ورد الخبر بأن الأمير الكبير يَلْبُغا الخاصكي خرج عليه جماعة من الأمراء مع الأمير سيف الدين طَيْبُغا الطَّويل، فبرز إليهم إلى قبة القصر فالتقَوْا معه هنالك، فقتل جماعة وجرح آخرين، وانفصل الحال على مسك طَيْبُغا الطويل وهو جريح، ومسك أرغُون الإسْعَرْدي (٤) الدّويدار، وخلق من أمراء الألوف والطبلخانات، وجرت خبطة عظيمة استمر فيها الأمير الكبير يَلْبُغا على عزِّه وتأييده ونصره وللَّه الحمد والمنة. وفي ثاني رجب يوم السبت توجه الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الذي كان نائب دمشق إلى الديار المصرية بطلب الأمير يَلْبُغا ليؤكد أمره في دخول البحر لقتال الفرنج وفتح قبرص إن شاء اللَّه، انتهى واللَّه تعالى أعلم.

стр. 7717

مما يتعلّق بأمر بغداد (١): أخبرني الشيخ عبد الرحمن البغدادي أحد رؤساء بغداد وأصحاب التِّجارات، والشيخ شهاب الدِّين العطار -السّمْسار في الشرب بغدادي أيضًا- أن بغداد بعد أن استعادها أُوَيْس ملك العراق وخُراسان من يد الطَّواشي مَرْجان، واستحضره فأكرمه وأطلق له، فاتَّفقا أنَّ أصل الفتنة من الأمير أحمد أخي (٢) الوزير، فأحضره السلطان إلى بين يديه وضربه بسكِّين في كرشه فشقه، وأمر بعض الأمراء فقتله، فانتصر أهلُ السُّنَّة لذلك نصرة عظيمة، وأخذ خشبتَه أهلُ باب الأزج فأحرقوه، وسكنت الأمور وتَشَفَّوْا بمقتل الشيخ جمال الدّين الأنباري (٣) الذي قتله الوزير الرافضي فأهلكه اللَّه بعده سريعًا انتهى. وفاة قاضي القضاة عز الدين (٤) عبد العزيز بن جماعة (٥) الشافعي: وفي العشر الأول من شهر شعبان قدم كتاب من الديار المصرية بوفاة قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة بمكَّة شرّفها اللَّه، في العاشر من جُمادى الآخرة ودفن في الحادي عشر في باب المَعْلى (٦)، وذكروا أنّه توفي وهو يقرأ القرآن، وأخبرني صاحبه الشيخ محيي الدين الرحبي حفظه اللَّه تعالى: أنه كان يقول كثيرًا: أشتهي أن أموتَ وأنا معزولٌ، وأن تكونَ وفاتي بأحد الحرمين. فأعطاه اللَّه ما تمنَّاه. عزل نفسه في السَّنة الماضية، وهاجر إلى مكَّة، ثم قدم المدينة لزيارة رسول اللَّه ﷺ ، ثم عاد إلى مكَّة، وكانت وفاتُه بها في الوقت المذكور، فرحمه اللَّه وبلّ بالرحمة ثراه. وقد كان مولده في سنة أربع وتسعين، فتوفي عن ثلاث وسبعين سنة، وقد نال العزَّ، عزًّا في الدنيا ورفعة هائلة، ومناصب وتداريس كبار، ثم عزل نفسه وتفرغ للعبادة والمجاورة بالحرمين الشريفين، فيقال له ما قلته في بعض المراثي: فكأنَّك قد أُعلِمْتَ بالموت حتَّى … قد تزوَّدْتَ من خيار الزَّادِ وحضر عندي في يوم الثلاثاء تاسع شوال البَتْرك بشارةُ الملقَّب بميخائيل، وأخبرني أن المطارنة بالشَّام بايعوه على أن جعلوه بَتْركًا بدمشقَ عوضًا عن البترك بأنطاكية، فذكرت له أن هذا أمر مبتدع في دينهم، فإنَّه لا تكون البتَاركة إلا أربعة بالإسكندرية وبالقدس وبأنطاكية وبروميَّة، فنُقل بترك روميَّة إلى

стр. 7718

إسطنبول وهي القسطنطينية، وقد أنكر عليهم كثير منهم إذ ذاك، فهذا الذي ابتدعوه في هذا الوقت أعظم من ذلك. لكن اعتذر بأنَّه في الحقيقة هو عن أنطاكية، وإنّما أذن له في المقام بالشام الشريف لأجل أنه أمره نائب السلطنة أن يكتب عنه وعن أهل ملتهم إلى صاحب قبرص، يذكر له ما حل بهم من الخزي والنّكال والجناية بسبب عدوان صاحب قبرص على مدينة الإسكندرية، وأحضر لي الكتب إليه وإلى ملك إسطنبول، وقرأها علي من لفظه لعنه اللَّه ولعن المكتوب إليهم أيضًا. وقد تكلمتُ معه في دينهم ونصوص ما يعتقده كل من الطوائف الثلاث، وهم الملكية واليعقوبية، ومنهم الافرنج والقبط، والنسطورية، فإذا هو يفهم بعض الشيء، ولكن حاصله أنه حمار من أكفر الكفار لعنه اللَّه. وفي هذا الشهر بلغنا استعادة السُّلطان أُوَيْس ابن الشيخ حسن ملك العراق وخراسان لبغداد من يد الطواشي مَرْجان الذي كان نائبه عليهما، وامتنع من طاعة أوَيْس، فجاء إليه في جحافل كثيرة فهرب مَرْجان ودخل أُوَيس إلى بغداد دخولًا هائلًا، وكان يومًا مشهودًا (١). وفي يوم السبت السابع والعشرين من شعبان قدم الأمير سيف الدين بَيْدَمُر من الديار المصرية على البريد أمير مئة مقدم ألف، وعلى نيابة يَلْبُغا في جميع دواوينه بدمشقَ وغيرها، وعلى إمارة البحر وعمل المراكب، فلمّا قدم أمر بجمع جميع النشَّارين والنجارين والحدادين وتجهيزهم لبَيْروتَ لقطع الأخشاب، فسُيِّروا يوم الأربعاء ثاني رمضان وهو عازم على اللَّحاق بهم إلى هنالك وباللَّه المستعان. ثم أُتبعوا بآخرين من نجّارين وحدّادين وعتّالين وغير ذلك، وجعلوا كل من وجدوه من ركَّاب الحمير ينزلونَهُ ويَرْكَبُونها إلى ناحية البقَاع، وسخَّروا لهم من الصُّنَّاع وغيرهم، وجرت خبطة عظيمة، وتباكى عوائلُهم وأطفالُهم، ولم يسلَّفوا شيئًا من أجورهم، وكان من اللائق أن يسلَّفوه حتى يتركوه إلى أولادهم (٢). وخطب برهان الدين المقدسي الحنفي بجامع يَلْبُغا عن تقي الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين الكَفْري، بمرسوم شريف ومرسوم نائب صفد أسَنْدَمُر (٣) أخي يَلْبُغا، وشقَّ ذلك عليه وعلى جده وجماعتهم، وذلك يوم الجمعة الرابع من رمضان، هذا وحضر عنده خلق كثير. وفي يوم الخميس الرابع والعشرين منه قُرئ تقليد قاضي القضاة شرف الدين ابن قاضي الجبل لقضاء الحنابلة، عوضًا عن قاضي القضاة جمال الدين المَرْدَاوي، عزل هو والمالكي معه أيضًا، بسبب أمور تقدَّم نسبتُها لهما، وقُرئ التقليد بمحراب الحنابلة، وحضر عنده الشافعي والحنفي، وكان المالكي معتكفًا بالقاعة من المنارة الغربية، فلم يخرج إليهم لأنَّه معزول أيضًا بسر الدين قاضي حماة، وقد وقعت شرور وتخبيط بالصَّالحية وغيرها.

стр. 7719

وفي صبيحة يوم الأربعاء الثلاثين من شهر رمضان خلع على قاضي القضاة سري الدين إسماعيل (١) المالكي، قدم من حماة على قضاء المالكية، عوضًا عن قاضي القضاة جمال الدين المسَلَّاتي، عُزل عن المنصب، وقُرئ تقليده بمقصورة المالكية من الجامع، وحضر عنده القضاة والأعيان. وفي صبيحة يوم الأربعاء سابع شوال قدم الأمير حيار بن مهنا إلى دمشق سامعًا مُطيعًا، بعد أن جرت بينه وبين الجيوش حروب متطاولة، كل ذلك ليطأ البساط، فأبى خوفًا من المسك والحبس أو القتل، فبعد ذلك كله قدم هذا اليوم قاصدًا الديار المصرية ليصطلح مع الأمير الكبير يَلْبُغا، فتلقَّاه الحجَبة والمهمنداريّة والخلق، وخرج الناس للفرجة، فنزل القصر الأبلق، وقدم معه نائب حماة عمر شاه فنزل معه. وخرج معه ثاني يوم إلى الديار المصرية (٢). وأقرأني القاضي ولي الدين عبد اللَّه وكيل بيت المال كتاب والده قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية، أن الأمير الكبير جدَّد درسًا بجامع ابن طولون فيه سبعة مدرِّسين للحنفية، وجعل لكل فقيه منهم في الشهر أربعين درهمًا، وإردَبَّ قمح، وذكر فيه أن جماعة من غير الحنفية انتقلوا إلى مذهب أبي حنيفة لينزلوا في هذا الدرس. درس التفسير بالجامع الأموي: وفي صبيحة يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شوال سنة سبع وستين وسبعمئة حضرتُ درس التَّفسير الذي أنشأه ملك الأمراء نائب السلطنة الأمير سيف الدين مَنْكُلي بغا رحمه اللَّه تعالى من أوقاف الجامع الذي جددها في حال نظره عليه أثابه اللَّه، وجعل من الطلبة من سائر المذاهب خمسةَ عشرَ طالبًا لكل طالب في الشهر عشرة دراهم، وللمعيد عشرون ولكاتب الغيبة عشرون، وللمدِّرس ثمانون، وتصدَّق حين دعوته لحضور الدرس، فحضر واجتمع القضاة والأعيان، وأخذتُ في أول تفسير الفاتحة، وكان يومًا مشهودًا وللَّه الحمد والمنة، وبه التوفيق والعفة انتهى. سنة ثمان وستين وسبعمئة (استهلت وسلطان البلاد المصرية والشامية والحرمين الشريفين وما يتغ ذلك من الأقاليم الملك الأشرف بن الحسين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأتابك العساكر ومدبر مملكته الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي، ونائب دمشق الأمير سيف الدين منكلي بغا. . .) (٣).

стр. 7720

وقاضي قضاة الحنابلة الشيخ شرف الدين أحمد بن الحسن ابن قاضي الجبل المقدسي، وناظر الدواوين سعد الدين بن التاج إسحاق؛ وكاتب السر فتح الدين بن الشهيد، وهو شيخ الشيوخ أيضًا، وناظر الجيوش الشامية برهان الدين بن الحِلِّي، ووكيل بيت المال القاضي ولي الدين ابن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء. انتهى. سفر نائب السَّلطنة إلى الديار المصرية: لما كانت ليلة الحادي والعشرين (١) قدم طَشْتَمُر دويدار يَلْبُغا على البريد، فنزل بدار السعادة، ثم ركب هو ونائب السلطنة بعد العشاء الأخيرة في المشاعل، والحجَبة بين أيديهما والخلائق يدعون لنائبهم، واستمرُّوا كذلك ذاهبين إلى الديار المصرية، فأكرمه يَلْبُغا وأنعم عليه، وسأله أن يكون ببلاد حلبَ، فأجابه إلى ذلك وعاد فنزل بدار سَنْجَر الإسماعيلي، وارتحل منها إلى حلب، وقد اجتمعتُ به هنالك وتأسَّف الناس عليه، وناب في الغيبة الأمير سيف الدين زبالة، إلى أن قدم النائب المعز السيفي آقْتَمُر (٢) عبد الغني على ما سيأتي. وتوفي القاضي شمس الدين (٣) بن منصور الحنفي الذي كان نائب الحكم ﵀ يوم السبت السادس والعشرين من المحرم، ودفن بالباب الصغير، وقد قارب الثمانين. وفي هذا اليوم أو الذي بعده توفي: القاضي شهاب الدين أحمد (٤) بن الوَزْوَازَة ناظر الأوقاف بالصّالحية. وفي صبيحة يوم الجمعة ثالث صفر نُودي في البلد أن لا يتخلف أحد من أجناد الحلقة عن السفر إلى بيروت، فاجتمع الناس لذلك فبادر الناس والجيش ملبسين إلى سطح المِزَّة، وخرج ملك الأمراء أمير علي كان نائب الشام من داره داخل باب الجابية في جماعته ملبسين في هيئة حسنة وتجمُّل هائل، وولده الأمير ناصر الدين محمد وطلبه معه، وقد جاء نائب الغيبة والحجَبة إلى بين يديه إلى وطاقه وشاوروه في الأمر، فقال: ليس لي هاهنا أمر، ولكن إذا حضر الحرب والقتال فلي هناك أمر، وخرج خلق من الناس متبرِّعين، وخطب قاضي القضاة تاج الدين الشافعي بالناس يوم الجمعة على العادة، وحرَّض النَّاسَ على الجهاد، وقد ألبس جماعةً من غلمانه اللأمة والخُوَذ وهو على عزم المسير مع الناس إلى بيروت وللَّه الحمد والمنة.

стр. 7721

ولما كان من آخر النهار رجع الناس إلى منازلهم وقد ورد الخبر بأن المراكب التي رؤيت في البحر إنما هي مراكب تجار لا مراكب قتال، فطابت قلوب الناس، ولكن ظهر منهم استعداد عظيم وللَّه الحمد. وفي ليلة الأحد خامس صفر قُدِمَ بالأمير سيف الدين قَشْتَمُر (١) الذي كان إلى آخر وقت نائب حلب محتاطًا عليه بعد العشاء الآخرة إلى دار السعادة بدمشق، فسُيِّر معزولًا عن حلب إلى طرابُلُس بطالًا، وبعث في سرجين صحبة الأمير علاء الدين بن صُبْح. وبلغنا وفاةُ الشيخ جمال الدين (٢) بن نُبَاتة حامل لواء شعراء زمانه بديار مصر بمارستان الملك المنصور قلاوون، وذلك يوم الثلاثاء سابع صفر من هذه السنة رحمه اللَّه تعالى. وفي ليلة ثامنه هرب أهل حبس السَّدّ من سجنهم وخرج أكثرهم فارسل الولاة صبيحة يومئذ في أثرهم فمسك كثير ممَّن هرب فضربوهم أشد الضرب، وردوهم إلى شرِّ المنقلب. وفي يوم الأربعاء خامس عشره نُودي بالبلدان أن لا يُعامل الفرنج البنادقة والجنوية والكيتلان واجتمعتُ في آخر هذا اليوم بالأمير زين الدين زبالة نائب الغيبة النازل بدار الذهب فأخبرني أن البريدي أخبره: أن صاحب فبرص رأى في النجوم أن قبرص مأخوذة، فجهز مركبين من الأسرى الذين عنده من المسلمين إلى يَلْبُغا؛ ونادى في بلاده أنَّ من كتم مسلمًا صغيرًا أو كبيرًا قتل، وكان من عزمه أن لا يُبقيَ أحدًا من الأسارى إلا أرسله. وفي آخر نهار الأربعاء خامس عشره قدم من الديار المصرية قاضي القضاة جمال الدين المسلَّاتي المالكي الذي كان قاضي المالكية فعزل في أواخر رمضان من العام الماضي، فحجَّ ثم قصد الديار المصرية فدخلها لعله يستغيث فلم يصادفه قبول، فادّعى عليه بعضُ الحجّاب وحصل له ما يسوءه، ثم خرج إلى الشام فجاء فنزل في التُّربة الكاملية شمالي الجامع، ثم انتقل إلى منزل ابنته متمِّرضًا، والطلابات والدعاوى والمصالحات عنه كثيرة جدًا (٣)، فأحسن اللَّه عاقبته. وفي يوم الأحد بعد العصر دخل الأمير سيف الدين طَيْبُغا الطَّويل من القدس الشريف إلى دمشقَ فنزل بالقصر الأبلق، ورحل بعد يومين أو ثلاثة إلى نيابة حماة حرسها اللَّه بتقليد من الديار المصرية.

стр. 7722

وجاءت الأخبار بتولية الأمير سيف الدين مَنْكُلي بُغَا نيابة حلب عوضًا عن نيابة دمشق وأنه حصل له من التشريف والتكريم والتشاريف بديار مصر شيء كثير ومال جزيل وخيول وأقمشة وتحف يشقُّ حصرُها، وأنه قد استقر بدمشق الأمير سيف الدين آقْتَمُر (١) عبد الغني، الذي كان حاجب الحجَّاب بمصر، وعوض عنه في الحجوبية الأمير علاء الدين طَيْبُغا أستاذ دار يَلْبُغا وخلع على الثلاثة في يوم واحد. وفي يوم الأحد حادي عشر ربيع الأول اشتهر في البلد قضية الفرنج أيضًا بمدينة الإسكندرية وقدم بريدي من الديار المصرية بذلك، واحتيط على من كان بدمشق من الفرنج وسجنوا بالقلعة وأُخذت حواصلهم، وأخبرني قاضي القضاة تاج الدين الشافعي يومئذ أن أصل ذلك أن سبعة مراكب من التجار من البنادقة من الفرنج قدموا إلى الإسكندرية فباعوا بها واشتروا، وبلغ الخبر إلى الأمير الكبير يَلْبُغا أن مركبًا من هذه السبعة إلى صاحب قبرص، فأرسل إلى الفرنج يقول لهم: أن يسلِّموا هذه المراكب فامتنعوا من ذلك وبادروا إلى مراكبهم، فأرسل في آثارهم ستٍّ شواني مشحونة بالمقاتلة، فالتقَوا هم والفرنج في البحر، فقتل من الفريقين خلق، ولكن من الفرنج أكثر، وهربوا فارِّين بما معهم من البضائع، فجاء الأمير علي الذي كان نائب دمشق أيضًا في جيش مبارك ومعه ولده ومماليكه في تجمُّل هائل، فرجع الأمير علي واستمر نائب السلطنة حتى وقف على بيروت ونظر في أمرها، وعاد سريعًا. وقد بلغني أن الفرنج جاؤوا طرابُلس غزاةً وأخذوا مركبًا للمسلمين من الميناء وحرفوه، والناس ينظرون ولا يستطيعون دفعهم ولا منعهم؛ وأن الفرنج كرُّوا راجعين، وقد أسروا ثلاثة من المسلمين، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. انتهى واللَّه أعلم. مقتل يَلْبُغا الأمير الكبير (٢): جاء الخبر بقتله إلينا بدمشق في ليلة الإثنين السابع عشر من ربيع الآخر مع أسيرين جاءا على البريد من الديار المصرية، فأخبرا بمقتله في يوم الأربعاء ثاني عشر هذا الشهر: تمالأ عليه مماليكه حتى قتلوه يومئذ، وتغيَّرت الدولة ومُسك من أمراء الألوف والطبلخانات جماعة كثيرة، واختبطت الأمور جدًا، وجرت أحوال صعبة، وقام بأعباء القضية الأمير سيف الدين طَغَيْتَمُر (٣) النظامي وقوي جانب السُّلطان ورشد، وفرح أكثر الأمراء بمصرَ بما وقع، وقدم نائب السلطنة إلى دمشق من بيروت، فأمر بدقِّ البشائر،

стр. 7723

وزينت البلد، ففعل ذلك، وأطلقت الفرنج الذين كانوا بالقلعة المنصورة فلم يَهُن ذلك على الناس. وهذا آخر ما وُجد من التاريخ والحمد للَّه وحده، وصلواته على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. تم الجزء السادس عشر من تاريخ ابن كثير -بعون اللَّه-. وكان الفراغ من تحقيقه يوم الجمعة السادس من شهر رجب المعظم عام ١٤١٢ هـ الموافق للعاشر من شهر كانون الثاني عام ١٩٩٢ م. وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين. حسن إسماعيل مَرْوة وقد فرغ من مراجعته وتخريج أحاديثه (عبد القادر الأرناؤوط) بتاريخ (١) ربيع الأول (١٤٢٠) هـ الموافق (١٥) حزيران (١٩٩٩) م ونظرت فيه الآن - وانتهت المراجعة ٨ ربيع الأول ١٤٢٥ هـ الموافق ٢٧ نيسان ٢٠٠٤ م * * *

стр. 7724

المصادر والمراجع ١ - الإحاطة في أخبار غرناطة للسان الدين بن الخطيب، تحقيق محمد عبد اللَّه عنان. دار المعارف القاهرة ١٩٥٥ م. ٢ - أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير، تحقيق محمد إبراهيم البنا ومحمد أحمد عاشور ومحمود عبد الوهاب فايد، مطبعة الشعب - القاهرة - ١٩٧٠ م. ٣ - الأعلام لخير الدين الزركلي - دار العلم للملايين (ط ٦). بيروت. ٤ - إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء للعلّامة محمد راغب الطباخ. ٥ - أعلام النساء لعمر رضا كحالة - المطبعة الهاشمية بدمشق (ط ٢) (١٩٥٩ م). ٦ - أطلس تاريخ الإسلام، د. حسين مؤنس، دار الزهراء - القاهرة (ط ١) ١٩٨٧ م. ٧ - بدائع الزهور لابن إياس الحنفي، تحقيق محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة (ط ٢) مصورة عن الطبعة الأولى ١٩٨٤ م. ٨ - بغية الوعاة للسيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - البابي الحلبي مصر (ط ١) (١٩٦٤ م) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - مطبعة محمد عيسى الحلبي القاهرة ١٩٦٤ م. ٩ - تاج العروس للزبيدي، تحقيق جماعة من المحققين، حكومة الكويت، صدر منه أجزاء. ١٠ - تاريخ ابن خلدون، مؤسسة جمال للطباعة والنشر، بيروت - ١٩٧٩ م. ١١ - تاريخ ابن عساكر تحقيق صلاح الدين المنجد، مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق ١٩٥١ م. ١٢ - تاريخ الخلفاء للسيوطي. ١٣ - التحفة السنيّة لابن الجيعان، القاهرة. ١٤ - التعريف بمصطلحات "صبح الأعشى" محمد قنديل البقلي - الهيئة المصرية للكتاب ١٩٨٣ م. ١٥ - تقويم البلدان للملك المؤيد عماد الدين إسماعيل دار الطباعة السلطانية باريس ١٨٤٠ م. ١٦ - الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي. دار إحياء التراث العربي - بيروت (ط ٢) ١٩٥٢ م. ١٧ - جمهرة النسب للكلبي تحقيق محمود فردوس العظم دار اليقظة العربية - دمشق (ط ١) ١٩٨٣ م. ١٨ - الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفية، تحقيق الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو ومحمود الطناحي القاهرة.

стр. 7725

١٩ - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة - لجلال الدين السيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي - القاهرة - (ط ١) عام ١٩٦٧ م. ٢٠ - الحيوان للجاحظ تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون - المجمع العلمي العربي الإسلامي - بيروت (ط ٢) ١٩٦٥ م. ٢١ - خطط الشام لمحمد كرد علي. دمشق. ٢٢ - خطط المقريزي (المواعظ والاعتبار في الخطط والآثار). مطبعة بولاق - القاهرة ١٣٩٤ هـ. ٢٣ - الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي - تحقيق جعفر الحسني - مطبعة الترقي - دمشق - الجزء الأول (ط ١) ١٩٤٨ م والجزء الثاني (ط ١) ١٩٥١ م. ٢٤ - الدرر الكامنة لابن حجر، مصورة في بيروت. ٢٥ - الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي، تحقيق محمود الأرناؤوط ومحمد بدر الدين قهوجي مكتبة دار العروبة - الكويت - (ط ٢) ١٩٨٩ م ٢٦ - الدليل الشافي لابن تغري بردي، تحقيق فهيم محمد شلتوت - مكتبة الخانجي - القاهرة ومركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بمكة المكرمة (ط ١) ١٩٧٩ م. ٢٧ - دمشق تاريخ وصور للدكتور قتيبة الشهابي. ٢٨ - دول الإسلام للذهبي، دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد الدكن - الهند ١٣٦٥ هـ. ٢٩ - الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب لبرهان الدين إبراهيم بن فرحون اليعمري المالكي مطبعة المعاهد - القاهرة - (ط ١) سنة ١٣٥١ هـ. ٣٠ - ديوان مجنون ليلى. تحقيق عبد الستار أحمد فرّاج، مكتبة مصر. ٣١ - ديوان المتنبي بشرح العكبري، تحقيق مصطفى السقا. دار المعرفة بيروت. ٣٢ - الذيل التام على دول الإسلام - للسخاوي - تحقيق حسن إسماعيل مروة طبع دار ابن العماد بيروت (ط ١) الجزء الأول ١٩٩٢ م. ٣٣ - ذيل طبقات الحنابلة لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد البغدادي الحنبلي المعروف بابن رجب باعتناء حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية - القاهرة ١٩٥٢ م. ٣٤ - ذيل العبر للذهبي وللحسيني، تحقيق محمد رشاد عبد المطلب، مطبعة حكومة الكويت سنة ١٩٧٠ م. ٣٥ - ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني، الناشر محمد أمين دمج - دار إحياء التراث العربي. ٣٦ - رفع الإصر عن قضاة مصر لابن حجر العسقلاني، تحقيق الدكتور حامد عبد المجيد، المطبعة الأميرية - القاهرة - ١٩٥٧ م.

стр. 7726

٣٧ - السحب الوابلة لابن حميد النجدي. ٣٨ - سنن أبي داود ضبط محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٩٨٠ م. ٣٩ - سنن ابن ماجه تحقيق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، مصورة المكتبة العلمية بيروت. ٤٠ - سنن التِّرمذي إبراهيم عبد الغفار الدسوقي، وسنن الترمذيّ (الجامع الصحيح) تحقيق أحمد محمد شاكر - إحياء التراث العربي بيروت. ٤١ - سنن النّسائي، اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية حلب ١٩٨٦ م. ٤٢ - شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي - دار المسيرة - بيروت - (ط ٢) ١٩٧٩ م. ٤٣ - صبح الأعشى للشيخ أبي العباس أحمد القلقشندي - دار الكتب المصرية (ط ١) القاهرة ١٩٢٢ م. ٤٤ - صحيح البخاري تحقيق د. مصطفى ديب البغا، دار العلم للملايين (ط ١) بيروت. ٤٥ - صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - دار إحياء التراث العربي - بيروت. ٤٦ - الطالع السعيد للشيخ الإمام أبي الفضل كمال الدين جعفر بن ثعلب الإدفوي الشافعي، تحقيق سعد محمد حسن - الدار المصرية للتأليف والترجمة (ط ١) ١٩٦٦ م. ٤٧ - طبقات الأولياء لابن الملقن تحقيق نور الدين شريبة - الخانجي - القاهرة - (ط ١) ١٩٧٣. ٤٨ - طبقات الشافعية للإسنوي، لجمال الدين عبد الرحيم الإسنوي، تحقيق د. عبد اللَّه الجبوري مطبعة الإرشاد - بغداد - ١٩٧٠ م. ٤٩ - طبقات الشافعية للسبكي لتاج الدين عبد الوهاب السبكي، المطبعة الحسينية المصرية (ط ١) ١٣٢٤ هـ. ٥٠ - طبقات صلحاء اليمن المعروف بتاريخ البريهي تحقيق عبد اللَّه محمد الحبشي - دار الآداب بيروت (ط ١) ١٩٨٣ م. ٥١ - العبر للذهبي تحقيق د. صلاح الدين المنجد مطبعة حكومة الكويت ١٩٦٠ م. ٥٢ - العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين لتقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي المكي مطبعة السنة المحمدية - القاهرة - ١٩٥٨ م. ٥٣ - عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري - الهيئة العامة للكتاب القاهرة وبيروت مصورة عن دار الكتب المصرية ١٩٢٥ م. ٥٤ - غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري عني بنشره. ج. براجستراسر القاهرة ١٩٣٢ م. ٥٥ - فوات الوفيات. لصلاح الدين الكتبي، تحقيق د. إحسان عباس. دار صادر بيروت (ط ١) ١٩٧٣.

стр. 7727

٥٦ - القاموس المحيط للفيروز أبادي - مكتبة النوري مصورة عن شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده. ٥٧ - قضاة دمشق لابن طولون تحقيق. د. صلاح الدين المنجد، مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق (ط ١) ١٩٥٦ م. ٥٨ - القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية لابن طولون. تحقيق محمد أحمد دهمان، دمشق ١٩٤٩ م. ٥٩ - قنعة الأريب في تفسير الغريب لموفق الدين بن قدامة المقدسي، تحقيق: الدكتور على حسين البواب، دار أمية للنشر والتوزيع. الرياض (ط ١) ١٤٠٦ هـ. ٦٠ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاج خليفة، مصورة دار العلوم الحديثة بيروت عن طبعة أستامبول. ٦١ - اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير. مكتبة القدسي (ط ١) القاهرة سنة ١٣٥٧ هـ. ٦٢ - لسان العرب لابن منظور المصري - دار صادر ودار بيروت ١٩٥٥ م. ٦٣ - مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور المصري، تحقيق جماعة من المحققين، دار الفكر دمشق ١٩٨٤ م. ٦٤ - مرآة الجنان لليافعي - دار المعارف النظامية حيدر آباد سنة ١٣٣٧ هـ. ٦٥ - مسند الإمام أحمد المكتب الإسلامي بيروت (ط ١) سنة ١٩٦٩ م. ٦٦ - معجم البلدان لياقوت الحموي - دار صادر ودار بيروت، بيروت ١٩٨٤ م. ٦٧ - منادمة الأطلال للعلامة عبد القادر بدران - المكتب الإسلامي (ط ٢) ١٩٨٥ م بيروت. ٦٨ - النجوم الزاهرة لابن تغري بردي الأتابكي، تحقيق مجموعة من المحققين، الهيئة المصرية العامة للكتاب (ط ١) سنة ١٩٧٢ م. ٦٩ - النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، تحقيق طاهر الزاوي والدكتور محمود الطناحي. القاهرة ١٩٦٢ م. ٧٠ - الوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي، تحقيق جماعة من المستشرقين والعرب، نشر منه أجزاء حتى الآن. ٧١ - وفيات الأعيان لابن خلكان. تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر بيروت ١٩٧٧ م. ٧٢ - الوفيات لابن رافع. تحقيق صالح مهدي عباس، مؤسسة الرسالة بيروت (ط ١) ١٩٨٢ م. * * *

стр. 7728

البداية والنهاية «النهاية: ذكر الآخرة وأحوالها. .» تأليف الإمام الحافظ المؤرخ أبي الفداء إسماعيل بن كثير [٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ] حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط الجزء السابع عشر

стр. 7729

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المحقق إنَّ الحمد للَّه نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده اللَّه فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فهذا هو الجزء الأخير من كتاب "البداية والنهاية" للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير البُصروي الدمشقي المتوفى سنة (٧٧٤ هـ) ﵀، ذكر فيه ما يكون في نهاية الزمان من ملاحم وفتن وأحداث، وهي من علامات قيام الساعة، فذكر ما يقع من الفتن جملة ثم فصَّلها، كافتراق الأمم، وما يحدث من الشرور في هذه الأمة في آخر الزمان، وظهور المهدي المنتظر، وهو (محمد بن عبد اللَّه) الذي يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ ، واسمُ أبيه اسم أبي النبي ﷺ ، وبين بأنه يكون من أولاد فاطمة ﵂، بنت رسول اللَّه ﷺ ، وهو رجل من علماء الأمة الإسلامية، ليس نبيًا ولا رسولًا، ولكنه مؤمن عالم يدعو إلى ما دعا إليه نبينا محمد ﵊، يدعو إلى الإيمان، ويحارب الكفر والطغيان، وذكر بعض النصوص الواردة في ظهوره، وأنه من علامات الساعة الكبرى، وذكر أن من الفتن العظام خروج الدجال الأعور الكذاب الكافر الذي يدعو إلى الكفر والضلال، وذكر ما ورد من النصوص الصحيحة في حقه لعنه اللَّه، وأنه أيضًا من علامات الساعة الكبرى، كما ذكر كثيرًا من النصوص الواردة في حق نزول عيسى ﵇ من السماء، وأنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وهي نصوص صحيحة ومتواترة، وأنه يدعو إلى توحيد اللَّه تعالى والعمل بشريعة نبينا محمد ﵊، التي هي آخر الشرائع، وقد نسخت شريعته جميع الشرائع، ولا شريعة بعدها إلى يوم القيامة، فيقوم عيسى ابن مريم ﵇ في ذلك الزمان ومعه المهدي المنتظر، ويدعوان الناس إلى الإسلام، والعمل بالقرآن وشريعة النبي محمد ﵊ في كل مكان، ويلحق عيسى ابنُ مريم الدجالَ الكافر حتى يدركه بباب لُدٍّ في فلسطين فيقتله، وينتهي الناس من شره، ويسود الأمن والاستقرار في زمن عيسى ﵇، وينتشر الإسلام في كل مكان، ويتحقق قول اللَّه تعالى في القرآن ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] فيعم الإسلام الأرض كلها، كما يتحقق قول نبينا محمد ﵊: "لَيَبْلُغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللَّه

стр. 7730

بيت مدر ولا وَبَر، إلا أدخله اللَّه هذا الدين، بعِر عزيز، أو بذُل ذليل، عزًّا يُعزُّ اللَّه به الإسلام، وذُلًّا يُذلُّ به الكفر" (١). فيعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادِّياتهم وسلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلَّبوا على قوى الكفر والطغيان، وهذا ما بشَّر به رسول اللَّه ﷺ ، وتُظهر الأرض خيراتها وبركاتها، ويعيش المسلمون في أمن وإيمان، وراحة واطمئنان، إلى أن يتوفى عيسى ابن مريم ﵇، ثم بعد ذلك تنتشر الفتن في كل مكان، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. كما ذكر المؤلف ﵀ بعض ما يتعلق بالفتن في آخر الزمان، كخروج يأجوج ومأجوج، وغيرها من الفتن العظام التي تحصل في ذلك الزمان، وما جاء في ظهور الدخان، وأن نارًا تخرج من قعر عدن تحشر الناس، وأنها إذا خرجت، فعلى الناس أن يلجؤوا إلى بلاد الشام، لأنها تكون أبعد عن الفتن من غيرها، وذكر من علامات الساعة طلوع الشمس من مغربها، وهي آخر علامات الساعة الكبرى الدالة على قيام الساعة. كما ذكر ما يتعلق بالصور، ونفخة الصعق، وذكر أحاديث في البعث والنشور، وأن الناس يبعثون يوم القيامة حُفاة عُراة غُرلًا، وذكر ما يتعلق بأهوال يوم القيامة، وما ورد في المقام المحمود الذي خُص به رسول اللَّه ﷺ ، وما ورد في الحوض النبوي، والصراط، وكيفية الحشر يوم القيامة، وصفة النار وما فيها من العذاب، وما ورد من الأحاديث في شفاعة رسول اللَّه ﷺ يوم القيامة، كما ذكر صفة الجنة ونعيمها، وما ورد في أشجارها وغراسها وثمارها، وأن أعلى الخلق في الجنة منزلة محمد رسول اللَّه ﷺ ، وأن أمته أكثر أهل الجنة، إلى غير ذلك من الأمور التي لها علاقة بالجنة وأهلها، فجزاه اللَّه تعالى خير الجزاء، وحشرنا وإياه يوم القيامة، مع الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، ذلك الفضل من اللَّه، وكفى باللَّه عليمًا. منهج التحقيق: لقد اعتمدنا في إخراج هذا الجزء من الكتاب على بعض النسخ المطبوعة، وقابلناها على مخطوطة المكتبة الأحمدية في حلب وقد رمزنا لها بحرف (أ)، وهي نسخة كاملة، وفيها زيادات مقحمة، وهي تعليقات لبعض العلماء، وفيها أخطاء كثيرة، وقد حصلنا أثناء التحقيق على مصورة نسخة خطية جيدة أصلها من فاس بالمغرب محفوظة في خزانة معهد المخطوطات العربية في القاهرة، عن طريق ولدنا وتلميذنا العزيز الأستاذ محمود الأرناؤوط لحرصه على إخراج الكتاب بأفضل صورة، جزاه اللَّه تعالى خيرًا ونفع به، وهي نسخة قيمة منسوخة عن نسخة قرئت على المصنف، وعليها تعليقات أيضًا _________ (١) رواه أحمد في "المسند" (٤/ ١٠٣) من حديث تميم الداري ﵁ وإسناده صحيح.

стр. 7731

في بعض المواضع، فكان اعتمادنا عليها في أكثر الأحوال، وقابلنا الكتاب عليها من أوله إلى آخره. وتبدأ هذه النسخة ببداية كتاب الفتن والملاحم من "البداية والنهاية"، وتنتهي بنهايته، وقد رمزنا لها بحرف (م)، وأصلها من خزانة جامعة القرويين بفاس برقم (٤٠/ ٢٤٨). وأفدنا من الطبعة الصادرة عن دار هجر بالقاهرة بإشراف الأستاذ الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، ورمزنا لها في الحواشي بحرف (ط). ثم قمنا بتحقيق هذا الجزء من الكتاب، والتعليق عليه، وتخريج أحاديثه، وشرح بعض الكلمات الغريبة الواردة فيه، والتعريف ببعض الأعلام، وغير ذلك، ونرجو اللَّه تعالى أن يكون هذا الجزء قد خرج بما قمنا به من عمل في تحقيقه على النحو الذي يرضي اللَّه تعالى، وأن ينتفع به طلاب العلم إن شاء اللَّه. وقد ساعد في مقابلته والتعليق عليه بعض طلاب العلم جزاهم اللَّه تعالى خيرًا. ونسأل اللَّه تعالى أن ينفع بهذا الجزء من الكتاب من قرأه من العلماء وطلاب العلم، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، كما نشكر كل من أعان على نشر هذا الكتاب العظيم، ونخص بالذكر منهم الأستاذ علي مستو صاحب دار ابن كثير الذي تحمَّل من العناء في سبيل طبع هذا الكتاب سنوات عديدة. كما نشكر كل من بذل مجهودًا في سبيل إخراج هذا الكتاب، ونخص منهم بالذكر ولدنا وتلميذنا العزيز الأستاذ محمود الأرناؤوط الذي كان يحثنا على تحقيق هذا الجزء من الكتاب، وعلى القيام بمراجعة نصوص الأحاديث الواردة في الأجزاء المتقدمة والحكم عليها، فجزى اللَّه تعالى الجميع خيرًا. وفي الختام نسأل اللَّه تعالى أن يتولانا جميعًا بعنايته، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين. دمشق في غرة شهر اللَّه المحرم لعام ١٤٢٥ هـ عبد القادر الأرناؤوط خادم السنة النبوية بدمشق * * *

стр. 7732

صورة الصفحة الأولى من المخطوطة المغربية المعتمدة كأصل في التحقيق لهذا الجزء صورة الصفحة الأخيرة من المخطوطة المغربية المعتمدة كأصل في تحقيق هذا الجزء

стр. 7733

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة المؤلف (١) هو الإمام الحافظ المؤرِّخ المفسِّر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عُمَر بن كثير بن ضوء بن كثير القرشي البُصْروي ثم الدمشقي. ولد بـ (مُجَيدل القرية) من أعمال بُصرى سنة (٧٠١ هـ) وكان أبوه خطيبًا بها، انتقل إلى دمشق سنة (٧٠٧ هـ) مع أخيه كمال الدين عبد الوهَّاب بعد موت أبيه، نشأ من نعومة أظفاره على مائدة العلم، بدأ طلب العلم على يد أخيه كمال الدين، ثم على يد كبار علماء دمشق، حفظ القرآن الكريم وعمره (١٠) سنوات، وقرأ بالقراءات، وبرع في التفسير، ودرس الفقه على كبار علماء دمشق، منهم برهان الدين الفزاري، وكمال الدين ابن قاضي شهبة، ثم تزوج بنت الحافظ أبي الحجاج جمال الدين يوسف بن الزكي المِزِّي، ودرس عليه، واستفاد منه، وكان من كبار علماء الجرح والتعديل، وهو صاحب كتاب (تهذيب الكمال في أسماء الرجال) وصحب شيخ الإسلام ابن تيمية، وقرأ عليه واستفاد منه، كما قرأ على كبار العلماء في عصره، وبرع في الففه والتفسير والحديث، ومعرفة الأسانيد والعلل والرجال والتاريخ، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية الجوانية بعد موت السبكي. وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، أثنى عليه الأئمة، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير، واستفاد منه جمع من طلاب العلم في عصره. له مؤلفات كثيرة، منها أحكام التنبيه في الفقه الشافعي، والاجتهاد في طلب الجهاد، واختصار علوم الحديث لابن الصلاح، وجامع المسانيد، وطبقات الشافعية، والتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل، والفصول في اختصار سيرة الرسول ﷺ ، والتفسير، وهو من خيرة مصنّفاته، _________ (١) ومظانها المصادر الآتية: "المعجم المختص" ص (٧٤ - ٧٥) و"ذيل العبر" لابن العراقي (٢/ ٣٥٨) و"ذيل تذكرة الحفاظ" ص (٥٧) و"طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٣) و"الرّد الوافر" ص (٩٢) و"إنباء الغمر" (١/ ٤٥) و"الدرر الكامنة" (١/ ٣٧٣) و"النجوم الزاهرة" (١١/ ١٢٣) و"طبقات الحفاظ" ص (٥٢٩) و"الدارس في تاريخ المدارس" (١/ ٣٦) و"طبقات المفسِّرين" (١/ ١١٠) و"شذرات الذهب" (٨/ ٣٩٧ - ٣٩٩) تحقيق ولدي وتلميذي العزيز الأستاذ محمود الأرناؤوط، بإشرافي، طبع دار ابن كثير بدمشق، و"البدر الطالع" (١/ ١٥٣) و"هدية العارفين" (١/ ٢١٥) و"الأعلام" (١/ ٣٢٠) و"معجم المؤلفين" (١/ ٣٧٣) طبع مؤسسة الرسالة ببيروت.

стр. 7734

وقد فسر فيه القرآن بالقرآن ثم بالحديث ثم بأقوال الصحابة والتابعين، وهو من أحسن التفاسير لطلاب العلم. و (البداية والنهاية) وهو مرجع كبير في التاريخ والتراجم، وهذا هو الجزء الأخير منه. وقد عاش ﵀ حياة حافلة بالعلم إلى آخر عمره، وفقد بصره في آخر حياته، وهو يؤلف كتاب (جامع المسانيد) فبارك اللَّه في عمره إلى أن توفي ﵀ يوم الخميس في السادس والعشرين من شعبان سنة (٧٧٤ هـ) بدمشق، ودفن قريبًا من شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما اللَّه تعالى رحمة واسعة، وأسكنهما فسيح جنانه.

стр. 7735

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل الحمد للَّه، وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد: فهذا كتاب الفتن والملاحم (١) الواقعة في آخر الزمان مما أخبر به رسول اللَّه ﷺ وذِكر أشراط الساعة والأمور العظام التي تكون قبل يوم القيامة، مما يجب الإيمان بها، كما أخبر بها الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى، وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا إخبارَه ﷺ عن الغيوب الماضية، وبسطناه في بدء الخَلْق، وقصص الأنْبياء، وأيّام الناس إلى زماننا، وأتْبعنا ذلك بذكر سيرته ﷺ ، وأيّامه، وذِكر شمَائِله، ودلائل نُبوته، وذكرنا فيها ما أخبر به من الغيوب التي وقعت بعده ﷺ طِبْقَ إخْبارِه، كما شوهد ذلك عِيانًا قَبْل زمانِنا هذا، وقد أوردنا جملة ذلك في آخر كتاب دلائل النبوّة من سيرته ﷺ وذكرنا عند كل زمان ما ورد فيه من الحديث الخاصّ به عند ذِكرنا حوادث الزمان، ووفياتِ الأعيان، كما بسطنا ذلك في كل سنة وما حدث فيها من الأمور الغريبة، وترجمنا مَن تُوفي فيها، من مشاهير الناس، من الصحابة، والخلفاء، والملوك، والوزراء، والأمراء، والفقهاء، والصلحاء، والشعراء، والنحاة، والأدباء، والمتكلِّمين ذوي الآراء، وغيرهم من النبلاء، ولو أعدنا الأحاديث المذكورة فيما تقدم لطال ذلك، ولكن نُشير إلى ذلك إشارة لطيفة، ثم نعودُ لِما قَصَدنا له هاهنا، وباللَّه المستعان. فمن ذلك قوله ﷺ لتلك المرأة التي قال لها: "ارجعي إليّ" فقالت: "أرأيتَ إنْ لم أجِدْكَ؟ " كَأنَّها تُعَرِّضُ بِالْمَوْتِ، قال: "إنْ لَمْ تَجِدينِي فَأْتِي أبا بَكْر". رواه البخاريّ (٢) فكان القائم بالأمر بعدَه أبو بكر، وقوله ﷺ حين أراد أن يكتب للصدِّيق كتابًا بالخِلافة فتركه، لِعلْمه أن أصحابه لا يَعْدِلُون عن أبي بكر إلى غيره، لعلمهم بسابقته وأفضليته ﵁ فقال: "يَأْبَى اللَّهُ والمؤمنون إلا أبا بكر" فوقع كذلك، وهو في "الصحيح" أيضًا (٣)، وقوله ﷺ : "اقتدُوا بالَّلذين من بعدي: أبي بكر، وعمر". رواه أحمد، وابن ماجه والترمذيّ، وحسنه، وصححه ابنُ حِبّان وهو من رواية حُذَيفَةَ بن

стр. 7736

اليَمَانِ (١) وقد رُوِيَ من طريق ابن مسعود (٢) وابن عمر (٣) وأبي الدرداء (٤)، ﵃. وقد بسطنا القول في هذا في فضائل الشيخين، والمقصود أنه وقع الأمر كذلك، وَلِيَ أبو بكر الصديق بعد رسول اللَّه ﷺ الخلافةَ، ثُمّ وَليَها بعدَه عمرُ بن الخطاب، كما أخبر ﷺ سواء بسواءٍ. وروى مالك، والليث عن الزُّهريّ، عن ابنٍ لكعب بن مالك، عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا افتَتَحْتُم مصر فاستوْصوا بالقبط"، وفي رواية: "فاستوصوا بأهلها خَيْرًا، فإنّ لهم ذِمّة وَرَحِمًا" (٥) وقد افتتحها عمرو بن العاص في سنة عشرين، أيّامَ عمر بن الخطاب ﵁ وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذرّ، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فيها القيراطُ، فاستوصوا بأهْلِها خَيْرًا، فإنّ لهم ذِمَّة ورَحِمًا" (٦). وقد مُصِّر في أيام عمرَ بنِ الخطابِ المِصْرانِ؛ البَصْرَةُ والكوفةُ. فروَى أبو داودَ: حدثنا عبدُ اللَّه بنُ الصَّبَّاحِ، ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الصمد، ثنا موسى الحَنَاطُ -لا أعلمُ إلّا ذكَره- عن موسى بنِ أنسٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ [قال: "يا أنسُ]، إنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ أَمْصَارًا، وَإِنَّ مِصْرًا مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةُ -أو الْبُصَيْرَةُ- فَإنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا أوْ دَخَلْتَهَا فَإيَّاكَ وَسبَاخَهَا [وكَلّاءَها (٧)] وسُوقَهَا وَأَبْوَابَ أُمَرَائِهَا، وعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا؛ فإنَّه يكونُ بِهَا خَسْفٌ وَقَذْفٌ ومَسْخٌ وَرَجْفٌ، وَقَوْمٌ يُمْسَخُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ" (٨). خبرُ الأُبُلَّةِ (٩): قال أبو داودَ: حدثنا ابنُ المُثَنَّى، ثنا إبراهيمُ بنُ صالحِ بنِ دِرْهَمٍ، سَمِعتُ أبي يقولُ: انطلقنا حاجِّين، فإذا رجلٌ، فقال لنا: مِن أينَ جِئْتُم؟ فقلنا: من بلدِ كذا وكذا. فقال: إنَّ بجنبِكم قرية يقالُ لها: الأُبُلَّةُ؟ فقلنا: نعم. فقال: مَن يضمنُ أن يصلِّيَ لي في مسجدِ العَشَّارِ ركعتين أو أربعًا، ويقولُ: هذه لأبي هريرةَ؟ فإني سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مِنْ مَسْجِدِ العَشَّارِ شُهَدَاءَ لَا يَقُومُ مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ" (١٠).

стр. 7737

وقال ﷺ فيما ثبت عنه في "الصحيحين": "إذَا هَلَك قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وإذَا هَلَك كِسْرى فلَا كِسْرى بعْدَهُ، والَّذي نَفْسِي بِيَدهِ لتُنْفِقُنَّ كنوزهما في سَبِيل اللَّه" (١) وقد وقع ذلك كما أخبر به سواءً بسواءٍ، في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان انزاحت يدُ قيصر ذلك الوقت -واسم قيصر هرَقْل- عن بلاد الشام، والجزيرة، وثَبَت مُلكُه مقصورًا على بلاد الروم فقط، والعرب إنما كانوا يُسَمُّونَ قيصرَ لِمَنْ ملك بلاد الروم، مع الشام والجزيرة، وفي هذا الحديث بشارة عظيمة لأهل الشام، وهو أن يدَ ملك الروم لا تعودُ إليها أبد الآبدين، ودهرَ الداهرين، إلى يوم الدين، وسنُورد هذا الحديث قريبًا بإسناده، ومتنه إن شاء اللَّه تعالى. وأما كسرى فإنه سُلِبَ عامَّةَ مُلكه في زمن عمر بن الخطاب، ثم استُؤْصِل ما بقي في يده في زمن عثمان بن عفان، ثم قُتل في سنة ثنتين وثلاثين، وللَّه الحمدُ والمنَّة، وقد بسطنا ذلك مُطولًا فيما سلف، وقد دعا عليه رسول اللَّه ﷺ حين بلغه أنه مَزَّق كتابَ رسول اللَّه ﷺ بأن يُمَرق ملكهُ كلَّ مُمَزَّق، فوقع الأمر كذلك (٢). وثبت في "الصحيحين" من حديث الأعمش، وجامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سلمة، عن حُذَيْفة، قال: كنا جُلُوسًا عند عمر بن الخطاب، فقال: أَيُّكُم يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الفِتْنَة؟ قلت: أنا، قال: هَاتِ: إنَّكَ لَجَرِيء، فقلت: ذَكَر فِتْنة الرجل في أهله، وماله، وجاره، وولده، يُكفِّرها الصلاة، والصدقة، والأمرُ بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقال: ليس هذا أعني، إنما أعني التي تَموجُ مَوج البحر، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن بينَك وبَيْنَها بابًا مُغلقًا، فقال: وَيْحكَ! أيُفْتَحُ البابُ أمْ يُكْسَر؟ قلت: بل يكسر، قال: إذًا لا يغلَقُ أبدًا، قلت: أجَلْ، فقلنا لحُذَيفة: أكان عمر يعلم مَن البابُ؟ قال: نعم، إني حَدَّثتهُ حديثًا ليس بالأغاليط، قال: فهِبْنا أن نسأل حذيفة: مَن الباب؟ فقلنا لمسروق: سله، فسأله، فقال: هو عمر (٣)، وهكذا وقع الأمر سواءً بعد مقتل عمر في سنة ثلاث وعشرين، وقعت الفتنُ بين الناس بعد مقتله، وكان ذلك سبب انتشارها بينهم. وأخبر ﷺ عن عثمان بن عفان أنه من أهل الجنة، على بلوى تُصيبهُ (٤)، فوقع الأمر كذلك، حُصِر في الدار كما بُسطَ ذلك في موضعه، وقتل صابرًا مُحتسبًا شهيدًا ﵁ وقد ذكرنا عند مقتله ما ورد من الأحاديث بالإنذار بذلك، والإعلام به قبل كَوْنِه؛ فوقع طِبْقَ ذلك سواء بسواء. وذكرنا ما ورد من الأحاديث في يوم الجَمَل وصِفِّين ما ورد من الأحاديث المُؤذِنة بكَوْن ذلك، وما وقع فيها من الفتنة والاختبار، وباللَّه المستعان.

стр. 7738

وكذلك الإخبار بمقتل عَمّار (١). وأما ذِكر الخوارج الذين قتلهم عليُّ بن أبي طالب ﵁، وصفتِهم، ونعتِ ذي الثُّديَّة منهم (٢) فالأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدًّا، وقد حررنا ذلك فيما سلف، وللَّه الحمد والمنّة. وذكرنا عند مقتل على الحديثَ الوارد في ذلك بطرقه، وألفاظه. وتقدّم الحديث الذي رواه أحمدُ، وأبو داود، والنسائي، والترمذيّ، وحسّنه، من طريق سعيد بن جُمْهَان؛ عن سَفِينَة: أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "الخلافة بعدي ثَلاثونَ سنة، ثم تكون مُلْكًا" (٣)، وقد اشتملت هذه الثلاثون سنة على خلافة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان الشهيد، وعلي بن أبي طالب الشهيد أيضًا، وكان ختامها وتمامها بِسِتَّةِ أشهر التي وَلِيهَا الحسنُ بن علي بعد أبيه، وعند تمام الثلاثين نزل عن الإمرة لمعاوية بن أبي سفيان سنة أربعين، وأصْفَقت البيعة لمعاوية بن أبي سفيان، وسُمي ذلك عامَ الجماعة، وقد بسطنا ذلك فيما تقدم (٤). وروى البخاري عن أبي بكرة ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول والحسنُ بنُ عليّ إلى جانبه على المنبر: "إن ابني هذا سيِّدٌ وسيُصلح اللَّهُ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (٥) وهكذا وقع سواء. وثبت في "الصحيحين" عن أم حَرَام بنت مِلْحَانَ، ذكره ﷺ غَزْو أُمَّته في البحر مرَّتَين، وكون أم حَرَام مع الأولين، وقد كان ذلك في سنة سبع وعشرين، مع معاوية حين استأذن عثمانَ في غزو قبرص، فأذِنَ له فركب مع المسلمين في المركب حتى وصلها، وفتحها قَسْرًا، وتُوفِّيت أمّ حَرَام في هذه الغزوة في البحر، وكانت أم حرام مع زوجها عبادة بن الصامت (٦) وكان مع معاوية في هذه الغزوة زوجته فَاختَةُ بنت قَرظَة، وأما الثانية فكانت في سنة ثنتين وخمسين في أيام مُلك معاوية، بعث ابنه يزيدَ بن معاوية، ومعه الجنود إلى غزو القسطنطينية، ومعه في الجيش جماعةٌ من سادات الصحابة، منهم أبو أيُّوب الأنصاريّ، خالد بن زيد ﵁ فمات هنالك، وأوصى إلى يَزيد بن معاوية أن يدفنه تحت سنابك الخيل، وأن يُوغل به إلى أقصى ما يُمكن أن ينتهى به إلى نحو جهة العدُوّ، ففعل ذلك، وتفرّد البخاري بما رواه من طريق ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن عُمير بن

стр. 7739

الأسود العَنْسِي، عن أمّ حَرَام: أنّها سمعت رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "أوَّلُ جَيشٍ من أُمَّتي يغزون البحر قد أوجبوا"، قالت أمّ حرام: فقلت: يا رسول اللَّه! أنا فيهم؟ قال: "أنتِ فيهم"، ثم قال النبي ﷺ : "أولُّ جيش من أمّتي يَغْزُون مَدِينَةَ قَيصْرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ"، قلت: أَنا فيهم يا رسول اللَّه؟ قال: "لا" (١). ذكر قتال الهند قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا البراء، عن الحسن، عن أبي هريرة، حدثني خليلي الصادق رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "يكون في هذه الأمة بَعْثٌ إلى السِّنْد والهند" فإن أنا أدركتهُ فاستُشْهِدتُ فذاك، وإن أنا. . . فذكر كلمة، رجعتُ، فأنا أبو هريرة المحرّر قد أعتقني من النار (٢). ورواه أحمد أيضًا عن هُشَيم عن سيّار، عن جبر بن عَبِيدَة، عن أبي هريرة، قال: وعدنا رسول اللَّه ﷺ غزوة الهند، فإن استُشْهِدتُ كنتُ من خير الشهداء، وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرّر (٣)، ورواه النّسائيّ من حديث هُشيم وزيد بن أبي أُنَيسَة عن سَيار، عن جبر -ويقال جبير- عن أبي هريرة. . . فذكر (٤). وقد غزا المسلمون الهند في سنة أربع وأربعين، في إمارة معاوية بن أبي سفيان ﵁ فجرت هناك أمور، قد ذكرناها مبسوطة فيما تقدم، وقد غزاها الملك الكبير السعيد المحمود، محمود بن سُبُكْتِكين، صاحب بلاد غَزْنَةَ، وما والاهَا، في حدود أربعمئة، ففعل هنالك أفعالًا مشهورة، وأمورًا مشكورة، كسرَ الصنمَ الأعظم، المسمَّى بسومنات، وأخذ قلائده وجواهره وذهبه وشُنُوفَه (٥)، وأخذ من الأموال ما لا يحصى، ورجع إلى بلاده سالمًا غانمًا، وقد كان نُوّاب بني أمية يقاتلون الأتراك، في أقصى بلاد السند، والصين، وقهروا ملكهم القان الأعظم، ومرقوا عساكره، واستحوذوا على أمواله وحواصله، وقد وردت الأحاديث بذِكر صفتهم، ونعتهم، ولنذكر شيئًا من ذلك على سبيل الإيجاز: قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشَّعَر، وحتى تقاتلوا التُّركَ، صغارَ الأعين، حُمر الوجوه، ذُلْف الأنوف (٦) كأنّ وجوههم المَجَانُّ (٧) المُطْرَقَة، وتجدون من خير الناس أشدّهم كراهية لهذا الأمر، حتى يَدْخل فيه، والناس معادن، خيارهم في الجاهليّة

стр. 7740

خيارُهم في الإسلام، وليأتيَنّ على أحدكم زمان لأن يراني أحبُّ إليه من أن يكون له مثل أهله وماله". تفردّ به البخاري (١)، ثم قال: حدثنا يحيى، ثنا عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن هَمّام بن مُنَبّه، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا تقُومُ السَّاعَةُ حَتَى تُقاتِلُوا خوزًا وكِرْمان، من الأعاجم، حُمْر الوجُوه، فُطسَ الأنوف، صغار الأعين، كأنَّ وُجُوهَهُم المَجَانُّ المُطْرقَة، نِعَالُهُمُ الشَّعَر" (٢). ورواه أحمد عن عبد الرزاق (٣). وقال أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، يَبْلُغ به النبيَّ ﷺ ، قال: "لا تقومُ الساعةُ حَتَّى تُقاتِلوا قومًا كأنَّ وُجُوهَهُم المَجَانُ المُطْرقَة، نِعَالهم الشَّعَر". وأخرجه الجماعة سوى النسائي، من حديث سُفْيان بن عُيَيْنةَ به (٤)، ورواه البخاريُّ عن عليّ بن المدِينيّ، عن سُفيان بن عُيَيْنةَ به، ورواه مسلم أيضًا، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، كلاهما عن قَيْس بن أبي حازم، عن أبي هريرة. . . فذكر نحوَه (٥)، قال سفيان بن عُيَينةَ: وهم أهل البارَز، كذا قال سفيان، ولعلّه البازَر، وهو سوق الفُسوق الذي لهم. حديث عمرو بن تغلب: وقال أحمد: حدثنا عفّان، حدثنا جَرِير بنُ حازم، سمعتُ الحسنَ، حدثنا عمرو بن تغلب، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ من أَشْرَاطِ الساعةِ أن تُقاتِلُوا قومًا نعالهم الشعر" -أو "ينتعلون الشعر- وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا عِراضَ الوُجوه، كان وجوهَهمُ المَجَانُّ المُطْرقَة". ورواه البخاريّ من حديث جَرير بن حازم (٦). وقد رُوِي من حديثِ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ الأَسْلَميِّ. قال أحمد: ثنا أبو نُعَيْمٍ، ثنا بشير بن المُهاجر، حدَّثني عبدُ اللَّه بن بُرَيْدَةَ، عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبيِّ ﷺ فسمِعْتُه يقول: "إنَّ أُمَّتِي يَسُوقُهَا قَوْمٌ صِغَارُ الأَعْيُنِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الحَجَفُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى يُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ أَمَّا السِّيَاقَةُ الأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُم (٧)، وأَمَّا الثانِيَةُ فَيَنْجُو بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْضٌ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فيُصْطَلَمُون كُلُّهُمْ مَن بقِيَ مِنْهُمْ". قالوا: يا رسول اللَّهِ، مَن هم؟ قال: "التُّرْكُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَرْبطُنَّ خُيُولَهُمْ بِسَوَارِي مَسْجِدِ المُسْلِمِينَ". قال: فكان بُرَيْدَةُ لا يُفارِقُه بَعِيران أو ثلاثةٌ، ومَتاعٌ بعدَ ذلك للهربِ؛ لمَا
следующие страницы →