← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

وقالَ عبد الله بن الإمام أحمد: حدّثنا مُحمد بنُ عبد الله بن نُمَيْر، حدَّثنا إسحاق بن سُلَيْمان، حدَّثنا حَريزُ (١) بن عُثْمانَ، عن شُرحبيلَ بن شُفْعَةَ، قال: لَقيني عُتْبةُ بنُ عَبْدٍ السُّلَميُّ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقولُ: " ما مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوفَّى لَهُ ثَلاثَة منَ الوَلَدِ لمْ يبْلُغُوا الْحنْثَ إلا تَلَقَّوْهُ من أبْوَابِ الْجَنَّةِ الثمَانِيَةِ منْ أيُّها شاءَ دخل ". ورواه ابن ماجه، عن ابن نُمَيْر أيضًا (٢). وروى البيهقى من حديث الوليد بن مُسلم، عن صَفْوَان بن عمرو، عن أبي المُثنَّى المليكى (٣): أنهُ سمع عُتْبَةَ بن عَبْدٍ السُّلَمي، عن النبيِّ ﷺ في حديث ذكره في قِتَال المُخْلِص، والمُذْنِب، والمُنَافِقِ، قال فيه: " وَللجَنَةِ ثَمَانية أبوابٍ، وإن السَّيْفَ مَحَّاءٌ للذنُوبٍ، ولا يمحو النفاق … " الحديث بطوله (٤). وتقدّم الحديث المتفق عليه، [من حديث أبي زُرْعَةَ]، عن أبي هريرة، في حديث الشفاعة، قال فيه: فيقولُ اللهُ: يا مُحمَّد، أدْخِلْ منْ لا حِسَابَ عَلَيْهِ منْ أُمَّتِكَ منَ البَابِ الأيْمَنِ، وَهُمْ شُرَكاءُ النَّاسِ في سائر الأبْوَابِ " وَالَّذي نَفْسُ مُحمَدٍ بِيَدِه إنَّ ما بين المِصْرَاعينِ منْ مَصَاريعِ الْجنَةِ وما بين عِضَادَتي البَابِ، لَكَما بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَر، أو كما بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى " (٥). وفي " صحيح مسلم "، عن خالد بن عُمَيْر العَدَوِيّ: أنَّ عُتْبَة بن غَزْوان خَطَبَهُمْ، فقال بَعْد حَمْدِ الله، وَالثناء عليه: أمَّا بَعْدُ، فإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْم (٦)، ووَلَّتْ حَذَّاء (٧) وإنما بقي منها صُبَابة كصُبَابة الإنَاء يَتَصابُّها صاحبُها، وإنَّكمْ مُنْتَقِلُونَ منْها إلى دارٍ لا زَوالَ لَهَا، فَانتَقِلُوا بِخَيْرِ ما بِحَضْرَتكُمْ، فإنه قدْ ذُكِرَ لَنا أن الْحَجَرَ يُلْقَى منْ شفير جَهَنَّمَ، فيَهْوِي فيهَا سَبْعينَ عَامًا لا يُدْرِكُ لَها قَعْرًا، وَوَاللهِ لتمْلأنَّ، أفَعَجِبْتُمْ؟ ولَقَدْ ذُكِرَ لَنا أن ما بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ منْ مَصَاريعِ الْجنَّةِ مَسيرَةُ أرْبَعينَ سَنَةً، وَلَيَأتين عَلَيْها يَوْمٌ وهو كَظيظٌ منَ الزِّحَامِ، ولقد رأيتُني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قَرِحت أشداقنا، فالتقطتُ بُردة فشققتُها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرتُ بنصفها، واتَّزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني

стр. 8157

أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا، وعند الله صغيرًا، وإنها لم تكن نبوة قط، إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها مُلكًا، فستخبُرُون وتجرِّبون الأمراء بعدي (١). وفي " المسند " من حديث حمَّاد بن سَلَمةَ، عن الجُرَيْرىِّ، عن حَكيم بن مُعَاويةَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " أنْتُمْ آخر الأمم، وأكْرَمُها على اللهِ، وما بَيْنَ مِصْرَاعينِ منْ مَصَاريعِ الْجَنَّةِ مَسِيرةُ أرْبَعينَ عَامًا، وَلَيأتِينَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وإنَّه لكَظيظٌ ". ورواه البيهقيّ من طريق عليّ بن عاصم (٢)، عن سَعيدٍ الجُرَيْريّ، عن حَكيم بن مُعَاويةَ، به، وقال: " مَسيرةُ سَبْعِ سِنينَ " (٣). وقال يعقوب بن سُفْيَانَ: حدَّثنا الفضل بنُ الصَّبَّاح، أبو العبَّاس، حدّثنا مَعْنُ بنُ عِيسى، حدّثنا خالدُ بن أبي بَكْر بن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْد اللّهِ بْنِ عمر، عنْ سالِم بْن عَبْدِ اللهِ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " بابُ أُمَّتي التي تَدْخُلُ منْهُ الجَنَّةَ عَرْضُه مَسيرةُ الرَّاكِب المُجوِّدِ ثَلاثًا، ثمّ إنَّهُمْ ليُضغَطُونَ (٤) عَلَيْهِ حتَّى تَكَادَ مَناكِبُهمْ تزُولُ". وقد رواه الترمذي من حديث خالد هذا، ثم قال: وسألتُ مُحمّدَ بن إسماعيل البخاريّ عن هذا الحديث، فلم يَعْرفْه، وقال: لخالد بن أبي بكر مَناكيرُ عن سالم (٥). قال البيهقيّ: وحديثُ عُتْبةَ بنِ غَزْوانَ: " أرْبَعينَ سَنةً " أصحُّ. وروى عبد بن حُمَيد في " مسنده " عن الحسن بن موسى الأشيب، عن ابن لهيعة، عن دَرَّاجِ، عنْ أبي الهَيْثَم، عنْ أبي سَعيدٍ، عن رسولِ الله ﷺ ، قال: " إنَّ ما بَيْنَ مِصْرَاعينِ في الْجنَّهِ لَمسيرةُ أرْبَعينَ سنةً " (٦). فأمَّا حَدِيثُ لَقيطِ بنِ عَامِرٍ: أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: " إنَّ لِلنَّارِ سَبْعةَ أبْوَابٍ ما منهن بَابانِ إلَّا يَسيرُ الرَّاكبُ بَيْنَهُما سَبْعينَ عامًا، وكذلك قال في بُعد ما بين أبواب الجنة، فهو حديثٌ مَشْهُورٌ (٧) وحَمَلهُ بَعْضُ العُلْمَاءَ على بُعد ما بين الباب إلى الباب الآخر، لا على ما بين المصراعين اللذَين في باب

стр. 8158

واحد، بل الباب يدور في طول الجدار، كما يدور حول صدور البلد إلى الباب الآخر، لئلا يعارض ما تقدم، [والله أعلم]. وقد ذكر القرطبي وادّعى: أنَّ لِلْجنَّةِ ثَلاثةَ عشر بابًا، ولَكنْ لم يُقمْ على ذلِكَ دَليلًا قويًا أكْثَرَ منْ أنَّهُ قال: وَممَّا يَدُلُّ عَلى أنَّها أكْثَرُ منْ ثَمانيةٍ، حَديثُ عُمر: " منْ تَوضَّأ فقالَ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ " وفي آخِرهِ قال: "فُتحَ لَهُ منْ أبوابِ الجَنَّةِ ثَمانيةُ أبوابٍ يَدْخُلُ منْ أيُّها شَاءَ". أخرجه الترمذيّ، وغير (١). قال: ورَوى الآجُرِّيُّ في كتاب " النصيحة " عن أبي هُرَيْرة مرفوعًا: " إن في الجنَةِ بابًا يُقالُ لهُ: بابُ الضُّحَى، يُنادي منادٍ: أيْنَ الَّذين كانوا يداومُونَ على صلاة الضُّحى، هَذا بَابُكُمْ فادْخُلُوا " (٢) قال: وقالَ الترمذي الحكيم (٣) أبو عبد الله: أبوابُ الجَنَّةِ منْها بابُ مُحمَّد ﷺ ، وهو بابُ التَّوبةِ، وبابُ الصَّلاةِ، وبَابُ الصَّوْمِ، وبابُ الزكاةِ، وبابُ الصَّدقةِ، وبَابُ الْحجِّ، وبابُ العُمْرَةِ، وبابُ الجهادِ، وبابُ الصِّلَةِ، وزاد غيرُه: بابَ الكاظمينَ، وبابَ الراضينَ، والبابَ الأيمن الذي يَدْخُل منْهُ الَّذين لا حِسَابَ عَلَيْهمْ، وجَعَلَ القُرْطبيُّ البَابَ الّذي عرضه مَسيرَةُ ثَلاثَة أيَّام، للرَّاكِب المُجوِّد، كما وَقَعَ عِنْدَ الترمذى (٤) بابًا ثالثَ عَشر، فاللّه أعلم. وقالَ الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ: حدَّثنا إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ، عن عبد اللّهِ بن عَبْد الرَّحْمن بن أبي حُسَيْن، عن شَهْر بنِ حَوْشَب، عن مُعاذِ بن جَبَل، قال: قال رسول الله ﷺ : "مِفْتاحُ الجَنَّةِ شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ" (٥). وفي " صحيح البُخاريّ " قالَ: وَقيل لِوَهبِ بن مُنَبَّه: ألَيْسَ لا إلهَ إلَّا اللّهُ مِفْتاحُ الجَنَّةِ؟ قال: بلى، وَلَكن إنْ جِئْتَ بِمفْتَاح لَهُ أسنانُ فُتحَ لَكَ، وإلَّا لَمْ يُفْتحْ لك (٦) يَعْني: لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعَ التَّوْحيد أعمالٌ صَالِحةٌ منْ فِعْلِ الطَّاعاتِ، وَتَرْكِ المُحَرَّماتِ، واللّه أعلم. وتقدم في حديث علي قال: يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرًا حتى إذا انتهوا إلى أول باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة … وذكر الحديث (٧).

стр. 8159

ذكر تعداد محالّ الجنة وارتفاعها واتّساعها قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٧٨]. وَثَبتَ في " الصحيحين " منْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزيزِ بنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عن أبي عِمْرَان الجَوْنيّ، عن أبي بَكْرِ بنِ أبي مُوسى الأشْعَريّ، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " جَنَّتَانِ منْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا، ومَا فِيهمَا، وَجَنَّتَانِ منْ فِضة آنِيَتُهُمَا، ومَا فيهما، وما بَيْن الْقَوْمِ، وَبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى ربِّهِمْ إلَّا رِدَاءُ الْكِبْرياءِ على وَجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ " (١). وروى البَيْهقيُّ من حديث مؤمَّلِ بن إسماعيلَ، عنْ حَمَّادِ بنِ سَلَمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي بَكْر بن أبي موسى، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " جَنَتانِ منْ ذَهَبٍ للسَّابِقِينَ، وَجَنَّتانِ منْ وَرِقٍ لأصْحَابِ اليَمِين " (٢). وقال البُخاريّ: حدّثنا قُتَيْبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفرٍ، [عن حميد]، عن أنس بن مالك: أنَّ أُمِّ حارثة، أتَتْ رسولَ الله ﷺ ، وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمِ بَدْرِ، أصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ (٣)، فقالت: يا رسول الله، قدْ عَلِمْتَ موقع حَارِثَةَ مِنْ قَلْبي، فإنْ كان في الجَنَّةِ لَمْ أبْكِ عليه، وإلَّا سَوْفَ تَرَى ما أصْنَعُ، فقال لها: "أهَبِلْتِ؟ أجَنَّةٌ وَاحِدةٌ هي؟! أم جَنَّات كثيرة، وَإنّه في الْفِرْدَوْسِ الأعْلَى"، وَقالَ: "غُدْوةٌ (٤) في سَبِيلِ اللّهِ أوْ رَوْحةٌ خَيْر منَ الدُّنْيا وما فيها، وَلَقابُ قَوْسِ أحَدِكُمْ أوْ مَوْضعُ قَدَمٍ

стр. 8160

منَ الجنَّةِ خيْرٌ منَ الدُّنيا وما فيهَا، وَلَوْ أنَّ امْرأةً منْ نِسَاءِ أهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إلى (١) الأرْضِ لأضَاءَ لها ما بَيْنَهُما، وَلَمَلأتْ ما بَيْنهُما رِيحًا، وَلَنصيفُها -يعني خِمَارَها- خيْرٌ منَ الدُّنيا وما فيها " (٢). وفي رواية عن قَتَادة أنه قال:" الفِرْدَوْسُ رَبْوةُ الْجَنَّةِ، وَأوْسَطُهَا وأفْضَلُها " (٣). وقد رواه الطبراني من حديث سَعيدِ بن بَشيرٍ، عن قتادة، عن الحَسَنِ، عن سمرةَ مَرْفوعًا (٤). قال الله تعالى: ﴿فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥] وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد: ٢١]. وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو عامر، حدَّثنا فُلَيْح، عن هِلالِ بن عَليّ، عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرةَ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ﷺ : " منْ آمَنَ باللّهِ وَرَسُولِه، وأقامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رمَضَانَ، فَإنَّ حَقًّا على الله أنْ يُدْخِلَهُ الْجنَّةَ، هاجَرَ في سَبيلِ الله، أوْ جَلَسَ في أرْضِهِ الَّتي وُلِدَ فيهَا " قالوا: يا رسول الله، أفلا نُخبرُ النَّاسَ؟ قال:" إنَّ في الجنَّةِ مئةَ دَرَجةٍ أعَدّها اللهُ لِلْمُجاهدينَ في سَبيلِهِ، بيْنَ كلِّ دَرَجَتَيْنِ كما بَيْنَ السَّماءِ وَالأرْضِ، فإذا سَألتُمُ اللهَ فاسألوه الفِرْدَوْسَ، فإنَّهُ وَسَط الْجَنةِ، وَأعلَى الجَنَّةِ، [وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمنِ]، ومنه تُفَجَّرُ [أو تَفجَّر أنْهَارُ الْجَنّة] "، [شكَّ أبو عامر]. ورواه البخاريّ عن إبراهيم بن المُنذرِ، عن مُحمّد بن فُلَيْح، عن أبيه، بمعناه (٥). وقال أبو القاسم الطبرانيّ: حدَّثنا علي بنُ عبد العزيز، حدّثنا [أبو] هَمَّامٍ الدلّال، حدَّثنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ، عن زَيْدِ بن أسلَمَ، عن عطاء بنِ يَسارٍ، عن مُعاذِ بن جَبَل، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقول:" مَنْ صَلَّى هَؤُلاءَ الصَّلَوَاتِ الْخَمس، وَصَامَ رَمَضَانَ" لا أدْري أذكَرَ زَكاةً، أمْ لا؟ " كانَ حَقًّا على اللّهِ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، هاجر أوْ قَعَدَ حَيْثُ وَلَدتهُ أمُّهُ " قلت: يا رسول الله، ألا أخْرُجُ فأُوذِنُ (٦) النَّاسَ؟ فقال: " لا، ذَرِ النَّاسَ يَعْملُونَ، فإنَّ الجَنةَ مِئَةُ دَرَجةٍ، بَيْنَ كلّ دَرَجَتَيْنِ مِنْها مِثْل

стр. 8161

ما بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، وأعْلَى دَرَجةٍ مِنْهَا الفِرْدَوْسُ، وَعَلَيْها يَكونُ العَرْشُ، وَهيَ أوْسَطُ شَيْءٍ في الْجَنَّةِ، وَمِنْها تَفَجَّرُ أنْهارُ الْجنَّةِ، فإذا سَأَلْتُمُ اللّهَ فاسألوه الفِرْدَوْسَ ". وهكذا رواه الترمذِيّ عن قتَيْبةَ، وأحمد بن عَبْده (١)، عن الدَّرَاوَرْدي، عن زَيْدِ بنِ أسْلَم، به، وأخرجه ابن ماجه عن سويد، عن حفص بن ميسرة، عن زيد، مختصرًا (٢). وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا عَفَّان، حدّثنا هَمَّامٌ، حدّثنا زَيْدُ بْنُ أسْلَم، عن عَطَاءَ بنِ يَسَارٍ، عن عُبَادةَ بنِ الصَّامِتِ، عن النبيّ ﷺ ، قال: " الْجنَّةُ مِئةُ دَرَجةٍ، ما بَيْنَ كل دَرَجَتَيْنِ مَسيرة مئةِ عامٍ " وقال عَفان: " كما بَيْنَ السماء والأرض، والفردوس أعلاها دَرَجةً، ومنها تَخْرُج الأنْهارُ الأرْبَعَةُ، والعَرْشُ منْ فَوْقِها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفِرْدَوْسَ ". ورواه الترمذيُّ، عن أحمد بن مَنِيع، عن يزيد بن هارون، عن همَّامِ بن يَحْيَى، به (٣). قلت: ولا تكون هذه الصفة إلَّا في المُقَبَّب، فإنَّ أعلى القُبَّةِ هو أوْسَطُها، فالْجَنَّة والله أعلمُ كذلك. وقال أبو بكر بن أبي داود: حدّثنا أحمد بنُ سِنَانٍ، حدّثنا يَزيدُ بنُ هَارُون، حدّثنا شَريكٌ، عن محمّد بن جُحَادةَ، عن عَطاءٍ عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " الجَنّةُ مئَةُ دَرَجةٍ، ما بَيْنَ كلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسيرَةُ خَمْسِمِئةِ عامٍ " (٤). ورواه الترمذيّ، عن عبَّاس العَنْبريّ، عن يزيد بن هارون … فذكره، وعنده: " ما بَيْنَ كلِّ دَرَجَتَيْنِ مئةُ عامٍ " وقال: هذا حديث حسن صحيح (٥). وقال الحافظ أبو يَعْلَى: حدّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا حسن، عن ابن لَهيعَةَ، حدّثنا دَرَّاجٌ، عن أبي الهَيْثم، عن أبي سَعيدٍ: أنَّ رسولَ اللّهِ ﷺ قال: " الْجَنَّة مِئَةُ دَرَجةٍ، لَوْ أنَّ الْعَالَمينَ اجْتَمَعُوا في إحْدَاهُن لَوَسِعتهمْ ". رواه الترمذيّ عَنْ قُتَيْبَةَ، عن ابن لَهيعَةَ. ورواه أحمد أيضًا (٦).

стр. 8162

ذكر ما يكون لأدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم من اتساع المُلك العظيم، والنعيم المقيم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]. وقد تقدّم في حديث ابن مسعود، في آخِرِ منْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ: أن اللهَ يقول له: " أمَا تَرْضَى أنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ الدُّنْيَا، وَعَشَرةُ أمْثَالِهَا " (١) وكذلك في غيره من الأحاديث الصحيحة. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ مُحمَّدٍ، حدّثنا إسْرَائيلُ، عن ثُوَيْر هو ابن أبي فَاخِتَةَ، عن ابن عمر، رفعه إلى النبيِّ ﷺ قال: " إنَّ أدْنَى أهْلِ الجنّةِ مَنْزِلَة الّذي يَنْظُرُ إلى جِنانِهِ وَنَعيمِهِ، وَخدَمِهِ، وَسُرُرِهِ، مَسيرَة ألْفِ سَنةٍ، وَإنَ أكْرَمَهُمْ على اللّهِ منْ يَنْظُر إلى وَجْهِهِ (٢) غُدْوةً وَعَشيَّة " ثُمَّ تَلا هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ و ٢٣] (٣). وقال أيضًا: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، حدَّثنا عَبْدُ المَلِك بن أبْجر (٤)، عن ثُوَيْرِ بن أبي فَاخِتَةَ، عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " إن أدْنَى أهْلِ الجنَةِ مَنْزلة لَيَنْظُرُ في مُلْكهِ ألْفَي سنةٍ يرى أقصاه كما يرى أدْناهُ، يَنْظُر أزْوَاجَه، وَخَدمَهُ، وَإنَ أفْضَلَهُمْ مَنْزِلةً لَيَنْظُرُ في وَجْهِ اللهِ تَعَالى كل يَوْمٍ مَرّتَيْنِ ". ورواه الترْمذيُ، عن عَبْدِ بن حُمَيْد، عن شَبابة (٥)، عن إسرائيل، عن ثُوَيْرٍ، به، قال: وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْر وَجْهٍ، عن إسرائيل، عن ثُويْرٍ، عن ابن عمر، مرفوعًا، قال: ورواه الثوْري، عن ثُوَيْرِ، عن مُجاهدٍ، عن ابن عمر قَوْلَه. قال: ورواه عَبْدُ المَلِكِ بنُ أبْجَر، عن ثُوَيْرٍ، عن ابن عمر موقوفًا، كذا قال (٦). وقد تقدّم رواية أحمد لهذه الطريق مرفوعًا. وروى مسلم، والطبرانى -وَهَذَا لَفْظُهُ- منْ حَدِيث سُفْيَانَ بن عُيَيْنةَ، حدَّثنا مُطَرِّفُ بن طريف، وعبدُ المَلكِ بنُ سَعيدِ بن أبْجَر، عن الشعبيّ، عن المُغيرة بن شُعْبةَ، رَفَعه ابن أبجَرَ، ولَمْ يَرْفَعْهُ مُطَرّف، قال: وقال موسى: يا رَبِّ، أخْبِرْني عنْ أدْنَى أهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزلةً، قال: نعم، هُوَ رَجُلٌ

стр. 8163

يَجيءُ بَعْدَما نَزلَ النّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وأخذُوا أخَذَاتِهِمْ، فيقال له: ادْخُل الْجنَّةَ، فيقول: يا رَبِّ، وكَيْفَ أدْخُلُها وقدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وأخذُوا أخَذَاتِهمْ؟ فيقولُ: أمَا تَرْضَى أنْ يَكُونَ لكَ مِثْلُ ما كانَ لِمَلِكٍ منْ مُلُوكِ الدُّنْيا؟ فيقولُ: رضيت ربِّ، فيقول: إنَّ لَكَ مِثْلَهُ وَمِثْلَهُ، وعقد سفيان أصَابعَهُ الخَمْسَ، فيقولُ: رَضيتُ رَبِّ، فيقولُ: فإنَّ هَذَا لَكَ ومَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فيقولُ: رَضيتُ رَبِّ، قالَ موسى: يا رَبِّ، فأخْبرني عن أعْلَى أهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزلةً، قال: نعم، أولَئِكَ الَّذينَ أرَدْتُ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْهُمْ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدي، وَخَتَمْتُ عَلَيْها، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ على قَلْب بَشَرٍ، وَمِصْداقُ ذلك في كتابِ اللّهِ : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] (١). وثبت في " الصحيحين "، واللفظ لمسلم، من حديث الأعْرَج، عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: " قال اللّهُ : أعْدَدْتُ لِعِبَادي الصَّالحينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، مِصْدَاقُ ذَلِكَ في كتابِ الله تَعَالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] (٢). وقال الإمامُ أحْمَدُ: حدَّثنا هارون بنُ مَعْرُوفٍ، حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، حدّثني أبو صَخْرٍ (٣): أنَّ أبا حَازِمٍ حَدَّثَهُ، قال: سَمِعْتُ سَهْلَ بن سَعْدٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ منْ رسولِ اللّهِ ﷺ مَجْلسًا وَصَفَ فيهِ الْجَنَةَ، حَتَّى انْتَهَى، ثمَّ قالَ في آخِرِ حَدِيثِهِ: " فيها مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بشَر "، ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ و ١٧]. ورواه مسلم عَنْ هارون بن مَعْرُوفٍ (٤). ذكر غرف الجنَّة، وارتفاعها، وعظمها نسأل الله من فضله المبسوط على خلقه في الدنيا والآخرة قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ

стр. 8164

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨]. وقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]. وثبت في " الصحيحين " واللفظ لمسلم، من حديث مالك، عن صفْوانَ بن سُلَيْم، عن عطاء بن يَسارٍ، عن أبي سَعيدٍ الْخُدْريّ: أنَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ قال: "إنَّ أهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهمْ كما يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ مِنَ الأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ، [أو] المَغْرِب، لِتَفَاضُلِ ما بَيْنَهُمْا قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأنْبيَاءِ لا يَبلُغُها غَيْرُهُمْ؟ قال: "بَلَى، وَالَّذي نَفْسِي بيَدِه، رِجَالٌ آمَنُوا باللّهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلينَ " (١). وفي "الصحيحين" أيضًا من حديث أبي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إنَّ أهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الغُرْفَةَ في الجَنَّةِ كما تَتَرَاءَوْنَ الكوكَبَ في أُفُقِ السَّمَاءِ " (٢). وقال أحمد: حدَّثنا فَزَارَةُ، أخْبرَني فُلَيح، عَنْ هِلالٍ، يَعْني ابْنَ عليّ، عن عَطاءٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: " إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ في الجنةِ كما تَرَاءَوْنَ أوْ تَرَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغابر في الأفُقِ الطَّالِع في تَفَاضُلِ الدَّرَجَاتِ" قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، أُولَئِكَ النبيُّونَ؟ قال: " بَلى، وَالّذي نَفْسي بِيَدِه، وَأقْوامٌ آمَنُوا باللّهِ، وَصَدَّقُوا المُرْسَلينَ ". قالَ الحَافظُ الضيَاءُ: وَهَذَا على شَرْطِ البُخَاريّ (٣). وقال أحمد: حدَّثنا على بنُ عَيَّاشٍ، حدّثنا محمدُ بنُ مُطَرّفٍ، حدَّثنا أبو حَازِمٍ، عن أبي سَعيدٍ الخُدْرَيّ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : " إنَّ المُتَحَابِّينَ في الله لتُرَى غُرَفُهُمْ في الجنةِ كالْكَوْكَب الطَّالِع الشرقيِّ أو الغربي، فَيُقالُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ فيُقَالُ: هَؤُلاءِ المُتَحابُّونَ في اللهِ " (٤). وفي حَديثِ عَطِيَّة، عَنْ أبي سَعيدٍ مَرْفُوعًا: " إنَّ أهْلَ عِليِّين لَيَرَاهُمْ مَنْ سِوَاهُمْ كما ترَونَ الكَوْكَبَ في أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإنْ أبَا بَكْرٍ وعمر منهم، وأنْعَما (٥) " (٦).

стр. 8165

ذِكر أعلى منزلة في الجنة وهي الوسيلة مَقامُ الرسول ﷺ - ثبت في " صحيح البخاريّ "، عن على بن عيّاش، عن شُعَيْبِ بن أبي حَمْزةَ، عن محمَّد بن المُنْكَدِرِ، عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ، عن رَسُولِ اللّهِ ﷺ ، أنَّهُ قالَ: " منْ قالَ حِينَ يَسْمعُ النِّدَاءَ: اللهُمَّ رَبِّ هَذِهِ الدَّعْوةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحمَّدًا الوَسيلةَ وَالْفضيلة، وابْعَثْهُ مَقامًا مَحْمودًا الّذي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لهُ الشفاعة يَوْمَ القِيَامة " (١). وفي " صحيح مسلم " عن محمّد بن سَلَمة، عن ابن وَهْبٍ، عن حَيْوةَ، وَسَعيدِ بن أبي أيُّوبَ، عن كَعْبِ بنِ عَلْقَمةَ، عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بن جُبَيْر، عن عَبْدِ اللّهِ بنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ: أنَّهُ سَمِعَ النبيِّ ﷺ ، يَقُولُ: " إذَا سَمِعْتُمُ المُوِّذِنَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ، ثمَّ صَلُّوا عَليَّ، فإنَّهُ منْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللّهُ علَيْهِ [بها] عَشْرًا، ثمَّ سَلُوا [الله] لي الوَسِيلَةَ، فإنَّها مَنْزِلةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغي إلَّا لِعَبْدٍ منْ عِبَادِ اللهِ، وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا هُوَ، فمنْ سَألَ [الله] لِيَ الوَسِيلةَ، حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعة " (٢). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا سُفْيَانُ، عن لَيْثٍ، عَنْ كَعْبِ، عن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " إذَا صَلّيْتُمّ عَليَّ، فاسْألُوا اللهَ ليَ الْوَسيلَةَ " قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: "أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو " (٣). وقال أحمد: حدّثنا موسى بن داود، حدّثنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : "الوسيلة، درجة عند الله ليس فوقها درجة، فاسألوا الله أن يؤتيَني الوسيلة" (٤). وقال الطَّبَرَاني: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَلِيّ الأبَّارُ، حدّثني الوَليدُ بن عَبْدِ المَلِكِ الحَرَّانيّ، حدَّثنا موسى بنُ أعْيَنَ، عن ابن أبي ذئب، عن محمّدِ بنِ عَمْرِو بن عَطاءٍ، عن ابن عباس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "سَلُوا اللهَ لي الوَسيلةَ، فإنَّه لَمْ يَسْألْهَا لِي عَبْدٌ في الدُّنْيا إلَّا كُنْتُ له شَفيعًا، أوْ شَهيدًا يَوْمَ القِيامَةِ " قال الطبرانيّ: لم يَرْوه عن ابن أبي ذِئْبٍ إلّا مُوسى بنُ أعْيَن (٥).

стр. 8166

ذكر بنيان الجنة وممَّ قصورها؟ قال أحمد: حدَّثنا أبو النَّضْر، وأبو كامِل، قالا: حدَّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا سَعْد (١)، أبو مُجَاهِد الطَّائيّ، حدّثنا أبو المُدِلّةِ، مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمنين: سَمع أبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قُلْنَا: يا رَسُولَ اللّهِ [إنَّا] إذَا رَأَيْنَاكَ رَقَّتْ قُلُوبُنا، وكُنَّا مِنْ أهْلِ الآخِرَةِ، وَإذَا فَارَقْناكَ أعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وَشَمِمْنا النِّسَاءَ، وَالأوْلادَ، فقال: " لَوْ تَكُونُونَ -" أوْ قالَ:، لَوْ أنكمْ تَكُونُونَ- على كل حَالٍ على الْحَالِ الّتي أنْتُمْ عَلَيْها عِنْدِي لَصَافَحَتكمُ الْمَلائِكةُ بأكُفِّهِمْ، وَلَزَارَتْكُمْ في بُيُوتِكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنبُوا لَجَاءَ اللّهُ بِقَوْمٍ يُذْنبُونَ كَيْ يَغْفرِ لَهُمْ " قال: قُلْنا: يا رَسُول اللّهِ، حدَّثنا عن الجنّةِ ما بِنَاؤُها؟ قال: " الجنة لَبِنةٌ من فِضَّة وَلَبِنةٌ من ذهَب، وَمِلاطها المسك [الأذفر] وَحَصْباؤها اللُّؤلُؤ وَالْيَاقُوت، وَتُرَابُها الزعْفَرَانُ، منْ يَدْخُلْهَا يَنْعَمْ لا يَبْأسُ، وَيَخْلُدُ لا يمُوتُ، لا تَبْلَى ثِيابُه، ولا يَفْنَى شَبَابُه " (٢). رواه التِّرْمذيُّ مِنْ حَدِيث عَبْد اللّهِ بن نُمَيْر، عن سَعْدَانَ القُبِّيِّ، وكان ثِقَةً، عن سَعْد أبي مُجَاهِدٍ الطائيِّ، وكانَ ثِقَةً، به، وقال: حَسنٌ. ووقع توثيقُ هذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ في رواية ابن ماجه، وهما من رجال البُخاريّ (٣). وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدَّثنا محمَّد بن المُثنَّى البَزارُ، حدَّثنا مُحمّدُ بن زياد الكَلْبيّ، حدّثنا بشر (٤) بنُ حُسَيْنٍ، عن سَعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : " خَلَقَ اللهُ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ [لَبِنَة] مِنْ دُرَّةٍ بَيْضاءَ، وَلَبنة منْ ياقُوتَة حَمْرَاءَ، وَلَبِنَةٌ منْ زبرجدة خَضْراء، مِلاطُها المِسْكُ، وحَصْباؤُها اللُّؤلُؤ، وَحَشيشُها الزَّعْفَرانُ، ثم قال لها: انْطقي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقال الله تعالى: وَعِزَّتي وَجَلالي لا يُجاورني فيك بَخِيلٌ " ثم تَلا رسولُ الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] (٥). وقال أبو بَكْر بن مَرْدويه: حدَّثنا عَبْد اللّهِ بنُ إسْحَاقَ بنِ إبْرَاهيم، حدّثنا القاسم بْنُ المُغيرَةِ الجَوْهرِيّ، حدّثنا عُثْمَانُ بنُ سَعيدٍ المُرِّي (٦)، حدّثنا على بنُ صَالِحٍ، عن أبي رَبيعَةَ، يعني عمر (٧) بن

стр. 8167

ربيعَةَ، عنِ الْحَسَن، عن ابن عُمر، قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عَنِ الجَنّةِ، فقالَ: " منْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَحْيا ولا يَمُوتُ، وَينْعَمُ لا يَبْأس، لا تَبْلَى ثيابُهُ، ولا يَفْنى شَبَابُهُ " قِيلَ: يا رسولَ الله، كَيْفَ بِنَاؤُهَا؟ قال: " لَبِنة منْ ذَهَبٍ، وَلبنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، ومِلاطُها مِسْك أذْفرُ، وَحَصْباؤُهَا اللُّؤلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزعْفَرانُ " (١). وقال البزّار: حدّثنا بِشْرُ بنُ آدَمَ، حدّثنا يُونُس بنُ عُبَيْدِ اللّهِ العُمَيْريّ (٢)، حدّثنا عَديُّ بنُ الفَضْلِ، حدَّثنا الجُرَيْريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سَعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: " خَلَقَ اللّهُ الجَنَّةَ لَبِنةً منْ ذَهَبٍ، وَلَبِنةً منْ فِضَّةٍ، وَمِلاطُها المِسْكُ، فقالَ لها: تَكَلَّمي، فقالتْ: ﴿قَدْ أَفلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقالتْ لَها المَلائكَةُ: طَوبَاكِ مَنزلَ الْمُلُوكِ ". وقد رواه البيْهَقيّ، وعنده: " فقالَ اللّهُ: طُوبَى لكِ مَنْزِلَ الْمُلُوكِ ". وقد رواه وُهَيْب عنِ الجُرَيْريّ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سَعيدٍ مَرْفُوعًا (٣). وفي حديث داود بن أبي هِنْدٍ، عن أنسٍ مَرْفُوعًا: " إن اللهَ بَنى الفِرْدَوْسَ بيَدِه، وَحَظرها على كلِّ مُشْركٍ، وَعلى كلِّ مُدمنِ خَمْرٍ سِكِّير (٤) " (٥). وقال أبو بَكْرِ بنُ أبي شَيْبَةَ: حدّثنا مُعاويةُ بنُ هِشَامٍ، حدَّثنا عليٍّ بنُ صالح (٦)، عنْ عُمَر بنِ رَبيعة، عنِ الحَسَنِ، عن ابْنِ عُمر، قال: قيل: يا رَسُولَ اللّهِ كَيْفَ بِنَاءُ الْجنَّةِ؟ قال: " لَبِنةٌ منْ فِضّةٍ، وَلَبِنة منْ ذَهَبٍ، مِلاطُها مِسْكٌ أذْفَرُ، وَحَصْباؤُها اللُّؤْلُؤُ وَاليَاقُوتُ، وَتُرابُها الزعْفرانُ " (٧). وقال الطبرانيّ: قال أحْمَدُ بنُ خُلَيد: حدَّثنا أبو الْيَمَانِ، الْحَكمُ بنُ نافعٍ، حدّثنا صَفْوانُ بنُ عَمْرٍو، عنْ مُهاجِر بن مَيْمُون، عنْ فاطِمَةَ بنت رسول الله أنها قَالَتْ للنبيِّ ﷺ : أيْنَ أُمُّنَا خَديجةُ؟ قال: " في بيت مِنْ قَصَبٍ لا لَغْوٌ فيهِ ولا نَصَبٌ، بَيْنَ مَرْيَمَ بنت عمران، وَآسيةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ " قَالَتْ: أمِنْ هَذَا القَصَب؟ قال: " لا " من القَصَبِ المَنْظُومِ بالدُرّ، وَاللُّؤلُؤ، وَالْيَاقُوتِ ". قالَ الطّبَراني: لا يُرْوَى عَنْ فَاطِمَةَ إلَّا بهَذَا الإسْنادِ، تَفَرَّدَ بهِ صَفْوانُ بنُ عَمْرٍو. قلت: وَهُوَ حَديثٌ غَريبٌ، ولأوَّلِهِ شَاهِد في الصَّحِيح: " إنَّ اللّهَ أمَرني انْ أُبَشَرَ خَدِيجةَ بِبَيْتٍ في الْجَنَّةِ منْ قَصَبٍ، لا صَخَب فِيه، ولا نَصَب " (٨).

стр. 8168

قالَ بعضُ العُلَماء: إنّما كانَ بَيْتُها منْ قَصَبِ اللُّؤلُؤ، لأنَّهَا حَازَتْ قَصَب السَّبْقِ في التَّصْديقِ برسولِ الله ﷺ حينَ بَعَثَهُ اللهُ ، كما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَديثُ أوَّلِ البِعْثَةِ: أنَّها أوَّلُ منْ آمنَ، حَيْثُ قَالتْ لَمَّا أخْبَرها بما رَأَى، [وقال: " لَقَدْ خَشِيْتُ على نفسي "]، قالَتْ: كلَّا واللّهِ لا يُخْزيكَ اللهُ أبدًا، إنَّكَ لتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصَدُقُ الْحديثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُعينُ على نَوائب الدَّهْر (١). وأمَّا ذِكْرُ مَرْيَمَ، وَآسِيَةَ، في هَذَا الْحَديثِ، فَفيهِ إشْعارٌ أنَّ رسولَ الله ﷺ يَتزوَّجُ بهمَا في الدَّارِ الآخِرَةِ، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُهُمْ أنْ يَاخُدَّ ذلك منَ القُرْآنِ، منْ قَوْلهِ [تَعَالى] في سُورَةِ التَّحْريم: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، ثمَّ ذُكِرَتْ آسيَةُ ومَرْيمُ في آخِرِ السُّورَة. يُرْوى مِثْلُ هَذا عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، أوْ غَيْرِه منَ السَّلفِ، واللّهُ أعْلمُ. وقال أبو بكر بن أبي داود: حدّثنا عليّ بنُ المُنْذِرِ الطَّريقيّ (٢)، حدّثنا ابنُ فُضَيْلٍ، حدّثنا عبد الرحمن بنُ إسْحَاقَ، عن النُّعْمانِ بنِ سَعْدٍ، عنْ عَليّ بن أبي طالبٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " إنَّ في الجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى ظُهُورها منْ بُطُونها، وبُطونُها منْ ظُهورهَا" فقام أعرابيٌّ، فقال: يا رسول اللهِ، لِمَنْ هيَ؟ فقال: " لمن طَيَّبَ الكلامَ، وأطْعَمَ الطّعَامَ، وَأدَامَ الصيامَ، وَصَلَّى باللَّيْلِ والنَّاسُ نيَامٌ ". ورواه الترمذيّ عن عليّ بن حُجْر، عن عليّ بن مُسْهِرٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمن بن إسحاق، وقال: غريبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلَّا منْ حَدِيثه (٣). وروى الطبرانيُّ منْ حَديث الوليدِ بن مُسْلِمٍ، حدَّثنا مُعَاوية بنُ سَلَّام، عن زَيْدِ بنِ سَلَّامٍ، حدّثني أبو سَلَّام، حدّثني أبو مُعانِق الأشْعريّ، حدّثني أبو مالِك الأشْعَريّ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " إنّ في الجَنَّةِ غُرَفًا يُرى ظاهِرُها منْ باطِنها، وباطِنُها منْ ظاهرِها، أعدَّها اللّهُ لِمَنْ أطْعَمَ الطَّعَامَ، وأدَام الصِّيَامَ، وَصَلّى باللّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ " (٤). وروى الطبراني أيضًا منْ حَديثِ ابن وَهْبٍ، حدّثني حُيَيَّ، عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَن، عن عَبْدِ اللّهِ بن عَمْرٍو، عن النبيِّ ﷺ ، قال: " إنَّ في الجنَةِ غُرَفًا يُرَى ظاهِرُها منْ بَاطِنها، وَبَاطنُها منْ ظاهِرهَا " قال أبو مَالِك الأشْعريّ: لِمَنْ هيَ يا رَسُولَ اللّهِ؟ قال: " لِمَنْ أطابَ الكلامَ، وَأطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ قَائمًا وَالناسُ نِيَامٌ ". قالَ الحافِظُ الضِّيَاءُ: هَذا عِنْدي إسْنادٌ حَسَنٌ.

стр. 8169

قلت: وقد رواه الإمامُ أحمدُ عنِ الْحَسَنِ، عن ابْنِ لَهيعَةَ، حدّثني حُيَيّ بنُ عَبْدِ اللهِ المعافريُّ، … ، فدَّكَرَ بإسْنادِهِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ قالَ: فقالَ أبُو مُوسى الأشْعَريّ: لِمَنْ هيَ يا رسول الله؟ … فذكره، والله أعلم (١). وَقَدْ وَرَدَ في بَعْضِ الأحَادِيثِ أن القَصْرَ يَكُونُ منْ لُؤلُؤةٍ وَاحِدةٍ، أبْوَابُهُ، وَمَصَارِيعُهُ، وسُقفُهُ (٢). وفي حَديثٍ آخَر: أنَّ بَعْضَ سُقوف الجَنَّةِ نُورٌ يَتَلألأُ كَالْبَرْقِ اللامِع، لَوْلا أنَّ اللّهَ ثَبَّتَ أبْصَارَهُمْ لأوشَكَ أنْ يَخْطَفَها (٣). وقال البَيْهقيّ: حدّثنا أبو الحُسَيْنِ بنُ بشْرَانَ، حدّثنا أبو عَمرو عُثمانُ ينُ أحمد المَعْرُوف بابن السَّمَّاك، حدّثنا عَبْدُ الرَّحمن بنُ مُحمد (٤) بن منصور، حدّثنا أبي، حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمن بنُ عَبْد الْمُؤمنِ، سَمِعْتُ مُحمد بن وَاسِع يذكر، [عن الحسن]، عنْ جَابِر بن عَبْدِ الله قال: قال لنا رسولُ الله ﷺ : "ألا أُحَدِّثُكم بِغُرَفِ الجنَّةِ؟ " قال: قُلْنا: بَلى يا رسول اللّهِ، بِأبِينا أنْتَ وَأُمِّنَا، قال: " إنَّ في الجَنَّةِ غُرَفًا منْ أصْنافِ الجَوْهرِ كُلِّهِ، يُرَى ظاهرُها منْ باطِنها، وبَاطِنها منْ ظاهِرِهَا، فيها منَ النَّعيمِ وَاللّذاتِ والشّرَفِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ " قال: قُلْتُ: يا رسول اللّهِ، وَلمنْ هَذِهِ الغُرَفُ؟ قال: " لِمَنْ أفْشَى السَّلامَ، وأطْعَمَ الطعَامَ، وأدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلّى باللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ " قال: قُلْنا: يا رسولَ الله، ومنْ يُطيقُ ذلك؟ قال: " أُمَّتي تُطيقُ ذلك، وَسأُخْبرُكُم عَنْ ذلك: منْ لَقيَ أخَاهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، أوْ رَدّ عَلَيْهِ، فَقَدْ أفْشَى السّلام، ومنْ أطْعَمَ أهْلَهُ وَعِيَالَهُ حتَّى يُشْبِعَهُمْ فَقَدْ أطْعَمَ الطَّعَامَ، ومنْ صَامَ رمَضان ومنْ كلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، فَقَدْ أدَامَ الصِّيامَ، ومنْ صَلّى العِشَاءَ الآخِرَةَ، وَصَلَّى الغَدَاةَ في جَماعَةٍ، فقدْ صَلّى باللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، اليهُودُ، وَالنَّصارى، والمَجُوسُ "، ثم قال البيْهَقيّ: وهَذا الإسْنادُ غَيْرُ قَويٍّ، إلَّا أنّهُ بالإسْنادَيْنِ الأوَّلَيْنِ يُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضًا. واللّه أعلم. قال: وقد رُوي بإسنادٍ آخَرَ عَنْ جَابرٍ (٥). ثم أورد من طريق عليّ بن حَرْب، عن حَفْص بن [عمر، عن] عَمْرو بن قَيْسٍ المُلائيِّ، عن عَطاء، عن ابن عباس مرفوعًا، بنحوه (٦). وروى البَيْهقيُّ منْ حَديثِ جَسْر (٧) بن فَرْقَدٍ، عن الحَسَنِ البَصَريّ، عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ،

стр. 8170

وأبي هريرة، قالا: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عَنْ هذه الآيَةِ: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف: ١٢] قال: " قَصْرٌ من لُؤلؤةٍ، في ذلك الْقَصْرِ سَبْعُونَ دَارًا منْ يَاقوتَةٍ حمراء، في كل دارٍ سبْعُونَ بَيْتًا منْ زُمُرّدةٍ خَضْراءَ، في كل بَيْتٍ سَبْعون سَريرًا، على كل سَريرٍ سبْعُونَ فِرَاشًا منْ كلِّ لوْنِ، على كل فِرَاشٍ زَوْجةٌ منَ الحُورِ الْعِينِ، في كلِّ بَيْت سبْعُونَ مائِدَة، على كل مائِدَةٍ سبْعُونَ لَوْنًا منَ الطّعَامِ، في كلِّ بَيْتٍ سبْعُونَ وصيفًا ووصيفَةً، ويُعْطَى المُؤْمنُ في كلِّ غَدَاةٍ منَ القُوَّة ما يَأتي على ذلك كُلَّه أجْمَعَ". قُلْتُ: وهذا الْحَديثُ غَريبٌ، بلْ الأشْبَهُ أنّهُ مَوْضُوع، وإذا كانَ الخَبرُ ضَعيفًا لا يُمْكنُ اتصاله، فإن جَسْرًا هذا ضعيف جدًا، والله سبحانه أعلم (١). وقال ابنُ وَهْبٍ: حدّثنا عَبْدُ الرحمن بنُ زَيْدِ بن أسْلَمَ، عنْ أبِيهِ قال: قال رسولُ الله ﷺ : " إنَّهُ لَيُجاءُ للرَّجُلِ الوَاحِدِ بالْقَصْرِ منَ اللُّؤلؤةِ الْوَاحِدةِ، في ذلك القَصْرِ سبعُونَ غُرْفة، في كل غُرْفَةٍ زوْجةٌ منَ الحُورِ الْعِينِ، في كل غُرْفةٍ سبْعُونَ بابًا، يَدْخُلُ عَليْهِ منْ كل بَاب رَائحَة منْ رَائحَةِ الجَنَّةِ، سِوَى الرَّائحةِ التي تَدْخُلُ عَلَيْهِ منَ البَابِ الآخَر" ثمَّ تلا: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٢) [السجدة: ١٧]. وذكَر القرْطبي من طريق أبي هُدْبةَ، إبْرَاهيم بن هُدْبَة، وهُو ذُو نسْخةٍ مَكْذُوبةٍ، عن أنس بن مالك مَرْفوعًا: " إنَّ في الجَنَّةِ غُرفًا لَيسَ فيها مَعَاليق منْ فَوْقِها، ولا عِمادٌ منْ تَحْتِها " قيلَ: يا رسولَ اللهِ، وكَيْفَ يَدْخُلُها أهْلُهَا؟ قالَ: "يَدْخُلونَها أشْبَاهَ الطَّيْرِ" قِيلَ: يا رسول اللّهِ، لِمَنْ هيَ؟ قالَ: " لأهْلِ الأسْقَامِ، وَالأوْجاعِ، وَالْبَلْوى " (٣). ذكر الخيام في الجنة قال اللّهُ تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٧٢ و ٧٣]. وثبت في " الصحيحين " -واللفظُ لمسلم- من حديث أبي عِمْران الْجَوْنيّ، عن أبي بكر بن

стр. 8171

أبي مُوسى [الأشعريّ]، عن أبيه قال: قال رسولُ الله ﷺ : " إن للْمُؤْمنِ في الجَنَّةِ لَخَيْمة منْ لُؤلُؤةٍ وَاحدةٍ مُجوَّفةٍ، طُولُها ستون ميلًا، للمؤمن فيها أهلُوْنَ يَطُوفُ عَلَيْهم المُؤمِنُ، فلا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا "، وفي روايةٍ للْبُخاريّ: " ثَلاثونَ مِيلًا " وصُحِّحَ: ستُونَ ميلًا (١). وقال أبو بكْرِ بنُ أبي الدُّنْيَا: حدّثنا محمَّد بن جعفر (٢)، حدّثنا منصور، حدّثنا يُوسف بنُ الصبّاِح، عن أبي صَالحٍ، عن ابن عبَّاسٍ ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] قال: الْخَيْمةُ منْ دُرَّةٍ مُجَوَّفةٍ طُولُها فَرْسخٌ وعَرْضُها فَرْسخٌ، ولَها ألْفُ بابٍ منْ ذَهبٍ، حوله سُرَادق دَوْرُه خَمْسُونَ فَرْسخًا، يَدْخُلُ عَلَيْه منْ كل بَاب مَلَكٌ بِهَديَّةٍ منْ عِنْدِ رَبِّهِ ، وذَلِكَ قولُه تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] (٣). وقال ابنُ المُبَارك: حدَّثنا هَمَّامٌ، [عن قتادة]، عنْ عِكْرِمةَ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: الخَيْمةُ دُرَّةٌ مُجوَّفَةٌ، فَرْسخٌ في فَرْسخٍ، لَها أرْبَعةُ آلافِ مِصْراعٍ منْ ذَهَبٍ (٤). وقال قَتَادة، عن خُلَيْدِ العَصريّ، عنْ أبي الدَّرْدَاء، قال: الْخَيْمةُ لُؤلُؤةٌ وَاحِدَةٌ، لَها سَبْعُونَ بَابًا كُلُّها منْ دُرٍّ (٥). ذكر تربة الجنة ثبت في " الصحيحين " من حديث الزهريّ، عن أنس بن مالك، عن أبي ذرٍ في حديث المِعْراج، قال رسولُ الله ﷺ : "أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فإذا فيها جَنَابذُ (٦) اللُّؤلُؤِ، وإذا تُرابُهَا المِسْكُ " (٧). وقال الإمام أحمد: حدّثنا رَوْحٌ، حدّثنا حَمَّادٌ، حدّثنا الْجُرَيْري، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سَعيدٍ: أن رسولَ الله ﷺ : سَألَ ابْنَ صَائدٍ عنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ، فقال: دَرْمكةٌ بَيْضاءُ، مِسْكٌ خَالصٌ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "صَدَقَ ". هكذا رواه الإمام أحمد. ورواه مسلم، من حديث أبي مسلمة، عن أبي نَضْرَةَ، بنحوه، وقد رواه مسلم أيضًا، عن

стр. 8172

أبي بَكْر بن أبي شَيْبَةَ، عن أبي أُسامة (١)، عن الجُرَيْريّ، عنْ أبي نضْرَةَ، عن أبي سَعيدٍ: أن ابْنَ صَائدٍ سَألَ النبيِّ ﷺ عَنْ تُرْبةِ الجَنَّةِ فقال:" دَرْمَكةٌ بَيْضَاءُ، مِسْكٌ خَالِصٌ " (٢). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عليّ بنُ عَبْد اللّهِ، حدَّثنا سُفْيَانُ، عنْ مُجَالِدٍ، عن الشَعْبيِّ، عَنْ جَابر بن عَبْدِ اللهِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ لِلْيَهُودِ: "إني سَائِلُهُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ، وَهيَ دَرْمكةٌ بَيْضَاءُ " فَسَألَهُمْ، فَقَالُوا: هِيَ خُبْزةٌ يا أبا القَاسم، فقال رسولُ الله ﷺ : "الخُبْزةُ منَ الدَّرْمَكِ " (٣). وتقدم في حديث أبي هُرَيْرَةَ وَابْن عُمَر، وغَيرهما في بنيان الجَنَّةِ أنَّ مِلاطَها المِسْكُ، وَحَصْباءَها اللُّؤلؤ، والْيَاقُوتُ، وَتُرَابَها الزَّعْفَران (٤). والمِلاطُ في اللُّغَة: عِبَارةٌ عنِ الطِّينِ الَّذِي يُجْعلُ بَيْن الحَجَرَيْن بين سافي (٥) البناء، يُمْلطُ بهِ الحَائطُ، ولعلَّ بَعْضَ بِقَاعها مِسْك، وَبَعْضَها زعفران، طرائق طرائق. وهي مع هَذِهِ العَظَمةِ وَالاتِّساعِ [كلها كذلك، والله سبحانه أعلم]. [و] قدْ تقَدَّمَ في "صحيح البُخَاريّ "، عن أنسٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " وَلَقَابُ قَوْسِ أحَدِكم، أوْ مَوْضِعُ قَدَمِهِ [من الجنة] خيْر منَ الدُّنْيا وما فيهَا " (٦). وقال أحمد: حدَّثنا عَبْدُ الرزَّاق، حدَّثنا مَعْمرٌ، حدّثنا هَمَّامٌ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " لَقِيدُ سَوْطِ أحَدِكم منَ الجَنّةِ خَيْرٌ ممَّا بينَ السَّمَاء وَالأرْضِ ". إسناده على شرط الشيخين (٧). وقال ابنُ وَهْبٍ: حدَّثنا عَمْرو بن الحَارِثِ: أنَّ سليمان بن حميد حدَّثه: أن عامر بن سعد بن أبي وَقاص -قال سليمان: لا أعْلمُ إلَا أنَّهُ- حدّثني، عنْ أبيهِ، عنْ رسولِ الله ﷺ قال: " لَوْ أنَّ ما أقَلَّ ظُفُرٌ منَ الجَنَّةِ بَرَزَ إلى الدُّنْيا لَتزَخَرَفَ لَهُ ما بَيْنَ السَّمَاءَ وَالأرْضِ" (٨).

стр. 8173

ذكر أنهار الجنَّة وأشجارها وثمارها قال الله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البينة: ٨] وقال: ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الكهف: ٣١] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥]. وقال الإمام أحمد: حدَّثنا يَزيدُ بنُ هارُونَ، أنبأنا الجُرَيْريّ، عن حَكيمِ بنِ مُعاوية أبي بَهْزٍ، عن أبيه، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ:" في الجنَّةِ بَحْرُ اللَّبنِ، وبَحْرُ الْمَاء، وَبَحْرُ الْعَسَلِ، وَبَحْرُ الْخَمْرِ، ثمَّ تَشَقَّقُ الأنْهارُ منْها بَعدُ ". ورواه التِّرْمذيّ، عن بُنْدار، عنْ يَزيدَ بنِ هَارُونَ، به، وقال: حسن صحيح. ورواه ابن أبي الدنيا، عن أبي خيثمة، عن يزيد بن هارون، به (١). وقال أبو بكر بن مَرْدويه: حدّثنا أحمدُ بنُ مُحمّد بن عاصم، حدَّثنا عَبْدُ اللّهِ بنُ محمد بن النُعْمَانِ، حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهيمَ، حدّثنا الْحَارِثُ بنُ عُبيْدٍ أبو قُدَامةَ الإياديُّ، حدّثنا أبو عِمْرَانَ الجَوْني، عن أبي بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللّهِ بنِ قَيْسٍ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "هَذِهِ الأنْهَارُ تَشْخُبُ في جنَةِ عَدْنٍ، في جَوبةٍ (٢) ثم تَصَدَّعُ بعْدُ أنهارًا " (٣). وقال ابنُ مَرْدويه: حدّثنا مُحمَّدُ بنُ أحمد، حدّثنا محمد بنُ أحمد بن أبي [محمد] يحْيَى، حدّثنا مَهْديّ بنُ حَكيم، حدّثنا يَزيدُ بن هَارُونَ، أخبرني الجُرَيْريّ، عن مُعَاويةَ بنِ قرَّةَ، عنْ أنس بنِ مَالكٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " لَعَلَّكُمْ تَظُنُونَ أنّ أنْهَارَ الْجنَّةِ أُخدُود في الأرْضِ، لا واللهِ، إنَّهَا لسائِحةٌ على وَجْهِ الأرْضِ، حَافَتاهَا قِبَابُ اللُّؤلُؤ، وَطِينُها المِسْكُ الأذْفَرُ "، قِيلَ: يا رسول الله، وما الأذْفَرُ؟ قالَ: " الّذي لا خِلْطَ لَهُ ". وقد رواه ابنُ أبي الدُّنْيا، عنْ يَعْقُوبَ بن عُبَيْدٍ، عن يزيدَ بن هارُونَ، به مَوْقوفًا (٤). وروى البَيْهقيُّ، [عن الحاكم، وغيره، عن الأصمّ، عن الرَّبيع بن سُلَيْمانَ]، عن أسَد بن

стр. 8174

مُوسى، عن ابنِ ثَوْبَانَ، عن عَطاء بن قُرَّةَ (١)، عنْ عَبْدِ اللهِ بن ضَمْرَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "منْ سَرَّهُ أنْ يَسْقيه اللهُ الْخَمْر في الآخِرَةِ فَلْيَتْرُكْهَا في الدُّنْيا، ومن سرَّه أن يكسوَه الله الحرير في الآخرة فليتركه في الدنيا، أنْهارُ الْجَنَّة تَفَجَّرُ منْ تَحْتِ تِلال، أوْ جِبَالِ المِسْكِ، وَلَوْ كانَ أدْنى أهْل الجَنَّةِ حلْيةً عُدِلَتْ بحْلِيَةَ أهْلِ الدُّنيا جميعًا لكان ما يحلَّيه الله في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعًا". ورَوى منْ طَريق أبي مُعَاوَيةَ، عن الأعْمشِ، عن عَمْرو بن مُرَّةَ، عنْ مَسْرُوقٍ، عنْ عَبْدِ اللهِ، قال: أنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفَجَّرُ منْ جَبَلِ مِسْكٍ. قُلْتُ: وَهذا المَوْقوفُ أصحُّ (٢). صفة الكوثر، وهو أشهر أنهار الجنة [سقانا الله منه بمنه وكرمه] قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١ - ٣]. وثَبتَ في "صَحيح مُسْلم" من حَدِيث محمَّد بن فضَيْل، وَعَليّ بن مُسْهِر، كِلاهُما عنِ المُخْتارِ بنِ فُلْفُلٍ، عن أنَسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حِينَ أُنزلتْ عَلَيْهِ هَذِهِ [السُّورَة] قال: " أتَدْرُونَ ما الكَوْثرُ؟ " قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قال: " هُوَ نَهْرٌ وَعَدنيه رَبِّي ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثيرٌ " (٣). وفي " الصحيحين " من حديث شيبان، عن قَتادةَ، عن أنس، في حَدِيثِ المِعْرَاج، قال النبي ﷺ : " أَتَيْتُ على نَهْرٍ حَافَتَاهُ قِبابُ اللؤلؤ المُجَوَّفِ، فَقُلْتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هَذَا الكَوثرُ الّذي أعْطَاكهُ اللهُ ". ورواه أحمد، عن ابن أبي عدِيّ، عن حُمَيْدٍ، عن أنس، به، وفي روايةٍ: " فَضَرَبْتُ بيَدي إلى ما يَجْري فيهِ المَاءُ، فإذا مِسْكٌ أذْفَرُ " (٤). ولهذا الْحَديث طرقٌ كَثيرة، عن أنس، وغيره من الصحابة، وَألْفاظٌ مُتَعدّدةٌ. فقال أحمدُ: حدَّثنا محمد بنُ فُضَيْل، عن المُخْتارِ بنِ فُلْفلٍ، عنْ أنَسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ،

стр. 8175

قال: " الْكَوْثرُ نَهْرٌ في الْجَنَّةِ يجري على وجه الأرض وَعَدَنيهِ رَبِّي " (١). ورواه مسلم، عن أبي كُرَيب، عن ابن فُضَيْل، به (٢). قال أحمد: حدّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ، حدّثنا حمَّاد، عن ثَابتٍ، عن أنس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " أُعْطيتُ الْكَوْثَر، فإذا هُوَ نَهْرٌ يَجْري على وَجْهِ الأرْض، حَافَتَاهُ قِبابُ اللُّؤلؤِ، لَيْسَ مَشقُوقًا، فَضَرَبْتُ بِيَدي إلى تُرْبَتِهِ، فإذا مِسْكةٌ ذَفِرَةٌ، وَإذا حَصْباؤُهُ اللُّؤلؤ" (٣). وقال أحمد: حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ داوُدَ الهَاشميّ، أخبرنا إبراهيمُ بن سَعْدِ، حدّثنا محمَّد بنُ عَبْدِ الله بن مُسْلِمٍ (٤) ابنِ أخي ابنِ شِهَابٍ، عنْ أبيهِ، عن أنس بن مالِك، قال: سُئلَ رسولُ اللّهِ ﷺ : عنِ الكَوْثَرِ، فقالَ: " هُوَ نَهْرٌ أعْطَانيهِ الله في الْجَنَّةِ، تُرَابُه مِسْكٌ، مَاؤُهُ أبْيَضُ منَ اللَّبَنِ وَأحْلَى منَ العَسَل، تَرِدُهُ طَيْرٌ أعْنَاقُها مِثْلُ أعْنَاقِ الجُزُرِ (٥) قال: فقال أبو بَكْرٍ: يا رسول الله، إنَّها لنَاعِمَةٌ فقال: "آكِلُها أنْعَمُ منْها (٦) ". وقال الْحَاكِمُ: أنبأنا الأصَمُّ، حدّثنا إبراهيم بنُ مُنْقِذٍ، حدَّثنا إدْريسُ بنُ يَحْيَى، حدّثني الفضل بن المُخْتارِ، عنْ عُبَيْدِ اللّه بنِ مَوْهَب، عنْ عِصْمةَ بنِ مَالِكٍ الْخَطميِّ، عن حُذَيْفَةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ في الْجنَّةِ طَيْرًا أمْثَال البَخاتيّ (٧) " فقال أبو بَكْرٍ: إنَّهَا لَناعِمةٌ يا رسولَ الله، قال: " أنْعَم منْهَا من يأكلها، وأنْتَ ممَّنْ يأكُلُها يا أبا بَكْرٍ ". ثمَّ رواه من طريق سعيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عنْ قَتَادَةَ مُرْسلًا (٨). وقال الإمام أحمدُ أيضًا: حدّثنا أبو سَلَمةَ الخُزَاعيّ، حدَّثنا لَيْثٌ، عنْ يَزِيدَ، يَعْني ابْنَ الْهَاد، عنْ عَبْدِ الوَهَّابِ بن أبي بَكْرٍ، عنْ عَبْد اللّهِ بن مُسلِمٍ، عنِ ابْنِ شِهَابٍ، عنْ أنس بنِ مالِك: أنَّ رسولَ الله ﷺ سُئلَ عَنِ الكَوْثَرِ، فقال: " نَهْرٌ أعْطانيهِ رَبّي ، أشدُّ بَيَاضًا منَ اللّبنِ، وأحْلَى منَ الْعَسَلِ، وفيهِ طَيْرٌ كأعْناقِ الجُزُرِ " فقالَ عُمَر: يا رسول الله، إن تِلْكَ [الطَّيْرَ] نَاعِمةٌ، فقال: " آكلها أنْعَمُ منْها يا عُمَر ".

стр. 8176

وكذلك رواه الدّرَاوَرْديّ، عن ابن أخي ابن شهَابٍ، عن أبيه، عن أنسٍ، به (١). رواية ابن عمر ﵄ قال أحمد: حدَّثنا عَليُّ بن حَفْصٍ، أخْبَرَنا وَرْقَاءُ، قال: وقال عَطاءٌ، عنْ مُحارِب بن دِثَارٍ، عنِ ابْن عُمَر قال: قال رسولُ الله ﷺ : " الْكَوْثرُ نَهْرٌ في الْجَنَّةِ، حَافَتاهُ منْ ذَهَبٍ، وَالْمَاءُ يَجْري على اللُّؤلؤِ، مَاؤُهُ أشدُّ بَيَاضًا منَ اللَّبنِ، وأحْلَى منَ العَسَل ". وقد رواه إسماعيل بن علية ومحمد بن فُضيل، عن عطاء بن السائب، عن محارب، عن ابن عمر مرفوعًا: " الكوثر نهر في الجنة، حافتاه الذهب، مَجراه على الدُّرِّ والياقوت، تربته أطيب من [المسك]، وأشدُّ بياضًا من الثلج". وفي رواية: " أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد ". ورواه التِّرْمذيّ وابنُ مَاجَهْ، منْ حَديث محمّد بن فُضَيْل، وقال التِّرْمذيّ: حَسَنٌ صحيحٌ (٢). رواية ابن عباس ﵄ قال البُخاريّ: حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هُشَيْمٌ، حدَّثنا أبو بِشْر، عنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاس: أنَّهُ قالَ في الْكَوْثَرِ: هُوَ الخَيْرُ الكثير الّذي أعْطاهُ اللّهُ إيَّاهُ، قال أبو بِشْرٍ: قُلتُ لِسَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: إنَّ ناسًا يَزْعمُونَ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فقالَ سَعيدٌ: النَّهْرُ الَّذي في الْجنَّةِ منَ الخَيْرِ الّذي أعْطاهُ اللهُ إيَّاهُ (٣). وقدْ رَوَى ابنُ جَرير، عنْ أبي كُرَيْبٍ، حدَّثنا عُمَرُ بنُ عُبَيْدٍ، عن عَطاءً، عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنْ ابْنِ عَبَّاس، قال: الْكَوْثرُ نَهْرٌ في الْجنَّةِ، حَافَتاهُ ذَهبٌ وفِضةٌ، يَجْري على اليَاقُوتِ والدُّرِّ، ماؤه أبْيَض منَ الثلْجِ، وَأحْلَى منَ الْعَسَلِ. وكَذا رَوى العَوْفيُّ عن ابْنِ عبَّاسٍ. رواية عائشة ﵂ قال البُخاريّ: حدَّثنا خَالِدُ بنُ يزيدَ الكاهليٌّ، حدّثنا إسْرَائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبَيْدةَ عن عائشة ﵂ قال: سَألْتُها عَنْ قَوْلهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قَالَتْ: نَهْرٌ أُعْطيهُ

стр. 8177

نَبيُّكُمْ ﷺ ، شاطئاه عَلَيْهِ دُرُّ (١) مُجوَّف، آنيتُهُ كَعَددِ النُّجُومِ، ثم قال البُخاريّ: وقد رواه زَكَريَّا، وأبو الأحْوصِ، ومُطَرِّف، عنْ أبي إسْحَاق (٢). وقال أبو نُعيم الْفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ: حدَّثنا أبُو جَعْفر الرَّازِي، حدّثنا ابْنُ أبي نَجيحٍ، عن مُجَاهدٍ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال: الْخَيْرُ الْكَثيرُ. وقال أنس بنُ مَالِكٍ: نَهْرٌ في الْجَنَّةِ. وقالت عَائِشَةُ: هُوَ نَهْرٌ في الجَنَّةِ لَيْسَ أحَدٌ يُدْخِلُ إصْبَعَيْهِ في أُذُنيهِ إلا سمع خرير ذَلِكَ النَّهْر. وروى ابنُ جَريرِ، عن أبي كُرَيْب، عنْ وَكيعٍ، عن أبي جَعْفرِ الرَّازي، عن ابن أبي نَجيح، عن عائشَة، قالتْ: منْ أحَبَّ أنْ يَسْمعَ خَريرَ الْكَوْثَر، فَلْيَجْعلْ إصْبَعَيْهِ في أذُنيْهِ. وهَذَا مُنْقطع. وقدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَن ابْنِ أبي نَجِيح، [عن مجاهد]، عنْ رَجُلٍ، عنْهَا. قال السُّهَيْليّ: وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيّ، منْ طريق مَالِك بنِ مِغْوَلٍ، عن الشَّعْبيّ، عنْ مَسْرُوقٍ، عن عَائِشَةَ، عنْ النَبيّ ﷺ (٣). ومَعْنَى هَذا: منْ أحَبَّ أنْ يَسْمَع خَريرَ الْكَوْثر، أي نَظيرَهُ، وما يُشْبِهُهُ، لا أنَّهُ يَسْمَعُهُ بِعَيْنه، بَلْ شَبَّهَتْ دَويَّهُ كَدَويّ ما يَسْمعُ الإنسان إذا وَضَعَ إصْبَعَيْهِ في أُذُنيهِ، واللّه أعلم أي شيء أرادت. ذكر نهر البيذخ في الجنة قال الإمام أحمد: حدَّثنا بَهْزٌ، حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ الْمُغيرَةِ، عن ثَابتٍ، عن أنسٍ، قال: كانَ رسولُ الله ﷺ تُعْجبُهُ الرُّؤيَا الْحَسَنةُ، فَرُبَّما قال: " هلْ رَأى أحَد مِنْكُم الليلة رُؤْيا؟ " قال: فإذا رَأى الرَّجُلُ رُؤْيا سأل عنْهُ، فإنْ كانَ لَيْسَ بهِ بَأسٌ كانَ أعْجَبَ لِرُؤْياهُ إلَيْهِ، قال: فَجَاءَت امْرأةٌ فَقَالَتْ: يا رسولَ اللّهِ، رَأَيْتُ كَأنِّي دَخَلْتُ الجَنَّةَ، فَسَمِعْتُ وَجْبةً ارْتَجَّتْ لَها الجَنَّةُ، فَنَظَرْتُ، فإذَا قدْ جِيءَ بِفُلان ابنِ فُلان، وفلان ابن فلان، حتَّى عَدَّت اثنَيْ عَشَرَ رَجُلًا -وَقَدْ بَعَثَ رسول الله ﷺ سَرِيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ- قَالَتْ: فجِيءَ بهِمْ عَلَيْهمْ ثِيَاب طُلْسٌ (٤) تَشْخُبُ أوْدَاجُهُمْ، قالَ: فَقِيلَ: اذْهَبُوا بهِمْ إلى نَهْرِ الْبَيْذَخ أو قال: إلى نَهْرِ الْبَيْدَح، قال: فَغُمسُوا فِيهِ، فَخَرجُوا منْهُ وَجُوهُهُمْ كالقَمَر لَيْلَة الْبَدْرِ. قالت: ثمَّ أُتُوا بكَرَاسي منْ ذهَبٍ، فَقَعدُوا عَلَيْهَا، فَأُتي بِصَحْةٍ، أوْ كَلِمةً نَحْوَها، فِيهَا بُسْرةٌ، فأكَلُوا مِنْها، فَمَا

стр. 8178

يَقْلِبُونَها لِشِقٍّ إلَّا أكَلُوا منْ فَاكِهَةٍ ما أرادُوا، وأكَلْتُ مَعَهُمْ. قال: فَجَاءَ البَشيرُ منْ تِلكَ السَّريةِ، فقال: يا رسول الله، كانَ منْ أمْرِنا كذا وكذا، وأُصيبَ فُلانٌ وَفُلانٌ، حتَّى عَدَّ الاثْنَيْ عَشَر الّذِينَ عَدَّتْهُمُ المَرأةُ، فقال رسول الله ﷺ : "عَليَّ بالمَرْأةِ " فَجَاءَتْ، فقال:" قُصِّي على هذا رُؤْياكِ " فَقَصَّتْ، فقال: هُوَ كما قَالَتْ يا رسول الله (١). نهر بارقٍ على باب الجنة قال أحمد: حدّثنا يَعْقُوبُ، حدَّثنا أبي، عَنِ ابْنِ إسْحَاقَ، عن الحارث بن فُضَيْل الأنْصَاريّ، عَنْ مَحْمُودِ بنِ لَبيد، عنِ ابْنِ عبَّاسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "الشهَداءُ على بَارِقٍ، نَهْرٍ على بَابِ الْجَنَّةِ، في قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ إلَيْهمْ رِزْقُهُمْ منَ الجَنَة بُكْرَةً وَعَشيًّا " (٢). ذكر ما في الدنيا من أنهار الجنة في حديث الإسراء، في ذكر سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، قال: " فإذا يَخْرُجُ منْ أصْلِها نَهْرَانِ باطنانِ، ونَهَرْانِ ظاهِرَانِ، فَالبَاطِنانِ في الْجَنَّةِ، وَالظَّاهِرَانِ: النِّيلُ، وَالْفُراتُ، عنصرهما " (٣). وفي " مسند أحمد " و" صحيح مُسلم "، واللَّفْظُ لهُ منْ حَديثِ عُبَيْدِ الله بن عُمرَ، عنْ خُبيبِ بنِ عَبد الرَّحْمَن، عَنْ حَفْصِ بنِ عَاصِم، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيْحانُ، وجَيْحانُ، وَالفُرَاتُ وَالنِّيلُ، كل منْ أنْهَارِ الجَنَّةِ " (٤). وروَى الحافِظُ الضِّيَاءُ منْ طَريق عُثْمانَ بن سَعيدٍ، عنْ سَعيدِ بنِ سَابِقٍ، عنْ مَسْلَمةَ بنِ عُلَيٍّ الخُشَنيّ، عنْ مُقَاتِلِ بن حَيَّانَ، عنْ عِكْرَمةَ، عن ابن عبَّاسٍ، عنِ النَّبيّ ﷺ ، قال: " أنْزَلَ اللّهُ منَ الجَنَّةِ خَمْسَةَ أنْهارٍ: سَيْحُونَ، وهُوَ نَهْرُ الْهِنْدِ، وجَيْحونَ، وهُوَ نَهْرُ بَلْخ، وَدِجْلَةَ وَالفرات، وهُما نَهْرا الْعِرَاقِ، وَالنيلَ، وَهُوَ نَهْرُ مِصْرَ، أنْزَلَها اللهُ منْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ منْ عيون الْجَنَّةِ، منْ أسْفَلِ دَرَجةٍ منْ دَرَجَاتهَا عَلى جَناحي جِبْريلَ، فاسْتَوْدَعها الجِبَالَ، وأجْرَاها في الأرْضِ، وجعل فيها منَافِعَ للنَاسِ، منْ أصْنافِ مَعايشهمْ، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ … ﴾ الآية [المؤمنون: ١٨] فإذا كانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأجوجَ ومَأجُوجَ، أرْسلَ جِبْريلَ، فَرَفعَ منَ الأرْضِ القُرْآنَ، وَالعِلْمَ كُلَّهُ، وَالحَجَر الأسْوَدَ منْ رُكْنِ البَيْتِ، ومَقَامَ إبْرَاهيمَ، وتَابُوتَ مُوسى بمَا فيهِ، وهَذِهِ الأنْهَارَ

стр. 8179

الْخَمْسةَ، فرفَعَ كلَّ ذَلِك إلى السَّماءِ، فذَلِك قولُه: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، فإذا رُفِعَتْ هَذ الأشْيَاءُ منَ الأرْضِ، فَقَدْ حُرِمَ أهْلُها خيرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ". وهذا حديثٌ غَريبٌ جدًّا، بلْ مُنْكرٌ، ومَسْلَمةُ بنُ عُلَيٍّ ضَعيفُ الْحَديث عِنْدَ الأئمَّة (١). وَقَدْ وَصَفَ اللهُ سُبْحانهُ عُيونَ الجَنَّةِ بِكَثْرةِ الْجَريانِ، وأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاؤوا فَخرُوها، أي اسْتَنْبَطُوها، في أيِّ مكان شاؤوا، وفي أيِّ المحلات أرادوا، وفي أيّ المساكن أحبُّوا، نَبَعتْ لهُمُ العُيُونُ بِفُنونِ المَشَارِبِ، وَلذيذ المياهِ، وَقَدْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما في الْجَنَّةِ عَيْنٌ إلَّا تَنْبُغٌ منْ تَحْتِ جَبَل [منْ مِسْكٍ]. وروى الأعْمشُ عَنْ عَمْرِو بن مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عن ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: أنْهارُ الجَنَّةِ تَفَجَّرُ منْ جَبَلِ مِسْكٍ. وَقَدْ [جَاءَ] هَذَا في حَديثٍ مَرْفُوعٍ، رواهُ الحَاكمُ في " مُسْتَدْرَكِه " فقال: أنبأنا الأصمُّ، أنبأنا الرَّبيع بنُ سُلَيْمانَ، حدَّثنا أسد بن موسى، حدّثنا ابنُ ثَوْبانَ، عنْ عَطاء بنِ قُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ضَمْرةَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "منْ سَرَّهُ أنْ يَسْقِيَهُ اللهُ منَ الْخَمْرِ في الآخِرَةِ فَلْيَتْرُكْها في الدُّنيا، ومنْ سَرَّهُ أنْ يَكْسُوَه اللهُ الحَريرَ في الآخِرَةِ فَلْيَتْرُكْهُ في الدُّنيا. أنهار الجنة تفجَّر من [تحت] تلال أو جبال المسك، ولو كان أدنى أهل الجنة حلية، عدلت بحلية أهل الدنيا جميعًا، لكان ما يحلِّيه الله تعالى به في الآخرة أفضل من حلية الدنيا جميعًا " (٢). فصل في أشجار الجنة قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] وقال تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨] والأفْناد الأغْصانُ، وقوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أي منْ كَثْرَةِ رِيِّهما، واشْتِبَاكِ أشْجارِهما، وقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أي قَريبٌ منَ التَّنَاوُلِ [يتناولونه] وهُمْ على فُرُشهمْ كيف شاؤوا، كما قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٣٤]،

стр. 8180

وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢]. قال [أبو بكر] بن أبي الدُّنْيا: حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بنُ سَعيدٍ، حدّثنا زِيَادُ بنُ الْحَسَنِ بنِ الفُرَاتِ القَزَّازُ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، عن أبي حَازِمِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللّهِ ﷺ : " ما في الجَنَّةِ شَجَرة إلَّا سَاقُها منْ ذَهَبٍ ". وكذا رواه الترمذيّ، عن أبي سعيدٍ، عبد الله بن سَعيدِ الْكِنْديِّ الأشجِّ، وقال: حسن صحيح (١). وقال أبو بكْرِ بن أبي الدُّنْيا: حدّثني حَمزةُ بنُ العَبَّاسِ، حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمانَ، حدَّثنا ابْنُ المُبَارَكِ، حدَّثنا سُفْيَان، عنْ حَمَّاد، عنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: نَخْلُ الجَنَّةِ جُذُوعُها منْ زُمُرُّدٍ أخْضَرَ، وكَرَبُها (٢) ذَهَبٌ أحْمرُ، وَسَعَفُها كُسْوة لأهْلِ الْجَنَّةِ، مِنْها مُقَطعَاتُهُم (٣) وحُلَلُهُمْ، وَثَمَرُها أمْثَالُ القِلالِ وَالدِّلاءِ، أشدُّ بَياضًا منَ اللَّبنِ، وَأحْلَى منَ العَسَلِ، وألْيَنُ منَ الزُّبْدِ، لَيْسَ فِيهِ عَجَمٌ" (٤). وقال ابن أبي الدُّنْيَا: حدّثني إبراهيمُ بنُ سَعيدٍ الْجَوْهريّ، حدَّثنا أبو عامر العَقَديّ (٥)، حدّثنا زَمْعةُ بنُ صَالحٍ، عن سَلَمةَ بن وَهرام، عن عِكْرِمَة، عن ابنِ عَبَّاس، قال: الظِّلُّ المَمدُودُ شَجَرةٌ في الْجَنَّةِ على سَاقٍ واحد، قَدرُ ما يسيرُ الرَّاكِبُ المُجدُّ في ظِلِّها مِئة عامٍ، في كلِّ نَوَاحيهَا، قال: فيَخْرُجُ إلَيْها أهلُ الجَنَّةِ [من أهْلِ الغُرفِ، وَغَيْرِهم] فَيَتحدَّثونَ في ظِلِّها، قال: فيَشْتَهي بَعْضُهُمْ، وَيَذْكُرُ لَهْوَ الدُّنْيا، فيُرْسلُ اللّهُ تَعَالى رِيحًا منَ الْجَنَّةِ، فتُحَرِّكُ تِلك الشَّجَرةَ بِكُل لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا (٦). وثبت في " الصحيِحين " منْ رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أبي حَازمِ، عنْ سَهْلِ بن سَعْدِ قال: قال رسولُ الله ﷺ : " إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّها مِئَةَ عَامِ لا يَقْطَعُها (٧) " قال: فَحَدَّثْتُ به النُعْمانَ بنَ أبي عَيَّاشٍ الزُّرَقي، فقال: حدّثني أبو سَعيدِ الخُدْريّ، عن النبيِّ ﷺ : " إنَّ في الجَنَّةِ شَجرة يَسيرُ الرَّاكبُ الْجَوَادُ المُضَمَّرُ السَّريعُ مِئَةَ عامِ، لا يَقْطَعُهَا " (٨).

стр. 8181

وفي " صحيح البُخاريّ " من حديث سعيد بن أبي عَرُوبةَ، عَنْ قَتادَةَ، عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، عنِ النَّبيّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] قال: " [إن] في الجنَّةِ شَجَرة يَسيرُ الرَّاكبُ في ظِلِّها مئة عام لا يقطعها " (١). وقال أحمد: حدّثنا سُرَيْجٌ، حدّثنا فُلَيْحٌ، عنْ هلال بن عَليٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بن أبي عَمْرة، عنْ أبي هُرَيْرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " إنّ في الجَنَّةِ شَجَرة يَسيرُ الرَّاكبُ في ظِلِّها مئة سنة لا يقطعها، اقْرَؤوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] " قال رسولُ الله ﷺ : " لَقَابُ قَوْسِ أحدكم أو موضع سوطه في الجَنَّةِ، خَيْرٌ ممَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغرُبُ ". ورواه البُخَاريّ عَنْ محمّد بْنِ سِنانِ، عن فُلَيْح (٢). ولمسلمٍ منْ طريقِ الأعْرج، عن أبي هريرة، عن النَّبيّ ﷺ ، قال: " إنّ في الجَنَّةِ شَجَرةً يَسيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّها مِئةَ سَنةٍ لا يقطعها " (٣). طريق أخرى عن أبي هريرة قال الإمام أحمد: حدّثنا مُوسى بنُ دَاود، حدَّثنا ابنُ لَهيعَةَ، عن أبي يونُس، سُلَيْم بنُ جُبَير، عَنْ أبي هُرَيرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: " إن في الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسيرُ الرَّاكب الجَوَادُ في ظلِّها مِئةَ سَنَةٍ، وَإنَّ وَرَقَهَا لَيُخَمِّرُ الجَنَّةَ " (٤). طريق أخرى قال الإمام أحمد: حدَّثنا حَجَّاجٌ، حدَّثنا لَيْثُ بنُ سَعْدٍ، حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي سَعيدٍ المَقْبُرِيّ، عن أبيه، عن أبي هُرَيرةَ، عنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: " إن في الْجَنَّةِ شَجَرَة يَسيرُ الرَّاكبُ في ظلِّها مِئَةَ سَنَةٍ " (٥). طريق أخرى وقال أحمد: حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ، عَنْ حَمَادٍ، عَنْ محمّد بن زِيَادٍ: سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ قال:

стр. 8182

سَمِعْتُ أبَا القَاسِم ﷺ يَقُولُ: " في الجَنَّةِ شَجَرةٌ يَسيرُ الرَّاكبُ في ظِلِّها مِئَةَ عَامٍ لا يَقْطَعُهَا " (١). شجرة الخلد قال الإمام أحمد: حدَّثنا محمّدُ بنُ جَعْفرٍ، وَحَجَّاج، قالا: حدَّثنا شُعْبَة، سَمِعْتُ أبَا الضحَّاكِ يُحَدِّثُ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قال: " إنَّ في الْجَنَّةِ شَجَرة يَسيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّها سَبْعينَ، أوْ مِئَةَ سَنَةٍ، هيَ شَجَرةُ الخُلْدِ " (٢). شجرة طوبى قال الإمام أحمد: حدَّثنا عَليُّ بنُ بَحْر، حدّثنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ، حدّثنا مَعْمرٌ، عَنْ يَحْيَى بن أبي كَثيرِ، عنْ عامِر بن زَيْدٍ البِكَاليِّ: أنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بن عَبْدٍ السُّلَميّ، يَقُولُ: جَاءَ أعْرَابن إلى النَّبيِّ ﷺ ، فَسَألَهُ عنِ الْحَوْضِ، وذَكَرَ الجَنَّةَ، فقالَ الأعْرابى: فيها فَاكِهَةٌ؟ قال: " نَعَمْ، وَفيهَا شَجَرةٌ تُدْعى طُوبى" فذَكَرَ شَيْئًا لا أدْرِي مَا هُوَ؟ قال: أيَّ شَجَرِ أرْضِنا تُشْبِهُ؟ قال: " لَيْسَتْ تُشْبِهُ شَيْئًا منْ شَجَرِ أرْضِكَ " ثم قال النَّبىُّ ﷺ : " أتَيْتَ الشَّام؟ " قال: لا، قال: " تُشْبِهُ شَجَرَة بالشَّامِ تُدْعَىِ الْجَوْزَةَ، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِد، وينفرش أعْلاهَا " قال: ما عِظَمُ أصْلِها؟ قال: " لَوِ ارْتَحَلْتَ جَذعة منْ إبِلِ أهْلكَ ما أحَطْتَ بأصْلِهَا، حتَّى تَنْكَسِر تَرْقُوتُها هَرَمًا " قال: فِيهَا عِنَبٌ؟ قال: " نَعَمْ " قال: فَما عِظَمُ العُنْقُودِ؟ قال: " مَسِيرةُ شَهرٍ للْغُرَابِ الأبْقِعِ يطير، ولا يَفْتُرُ " قال: فَمَا عِظَمُ الحَبَّةِ؟ قال: " هَلْ ذَبَحَ أبُوكَ تَيْسًا منْ غَنَمِه قَطُّ عَظيمًا؟ " قال: نعَمْ، قال: " فَسَلَخَ إهَابَهُ فأعْطَاهُ أُمَّكَ قال: اتّخِذِي لَنا مِنْهُ دَلْوًا؟ " قالَ: نَعَمْ، قال الأعْرَابيّ: فإنَّ تِلْكَ الْحَبَّةَ لتُشْبِعُني وَأهْلَ بَيْتي؟ قالَ: " نَعَمْ، وعَامَّةَ عَشِيرتِكَ " (٣). وقالَ حَرْملةُ: عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ وَهَبٍ، أخْبرَني عَمْرٌو: أنَّ دَرَّاجًا حَدَّثَهُ: أنَّ أبَا الهَيْثَمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رسولَ الله، طُوبى لِمَنْ رَآكَ وآمَنَ بكَ، قال: " طُوبى لِمَنْ رَآني وآمَنَ بي، وطُوبَى ثمَّ طُوبى لِمَنْ آمنَ بي ولمْ يَرَني " قال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، وما طُوبى؟ قالَ: " شَجرةٌ في الجَنَّةِ مَسيرةُ مِئَةِ سَنةٍ، ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ منْ أكْمامِهَا " (٤).

стр. 8183

سدرة المنتهى قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٨] وذكَزنا في " التَّفْسيرِ " أنَّهُ غَشِيها نُورُ الرَّبِّ ﷻ ، وأنَّهُ غَشِيتهَا الْمَلائكةُ مِثْلَ الغِرْبانِ، يَعْني كَثْرَةً، وأنَّهُ غَشِيَها فَرَاشٌ منْ ذَهَبٍ، وَغَشيهَا ألْوَانٌ مُتَعدِّدَةٌ، كما قالَ رسولُ الله ﷺ : " فَغَشِيَها ألْوانٌ لا أدْري مَا هيَ؟ " (١) " مَا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَنْعَتها " (٢). وفي " الصحيحين " عنه ﷺ أنَّهُ قال في حَديثِ المِعْرَاج: " ثمَّ رُفِعتْ لي سِدْرَةُ المُنْتهى في السَّمَاءَ السَّابعةِ، فإذا نَبِقُها مِثْلُ قِلالِا هَجَر، وورقُها مِثْلُ آذَانِ الفِيَلَة، وإذا يَخْرُجُ منْ سَاقِهَا نَهْرَانِ ظاهِرانِ، وَنَهْرَإنِ بَاطِنانِ، فقلْتُ: يا جِبْريلُ: ما هَذَا؟ فقال: أمَّا البَاطِنَانِ، ففي الجَنَّةِ، وأمَّا الظَّاهران، فالنِّيلُ وَالفُرَاتُ " (٣). وقال الحافظُ أبو يَعْلَى: حدّثنا عَبْدُ الرَّحمنِ بنُ صَالِحٍ، حدّثنا يُونُس بنُ بُكَيْرٍ، عنْ محمّدِ بنِ إسْحَاقَ، عنْ يَحْيَى بنِ عَبَّاد بن عَبْدِ اللّهِ بن الزُّبَيْرِ، عن أبيهِ، عن أسْماءَ بِنْتِ أبي بكْر، قالتْ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهى، فقال: " يَسيرُ في ظلّ الفَنَنِ مِنْها الرَّاكبُ مئَةَ سَنَةٍ -" أوْ قال: " يَسْتَظِلُّ في ظِلِّ الفَنَنِ منْهَا مِئَةُ رَاكبٍ- فيها فَرَاشُ الذَّهَبِ، كأنَّ ثَمَرَهَا القِلَالُ " (٤). وقال أبو بكْر بنُ أبي الدُّنْيَا: حدّثني حَمْزَةُ بنُ العَبَّاسِ، حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بنُ عُثْمانَ، حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بنُ المُبَارَكِ، حدّثنا صَفْوَانُ بن عمرٍو، عن سُلَيْمِ بنِ عامِرٍ، قال: كانَ أصْحابُ رسولِ الله ﷺ يَقُولونَ: إنَّ الله تعالى ليَنْفَعُنا بالأعْرابِ ومَسَائِلِهم، قال: أقْبَلَ أعْرابيُّ يَوْمًا، فقال: يا رسولَ اللّهِ، ذَكَرَ اللّهُ تعالى أن في الجَنَّةِ شَجَرَةً مُؤْذية، وما كنْتُ أَرَى في الجَنَّةِ شَجَرةً تُؤذي صَاحِبَها؟ فقال رسولُ الله ﷺ : " وما هِيَ "؟ قالَ: السِّدْرُ، فإنَّ لهُ شَوْكًا مُؤذِيًا، فقال رسولُ الله ﷺ : " ألَيْسَ اللّهُ تعالى يقُولُ: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨]؟ خَضَدَ اللّهُ شَوْكهُ، فجعل مَكانَ كلِّ شَوْكةٍ ثَمَرَةً، فإنَّهَا لَتُنْبِتُ ثَمَرًا تَفَتَقُ الثَّمَرَةُ منْها عن اثْنَيْنِ وَسَبْعين لَوْنًا، ما فيهِ لونٌ يُشْبهُ الآخَرَ ". وقد رُويَ هذا الْحَديثُ بِلَفْط آخَرَ منْ وَجْهٍ آخَر، فقال أبو بكْرِ بن أبي داود: حدثنا محمَّدُ بنُ مُصَفّى، حدّثنا محمَّدُ بنُ المُبَاركَ، حدَّثنا يَحْيَى بنُ حَمْزةَ، حدّثنا ثَوْرُ بن يَزيدَ، حدّثنا حَبيبُ بنُ عُبَيْدٍ، عنْ عُتْبةَ بن عَبْدٍ السُّلَميّ، قال: كُنْتُ جَالسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فجاء أعْرَابيّ فَقال:

стр. 8184

يا رسولَ الله، أسْمَعُكَ تَذْكُرُ شَجَرَةً في الْجَنَّةِ لا أعْلَمُ شَجَرة أكْثَرَ شَوْكًا منْها، يعني الطلح، فَقالَ الرَّسُول ﷺ : "خُضِدَ شوكُه، فجعل الله مكان كل شوكة منها، ثَمَرةً مِثْلَ خُصْوَة التَّيْسِ الْمَلْبُودِ، فِيها سَبْعُونَ لَوْنًا منَ الطَّعَامِ، لا يُشْبِهُهُ لَوْنُ آخر " (١) المَلْبُودُ: الَّذي قدْ تَلَبَّدَ صُوفُهُ بَعْضُهُ على بَعْضٍ. فصل رَوَى التِّرْمَذِيّ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قال: قال رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "لَقيتُ إبْرَاهيمَ لَيْلَة أُسْريَ بي، فقال: يا محمَّد، أقْرِئ أُمَّتَكَ منِّي السَّلامَ، وَأخْبِرْهُمْ أنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبةِ، عَذْبةُ الْماء، وأنَّها قِيعانٌ، وأنَّ غِرَاسَها سُبْحانَ اللهِ وَالْحَمْدُ اللهِ ولا إلهَ إلَّا اللّهُ وَاللّهُ أكْبرُ " ثم قال: حسن غريب، وفي الباب عن أبي أيوب (٢). وقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ مرَّ عليه وهو يغرس غرسًا، فقال: " ألا أدلك على غِراسِ خيرٍ من هذا؟ سبحان الله، والحمد للّه، ولا إله إلا الله، واللّه أكبر، يُغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة " (٣). وروَى الترْمذيُّ عن جَابرٍ، قال رسول الله ﷺ : "منْ قَالَ: سُبْحانَ اللّهِ العَظِيم وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلةٌ في الجنة " ثمَّ قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ (٤). فصل في ثمار الجنة قال الله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] وقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] أيْ قَريبٌ منَ المُتنَاوَلِ، كما قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٣٣] أي لا تَنْقَطِعُ أبدًا في زمنٍ مِنَ الأزْمَانِ، بَلْ هِيَ مَوْجُودةٌ في كلِّ أوَانٍ وزمان. كما قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] أي لا يسقط ورق أشجارها، أيْ

стр. 8185

لَيْسَت كالدُّنْيَا الَّتي تأتي ثِمَارُها في بعض الأزمان دون بعض، ويسقط أوراق أشجارها في بَعْضِ الفصول وتُفْقَدُ ثمارها في وَقْتٍ آخَر، وتَكْتَسي أشْجَارُها الأورَاقَ في وقت وتعرى في آخرَ، بل الثمر والظل دائم مستمر، سهل التناول، قريب المجتنى، كما قال ﴿وَلَا ممَنُوعَةٍ﴾ أيْ لا تمتنع ممَّنْ أرَادَها كَيف شاء، ولَيْسَ دُونَها حِجَابٌ، ولا مانِعٌ، بلْ منْ أرَادَها فَهيَ مَوْجُودةٌ سَهْلةٌ، قَريبةٌ حتَّى وَلَوْ كانَتِ الثَّمَرةُ في أعْلَى الشَّجَرَةِ، فأرَادَها المؤمن، تدلَّت إليه فأخْذَهَا وَاقْتَرَبَتْ إليْهِ، وَتَدَّلَّلتْ لَدَيْهِ. قال أبو إسحاق: عن البراء: ﴿وَذُلِّلَت قُطُوفُهَا﴾ [الإنسان: ١٤] أي: أُدْنيتْ حتَّى يَتَناوَلَها المؤمن وَهو نائمٌ، وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥]. وَقَدْ سَبَقَ فيما أوْرَدْناه منَ الأحَاديثِ أنَّ تُرْبَةَ الْجَنَّةِ مِسْكٌ وَزَعْفَران، وأنَّ ما في الجنَّة شجرةٌ إلَّا ساقُها منْ ذَهَب، فإذا كانت التُّرْبَةُ بهذه المثابة، والأصُولُ الثابتة فيها من الذهب، فما الظن بما يَتَولَّدُ بينهما منَ الثمار الرَّائِقَةِ النَّضِيجَةِ الأنيقَةِ، الَّتي ليس فيها عجَم، ولَيْسَ في الدُّنيا منْها إلَّا الأسْمَاءُ، وإذَا كانَ السِّدْرُ الَّذي في الدُّنيا وَهُوَ لا يُثْمرُ إلَّا ثمرةً ضعيفَةً، وَهِيَ النَّبِقُ، وَفيهِ شَوْكٌ كثيرٌ، وَالطَّلحُ الَّذي لا يُرادُ منْهُ إلا الظِّلّ في الدُّنيا، يكونَانِ في الْجَنَّةِ في غَايةِ كثْرَةِ الثِّمَارِ، وَحُسْنها، حتَّى إنَّ الثَّمَرةَ الواحِدةَ منْهَا تَتَفَتَّقُ عَنْ سَبْعينَ نَوْعًا منَ الطُّعومِ وَالألْوانِ التي لا يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا، فمَا الظَّنُّ بِثِمار الأشْجارِ الّتي تَكُونُ في الدُّنْيا حَسَنةَ الثِّمَارِ طيبة الرائحة، سهلة التناول، كالتُّفَّاحِ، والمِشمش، والدُّرَّاقِن، والنَّخْلِ، والعِنَبِ؟ وَغَيْرِ ذَلِك، بل ما الظن بأنْواعِ الرَّيَاحينِ، والأزاهيرِ؟ وبالجملَةِ فيها ما لا عَيْنُ رَأتْ، وَلا أُذُنٌ سمعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، نسأل الله من فضله. وفي " الصحيحين " منْ حَديثِ مَالكٍ، عَنْ زَيْدِ بن أسْلَم، عنْ عَطاء بن يَسارٍ، عن ابن عَبَّاسٍ في حديثِ صَلاةِ الكُسُوفِ، قالوا: يا رسولَ الله، رَأَيْناكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا في مَقَامِكَ هَذا، ثمَّ رَأَيْناكَ تَكَعْكَعْتَ (١)، فقال: " إني رَأَيْتُ-" أوْ "أُريتُ- الْجَنَّةَ، فَتَناوَلْتُ منها عُنُقودًا، ولو أخذتُه لأكَلْتمْ منْهُ ما تقيتِ الدُّنْيا " (٢). وفي "المُسْنَدِ" مِنْ حَديثِ عَبْدِ اللهِ بن مُحمّد بن عَقِيلٍ، عن جابرٍ، فقال: " إنَّهُ عُرِضَتْ عَليَّ

стр. 8186

الْجَنّةُ وما فِيها مِنَ الزَّهْرَةِ وَالنُّضْرَةِ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْها قِطْفًا منْ عِنَبِ لآتِيَكُمْ بهِ، فحيلَ بَيْني وَبَيْنهُ، ولَوْ أتَيْتكم بِهِ لأكَلَ منْهُ مَنْ بَينَ السَّماءِ والأرْضِ لا يَنْقُصُونَهُ". وفي " صحيح مسلم " منْ رِوَايةِ أبي الزُّبَيْر، عن جَابرِ شاهدٌ لِذَلِك (١). وتقدَّمَ في " المَسْنَدِ " عنْ عُتْبَةَ بن عَبْدٍ السُّلَميِّ: أنَّ أعْرَابيًا سَأل رسولَ الله ﷺ عنِ الْجنَّةِ: هل فيهَا عِنَبٌ؟ قال: " نَعَمْ " قال: فما عِظَمَ الْعُنْقودِ؟ قال:" مَسيرةُ شَهرِ لِلْغُرَابِ الأبْقعِ يطير ولا يَفْتُرُ" (٢). وقال [أبو القاسم] الطَّبرانيّ: حدَّثنا مُعاذُ بنُ المُثنَّى، حدَّثنا على بنُ المَديني، حدَّثنا رَيْحانُ بنُ سَعيدٍ، عنْ عبَّادِ بنِ مَنْصُور، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةَ، عنْ أبي أسْماءَ، عنْ ثَوْبانَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الرَّجُلَ إذا نزَعَ ثمرَةً منَ الْجنَّةِ عَادَتْ مَكانَها أُخْرَى". قال الحافظُ الضِّياءُ: عَبَّاد تَكَلَّمَ فيهِ بَعْضُ العُلَماء (٣). وقال الطَّبرانيّ: حدَّثنا عَبْدُ اللّهِ بنُ أحْمَد بن حَنْبَلٍ، حدَّثنا عُقْبَةُ بن مُكْرَمٍ العَمِّيُّ، حدَّثنا رِبْعيُّ بنُ إبراهِيمَ بن عُلَيَّةَ، حدَّثنا عَوْفٌ، عن قَسَامةَ بنِ زُهَيْرٍ، عنْ أبي مُوسى، قال: قال رسول الله ﷺ : " لَمَّا أهْبَطَ اللهُ آدمَ منَ الْجنَّةِ عَلّمهُ صَنْعةَ كلِّ شَيءٍ، وزَوَّدَهُ منْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، فَثِمارُكُمْ هَذِهِ منْ ثِمارِ الْجَنَّةِ، غَيرَ أنَّها تَغيَّرُ، وتِلْكَ لا تَغيَّرُ " (٤). فصل قال الله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢١]. قال الحسنُ بنُ عَرَفةَ: حدَّثنا خَلَفُ بنُ خَليفةَ، عن حُمَيْدٍ الأعْرَجِ، عن عَبْدِ اللّهِ بن الْحَارِثِ، عن ابنِ مَسْعُوب، قال: قال لي رسولُ اللهِ ﷺ : " إنكَ لتَنْظُرُ إلى الطَّيْر في الجنَّة فتَشْتَهيهِ فيخرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْويًا " (٥). وفي الترْمِذي وحَسَّنَهُ، عنْ أنس قال: سُئلَ رسولُ الله ﷺ عنِ الكَوثرِ، فقالَ: " نَهْرٌ أعْطَانِيهِ رَبِّي ، مَاؤُهُ أشدُّ بَيَاضًا منَ اللَّبنِ، وأحْلَى منَ الْعَسَلِ، فِيهِ طيْرٌ أعْنَاقُهَا كأعْناقِ الجُزُرِ (٦) وقد تقدَّم. وفي " تَفْسير الثَّعْلبي " عنْ أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعًا: " إنّ في الجَنَّةِ طيْرًا كأعْناقِ البُخْتِ، تَصْطَفُّ بينَ

стр. 8187

يَدِ وَليِّ اللّهِ، فيقُولُ أحدها: يا وَليَّ اللّهِ رَعَيْتُ في مُرُوج تَحْتَ الْعَرْشِ، وَشَرِبْتُ منْ عُيُونِ التسنيم، فَكُلْ منِّي، فلا يزَالُ يَفْتَخرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حتَّى يَخْطِرَ على قَلبهِ أكْلُ أحدها، فَتَخِرُّ بَينَ يَدَيْهِ، على ألْوانٍ مُخْتلفةٍ، فيَأكُلُ مِنْها ما أرَادَ، فإذا شَبعَ منها، تجتمع عِظامُ ذلك الطَّائرِ الذي أكله، ثم يطير يَرْعَى في الجنَّةِ حَيْثُ شَاء" فقالَ عُمرُ: يا نَبيَّ اللَهِ، إنّها لَنَاعِمَةٌ، فقالَ: " آكلها أنْعَمُ منْها ". غريبٌ من روايةِ أبي الدَّرْدَاء ﵁، واللّه أعلم. ذِكر طعام أهل الجنة، وأكلهم فيها وشربهم نسأل الله من فضله قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] وقال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢١] وقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ (١) الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٦] وقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦] أيْ هي في صَفاء الزُّجَاج، وهيَ منَ فِضَّةٍ، وهذا ما لا نَظيرَ لهُ في الدُّنيا، وهيَ مُقدَّرة على قَدْرِ كفَايةِ وليِّ اللّهِ [في مَشرَبهِ]، لا تزيد ولا تنقُصُ، وهَذا يَدُلُّ على الاعِتناء والشَّرَفِ، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] أي كُلَّما جاءَهمُ الخدَمُ بِشَيْءٍ من ثمر الجنة وغَيْره ظَنُوهُ الَّذي أُتُوا بهِ قبْل ذلك، لمشَابَهَتِهِ لهُ في الظَّاهرِ، وهو في الْحقيقةِ خِلافُه، فتشابهت الأشْكالُ، واخْتَلفتِ الْحَقائقُ، والطُعُوم والرَّوائحُ. قال الإمامُ أحمد: حدّثنا حسنٌ، حدَّثنا سُكْينُ (٢) بنُ عبد العزيز، حدَّثنا الأشعَثُ الضريرُ، عَنْ شَهْر بنِ حَوْشَب، عنْ أبي هريرِة قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أدْنَى أهْل الجنَّةِ مَنْزلةً، إنَّ لهُ لَسَبْعَ دَرَجات وهُوَ على السَّادسَة، وفوْقَه السَّابعَةُ، وإنَّ لهُ لثَلثمئةِ خادمٍ، ويُغدَى عَلَيْهِ ويُراحُ كل يَوْم بثَلثمئةِ صَحْفَةٍ " ولا أعلمهُ إلَّا قال: " منْ ذهَب، في كلِّ صَحْفةٍ لَوْنٌ ليس في الأُخْرَى، وإنَّه لَيَلذُّ أوَّلَهُ كما يلذُّ آخرَهُ، ومن الأشربة ثلاثمئة إناء، في كل إناءٍ لون ليس في الآخَر، وإنَّه ليذ أوله كما [يلذُّ] آخره،

стр. 8188

وإنَّهُ ليقُولُ: يا رَبِّ، لوْ أذِنْتَ لي لأطعمتُ أهْلَ الجَنَّةِ، وَسَقيْتُهمْ لَمْ يَنقُصْ ممَّا عنْدي شيئًا، وإنَّ لهُ منَ الْحُورِ الْعين لاثْنَتينِ وَسَبْعينَ [زَوْجَةً] سِوَى أزْواجِهِ منَ الدُّنيا، وإنَّ الْوَاحدَة منْهُن ليأخُذُ مَقعَدُها قَدْرَ ميل منَ الأرْضِ". تفرّد به أحمد، وهو غريب، وفيه انقطاع (١)؛ وله شاهد عن عبادة بن الصامت: قال الإمام أحمد: ثنا يَعْمر بن بشر، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا رشدين (٢) بن سعد، حدثني أبو هانئ الخَوْلاني، عن عمرو بن مالك الجَنَبي، أن فضالة بن عُبَيد، وعبادةَ بن الصامت، حدَّثاه أن رسول الله ﷺ قال: " إذا كان يوم القيامة، وفرَغ من القضاء بين الخلق، فيبقى رجلان، فيأمر الله بهما إلى النار، فيلتفت أحدُهما، فيقول الجبَّار تعالى: ردُّوه، فيردُّونه فيقول: لِمَ التفتَّ، فقال: كنت أرجو أن تدخلني الجنة" قال: " فيؤمر به إلى الجنة، فيقول: لقد أعطاني الله ، حتى لو أطعمتُ أهل الجنة، ما نقص ذلك مما عندي شيئًا " قال: فكان رسول الله ﷺ يُرى السُّرور في وجهه. تفرَّد به أحمد (٣). قال الإمامُ أحمدُ: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، حدَّثنا الأعْمشُ، عنْ ثُمامَةَ بنِ عُقْبة، عن زيد بن أرقمَ، قال: أتى النَّبيُّ ﷺ رَجُلٌ من اليهودِ، فقال: يا أبا القاسم، ألسْتَ تزعمُ أنَّ أهلَ الجنةِ يَأكلُونَ فيها، ويشربُونَ؟ قال اليهوديُّ لأصحابه: إنْ أقَرَّ لي بهذا خَصَمْتُه، فقالَ رسولُ اللّهِ ﷺ : " بلَى والذِي نَفْسي بِيَدِهِ، إن أحَدَهُمْ ليُعْطى قُوَّةَ مِئة رَجُل في المطعم والمشربِ، والشَّهْوَة والجماع" قال: فقال اليهوديُّ: فإنَّ الذي يَأكُل، ويَشْرَبُ، تكونُ لهُ الحاجةُ، قال: فقال النبيِّ ﷺ : " حاجةُ أحَدِهمْ عَرَقٌ، يَفيضُ منْ جُلُودِهمْ مِثْل رِيح المسكِ، فإذا البطنُ [قدْ] ضَمُرَ " ثم رواه أحمد، عنْ وكيعٍ، عن الأعمشِ، [عنْ] ثُمامةَ: سَمِعْتُ زيدَ بن أرقمَ … فذكره. وقد رواه النسائيُّ عنْ عليٍّ بن حُجْرٍ، عنْ علي بن مُسهرٍ، عنِ الأعمش، به، ورواه أبو جعفر الرازي عن الأعمش … فذكره، [وعنده]: قال اليهوديُّ: فإنَّ الذي يَأكلُ ويشْرَبُ تكونُ لهُ الحاجةُ، وَليسْ في الْجنَّةِ أذى، فقالَ رسولُ الله ﷺ : " تَكونُ حاجةُ أحدهمْ رَشْحًا يَفيضُ منْ جُلودهمْ كَرَشْح المسكِ، فيضمُر بَطْنهُ ". قال الحافظُ الضِّياء: وهَذَا عِنْدي على شرط مُسلم، لأنَّ ثُمامة ثِقَةٌ، وفدْ صَرَّحَ بسَماعهِ منْ زَيدِ بن أرْقَم (٤).

стр. 8189

حديت آخر في ذلك عن جابر قال الإمام أحمد: حدَّثنا أبُو مُعاويةَ، حدَّثنا الأعمش، عنْ أبي سُفيَانَ، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "أهْل الجنَّةِ يأكلونَ فيه ويَشْربُونَ ولا يتغَوَّطُون، ولا يَبُولونَ، ولا يتَمخَّطونَ، ولا يبْزُقُون، طعامُهم جُشاءٌ ورَشْحٌ كرَشْح المسْكِ ". وقد رواه مسلم منْ حديث أبي سُفيانَ طلحةَ بن نافع، عنْ جابرٍ … فذكرهُ: قالُوا: فما بَالُ الطعام؟ قالَ: " جُشاءٌ ورَشْحٌ كَرَشْحِ المِسْكِ، يُلْهَمُونَ التسْبيحَ والتحميد ". وكذا أخرجهُ منْ حدِيث ابْنِ جُرَيْجٍ، عن أبي الزبَيْرِ، عنْ جابرٍ … فذَكَره، وقال: " طَعَامُهُمْ ذَلِكَ جُشاء كريح (١) المسْكِ، ويُلْهَمُونَ التسبيحَ، والتَّكبِيرَ، كما يُلْهمُونَ النَّفَسَ " (٢). طريق ثالثة عن جابر ﵁ قال أحمد: حدَّثنا الْحَكمُ بنُ نَافِع، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن (٣) صفْوانَ بنِ عَمْرو، عنْ ماعِزٍ التَّميمي، عنْ جابِرِ بنِ عبْدِ اللهِ، قالَ: سُئلَ النَّبيُّ ﷺ : أيأكلُ أهْلُ الْجَنَّةِ؟ قالَ: " نعمْ " وَيَشْرَبُونَ، ولا يَبُولُونَ فيها، ولا يتغوَّطُونَ، ولا يتَنَخَّمُون، إنما يكونُ ذلكَ جُشاءً ورَشحًا، كرَشحِ المِسْكِ، ويُلْهَمُونَ التَّسْبيحَ وَالتَّحْميدَ كما تُلهَمون النَّفَس " (٤). طريق رابعة عن جابر ﵁ قالَ الْحَافظ أبو بَكْرٍ البزّار في " مُسْنَدِه ": حدَّثنا القَاسمُ بنُ مُحمَّدِ بنِ يَحْيَى المروزِي، حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ عُثْمانَ بنِ جَبلةَ، وهُوَ يُعْرفُ بِعَبْدان، حدّثنا أبو حَمْزةَ السُّكريّ (٥)، عنِ الأعْمَشِ، عنْ أبي صَالِح، عنْ جابر [بنِ عَبْدِ اللّهِ]، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " إنَّ أهْلَ الْجَنَّةِ لَيَأكلُونَ ويَشْربُونَ، ولا يتغَوَّطُونَ ولا يمتخطون، يُلْهمُون التَّسبيحَ والحمْدَ، كما يُلْهمونَ النَّفَسَ، يكُونُ طَعامُهُمْ وَشَرَابُهُمْ

стр. 8190

جُشاءَ كَرشْح الْمِسْكِ " قال البرارُ: وَيُروى هَذَا عنِ الأعْمشِ، عن أبي سُفْيَانَ، ولمْ يصحّ سَمَاعُه منْهُ، وسَمَاعُه من أبي صَالِح صحيحٌ. أحاديث أُخر شتى قال الحَسَنُ بنُ عَرَفةَ: حدَّثنا خَلَفُ بنُ خَليفَةَ، عن حُمَيْدٍ الأعْرَج، عن عبد الله بنِ الحارث، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بن مَسْعُودٍ، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : " إنَّكَ لَتَنْظُر إلى الطير فَتَشْتَهيه، فيَخِرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْويًا (١). وقال [الإمام أحمد]: حدَّثنا عَبْدُ الْمَلك بنُ عَمْرو، عَنْ فُلَيْح، عنْ هِلال بْنِ عَلي، عنْ عَطاء بن يَسَار، عنْ أبي هُرَيْرةَ: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قال يومًا وَهُوَ يُحَدِّثُ وعِنْدَهُ رَجُلٌ منْ أهْلِ البادية: " إن رجلًا من أهل الجَنَّةِ اسْتأذَنَ رَبَّهُ في الزَّرْع، فقالَ له رَبُّه سبحانه: ألَسْتَ فيما شِئْتَ؟ قال: بَلَى، ولكني أحبُّ أنْ أزْرعَ " قال: " فبَذَرَ، فبَادَرَ الطَّرْفَ نَباتُه، وَاستوَاؤهُ، واسْتِحْصَادُهُ، فكَانَ أمْثَالَ الْجبَالِ " قال: " فيَقُولُ [لَهُ] رَبَّهُ : دُونكَ يا ابْنَ آدَمَ، فإنَّهُ لا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ " قال: فقالَ الأعْرابي: واللّهِ ما تَجِدُ هذا إلا قُرَشِيًا أوْ أنْصَاريًا، فإنَّهُمْ أصْحابُ زَرْعٍ، فأمَّا نَحْنُ فَلَسْنا بِأصحابِ زرع. قال: فَضَحِكَ رسولُ الله ﷺ . ورواه البُخاريّ منْ حديث أبي عَامِرٍ العَقَديَّ عبدِ الملكِ بن عَمْرٍو، به (٢). ذكر أول طعام يأكله أهل الجنة بعد دخولهم الجنة رَوَى الإمام أحمدُ عن إسماعِيلَ بن عُلَيَّةَ، عنْ حُمَيْدٍ، وأخْرَجهُ البُخاريُّ منْ حَديثِه، عنْ أنَسٍ: أنَّ عَبْد اللّهِ بنَ سَلام سَألَ رسول الله ﷺ لمَّا قَدِمَ الْمَدينَةَ عن أشياء، منها: وما أوَّلُ طَعام يَأكُلُهُ أهْلُ الْجنَّةِ؟ فقال: " زيَادةُ كَبِد حُوتٍ " (٣). وفي " صَحيح مُسْلِم " منْ رِوَايةِ أبي أسمَاءَ، عَنْ ثَوْبانَ: أنَّ يَهُوديًا سَألَ رسولَ اللّهِ ﷺ قالَ: فمَا تُحْفَتُهُمْ حينَ يدخُلُونَ الْجنَّةَ؟ قالَ: " زَيادَةُ كبِدِ الْحُوتِ " قالَ: فمَا غِدَّاؤُهُمْ على إثْرها؟ قال: "يُنْحَر لَهُمْ ثَوْرُ الْجنَّةِ الذي يَأكلُ منْ أطْرَافِها " قال: فما شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قالَ: "منْ عَيْن ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ قال: صَدَقْت (٤).

стр. 8191

وفي " الصَّحيحينِ "، منْ حَديث عَطاء بنِ يَسَارٍ، عنْ أبي سَعيدٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : " تَكونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيَامةِ خُبزةً واحِدَة، يَتكفَّؤُها [الْجَبَّارُ] بيدِهِ، كما يَتكفَّأ أحَدُكُمْ خُبزَتَهُ في السَّفَرِ، نُزلًا لأهْل الْجَنَّةِ " فأتى رَجُلٌ منَ اليَهُودِ فقالَ: بَارَكَ الرَّحْمنُ عَلَيْكَ يا أبا القَاسم، ألا أُخْبِركَ بنزُلِ أهْلِ الْجَنَّةِ يومَ القيَامةِ؟ قالَ: " بلَى" قالَ: تكُونُ الأرْضُ خُبزةً واحدَةً يَومَ القِيَامةِ، ثمَّ قالَ: ألا أُخْبرُكَ بإدَامهمْ؟ قالَ: " بَلى " قالَ: إدَامُهُمْ بالامُ، ونُونٌ، قالَ ": " ومَا هَذَا؟ " قالَ: ثوْرٌ ونُون، يَأكلُ منْ زَائدةِ كَبِدِهِما سَبْعُونَ ألفًا (١). وقال الأعمشُ، عنْ عَبْد اللّهِ بن مُرّة، عن مَسْرُوقٍ، عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، في قوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٦]، قال: الرَّحيقُ: الْخَمْرُ، ﴿مَخْتُومٍ﴾ يَجِدُونَ عَاقبتَها رِيحَ المِسْكِ (٢). وقال سُفْيَانُ، عنْ عَطاء بنِ السَّائب، عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابْنِ عَبَّاسِ في قوله ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧] قال: التسنيم: أشْرَفُ شَرَابِ أهْلِ الْجَنَّةِ، يَشْرَبُهُ الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا، ويُمْزَجُ منه لأصحاب اليمين. قلت: وقدْ وصَفَ اللّهُ خَمْر الْجنَّةِ بصفاتٍ جَمِيلةٍ حَسَنة لَيْسَتْ في خُمُور الدُّنيا القَذِرة، فذَكَر أنَّها أنْهارٌ جَاريةٌ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] فهي أنْهارٌ جَاريَةٌ مُسْتَمدَّةٌ منْ عُيُونٍ تَنْبُعُ منْ تَحْتِ جبال المِسْكِ، ولَيْسَتْ مُعْتَصرةً بأرْجل الرِّجَالِ الأراذِل في أسْوَأ الأحْوالِ، وَذَكرَ أنّها لَذّةٌ لِلشّاربينَ، وليست كخَمْر الدُّنْيَا منْ كراهَةِ الطَّعم، وَسُوء الفِعْلِ في العَقْلِ، ومَغْصِ البَطْنِ، وَصُداعِ الرَّأْسِ، فقَدْ نزَّه الله تعالى أهل الجَنَّةِ عنْ ذلِكَ كُلَهِ، ونزه خمرها أن يكون فيه شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٥ - ٤٧] ﴿بَيْضَاءَ﴾ أيْ حَسَنةِ الْمَنْظَر ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، طَيِّبة الطعْمِ ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ والغَوْل وَجَعُ البَطْنِ، ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ أي لا تُذْهِبُ عُقُولَهُمْ، وذَلِكَ أن الْمَقْصُودَ منَ الخَمْر إنما هُوَ اللَّذةُ المُطْرِبةُ، وَهيَ الْحالةُ المُبْهِجةُ الّتي يَحْصُل بهَا سرُورُ النَّفْسِ، وهَذَا حَاصلٌ في خَمر الجَنَّةِ، فأمَّا ذَهابُ العَقْل بِحَيْثُ يَبْقَى شَاربُهَا كالحَيَوانِ والمجنون، فهَذا نَقْصٌ، إنمَا يَنْشأُ عنْ خَمْرِ الدُّنْيا، فأمَّا خَمْرُ الْجَنّةِ، فَلا تُحْدِثُ لشاربها شيئًا من هذا وإنّمَا تُحدث السُّرُور وَالابْتِهاج، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ أيْ تُنْزَفُ عُقُولهُمْ، فتَذْهَبُ بالْكُلِّيةِ بسبب شُرْبِها. وقال في الآية الأخرى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا

стр. 8192

يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٩] أيْ لا تُورِثُ لهُمْ صُداعًا في رؤوسهم، ولا تُنْزِفُ عُقُولَهُمْ. [وقال في الآية الأخرى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٨]]. وَقَدْ ذَكَزنا في "التَّفْسيرِ" عنِ عَبْدِ اللّهِ بنِ مَسْعُودٍ: إن الْجَمَاعَةَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ لَيَجْتَمعُونَ على شَرَابِهمْ كما يَجْتَمِعُ أهْلُ الدُّنْيا، فتَمرُّ بهم السَّحَابةُ، فتقول: ما تريدون أن أُمطركم، فلا يَشاؤونَ شَيْئًا إلَا أمْطَرَتْ عَلَيْهمْ، حتَّى إنَّ مِنْهُمْ منْ يَقُولُ: أمْطِرينا كَواعِبَ أتْرابًا، فتُمْطِرُهُمْ كَوَاعِبَ أتْرَابًا (١). وتقدَّمِ أنهُمْ يَجْتَمعُونَ عِنْدَ شَجَرَةِ طُوبى، فيَذْكُرُونَ لَهْوَ الدُّنْيا، [وهُوَ الطَّرَبُ]، فيَبْعَثُ اللّهُ ريحًا منَ الجَنَّةِ فتُحَرِّكُ تِلْكَ الشّجَرَةَ بكلِّ لَهْوٍ كانَ في الدُّنْيا. وفي بَعْضِ الآثَارِ: إنَّ الْجَماعةَ منْ أهْلِ الْجَنَّةِ لَيَجْتَازُونَ وهُمْ رُكْبانٌ [سائرون] صفًّا واحدًا، فلا يمرُّون بشجرة من أشجار الجنة، إلا تنحَّت عن طريقهم [لئلا تثلم صفهم وتُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ]، وتتحفهِم من ثمرها، وهَذا كُلُّهُ منْ فَضْلِ اللّهِ عَلَيْهمْ، وَرَحْمَتِهِ بهمْ، فلَهُ الْحَمْدُ والمِنَّةُ، وذلك قوله: ﴿رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] والأكْوابُ هيَ الكِيزانُ الَّتي لا عُرَى لها ولا خَرَاطيمَ، والأباريقُ [بِخلافِها] لها عُرى وخراطيم، والْكأسُ هُوَ الْقَدَحُ فيهِ الشرابُ، وقال الله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] أيْ ملأى مُتْرَعةً، لَيْس فيها نَقْصٌ، ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٣٥] أيْ لا يَصْدُرُ منْهُمْ على شَرَابهمْ شَيْءٌ منَ اللَّغوِ، وهُوَ الكلامُ السَّاقطُ التّافِهُ، ولا تَكْذيبٌ لِبَعْضِهمْ بَعْضًا، كما يَصْدُرُ منْ شَرَبةِ الدُّنيا، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦]، وقال: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]. وثبت في " الصَّحيحين " عن حُذَيْفةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " لا تَشربُوا في آنِيَةِ الذهَبِ والفِضَّةِ، ولا تَأكُلُوا في صِحَافها، فإنّها لهم في الدُّنْيا ولكم في الآخرة (٢). ذِكْر لباس أهل الجنة فيها وحِلْيتهم وصفات ثيابهم نسأل الله من فضله قال الله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ

стр. 8193

لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: ٢١]، وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣٠ - ٣١]. وَقَدْ ثَبتَ في " الصَّحيحين " عنْ رسولِ الله ﷺ أنّهُ قال: " تَبْلُغُ الْحِلْيةُ منَ الْمُؤْمنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضوءُ " (١). وقال الحسَنُ البَصْريُّ: الْحُلِيُّ في الْجَنَّةِ على الرّجالِ أحْسنُ منْهُ على النِّساءِ. وقال ابنُ وَهْبٍ: حدّثني ابْنُ لَهيعَةَ، عنْ عُقَيلِ بنِ خَالِدٍ، عن الحَسَنِ، عن أبي هُرَيرةَ: أنَّ أبَا أُمَامَةَ حَدَّثَهُ: أن رسولَ الله ﷺ حَدَّثَهُمْ، وَذَكَرَ حَلْيَ أهْلِ الْجَنَّةِ، قالَ: " مُسَوّرُونَ بالذهبِ والفِضةِ، مُكَحَّلُونَ بالدُّرِّ، عَلَيْهمْ أكاليلُ منْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ مُتَواصِلةٌ، وَعَلَيْهمْ تَاجٌ كَتَاجِ الْمُلُوكِ، شَبَابٌ جُرْدٌ مُكَحَّلُونَ " (٢). وقال ابنُ أبي الدُّنْيَا: حدّثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، حدّثنا الْحسنُ بنُ مُوسى، [حدّثنا ابن لهيعة]، حدّثنا يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ، عن دَاوُدَ بنِ عَامِرِ بن سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، عنِ النبي ﷺ قال: " لَوْ أن رَجُلًا منْ أهْلِ الْجَنَّةِ اطّلَعَ فبَدَا سِوَارُهُ لَطَمَسَ ضَوْءَ الشمْسِ، كما تَطْمِسُ الشمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ " (٣). وقال الإمام أحمد: حدّثنا يَحْيَى بنُ إسْحاقَ، أنبأنا حَمَّادُ بنُ سَلمةَ، عنْ ثابتٍ، عنْ أبي رَافِعٍ، عنْ أبي هُرَيرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "منْ يَدْخُلِ الْجَنَّةِ يَنْعَمْ، لا يَبْأسُ، ولا تَبْلَى ثِيَابُهُ، ولا يَفْنَى شَبَابُه، في الْجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ ". وأخرجهُ مُسْلِمٌ منْ حديثِ زُهَيْرِ بن حَرْبٍ، عن عَبْدِ الرَّحمنِ بن مَهْديّ، عن حَمَّادِ بن سَلَمة، إلى قوله: " لا تَبْلَى ثِيابُه، ولا يَفْنى شَبَابُه " (٤). وقال أحمد: حدّثنا عليّ بنُ عَبْدِ اللّهِ، حدّثنا مُعاذُ بن هِشَامٍ، حدّثنا أبي، عن قَتَادَةَ، عن

стр. 8194

خِلَاسٍ، عن أبي رَافِعٍ، عن أبي هُرَيْرةَ: أنَّ نَبيَّ اللّهِ ﷺ قال: " لِلْمُؤْمن زَوْجتانِ، يُرَى مُخّ سُوقهمَا منْ وَرَاء ثيابهما " (١). وقال الطبرانيّ: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَليّ (٢)، والْحَسنُ بنُ عَليّ الفَسَوِي، قالا: حدّثنا سَعيدُ بنُ سُليمانَ، حدّثنا فُضَيْلُ بنُ مَرْزُوقٍ، عن أبي إسْحاقَ، عن عَمْرو بن مَيْمُونٍ، عن عَبْدِ اللّهِ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلونَ الْجَنَّةَ كان وُجُوهَهُمْ ضَوْءُ القَمَر لَيْلَةَ البَدْرِ، وَالزُّمْرَةُ الثانيةُ على لَوْنِ أحْسَنِ كَوْكَب دُرِّيِّ في السَّمَاء، لِكُلّ وَاحِد منْهُمْ زَوْجَتانِ منَ الْحُورِ الْعينِ، على كُل زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّة، يُرى مُخّ سوقِهما منْ وَراءِ لُحُومِهما وحُلَلِهما، كما يُرَى الشرَابُ الأحْمَرُ فى الزُّجَاجةِ الْبَيْضاء ". قال الضياء: هَذا عِنْدي على شَرْطِ الصَّحيح (٣). وقال أحمدُ: حدّثنا يُونسُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا الْخَزْرجُ بنُ عُثْمانَ السَّعْديّ، حدَّثنا أبو أيُوبَ مَوْلًى لِعُثْمان بنِ عَفَّانَ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " قِيد سَوْطِ أحدِكُمْ منَ الْجَنةِ خَيْرٌ منَ الدُّنْيَا، ومِثْلِهَا مَعَها، وَلَقابُ قَوْسِ أحدِكم منَ الجَنّة خيْرٌ منَ الدُّنْيا وَمِثْلِها مَعَها، وَلَنصيفُ امْرأةٍ منَ الْجَنَّةِ خير منَ الدُّنيا ومِثْلِها مَعَها " قال: قُلْتُ: يا أبا هُرَيْرَةَ، وما النَّصيفُ؟ قال: الخِمَارُ. قُلْتُ: الخَزْرَجُ بنُ عُثْمان البَصْريُّ تَكَلَّموا فيهِ، وَلكِن لهُ شاهدٌ في الصَّحيح، كما تقدَّمَ في " صحيح البخاريّ " عنْ أنَسِ، عنِ النبي ﷺ ، وَفيهِ: " وَلَنصيفُهَا، يَعْني خِمَارهَا " خَيْرٌ منَ الدُّنْيَا ومَا فيها " (٤). وقال حَرْملةُ، عنِ ابْنِ وَهْبٍ: حدَّثنا عَمْرٌو: أنَّ دَرَّاجًا أبَا السَّمْحِ حدَّثَهُ، عن أبي الْهَيْثمِ، عن أبي سَعيدٍ الْخُدْريّ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الرَّجُلَ في الْجَنّةِ لَيَتَّكئ سبْعينَ سنة قبْلَ أنْ يَتَحَوَّلَ، ثمَّ تَأتيهِ امْرأةٌ فَتَضْرِبُ على مَنْكِبَيْهِ، فيَنْظُرُ وَجْهَهُ في خَدِّها أصْفَى منَ المِرآةِ، وإن أدْنَى لُؤْلُوَّةٍ عَلَيْها لتُضيءُ ما بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فتُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ عليها¬ السَّلامَ وَيَسألُها: منْ أنْتِ؟ فتقُولُ: أنا المَزيدُ، وإنهُ لَيَكُونُ عَلَيْها سَبْعُونَ ثَوْبًا أدْناهَا مِثْلُ النُّعْمان (٥) مِنْ طُوبَى، فيُنْفِذُهَا بَصَرهُ حتى يَرَى مُخّ ساقِها منْ وَرَاءَ ذَلِك، وإن عَلَيْهم التِّيجانَ، وإنَّ أدْنَى لُؤْلُؤةٍ عَليْها لتُضِيءُ مَا بينَ الْمَشْرقِ وَالْمَغْربِ ". ورواه أحمدُ عنْ حسنِ، عن ابْنِ لَهيعَةَ، عن دَرَّاجٍ، به بطُولِه (٦).

стр. 8195

وقال ابنُ وَهْبٍ: أخْبرني عَمْرو بنُ الحارث، عن أبي السَّمْح، عن أبي الْهَيْثَم، عن أبي سَعيدٍ: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَلا قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] فقال: " إنَّ عَليهم التِّيجَانَ، إنَّ أدْنى لُؤلُؤةٍ منْها لتُضيءُ ما بينَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ". وقد روى الترمذي منه ذكر التيجان، من حديث عمرو بن الحارث (١). وروى الإمامُ أحمد عن عَبْد الرَّحْمن بنِ مَهْدِيّ، عنْ محمّدِ بن أبي الوَضَاح، عن الْعَلاءِ بنِ عبْدِ اللّهِ بنِ رَافِعٍ، عنْ حَنانِ بنِ خارجة السُّلمِيّ، عن عبْد اللّهِ بن عَمْرو، قال: جَاءَ رجُلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللّهِ، أخبِرْنا عَنْ ثِيابِ أهْلِ الْجَنَّةِ: خَلْقًا تُخْلَقُ، أمْ نَسْجًا تُنْسجُ؟ فَضَحِك بَعْضُ القَوْمِ، فقال رسولُ الله ﷺ : " ممَّ تَضْحكُون؟ منْ جَاهِل يَسْألُ عَالِمًا؟ " ثمَّ أكَبَّ رسولُ الله ﷺ ، ثمَّ قال: " أيْنَ السَّائلُ؟ " قال: ها هُو ذا أنا يا رسولَ الله، قال: " لا، بلْ تَشَقَّقُ عَنْها ثَمَرُ الْجَنَّةِ " ثلاثَ مَرَّاتٍ. ورواهُ أحمدُ أيضًا عن أبي كامِلٍ، عنْ زيَاد بن عَبْدِ الله بن عُلاثَةَ القَاصِّ أبي سَهْل، عن العَلاء بن رَافِعٍ، عنِ الفَرَزدقِ بنِ حَنانٍ (٢)، عنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرو بن العَاصِ … فذكر نحوه (٣). وفي حديث دَرَّاجٍ، عن أبي الْهَيْثمِ، عن أبي سعيدٍ، أن رجلًا قال: يا رسولَ الله، وما طُوبى؟ قال: " شَجرةٌ في الْجَنَّةِ مَسيرةُ مِئَةِ سَنَةٍ، ثِيابُ أهْل الْجَنَّةِ تَخْرُجُ منْ أكْمَامِها " (٤). وقال أبُو بَكْر ابن أبي الدُّنْيا: حدّثني محمّد بنُ إدْريسَ الْحَنْظَليّ، حدَّثنا أبو عُتْبَة، حدّثنا إسْمَاعيلُ بنُ عَيَّاش، عن سَعيدِ بن يُوسُفَ، عن يَحْيَى بن أبي كثيرِ، عنْ أبي سَلَّام الأسْوَدِ، سَمِعْتُ أبَا أُمَامَةَ، عنْ رسولِ الله ﷺ قال: " ما منْكُمْ منْ أحْدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةِ إلَّا انْطُلِقَ بهِ إلى طُوبَى، فَتَفَتَحُ لهُ أكْمَامُهَا عن ألوان الثياب، يَأخُذُ منْ أيِّ ذلِكَ شاء، [إن شاءَ] أبْيَضَ، وإن شاء أحمر، وإن شاءَ أخْضَرَ، وإنْ شاءَ أصْفَرَ، وإنْ شَاءَ أسْودَ، مِثلَ شَقَائقِ النُّعْمانِ، وَأرَقُّ، وأحسن ". غريبٌ حسنٌ (٥). وقال ابنُ أبي الدُّنْيا: حدَّثنا سُوَيْدُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عَبْدُ رَبِّه بنُ بَارِقٍ الْحَنفيّ، عن خَالِهِ الزُّمَيْلِ: أنَّهُ سمِعَ أباه، قال: قُلتُ لابْن عبَّاسِ: ما حُللُ أهْل (٦) الْجَنَّةِ؟ قال: فيْهَا شَجَرةٌ فيها ثمر كأنَّهُ
следующие страницы →