← История

История · id 30097

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير

ابن كثير

Полный текст (8 257 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

مِثْقالُ ذرَّةٍ أو خَرْدلةٍ منْ إيمانٍ، فأنْطلقُ، فأفْعلُ، ثُمَّ أعودُ، فَأحْمدُهُ بِتِلْك المَحَامِدِ، ثُمَّ أخِر له ساجدًا، فيَقُولُ: يا مُحمَّد، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سل تُعْطه، وَقُلْ يُسْمعْ لَكَ، وَاشْفعْ تُشَفعْ، فأقولُ: يا رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتي، فيُقالُ: انْطلقْ، فأخْرِجْ مِنْها منْ كانَ في قَلْبِهِ أدْنى أدْنى أدْنى مِثْقَالِ حَبَّة خَرْدَل منْ إيمانٍ، فأخْرِجْهُ منَ النَّارِ، فأنْطلقُ فَأفْعلُ". قال: فلمَّا خَرَجْنا منْ عِنْد أنَسٍ، قُلت لِبَعْضِ أصْحابي: لوْ مَرَرْنا بِالْحَسنِ وَهُوَ مُتَوَارٍ في مَنزلِ أبي خَليفةَ، فَحَدَّثْناه بما حَدَّثَنا بهِ أنسُ بنُ مَالِكٍ ﵁، قال: فأتَيْناهُ فَسَلَّمْنا عَلَيْهِ، فأذِنَ لَنا، فَقُلْنا لَهُ: يا أبَا سَعيدٍ، جِئْناكَ منْ عِنْدِ أخيكَ أنسِ بنِ مَالِك، فلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنا في الشَّفاعَةِ، فقالَ: هيه، فَحَدَّثناهُ [بالحديث] فانْتَهَيْنا إلى هَذَا المَوْضِع فقال: هِيه. فقلنا: لم يَزِدْنا على هذا. فقال: لَقَدْ حَدّثَني وهُوَ جَميعٌ مُنْذُ عِشْرينَ سَنةً، فما أدْري أنسِيَ أمْ كَرِهَ أنْ تَتَّكلُوا؟ فقلْنا: يا أبا سَعيد، فحدِّثنا، فضَحِكَ، وقال: خُلِقَ الإنْسانُ عَجُولًا، ما ذَكَرْتُه إلَّا وأنا أريدُ أنْ أُحدِّثَكُمْ، حدّثني أنس كما حدَّثَكُمْ، ثم قال: "ثمَّ أعُودُ الرَّابعَةَ، فَأحْمَدُه بِتِلْكَ المحَامِدِ، ثمَّ أخِرُّ له ساجِدًا، فيقالُ: يا مُحمّد، ارْفعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ ائذَنْ لي في مَنْ قالَ لا إلهَ إلَّا اللهُ، فيقولُ: وعِزَّتي، وجَلالي وكِبْريَائي، وعَظمَتي، لأُخْرِجَن مِنْها مَنْ قالَ لا إلهَ إلا اللهُ". وهكذا رواه مسلم، عن أبي الرَّبيعِ الزّهْراني، وسَعيد بن منصور، كلاهما عن حمَّاد بن زَيْدٍ، بِهِ نَحْوَه (١). وقد رواه أحمد، [عنْ عَفّانَ]، عنْ حمَّادِ بن سَلَمة، عن ثابتٍ، عنْ أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ … ، فذكَرَ الْحَديثَ بِطُولِه، وقالَ فيه: "فأَحْمَدُ رَبِّي بمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بها أحدٌ كان قبلي، ولا يحمده بها أحد كان بَعْدي". وفيه: فأَخْرِجْ منْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ شَعيرَةٍ، ثمَّ يعُودُ فيُقالُ: مِثْقالُ بُرَّةٍ، ثمَّ يَعُودُ، فيقال: مِثْقالُ ذَرَّةٍ، ولم يذكر الرّابعة (٢). وكذا رواه البزّار، عن محمد بن بَشَّار، ومحمد بن مَعْمر، كلاهُما عن حمَّادِ بن مسعدة (٣)، عن محمّد بن عَجْلان، عن جُوثة (٤) بن عُبَيْدٍ المَدَنيّ، عن أنس بن مالك … ، فذكر الحديثَ بطوله (٥). وكذا رواه أبو يعلى من حديث الأعمش، عن يزيدَ الرَّقاشىِّ، عن أنس … ، فذكر الحديث بطوله، وذكر فيه

стр. 8122

ثلاث شَفَاعَات، وقال في آخِرِهنَّ: "فأقُولُ: أُمَّتي، فيُقالُ [لي]: لَكَ منْ قالَ: لا إله إلّا اللهُ مُخْلصًا (١). طريق أخرى قال البزّار: حدّثنا عمرو بن عليّ، حدّثنا حماد بن مسعدة، عن عمران (٢) العَمِّيِّ، عن الحسن، عن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا أزالُ أشْفعُ، وأُشَفَّعُ -" أوْ قالَ: "وَيُشَفِّعُني رَبِّي حتَّى أقولَ: أيْ رَبِّ، شَفعني في منْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. فيُقالُ: يا مُحمَّد، هَذِهِ لَيْسَتْ لَكَ، ولا لأحَدٍ، هذهِ لي، وعِزّتي ورَحْمتي لا أدَعُ في النَّارِ أحدًا يَقُولُ: لا إلهَ إلا اللهُ" ثمَّ قال: لا نَعْلَمُهُ يُرْوى إلا بهَذَا الإسنادِ. ورواه ابنُ أبي الدُّنيا عن أبي حَفْصٍ الصَّيْرَفيِّ، عن حمَّادِ بن مَسْعَدَةَ، به (٣). طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا يونُس بن مُحمَّد، حدّثنا حَرْبُ بن مَيْمُون، أبو الخَطَّابِ الأنْصاري، عن النضْر بن أنس، عن أنس قال: حدّثنا نَبيُّ الله ﷺ : "إني لَقَائمٌ أنْتَظرُ أُمَّتي تَعْبُرُ الصِّرَاط، إذْ جَاءني عيسى فقال: هَذِهِ الأنْبياء قدْ جَاءَتْكَ يا مُحمَّد يسألونك-" أو قال: "يَجْتَمعُونَ إلَيْكَ- وَيَدْعُونَ الله أن يفرِّق بَيْنَ جَميع الأُمَمِ إلى حَيْثُ يَشَاء اللهُ [لِغَمِّ ما هُمْ فِيهِ]، فَالخَلْقُ مُلْجَمُونَ في العَرَق، فأمَّا المؤْمنُ فَهُوَ عَلَيْهِ كالزُّكْمةِ، وأمَّا الكافِر فيغشاه الْمَوْتُ" قال: "يا عيسى، انْتَظِرْ حتَّى أرْجِعَ إليْكَ" قال: "فذهب نَبيُّ اللهِ ﷺ فقَامَ تَحْتَ العَرشِ فَلَقيَ ما لَمْ يَلْقَ (٤) مَلَكٌ مُقَرَّبٌ مُصطَفى، ولا نَبيٌّ مُرْسل، فأوْحى اللهُ إلى جبْريلَ: أنِ اذْهَبْ إلى مُحمَّدٍ، فقُل: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفعْ" قال: "فَشَفَعْتُ في أُمَّتي: أنْ أخرِجْ مِنْ كُل تِسْعةٍ وَتِسعينَ إنْسانًا وَاحدًا " قال: "فمَا زِلْتُ أتَرَدَّدُ علَى رَبِّي فلا أقوم مَقامًا إلا شُفِّعْتُ، حتى أعطاني الله منْ ذلِكَ أنْ قالَ: يا مُحمَّدُ أدْخِلْ منْ أمَّتِكَ منْ خَلْقِ اللهِ منْ شَهِدَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ يَوْمًا وَاحدًا مُخْلصًا، ومَاتَ على ذَلِكَ" تفَرَّدَ به أحمدُ، وقد حَكمَ التِّرْمذيُّ بالحُسْنِ لِهَذَا الإسْنادِ (٥). وقال ابن أبي الدُّنْيا: حدّثنا أبو يُوسف القُلُوسيّ، حدّثنا عبدُ الله بن رَجَاء، أنبأنا حَرْب بن

стр. 8123

مَيْمُونٍ، حدّثني النَّضْرُ بن أنس، عن أنس، قال: جاءَ جِبْريلُ إلى النَّبيِّ ﷺ وَقَدْ حَضَرَ من أمْرِ العِبَادِ ما حَضَرَ، فقال: ادْنُ إلى رَبِّكَ فَسَلْ لأُمَّتِكَ الشَّفَاعةَ، قالَ: "فَدَنَوْتُ منْ العَرْشِ، فقُمْتُ عند العَرْشِ، فَلقيتُ ما لمْ يَلْقَ (١) نَبيُّ ولا مَلَكٌ مُقرَّبٌ، فقال: سَلْ تُعْطهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، قال: أُمَّتي … " وذكر تمَامَ الحَديثِ، كَنَحْوِ ما ساقه الإمام أحمد (٢). رواية بريدة بن الحُصَيب قال ابن أبي الدُّنْيا: حدّثنا عليُّ بن معبد (٣)، حدّثنا الأسْوَدُ بنُ عَامِرٍ، حدّثنا أبو إسرائيل، عن الحَارِث بنِ حَصيرة، عن ابن بُرَيْدةَ، عن أبيه، قال: سمعتُ النبىَّ ﷺ يقولُ: "إني لأرْجُو أنْ أُشَفَّعَ عِدَّة كلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ لأُمَّتي" (٤). رواية جابر بن عبد الله قال الإمامُ أحمد: حدّثنا يَعْمَر (٥)، حدّثنا عبدُ الله (٦)، حدّثنا هِشَامٌ قال: سمعتُ الْحسنَ يَذْكُرُ عن جَابر بنِ عَبْدِ اللهِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن لِكُلِّ نَبي دَعْوةً مُستجابة قَدْ دَعا بها، وإنِّي اسْتَخْبَأتُ دَعْوتي شَفَاعة لأمَّتي يَوْمَ القِيَامةِ". تفرَّد به أحمدُ منْ هذا الوجه (٧). طريق أخرى قال الحافظ البَيْهقىُّ: حدّثنا أبو الحسنِ مُحمَّدُ بنُ الْحُسَيْنِ بن داود العَلَويّ، حدّثنا محمدُ بنُ حَمْدَويهِ بنِ سَهْل المَرْوزيّ، أبو نَصْر الغازيُّ، حدّثنا عبدُ اللهِ بن حمَّادٍ الآملي (٨)، حدّثنا صَفْوانُ بنُ صَالِحٍ، حدّثنا الوَليدُ، حدّثنا زُهَيْرُ بن مُحمَّد، [حدّثنا جَعْفرُ بن مُحَمَّد]، عن أبيه، عن جَابرِ بنِ عَبْدِ اللهِ قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : "شَفَاعتي يَوْمَ القيَامَةِ لأهْلِ الْكَبَائر منْ أُمَّتي" فَقُلْتُ: [ما هَذا] يا جابرُ؟ قالَ: نَعَمْ، يا مُحمَّد، إنَّهُ منْ زَادتْ حَسَناتُهُ على سَيئاتِهِ فَذَلِك الَّذي يَدْخَلُ الْجنَّةَ بِغيْرِ

стр. 8124

حِسابٍ، ومنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ، فَذَاكَ الَّذي يُحاسبُ حِسابًا يَسيرًا، ثمَّ يَدْخُلُ الجنَّةَ، وإنَّما شَفَاعةُ رسول الله ﷺ : لِمَنْ أوْبقَ (١) نَفْسهُ، وأغلَقَ ظَهْرَهُ (٢). وقد رواه البيهقيُّ أيْضًا عنِ الْحاكِم، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن جَعْفر بن أحمد المزكي، عن محمّد بن إبراهيم العَبْديّ، عن يعقوب بن كَعْب الحَلَبىّ، عن الوليد بن مُسْلم، عن زُهَيْر بن محمد، عن جَعْفر بن مُحمّد، عن أبيه، عن جابر: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ تلا: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ثم قال رسول الله ﷺ : "شَفَاعتي لأهْلِ الكَبَائرِ منْ أُمَّتي" قال الحاكمُ: هذا حديثٌ صحيحٌ (٣). قال البَيْهقيُّ: وظاهرُهُ يُوجبُ أنْ تَكُونَ الشَفاعةُ في أهْل الكَبَائِر مُخْتصَّةً برسولِ الله ﷺ ، والمَلائكةُ إنَّما يَشْفعُونَ في أهْلِ الصَّغَائر وَزيادةِ الدَّرَجاتِ، وَقَدْ يَكُونُ المُرَادُ منَ الآيةِ بَيانَ كَوْنِ المَشْفُوعِ [فيهِ] مُرتضىً بإيمانِهِ، وإنْ كانتْ لهُ كَبائرُ وذُنُوبٌ دُونَ الشِّرْك، فيكونُ المرادُ بالأية نفي (٤) الشَّفَاعة لِلكفّارِ، لأنّ اللهَ لم يأذن فيها، ولمْ يَرْضَ اعْتِقَادَهُم. طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا رَوْحٌ، حدّثنا ابنُ جُرَيْج، أخْبَرَني أبو الزُّبَيْر: أنَّهُ سَمِعَ جَابرَ بن عَبْدِ اللهِ يقول: لِكُل نَبيٍّ دَعوةٌ مُستجابةٌ قدْ دَعَا بِها في أمَّتِه، وخَبَأتُ دَعْوَتي شَفَاعةً لأُمَّتي يَوْمَ القِيَامةِ" يَعْني النبيّ ﷺ . ورواه مسلم عن مُحمّد بن أحْمَد بن أبي خَلَف، عن رَوْح بنِ عُبَادةَ، به (٥). طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا أبو النَّضْر، حدّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا أبو الزُّبَيْر، عن جَابرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مُيِّزَ أهْلُ الجَنّةِ وَأهْلُ النَّارِ، فَدَخَلَ أهْلُ الْجَنَّةِ الْجنّة، وأهْلُ النَّارِ النَّارَ، قَامَت الرُّسُلُ، فَشَفعُوا، فَيَقُولُ: انْطَلِقُوا أو اذهبوا، فَمنْ عَرَفْتُمْ فأخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدِ امْتَحشُوا فَيُلْقُونهُمْ في نَهْرٍ، أوْ على نَهْرٍ، يُقالُ لَهُ: نهر الْحَياة" قالَ: [فَيسْقُطُ مُحَاشُهُمْ على حَافَتَي النَّهْرِ، وَيَخْرُجُونَ بِيضًا كالثَّعَارير (٦)، ثمَّ يَشْفَعُونَ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا أوِ انْطَلِقُوا فَمنْ وَجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ قِيراطٍ

стр. 8125

منْ إيمانٍ فأخْرِجُوه" قال: "فَيُخْرجونَ بَشَرًا، وَيَشْفعونَ، فيَقُولُ: اذْهَبُوا أو انْطَلِقُوا، فمنْ وَجَدْتُم في قَلْبِهِ مثقال حَبةٍ منْ خَرْدَلٍ منْ إيمان فأخرجوه" قال: "فيخرجون بشرًا ثمَّ يَقُولُ اللهُ تعالى: أنا الآن أخْرِجُ بِعِلْمي وَرَحْمتي، فَيُخْرجُ أضْعَافَ ما أخْرَجُوا، وَأضْعَافَهُ، فَيُكْتبُ في رِقَابِهمْ: عُتَقاءُ اللهِ ثمَّ يَدْخُلونَ الْجنَّةَ فَيُسَمَّوْنَ فِيها الْجَهنَّمِيِّين". تفرَّد به أحمد (١). طريق أخرى قال ابن أبي الدُّنْيا: حدّثنا عليُّ بنُ الْجَعْدِ، حدّثنا القاسمُ بنُ الفَضْلِ الحُدَّاني (٢)، حدّثني سعيدُ بنُ المُهلَّب، قال: قال طَلْقُ بنُ حَبيبٍ: كُنْتُ منْ أشَدِّ النَّاسِ تَكْذِيبًا بالشَّفَاعَةِ، حتَّى لَقيتُ جَابرَ بن عَبْدِ اللهِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ كلَّ آيةٍ أقْدِرُ عَلَيْها في الشفاعة، وكل آية فيهَا ذِكْرُ خُلودِ أهْلِ النَّارِ، فقالَ لي: يا طَلْق (٣) أتُرَاكَ أقْرَأَ لِكتابِ اللهِ وَأعْلَم بِسُنَّة نَبيِّه منِّي؟ قُلْتُ: لا، قال: إنَّ الَّذي قَرَأْتَه هُمُ المُشْركُونَ، وَلَكن هَؤلاءِ قَوْم أصَابُوا ذُنوبًا عُذبُوا بها، ثُمَّ أخْرِجُوا منَ النَّارِ، ثمَّ أوْمأ بِيَديه إلى أُذُنَيْه، ثُمَّ قالَ: صَمَّتا، إنْ لمْ أكُنْ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُهُ وَنَحْنُ نَقْرَأ الَّذي تَقْرأ (٤). حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال أحمد: حدّثنا الحَكَم بنُ نافعٍ (٥)، حدّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن رَاشدِ بن دَاودَ الصَّنْعَانيّ، عن عَبْدِ الرَّحْمنِ بن حَسَّانَ، عن رَوْحِ بنِ زِنْباعٍ، عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ، قالَ: فَقَدَ النبيَّ ﷺ لَيْلةً أصْحَابُهُ، وكانُوا إذا نَزَلوا أنْزَلوهُ وسْطَهُمْ، ففَزِعُوا وَظنُوا أنَّ الله ﵎ اختار له أصحابًا غيْرَهُمْ، فإذا هُمْ بِخَيالِ النبيِّ ﷺ ، فَكَبَّرُوا حينَ رَأَوْهُ، وقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أشْفَقْنا أنْ يَكُونَ اللهُ ﵎ اخْتارَ لَكَ أصحابًا غَيْرنا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لا، بَلْ أنْتُمْ أصْحَابي في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، إنَّ الله تعالى أيْقَظَني، فقال: يا مُحمَّدُ، إني لمْ أَبْعثْ نَبيًا، ولا رَسُولًا إلَّا وقدْ سَألَني مَسْألةً أعْطَيْتُها إيَّاهُ، فَسَلْ يا مُحمَّدُ تُعْطهْ، فَقُلْتُ: مَسْألَتي شفاعة لأمَّتي [يوم القيامة] " فقال أبو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللهِ، ومَا الشَّفَاعةُ؟ قال: "أقولُ: يا رَبِّ شَفَاعَتي الَّتي اخْتَبَأتُ عِنْدَكَ، فيَقُولُ

стр. 8126

الرَّبُّ ﵎: نَعَمْ، فيخرج الله بقية أمتي فينبِذُهم في الجنة". تفرد به أحمد (١). رواية عبد الله بن عباس ﵄ قال الإمام أحمد: حدّثنا عَفَّانُ، حدّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن عَليّ بنِ زَيْدٍ، عن أبي نَضْرَةَ، قال: خَطَبَنا ابنُ عَبَّاسٍ على مِنْبَرِ البَصْرَةِ، فقالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبيُّ إلَّا لَهُ دَعْوةٌ وَقَدْ تَنَجَّزَها في الدُّنْيا، وَإنِّي قَدِ اخْتَبأْتُ دَعْوِتي شَفَاعةً لأُمَّتي، وأنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمُ يَوْمَ القِيَامةِ، ولا فَخْرَ، وَأنَا أوَّلُ منْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ، ولا فخْرَ، وَبيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ ولا فَخر، آدَمُ، فَمنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائي، ولا فَخْرَ، ويَطولُ يَوْمُ القِيَامةِ على النَّاسِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْطَلِقُوا بِنَا إلى آدمَ أبي البَشَرِ فَيَشْفَع لنَا إلى رَبّنَا فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فيَقُولُونَ: يا آدَمُ، أنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَأسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وأسْجَدَ لَكَ مَلائِكَتَهُ، اشفَعْ لَنا إلى رَبِّنا، فَلْيَقْضِ بَيْننا، فَيَقُولُ: إني لَسْتُ هُنَاكُمْ، إني قَدْ أُخْرِجْتُ منَ الْجَنَّةِ بِخَطِيئتي وَإنَهُ لا يُهمُّني اليَوْمَ إلّا نَفْسي، وَلَكن ائْتُوا نُوحًا رَأْسَ النَّبيِّينَ، فَيَأتُونَ نُوحًا فيَقُولون: يَا نُوحُ، اشفَعْ لَنا إلى رَبِّنا فَلْيَقْضِ بَيْننا، فَيَقُولُ: إنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ إني دَعَوْتُ بدَعْوةٍ أغْرَقَت أهْلَ الأرْضِ، وإنَه لا يُهمُّني اليَوْمَ إلَّا نَفْسي، وَلَكِن ائتُوا إبْرَاهيمَ خَليلَ اللهِ، فَيَأتُونَ إبْرَاهيمَ، فيَقُولونَ: يا إبْرَاهيمُ اشْفَعْ لنَا إلَى رَبِّنا فَلْيَقْضِ بَيْننا، فيقُولُ: إني لَسْتُ هُناكُمْ، إنِّي كَذَبْتُ ثَلاثَ كَذَبَاتٍ في الإسلام، واللهِ إن حَاوَلَ بهنَ إلَّا عنْ دِينِ اللهِ (٢) قولُه: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله لامرأته حَيْن أتى على الْمَلِكِ: إنها أُخْتي، وإنَّهُ لا يُهمُّني الْيَوْمَ إلَّا نَفْسي، ولكن ائتُوا مُوسى الذي اصْطَفاهُ اللهُ بِرِسالاتِه، وَبِكلامِه، فيَأْتُونهُ فَيَقُولونَ: يا موسَى، أنْتَ الّذِي اصْطَفاكَ اللهُ برسالاته وبكلامه، فاشفَعْ لَنا إلى رَبِّك فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا، فيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا بغَيْرِ نَفْسٍ، وَإنِّي لا يُهمُّني اليَوْمَ إلَّا نَفْسي، ولَكِن ائْتُوا عِيسَى رُوحَ اللهِ وَكَلِمَتَهُ، فيَأتُونَ عِيسَى فيقُولون: يا عِيسَى، اشْفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ فَلْيَقْضِ بَيْنَنا، فيَقُولُ: إنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، إنِّي اتُّخِذْتُ وأُمِّيَ إلهين منْ دُونِ اللهِ، وإنّهُ لا يُهمني الْيَوْمَ إلَّا نَفْسي، وَلَكنْ أرَأيْتُمْ لَوْ كانَ مَتاعٌ في وِعَاءٍ مَخْتُومٍ عَلَيْهِ أكانَ يُقْدَرُ على ما في جَوْفِ الوعاء حتى يُفَضَّ الْخَاتَمُ؟ " قال: " فيَقُولُون: لا، فيقُولُ: إنَّ مُحمَّدًا خَاتَمُ النَّبيِّينَ، وَقَدْ حَضَرَ اليَوْمَ، وَقَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ منْ ذنْبِهِ، ومَا تَأخَّرَ" قال رسول الله ﷺ : "فَيَأتُوني، فيقُولُونَ: يا مُحمّدُ، اشْفَعْ لَنا إلى رَبِّك، فَلْيَقْضِ بَيْنَنا، فأقُولُ: أنَا لَها، حتَّى يَأذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى، فإذا أراد أنْ يَصْدعَ بَيْنَ خَلْقِهِ نَادَى مُنادٍ: أيْنَ أحْمدُ، وَأُمَّتُه؟ فنَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ، [نَحْنُ] آخِرُ

стр. 8127

الأُمَمِ، وَأوَّلُ منْ يُحَاسَبُ، فَتُفرِجُ لَنا الأُمَمُ طَريقًا فَنَمْضي غُرًّا مُحَجَّلينَ، منْ أثَرِ الطُّهُورِ، فتَقُولُ الأمَمُ: كَادَتْ هَذِهِ الأمَّةُ أنْ تَكُونَ أنْبياءَ كُلُّها، فَآتِي بَابَ الْجنَّة، فآخُذُ بِحلْقَةِ البَابِ فأقْرَعُ البَابَ، فيُقالُ: منْ أنْتَ؟ فأقُولُ: أنا مُحمَّدٌ، فَيُفْتحُ [لي]، فآتي رَبِّي وهو على كُرْسيِّهِ، أوْ سَريرِهِ! شَكَّ حَمَّاد، "فأخِرُّ لَهُ سَاجدًا، فَأحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بهَا أحدٌ كانَ قَبْلي، وَلَيْسَ يَحْمَدُهُ بهَا أحدٌ بَعْدي، فيُقالُ: يا محمّد، ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَه [وَقُلْ يُسْمعْ لك] وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ" قال: " [فَأرْفَعُ رَأْسِي] فأقُولُ: أيْ رَبِّ أُمَّتي، أُمَّتي، فيَقُولُ: أخْرِجْ من النار مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ كذا، وكذا" لم يَحْفظْ حَمَّادٌ "ثمَّ أعُودُ فأسْجُدُ، فأقُولُ ما قُلْتُ، فيُقالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشفّعْ، فأقُولُ: أيْ رَبِّ أُمَّتي أُمَّتي، فيقُولُ: أخْرِجْ منْ كان في قَلْبِهِ [مثقال] كذا، وكذا، دُونَ الأول، ثم أعُودُ، فَأسْجُدُ، وَأقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، فيُقالُ لي: ارْفعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفّعْ، فأقُولُ: أيْ رَبِّ، أُمَّتي أُمَّتي، فيقول: أخْرِجْ منْ كانَ في قلْبِهِ كذا وكذا دون ذلك". وقد روى ابنُ ماجه بَعْضَه، من رواية حمَّادِ بنِ سَلَمةَ عن سَعيد بن إيَاسٍ الجُرَيْريّ، عن أبي نَضْرَةَ المُنْذِرِ بن مَالِكٍ بن قِطْعَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، به. وتقدّم في الصِّنْفِ الثاني، والثالث، من أنواع الشَّفَاعةِ في أقْوَامٍ قَدْ أُمِرَ بهمْ إلى النّارِ ألّا يَدْخُلوهَا (١). طريق أخرى عنه وَقَدْ رَوَى الطَّبرانىُّ في "مُعْجَمِهِ الكَبيرِ"، عنْ عَطاء بنِ أبي رَبَاحٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "شَفَاعتي لأهْلِ الكَبَائِر منْ أُمَّتي" (٢). رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال الحافظ أبو بكر البَزّارُ: حدّثنا … (٣).

стр. 8128

طريق أخرى قال الطبرانيُ: حدّثنا … (١). طريق أخرى قال الإمامُ أحْمدُ: حدّثنا مُعمَّر بن سُلَيْمانَ الرَّقيُّ أبو عبد الله، حدّثنا زيادُ بنُ خَيْثمةَ، عن عليّ بن النُّعْمانَ بن قُرَادٍ، عن رَجُلٍ، عن عَبْدِ الله بن عُمَر، عن النبيّ ﷺ قال: "خُيِّرْتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ، أوْ يَدْخُلَ نِصْفُ أمَّتِي الْجَنَّةَ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، لأنَّها أعمُّ وَأكْفَى، أتُرَوْنَها للْمُنَقَّينَ؟ لا، وَلَكنَّها لِلْمُتَلوِّثين الْخَطَّاؤونَ" (٢) قال زِيَادٌ: أما إنَّها لَحْنٌ، لَكِنْ هَكَذا حدّثنا الذي حدّثنا (٣). ورواه ابنُ أبي الدُّنْيا عنِ الْحَسَنِ بنِ عَرَفَةَ، عن عبد السلام بن حَرْبٍ، عن نُعْمانَ بن قُرَاد، عن عبد الله بن عُمَر … فذكره بنحوه. هكذا رأيتُه في كتابِ "الأهْوَالِ"، وكذا رواه البيهقيُّ في "البَعْثِ والنُّشورِ"، من طريق الحسن بن عَرَفَة (٤). رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال مسلم: حدّثنا يونُس بن عبد الأعْلَى الصَّدَفيّ، أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ، أخْبَرني عمرو بنُ الحارِث، أنَّ بكر بن سَوَادَةَ حدَّثه، عن عبد الرحمن بن جُبَيْر، عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرو بن العاصِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ تَلا قَوْل الله تعالى في إبراهيم ﷺ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي … ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وقول عِيسى ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فرفع يَدَيْهِ، وقال: "اللّهُمَّ أُمَّتي أُمَّتي" وبكى، فقالَ الله تعالى: يا جبريلُ اذْهَبْ إلى مُحمَّدٍ، وَرَبُّكَ أعْلَمُ، فَسَلْهُ: ما يُبْكيَكَ؟ فَأتَاهُ جِبْريلُ ﵇ فسأله، فأخبره رسولُ الله ﷺ بما قال، وهُوَ أعْلَمُ، فقال اللهُ: يا جِبْريلُ، اذْهَبْ إلى مُحمَّد، فَقُلْ له: إنا سَنُرْضيكَ في أُمَّتِكَ، ولا نَسُوؤك (٥).

стр. 8129

رواية عبد الله بن مسعود وقد تقدم روايةُ عَلْقمةَ عنه في الحَوْضِ وَالمَقامِ المحمودِ، وفيه ذكر الشفاعة (١). رواية عبد الرحمن بن أبي عقيل قال البيهقيّ: حدّثنا أبو الحُسَيْن بن الفَضْلِ القَطَّان، حدّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفر، حدّثنا يَعقوبُ بنُ سفيان (٢)، حدّثنا أحمدُ بنُ يُونس، حدّثنا زُهَيْر، حدّثنا أبو خالِدٍ، يزيد الأسَديُّ، حدّثنا عَوْنُ بنُ أبي جُحَيفَةَ السُّوَائي، حدّثنا عبدُ الرحمن بنُ عَلْقَمةَ الثقفيُّ، عن عبد الرحمن بن أبي عَقيل، قال: انْطَلَقْتُ إلى النبي ﷺ في وَفْدٍ فأتَيْناهُ فأنَخْنا بالْبابِ، وما فِي النَّاسِ أبْغَضُ إلَيْنا منْ رَجُلٍ نَلِجُ عَلَيْهِ منه، فلمّا خَرَجْنا وما في النَّاسِ أحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَجُلٍ دَخَلْنا عَلَيْهِ منه، قالَ قائلٌ مِنْهُمْ: يا رسول الله، ألَا سَألْتَ رَبّكَ مُلْكًا كمُلْكِ سُلَيْمان؟ فَضحِكَ رسول الله ﷺ ، ثم قالَ: "فَلَعلَّ لصاحِبكُمْ عِنْدَ اللهِ أفْضلَ منْ مُلْكِ سُلَيْمانَ، إنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبيًا إلَّا أعْطاهُ دَعْوةً، فَمِنْهمْ منِ اتَخَذَها دُنْيا فَأُعْطيَهَا، ومِنْهُمْ منْ دَعا بها على قَوْمِهِ إذْ عَصَوْهُ، فَأُهْلِكُوا بهَا، وإنَّ الله تعالى أعْطَاني دَعْوةً فَاخْتَبأتُهَا عند ربي شَفَاعةً لأمتي يَوْمَ القيامِةِ". قلتُ: إسناده غريبٌ قويٌّ، وحديثٌ غريبٌ (٣). رواية أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال الحافظُ أبو يَعْلَى: حدّثنا إسحاقُ، حدّثنا أحمدُ بنُ يونس، حدّثنا عَنْبَسَة بنُ عَبْد الرَّحمن بنِ عَنْبَسة القُرَشي، عن عَلاَّقِ بن أبي مُسْلم، عن أبَانِ بن عُثْمانَ، عن عثمان ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يَشْفعُ يَوْمَ القِيَامةِ ثَلاثةٌ: الأنبياءُ، ثمَّ العُلَماءُ، ثمَّ الشُهَداءُ". وقالَ البَزّارُ: حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ بن غِيَاثٍ، حدّثنا عَنْبسةُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عن عَلَّاقِ بن أبي مُسْلم، قالَ: وَرَأيْتُهُ في مَوْضِع آخَر عِنْدي: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بنِ عَلَّاق، عن أبانٍ، عن عُثْمانَ، عن النبي ﷺ ، قال: "أوَّلُ منْ يَشْفعُ يَوْمَ القِيَامةِ الأنْبياءُ، ثمَّ الشُهَدَاءُ، ثمَّ المُؤْمنُونَ" قال البزارُ: عَنْبَسةُ هذا لَين الْحَديث، وَعَبْدُ الْملك بنُ عَلَّاقٍ لا نَعْلَمُ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ عَنْبسة (٤).

стр. 8130

رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال أبو بكر البزّار: حدّثنا محمَّدُ بنُ زبدا المذاريّ (١)، حدّثنا عمرو بنُ عاصم، حدّثنا حَرْبُ بنُ سُرَيْج (٢) البزّارُ، قال: قلتُ لأبي جَعْفرٍ مُحمّد بن عَلي: أرَأيْتَ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ التي يَتَحدَّثُ بها أهْلُ العِرَاقِ، أحَقٌّ هِيَ؟ قال: شفَاعةُ مَاذا؟ قلتُ: شَفَاعةُ محمّدٍ ﷺ ، قال: حَقٌّ إي وَاللهِ، وَاللهِ لَحدّثني عمِّي مُحمَّدُ بنُ عَلِيٍّ ابنُ الْحَنفيَّةِ، عن عَليٍّ ﵁: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "إني أشْفَعُ لأمَّتي حَتَّى يُنَادِيني رَبي ، فيَقُولُ: أرَضيتَ يا مُحمَّدُ؟ فأقولُ: رَبِّ، رَضيتُ" ثمَّ قالَ: لا نَعْلمُهُ يُرْوى إلَّا بهذَا الإسْنادِ (٣). رواية عوف بن مالك ﵁ قال ابن أبي الدُّنيا: حدّثنا خالدُ بن خِدَاشٍ، وَخَلفُ بنُ هِشَامٍ، قالا: حدثنا أبو عَوَانة، عن قَتَادةَ، عنْ أبي المَلِيح، عن عَوْفِ بن مَالِكٍ الأشْجَعي: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أتاني اللّيْلةَ آتٍ منْ رَبِّي، فَخَيَّرَني بَيْنَ أنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أمَّتي الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ الشَّفاعَةِ، فاخْترتُ الشّفاعَةَ، قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، نَنْشُدُكَ الله وَالصُّحْبَةَ لَمَا جَعَلْتَنا مِنْ أهْلِ شَفَاعَتِكَ، قال: "فإنِّي أُشْهِدُ منْ حَضَرَ أنَّ شَفَاعَتي لِمَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا منْ أُمَّتي". وقد رواه يَعْقُوبُ بنُ سُفْيَانَ، عن يحيى بن صَالِحِ الوُحَاظىّ، عن جابر بن غانم (٤)، عن سُلَيْم بن عامر، عن مَعْديكَرِبَ بنِ عَبْدِ كُلالٍ، عن عَوْفِ بن مَالِكِ، [عن النبي ﷺ قال]: أتَاني جِبْريلُ ﵇ بأنَّ رَبِّي خَيَّرني بينَ خَصْلَتينِ: أنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتي الْجَنَّةَ، وَبَيْنَ الشَّفَاعةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعةَ". وقد رواه البَيْهَقيُّ عن الحاكم، عن الأصَمِّ، عنْ بَحْر بن نَصْر، عن بِشْرِ بنِ بَكْرٍ، عن [ابن] جَابِرٍ، عن سُلَيْمِ بن عامِرٍ: سَمِعْتُ عَوْفَ بنَ مَالِكٍ … فَذَكَرَ الْحَديثِ، وَفيه قِصَّةٌ. ورواه حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابَةَ، رَدَّ الْحَديثَ إلى عَوْفِ بنِ مَالِكٍ (٥).

стр. 8131

رواية كعب بن عجرة قال البَيْهقيّ: حدّثنا مُحمّد بنُ مُوسى بنِ الفَضْل، حدّثنا محمّدُ بن عَبْدِ اللهِ الصَّفار، حدّثنا جَعْفرُ بنُ أبي عَمَّار الطيالسي، حدّثنا محمّد بنُ بَكَّار، حدّثنا عَنْبَسَةُ بنُ عَبْدِ الواحدِ، عن واصلٍ مَوْلَى أبي عُيَيْنةَ، عن [أُمَيٍّ] أبي عَبْد الرَّحْمَن (١)، عن الشعبي، عن كعب بن عُجْرَة، قال: قلت: يا رسولَ اللهِ، الشّفَاعةَ، الشّفاعَةَ، قال: "شَفَاعتي لأهْلِ الكَبائرِ منْ أُمَّتي" (٢). رواية أبي بكر الصدِّيق ﵁ قال الإمام أحمدُ: حدّثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الطَّالقَانىّ، حدّثني النَّضْرُ بن شُمَيْل المَازِنيّ، حدّثنا أبو نَعَامة، حدّثنا أبو هُنَيْدة، البرَاءُ بنُ نوْفَل، عن والان العدَويّ، عن حُذَيْفة، عن أبي بَكْر الصِّدِّيق ﵁، قال: أصبحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ، فَصَلَّى الغَدَاةَ ثم جَلَسَ حَتَّى إذَا كانَ منَ الضُّحَى ضَحِكَ رَسُولُ الله ﷺ ، ثمَّ جَلَسَ مَكانَهُ حتى صَلَّى الأُولَى، وَالعَصْر والمَغْربَ، كلَّ ذَلِكَ لا يَتَكلَّم حَتَّى صَلَّى العِشَاءَ الآخِرَة ثم قام إلى أهْلِه، فَقَالَ النَّاسُ لأبي بَكْرٍ: ألا تَسْألُ رَسُولَ الله ﷺ : ما شَأنُهُ صَنَعَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ يَصْنَعْهُ قَطّ؟ فَسَألَهُ، فقالَ: "نَعَمْ، عُرِضَ عَلَىَّ مَا هُوَ كائنٌ منْ أمْرِ الدُّنْيا، وَأمْرِ الآخرَة، يُجْمعُ الأوَّلُونَ وَالآخِرُونَ بِصَعيدٍ وَاحدٍ، ففَظِعَ النَّاسُ بِذَلِكَ، حتَّى انْطَلقُوا إلى آدَمَ وَالعَرَقُ يَكادُ يُلْجِمُهُمْ، فَقالوا: يا آدَمُ أنْتَ أبُو البَشَرِ، أنْتَ اصْطَفَاكَ اللهُ فاشْفَعْ لَنا إلى رَبّكَ، فقالَ آدم: لقَدْ لَقيتُ مِثْلَ الَّذي لَقيتُمْ، انْطَلِقُوا إلى أبِيكُمْ بَعْدَ أبيكُمْ إلى نُوحٍ ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] " قال: "فَيَنْطلِقُونَ إلى نوح ﵇ فيقُولُونَ: اشْفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ فأنْتَ اصْطَفَاكَ اللّهُ وَاسْتَجابَ لَكَ في دُعائِكَ، وَلَمْ يَدَعْ على الأرْضِ منَ الكافرينَ دَيارًا، فيَقُولُ: ليْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي، انْطَلِقُوا إلى إبراهيم فإن الله اتَّخَذَهُ خلِيلًا، فَيَنْطَلقُونَ إلى إبْرَاهيمَ، فيقُولُ: لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي، وَلَكِن انْطَلقُوا إلى مُوسَى فإنَّ اللهَ كَلَّمَهُ تَكْليمًا، فيقُولُ موسى: لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدِي، وَلَكِن انْطَلِقُوا إلى عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ، فَإنَهُ يُبْرئُ الأكْمَه وَالأبْرَصَ، وَيُحْيي المَوتى، فيقُولُ عِيسَى: لَيْسَ ذَاكُمْ عِنْدي، وَلَكِن انْطَلِقُوا إلى سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، فإنّه أوَّلُ مَنْ تَنْشَقّ عَنْهُ الأرْضُ يَوْمَ القِيَامةِ، انْطَلِقُوا إلى مُحمّد ﷺ فَيَشْفَعَ لَكُمْ إلى ربَكُمْ" قال: "فيَنْطَلِقُونَ، فيَأْتِي جِبْريلُ رَبَّهُ، فيقولُ الله : ائْذن لَهُ وَبشَرْهُ بالْجَنَّةِ" قال: "فيَنْطَلِقُ بِهِ جِبْريلُ، فَيَخرُّ ساجدًا قَدْرَ جُمُعةٍ، فيقول اللهُ : ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشفَّعْ" قال: "فيَرْفعُ رَأْسَهُ، فإذا نَظَرَ إلى رَبِّهِ

стр. 8132

خَرَّ ساجدًا قَدْرَ جُمُعَة أُخْرى، فيقُولُ اللهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشفَّعْ" قالَ: "فيَذْهبُ لِيَقَعَ سَاجدًا، فَيَأْخُذُ جِبْريلُ بِضَبْعَيْهِ (١)، وَيُفْتحُ عليْهِ مِنَ الدُّعاءِ بشَيْءٍ لَمْ يُفْتحْ على بشًرٍ قَطُّ، فيقولُ: أيْ رَبِّ، خَلَقْتَني سَيدَ وَلَدِ آدَم، ولا فَخْرَ، وأَوَّلَ منْ تَنْشق عَنْهُ الأرْضُ يَوْمَ القِيَامةِ، ولا فَخْرَ، حتَّى إنَّهُ لَيَردُ عَليَّ الْحَوْضَ أكْثَرُ ممَّا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأيْلَةَ، ئُمَّ يُقالُ: ادْعُوا الأنْبياء، قال: فيَجيءُ النَّبيُّ ومَعَهُ العِصَابةُ، والنَّبيُّ ومَعَهُ الْخَمْسةُ وَالسِّتَّةُ، وَالنبيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أحدٌ، ثُمَّ يُقالُ: ادْعُوا الصِّدِّيقينَ، فيشفعون، ثُمّ يُقالُ: ادْعُوا الشُّهَداء، فيَشْفعُونَ لِمنْ أرَادُوا" قال: "فإذا فَعَلَتِ الشُهَداءُ ذَلِكَ" قال: "يَقُولُ اللهُ : أنَا أرْحمُ الرَّاحمينَ، أدخِلُوا جَنتي منْ كانَ لا يُشْركُ بي شَيْئًا" قالَ: "فَيَدْخُلونَ الْجنَة، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ : انْظُرُوا في النَّارِ هَل تَلقَوْنَ منْ أَحَدٍ عَمِلَ خَيْرًا قَطُّ" قالَ: "فَيَجدُونَ في النَّارِ رَجُلًا، فَيُقالُ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خيْرًا قَطُّ؟ فيَقُولُ: لا، غَيْرَ أنَي كُنْتُ أُسَامحُ النَّاسَ في الْبَيْع، فيقُولُ الله : أسْمِحُوا (٢) لِعَبْدي كَإسْمَاحِهِ إلى عَبِيدي، ثمَّ يُخْرِجُونَ منَ النَّارِ رَجُلًا، فيقال لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خيْرًا قَطُ؟ فَيَقُولُ: لا، غَيْرَ أنِّي قد أمَرْتُ وَلَدي: إذَا مِتُّ فَأحْرِقُوني بالنَّارِ، ثُمَّ اطْحَنُوني، حتَّى إذَا كنتُ مِثْلَ الكُحْلِ، فاذْهَبُوا بي إلى البَحْرِ فَاذْرُوني في الرِّيحِ، فَوَ اللهِ لا يَقْدرُ عليَّ (٣) رَبُّ العَالَمينَ أبَدًا، فقالَ اللهُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ قالَ: منْ مَخَافَتِكَ" قال: "فَيَقُولُ اللهُ : انْظُرْ إلى مُلْكِ أعْظَمِ مَلِكٍ، فَإنَّ لَكَ مِثْلَهُ، وَعَشْرَةَ أمْثَالِهِ" قالَ: "فَيَقُولُ: لِمَ تَسْخر بِي وَأنْتَ الْمَلِكُ؟ " قال رَسُولُ الله ﷺ : "فذلك الذي ضَحِكْتُ مِنْهُ منَ الضُّحَى"، وقدْ تَكَلَّمْنَا على هَذا الْحَديثِ في آخرِ مُسْنَدِ الصِّديقِ ﵁ (٤). رواية أبي سعيد الخدري قال الإمامُ أحمدُ: حدّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، حدّثنا محمَّدُ بنُ إسحاق، حدّثنا عُبيد (٥) اللهِ بن

стр. 8133

المُغيرةِ بنِ مُعَيْقيب، عنْ سُلَيْمانَ بنِ عَمْرو بنِ عَبْدٍ العُتْوَاريّ، قال أحمدُ: وهو أبو الهَيْثم، قال: حدّثني لَيْثٌ (١) وكان [يتيمًا] في حِجْرِ أبي سَعيدٍ الخُدْريّ، قال: سَمِعْتُ أبا سَعيدٍ يَقُولُ: [سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ]: "يُوضعُ الصِّراطُ بَيْنَ ظَهْريْ جَهَنَّمَ، عَلَيْهِ حَسَكٌ كَحَسَكِ السَّعْدَانِ، ثمَّ يَسْتَجيزُ النَّاسُ، فناجٍ مُسلَّمٌ ومجروح به، ثم ناجٍ وَمُحْتبسٌ به فمكْدُوسٌ فِيها، فإذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءَ بَيْنَ العِبَادِ، يَفْقِدُ الْمُؤْمنُونَ رِجَالًا كانُوا مَعَهُم في الدُّنْيا، يُصلُّونَ بِصَلاتِهِمْ، ويُزَكُونَ بِزَكاتِهِمْ، وَيَصُومُونَ صِيامَهُمْ، وَيَحُجُّونَ حجُّهُمْ، وَيَغْزونَ غزْوهُمْ، فَيَقُولُونَ: أيْ رَبَّنا، عِبَادٌ منْ عِبَادِكَ كانُوا مَعَنا في الدُّنْيا، يُصلُّونَ صَلاتَنَا، ويُزكُّونَ زَكاتَنا، ويصُومُونَ صِيامنَا، ويَحُجُّونَ حَجَّنا، ويَغْزُونَ غَزْونا، لا نَرَاهُمْ معنا؟ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا إلىِ النَّارِ، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْهُمْ فأخْرِجُوهُ" قالَ: "فيَجدُونَهُمْ وَقَدْ أخَذَتْهُم النَّارُ على قَدْرِ أعْمَالِهِمْ، فمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ إلى قَدَمَيْهِ، وَمِنْهُمْ منْ أخَذَتْهُ إلى نِصْفِ سَاقَيْهِ، ومنْهُمْ منْ أخذتْهُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومنْهُم منْ أخذتهُ إلى أُزْرَتِهِ، ومنْهُمْ منْ أخذتهُ إلى ثَدْيَيْهِ، ومنْهُمْ منْ أخذَتْهُ إلى عُنُقِهِ ولَمْ تَغْشَ الوُجُوهَ، فيَسْتَخْرِجُونَهُمْ منْهَا، فَيَطْرَحُونَهُمْ في مَاءِ الْحَيَاةِ" قالوا: يا رَسُولَ اللهِ: ومَا ماءُ الحَيَاة؟ قالَ: "غُسْلُ أهْلِ الْجَنَّةِ، فيَنْبُتُونَ نَباتَ الزَّرْعَةِ" وَقَالَ مَرَّةً: "كما تَنْبُتُ الزَّرْعةُ في غُثاء السَّيْلِ. ثمَّ يَشْفَعُ الأنْبياءُ في كلِّ منْ كانَ يَشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ مُخْلصًا، فَيَخْرِجُونَهُمْ منْها" قال: "ثمَّ يَتَحنَّنُ اللهُ برحْمَتِهِ على منْ فِيها، فَما يَتْرُكُ فيها عبدًا في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذرَّةٍ منْ إيمانٍ إلَّا أخرجَهُ منها". تفرَّد به أحمد (٢)، ورواه ابنُ أبي الدُّنيا، من حديث ابن إسحاق، به، قال: "يُوضعُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْريْ جَهنَّمَ "قال مُحمَّدٌ: فَلا أعلمه قال: "إلَّا كَحَرْفَةِ السَّيْفِ … " وذكر تمام الْحَديث. طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا ابنُ أبي عَدِيّ، عن سُلَيْمان، يَعْني التَّيْميَّ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سَعيدٍ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أمَّا أهْلُ النَّارِ الَّذينَ هُمْ أهْلُها لا يَمُوتُونَ، ولا يَحْيَوْنَ، وأمَّا أُناسٌ يُريدُ اللهُ بِهِمُ الرَّحْمةَ فَيُميتُهُمْ في النَّارِ، فيَدْخُلُ عَلَيْهمُ الشُّفَعاءُ، فَيَأْخُذُ الرَّجُلُ الضِّبَارة (٣) فيَبُثُّهمْ-" أوْ قال: " فيُبَثُّونَ - على نَهْرِ الْحَيا -" أوْ قال: "الْحَياةِ" أو قال: "الْحَيَوانِ" أو قال: "نَهْرِ الْجنَّةِ - فَيَنْبُتُونَ نَباتَ الْحِبَّةِ في حَميلِ السَّيْلِ" قال: فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "أما تَرَوْنَ الشّجَرَةَ تَكُونُ خَضْراءَ، ثم تَكونُ صَفْرَاءَ"

стр. 8134

أوْ قالَ: "تكونُ صَفْرَاءَ، ثمَّ تَكونُ خَضْراءَ" قال: فَقالَ بَعْضُهُمْ: كأنَّ النبيَّ ﷺ خُلِقَ بالْبَاديةِ (١). طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا إسماعيلُ، حدّثنا سَعيدُ بنُ يَزيدَ، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سَعيدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أمَّا أهْلُ النَّارِ الَّذينَ هُمْ أهْلُهَا، فإنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، وَلَكنْ أُناسٌ" أوْ كما قال، "تُصيبُهُم النَّارُ بِذُنوبِهمْ" أوْ قالَ: "بِخَطايَاهُمْ، فَيُميتُهُمْ إمَاتَةً، حتَّى إذَا صَارُوا فَحْمًا أُذِنَ في الشفَاعَةِ، فَجِيءَ بهمْ ضَبَائِرَ ضَبَائرَ فَبثُّوا على أنْهَارِ الْجَنَّةِ، فيُقالُ: يا أهْلَ الْجنَّةِ، أفيضُوا عَلَيْهمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ في حَمِيل السَّيْلِ" فقال رجل من القوم: كانَّ رسول الله ﷺ كان بالبادية. وهذا إسناد صحيح على شَرْط "الصحيحين" (٢)، ولم يُخَرجاه منْ هذا الوَجْهِ (٣). طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا يَحْيَى بنُ سَعيدٍ، حدّثنا عُثْمانُ بنُ غِيَاثٍ، حدّثني أبو نَضْرَةَ، عن أبي سَعيدٍ الخُدْريّ، قال: يُعْرضُ النَّاسُ على جِسْرِ جَهنَّمَ، عَلَيْهِ حَسَكٌ، وكَلالِيبُ، وَخَطَاطيفُ تَخْطَفُ النَّاسَ، قال: فيَمُرُّ النَّاسُ مِثْلَ البَرْقِ، وَآخَرُونَ مِثْلَ الريحٍ، وَآخَرُونَ مِثْلَ الفَرَسِ المُجْرَى، وآخَرُونَ يَسْعونَ سَعْيًا، [وآخَرُونَ يَمْشُوْنَ مَشْيًا، وَآخَرُونَ يَحْبُون حَبْوًا] وآخرُونَ يَزْحَفُونَ زَحْفًا، فأمَّا أهْلُ النَّارِ، فلا يَمُوتُونَ، وَلا يَحْيَوْنَ، وأمَّا أُناسٌ فيُؤْخذُونَ بِذُنوبِهِمْ فَيُحْرَقُونَ، فيَكونُونَ فَحْمًا، ثمَّ يَأذَنُ اللهُ في الشَّفَاعَةِ، فَيُؤْخذُونَ ضِبَارَاتٍ، ضِبَاراتٍ، فيُقْذفونَ على نَهْرٍ فيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ في حَميلِ السَّيْلِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "هل رأيتم الصَّبْغَاء (٤)؟ " قال: وعلى النارِ ثَلاثُ شَجَرَاثٍ، فيُخْرَجُ، أوْ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنَ النَّارِ، فيَكُونُ على شَفَتِها، فيقول: يا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهي عَنْها، قال: فَيَقُولُ الله سبحانه: وَعَهْدِكَ وَذِمَّتِكَ لا تَسْألْني غَيْرَها. قال: فَيَرَى شَجَرَةً، فيقولُ: يا رَبِّ أدْنِني منْ هَذِهِ الشجَرَةِ أسْتَظِل بظِلِّها، وَآكُلْ منْ ثمرتِها، قالَ: فيقولُ: وَعَهْدِكَ وَذِمَّتِكَ لا تَسْألْني غَيْرَها. قال: فَيَرى شَجَرَة، أُخْرَى أحْسَنَ مِنْهَا، فيقول: يا رَبِّ حَوِّلْني إلى هَذ الشَّجَرَةِ أسْتَظِلَّ بِظِلِّها، وآكُلْ منْ ثَمَرَتِهَا، قال: فيقولُ: وَعَهْدِكَ وَذِمَّتِكَ لا تَسْألْني غَيْرَها. قال: فيَرَى الثالِثَةَ، فيقول: يا رَبِّ،

стр. 8135

حَوِّلْني إلى هَذِهِ الشَّجَرَةِ أسْتَظلَّ بِظِلِّها، وآكُلْ منْ ثَمَرتها. قال: فيقول: وَعَهْدِكَ وذِمَّتِكَ لا تَسْأْلْني غَيْرَها. قال: فَيَرى سَوَادَ النَّاسِ، وَيَسْمَعُ أصْوَاتَهُمْ، فيقولُ: يا رَبِّ، أدْخِلْني الْجَنَّةَ، قال أبو سعيد وَرَجُلٌ آخرُ منْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ اخْتَلَفَا، فقال أحدُهما: فَيَدْخُلُ الْجنَّةَ ويُعْطى الدُّنْيا، ومِثْلَها، وقال الآخرُ: فيدخل الجنَّة ويُعْطى الدُّنيا وَعَشَرَةَ أمثالها. وقد رواه النّسائىّ من حديث عُثْمانَ بن غِياث، به، نحوَه (١). رواية أبي هريرة قال الإمام أحمد: حدّثنا سُليمانُ، يعني ابن داود، أنبأنا إسْماعيلُ، حدّثنا عمرو، عن سَعيد، عن أبي هريرة، قال: قلتُ للنبيِّ ﷺ : منْ أسْعدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامةِ؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لَقَدْ ظَنَنْتُ يا أبَا هُريَرْةَ ألّا يَسْألَني عنْ هَذَا الْحَديثِ أحدٌ أوَّلَ مِنْكَ، لِمَا رَأيتُ مِنْ حِرْصِكَ على الْحَديثِ، أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتي يَوْمَ القِيَامةِ، منْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، خَالِصَةً منْ قِبَلِ نَفْسِهِ". هذا إسناد صحيح، على شرطهما (٢) ولم يُخرّجاه من هذا الوجه (٣). طريق أخرى قال الإمامُ أحمد: حدّثنا أبو مُعَاويةَ، وَيَعْلى بنُ عُبَيْدٍ، قالا: حدّثنا الأعْمشُ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ لِكُلِّ نَبيٍّ دَعْوةً مُسْتَجابةً، فَتَعَجَّلَ كلُّ نَبيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإنِّي اختبأتُ دَعْوَتي - يعني شَفَاعَة لأمَّتي - فَهيَ نَائلَةٌ إنْ شَاءَ اللهُ منْ مَاتَ لا يُشْرِك باللهِ شَيْئًا" قالَ: يَعْلَى: "شفاعته" (٤). ورواه مسلم من حديث أبي مُعاويةَ محمّد بن خازم الضَّريرِ، عن الأعمش [به] (٥). طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا هاشم، والخُزاعيّ، يعني أبا سَلَمةَ، قالا: حدّثنا لَيْثٌ، حدّثني يزيدُ بنُ

стр. 8136

أبي حَبيبٍ، عن سالمِ بنِ أبي سَالِم، عن مُعَاويةَ بْنِ مُعتِّب (١) الْهُذليِّ، عن أبي هُريرة: أنّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَألتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : ماذَا رَدَّ إلَيْكَ رَبُّكَ في الشَّفَاعَةِ؟ فقال: "وَالّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ ظَنَنْتُ أنَّك أوَّلُ منْ يَسْأَلني عَنْ ذَلِكَ منْ أُمَّتي، لِمَا رَأَيْتُ منْ حِرْصِكَ على العِلْمِ، وَالّذي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَا يُهِمُّني من انقصافهم (٢) على أبوابِ الْجَنَّةِ أهمُّ عِنْدي منْ تَمَامِ شَفَاعَتي، وشَفَاعَتي لِمَنْ شَهِدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ مُخلصًا يُصدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ، وَلسَانُهُ قَلْبَهُ". تفرد به أحمد من هذا الوجه (٣). طريق أخرى قال أحمد: قرأتُ على عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عن مالك. وحدثنا إسحاق، حدّثنا مالك، عن أبي الزناد، عنِ الأعْرَجِ، عن أبي هُرَيرة: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قال: "لِكُلّ نَبيٍّ دَعْوةٌ [يَدْعُو بِهَا]، وَأُرِيدُ أنْ أخْتَبِئَ دَعْوَتي شَفَاعَةً لأُمَّتي في الآخِرَةِ" قال إسحاق: "فأرَدْتُ أنْ أخْتَبِئَ … ". وقد رواه البخاري من حديث مالك، به (٤). طريق أخرى قال مسلم: حدّثني حَرْمَلةُ بنُ يَحْيَى، أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ، حدّثني يونُس، عن ابن شِهَابٍ، أنَّ عَمْرَو بنَ أبي سُفْيَان بنِ أَسيدٍ (٥) بنِ جَارِيَة (٦) الثَّقفيّ، أخبَرَهُ: أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قال لِكَعْب الأحْبَارِ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوةٌ يَدْعُوها، فأنا أُريدُ إنْ شاءَ الله تعالى أنْ أخْتَبئَ دَعْوتي شَفَاعةً لأُمَّتي يَوْمَ القيامةِ" فقال كَعْب لأبي هُرَيْرَةَ: أنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قال أبو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. تفرَّد به مسلم (٧).

стр. 8137

طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا عَبْدُ الرزاق، حدّثنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريّ، أخْبَرَني القَاسمُ بنُ مُحمَّد، قال: اجْتَمعَ أبُو هُرَيْرَةَ، [وكَعْبٌ]، فَجَعلَ أبو هريرة يُحدِّثُ كَعْبًا عن النبيِّ ﷺ ، وكَعْبٌ يُحدَثُ أبَا هُرَيْرَةَ عن الكُتُب، قال: فقال أبو هُرَيْرَةَ: قال النَّبيُّ ﷺ : "لِكُلِّ نَبي دَعْوةٌ مُسْتَجابةٌ، وإني اخْتَبَأتُ دَعْوتي شَفَاعةً [لأمَّتي يَوْمَ القِيَامةِ] ". انفرد به أحمد، وإسناده صحيح على شرطهما، ولم يُخرّجه أحدٌ من أصحاب الكتُبِ الستّة من هذا الوجه (١). طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا يحيى، عن شُعْبَةَ. ومحمد بن جعفر، حدّثنا شُعْبةُ عن مُحمّد بنِ زياد، عن أبي هريرة، قال غُنْدر في حديثه: قال: سمعت أبا هُريرةَ عن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ لِكُلِّ نبيٍّ دَعْوةً دَعا بِها، وإنِّي أُريدُ أن أدَّخِرَ دَعْوتي إنْ شَاءَ اللهُ شَفَاعةً لأُمَّتي يَوْمَ القيامة"، قال ابن جعفر: "في أمتي". وقد رواه مسلم من حديث شُعْبةَ، به (٢). طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا مَعْمرٌ، عن هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ، حدّثنا أبو هُرَيْرة، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لِكُلِّ نَبي دَعْوة تُسْتجاب لَهُ، فَأُريد إنْ شَاءَ اللهُ أنْ أدَّخِرَ دَعْوتي شَفَاعةً لأُمَّتي يَوْمَ القيَامةِ". وهذا إسنادٌ صحيح على شرطهما، ولم يُخرّجاه (٣). طريق أخرى قال مسلم: حدّثنا قُتَيْبةُ بنُ سَعيدٍ، حدّثنا جَريرٌ عنْ عُمَارةَ، وهو ابْنُ الْقَعْقَاع، عن أبي زُرْعةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ [قال: قال رسول الله ﷺ ]: "لِكُل نَبيٍّ دَعْوةٌ مُستَجابةٌ يَدْعُو بهَا،

стр. 8138

فَيُسْتَجابُ لَهُ، فيُؤْتَاهَا، وإني اخْتَبَأتُ دَعْوتي شَفَاعةً لأمَّتي يَوْم القِيَامةِ". انفرد به مسلم أيضًا (١). طريق أخرى قال أحمد: حدّثنا إبراهيمُ بن أبي العَبَّاس، حدّثنا أبو أُوَيْسٍ قال: قال الزهريُّ: أخبرني أبو سَلَمة بن عبدِ الرحمن؛ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "لِكُلِّ نَبيٍّ دَعْوةٌ، فأريد إنْ شَاءَ اللهُ أنْ أخْتَبئَ دَعْوَتي لِيَوْمِ القِيَامةِ شَفَاعةَ لأمَّتي". تفرد به أحمد من هذا الوجه، ورواه عبد الرزّاق عن مَعْمرٍ، عن الزهريّ، وقد رواه البخاريّ من حديث شُعَيْب بن أبي حَمْزةَ، ومسلمٌ من طريق مالك، كِلاهما عن الزهريّ، به (٢). طريق أخرى قال الإمام أحمد: حدّثنا محمّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حدّثنا داود الأوْديُّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، [عن رسولِ الله ﷺ ]، في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، قال: "هُوَ المَقَامُ المحمود الَّذي أشفعُ لأمَّتي فيهِ". ورواه الترمذيّ عن أبي كُرَيْبٍ، عن وَكيعٍ، عن داود، وقال: حسن (٣). طريق أخرى قال الإمام أحمد: حدّثنا حَجَّاجٌ، حدّثنا ابْنُ جُرَيْج، حدّثني العَلاءُ بن عبد الرحمن بن يَعْقُوبَ، عن ابن دارة مَوْلَى عُثْمانَ، قال: إنَّا بِالْبَقيع مَعَ أبي هُرَيْرَةَ، إذْ سَمِعْناهُ يَقُولُ: أنَا أعْلَمُ [النَّاسِ] بِشَفَاعةِ مُحقَدٍ ﷺ يَوْمَ القِيَامَةِ، قال: فَتَداكَّ النَّاسُ (٤) عَلَيْهِ، فقالوا: إيهِ يَرحَمُكَ اللهُ، قال: يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفرْ لِكُلِّ عَبْدٍ لقيكَ يُؤمنُ بي لا يُشْركُ بِكَ". تفرّد به أحمد من هذا الوجه (٥).

стр. 8139

رواية أم حبيبة قال البيهقىّ: حدّثنا أبو زَكَريَّا يَحْيى بنُ إبراهيم المزكي، أخبرنا أبو الحسين (١) أحمدُ بنُ عُثْمانَ بن يحيى الأدَمي، حدّثنا عبدُ الكريم بن الهَيْثَم، [عن أبي اليمان] (٢)، حدّثنا شُعَيْبٌ، عن الزهريّ، عن أنسٍ، عن أمّ حَبيبةَ، عن رسول الله ﷺ أَنه قال: "أُريتُ ما تَلْقَى أُمَّتي منْ بَعْدي، وسَفْكَ بَعْضِهمْ دِماءَ بَعْضٍ، فأحْزَنني ذلك، وسَبَقَ ذلكَ منَ اللهِ، كما سَبَقَ في الأُمَم قَبْلَهُمْ، فَسَألتُهُ أنْ يُوَلِّيَني فيهمْ شَفَاعةً، فَفَعل" قال البيهقيّ: هذا إسنادٌ صحيح. ذِكْر شفاعة المؤمنين لأهاليهم قد تقدَّم حديث عُثْمانَ بن عفان ﵁، عن النبيِّ ﷺ : "أوَّلُ منْ يَشْفعُ يَوْمَ القِيَامةِ الأنْبياءُ، ثمَّ الشُهَداءُ، ثمَّ المُؤْمنُونَ". رواه البزّار، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ: "يَشْفعُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثةٌ: الأنْبياءُ، ثمَّ العُلَماءُ، ثمَّ الشُّهَداءُ" (٣). فأمَّا ما أوردَهُ القُرْطبيُّ في "التذْكِرَةِ"، منْ طَريق أبي عَمْرو السَّمَّاك: حدّثنا يحيى بنُ جَعْفرِ بنِ الزِّبْرِقَانِ، قالَ: حدّثنا علىُّ بنُ عاصم، حدّثنا خالدٌ الحذاءُ، عن سَلَمة بنِ كُهَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي الزَّعْراءَ، قال ابنُ مسعود: يَشْفعُ نبيُّكمْ ﷺ رَابعَ أرْبَعةٍ: جِبْريلُ، ثمَّ إبراهيمُ، ثم مُوسى، أو عيسى (٤)، ثمَّ نَبيُّكم، ثمَّ المَلائِكةُ، ثمَّ الصِّدِّيقُونَ، ثمَّ الشُّهَداءُ. وقد رواه أبو داود الطَّيالسيُ، عن يحيى بنِ سَلَمةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن أبيه، به، وزاد أبو داود في روايته: لا يَشْفعُ أحدٌ بعده أكْثَرَ منْه، وهو المَقامُ المَحْمُودُ الّذي قال اللهُ تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]؛ فإنه حديثٌ غريبٌ جدًا، ويحى بنُ سَلَمةَ بنِ كُهَيْلٍ ضَعيفٌ (٥). وفي الصحيح من طريق عَطاءِ بْنِ يَسَارٍ، عن أبي سَعيدٍ مَرْفوعًا: "إذا خَلَص المُؤْمنُونَ منَ الصِّراطِ وَرَأوْا أنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا، فمَا أنْتُمْ بأشَدّ مُنَاشَدةً في الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبيَّنَ مِنْهُمْ لِرَبِّهمْ في إخْوَانِهِمِ الّذين في النَّارِ، فيقولُونَ: رَبَّنا إخْوانُنَا كانُوا يُصَلُّونَ مَعَنا، ويصومون معنا، ويَحُجُّونَ مَعَنا، وَيَغْزونَ

стр. 8140

مَعَنا، فيُقالُ [لهم]: اذْهبُوا فمنْ وَجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينارٍ منْ إيمانٍ فَأخْرِجُوهُ منَ النَّارِ، ثمَّ يَقُولُ: [نِصفَ دينار]، ثُمَّ يَقُولُ: مِثْقالَ ذَرَّةٍ منْ إيمانٍ فَأخْرِجُوهُ منَ النَّار" قالَ أبو سَعيدٍ: اقْرَؤوا إنْ شِئتُمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، قال: "فيقولُ الله تعالى: شَفَعَتِ المَلائكةُ، وَشَفَع النَّبيُّونَ، وَشَفعَ المُؤْمنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أرْحَمُ الرَّاحمينَ، فَيَقْبضُ قَبْضةً منَ النَّارِ فيُخْرِجُ منْها قَوْمًا لمْ يَعْملُوا خيْرًا قطُّ، قدْ عادُوا حُممًا، فَيُلْقيهمْ في نَهْرٍ في أفْواهِ الجنَةِ، يُقالُ لهُ: نَهْرُ الْحَيَاةِ، فيَخْرُجُونَ كما تَخْرُجُ الْحِبَّة في حَميل السَّيْلِ، فيَخْرُجُونَ كاللُّؤلُؤِ في رِقَابِهمُ الْخَوَاتيمُ يَعْرِفُهُمْ أهْلُ الْجَنَّةِ. فيقولون: هَؤُلاءِ عُتقاءُ اللهِ أدْخَلَهُمُ الله الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَملٍ عَمِلُوه، ولا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، ثمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجنَّةَ، فمَا رَأيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فيَقُولُونَ: رَبَّنا أعْطَيْتَنا مَا لَمْ تعْطِ أحْدًا منَ العَالَمينَ، فيقال لهم: عِنْدي لكم أفْضلُ منْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: رَبَّنا أيُّ شَيء أفْضلُ منْ هَذَا؟ فيقُولُ: رِضايَ فَلا أسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أبدًا" (١). وفي حديث إسماعيلَ بن رَافِعٍ، [عن محمد بن يزيد بن أبي زياد]، عنْ مُحمّد بن كَعْبٍ، عن رَجُلٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ ﷺ بعد ذكر دُخولِ أهْلِ الْجنَّةِ الجَنَّةَ: فأقول: يا رَبِّ شَفِّعْني في منْ وَقَعَ في النَّارِ منْ أُمَّتي، فيقول: نَعَمْ، أخْرِجُوا منَ النَّارِ منْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ دينار (٢) منْ إيمانٍ، منْ كان في قَلْبهِ ثُلُثا دِينارٍ، نِصفُ دينارٍ، ثلثُ دينار، رُبُعُ دينارٍ، حتَّى بَلَغَ قِيراطَيْنِ، أخْرِجُوا منْ لَمْ يَعْملْ خَيْرًا قطُّ" قال: "ثُمَّ يُؤْذَنُ في الشَّفَاعةِ، فَلا يَبْقَى أحد إلَّا شَفَعَ، إلّا اللعَّان فإنّهُ لا يَشْفعُ، حتَّى إنَّ إبْليسَ لَيَتطاولُ يَوْمئذٍ في النّارِ رَجَاءَ أن يُشفَعَ لهُ ممَّا يَرَى منْ رَحْمةِ اللهِ تعالى، حتَّى إذا لَمْ يَبْقَ أحدٌ إلَّا شَفَعَ" قال: "فيقول الله تعالى: بَقِيتُ أنا وأنَا أرْحمُ الرَّاحمينَ، فيُخْرجُ منْهَا ما لا يُحْصي عِدَّتَهُمْ غَيْرهُ سبحانه، كأنَهُمُ الْخُشُبُ الْمُحْتَرِقَةُ، فَيُطْرحُونَ على شَطِّ نَهْر على بَابِ الْجَنَّةِ، يُقالُ لَهُ: الْحَيْوان، فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَميلِ السَّيْلِ". رواه ابن أبي الدنيا (٣). وقد قال الحافظُ أبو يَعْلى الموصلي: حدّثنا العبَّاسُ بنُ الوَليد النَّرْسي، حدّثنا يُوسفُ بنُ خَالِدٍ هوَ السَّمتي (٤)، عنِ الأعْمشِ، عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "يُعْرضُ أهْلُ النَّارِ صُفُوفًا فيَمُرُّ بهمُ المُؤْمنُونَ، فَيَرى الرَّجُلُ منْ أهْلِ النَّارِ الرَّجُلَ منَ الْمُؤْمنينَ قَدْ عَرَفهُ في الدُّنْيا (٥) فيَقُولُ: يا فُلانُ، أمَا تَذْكُرُ يَوْمَ استسقيتني فسقيتك، ويقول الآخر لآخر: يا فلان أما تذكر يوم اسْتَعنتني على حَاجةِ كذا وكذا

стр. 8141

فأعنتك، ويقول الآخر: يا فلان، أمَا تَذْكُرُ يَوْمَ أعْطَيْتُكَ" قالَ: أُراهُ قال: "كذا وكذا، فيَذْكُرُ ذلِكَ المُؤْمنُ، [فيَعْرِفُه]، فيَشْفَعُ لهُ إلى رَبِّهِ، فَيُشفِّعهُ فيهِ". وفي إسناده ضعف (١). طريق أخرى عن أنس قال ابنُ ماجه: حدّثنا محمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن نُمَيرٍ، وعليُّ بنُ محمّد، قالا: حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن يزيد الرَّقَاشيِّ، عن أنس بنِ مالِكٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُصَفُّ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامةِ صُفُوفًا وقال ابنُ نُمَيْرٍ: "أهْلُ الْجنَّةِ وأهل النار، فَيَمُرُّ الرَّجُلُ منْ أهْلِ النَّارِ على الرَّجُلِ من أهل الجنة، فيَقُولُ: يا فُلانُ، أما تذكر يوم ناولتك طهورًا، "فيشفع [له]. ويمر الرجل على الرجل فيقول: أمَا تَذْكُرُ يَوْمَ اسْتَسْقَيْتني فَسَقَيْتُكَ شَرْبَةً؟ " قال: "فيَشْفَعُ لَهُ. وَيَمرُّ الرَّجُلُ على الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يا فُلان، أما تَذْكُرُ يَوْمَ بَعَثْتني لحاجة كذا وكذا؟ فَذَهَبْتُ لَكَ؟ فيَشْفعُ له". ورواه الطحاوي بلفظٍ آخرَ قريبٍ منْ هذا المعنى (٢). وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدَّثني علىُّ بنُ عَبْدِ اللهِ بن موسى، حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمر، حدّثنا حمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن ثابتٍ، عن الْحَسنِ، قال: قال رسوِل الله ﷺ : "يقولُ الرَّجُلُ منْ أهْلِ الْجنَّةِ يَوْمَ القِيَامةِ: يا رَبِّ إنَّ فُلانًا سَقَاني شَرْبةً منْ ماءً في الدُّنيا، فشَفِّعْني فيهِ، فيقُولُ اللهُ: اذْهَبْ، فَأخْرِجْهُ منَ النَّارِ، فَيَذْهبُ فَيَتحَسَّسُ عليه في النَّارِ حتَّى يُخْرِجَهُ منْهَا". وهذا مُرْسلٌ من مراسيل الْحَسَنِ الحِسَانِ. ومن الأحاديث الواردة في شفاعة المؤمنين لأهاليهم وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ عنْ زَبُورِ دَاوُدَ ﵇ أن فيه مَكْتُوبًا: يَقولُ اللهُ: إنَّ عبادي الزَّاهدينَ أقُولُ لهمْ يوم القيامة: إنِّي لم أزْوِ عَنْكُمُ الدُّنْيا لِهَوانِكُمْ عَليَّ، ولا لِعزَّة الدنيا عندي، ولَكنْ أرَدْتُ ذلك بكم لتَسْتَوفُوا نَصيبَكُم اليوم مَوْفُورًا كاملًا عندي، لم تَكْلِمه الدنيا، ولم تشعثه الشهوات، فَتَخَلَّلُوا الصُّفُوفَ، فمنْ أحْبَبْتُمُوهُ في الدُّنْيا أوْ قَضَى لَكُمْ حَاجةً، أوْ رَدَّ عَنْكُمْ غِيبةً، أو كساكم خِرْقَةً، أوْ أطْعَمَكُمْ لُقمة، أو سقاكم شربة ابْتِغاءَ وَجْهي، وطَلَب مَرْضَاتي، فَخُذُوا بِيَده، وأدْخِلُوهُ الْجنّةَ. وروى الترمذيُّ، وَالبَيْهقيُّ من طَريقِ مَالِكِ بنِ مِغْوَلٍ، عنْ عَطيّة، عنِ أبي سَعيدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن منْ أُمَّتي رِجَالًا يَشْفعُ الرَّجُلُ منْهُمْ في الفِئَامِ منَ النَّاسِ، فيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعتِهِ،

стр. 8142

وَيَشْفَعُ الرَّجُلُ لِلْقَبيلَةِ، فَيَدْخلُونَ الْجَنَّة بِشَفَاعَتِهِ، ويشفعُ الرَّجُلُ منهم للرجُلِ وَأهْلِهِ، فيَدْخُلونَ الْجنَّةَ بشفاعته" (١). وروى البزّار بسنده، عن أنس بن مالك، مرفوعًا: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَشفَعُ للرَّجُلَيْنِ والثَّلاثة" (٢). وله من حديث سُفيانَ الثوريّ، عن آدم بن عليّ، عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُقالُ للرَّجُل: قم يا فُلانُ فاشْفَعْ، فيقومُ الرجل فَيَشْفَعُ للقَبيلَةِ، وَلأهْلِ البَيْتِ، وللرَّجُلِ، وللرَّجُلَيْنِ، على قَدْرِ عَمَلِهِ" (٣). ومن حديث الحسين بن واقد، عن أبي غالب: أنَّ أبا أُمَامَةَ حَدَّثَهُ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعةِ رَجُلٍ منْ أُمَّتي أكْثَرُ منْ عَدَد مُضَرَ، وَيَشْفَعُ الرَّجُلُ في أهْلِ بَيْتِهِ، وَيَشْفعُ على قَدْرِ عَمَلِهِ" (٤). ورَوى البيهقي عن الحاكم، عن الأصمِّ، عن الحسن بن مُكْرَم، عن يَزيد بن هَارُونَ: أنبأنا حَريز (٥)، عن عبد الرحمن، أو عبد الله بن مَيْسَرة، عن أبي أُمَامَةَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ بِشَفَاعةِ رَجُلٍ من أمتي لَيْسَ بِنَبيٍّ مِثْلُ الْحَيَّيْنِ، أو مثل أحَدِ الحيَّيْنِ: رَبيعةَ، وَمُضَرَ" فقال رَجُل: يا رَسُولَ الله، أوما رَبيعَةُ منْ مُضَر (٦)؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنَّما أقولُ ما أُقَوَّلُ" (٧). وقال الإمامُ أحْمَدُ: حدّثنا إسماعيلُ بن إبراهيم، حدّثنا خَالِدٌ الحَذَّاء، عن عبد الله بن شَقيقٍ، قال: جَلَسْتُ إلى رَهْطٍ أنا رَابعُهُمْ بإيلياءَ، فقال أحدهم: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لَيَدْخُلَنَّ الْجنَّةَ بِشَفَاعةِ رَجُلٍ منْ أُمَّتي أكْثَرُ منْ بَني تَميمٍ" قُلْنَا: سِوَاكَ يا رَسُولَ الله؟ قال: "سواي" قلتُ: أنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قال: نعم. فلمَّا قام، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالوا: ابنُ أبي الجَدْعَاء (٨). ثم رواه أحمد عن غنْدَر، عن شُعْبَةَ، وعن عَفانَ، عن وُهَيْبٍ، كلاهما عن خالد الْحَذاءِ، به نحوه (٩).

стр. 8143

ورواه أبو عمرو بن السَّمَاك، عن يحيى بن جعفر، عن شَبَابَةَ، عن حريز بن عُثمان، عن عبد الرحمن بن مَيْسَرَة (١)، وحَبِيب بن عُبَيد (٢) الرَّحَبيِّ، عن أبي أُمَامَةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يَدْخُلُ بِشَفَاعةِ رَجُلٍ منْ أُمَّتي الْجَنَّةَ مِثْلُ أحَدِ الحَيَّيْنِ رَبيعَةَ وَمُضَرَ" قيل: يا رسول الله، وما رَبيعَةُ ومُضَر؟ قال: "إنَّما أقُولُ ما أُقَوَّلُ" قال: فَكانَ المَشْيَخَةُ يَرَوْنَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ عُثْمانُ بنُ عَفَّانَ ﵁ (٣). وقال محمد بن يُوسف الفِرْيابيُّ: حدّثنا سُفيانُ الثّوْريّ، عن خالدٍ الْحَذَّاءَ، عن عبد الله بن شَقيق العُقَيْليّ (٤)، قال: جَلَسْتُ إلى نَفَير مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ فيهم عبد الله بن أبي الجدعاء، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "ليَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعةِ رَجُلٍ منْ أُمَّتي أكْثَرُ منْ بَني تَميمٍ" قالوا: سِواكَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قال: "سِوَايَ"، قال الفِرْيَابي: يقال: إنه عُثْمان بنُ عَفّان، ﵁. ورواه البيهقيّ، والترمذيّ، وابن ماجه، وغيرهم، من طرق متعدّدة، عن خالد الحَذّاءِ، به. وقال الترمذيّ: حسن صحيح، وليس لابن أبي الْجَدْعاءِ حديثٌ سِواه (٥). وله من حديث أبي مُعاوية، عن داود بن أبي هِنْد، عن عبد الله بن قَيْسٍ الأسَديّ، عن الحارث ابن أُقَيْشٍ (٦)، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ من أُمَّتي من يَدْخُلُ الْجنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ أكْثَرُ منْ مُضَرَ، وَإنَّ مِنْ أُمَّتي لمَنْ سَيَعْظُمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَكُونَ أحدَ زَوَايَاهَا". وكذا رواه أحمد وابن ماجه، من غير وَجْهٍ عن داودَ بن أبي هِنْدِ، وفي لفظٍ لأحْمَد: "إنَّ منْ أُمَّتي لَمَنْ يَشْفعُ لأكْثَرَ منْ رَبيعَةَ ومُضَر، وَإنَّ منْ أُمَّتي لَمَنْ يَعْظُمُ لِلنَّارِ حَتَّى [يَكُون] رُكْنًا منْ أرْكَانِها" (٧). وروى البيهقي من حديث أبي بكر بن عيَّاش، عن هشام، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخُلُ بِشَفَاعةِ رَجُلٍ منْ أُمَّتي الجنَّة أكْثَرُ مِنْ رَبيعَةَ وَمُضَر" قال هشام: أخْبَرَني حَوْشَبٌ، عن الحَسَن: أنّهُ أُوَيْسٌ القَرَنيُّ، قالَ أبو بَكْرِ بنُ عَيَّاش: قلتُ لِرَجُل منْ قَوْمِهِ: أُويْسٌ بأيِّ شَيْءٍ بلغ

стр. 8144

هَذَا؟ قال: فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ (١). وقال الإمام أحمد: حدّثنا عَفَّان، حدّثنا سَعِيدُ بنُ زَيْد، حدّثنا أبو سليمان العَصَري (٢)، حدّثني عُقْبةُ بنُ صُهْبان، سَمِعْتُ أبَا بَكْرَة، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "يُحْملُ (٣) النَّاسُ على الصِّراطِ يَوْمَ القِيَامةِ فتَتقَادَعُ (٤) بهم جَنَبتا الصِّراطِ، تقادُعَ الفَراشِ في النّار، فيُنَجِّي اللهُ ﵎ بِرَحْمَتِهِ منْ يَشاءُ ثم يُؤْذَنُ للملائِكَة، وَالنَّبيِّينَ، وَالشُّهَدَاءِ، أنْ يَشْفَعُوا، فَيَشْفَعُونَ، وَيُخْرِجُونَ، وَيَشْفَعون، وُيخْرِجُونَ، وَيَشْفعُون ويُخرجون-" زَادَ عَفانُ مَرَّةً فقال: "وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرجُونَ- منْ كانَ في قَلْبِهِ ما يَزنُ ذَرَّةً منْ إيمانٍ" (٥). وقال البيهقيّ: حدّثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدّثنا أبو العبَّاس، محمد بن يعقوب، حدّثنا الخضر بن أبان، حدّثنا سَيَّارٌ، حدّثنا جعْفر، يعني ابن سُلَيْمانَ، حدّثنا أبو ظِلال، حدثنا أنَسُ بنُ مالكٍ، حدّثنا رسول الله ﷺ ، قال: "سَلَكَ رَجلانِ مَفَازةً، أحَدُهُما عَابدٌ، وَالآخَرُ بِهِ رَهَقٌ (٦)، ومع الذي به رهق إداوة فيها ماءٌ، وليس مع العابد ماءٌ، فعَطِشَ العَابدُ، فقال: أيْ فُلانُ، اسْقِني فهو ذا أموت، فقال: إنّما مَعِي إدَاوةٌ وَنَحْنُ في مَفَازَةٍ، فإنْ سَقَيْتُكَ هَلَكْتُ، فَسَلَكا، ثُمَّ إنَّ العَابدَ اشتد به العطش، فقال: أيْ فُلانُ اسقني فهو ذا أموت، فقال: إنما معي إداوة ونحن في مفازة، فإن سقيتك هلكت، فسلكا، ثم إن العابد سقط، فقال: أي فلان اسقني، فهو ذا أموت، قال الذي به رَهَقٌ: وَالله إنَّ هَذَا العَبْدَ الصَّالِحَ يَمُوتُ ضَياعًا إن تركته ولم أسقه، لا تُبلَّني عِنْد اللهِ بَالَّة أبدًا، فرشَّ عَلَيْهِ منَ المَاءَ وسَقَاهُ ثمَّ سَلَكا إلى المَفَازةِ، فَقَطعاها" قال: "فَيُوقفَان لِلْحِسَابِ يَوْمَ القِيَامةِ، فَيُؤْمرُ بالعَابدِ إلى الجنَّةِ، وَيُؤْمرُ بالّذي بهِ رَهَق إلى النارِ" قال: "فَيَعْرفُ الَّذِي بهِ رَهَقٌ الْعَابِدَ، ولا يَعْرِفُ العَابِدُ الذِي بهِ رَهَقٌ، فيناديه: أيْ فُلانُ، أنَا الَّذي آثَرْتُك على نَفْسي يَوْمَ المَفَازَةِ، وَقَدْ أُمِرَ بي إلى النَّارِ، فَاشْفَعْ لي إلى رَبِّكَ، فَيَقُولُ العابد: أيْ رَبِّ، إنهُ قَدْ آثرني على نَفْسِهِ، أيْ رَبِّ هَبْهُ ليَ الْيَوْمَ، فَيَهبُه لَهُ، فيَأْخُذُ بِيَدِهِ فينْطلقُ بهِ إلى الجنَّةِ" زاد فيه: فيَقُولُ: يا فلان، ما أشدَّ ما غيَّرتْك نِعْمةُ رَبِّي ". ثم قال البيهقى: وهذا الإسنادُ وإنْ كانَ غَيْرَ قَويٍّ فَلَهُ شَاهدٌ منْ حَديث أنس بن مالك: حدّثنا أبو سعد (٧) الزاهد، إمْلاءً، حدّثنا أبو الحسن محمّد بنُ

стр. 8145

الحَسنِ بن الحُسَيْن بن منصور، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد البُوشَنْجيّ، حدّثنا محمد بن أبي بكر المُقَدّمِيّ، حدّثنا عليّ بن أبي سَارَةَ، عن ثَابتٍ البُنَانيِّ، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ رَجُلًا منْ أهْلِ الْجنَّةِ يُشْرفُ يَوْمَ القِيامةِ على النّارِ، فَيُناديهِ رَجلٌ منْ أهْلِ النار، فيقول: يا فلان، هل تعرفني؟ فيقول: لا، والله ما أعرفك، منْ أنْتَ؟ فيقول: أنا الذي مَرَرْتَ بي في الدُّنيا فاسْتَسْقَيْتَني شَرْبةً منْ مَاءً فَسَقَيْتُكَ، قال: قَدْ عَرَفْتُ، قال: فاشْفَعْ لي بهَا عِنْدَ رَبِّكَ" قال: "فَيَسْألُ اللهَ ، فَيَقُولُ: يا رب إنِّي أشْرَفْتُ على النَّارِ فَنَادَاني رَجُلٌ منْ أهْلِها، فقال: هَلْ تَعْرفُني؟ قُلْتُ: لا والله، ما أعرفك، منْ أنْتَ؟ قال: أنا الّذي مَرَرْتَ بي في الدُّنيا فاسْتَسْقَيْتني شَرْبةً منْ ماء، فَسَقَيْتُكَ فاشْفَعْ لي عِنْدَ ربِّكَ، فَشَفِّعْني فيه، فَيُشَفِّعه اللهُ، فَيَأمُرُ اللهُ بهِ فيُخْرجُ منَ النَّارِ" (١). أنبأنا أبو طالب طاهرٌ الفقيه، أنبأنا أبو عبد الله الصفّار الأصْبَهَانيّ، حدّثنا أبو قَبيصَةَ، محمّد بن عبد الرحمن بن عُمارَة بن القَعْقَاعِ الضَّبِّيُّ الأصْبَهانيُّ البَغْدَاديّ، حدّثنا أحمدُ بن عِمْرَان الأخنسيُّ، سمعتُ أبا بكر بن عيَّاشٍ [جار ابن هارون يُحدِّثُ]، عن سُلَيْمانَ التَّيْميِّ (٢)، عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يَجْمعُ اللهُ أهْلَ الْجَنَّةِ صُفُوفًا، وَأهْلَ النارِ صُفُوفًا، فيَنْظُرُ الرَّجُلُ منْ صفُوفِ أهْلِ النَّارِ إلى رَجُلٍ منْ صُفُوفِ أهْلِ الْجنّةِ، فيَقُولُ: يا فُلانُ، مَا تَذكُرُ يَوْمَ اصْطَنَعْتُ إليْكَ في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا؟ فيَقُولُ: يا رَبِّ إن هَذَا اصْطَنَعَ إليَّ في الدُّنْيا مَعْرُوفًا، فيُقالُ: خُذْ بِيَدِهِ، وَأدْخِلْهُ الْجنّةَ" قال أنس: أشْهدُ لسمعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُهُ. قال: وكذا رواه السَّمعاني، عن أحمد بن عِمْران، والله أعلم (٣). حديث فيه شفاعة الأعمال لصاحبها عند الله يوم القيامة قال عبدُ الله بن المبارك: حدّثنا رِشدِينُ بنُ سَعْد، عن حُيَىّ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ، عن عبد الله بن عمرو، قال: "إنَّ الصِّيامَ والقُرآن لَيَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ" قال: "يقول الصِّيامُ: رَبِّ مَنَعْتُهُ الطعامَ، وَالشرابَ، وَالشَهَوَاتِ بالنَّهَارِ، فَشَفِّعْني [فِيه]، ويَقُولُ القرآن: مَنَعْتُهُ النّوْمَ باللّيْلِ فَشَفِّعْني فيهِ" (٤).

стр. 8146

ورَوى نُعَيْمُ بنُ حمَّاد، عن إبراهيم بن الحَكم بن أبان، عن أبيه، عن أبي قِلابةَ، قال: كان ابنُ أخي يَتَعاطَى الشَّرابَ، فمَرِضَ، فبَعَثَ إليَّ ليْلًا أنِ الْحَقْ بي، فأتَيْتُهُ، فَرَأيْتُ أسْوَدَيْنِ قَدْ دنوا مِنْهُ، فقلتُ: إنَّا للهِ وإنا إليه راجعون، هَلَكَ ابنُ أخي، فاطَّلَع أبْيَضانِ مِن الكُوَّةِ الّتي في البَيْتِ، فقال أحَدُهُما لِصَاحِبِهِ: انْزِلْ إلَيْهِ، فلَمَّا نَزَلَ تَنَحَّى عَنْهُ الأسْوَدَانِ، فَشَمَّ فَاهُ، فقال: ما أرى فيه ذِكْرًا، ثمَّ شَمَّ بَطْنهُ، فقال: ما أرى فيه صيامًا، ثُمَّ شَمَّ رِجْلَيْهِ فقال: ما أرى فيهما صَلاةً، فقال له صاحبه: إنَّا للهِ وَإنَّا إليْهِ رَاجعُونَ، رَجُلٌ منْ أُمَّةِ مُحمِّدٍ ﷺ لَيْسَ لَهُ منَ الْخَيْرِ شَيْءٌ؟ وَيْحَكَ، عُدْ فَانْظُرْ، فَعادَ فنظر فلَمْ يَجِدْ شَيْئًا. فنزلَ الآخَرُ، فشَمَّ، فلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، ثُمَّ عَادَ، فإذَا في طَرَفِ لِسَانِه تَكْبيرةٌ في سَبيلِ اللهِ، قَالَها ابْتَغاءَ وَجْهِ اللهِ بأنْطاكيةَ، فَقَبضُوا رُوحَهُ، فَشَمُّوا في البَيْتِ رَائحَة المِسْكِ، وَشَهدَ الناسُ جَنازَتُهُ. حديثٌ غريبٌ جدًّا. قال العلاّمة أبو [عبد الله] محمد القُرْطبيّ في "التذْكِرَة": وخرج أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم بن محمّد الخُتَّلىّ في كتاب "الدِّيباج"، له: حدّثنا أحمد بن أبي الحارث، حدّثنا عبد المجيد بن أبي روَّاد، عن معمر بن راشد، عن الْحكم بن أبانٍ، عن عِكرَمَةَ، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فرغ اللهُ منَ القضاء بَينَ خَلْقِهِ، أخْرَجَ كِتابًا منْ تَحْتِ العَرشِ: إن رَحْمتي سَبَقتْ غَضَبي، وأنا أرْحمُ الرَّاحِمينَ" قال: "فيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مثلَ أهْلِ الْجنَّة -" أو [قال]: "مِثْلي أهْلِ الْجَنَّة" قال: وأكثر ظنِّي أنَّهُ قال: "مِثْلَ أهل الْجنَّة - مكتوب بَيْنَ أعْيُنِهِمْ: عُتَقَاءُ اللهِ" (١). وروى الترمذيُّ، عن أنس، مرفوعًا: "يقول الله تعالى: أخْرِجُوا منَ النَّارِ منْ ذَكَرَني يَوْمًا، أوْ خَافَني في مَقامٍ" وقال: حسن غريب (٢). وله عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهمَا، فقال الرَّبُّ تَعالَى: أخْرِجُوهما، فلمَّا أُخْرِجَا قالَ لَهُمَا: لأيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا؟ فقالا: فَعَلْنا ذَلِكَ لِتَرْحمَنا، قالَ: إنَّ رَحْمَتي لَكُمَا أنْ تَنْطَلِقَا، فَتُلْقِيَا أنْفُسَكُما حَيْثُ كُنْتُما مِنَ النَّارِ، فيَنْطَلِقَانِ فَيُلْقي أحَدُهُما نَفْسَهُ فَيَجْعَلُها عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلامًا، وَيقُومُ الآخَرُ، فَلا يُلْقي نَفْسَهُ، فيَقُولُ الرَّبُّ تَعَالى: مامَنَعكَ اْنْ تُلْقيَ بِنَفْسِكَ، كما ألْقَى صَاحِبُكَ؟ فيقول: رَبِّ إنِّي لأرْجُو ألّا تُعيدني فيهَا بَعْدَ ما أخْرَجْتني منها، فيقُولُ الرّب: لَكَ رَجاؤُكَ، فيَدْخُلانِ الْجنَّةَ جَميعًا برحْمَةِ اللهِ" (٣).

стр. 8147

في إسناده ضَعْفٌ لِحَال رِشْدينَ بْنِ سَعْدٍ، عن ابنِ أنْعُم، وَهُمَا ضَعيفَانِ، وَلكنْ يُغْتَفرُ رِوَايةُ هَذَا في هَذَا الْبَابِ لأنه مِنَ التَّرْغيبِ وَالتّرْهِيبِ، واللهُ أعْلَمُ. وقال عبدُ الله بن المبارك: حدّثنا رِشْدينُ بنُ سَعْدٍ، حدّثنا أبو هانئٍ الْخَوْلانيُّ، عن عَمْرٍو بن مَالِكِ الجَنْبيِّ: أنَّ فضالةَ بن عبيد، وعُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ حَدَّثَاهُ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذَا كانَ يَوْمُ القِيَامةِ، وَفرَغَ اللهُ منْ قَضَاءِ الْخَلْقِ فيَبْقَى رَجُلان، فيُؤْمَرُ بِهمَا إلى النّارِ، فيَلْتَفِتُ أحَدُهُما، فيقُولُ الْجَبَّارُ: رُدُّوهُ، فيَرُدُّونَهُ، فيقُولُ له: لِمَ الْتَفَتَّ؟ فيَقُولُ: كُنْتُ أرْجُو أنْ تُدْخِلَني الجَنَّةَ، فيُؤْمَرُ بهِ إلى الْجَنَّةِ، فيَقُولُ: لَقَدْ أعْطَاني رَبِّي حتَّى لوْ أنّي أطْعَمْتُ أهْلَ الْجَنّةِ مَا نَقَصَ ذَلِكَ ممَّا عِنْدي شَيْئًا" وَكانَ رسولُ الله ﷺ إذا ذَكَرَهُ يُرَى السُّرُورُ في وَجْهِهِ (١). فصل في أصحاب الأعراف قال الله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ … ﴾ الآيات [الأعراف: ٤٦ - ٤٧] قال ابن عباس وغيره: الأعْرافُ: سورٌ بين الجَنّةِ وَالنَارِ وعليه رجال يعرفون أهل الجنة وأهل النار. وقال الشعبيّ، عن صِلَة بن زُفَر، عن حُذَيفَةَ، قال: أصْحَابُ الأعْرَافِ قَوْمٌ تَجَاوَزَتْ بِهمْ حَسَناتُهُمْ عن دخول النار، وَقصُرَتْ بهمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الجَنّةِ ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فبَيْنما هُمْ كَذَلك، إذْ طَلَعَ عَلَيْهمْ رَبُّكَ ، فقال: قومُوا فادْخُلُوا الجَنَّةَ، فإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ". رواه البيهقيّ (٢) من وجه آخر عن الشعبيّ، عن حُذيفةَ مرفوعًا، وفيه نظر. وقال سُفْيانُ الثّوْريّ، عن حَبيبِ بن أبي ثَابتٍ، [عن مجاهد]، عن عبد الله بن الحارث بن نَوْفَل، قال: أصْحابُ الأعْرَافِ رِجَالٌ تَسْتَوِي حَسَناتُهُمْ، وسَيّئاتُهُمْ، فَيُذْهبُ بهمْ إلى نَهْرٍ يُقالُ لَهُ: الْحَيَاةُ، تُرْبتُه وَرْدٌ وَزَعْفَرانٌ، وحَافَتَاهُ قَصَبٌ منْ ذَهَبٍ، مُكَلَّل باللُّؤْلُؤ، فَيَغْتَسِلُونَ فيه [فَيَبْدُو في نُحُورِهِمْ شَامَةٌ بيضاء، ثُمَّ يَغْتَسلُونَ] فيَزْدَادُونَ بَياضًا، ثُمَّ يقال لَهُمْ: تَمَنَّوْا مَا شِئْتُمْ، فَيَتَمّنونَ ما شاؤوا، فيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ ما تَمَنَّيْتُمْ سَبْعينَ مَرَّةً، فأُولَئكَ مَسَاكينُ أهل الْجنّةِ (٣).

стр. 8148

وقد وَرَدَتْ أحاديثُ فِيهَا غَرَابةٌ في شَأنِ أصْحَابِ الأعْرَافِ، وَصِفَاتِهِمْ، تَرَكْنَاهَا لِضَعْفِهَا، والله أعلم. ذكر آخر من يخرج من النار ثبت في "صحيح مسلم" من حديث أبي هُرَيْرَةَ أنَّ نَاسًا قالُوا لِرسولِ الله ﷺ : يا رسولَ الله، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هَلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ القمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟ " قالوا: لا، يا رسولَ الله، قال: "هَلْ تُضَارُّونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ " قالوا: لا، قال: "فإنكمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ. يَجْمعُ اللهُ الناسَ يَوْمَ القِيَامةِ، فيَقُولُ: منْ كانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَبعُ منْ كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيتَّبِعُ منْ كانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبعُ منْ كان يَعْبُدُ الطَّوَاغيتَ الطَّوَاغيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافقُوها، فَيَأتِيهم اللهُ ﵎ في صُورَةٍ غَيرِ صُورَتِهِ التي يَعْرفُون، فيقُولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيقُولُونَ: نَعُوذُ باللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حتّى يأتينا رَبُّنَا، فإذا جَاءَ رَبُّنا عَرَفْناهُ، فيَأتيهمُ اللهُ في صُورتِهِ التي يَعْرفُونَ، فيقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فيقُولُونَ: أنْتَ رَبُّنا، فيتّبِعُونَهُ، وَيُضرَبُ الصِّراطُ بينَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فأكُون أنا وأمتي أوَّلَ منْ يُجيزُ، وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئذٍ إلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمئذٍ: اللّهُمَّ سَلِّم، سَلِّمْ، وفي جَهنمَ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعدَانِ، هَلْ رَأيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ " قالوا: نَعَمْ، يا رسول الله، قال: "فإنَّها مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يَعْلم قَدْرَ عِظَمِهَا إلَّا الله تَعَالَى، تَخْطَفُ الناسَ بأعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ المُوثقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ المُجَازَى حتّى يَنجُو، حَتّى إذَا فَرَغَ اللهُ منَ الْقَضاء بَيْنَ العِبَادِ، وأرَادَ أنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ منْ أرَادَ منْ أهْلِ النارِ، أمَرَ الْمَلائكةَ أنْ يُخْرِجُوا منَ النارِ منْ كَانَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيئًا مِمَّنْ أرَادَ اللهُ أنْ يَرْحَمهُ مِمَّنْ يَقُولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، فيَعْرِفونَهُم في النَّارِ، يَعْرِفُونَهُمْ بِأثَرِ السُّجُودِ، تَأكُلُ النَّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إلَّا أثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللهُ على النَّارِ أنْ تَأكُلَ أثَر السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ منَ النَّارِ قَدِ امْتَحشُوا، فيُصَبُّ عَلَيْهمْ منْ مَاء الْحَيَاةِ فيَنْبتُونَ [مِنْهُ] كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ، ويَفْرُغُ اللهُ منَ القَضَاء بين العِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبل بِوَجْهِهِ على النّارِ، وَهُوَ آخِرُ أهْلِ النَّارِ دُخُولًا إلى الْجنَّةِ، فيَقُولُ: أيْ رَبِّ، اصرفْ وَجْهي عنِ النَّارِ، فإنَّهُ قد قَشَبني (١) رِيحُهَا، وأحْرَقني ذَكاؤُهَا (٢) فيَدْعُو اللهَ ما شاء أنْ يَدعُوَه، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ: هَلْ عَسَيْتَ إنْ أعْطيتك ذَلِكَ [أنْ] تَسْألَني غَيْرَهُ؟ فيقُولُ: لا أسْألُك غيْرَهُ، وَيُعْطي رَبَّهُ منْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ ما شَاء، فيَصْرفُ وَجْهَهُ عنِ النَّارِ، فإذا أقْبَلَ على الْجَنَّةِ ورآها سكَتَ ما شَاءَ اللهُ أنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أيْ رَبِّ قَدِّمْني إلى بَابِ الْجنَّةِ، فيقُولُ اللهُ: ألْيسَ قدْ أعْطَيْتَ عُهُودَكَ ومَوَاثيقَكَ ألّا تسْألَني غَيْرَ الّذِي أُعْطيتَ؟ وَيْلَكَ يا ابْنَ آدَمَ، مَا أغْدَرَكَ!

стр. 8149

فيقولُ: أيْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللهَ حتَّى يَقُولَ لهُ: فهَلْ عَسَيْتَ إنْ أعطيتك ذلك أنْ تَسْألَني غيرَه؟ فيقول: لا، وَعِزَّتِكَ، فيُعْطي رَبَّهُ ما شَاءَ منْ عُهُودٍ ومَوَاثيقَ، فيُقَدِّمُهُ إلى بابِ الْجنَّةِ، فإذا قامَ على بَابِ الْجَنَّةِ انْفَهَقَتْ (١) لهُ الجَنَّةُ فَرَأى ما فيها منَ الخَيْرِ، وَالسُّرُور، فيَسْكُتُ ما شاءَ اللهُ أنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أيْ رَبِّ أدْخِلْني الجَنَّةَ، فيقولُ الله تعالى: ألَيْسَ قدْ أعْطَيْتَ عُهُودكَ ومَوَاثيقَكَ ألًا تَسْألَني غيْرَ ما أُعْطيتَ، وَيْلَكَ يا ابْنَ آدمَ، ما أغْدَرَكَ! فيقول: يا رَبِّ لا أكُونُ أشْقَى خَلْقِكَ، فلا يَزَالُ يَدْعُو الله تَعالى، حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ منه، فإذا ضَحِكَ [اللهُ] مِنْهُ قال: ادْخُلِ الجَنَّةَ. فإذا دَخَلَها قال اللهُ له: تَمنَّهْ. فيَسْألُ الله وَيَتمنَّى، حتَّى إنَّ اللهَ لَيُذكِّرُهُ منْ كذا وكذا، حتَّى إذا انْقَطَعتْ بِهِ الأمَانيّ، قال الله: لكَ ذلِكَ ومِثْلُهُ مَعَهُ". قال عطاء بنُ يَزيدَ: وأبو سعيدٍ الخُدْريُّ مَعَ أبي هُرَيْرَةَ لا يَرُدُّ عَليْهِ شَيْئًا منْ حَديثِهِ، حتَّى إذا حدَّثَ أبُو هُرَيْرَةَ: أن اللهَ قالَ لِذَلِكِ الرَّجُلِ: "وَمِثلُهُ مَعَهُ" قالَ أبُو سَعيدٍ: "وَعَشرةُ أمْثَالِهِ معه" يا أبا هُرَيْرَةَ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إلَّا قولَهُ: "ذلكَ لك ومِثْلُهُ مَعَهُ" فقال أبو سعيدٍ: أشْهَدُ أنّي حَفِظْتُ منْ رسولِ الله ﷺ قولَهُ: "ذلكَ لكَ وَعَشرةُ أمْثَالِهِ". قالَ أبو هُرَيْرَةَ: "وذلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أهْلِ الْجنَّةِ دُخُولًا الجَنَّة". هذا لفظُ مسلم. ثم ساقه من طريق عبد الرزّاق، عن مَعْمر، عن هَمَّامٍ، عن أبي هريرة (٢). ثم أورد الحديث من رواية عطاءَ بن يَسَارٍ، وغيره، عن أبي سَعيدٍ، فساقه بطولِه نحوه، وفيه: أنَّهُ يُعْطى ذلك وعَشَرَة أمثالِهِ، وفي بعض سياقاته: أنّهُ ينتقل منَ النَّارِ إلى بَابِ الجَنَّةِ في ثَلاثِ مَرَاحِلَ، كل مَرْحلةٍ يَجْلسُ تَحْتَ شَجَرَةٍ، كلُّ وَاحدَةٍ هي أحْسَنُ منْ أُخْتِهَا الَّتي قَبْلَها (٣). وكذلك رواه مسلم أيضًا، من حديث ابن مسعود، وفيه: "وعَشَرَةُ أمْثالِهِ" كما حَفِظَه أبو سَعيدٍ، والله أعظم وأكرم وأرأف وأرحم. وهكذا رواه البخاريّ، عن ابن مسعود، فقال: حدّثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ، حدّثنا جَريرٌ، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَبيدَةَ، عن عَبْدِ الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إنِّي لأعْلَمُ آخرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْها، وَآخِر أهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُل يَخْرُجُ منَ النَّارِ حَبْوًا، فيَقول اللهُ له: اذْهَبْ

стр. 8150

فادْخُلِ الجَنَّةِ، فيَأْتيهَا، فيُخَيَّلُ إليْهِ أنَّها مَلأَىْ، فيَرْجِعُ، فيقُولُ: يا رَبِّ، وَجَدْتُها مَلأَى، فيقُولُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجنَّةَ، فيَأتِيهَا فيُخَيَّلُ إليْهِ أنَها مَلأَى، فيَرْجِعُ، فيقُولُ: يا رَبِّ، وَجَدْتُها مَلأى، فيقُولُ: اذْهَبْ، فَادْخُلِ الْجنَّةِ، فإنّ لك مِثْلَ الدُّنْيا وَعَشَرَةَ أمْثَالِهَا، أوْ إنَّ لك مِثْل عَشَرَةِ أمْثَالِ الدُّنْيا، فيَقُولُ: أتَسْخرُ بي أوْ تَضْحكُ منِّي، وأنْتَ الْمَلِكُ؟ " فَلَقدْ رَأيْتُ رسول الله ﷺ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وكانَ يُقالُ: ذَلِكَ أدْنَى أهْلِ الْجنَّةِ مَنْزِلة (١). فصل روى الدّارقطنى في كتابه " الرّواة عن مالك " والخطيب البغداديّ، من طريقٍ غَريبةٍ، عن عبد الملك ابن الْحَكَم: حدّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمَر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن آخِرَ منْ يَدْخُلُ الْجَنَةَ رَجُل منْ جُهَيْنة، يُقَالُ لَهُ: جُهَيْنة، فيَقُولُ أهْلُ الْجَنَّةِ: عِنْدَ جُهيْنَةَ الْخَبرُ اليَقينُ، سَلُوهُ: هَلْ بَقيَ في النار أحدٌ من الخلائق؟ ". وَهَذا الْحَديثُ لا تَصِحّ [نِسْبَتُهُ] إلى الإمامِ مالِكٍ، لِجَهَالةِ رُوَاتِهِ عنه، وَلوْ كانَ مَحْفُوظًا منْ حَديثِهِ لَكانَ في كُتُبهِ الْمَشْهُورةِ عَنْهُ، ك" الموَطَّأ " وَغَيْرِهِ ممّا رواه عنه الثقَاتُ. والْعَجبُ أنَّ القُرْطبي ذكره في " التَّذكرة "، وجزم به، فقال: قال ابنُ عمر: قال رسولُ الله ﷺ : "آخرُ منْ يَدْخُلُ الْجنَّةَ رَجُلٌ منْ جُهَيْنةَ، يُقالُ لَهُ: جَهَينةُ، فيقُولُ أهْلُ الْجنَّةِ: وَعِنْدَ جُهَيْنةَ الْخَبرُ اليَقينُ " (٢). وكذلك ذكره السُّهَيْليّ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ، وحَكى السُّهَيْلى قولًا آخر: أنّ اسْمَه هَنَّاد، فالله أعلم. وقال مُسلم: حدّثنا مُحمّدُ بنُ عبد الله بن نُمَيْر، حدّثنا أبِي، حدّثنا الأعْمَشُ، عن المَعْرُورِ بن سُوَيْدٍ، عن أبي ذَرّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنِّي لأعْلَمُ آخِرَ أهْلِ الجنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وَآخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا منْهَا: رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ القيَامَةِ، فيُقالُ: اعرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَها، فتُعْرضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كذا وكذا، كذا وكذا، وعَمِلْتَ يَوْمَ كذا وكذا، كذا وكذا، فيقول: نَعَمْ، لا يَسْتَطيعُ أنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفقٌ منْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أنْ تُعْرضَ عَلَيْهِ، فيُقالُ لهُ: فإن لك مَكانَ كلِّ سَيِّئة حَسَنةً، فيَقولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أشْياءَ لا أرَاهَا هَاهُنا! " فَلَقدْ رَأَيْتُ رسولَ الله ﷺ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُه (٣). وقال الطبرانيّ: حدّثنا عبدُ الله بنُ سعد (٤) بن يحْيَى الرَّقِّيُّ، حدّثنا أبو فَرْوةَ يَزيدُ بنُ محمّد بن

стр. 8151

سِنَانِ الرُّهاويُّ، حدّثني أبي، عن أبيه، حدّثني أبو يَحْيَى الكَلاعِيّ، عن أبي أُمَامَةَ، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ آخِرَ رَجُل يَدخُلُ الْجنَّةَ رَجُلٌ يَتَقلَّبُ على الصِّرَاطِ ظهْرًا لِبَطْنٍ، كالْغُلامِ يَضْرِبُهُ أبُوهُ، وهُوَ يَفرُّ منْهُ، يَعْجِزُ عَنْهُ عَمَلُهُ أنْ يَسْعَى، فيقُولُ: يارَبِّ بَلَّغْ بي الْجَنَّةَ وَنَجِّني مِنَ النَّارِ، فيُوحي اللّهُ إليْهِ: عَبْدي، إنْ أنا نَجَّيْتكَ مِنَ النَّارِ، وَأدْخَلْتُكَ الجَنَّةَ، أتَعْترِفُ لي بِذُنُوبكَ وَخَطاياكَ؟ فيَقُولُ العَبْدُ: نَعَمْ يا رَبِّ، وَعِزتِكَ وَجلالِكَ، إنْ نَجَّيْتَني من النَّارِ لأعْتَرِفنَّ لكَ بِذُنُوبي وَخَطاياي، فيَجُوزُ الجِسْرَ، وَيقُولُ الْعَبْدُ فيمَا بَيْنهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ: لئنِ اعْتَرَفْتُ لهُ بِذُنُوبي وَخَطاياي لَيَرُدَّني في النَّارِ، فيُوحي اللّهُ إليْهِ: عَبْدي، اعْتَرِفْ لي بذُنُوبكَ وَخَطاياكَ أغْفِرْها لك، وَأُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، فيَقُولُ الْعَبْدُ: لا وَعِزتِكَ وَجَلالِكَ، ما أذْنَبتُ ذَنْبًا قَطُّ، ولا أخطأْتُ خَطِيئةً قطُ، فيُوحِي اللّهُ إليْهِ: إنَّ لي عَلَيْكَ بيّنةً، فيَلْتَفِتُ يَمينًا وشِمَالًا، فلا يَرَى أحدًا، فيَقُولُ: يا رَبِّ، أرِني بَيِّنَتَكَ، فيَسْتَنْطقُ اللّهُ جلْدَهُ بالمُحَقَّراتِ، فإذا رَأى ذلِكَ العَبْدُ يَقُولُ: يا رَبِّ، عِنْدي وَعِزَّتِكَ العَظائِمُ، فيُوحي اللهُ إليْهِ، عَبْدي أنا أعْرَفُ بها منْكَ، اعْتَرِفْ لي بهَا أغْفِرْها لك وَأُدْخلكَ الجنَّةَ، فيَعْتَرفُ العَبْدُ بِذُنُوبِهِ، فيُدْخلُه الجَنَّةَ" ثمَّ ضَحِكَ رسولُ اللّهِ ﷺ حتَّى بَدَتْ نَوَاجذُهُ، يقُولُ: "هَذا أدْنى أهْلِ الْجنَّةِ مَنْزلة، فكَيْفَ بِالَّذي فَوْقَهُ" (١). وقال الإمام أحمد: حدّثنا حسن بن موسى، حدَّثنا سلَّامٌ، يعني ابنَ مِسكين، عن أبي ظِلال، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: " إن عَبْدًا في جَهنَّمَ لَيُنادي ألْفَ سنةٍ: يا حَنَّانُ، يا مَنَانُ " قال: " فيقُولُ الله لِجبْريلَ: اذْهَبْ فَأتني بِعَبْدي هذا، فيَنْطَلقُ جبْريلُ فيَجدُ أهْلَ النَّارِ مُنْكبِّينِ يَبْكونَ، فَيَرْجِعُ إلى رَبهِ، فيُخْبرُهُ، فَيَقُولُ: اذهب فأتِني بهِ، فإنَّهُ في مَكَانِ كذا وكذا، فَيَجيءُ بِهِ، فيُوقِفُهُ على رَبِّه فيقُولُ لهُ: يا عَبْدي، كَيْفَ وَجَدْتَ مَكانَكَ ومَقيلَكَ؟ فيقول: يا ربِّ، شَرَّ مَكانٍ، وشَرَّ مَقيلٍ، فيقُولُ: رُدُّوا عَبْدي، فيقُولُ: يا رَبِّ، ما كُنْتُ أرْجُو إذْ أخْرَجْتني مِنْها أنْ تَرُدَّني فيهَا، فيَقُولُ: دَعُوا عَبْدي ". انفرد به أحمد (٢). وقال الإمامُ أحمدُ: [حدّثنا عفان]، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمة، حدَّثنا ثابت وأبو عِمْرَان الجَوْنيّ، عن أنس بن مالك، أنَّ رسول الله ﷺ قال: " يَخْرُجُ أرْبَعةٌ منَ النَّارِ " قال أبو عِمْرانَ: " أرْبَعةٌ " وقال ثابت: " رَجُلانِ -فَيُعْرَضُونَ على اللّهِ ثمَّ يُؤْمر بهمِ إلى النَّارِ، فَيَلْتفتُ أحَدُهُمْ فيَقُولُ: أيْ رَبِّ، قَدْ كُنْتُ أرْجُو إذْ أخْرَجْتني مِنْها ألّا تُعيدَني فِيها، فيُنَجِّيهِ اللّهُ منها ". وهكذا رواه مسلم من حديث حمَّاد بن سَلَمة، به (٣).

стр. 8152

وقال عبد الله بن المبارك: حدّثني رِشْدينُ بنُ سَعْدٍ، حدّثني ابنُ أنعُم، عن أبي عُثْمانَ: أنَّهُ حَدّثَه عن أبي هُرَيرةَ، عن رسولِ الله ﷺ ، قال: " إن رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخلَ النَّارَ يَشْتدُّ صِيَاحُهُمَا، فقال الربّ ﷻ : أخْرِجُوهُما، فَأُخْرِجَا، فقال لهما: لأيِّ شَيْءٍ أشْتَدَّ صِيَاحُكُما؟ قالا: فعَلْنا ذَلِكَ لِتَرْحمَنا، قالَ: رَحْمتي لَكُما أنْ تَنْطِلقا فتُلْقيا أنْفُسكُما حَيْثُ كُنْتما منَ النَّار " قال: " فيَنْطَلِقانِ، فَيُلْقي أحَدُهما نَفْسَهُ، فيجْعَلُها اللّهُ عليه بَرْدًا وسَلامًا، ويَقُومُ الآخَرُ، فلا يُلْقي نَفْسَهُ، فيَقُولُ لَهُ الرَّبّ تَعالى: ما منَعَكَ أنْ تُلْقيَ نَفْسكَ، كما ألْقَى صَاحِبُك؟ فيقول: رَبِّ إنّي أرْجوكَ ألّا تُعيدَني فِيها بعدَ ما أخْرَجتني مِنْها، فيقُولُ الرَّبُّ: لكَ رَجاؤُكَ، فَيَدْخُلانِ جَميعًا الجَنَة برحْمَةِ الله " (١). وذكر بِلالُ بْنُ سَعْدٍ في خُطبته: أنَّ الله تعالى إذا أمَرَهُما بالرُّجُوعِ إلى النَّارِ يَنْطَلقُ أحَدُهما في أغْلالهِ وَسَلاسِلِه حتَّى يَقْتَحمَهَا، ويتلكَّأ الآخَرُ، فيَقُولُ اللّهُ تَعالى للأوَّلِ: ما حَمَلكَ على ما صَنَعْتَ؟ فيقول: إني خبَرت منْ وَبَالِ مَعْصيتِك ما لمْ أكُنْ أتَعَرَّضُ لِسَخطِكَ ثَانيًا، ويَقُولُ لِلآخَرِ: ما حملك على أن تلكَّأت؟ فيقول: حُسْنُ ظَنِّي بكَ إذْ أخْرَجتني منْها ألّا تُعيدَني إليْهَا، فيَرْحَمهُما اللهُ تَعَالى، وَيُدْخِلُهُمَا الجَنَّةَ. فصل إذا خرج أهْلُ المَعاصي من النار، فَلَمْ يَبْقَ فيهَا غَيْرُ الكافرين، فإنهم لا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، ولا خُرُوجَ لَهُمْ منْها، ولا مَحيدَ لَهُمْ عنها، بلْ هُمْ خَالِدُونَ فيها أبدًا، وَهُم الَّذينَ حَبَسهُمُ القُرآنُ، وَحُكِمَ عَلَيْهمْ بالْخُلُودِ، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الاحزاب: ٦٤ - ٦٥] وقال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]. فهذه ثلاثُ آيات، فيهنّ الحكمُ عَلَيْهمْ بالخُلودِ في النار أبدًا، ليس لَهُنَّ رَابعةٌ مِثْلُهن في ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]. فقد تكلّم ابنُ جرير وَغَيْرُه منَ المُفسّرين على هذه الآية بكلام يطول بَسْطه، وجَاءَتْ آثارٌ عن

стр. 8153

الصّحابة غَريبةٌ، وورَدَتْ أخبارٌ عَجيبةٌ، وللكلام على ذلك مَوْضِع آخرُ لَيْسَ هذا مَوْضعُه، واللّه أعلم، وأحكم وأكرم. وقد قال الإمام أحمد: حدّثنا إبراهيمُ بنُ إسحاق، حدّثنا ابنُ المبارك، عن عمر بن محمَّد بن زيد، حدّثني أبي، عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " إذا صَارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الْجنَّةِ، وأهْلُ النَّارِ في النَّارِ، جيءَ بالمَوْتِ حتَّى يُوقَفَ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّار، ثمَّ يُذْبِحُ، ثمَّ يُنادي مُنَادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُود ولا مَوْتَ، ويا أهْلَ النَّارِ خُلودٌ ولا مَوْتَ، فَازْدَادَ أهْلُ الجنَّةِ فرَحًا إلى فَرَحِهِمْ، وَازْدَادَ أهْلُ النَّارِ حُزْنًا إلى حُزْنِهمْ ". وهكذا رواه البخاريّ، عن مُعاذ بن أسَدٍ، عن عبد الله بن المُبارك، به، مثلَه (١). وقال أحمدُ: حدَّثنا غَسّان بنُ الرَّبِيعِ؛ موصلي، حدّثنا حمّاد بنُ سَلَمة، عن عاصمِ بن بَهْدَلةَ، عن أبي صَالِح، عنْ أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: " يُؤْتى بالمَوْتِ كَبْشًا أغبر (٢)، فيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقالُ: يا أهْلَ الْجنَّةِ، فَيَشْرَئبُّونَ، وَيَنْظُرُونَ، ويُقالُ: يا أهْلَ النَّارِ، فيَشْرَئبُّونَ، ويَنْظرُونَ، ويُرَوْنَ أن قدْ جَاءَ الفَرَجُ، فَيُذْبحُ، فيُقالُ: خُلودٌ ولا مَوْتَ ". وهذا إسناد غريب من هذا الوجه (٣). وقال الإمام أحمد: حدّثنا يزيدُ وابن نُمَيْرٍ، قالا: حدّثنا محمد بنُ عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يُؤْتَى بالمَوْتِ يَوْم الْقِيامَةِ فَيُوقَفُ على الصِّرَاطِ، فيُقالُ: يا أهْلَ الْجَنَّةِ، فيطلِعُون خَائِفينَ وَجِلينَ أنْ يُخْرجوا -" وقال يزيد: "أنْ يَخْرُجُوا- منْ مَكَانِهِم الَّذي هُمْ فِيهِ، فيُقالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قالوا: نعم، رَبُّنا، هذا الموتُ، ثمَّ يُقالُ: يا أهْلَ النَّارِ، فيطَّلعُونَ فرحينَ، مُسْتَبْشرينَ أنْ يُخْرَجُوا منْ مَكانِهِمُ الَّذي هُمْ فيهِ، فيُقالُ: هَلْ تَعْرفُونَ هَذا؟ قالوا: نعم، هذا المَوْتُ، فيُؤْمر به فيُذْبح على الصِّراطِ، ثمَّ يُقالُ لِلْفَريقين كِلَيْهما: خُلُودٌ فيما تَجِدُونَ، لا مَوْتَ فيه أبدًا ". إسناده جيِّد قَوي على شرط الصحيح، ولم يُخْرِجْهُ أحدٌ منْ هذا الوجه (٤). وقال البزّار: حدَّثنا بِشْرُ بن آدم، حدَّثنا نافعُ بنُ خالدٍ الطَّاحي، حدَّثنا نُوحُ بنُ قَيْس الطَّاحِي، عن أخيه خالد بن قيس، عن قتادةَ، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: " يُؤتَى بالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ فيُوقفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنارِ، فَيُذْبحُ، فَيُقالُ: يا أهْلَ الْجَنَّةِ، خُلودٌ ولا مَوْتَ، ويا أهْلَ النَّارِ خُلودٌ،

стр. 8154

ولا مَوْتَ " ثمَّ قالَ البرارُ: لا نعلَمُه يُرْوَى عن أنسِ إلَّا منْ هذا الوجه، والله سبحانه أعلم (١). ذكر صفة الجنة وما فيها من النعيم المقيم الدائم على الأبد لا يفنى ولا يضمحل ولا يبيد أبدًا، بل كلما له في ازدياد وبهاءَ وحُسنٍ نسأل الله سبحانه الجنة، ونعوذ به من النار قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] والمنقطع ولو بعد ألوف من السنين ليس بدائم. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] والمنقطع ينفد. وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]. فأخبر أن الدنيا وما فيها ينفد، وما عند الله باقٍ لا ينفد، فلو كان له آخِر، لكان ينفَد، كما ينفَد نعيم الدنيا. وقال تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: ٢٥] أي غير مقطوع، قاله طائفة من المفسرين، غير مقطوع، ولا منقوص، ومنه المنون، وهو قطع عمر الإنسان. وعن مجاهد: غير محسوب، وهو مثل الأول، لأن ما ينقطع محسوب مقدَّر، بخلاف ما لا نهاية له. ذكر ما ورد في عدد أبواب الجنَّة واتساعها وعظمة جنَّاتها قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٣ - ٧٤]. وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. وقد تقدّم أن المؤمنين إذا انتهوا إلى باب الْجنّةِ وَجَدُوهُ مُغْلقًا، فَيَسْتشفعُونَ اللهَ تَعالى لِيُفتح لهم بمحمد، فيأتي باب الجنة، ثم يُقعقع حلْقة الباب، فيقُولُ الْخَازِنُ: منْ أنت؟ فيقولُ: محمّد، فيَقُولُ: بكَ أُمِرْتُ ألَا أفْتَحَ لأحَدٍ قَبْلَكَ. وثبت في الصحيح أنَّهُ أوَّلُ شَافِعٍ في الجَنّةِ (٢) وأوَّلُ منْ يُقَعْقِعُ بَابَ الْجَنَّةِ (٣)

стр. 8155

وسيأتي في الحديث أيضًا: " مِفْتاحُ الْجنّةِ لا إلهَ إلَّا اللهُ " (١). وروى الإمامُ أحمدُ، ومسلم، وأهل السنن، من رواية عُقْبةَ بنِ عامِر، وغيره، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "منْ تَوَضّأ فأَحْسَنَ الوُضوءَ، ثمَّ رَفَعَ بَصَرهُ إلى السَّماءِ فقالَ: أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللّهُ وَحْدهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولهُ، فُتِحتْ لَهُ أبوابُ الْجَنَّةِ الثمَانيَة يَدْخُلُ منْ أيُّها شَاءَ " (٢). وقال الإمام أحمد: حدَّثنا عفّان، حدَّثنا بِشرُ بن المفَضّل (٣)، حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ إسحاق، عن أبي حازم، عن سَهْل بن سَعْد، قال: قال رسولُ اللّهِ ﷺ : "إنَّ في الْجَنَّةِ بَابًا يُدْعى الرَّيَّانَ، يُقالُ يَوْمَ القِيَامةِ: أيْنَ الصَّائمُونَ؟ فإذَا دَخَلوهُ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ غَيْرُهُمْ " قال بشْرٌ: فَلَقيتُ أبا حَازِم فَسَألْتُهُ، فَحدّثني بهِ، غَيْرَ أنِّي لِحَديث عَبْدِ الرَّحْمن أحْفَظُ (٤). وقال الطبرانيّ: حدَّثنا يحيى بنُ عُثْمانَ، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مَرْيم، حدَّثنا أبو غَسَّان، عن أبي حازم، عن سَهل بنِ سَعْدٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: " في الجنَّةِ ثَمانيةُ أبْواب، بَابٌ منْهَا يُسمَّى الرَّيَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إلَّا الصَّائمُونَ ". وقد رواه البخاريّ، عن سعيد بن أبي مَريم، به، ورواه أيضًا مسلم، من حديث سُلَيْمان بن بِلالٍ، عن أبي حازم، سَلَمة بن دِينارٍ، عن سَهْل، به (٥). وقال الإمامُ أحمد: حدَّثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهريّ، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللّهِ ﷺ : "منْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ مَالِهِ في سَبيلِ اللّهِ دُعيَ من أبواب الجنة، وللجنة ثمانية أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي منْ بَابِ الصَّلاة، ومَنْ كانَ منْ أهْلِ الصِّيَامِ دُعي منْ بابِ الرَّيَّان، ومنْ كانَ منْ أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ منْ بَابِ الصَّدَقَةِ، ومنْ كَانَ منْ أهْلِ الجِهَادِ دُعيَ منْ بابِ الجِهَادِ " فقال أبو بكر: يا رسولَ اللّهِ ما على أحَدٍ منْ ضَرُورةٍ دُعيَ منْ أيِّها دُعيَ؟ فَهَلْ يُدْعى منْها كُلِّها أحدٌ، يا رسولَ الله؟ قال: " نَعمِ، وأرجُو أنْ تَكُونَ منْهُمْ ". وأخرَجَاهُ في " الصَّحيحيْن " من حَدِيث الزهريّ، به، ولهما من حديث شَيْبَان، عن يَحْيَى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، عن النبىِّ ﷺ ، مثله (٦).

стр. 8156

وقالَ عبد الله بن الإمام أحمد: حدّثنا مُحمد بنُ عبد الله بن نُمَيْر، حدَّثنا إسحاق بن سُلَيْمان، حدَّثنا حَريزُ (١) بن عُثْمانَ، عن شُرحبيلَ بن شُفْعَةَ، قال: لَقيني عُتْبةُ بنُ عَبْدٍ السُّلَميُّ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقولُ: " ما مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوفَّى لَهُ ثَلاثَة منَ الوَلَدِ لمْ يبْلُغُوا الْحنْثَ إلا تَلَقَّوْهُ من أبْوَابِ الْجَنَّةِ الثمَانِيَةِ منْ أيُّها شاءَ دخل ". ورواه ابن ماجه، عن ابن نُمَيْر أيضًا (٢). وروى البيهقى من حديث الوليد بن مُسلم، عن صَفْوَان بن عمرو، عن أبي المُثنَّى المليكى (٣): أنهُ سمع عُتْبَةَ بن عَبْدٍ السُّلَمي، عن النبيِّ ﷺ في حديث ذكره في قِتَال المُخْلِص، والمُذْنِب، والمُنَافِقِ، قال فيه: " وَللجَنَةِ ثَمَانية أبوابٍ، وإن السَّيْفَ مَحَّاءٌ للذنُوبٍ، ولا يمحو النفاق … " الحديث بطوله (٤). وتقدّم الحديث المتفق عليه، [من حديث أبي زُرْعَةَ]، عن أبي هريرة، في حديث الشفاعة، قال فيه: فيقولُ اللهُ: يا مُحمَّد، أدْخِلْ منْ لا حِسَابَ عَلَيْهِ منْ أُمَّتِكَ منَ البَابِ الأيْمَنِ، وَهُمْ شُرَكاءُ النَّاسِ في سائر الأبْوَابِ " وَالَّذي نَفْسُ مُحمَدٍ بِيَدِه إنَّ ما بين المِصْرَاعينِ منْ مَصَاريعِ الْجنَةِ وما بين عِضَادَتي البَابِ، لَكَما بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَر، أو كما بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى " (٥). وفي " صحيح مسلم "، عن خالد بن عُمَيْر العَدَوِيّ: أنَّ عُتْبَة بن غَزْوان خَطَبَهُمْ، فقال بَعْد حَمْدِ الله، وَالثناء عليه: أمَّا بَعْدُ، فإنَّ الدُّنْيا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْم (٦)، ووَلَّتْ حَذَّاء (٧) وإنما بقي منها صُبَابة كصُبَابة الإنَاء يَتَصابُّها صاحبُها، وإنَّكمْ مُنْتَقِلُونَ منْها إلى دارٍ لا زَوالَ لَهَا، فَانتَقِلُوا بِخَيْرِ ما بِحَضْرَتكُمْ، فإنه قدْ ذُكِرَ لَنا أن الْحَجَرَ يُلْقَى منْ شفير جَهَنَّمَ، فيَهْوِي فيهَا سَبْعينَ عَامًا لا يُدْرِكُ لَها قَعْرًا، وَوَاللهِ لتمْلأنَّ، أفَعَجِبْتُمْ؟ ولَقَدْ ذُكِرَ لَنا أن ما بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ منْ مَصَاريعِ الْجنَّةِ مَسيرَةُ أرْبَعينَ سَنَةً، وَلَيَأتين عَلَيْها يَوْمٌ وهو كَظيظٌ منَ الزِّحَامِ، ولقد رأيتُني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قَرِحت أشداقنا، فالتقطتُ بُردة فشققتُها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرتُ بنصفها، واتَّزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني

стр. 8157

أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا، وعند الله صغيرًا، وإنها لم تكن نبوة قط، إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها مُلكًا، فستخبُرُون وتجرِّبون الأمراء بعدي (١). وفي " المسند " من حديث حمَّاد بن سَلَمةَ، عن الجُرَيْرىِّ، عن حَكيم بن مُعَاويةَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " أنْتُمْ آخر الأمم، وأكْرَمُها على اللهِ، وما بَيْنَ مِصْرَاعينِ منْ مَصَاريعِ الْجَنَّةِ مَسِيرةُ أرْبَعينَ عَامًا، وَلَيأتِينَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وإنَّه لكَظيظٌ ". ورواه البيهقيّ من طريق عليّ بن عاصم (٢)، عن سَعيدٍ الجُرَيْريّ، عن حَكيم بن مُعَاويةَ، به، وقال: " مَسيرةُ سَبْعِ سِنينَ " (٣). وقال يعقوب بن سُفْيَانَ: حدَّثنا الفضل بنُ الصَّبَّاح، أبو العبَّاس، حدّثنا مَعْنُ بنُ عِيسى، حدّثنا خالدُ بن أبي بَكْر بن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْد اللّهِ بْنِ عمر، عنْ سالِم بْن عَبْدِ اللهِ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : " بابُ أُمَّتي التي تَدْخُلُ منْهُ الجَنَّةَ عَرْضُه مَسيرةُ الرَّاكِب المُجوِّدِ ثَلاثًا، ثمّ إنَّهُمْ ليُضغَطُونَ (٤) عَلَيْهِ حتَّى تَكَادَ مَناكِبُهمْ تزُولُ". وقد رواه الترمذي من حديث خالد هذا، ثم قال: وسألتُ مُحمّدَ بن إسماعيل البخاريّ عن هذا الحديث، فلم يَعْرفْه، وقال: لخالد بن أبي بكر مَناكيرُ عن سالم (٥). قال البيهقيّ: وحديثُ عُتْبةَ بنِ غَزْوانَ: " أرْبَعينَ سَنةً " أصحُّ. وروى عبد بن حُمَيد في " مسنده " عن الحسن بن موسى الأشيب، عن ابن لهيعة، عن دَرَّاجِ، عنْ أبي الهَيْثَم، عنْ أبي سَعيدٍ، عن رسولِ الله ﷺ ، قال: " إنَّ ما بَيْنَ مِصْرَاعينِ في الْجنَّهِ لَمسيرةُ أرْبَعينَ سنةً " (٦). فأمَّا حَدِيثُ لَقيطِ بنِ عَامِرٍ: أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: " إنَّ لِلنَّارِ سَبْعةَ أبْوَابٍ ما منهن بَابانِ إلَّا يَسيرُ الرَّاكبُ بَيْنَهُما سَبْعينَ عامًا، وكذلك قال في بُعد ما بين أبواب الجنة، فهو حديثٌ مَشْهُورٌ (٧) وحَمَلهُ بَعْضُ العُلْمَاءَ على بُعد ما بين الباب إلى الباب الآخر، لا على ما بين المصراعين اللذَين في باب

стр. 8158

واحد، بل الباب يدور في طول الجدار، كما يدور حول صدور البلد إلى الباب الآخر، لئلا يعارض ما تقدم، [والله أعلم]. وقد ذكر القرطبي وادّعى: أنَّ لِلْجنَّةِ ثَلاثةَ عشر بابًا، ولَكنْ لم يُقمْ على ذلِكَ دَليلًا قويًا أكْثَرَ منْ أنَّهُ قال: وَممَّا يَدُلُّ عَلى أنَّها أكْثَرُ منْ ثَمانيةٍ، حَديثُ عُمر: " منْ تَوضَّأ فقالَ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ " وفي آخِرهِ قال: "فُتحَ لَهُ منْ أبوابِ الجَنَّةِ ثَمانيةُ أبوابٍ يَدْخُلُ منْ أيُّها شَاءَ". أخرجه الترمذيّ، وغير (١). قال: ورَوى الآجُرِّيُّ في كتاب " النصيحة " عن أبي هُرَيْرة مرفوعًا: " إن في الجنَةِ بابًا يُقالُ لهُ: بابُ الضُّحَى، يُنادي منادٍ: أيْنَ الَّذين كانوا يداومُونَ على صلاة الضُّحى، هَذا بَابُكُمْ فادْخُلُوا " (٢) قال: وقالَ الترمذي الحكيم (٣) أبو عبد الله: أبوابُ الجَنَّةِ منْها بابُ مُحمَّد ﷺ ، وهو بابُ التَّوبةِ، وبابُ الصَّلاةِ، وبَابُ الصَّوْمِ، وبابُ الزكاةِ، وبابُ الصَّدقةِ، وبَابُ الْحجِّ، وبابُ العُمْرَةِ، وبابُ الجهادِ، وبابُ الصِّلَةِ، وزاد غيرُه: بابَ الكاظمينَ، وبابَ الراضينَ، والبابَ الأيمن الذي يَدْخُل منْهُ الَّذين لا حِسَابَ عَلَيْهمْ، وجَعَلَ القُرْطبيُّ البَابَ الّذي عرضه مَسيرَةُ ثَلاثَة أيَّام، للرَّاكِب المُجوِّد، كما وَقَعَ عِنْدَ الترمذى (٤) بابًا ثالثَ عَشر، فاللّه أعلم. وقالَ الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ: حدَّثنا إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ، عن عبد اللّهِ بن عَبْد الرَّحْمن بن أبي حُسَيْن، عن شَهْر بنِ حَوْشَب، عن مُعاذِ بن جَبَل، قال: قال رسول الله ﷺ : "مِفْتاحُ الجَنَّةِ شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ" (٥). وفي " صحيح البُخاريّ " قالَ: وَقيل لِوَهبِ بن مُنَبَّه: ألَيْسَ لا إلهَ إلَّا اللّهُ مِفْتاحُ الجَنَّةِ؟ قال: بلى، وَلَكن إنْ جِئْتَ بِمفْتَاح لَهُ أسنانُ فُتحَ لَكَ، وإلَّا لَمْ يُفْتحْ لك (٦) يَعْني: لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعَ التَّوْحيد أعمالٌ صَالِحةٌ منْ فِعْلِ الطَّاعاتِ، وَتَرْكِ المُحَرَّماتِ، واللّه أعلم. وتقدم في حديث علي قال: يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرًا حتى إذا انتهوا إلى أول باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة … وذكر الحديث (٧).

стр. 8159

ذكر تعداد محالّ الجنة وارتفاعها واتّساعها قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٤٦ - ٧٨]. وَثَبتَ في " الصحيحين " منْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزيزِ بنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عن أبي عِمْرَان الجَوْنيّ، عن أبي بَكْرِ بنِ أبي مُوسى الأشْعَريّ، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " جَنَّتَانِ منْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا، ومَا فِيهمَا، وَجَنَّتَانِ منْ فِضة آنِيَتُهُمَا، ومَا فيهما، وما بَيْن الْقَوْمِ، وَبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى ربِّهِمْ إلَّا رِدَاءُ الْكِبْرياءِ على وَجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ " (١). وروى البَيْهقيُّ من حديث مؤمَّلِ بن إسماعيلَ، عنْ حَمَّادِ بنِ سَلَمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي بَكْر بن أبي موسى، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " جَنَتانِ منْ ذَهَبٍ للسَّابِقِينَ، وَجَنَّتانِ منْ وَرِقٍ لأصْحَابِ اليَمِين " (٢). وقال البُخاريّ: حدّثنا قُتَيْبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفرٍ، [عن حميد]، عن أنس بن مالك: أنَّ أُمِّ حارثة، أتَتْ رسولَ الله ﷺ ، وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمِ بَدْرِ، أصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ (٣)، فقالت: يا رسول الله، قدْ عَلِمْتَ موقع حَارِثَةَ مِنْ قَلْبي، فإنْ كان في الجَنَّةِ لَمْ أبْكِ عليه، وإلَّا سَوْفَ تَرَى ما أصْنَعُ، فقال لها: "أهَبِلْتِ؟ أجَنَّةٌ وَاحِدةٌ هي؟! أم جَنَّات كثيرة، وَإنّه في الْفِرْدَوْسِ الأعْلَى"، وَقالَ: "غُدْوةٌ (٤) في سَبِيلِ اللّهِ أوْ رَوْحةٌ خَيْر منَ الدُّنْيا وما فيها، وَلَقابُ قَوْسِ أحَدِكُمْ أوْ مَوْضعُ قَدَمٍ

стр. 8160

منَ الجنَّةِ خيْرٌ منَ الدُّنيا وما فيهَا، وَلَوْ أنَّ امْرأةً منْ نِسَاءِ أهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إلى (١) الأرْضِ لأضَاءَ لها ما بَيْنَهُما، وَلَمَلأتْ ما بَيْنهُما رِيحًا، وَلَنصيفُها -يعني خِمَارَها- خيْرٌ منَ الدُّنيا وما فيها " (٢). وفي رواية عن قَتَادة أنه قال:" الفِرْدَوْسُ رَبْوةُ الْجَنَّةِ، وَأوْسَطُهَا وأفْضَلُها " (٣). وقد رواه الطبراني من حديث سَعيدِ بن بَشيرٍ، عن قتادة، عن الحَسَنِ، عن سمرةَ مَرْفوعًا (٤). قال الله تعالى: ﴿فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥] وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحديد: ٢١]. وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو عامر، حدَّثنا فُلَيْح، عن هِلالِ بن عَليّ، عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرةَ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ﷺ : " منْ آمَنَ باللّهِ وَرَسُولِه، وأقامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رمَضَانَ، فَإنَّ حَقًّا على الله أنْ يُدْخِلَهُ الْجنَّةَ، هاجَرَ في سَبيلِ الله، أوْ جَلَسَ في أرْضِهِ الَّتي وُلِدَ فيهَا " قالوا: يا رسول الله، أفلا نُخبرُ النَّاسَ؟ قال:" إنَّ في الجنَّةِ مئةَ دَرَجةٍ أعَدّها اللهُ لِلْمُجاهدينَ في سَبيلِهِ، بيْنَ كلِّ دَرَجَتَيْنِ كما بَيْنَ السَّماءِ وَالأرْضِ، فإذا سَألتُمُ اللهَ فاسألوه الفِرْدَوْسَ، فإنَّهُ وَسَط الْجَنةِ، وَأعلَى الجَنَّةِ، [وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمنِ]، ومنه تُفَجَّرُ [أو تَفجَّر أنْهَارُ الْجَنّة] "، [شكَّ أبو عامر]. ورواه البخاريّ عن إبراهيم بن المُنذرِ، عن مُحمّد بن فُلَيْح، عن أبيه، بمعناه (٥). وقال أبو القاسم الطبرانيّ: حدَّثنا علي بنُ عبد العزيز، حدّثنا [أبو] هَمَّامٍ الدلّال، حدَّثنا هِشَامُ بنُ سَعْدٍ، عن زَيْدِ بن أسلَمَ، عن عطاء بنِ يَسارٍ، عن مُعاذِ بن جَبَل، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقول:" مَنْ صَلَّى هَؤُلاءَ الصَّلَوَاتِ الْخَمس، وَصَامَ رَمَضَانَ" لا أدْري أذكَرَ زَكاةً، أمْ لا؟ " كانَ حَقًّا على اللّهِ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، هاجر أوْ قَعَدَ حَيْثُ وَلَدتهُ أمُّهُ " قلت: يا رسول الله، ألا أخْرُجُ فأُوذِنُ (٦) النَّاسَ؟ فقال: " لا، ذَرِ النَّاسَ يَعْملُونَ، فإنَّ الجَنةَ مِئَةُ دَرَجةٍ، بَيْنَ كلّ دَرَجَتَيْنِ مِنْها مِثْل
следующие страницы →