← История

История · id 30098

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة

ابن كثير

Полный текст (651 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

واستمرّ هناك، واستقل قطبُ الدين ابن شيخ السلامية بنظر الجيش بدمشق على عادته. وفي شوّال خُلع على أمين الملك بالديار المصرية، ووُلّيَ نظر الدَّواوين فباشره شهرًا ويومين وعُزل عنه. ذكر وفاة شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية قدّس الله روحه قال الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه: وفي ليلة الإثنين العشرين من ذي القعدة توفي الشيخ الإمام العلامة الفقيه الحافظ الزاهد العابد القدوة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن شيخنا الإمام العلامة المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم محمد بن تيمية الحرّاني ثم الدمشقي، بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوسًا فيها، وحضر جمع كثير إلى القلعة، فأذن لهم في الدخول عليه، وجلس جماعة عنده قبل الغُسْل وقرؤوا القرآن وتبرّكوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا، ثم حضر جماعةٌ من النِّساء ففعلن مثل ذلك ثم انصرفن واقتُصِرَ على من يُغَسِّله، فلما فرغ من غسله أُخرج وقد (١) اجتمع الخلق بالقلعة والطريق إلى الجامع وامتلأ الجامع أيضًا وصحنه والكلّاسة وبابُ البريد وباب السّاعات إلى باب اللبادين والفَوَّارة، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ووضعت في الجامع، والجند قد احتاطوا بها (٢)) يحفظونها من الناس من شدة الزحام، وصُلّي عليه أولًا بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه أولًا الشيخ محمد بن تمَّام (٣)، ثم صُلّي عليه بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر، وقد تضاعف اجتماع الناس على ما تقدم ذكره، ثم تزايد الجمع إلى أن ضاقت الرِّحاب والأزقَّة والأسواق بأهلها ومن فيها، ثم حمل بعد أن صُلّي عليه على الرؤوس، والأصابع، وخرج النَّعش به من باب البريد واشتدَّ الزحام وعلتِ الأصوات بالبكاء والنحيب والتَّرحُّم عليه والثناء والدعاء له، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النعال من أرجل الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى تمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها، لكن كان معظم الزحام من الأبواب الأربعة: باب الفرج الذي أُخرجت منه الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية. وعظم الأمر بسوق الخيل وتضاعف الخلق وكثر الناس، ووضعت الجنازة هناك وتقدم للصّلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن، فلمّا قُضيت الصَّلاة حُمل إلى مقبرة الصُّوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله رحمهما الله، وكان دفنه قبل

стр. 212

العصر بيسير، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم، وأغلق النَّاسُ حوانيتهم ولم يتخلّف عن الحضور إلا من هو عاجز عن الحضور، مع الترحُّم والدعاء له، وأنَّه لو قَدَرَ ما تخلَّفَ، وحضر نساء كثيرات بحيث حُزِرْنَ بخمسة عشر ألف امرأة، غير اللاتي كنَّ على الأسطحة وغيرهن، الجميع يترحَّمن ويبكين عليه فيما قيل. وأما الرجال فحزروا بستين ألفًا إلى مئة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مئتي ألف، وشرب جماعة الماء الذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السِّدر الذي غُسِّل به، ودفع في الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل مئة وخمسون درهمًا، وقيل: إن الطَّاقيَّة التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمئة درهمٍ. وحصل في الجنازة ضجيج وبكاءٌ كثير، وتضرُّع وختمت له ختمات كثيرة بالصَّالحية وبالبلد، وتردَّد الناس إلى قبره أيامًا كثيرة ليلًا ونهارًا يبيتون عنده ويُصبحون، ورُؤيت له مناماتٌ صالحةٌ كثيرة، ورثاه جماعة بقصائد جمة. وكان مولده يوم الإثنين عاشر ربيع الأول بحرَّان سنة إحدى وستين وستمئة، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، فسمع الحديث من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وابن عبدان والشيخ شمس الدين الحنبلي، والشيخ شمس الدين بن عطاء الحنفي، والشيخ جمال الدين بن الصيرفي، ومجد الدين بن عساكر، والشيخ جمال الدين البغدادي، والنجيب بن المقداد، وابن أبي الخير، وابن علان، وابن أبي بكر الهروي (١). والكمال عبد الرحيم، والفخر علي، وابن شيبان، والشرف بن القواس، وزينب بنت مكي، وخلق كثير سمع منهم الحديث، وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث وكتب الطباق والأثبات ولازم السّماع بنفسه مدة سنين، وقلَّ أن سمع شيئًا إلا حفظه، ثم اشتغل بالعلوم، وكان ذكيًا كثير المحفوظ، فصار إمامًا في التفسير وما يتعلق به عارفًا بالفقه، فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذين كانوا في زمانه وغيره (٢)، وكان عالمًا باختلاف العلماء، عالمًا في الأصول والفروع والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما قطع في مجلس ولا تكلَّم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفنَّ فنُّه، ورآه عارفًا به متقنًا له، وأما الحديث فكان حامل رايته (٣) حافظًا له متنًا وإسنادًا (٤) مميّزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله متضلِّعًا من ذلك، وله تصانيف كثيرة وتعاليقُ مفيدة في الأصول والفروع، كَمُل منها جملةٌ وبُيِّضت وكُتبت عنه وقُرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يُكملها، وجملة كمَّلها ولم تبيَّض إلى الآن.

стр. 213

وأثنى عليه وعلى علومه وفضائله جماعة من علماء عصره، مثل القاضي الخُويي (١)، وابن دقيق العيد، وابن النحاس، والقاضي الحنفي قاضي مصر ابن الحريري، وابن الزملكاني، وغيرهم، ووجدت بخط ابن الزملكاني أنه قال: اجتمعت فيه شروطُ الاجتهاد على وجهها، وأنَّ له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتَّبيين (٢)، وكتب على تصنيف له هذه الأبيات: [من مجزوء الكامل] ماذا يقولُ الواصفونَ لهُ … وصفاته جلَّتْ عن الحصرِ هو حجةٌ الله قاهرةٌ … هو بينَنا أُعجوبةُ الدّهرِ هو آيةٌ في الخَلْقِ ظاهرةٌ … أنوارُها أربَتْ على الفَجْرِ (٣) وهذا الثناء عليه، وكان عمره يومئذ نحو الثلاثين سنة، وكان بيني وبينه مودة وصحبة من الصغر، وسماع الحديث والطلب من نحو خمسين (٤) سنة، وله فضائل كثيرة، وأسماء مصنفاته وسيرته وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة وحبسه مرات وأحواله لا يحتمل ذكر جميعها في (٥) هذا الموضع. ولما مات كنت غائبًا عن دمشقَ بطريق الحجاز، ثم بلغنا خبر موته بعد وفاته بأكثر من خمسين يومًا لمّا وصَلْنا إلى تبوكَ، وحصل التأسُّف لفقده رحمه الله تعالى. هذا لفظه في هذا الموضع من "تاريخه". ثم ذكر الشيخ علَم الدِّين بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي داود وعظمها، وجنازة الإمام أحمد ببغداد وشهرتَها، وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: سمعت أبا عبد الرحمن السيوفي يقول: حضرت جنازة أبي الفتح القوَّاس الزاهد مع الشيخ أبي الحسن الدَّارَ قُطني فلمّا بلَغ إلى ذلك الجمع العظيم أقبل علينا (٦) وقال: سمعت أبا سهل بن زياد القطَّان يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع بينَنَا وبينَكُم الجنائز. قال: ولا شك أن جنازة أحمد بن حنبل كانت هائلة عظيمة، بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له، وأن الدولة كانت تحبُّه، والشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀ توفي ببلدة دمشق، وأهلها لا يعشرون (٧) أهل بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعًا لو جمعهم سلطان قاهر، وديوان حاصر، لما بلغوا هذه الكثرة التي اجتمعوها في جنازته، وانتهوا إليها.

стр. 214

هذا مع أن الرجل مات بالقلعة محبوسًا من جهة السلطان، وكثير من الفقهاء والفقراء يذكرون عنه للناس أشياء كثيرة، ممّا ينفِّر منها طباعَ أهل الأديان، فضلًا عن أهل الإسلام. وهذه كانت جنازته. قال: وقد اتفق موتُه في سحر ليلة الإثنين المذكور، فذكر ذلك مؤذن القلعة على المنارة بها وتكلم به الحرَّاس على الأبرجة، فما أصبح الناس إلا وقد تسامعوا بهذا الخَطْب العظيم والأمر الجسيم، فبادر الناس على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجيء منه، حتى من الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهلُ الأسواق شيئًا، ولا فتحوا كثيرًا من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أوائل النَّهار على العادة، وكان نائب السَّلطنة تَنْكز قد ذهب يتصيَّدُ في بعض الأمكنة، فحارت الدولة ماذا يصنعون، وجاء الصاحب شمس الدين غبريال نائب القلعة فعزَّاه فيه، وجلس عنده، وفتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب، فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من أخِصَّاء أصحابه ومن رجال الدولة وغيرهم من أهل البلد والصالحية، فجلسوا عنده يبكون ويئنُّون. [عَلَى مِثْل لَيْلَى يَقتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ] (١). وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المِزّي ﵀، وكشفتُ عن وجه الشيخ ونظرت إليه وقبَّلته، وعلى رأسه عمامةٌ بعَذَبَةٍ مغروزة وقد علاه الشَّيب أكثر مما فارقناه. وأخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبد الرحمن أنه قرأ هو والشيخ منذ دخل القلعة ثمانين خَتْمة، وشرعا في الحادية والثَّمانين، فانتهينا فيها إلى آخر اقتربت الساعة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. فشرع عند ذلك الشّيخان الصّالحان الخيِّران عبد الله بن المحب وعبد الله الزُّرعي الضرير - وكان الشيخ ﵀ يحب قراءتهما - فابتدًا من أول سورة الرحمن حتى ختموا القرآن وأنا حاضرٌ أسمعُ وأَرَى. ثم شرعوا في غسل الشيخ وخرجتُ إلى مسجد هناكَ ولم يمكث (٢) عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصّالحين الأخيار، أهل العلم والإيمان (٣)، فما فُرغ منه حتى امتلأت القلعة وضجَّ الناس بالبكاء والثناء والدعاء والترحُّم، ثم ساروا به إلى الجامع فسلكوا طريق

стр. 215

العماديَّة على العادلية الكبيرة، ثم عطفوا على ثلث الناطفانيين، وذلك أن سُوَيقة باب البريد كانت قد هدمت لتُصْلح، ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الأموي، والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها وعن يمينها وشمالها ما لا يُحصي عدَّتهم إلا الله تعالى، فصرخ صارخٌ وصاح صائح: هكذا تكون جنائز أئمة السنَّة فتباكى الناسُ وضحُّوا عند سماع هذا الصارخ، ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف، بل مرصوصين رصًا لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة جَوَّ الجامع وبراه إلى الأزقة والأسواق، وذلك قبل أذان الظهر بقليل، وجاء الناس من كل مكان (١)، ينوي خلق الصيام لأنهم لا يتفرَّغون في هذا اليوم لأكل ولا لشرب، وكثر الناس كثرة لا تُحدُّ ولا تُوصف، فلما فُرغ من أذان الظهر أُقيمت الصّلاة عقبه على السدّة خلاف العادة، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فصلى عليه إمامًا، وهو الشيخ علاء الدين الخراط، ثم خرج الناس من كل مكان من سائر (٢) أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا، واجتمعوا بسوق الخيل، ومن الناس من تعجّل بعد أن صلّى في الجامع إلى مقابر الصوفية، والناس في بكاء وتهليل في مخافتة، كل واحد بنفسه، وفي ثناءٍ وتأسُّف، والنّساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يبكين ويدعين ويقلن: هذا العالم. وبالجملة كان يومًا مشهودًا لم يعهد مثله بدمشق، اللّهم (٣) إلا أن يكون في زمن بني أمية حين كان الناس كثيرين، وكانت دار الخلافة، ثم دفن عند أخيه قريبًا من أذان العصر على التحديد، ولا يمكن أحد حصر من حضر الجنازة، وتقريب ذلك أنه عبارة عمّن أمكنه الحضور من أهل البلد وحواضره ولم يتخلف من الناس إلا القليل من الصغار والمخدَّرات، وما علمتُ أحدًا من أهل العلم إلا النفر اليسير تخلَّف عن الحضور في جنازته، [وهم ثلاثة أنفس: وهم ابن جملة، والصدر، والقحفازي، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته فاختفوا من الناس خوفًا على أنفسهم، بحيث إنهم علموا متى خرجوا قتلوا وأهلكهم الناس] (٤)، وتردَّد شيخُنا الإمام العلامة برهان الدين الفزاري إلى قبره في الأيَّام الثلاثة، وكذلك جماعةٌ من علماء الشَّافعية، وكان برهان الدين الفزاري يأتي راكبًا على حماره وعليه الجلالة والوقار ﵀. وعُملت له ختمات كثيرة، ورؤيت له منامات باهرة (٥) صالحة عجيبة، ورثي بأشعار كثيرة وقصائد مطوَّلة (٦) جدًّا. وقد أُفردت له تراجم كثيرة، وصنَّف في ذلك جماعةٌ من الفضلاء وغيرهم، وسأُلخِّص

стр. 216

من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه وفضائله وشجاعته وكرمه ونصحه وزهادته وعبادته وعلومه المتنوعة الكثيرة المحرّرة (١) ومُصَنَّفاته (٢) الكبار والصغار، في العلوم كلِّها التي احتوت على غالب العلوم، ومفرداته في الاختيارات التي نصرها بالكتاب والسُّنَّة، وأفتى بها. وبالجملة كان ﵀ من كبار العلماء، وممن يُخطئ ويُصيب، ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لُجِّي، وخطؤه أيضًا مغفور له كما في "صحيح البخاري": "إذا اجتهَدَ الحاكم فأَصَابَ فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" (٣) فهو مأجور. وقال الإمام مالك بن أَنس: "كل أحد يؤخذ من قوله ويُتْرك إلا صاحب هذا القبر" (٤) (٥).

стр. 217

وفي السادس والعشرين من ذي القعدة نقل نائب السلطنة سيف الدين (١) تَنْكِز حواصله وأموالَه من دار الذَّهب داخل باب الفراديس إلى الدار التي أنشأها، وتُعرف بدار فلوس، فسميت دار الذهب، وعزل خَزِنْداره ناصر الدين محمد بن عيسى، وولي مملوكه أَبَاحي. وفي ثاني عشري ذي القعدة جاء إلى مدينة عجلون سيل عظيم من أول النهار إلى وقت العصر، فهدم من جامعها وأسواقها ورباعها ودورها شيئًا كثيرًا، وغرقَ سبعةُ نفر، وهلَكَ للنَّاس شيء كثير من الأموال والغلّات والأمتعة والمواشي ما يقارب قيمته ألف ألف درهم والله أعلم، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي يوم الأحد ثامن عشر ذي الحجة أَلزم القاضي الشافعي الشّيخُ علاءُ الدين القونوي جماعةَ الشُّهود بسائر المراكز أن يُرسلوا في عمائمهم العَذَبات (٢) ليتميّزوا بذلك عن عوامِّ الناس، ففعلوا ذلك أيامًا ثم تضرَّرُوا من ذلك، فأرخص لهم في تركها، ومنهم من استمر بها. وفي يوم الثلاثاء عشرين ذي الحجة أُفرج عن الشيخ الإمام العالم العلامة أبي عبد الله شمس الدين محمد (٣) ابن قيّم الجوزية، وكان معتقلًا بالقلعة أيضًا، من بعد اعتقال الشيخ تقي الدين بأيامٍ من شعبان سنة ستٍّ وعشرين إلى هذا الحين، وجاء الخبر، وجاء الخبر بأن السلطان أفرج عن الجاولي (٤) والأمير فرج بن قراسنقر (٥)، ولاجين المنصوري (٦)، وأحضروا بعد العيد بين يديه، وخلع عليهم. وفيه وصل الخبر بموت الأمير الكبير جُوْبان (٧) نائب السلطان أبي سعيد على تلك البلاد. ووفاة قراسنقر المنصوري (٨) أيضًا كلاهما في ذي القعدة من هذه السنة. وجوبان هذا هو الذي ساق القناة الواصلة إلى المسجد الحرام (٩)، وقد غرم عليها أموالًا جزيلة كثيرة (١٠)، وله تربة بالمدينة النبوية، ومدرسة مشهورة، وله آثار حسنة، وكان جيد الإسلام، له همَّة

стр. 218

عالية وقد دبَّر الممالك في أيام أبي سعيد مدَّة طويلة على السداد، ثم أراد أبو سعيد مسكَه فتخلَّص من ذلك كما ذكرنا، ثم إن أبا سعيد قتل ابنه حَواجَا دِمَشْق في السَّنة الماضية ففر ابنه الآخر تَمُرْتَاش هاربًا إلى سلطان مصر، فآواه شهرًا ثم تردَّدت الرسل بين الملكين في قتله، فقتله صاحبُ مصر فيما قيل وأرسل برأسه إليه، ثم توفي أبوه بعده بقليل، والله أعلم بالسرائر (١). وأما قَرَاسُنقُر المنصوري فهو من جملة كبار أمراء مصر والشام، وكان من جملة من شارك في قتل الأشرف خليل بن المنصور كما تقدم، ثم ولي نيابة مصر مدة، ثم صار إلى نيابة دمشق ثم إلى نيابة حلب، ثم فر إلى التتر هو والأَفْرم والزَّرْدَكاشي فآواهم ملك التتار خَرْبَندا وأكرمهم وأقطعهم بلادًا كثيرة، وتزوَّج قَرَاسُنقُر بنت هولاكو ثم كانت وفاته بَمَراغَة (٢) بلدِهِ التي كان حاكمًا بها في هذه السنة، وله نحو تسعين سنة والله أعلم. وممَّن توفي فيها من الأعيان: شيخ الإسلام العلامة تقي الدين بن تيمية (٣): كما تقدم ذكر ذلك في الحوادث وسنفرد له ترجمة على حدة إن شاء الله تعالى. الشريف العالم الزاهد المحدث (٤): عز الدين أبو إسحاق إبراهيم (٥) بن أحمد بن عبد المحسن العلوي الحسيني العَرَّافي (٦) الإسكندري الشافعي، سمع الكثير وحفظ "الوجيز في الفقه" (٧)، و "الإيضاح" (٨) في النحو، وكان زاهدًا متقللًا من الدُّنيا وبلغ تسعين سنةً، وعقله وعلمه وذهنه ثابت متيقِّظ، ولد سنة ثمان وثلاثين وستمئة، وتوفّي يومَ الجمعة خامس المحرم، ودُفن بالإسكندريّة بين الماوين ﵀.

стр. 219

الشمس محمد (١) بن عيسى البكري (٢): كانت فيه شهامة وصرامة، وكان يكون بين يدي الشيخ تقي الدين بن تيمية كالمُنَفِّذ لما يأمر به وينهى عنه، ويرسله الأمراء وغيرهم في الأمور المهمة، وله معرفة ومروءة يبلِّغ رسالته على أتم الوجوه (٣). توفي في الخامس من صفر بالقُبَيْبَات ودُفن عند الجامع الكريمي. رحمه الله تعالى. الشيخ الصّالح (٤): أبو بكر (٥) بن شرف بن محسن بن معن بن عمّار (٦) الصّالحيّ. ولد سنة ثلاث وخمسين وستمئة، وسمع الكثير صحبة الشيخ تقي الدين بن تيمية والمِزِّي (٧)، وكان معهما كالخادم لهما، وكان فقيرًا ذا عيال يتناول من الزّكاة والصَّدقات ما يقوم بأَوَده، وأقام في آخر عمره بحمصَ، وكان فصيحًا مفوّهًا، له تعاليق وتصانيف في الأصول وغيرها، وكان له عبادة وفيه خير وصلاح، وكان يتكلّم على الناس بعد صلاة الجُمُعة إلى العصر من حفظه، وقد اجتمعتُ به مرة صحبةَ شيخنا المزِّي حين قدم من حمصَ، فكان قويَّ العبارة فصيحها متوسطًا بالعلم، له ميل إلى التصوُّف والكلام في الأحوال والأعمال والقلوب وغير ذلك، وكان يكثر ذكر الشيخ تقي الدين بن تيمية. توفي بحمصَ في الثاني والعشرين من صفر من هذه السنة، وقد كان الشيخُ يحضُّ النّاسَ على الإحسان إليه، وكان يعطيه ويرفده. ابن الدّواليبي البغدادي: الشيخ الصالح العالم العابد الرّحلة المُسْند المعمَّر عفيف الدين أبو عبد الله محمد (٨) بن عبد المحسن بن أبي الحسين بن عبد الغفار البغدادي الأزجي الحَنْبلي المعروف بابن الدواليبي، شيخ دار الحديث المُسْتَنصرية (٩)، ولد في ربيع الأول سنة ثمان (١٠) وثلاثين وستمئة، وسمع

стр. 220

الكثير، وله إجازات عالية، واشتغل بحفظ "الخِرَقيّ" (١)، وكان فاضلًا في النحو وغيره، وله شعر حسن، وكان رجلًا صالحًا جاوز التسعين وصار رُحْلَةَ العراق. وتوفي يوم الخميس رابع عشري (٢) جمادى الأولى ودفن بمقبرة الإمام أحمد في (٣) مقابر الشهداء ﵀. وقد أجازني فيمن أجازَ من مشايخ بغداد والله الحمد. قاضي القضاة شمس الدين بن الحريري: أبو عبد الله محمد (٤) بن صفي الدين أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن عبد الوهاب الأنصاري الحنفي. ولد سنة ثلاث وخمسين، وسمع الحديث واشتغل وقرأ "الهداية" (٥)، وكان فقيهًا جيدًا، ودرَّس (٦) بأماكن كثيرةٍ بدمشقَ، ثم ولّي القضاء بها، ثم خُطِبَ (٧) إلى قضاء الديار المصرية فاستمرّ بها مدَّة طويلة منّزَة العرض، لا يقبل من أحد هدية، ولا تأخذه في الحكم لومة لائم، وكان يقول: إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن؟ وقال لبعض أصحابه: أتحبُّ الشيخ تقي الدين؟ قال: نعم، قال: والله لقد أحببتَ شيئًا مليحًا (٨). توفي ﵀ يوم السبت رابع جمادى الآخرة ودفن بالقَرَافة، وكان قد عَيَّن لمنصبه القاضي برهان الدين بن عبد الحق (٩) فنُفِّذت وصيتُه بذلك، وأُرسل إليه إلى دمشقَ فأُحضر فباشر الحكم بعده وجميعَ جهاته. الشيخ الإمام العالم المقرئ: شهاب الدين أبو العباس أحمد (١٠) بن الشيخ الإمام تقي الدين

стр. 221

محمد بن جبارة بن عبد الولي بن جبارة المقدسي المرداوي الحنبلي، شارح "الشاطبية" (١). ولد سنة تسع وأربعين وستمئة، وسمع الكثير وعُنيَ بفن القراءات فبرز فيه، وانتفع النَّاسُ به، وقد أقام بمصر مدَّة واشتغل بها على القَرَافي (٢) في أصول الفقه. وتوفي بالقدس رابع رجب ﵀، وكان يعد من الصُّلحاء الأخيار، سمع من خطيب مردا وغيره. ابن العاقولي البغدادي: الشيخ الإمام العلامة جمال الدين أبو محمد عبد الله (٣) بن محمد بن علي بن حماد بن ثابت (٤) الواسطي العاقولي ثم البغدادي الشافعي، مدرِّس المُسْتَنصرية مدّةً طويلة نحوًا من أربعين سنةً، وباشر نظر الأوقاف وعين لقضاء القضاة في وقت. ولد ليلة الأحد عاشر رجب سنة ثمان وثلاثين وستمئة، وسمع الحديث وبرع واشتغل وأفتى من سنة سبع وخمسين إلى أن مات، وذلك مدة إحدى وسبعين سنة، وهذا شيء غريب جدًّا، وكان قويَّ النفس له وَجاهة في الدولة، فكم كشف كُرْبة عن الناس بسعيه وقَصْده. توفي ليلة الأربعاء رابع عشري شوال، وقد جاوز التسعين سنة، ودُفن بداره، وكان قد وقفها على شيخ وعشرة صبيان يسمعون القرآن ويحفظونه، وأوقف عليها أملاكه كلَّها، تقبَّل الله منه ورحمه. ودرَّس بعده بالمستنصرية قاضي القضاة قُطْب الدِّين. الشَّيخ الصالح العالم التاجر البار: شمس الدين محمد (٥) بن داود بن محمد بن يَسَاب (٦)، السلامي البغدادي، أحد ذوي اليسار وله برٌّ تام بأهل العلم، ولا سيما أصحاب الشيخ تقي الدين] (٧)، وقد أوقف كتبًا كثيرة، وحجَّ مرات، وتوفي ليلة الجمعة (٨) رابع عشري ذي القعدة بعد وفاة الشيخ تقي الدين بأربعة أيام، وصلّي عليه بعد صلاة الجمعة ودفن بباب الصغير ﵀ وأكرم مثواه.

стр. 222

وفي هذه الليلة توفيت الوالدة مَرْيم (١) بنت فرج بن مفرج بن علي من قرية كان الوالد خطيبَها، وهي مُجَيْدل القرية سنة ثلاث وسبعين وستمئة، وصُلّي عليها بعد الجمعة ودُفنت بالصُّوفية شرقي قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمهما الله تعالى. ثم دخلت سنة تسع وعشرين وسبعمئة استهلت والخليفة والحكام هم المباشرون في التي قبلها، غير أن قطب الدين ابن شيخ السلامية استقلّ (٢) بنظر الجيش (٣). وفي المحرم طلب القاضي محيي الدين بن فضل الله كاتب السر بدمشق وولده الصّدر (٤) شهاب الدين، وشرف الدين بن شمس الدين بن الشِّهاب محمود إلى مصرَ على البريد، فباشر القاضي الصّدر الكبير محيي الدين المذكور كتابة السرِّ بها عوضًا عن علاء الدين بن الأثير لمرض اعتراه، وأقام عنده ولده شهاب الدين، وأقبل شرف الدين بن (٥) الشهاب محمود إلى دمشق على كتابة السرّ عوضًا عن ابن فضل الله (٦). وفيه ذهب ناصر الدّين مشد الأوقاف ناظرًا على القدس والخليل، فعمر هنالك عمارات كثيرة لملك الأمراء تَنْكِز، وفتح في الأقصى شُبّاكين عن يمين المحراب وشماله. وجاء الأمير نجم الدين داود بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن يوسف بن الزيبق من شد الدواوين بحمصَ إلى شدِّها بدمشقَ. وفي يوم الخميس السادس والعشرين (٧) من صفر كمل ترخيم الحائط القبلي من جامع دمشق وبُسط الجامع جميعه، وصَلَّى النَّاسُ الجُمُعةَ به من الغد، وفتح باب الزِّيادة، وكان له أيامًا مغلقًا (٨) وذلك في مباشرة تقي الدين بن مراجل (٩). وفي ربيع الآخر قدم من مصرَ أولادُ الأمير شمس الدين قَرَاسُنقُر إلى دمشقَ فسكنوا في دار أبيهم داخل

стр. 223

باب الفراديس، في دهليز المقدَّميَّة، وأُعيدت عليهم أملاكهم المخلَّفة عن أبيهم، وكانت تحت الحوطة، فلما مات في تلك البلاد أفرج عنها أو أكثرها. وفي يوم الجمعة آخر شهر ربيع الآخر أُنزل الأمير جُوبان وولدُه من قلعة المدينة النبوية وهما ميّتان مصبَّران في توابيتهما (١)، فصُلّي عليهما بالمسجد النبوي (٢)، ثم دُفنا بالبقيع عن مرسوم السُّلطان، كان مُرَاد جُوْبان أن يُدفن في مدرسته، فلم يمكَّنْ من ذلك (٣). وفي هذا اليوم صُلّي بالمدينة النبوية على الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀، وعلى القاضي نجم الدين البالسي المصري، صلاةَ الغائب. وفي يوم الاثنين منتصف جمادى الآخرة درّس القاضي شهاب الدين أحمد بن جهبل بالمدرسة البادرائية عوضًا عن شيخنا برهان الدين الفزاري توفي إلى رحمة الله تعالى، وأخذ مشيخة دار الحديث منه الحافظ شمس الدين الذهبي، وحضرها في يوم الأربعاء سابع عشره، ونزل عن خطابة كفر (٤) بطنا للشيخ جمال الدين المسلاتي المالكي (٥) فخطب بها يوم الجمعة تاسع عشره. وفي أواخر هذا الشهر قدم نائب حلب الأمير سيف الدين أَرْغُون إلى دمشق قاصدًا باب السلطان، فتلقَّاه نائبُ دمشقَ وأنزله بداره التي عند جامعه، ثمّ سار نحو مصرَ فغاب نحوًا من أربعين يومًا، ثم عاد راجعًا إلى نيابة حلب. وفي عاشر رجب طلب الصاحب تقي الدين عمر (٦) بن الوزير شمس الدين بن السّلعُوس (٧) إلى مصرَ فولي نظر الدواوين بها حتى مات عن قريب (٨). وخرج الركب يوم السبت تاسع شوال وأميره سيف الدين بلطي، وقاضيه شهاب الدين القيمري، وفي الحجّاج زوجة ملك الأمراء تَنْكِز، وفي خدمتها الطَّواشي شبل الدولة كافور (٩) وصدر الدّين المالكي،

стр. 224

وصلاح الدّين ابن أخي الصاحب تقي الدّين توبة (١)، وأخوه شرف الدين، والشيخ علي المغربي، والشيخ عبد الله الضرير وجماعة. وفي بُكْرَة الأربعاء ثالث عشر (٢) شوال، جلس القاضي ضياء الدين علي بن سليم بن ربيعة (٣) للحكم بالعادليّة الكبيرة نيابة عن قاضي القضاة القُونوي، وعوضًا عن الفخر المصري بحكم نزوله عن ذلك وإعراضه عنه تاسع عشر رمضان من هذه السنة. وفي يوم الجمعة سادس ذي القعدة بعد أذان الجمعة صعد إلى منبر جامع الحاكم بمصرَ شخصٌ من مماليك الجَاوْلي يقال له أَرْصَى، فادّعى أنه المَهديُّ وسجَع سَجَعاتٍ يسيرة على رأي الكهّان، فأُنزل في شرِّ خَيْبةٍ، وذلك قبل حضور الخطيب بالجامع المذكور. وفي ذي القعدة وما قبله وما بعده من أواخر هذه السنة وأوائل الأخرى وُسِّعت الطُّرقات والأسواق داخل دمشقَ وخارجها، مثل سوق السّلاح والرصيف والسوق الكبير وباب البريد ومسجد القصب إلى الزنجبيلية، وخارج باب الجابية إلى مسجد الذُّبان (٤)، وغير ذلك من الأماكن التي كانت تضيق عن سلوك الناس (٥)، وذلك بأمر تَنْكز، وأمر بإصلاح القنوات، واستراح الناس من ترشيش (٦) الماء عليهم بالنجاسات. ثم في العشر الأخير من ذي الحجة رُسم بقتل الكلاب فقُتل منها شيء كثير جدًّا، ثم جمعوا خارج باب الصغير مما يلي باب كَيْسان (٧) في الخندق، الخندق، وفُرِّق بين الذكور منهم والإناث ليموتوا سريعًا. ولا يتوالدوا، وكانت الجيف والميتات تنقل إليهم، فاستراح النّاس من النَّجاسة من الماء والكلاب، وتوسعت لهم الطرقات (٨). وفي يوم الجمعة ثاني عشرَ ذي الحجة حضر مشيخة الشيوخ بالسُّمَيْساطية قاضي القضاة شرف الدين المالكي بعد وفاة قاضي القضاة القونوي الشافعي، وقُرئ تقليده بالمشيخة بها، وحضره الأعيان وأعيد إلى ما كان عليه.

стр. 225

وممّن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الإمام العالم الزاهد مفتي المسلمين (١): نجم الدين أبو عبد الله محمد (٢) بن عقيل بن أبي الحسن بن عقيل البالسي الشافعي، شارح "التنبيه". ولد سنة ستين وستمئة، وسمع الحديث واشتغل بالفقه وغيره من فنون العلم، فبرع فيها، ولازم ابنَ دقيق العيد ونابَ عنه في الحكم، ودرَّس بالمَغْربيّة والطَّيبرسية وجامع مصر، وكان مشهورًا بالفضيلة والديانة وملازمة الاشتغال. توفي ليلة الخميس رابعَ عشرَ المحرم ودفن بالقَرَافة، وكانت جنازته حافلة، ﵀. الأمير سيف الدين قُطُلُوبَكَ الشَّشْنَكير (٣) الرُّومي (٤): كان من أكابر الأمراء وولي الحُجُوبيّة في وقت، وهو الذي عمر القناة بالقدس، توفي يوم الإثنين سابع ربيع الأول ودفن بتربته شمال باب الفراديس (٥)، وهي مشهورةٌ حسنة، وحضر جنازته بسوق الخيل النائبُ والأمراءُ. محدِّثُ اليَمن: شرف الدين أحمد (٦) بن فقيه زبيد أبي الخير (٧) بن منصور الشّماخيّ المَذْحِجيّ. روى عن المكِّيين وغيرهم، وبلغت شيوخه خمسمئة أو أزيد، وكان رحلة تلك البلاد ومفيدها الخير، وكان فاضلًا في صناعة الحديث والفقه وغير ذلك. توفي في ربيع الأوَّل من هذه السنة. نجم الدين أبو الحسن: علي (٨) بن محمد بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الواحد أبو محمد بن المسلم. أحد رؤساء دمشق المشهورين، له بيتٌ كبيرٌ ونسبٌ عريق، ورياسةٌ باذخة وكرم زائد، باشر نظر الأيتام مدَّة، وسَمع الكثير وحدَّث، وكانت له فضائل وفوائد، وله الثروة الكثيرة.

стр. 226

ولد سنة تسع وأربعين وستمئة، ومات يوم الإثنين صَحْوة خامس ربيع الآخر، وصُلّي عليه بعد الظهر بالأموي، ودُفن بسفح قاسيون بتربة أعدها لنفسه، وقبران عنده، وكَتب على قبره ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الآية [الزمر: ٥٣]. وسمعنا عليه "الموطّأ" وغيره. الأمير بَكْتَمُر الحاجب (١): صاحب الحمام المشهور خارج باب النّصر في طريق مقابر الصُّوفية من ناحية الميدان، كانت وفاته بالقاهرة في عشرين ربيع الآخر، ودُفن بمدرسته التي أنشأها إلى جانب داره هناك. الشَّيخ شرف الدين عيسى بن محمد (٢) بن قراجا بن سليمان: السُّهْرَوَرْدي (٣) الصُّوفي الواعظ، له شعر ومعرفة بالألحان والأنغام، ومن شعره قوله: [من البسيط] بُشْراكَ يا سَعْدُ هَذَا الحيُّ قَدْ بَانَا … فخلِّها تَسْتَطِيلُ الأَيْكَ والبَانَا منازِلٌ ما ورَدْنَا طِيْبَ مَوْرِدِهَا … حَتَّى شَرِبْنَا كؤوس الموت أَلوانا (٤) مِتنا غرامًا وشوقًا في المسير فمذْ … وافى نسيمُ اللقا والقُربِ أَحْيانا (٥) توفّي في ربيع الآخر. شيخُنَا العلَّامة برهان الدين الفزاري: هو الشيخ الإمام العالم شيخ المذهب وعلَمه ومفيد أهله، شيخ الإسلام مفتي الفِرَق بقية السَّلف برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم (٦) ابن الشيخ العلامة تاج الدين أبي محمد عبد الرحمن بن الشيخ الإمام المقرئ المفتي برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزاري المصري الشافعي، ولد في ربيع الأول سنة ستين وستمئة، الحديث واشتغل على أبيه، وأعاد في حلقته وبرعَ وساد أقرانَه، وسائر أهل زمانه من أهل مذهبه في دراية المذهب ونقله وتحريره، ثم كان في منصب أبيه في التدريس بالبادرائية، وأشغل الطلبة بالجامع الأموي فانتفع به المسلمون، وقد

стр. 227

عُرضت عليه المناصب الكبار فأباها، فمن ذلك أنه باشر الخطابة بعد عمه العلامة شرف الدين مدة ثم تركها وعاد إلى البادرائية، وعرض عليه قضاء قضاة الشام بعد ابن صَصْرَى وألحّ نائب الشام عليه بنفسه وأعوانه من الدَّولة فلم يقبل، وصمَّم وامتنع أشد الامتناع، وكان مقبلًا على شأنه عارفًا بزمانه مستغرقًا أوقاته في الاشتغال والعبادة ليلًا ونهارًا، كثير المطالعة وإسماع الحديث، وقد سمعنا عليه "صحيح مسلم" وغيره، وكان يدرّس بالمدرسة المذكورة، وله تعليق كثير على "التنبيه"، فيه من الفوائد ما ليس يوجد في غيره، وله تعليق على "مختصر ابن الحاجب" في أصول الفقه، أصول الفقه، وله مصنفات في غير ذلك كبار. وبالجملة فلم أرَ شافعيًّا من مشايخنا مثلَه، وكان حسَن الشّكل، عليه البهاء والجلالة والوقار، حسن الأخلاق، فيه حِدَّةٌ ثمَّ يعودُ قريبًا، وكرمُه زائد وإحسانه إلى الطلبة كثير، وكان لا يقتني شيئًا بل (١) يصرف مرتّبه وجامكيَّة مدرسته في مصالحه، وقد درَّس بالبادرائية من سنة تسعين (٢) وستمئة إلى عامه هذا. توفي بُكرة يوم الجمعة سابع جمادى الأُولى بالمدرسة المذكورة، وصُلّي عليه عقب الجمعة بالجامع وحُملت جنازته على الرؤوس وأطراف الأَنامل، وكانت حافلةً، ودفن عند أبيه وعمِّه وذويه بباب الصَّغير رحمه الله تعالى. الشَّيخ الإمام العالم الزّاهد الوَرع: مجد الدين إسماعيل (٣) الحرَّاني (٤) الحنبلي، ولد سنة ثمان وأربعين وستمئة، وقرأَ القرآن (٥) وسمع الحديث في دمشق، حين انتقل مع أهله إليها سنة إحدى وسبعين (٦)، واشتغل على الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، ولازمه وانتفع به، وبَرَع في الفقه وصحَّة النقل وكَثرة الصَّمت عمَّا لا يعنيه، ولم يزل مواظبًا على جهاته ووظائفه لا ينقطع عنها إلا من عذر شرعي، إلى أن توفي ليلة الأحد تاسع جُمادى الأولى ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى. وفي هذا الحين توفّي الصّاحب شرف الدّين يعقوب (٧) بن عبد الكريم (٨): الذي كان ناظر الدواوين بحلبَ، ثم انتقل إلى نظرها بطرابُلُس. توفي بحماة، وكان محبًا للعلماء وأهل الخير، وفيه كرم وإحسان، وهو والد القاضي ناصر الدّين (٩) كاتب السرِّ بدمشق، وقاضي العساكر الحلبية ومشيخة

стр. 228

الشيوخ بالسُّمَيْساطية، ومدرّس الأسدية بحلب، والناصرية والشامية الجوانية بدمشق (١). القاضي معين الدين: هبة الله بن علم الدين مسعود (٢) بن أبي المعالي عبد الله بن أبي الفضل بن الحَشيش (٣) الكاتب وناظر الجيش بمصر (٤) في بعض الأحيان، ثم بدمشق مدة طويلة مستقلًا ومشاركًا لقطب الدين ابن شيخ السلامية، وكان خبيرًا بذلك يحفظه على ذهنه، وكانت له يدٌ جيدة في العربية والأدب والحساب وله نظم جيد، وفيه تودُّد وتواضُع. توفّي بمصرَ في نصف جمادى الآخرة، ودفن بتربة الفخر كاتب المماليك (٥). قاضي القضاة وشيخ الشيوخ (٦) علاء الدين القُونَويّ: أبو الحسن عليّ (٧) بن إسماعيل بن يوسف القُونَوي التبريزي الشّافعي، ولد بمدينة قونية (٨) في سنة ثمان وستين وستمئة تقريبًا واشتغل هناك، وقدمَ دمشقَ سنة ثلاث وتسعين، وهو معدود [من] الفُضَلاء فازداد بها اشتغالًا. الحديث وتصدَّر للإشغال بجامعها ودرَّس بالإقبالية، ثم سافرَ إلى مصرَ فدرَّس بها في عدَّة مدارس كبار، وولي مشيخة الشيوخ بها وبدمشق، ولم يزل يشغل بها وينفع الطلبة إلى أن قدم دمشق قاضيًا عليها في سنة سبع وعشرين، وله تصانيف في الفقه وغيره، وكان يحرز علومًا كثيرة منها النَّحو والتَّصريف والأَصلان والفقه، وله معرفة جيدة، بـ "كشَّاف" الزمخشري، وفهم في (٩) الحديث، وفيه إنصاف كثير وأوصاف حسنة، وتعظيم لأهل العلم. وخرِّجتْ له مشيخة سمعناها عليه، وكان يتواضع لشيخنا المزي كثيرًا. توفي ببستانه بالسَّهم (١٠) يوم السبت بعد العصر رابعَ عشرَ ذي القعدة، وصُلِّي عليه من الغد، ودُفن بسفح قاسيون سامحه الله. الأمير حسام الدين لاجين (١١) المنصور الحُسَامي: ويُعرف بلاجين الصَّغير ولي البريد بدمشقَ

стр. 229

مدَّةً، ثم نيابة غزّة ثم نيابة البيرة، وبها مات في ذي القعدة، ودفن هناك (١). وكان ابتنى تربة لزوجته ظاهر باب شرقي فلم يتفق دفنه بها. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. الصاحب عز الدين أبو يعلى: حمزة (٢) بن مؤيد الدين أبي المعالي أسعد بن عز الدين أبي غالب المظفّر ابن الوزير مؤيد الدّين أبي المعالي بن أسعد بن العميد أبي يعلى (٣) حمزة بن أسد بن علي بن محمد التّميمي الدمشقي بن القلانسي، أحد رؤساء دمشق الكبار. ولد سنة تسع وأربعين وستمئة، وسمع الحديث من جماعة، ورواه، وسمعْنا عليه، وله رياسة باذخة وأصالة كثيرة وأملاك هائلة كافية لما يحتاج إليه من أمور الدنيا، ولم يزل معرضًا عن (٤) الوظائف إلى أن أُلزم بوكالة بيت السُّلطان ثم بالوزارة في سنة عَشْرٍ كما تقدَّم ثم عزل، وقد صودر في بعض الأحيان، وكانت له مكارم على الخواص والكبار، وله إحسان إلى الفقراء والمحتاجين. ولم يزل معظمًا وجيهًا عند رجال الدولة من النواب والملوك والأمراء وغيرهم إلى أن توفي ببستانه ليلةَ السبت سادس ذي الحجة، وصُلّي عليه من الغد ودفن بتربته بسفح قاسيون، وله في الصَّالحية رِباطٌ حسنٌ بمئذنة (٥)، وفيه دار حديث وبِرٌّ وصدقة. ﵀. ثم دخلت سنة ثلاثين وسبعمئة استهلَّت بالأربعاء والحكام بالبلاد هم المذكورون بالتي قبلها سوى الشَّافعي فإنه توفي ووُلّي مكانه في رابع المحرم منها علَم الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران (٦) الأخنائي الشافعي وقدم دمشق في الرابع والعشرين منه صُحبَة نائب السَّلطنة تَنْكِز، وقد زار القُدس وحضر معه تدريس التَّنْكِزية التي أنشأها بها، ولما قدم دمشق نزل بالعادليّة الكبيرة على العادة، ودرَّس بها وبالغزالية، واستمرَّ بنيابة المنفلوطي، ثم استناب زين الدين بن المرحِّل (٧).

стр. 230

وفي صفر باشر شرف الدين محمود بن الخطير (١) شد الأوقاف وانفصل عنها نجم الدين بن الزيبق إلى ولاية نابلُس. وفي ربيع الآخر شرع في ترخيم الجانب الشرقي من الأموي نسبة الجانب الغربي، وشاور ابن مراجل النائب والقاضي على جمع الفُصوص من سائر الجامع في الحائط القبلي، فرسما له بذلك. وفي يوم الجمعة أقيمت الجمعة في إيوان الشّافعية بالمدرسة الصّالحية بمصرَ، وكان الذي أنشأ ذلك الأمير جمال الدين نائب الكرك (٢)، بعد أن استفتى العلماء في ذلك. وفي ربيع الآخر تولى القضاء بحلب شمس الدين بن النقيب (٣) عوضًا عن فخر الدين بن البارزي (٤)، توفي. ووُلِّي شمس الدين بن مجد البعلبكي قضاء طرابُلُس عوضًا عن ابن النقيب. وفي آخر جمادى الأولى باشر [القاضي محيي الدين بن جهبل] (٥) نيابة الحكم عن الأخنائي عوضًا عن المنفلوطي، توفي. وفي هذا الشهر وَقَفَ الأمير علاء الدين مُغلَطَاي الناصري مدرسة على الحنفية وفيها صوفية أيضًا، ودرَّس بها القاضي علاء الدين بن التركماني، وسكنها الفقهاء (٦). وفي جمادى الآخرة زُيّنت البلاد المصرية والشّامية ودُقّت البشائر بسبب عافية السلطان من وقعة (٧) انصدعت منها يده، وخلع على الأمراء والأطباء بمصرَ، وأُطلقت الحبوس (٨). وفي جمادى الآخرة قدم على السُّلطان رسلٌ من الفرنج يطلبون منه بعض البلاد الساحلية فقال لهم: لولا أنَّ الرُّسل لا تُقتل لقتلتكم، ثم سيَّرهم إلى بلادهم خاسئين. وفي يوم الأحد سادس رجب حضر الدَّرس الذي أنشأَه القاضي فخر الدين كاتب المماليك على الحنفيَّة بمحرابهم بجامع دمشق، ودرَّس به الشيخ شهاب الدين ابن قاضي الحِصْن (٩)، أخو قاضي القضاة

стр. 231

برهان الدين بن عبد الحق (١) بالديار المصرية، وحضر عنده القضاة والأعيان، وانصرفوا من عنده إلى عند ابن أخيه صلاح الدين بالجَوْهريَّة (٢)، درَّس بها عوضًا عن حَميه (٣) شمس الدين بن الزكي نزل له عنها. وفي آخر رجب خُطب بالجامع الذي أنشأه الأمير سيف الدين أُلْمَاسُ (٤) الحاجب ظاهر القاهرة بالشارع (٥). وخُطب بالجامع الذي أنشأَه قَوْصُون بين جامع طولون والصالحية (٦) يوم الجمعة حاديْ عشرَ رمضانَ وحضر السُّلطان وأعيانُ الأمراء الخُطبة. خَطبَ به يومئذ قاضي القضاة جلال الدين القزويني الشافعي عوضًا عن أمين الدين بن العَسَّال، ورجع ابن العَسّال إلى حجابة الديوان الكبير (٧) وخُلع عليه خِلعة سنيّة، واستقلَّ في خطابته بدر الدين (٨) بن شكر (٩). وخرج الرَّكبُ الشّامي يوم السبت حاديْ عشرَ شوّال وأميرُه سيف الدين المُوْسَاويّ (١٠) صهر بَلَبَان، إِلْبيري (١١)، وقاضيه شهاب الدين ابن المجد عبد الله مدرس الإقبالية (١٢)، ثم تولى قضاء القضاة كما سيأتي. وممَّن حج في هذه السنة رضي الدّين بن المنطيقي، والشمس الأردبيلي شيخ الجاروخيّة، وصفي الدين بن الحريري، وشمس الدين ابن خطيب يَبْرُود (١٣)، والشيخ محمد النَّيرباني وغيرهم، فلمَّا قَضَوْا مناسكهم رجعوا إلى مكَّة لطواف الوداع، فبينما هم في سماع الخُطبة إذ سمعوا جلبة الخيل من بني حَسَن وعبيدهم، قد حَطَمُوا على النَّاس في المسجد الحرام، فثار إلى قتالهم الأَتراك فاقتتلوا، فقتل أمير من

стр. 232

الطبلخانات بمصر، يقال له: سيف الدين أَيْدَمر أمير جمدار وابنه خليل ومملوكه (١) وأمير عَشَرةٍ يقال له ابن التاجي (٢)، وجماعةٌ من الرِّجال والنِّساء ونُهبت أموالٌ كثيرة، ووقعت خبطة عظيمة في المسجد، وتهارَبَ النَّاسُ إلى منازلهم بأبيار الزَّاهر، وما كادوا يصلون إليها وما أكملت الجمعة إلا بعد جهد، فإنا الله وإنّا إليه راجعون. واجتمعت الأمراء كلُّهم على الرَّجعة إلى مكَّة للأخذ بالثَّأر منهم، ثم كرُّوا راجعين وتبعهم العبيد حتى وصلوا إلى مخيَّم الحجيج، وكادوا ينهبون الناس عامة جَهْرةً، وصار أهل البيت في آخر الزمان يصدُّون النَّاس عن المسجد الحرام، وبنو الأتراك هم الذين ينصرون الإسلام وأهلَه ويكفُّون الأذيَّة عنهم بأنفسهم وأموالهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (٣) [الأنفال: ٣٤]. وممَّن توفي فيها من الأعيان: علاء الدين بن الأثير: كاتب السرّ بمصرَ، علي (٤) بن أحمد بن سعيد بن محمد بن الأثير الحلبي الأصل، ثمَّ المصري، كانت له حرمة ووجاهة وأموال وثروة ومكانة عند السُّلطان، حتى ضربه الفالج في آخر عمره فانعزل عن الوظيفة وباشرها ابن فضل الله في حياته. الوزير العالم أبو القاسم: محمد (٥) بن محمد بن سهل بن محمد (٦) بن سهل الأزدي الغرناطي الأندلسي، من بيت الرياسة والحشمة ببلاد المغرب، قدم علينا إلى دمشق في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين (٧) وهو بعزم الحج، فسمعت بقراءته "صحيح مسلم" في تسعة مجالس على الشيخ نجم الدين بن العسقلاني. قراءة صحيحة. ثم كانت وفاته في القاهرة في ثاني عشري المحرم، وكانت له فضائل كثيرة في الفقه والنَّحو والتاريخ والأصول، وكان عاليَ الهمّة شريف النفس محترمًا ببلاده جدًّا، بحيث إنَّه يولِّي الملوك ويعزلهم، ولم يلِ هو مباشرةَ شيء ولا أهلُ بيته، وإنما كان يلقب بالوزير مجازًا.

стр. 233

شيخنا الصَّالح العابد النَّاسك الخاشع: شمس الدين أبو عبد الله محمد (١) بن الشيخ الصالح العابد شرف الدين أبي الحسن بن حُسَين بن غيلان البعلَبَكيِّ الحنبلي، إمام مسجد السلّالين (٢) بدار البطيخ العتيقة، الحديث وأسمعه، وكان يُقرئ القرآن طرفي النهار، وعليه ختمتُ القرآن في سنة إحدى عشرة وسبعمئة، وكان من الصَّالحين الكبار، والعبَّاد الأخيار. توفّي يوم السبت سادس صفر وصُلَي عليه بالجامع ودُفن بباب الصغير، وكانت جنازته حافلة. وفي هذا الشَّهر - أعني صفر - كانت وفاة والي القاهرة القدَادَار (٣) وله آثار غريبة ومشهورة (٤). بَهَادُرآص (٥) الأمير الكبير: رأسُ ميمنة الشّام، سيف الدين بَهَادُرآص المنصوري أكبر أمراء دمشق، وممّن طال عمره في الحشمة والثّروة، وهو ممَّن اجتمعت فيه الآية الكريمة ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٦) الآية [آل عمران: ١٤]. وقد كان محبَّبًا إلى العامة، وله برٌّ وصدقة وإحسان. توفي ليلة الثلاثاء تاسع عشر صفر بداره داخل باب توما المشهورة وحضر نائب السلطنة والأمراء جنازته (٧) ودُفن بتربته خارج باب الجابية (٨)، وهي مشهورة أيضًا. الحَجَّارُ ابن الشُّحنة: الشيخ الكبير المُسند المُعمَّر الرُّحلة شهاب الدين أبو العباس أحمد (٩) بن أبي طالب بن نعمة بن حسن بن علي بن بيان الدَّيْرمقرني ثم الصّالحي الحجار المعروف بابن الشُّحْنة، سمع "البخاري" على الزبيدي سنة ثلاثين وستمئة بقاسيون، وإنما ظهر سماعه سنة ست وسبعمئة، ففرح بذلك المحدَّثون وأكثروا السماع عليه، فقُرئ "البخاري" عليه نحوًا من ستّين مرَّة وغيره. وسمعنا عليه بدار الحديث الأشرفية في أيَّام الشتويات نحوًا من خمسمئة جزء بالإجازات والسماع،

стр. 234

وسماعه من الزبيدي وابن اللتيِّ، وله إجازة من بغداد فيها مئة وثمانية وثلاثون شيخًا من العوالي المُسنِدين، وقد مكث مدة مقدَّم الحجَّارين نحوًا من خمسٍ وعشرين سنة، ثم كان يخبط في آخر عمره، واستقرت عليه جامكيته لما اشتغل بإسماع الحديث، وقد سمع عليه السلطان الملك الناصر، وخلع عليه وألبسه الخلعة بيده، وسمع عليه من أهل الديار المصرية والشامية أمم لا يحصون كثرة، وانتفع الناس بذلك، وكان شيخًا حسنًا بهي المنظر سليم الصدر ممتعًا بحواسه وقواه، فإنه عاش مئة سنة محقّقًا، وزاد عليها، سمع البخاري من الزبيدي في سنة ثلاثين وستمئة، وأسمعه هو في سنة ثلاثين وسبعمئة في تاسع صفر بجامع دمشق، وسمعنا عليه يومئذ والله الحمد، ويقال إنّه أَدرك موتَ المعظَّم عيسى بن العادل لمَّا توفي، والنَّاس يسمعهم يقولون: مات المعظَّم، وقد كانت وفاة المعظَّم في سنة أربع وعشرين وستمئة. وتوفي الحجَّار يوم الإثنين خامس عشري صفر من هذه السنة، وصُلِّي عليه بالمُظَفَّري يوم ودفن بتربة له عند زاوية الرُّومي (١)، بجوار جامع الأفرم (٢). وكانت جنازته حافلةً ﵀. الشيخ نجم الدين (٣) عبد الرحيم (٤) بن عبد الرحمن: بن (٥) نصر الموصلي (٦) المعروف بابن الشَّحَّام، اشتغل ببلده ثم سافر وأقام بمدينة سراو (٧) من مملكة أردبيل (٨) ثم قدم دمشق في سنة أربع وعشرين فدرَّس بالظَّاهرية البرانية ثم بالجاروخية، وأُضيف إليه مشيخة رباط القصر (٩)، ثم نزل عن ذلك لزوج ابنته نور الدين الأردبيلي، توفي في ربيع الأول وكان يَعرفُ طرفًا من الفقه والطّب. الشَّيخ إبراهيم (١٠) الهدمة: أصله كرديّ من بلاد المشرق، فقدم الشَّام، وأَقام بين القُدس والخليل، في أرض كانت مواتًا (١١) فأحياها وغرسها وزَرَع فيها أنواعًا، وكان يُقصَدُ للزّيارة، ويَحكي النَّاسُ عنه كرامات صالحة، وقد بلغ مئةَ سنة، وتزوَّج في آخر عمره ورزق أولادًا صالحين، توفّي في جُمادى الآخرة ﵀.

стр. 235

الستّ صاحبة التربة بباب الخَوَّاصين: الخَوَنْدَةُ المعظّمة المحجّبة المحترمة: ستيتة (١) بنت الأمير سيف الدين: كوكباي (٢) المنصوري، زوجة نائب الشام تَنْكِز، توفيت بدار الذهب وصلّي عليها بالجامع ثالث رجب، ودفنت بالتُّربة التي أمرت بإنشائها بباب الخَوَّاصين (٣)، وفيها مسجد وإلى جانبها رباط للنساء ومكتب للأيتام، وفيها صدقات وبِرٌّ وصلات، وقُرئ عليها، كل ذلك أمرت به (٤)، وكانت قد حَجَّت في العام الماضي رحمها الله. قاضي قضاة طَرَابُلُس: شمس الدين [أبو عبد الله] (٥) محمد (٦) بن عيسى بن محمود البعلبكيّ المعروف بابن المجد الشافعي، اشتغل ببلده وبرعَ في فنون كثيرة، وأقام بدمشق مدة يدرِّسُ بالقُوصيّة وبالجامع، ويَؤُمُّ بمدرسة أم الصالح، ثم انتقل إلى قضاء طرابُلُس فأقام بها أربعة أشهر. ثم توفي في سادس رمضان، وتولّاها بعده ولده تقي الدين وهو أحد الفُضَلاء المشهورين، ولم تَطُل مدَّته حتى عُزل عنها وأُخرج منها. الشيخ الصالح: عبد الله (٧) بن أبي القاسم بن يوسف بن أبي القاسم الحَوْراني، شيخُ طائفتهم وإليه مرجع زاويتهم بحوران، كان عنده تفقه بعض شيء، وزهادة ويُزار، وله أصحاب يخدمونه، وبلغ السّبعين (٨) سنة، وخرج لتوديع بعض أهله إلى ناحية الكَرَك من ناحية الحجاز فأدركه الموت هناك، فمَاتَ في أوَّل ذي القعدة. الشّيخ حسن (٩) بن علي: بن أحمد الأنصاري الضرير كان بفرد عين أولًا (١٠)، ثمَّ عَمي جُمْلَةً، وكان يقرأُ القرآنَ ويُكثر التّلاوة، ثم انقطع إلى المنارة الشرقية، وكان يحضر السَّماعات ويستمعُ ويتواجَدُ، ولكثير من الناس فيه اعتقاد على ذلك، ولمجاورته في الجامع وكثرة تلاوته وصلاته والله يُسامحه. توفي يوم السبت في العشر الأول من ذي الحجة بالمئذنة الشرقية وصُلِّي عليه بالجامع، ودفن بباب الصغير.

стр. 236

محيي الدين أبو الثَّناء محمود (١): ابن الصدر شرف الدين (٢) بن القلانسي، توفي في ذي الحجة بستانه، ودُفن بتربتهم بسفح قاسيون، وهو أخو (٣) الصَّدر جمال (٤) الدين بن القلانسي، وأخيه علاء (٥)، وهم ثلاثتهم رؤساء (٦). الشّاب الرئيس: صلاح الدّين يوسُف (٧) بن القاضي قطب الدين موسى ابن شيخ السلامية، ناظر الجيش أبوه، [وكان قد] (٨) نشأ هذا الشاب (٩) في نعمة وحشمة وترفُّه وعِشْرة واجتماع بالأصحاب. توفي يوم السبت تاسع عشري ذي الحجة فاستراح من حشمته وعشرته إن لم تكن وبالًا عليه، ودُفن بتربتهم (١٠) تجاه الناصرية بالسَّفح، وتأسَّف عليه أبواه ومعارفه وأصحابُه سامحه الله. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وسبعمئة استهلَّت [والحكام هم المذكورون في التي قبلها] (١١) وقد ذكرنا ما كان من عبيد مكة إلى

стр. 237

الحجَّاج (١)، وأنه قُتل من المصريين أميران، فلمّا بلغ الخبرُ السلطانَ عَظُم عليه ذلك، وامتنع من الأكل على السّماط فيما يقال أيّامًا، ثم جرَّد ستمئة فارس وقيل ألفًا، والأول أصح، وأرسل إلى الشَّام أن يجرد مقدمًا آخر، فجُرّد الأمير سيف الدين أُلْجِيْبُغا العادلي (٢). وخرجَ من دمشقَ يوم دخلها الرّكب في سادس عشري المحرّم، وأُمرَ أن يسير إلى أَيْلَةَ ليجتمع مع المصريين، وأن يسيروا جميعًا إلى الحجاز. وفي يوم الأربعاء تاسع صفر وصل نهرُ السَّاجُور إلى مدينة حلب، وخرج نائب حلب أَرْغُون ومعه الأُمَراء مشاةً إليه في تهليل وتكبير وتحميد، يتلقَّوْن هذا النَّهر، ولم يكن لأحدٍ من المغاني ولا غيرهم أن يتكلَّم بغير ذكر الله تعالى، وفرح النَّاس بوصوله إليهم فرحًا شديدًا، وكانوا قد سَعَوْا في تخليصه (٣) من أماكن بعيدة احتاجوا فيها إلى نقب الجبال، وفيها صخورٌ ضِخَام، وعقدوا له قناطر على الأودية، وما وصل إلا بعد جهد جهيد، وأمر شديد، فلله الحمد وحده لا شريك له (٤). وحين رجع نائب حلب أَرْغُون مرض مرضًا شديدًا ومات ﵀. وفي سابع [عشر] (٥) صفر وسَّع تَنْكِز الطرقات بالشّام ظاهرَ باب الجابية، وخرَّب كلَّ ما يضيِّقُ الطرقات. وفي ثاني ربيع الأول لبس علاء الدين بن (٦) القلانسي خلعة سنّية لمباشرة نظر الدواوين (٧) ديوان ملك الأُمراء، وديوان نظر المارستان، عوضًا عن أمين الدين بن العسَّال (٨)، ورجع ابن العسال إلى حجابة الديوان الكبير. وفي يوم الخميس (٩) ثاني ربيع الأَول لبس عماد الدين بن الشيرازي خلعة نظر الأموي عوضًا عن ابن مراجل عُزل عنه لا إلى بدل عنه، وباشر جمال الدين بن الفَوَيْرة (١٠) نظر الأسرى بدلًا عن ابن الشيرازي. وفي يوم الخميس آخر ربيع الأول لبس القاضي شرف الدين (١١) عبد الله بن شرف الدين حسن بن الحافظ أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي خلعة قضاء الحنابلة عوضًا عن عز الدين بن

стр. 238

التقي سليمان، توفي ﵀، وركب من دار السعادة إلى الجامع، فقرئ تقليده تحت النَّسر بحضرة القضاة والأعيان، ثم ذهب إلى الجَوْزية فحكم بها، ثم إلى الصَّالحية وهو لابس الخلعة، واستناب يومئذ ابن أخيه عبد الله بن شهاب الدين أحمد (١). وفي سلخ ربيع الآخر اجتاز الأمير علاء الدين ألْطَنْبُغَا (٢) بدمشق وهو ذاهب إلى بلاد حلب نائبًا عليها، عوضًا عن أرغون توفي إلى رحمة الله، وقد تلقّاه النَّائبُ والجَيْشُ. وفي مستهل جُمادى الأولى حضر الأمير الشَّريف رميثة بن أبي نُمي إلى مكّة، فقُرئ تقليدهُ بإمرة مكّة من جهة السلطان، صُحبةَ التَّجريدة، وخُلع عليه، وبايعه الأمراء المجرَّدون من مِصرَ والشَّام داخل الكعبة، وقد كان وصول التجاريد إلى مكَّة في سابع ربيع الأول، فأقاموا بباب المُعَلَّى، وحصل لهم خير كثير من الصَّلاةِ والطَّوافِ، وكانت الأسعار رخيصة معهم. وفي يوم السبت سابع ربيع الآخر (٣) خُلع على القاضي عزّ الدين بن بدر الدّين بن جماعة بوكالة السُّلطان ونظر جامع ابن طولون ونظر الناصرية، وهنأه النَّاس عوضًا عن التاج (٤) إسحاق عبد الوهاب، توفّي ودُفن بالقَرَافة. وفي هذا الشهر تولّى عماد الدين ابن قاضي القضاة الأخنائي تدريس الصَّارميَّة وهو صغير بعد وفاة النجم هاشم بن عبد الله البَعْلَبَكي الشافعي، وحضرها في رجب وحضر عنده النَّاس خدمة لأبيه (٥). وفي حادي عشري جُمادى الآخرة رجعت التَّجريدة من الحجاز صحبة الأمير سيف الدين أُلْجِي بُغَا، وكانت غيبتهم خمسةَ أشهرٍ وأيامًا وأقاموا بمكة شهرًا واحدًا ويومًا واحدًا، وحصَل للعرب منهم رعبٌ شديدٌ، وخوفٌ أكيدٌ، وعزلوا عن مكَّة عطيّة، ووَلَّوْا أخاه رُمَيْتَةَ وصَلّوا وطَافُوا واعتمروا، ومنهم من أقام هناك ليَحُجَّ. وفي ثاني رجب خلع على ابن أبي الطيب بنظر ديوان بيت المال عوضًا عن ابن الصاين توفي. وفي أوائل شعبانَ حصلَ بدمشقَ هواءٌ شديدٌ مزعج كسَّر كثيرًا من الأشجار والأغصان، وألقى بعضَ

стр. 239

الحيطان والجدران، وسكن بعد ساعة بإذن الله، فلما كان يومُ تاسعه سقط بردٌ كِبَار مقدار بيض الحمام، وكسَّر بعض جامات الحمَّام (١). وفي شهر شعبان هذا خُطب بالمدرسة المعزيَّة على شاطئ النيل، أنشأها الأمير سيف الدين طقُزْدَمُر (٢)، أمير مجلس الناصري، وكان الخطيب عز الدين عبد الرحيم بن الفرات الحنفي (٣). وفي نصف رمضانَ قدم الشّيخ تاج الدين عمر بن علي بن سالم اللَّخمي ابن الفاكهاني المالكي (٤)، نزل عند القاضي الشافعي، وسمع عليه شيئًا من مصنَّفاته، وخرج إلى الحج عامئذٍ مع الشَّاميين، وزار القُدْسَ قبل وصوله إلى دمشق. وفي هذا الشهر وُطِّئ سوق الخيل ورُكِّبت فيه حَصَبات كثيرة، وعمل فيه نحو من أربعمئة نفس في أربعة أيام حتى ساوَؤه وأصلحوه، وقد كان قبل ذلك يكون فيه مياه كثيرة، ومَلَقاتٌ (٥). وفيه أُصلح سوقُ الدّقيق ظاهر (٦) باب الجابية إلى الثابتيّة وسقف عليه السقوف. وخرج الرّكب الشَّامي يوم الإثنين ثامن شوّال وأميره عز الدين أَيْبَك، أمير علم، وقاضيه شهاب الدين الظاهري (٧)، وممّن حج فيه: شهاب الدين بن جهبل، وأبو اليسر، وابن جملة، والفخر المصري، والصَّدر المالكي، وشرف الدين الكفري الحنفي، والبهاء ابن إمام المشهد، وجلال الدين الأعيالي ناظر الأيتام، وشمس الدين الكردي، وفخر الدين البعلبكي، ومجد الدين بن أبي المجد، وشمس الدين بن قيم الجوزية، وشمس الدين بن خطيب يبرود (٨)، وشرف الدين قاسم العجلوني، وتاج الدين بن الفاكهاني، والشيخ عمر السلامي (٩)، وكاتبه إسماعيل بن كثير، وآخرون من سائر المذاهب، حتى كان الشيخ بدر الدين يقول: اجتمع في ركبنا هذا أربعمئة فقيه وأربع مدارس وخانقاه، ودار حديث، وقد كان معنا من المفتين ثلاثة عشر نفسًا.

стр. 240

وكان من المصريين جماعةٌ من الفقهاء منهم قاضي المالكية تقي الدين الأخنائي، وفخر الدين النُّويري، وشمس الدين بن الحارثي، ومجد الدين الأقصرائي، وشيخ الشيوخ الشيخ محمد المرشدي. وفي ركب العراق الشيخ أسد المَراوحي (١) وكان من المشاهير. وفي الشاميين الشيخ علي الواسطي صحبة ابن المَرْجاني، وأمير المصريين مُغَلْطَاي الجَمَالي الذي كان وزيرًا في وقت، وكان إذ ذاك مريضًا، ومررنا بعين تبوك وقد أُصلحت في هذه السنة، وصِيْنت من دَوْس الجمال والجمّالين، وصار ماؤها في غاية الحُسْن والصَّفاء والطِّيب، وكانت وقفة الجمعة ومُطرنا بالطَّواف، وكانت سنةً مرخصة آمنة. وفي نصف ذي الحجة رجع تَنْكِز من ناحية قلعة جَعْبَر، وكان في خدمته أكثر الجيش الشامي، وأظهَر أُبَّهةً عظيمة في تلك النواحي. وفي سادس عشري (٢) ذي الحجة وصل توقيع القاضي علاء الدين بن القلانسي بجميع جهات أخيه جمال الدين بحكم وفاته مضافًا إلى جهاته، فاجتمع له من المناصب الكبار ما لم يجتمع لغيره من الرُّؤساء في هذه الأَعْصار، فمن ذلك: وكالة بيت المال، وقضاء العسكر، وكتابة الدست، ووكالة ملك الأمراء، ونظر البيمارستان، ونظر الحرمين، ونظر ديوان السعيد، وتدريس الأمينيّة والظاهريّة والعصرونيّة وغير ذلك من الوظائف انتهى. وممَّن توفّي فيها من الأعيان: قاضي القضاة عزّ الدين المقدسي: عز الدين أبو عبد الله محمد (٣) ابن قاضي القضاة تقي الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي، ولد سنة خمس وستين وستمئة، وسمع الحديث واشتغل على والده واستنابه في أيام ولايته، فلمّا وُلِّيَ ابن مُسَلَّم لزم بيته يحضُر درْس الجَوْزيّة ودار الحديث الأشرفية بالجبل ويأوي إلى بيته، فلما توفي ابن مُسَلَّم وُلِّي قضاء الحنابلة بعده نحوًا من أربع سنين، وكان فيه تواضُعُ وبرٌّ وقضاءٌ الحوائج الناس. وكانت وفاته يوم الأربعاء تاسع صفر، وكان يومًا مطيرًا، ومع هذا شهد النَّاسُ جنازته، ودفن بتربتهم (٤) ﵏ وولِّيَ بعد نائبه شرف الدين ابن الحافظ (٥)، وقد قارب الثمانين

стр. 241

وفي نصف صفر توفي: الأمير سيف الدين قَجْليس (١). سيف النِّقْمة (٢)، وقد كان على الحجَّار ووزيرة بالقُدْس الشَّريف. الأمير (٣) الكبير سيف الدين أَرْغُون (٤): بن عبد الله الدّويدار الناصري، وقد عمل على (٥) نيابة مصرّ مدَّة طويلة، ثم غضب عليه السلطان فأرسله إلى نيابة حلبَ، فمكث بها مدّة ثم توفي بها في سابعَ عشرَ ربيع الأول، ودفن بتربة اشتراها بحلب، وقد كان عنده فهم وفقه، وفيه ديانة واتّباع للشريعة، وقد سمع "البخاري" على الحجّار وكتبه جميعه بخطِّه، وأذن له بعضُ العلماء في الإفتاء، وكان يميل إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية وهو بمصرَ، توفّي ولم يُكمل الخمسين سنة، [وكان يكره اللَّهو ﵀. ولمّا خرج يلتقي نهرَ السَّاجور خرج في ذلٍّ ومسكنة ذل ومسكنة، وخرج معه الأُمراء كذلك مشاة في تكبير وتهليل وتحميد، ومنع المغاني واللّهو واللعبَ في ذلك ﵀. القاضي ضياء الدين: أبو الحسن علي (٦) بن سليم بن ربيعة (٧) بن سُليمان الأذرعي سليمان الأذرعي الشافعي، تنقَّل في ولاية الأقضية بمدارسَ كثيرة، مدة ستِّين سنة، وحكم بطرابُلُس وعَجْلُون وحمص و (٨) زرع وغيرها، وحكم بدمشقَ نيابةً عن القُونوي نحوًا من شهر، وكان عنده فضيلة وله نظم كثير، نظم "التنبيه" في نحو ستةَ عشرَ ألف بيت، وتصحيحها في ألف وثلاثِمئةِ بيت، وله مدائح ومواليا وأَزْجال وغير ذلك. ثم كانت وفاته بالرّملة يوم الجمعة ثالث عشري ربيع الأول عن خمس وثمانين سنة ﵀، وله عدة أولاد منهم عبد الرزاق أحد الفضلاء، وهو ممَّن جمع بين علمي الشريعة والطبيعة. أبو رويس عثمان بن معيد المغربي (٩): تملَّك في وقت بلادَ قابس، ثمَّ تغلَّب عليه جماعةٌ

стр. 242

فانتزعوها منه فقصدَ مصرَ فأقام بها وأقطع إقطاعًا، وكان يركب مع الجند في زي المغاربة متقلدًا سيفًا، وكان حسنَ الهيئة، يواظبُ على الخدمة إلى أن توفي في جُمادى الأولى. الإمام العلامة ضياء الدين أبو العباس: أحمد (١) بن قطب الدين محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي الشافعي، مدرِّسُ الحُسَامية ونائبُ الحكم بمصرَ، وأعاد في أماكنَ كثيرة، وتفقَّه على والده. توفي في جُمادى الآخرة، وتولَّى الحسَاميّة بعده ناصرُ الدِّين البريديّ (٢). [الصدر الكبير] (٣) تاج الدّين الكارمي (٤): المعروف بابن الرهايلي (٥)، كان أكبر تجار دمشق الكارميَّة (٦) وبمصرَ. توفي في جُمادى الآخرة، يُقال: إنّه خلف مئة ألف دينار غير البضائع والأثاث والأملاك. الإمام العلامة فخر الدين: عثمان (٧) بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان بن المارديني التّركماني الحنفي، شرح فخر الدين هذا "الجامع الكبير" (٨) وألقاه دروسًا في مئة كراس، توفي في رجب وله "إحدى وسبعون سنة، كان شيخًا عالمًا فاضلًا، وقورًا فصيحا حسنَ المفاكهة، وله نظم حسن. وولِّيَ بعده المنصورية ولده تاج الدين (٩). تقي الدين عمر (١٠) ابن الوزير شمس الدين: محمد بن عثمان بن السلعوس، كان [صغيرًا] لما ماتَ أبوه (١١) تحت العقوبة، ثمَّ نشأ في الخدم، ثم طلبه السلطان في آخر وقت فولّاه نظر الدّواوين بمصر، فباشر يومًا واحدًا. وحضر بين يدي السُّلطان يوم الخميس، ثم خرج من عنده وقد اضطرب حاله فما وَصَل إلى منزله إلّا في محفّة، ومات بُكرةَ يوم السبت سادس عشري ذي القعدة، وصُلّيَ عليه بجامع عمرو بن العاص، ودُفن عند والده بالقَرَافة. وكانت جنازته حافلة.

стр. 243

جمال الدين أبو العباس: أحمد (١) بن شرف الدين بن جمال الدين محمد بن أبي الفتح نصر الله بن المظفر بن أسد بن حمزة بن أسد بن علي بن محمد التميمي الدمشقي بن القلانسي، قاضي العساكر ووكيل بيت المال ومدرّس الأمينية (٢) وغيرها حفظ "التنبيه" ثم "المحرر" للرّافعي، وكان يستحضره، واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري، وتقدَّم لطلب العلم والرئاسة، وباشر جهات كبارًا، ودرَّس بأماكنَ وتفرَّد في وقته بالرياسة والبيت والمناصب الدينية والدنيوية، وكان فيه تواضعٌ وحسنُ سَمْت وتودُّد وإحسان وبر بأهل العلم والفقراء والصّالحين، وهو ممَّن أُذن له في الإفتاء وكتب إنشاء ذلك وأنا حاضر على البديهة، فأفاد وأجاد، وأحسنَ التعبير وعَظُم في عيني. توفي يوم الإثنين ثامن عشري ذي القعدة، ودفن بتربتهم بالسفح، وقد سمع الحديث على جماعة من المشايخ وخرَّج له فخر الدين البعلبكي مشيخة سمعناها عليه ﵀. ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وسبعمئة استهلَّت وحكام البلاد هم هم (٣) وفي أولها فتحت القيسارية التي كانت مَسْبَكَ الفولاذ جُوَّاباب الصّغير حوّلَها تَنْكِز قيسارية (٤) ببركة. وفي يوم الأربعاء (٥) ذكر الدَّرس بالأمينية والظَّاهرية علاء الدين بن القلانسي عوضًا عن أخيه جمال الدين، وذكر ابن أخيه أمين الدين محمد بن جمال الدين الدرس في العصرونية، تركها له عمه، وحضر عندهما جماعة من الأعيان (٦). وفي تاسع المحرّم جاء إلى حمصَ سيلٌ عظيم غرق بسببه خلقٌ كثير وجمٌّ غفير، وهلك للنَّاس أشياءُ كثيرة. وممَّن مات فيه نحو مئتي امرأة بحمام النّائب (٧) كن مجتمعات على عروس أو عروسين فهلكن جميعًا (٨).

стр. 244

وفي صفر أمر تَنْكِز ببياض الجدران المقابلة لسوق الخيل إلى باب الفراديس، وأمر بتجديد خان الظَّاهر، فغرم عليه نحوًا من سبعين ألفًا. وفي هذا الشهر وصل تابوت لاجين الصَّغير من البيرة فدُفن بتربته خارج باب شرقي (١). وفي تاسع الآخر حضر الدرس بالقيمازيّة (٢) عماد الدين الطَّرَسُوسي (٣) الحنفي عوضًا عن الشيخ رضي المنطيقي، توفي، وحضر عنده القضاة والأعيان. وفي أول ربيع الآخر خُلع على الملك الأفضل علي بن الملك المؤيد صاحب حماة وولّاه السلطان الملك الناصر مكانَ أبيه بحكم وفاته، وركب بمصر بالعصائب والنشابة والغَاشية أمامه (٤). وفي نصف هذا الشهر سافر الشيخ شمس الدين الأصفهاني شارح "المختصر" ومدرِّس الرّواحية إلى الديار المصرية على خيل البريد، وفارق دمشقَ وأهلَها واستوطن القاهرة. وفي يوم الجمعة تاسع تاسع جمادى الأولى (٥) خُطب بالجامع الذي أنشأه الأمير سيف الدين آل ملك (٦) واستقر فيه خطيبًا نور الدين علي بن شبيب الحنبلي (٧). وفيه أرسل السلطان جماعة من الأمراء إلى الصّعيد فأحاطوا على نحو من خمسمئة (٨) رجل ممن كان يقطع الطريق فأتلف بعضهم. وفي جمادى الآخرة تولّى شدَّ الدواوين بدمشق نور الدين بن الخشاب عوضًا عن الطّرقشي. وفي يوم الأربعاء حاديْ عشرَ رجب خُلع على قاضي القضاة علاء الدين بن الشيخ زين الدين بن المُنَجَّا بقضاء الحنابلة عوضًا عن شرف الدين بن الحافظ، وقرئ تقليده بالجامع، وحضر القضاة والأعيان وفي اليوم الثاني استناب برهان الدين الزُّرعي (٩). وفي رجب باشر شمسُ الدين موسى بن التاج إسحاق (١٠) نظرَ الجيوش بمصرَ عوضًا عن فخر الدين

стр. 245

كاتب المماليك توفي، وباشر النَّشْو (١) مكانَه في نظر الخاص، وخُلع عليه بطرحة، فلما كان في شعبان عُزل هو وأخوه العلم ناظر الدواوين، وصُودرا وضُربا ضربًا عظيمًا، وتَولَّى نظر الجيش المكين بن قُزْوينة، ونظر الدواوين أخوه شمس الدين بن قُزْوينة. وفي شعبان كان عرس أَنُوك، ويقال: كان اسمه محمد ابن السلطان الملك الناصر، على بنت الأمير سيف الدين بَكْتَمُر السَّاقي، وكان جهازها بألف ألف دينار، وذُبح في هذا العرس من الأغنام والدَّجاج والإوز والخيل والبقر نحو من عشرين ألفًا، وعملت (٢) حلوى بنحو ثمانية عشر ألف قنطار، وحمل له من الشمع ثلاثة آلاف قنطار، قاله الشّيخ أبو بكر الرّحبي (٣)، وكان هذا العرس ليلة الجمعة حادي عشرَ شعبانَ. وفي شعبان هذا حُوِّلَ القاضي محيي الدين بن فضل الله من كتابة السرِّ بمصرَ إلى كتابة السرِّ بالشام، ونقل شرف الدين بن شمس الدين بن الشهاب محمود إلى كتابة السر بمصر. وأُقيمت الجمعة بالشّامية البرَّانية في خامس عشرين (٤) شعبان، وحضرها القُضاة والأمراء، وخطب بها الشيخ زين الدّين عبد النُّور المغربي (٥) وذلك بإشارة الأمير حسام الدين البشْمَقْدَار الحاجب بالشّام، ثمَّ خَطب عنه كمال الدين بن الزكي (٦). وفيه أمر نائب السلطنة بتبييض البيوت من سوق الخيل إلى ميدان الحصا، ففعل ذلك (٧). وفيه زادت الفراتُ زيادةً عظيمةً لم يُسمع بمثلها، واستمرّت نحوًا من اثني عشرَ يومًا فأتلفت بالرَّحبة أموالًا كثيرة، وكسر الجسر الذي عند دير بشر، وغلت الأسْعار هناك فشرعوا في إصلاح الجسر، ثم انكسر مرة ثانية. وفي يوم السَّبت تاسع شوال خرج الرَّكبُ الشَّامي وأميره سيف الدين أُورَان (٨)، وقاضيه جمال الدين بن الشريشي (٩)، وهو قاضي حمصَ الآن.

стр. 246

وحج السُّلطان في هذه السنة وفي صحبته قاضي القضاة القزويني، وعز الدين بن جماعة، وموفق الدين الحنبلي، وسبعون أميرًا. وفي ليلة الخميس حادي عشري شوال رُسم على الصَّاحب عز الدين غبريال بالمدرسة النَّجيبية الجوّانية، وصُودر وأُخذت منه أموالٌ كثيرة، وأُفرج عنه في المحرم من السنة الآتية. وممّن توفي فيها من الأعيان: الشيخ عبد الرحمن (١) بن أبي محمد بن محمد: ابن سلطان القرامزي (٢)، أحدُ المشاهير بالعبادة والزهادة وملازمة الجامع الأموي، وكثرة التّلاوة والذّكر، وله أصحاب يجلسون إليه، وله مع هذا ثروة وأملاك. توفي في مستهلّ المحرم عن خمس أو ست وثمانين سنة (٣)، ودفن بباب الصغير، وكان قد سمع الحديث واشتغل بالعلم ثم ترك ذلك واشتغل بالعبادة إلى أن مات. الملك المؤيَّد صاحبُ حماةَ: عماد الدين إسماعيل (٤) بن الملك الأفضل نور الدين علي بن الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفّر تقي الدين عمر بن شَاهِنْشاه بن أيُّوب، كانت له فضائل كثيرة في علوم متعددة في الفقه والهيئة والطبّ وغير ذلك، وله مصنفات عديدة، منها "تاريخ" حافل حسن مختصر (٥) في مجلدين كبيرين "وله العُروض والأطوال والكلام على البلدان" في مجلد كبير (٦)، وله "نظم الحاوي" وغير ذلك، وكان يحبُّ العلماءَ، ويشاركهم في فنون كثيرة، وكان من فُضَلاء بني أيوب، وَلِيَ مُلكَ حماة من سنة إحدى وعشرين إلى هذا الحين، وكان الملك النَّاصر يكرمُه ويعظِّمه، ووَلِيَ بعده ولده الأَفضل عليّ (٧). توفي في سَحَر يوم الخميس ثامن عشرين المحرم، ودُفن ضَحْوةً عند والديه بظاهر حماة.

стр. 247

القاضي الإمام العالم المحدث (١) تاج الدين السَّعْدي: تاج الدين أبو القاسم عبد الغفّار (٢) بن محمد بن عبد الكافي بن عوض بن سِنَان بن عبد الله السَّعْدي الفقيه الشافعي، سمع الكثيرَ وخرَّج لنفسه معجَمًا في ثلاثة مجلدات، وقرأ بنفسه الكثير، وكتب الخطَّ الجيد، وكان متقنًا عارفًا بهذا الفن، يقال: إنَّه كتب بخطه نحوًا من خمسمئة مجلد، وقد كان شافعيًا مُفْتيًا، ومع هذا ناب في وقتٍ عن القاضي الحنبلي، وولّيَ مشيخة الحديث بالمدرسة الصاحبية، وتوفي بمصرَ في مستهل ربيع الأول عن ثنتين وثمانين سنة، ﵀. الشيخ رضي الدين إبراهيم (٣) بن سليمان: المنطيقي الحنفي، أصله من أَبْ كَرْم، من بلاد قونيَة، وأقام بحماة ثم بدمشق. ودرّس بالقيْمازيَّة (٤)، وكان فاضلًا في المنطق والجدل، واشتغل عليه جماعةٌ في ذلك، وبلغ من العمر ستًا وثمانين سنة، وحجَّ سبعَ مرات. توفي ليلة الجمعة سادس عشري ربيع الأول، وصُلّيَ عليه بعد الصَّلاة ودُفن بالصوفية. وفي ربيع الأول توفي: الأمير علاءُ الدّين طَيْبُغَا (٥): ودفن بتربته بالصّالحية. وكذلك الأَمير سَيْفُ الدّين زُولاق (٦): ودُفن بتربته أيضًا. قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد: عبد الله (٧) بن الحسن بن عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي، ولد سنة ست وأربعين وستمئة، وباشر نيابة ابن مسلَّم مدة، ثم ولّي القضاء في السنة الماضية، ثم كانت وفاته فجأة (٨) في مستهل جُمادى الأولى ليلةَ الخميس، ودُفن من الغد بتربة الشيخ أبي عمر. الشَّيخ ياقُوت (٩) الحَبَشيّ: الشّاذلي الإسكندرانيّ بلغ الثَّمانين، وكان له أتباع، وأصحاب منهم

стр. 248

شمس الدين بن اللَّبَّان الفقيه الشافعي، وكان يعظِّمُه ويُطْريه ويُنْسبُ إليه مبالغات الله أعلم بصحتها وكذبها] (١). توفي في جُمادى وكانت جنازته حافلة جدًّا. النَّقيب ناصح الدين: محمد (٢) بن عبد الرحيم بن قاسم بن إسماعيل الدِّمشقي، نقيب المُتَعَمِّمين، تتلمذ أولًا للشِّهاب المقرئ، ثم كان بعده من المحافل للعَزَاء والهَنَاء، وكان يعرِف هذا الفن جيدًا، وكان كثير الطَّلب من الناس، ويطلُبه النَّاس لذلك، ومع هذا مات وعليه ديونٌ كثيرة، توفي في أواخر رجب. القاضي فَخْر الدّين كاتبُ المماليك: وهو محمد (٣) بن فضل الله ناظر الجيوش بمصرَ، أَصْله قبطيٌّ، فأسلمَ وحَسُن إسلامه، وكانت له أوقاف كثيرة (٤)، وبر وإحسان إلى أهل العلم، وكان صدرًا معظَّمًا، حصل له من السلطان حظ وافر، وقد جاوز السبعين وإليه تُنسب الفخريّة بالقُدس الشريف. توفّي في نصف رجب واحتيط على أمواله وأملاكه بعد وفاته ﵀. الأَمير سيف الدين أُلْجَاي (٥) الدّويدار الملكي الناصري: كان فقيهًا حنفيًا فاضلًا، كتب بخطه ربعة، وحصَّل كتبًا كثيرة معتبرة، وكان كثيرَ الإحسان إلى أهل العلم، توفّي في سلخ رجب ﵀. الطّبيب الماهر الحاذق الفاضل: أمين الدين سليمان (٦) بن داود بن سليمان، كان رئيسَ الأطبّاء بدمشقَ ومدرِّسَهم مدَّة (٧)، ثم عزل بجمال الدين بن الشهاب الكحال (٨) مدة قبل موته لأمرٍ تعصَّب عليه فيه نائبُ السَّلطنة. توفي يوم السبت سادس عشرين شوّال ودفن بالقُبَيْبَات. الشّيخ الإمام العالم المقرئ شيخ القراء: برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم (٩) بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجَعْبريّ، ثم الخليلي الشافعي، صاحب المصنَّفات الكثيرة في القراءات وغيرها (١٠)، ولد سنة

стр. 249

أربعين وستمئة بقلعة جَعْبر، واشتغل ببغداد، ثم قدم دمشقَ، وأقام ببلد الخليل نحو أربعينَ سنةً يقرِئُ النَّاس، وشَرح الشَّاطبية وسمع الحديث، وكانت له إجازة من يوسف بن خليل الحافظ، وصنّف بالعربيّة والعّرُوض والقراءات نظمًا ونثرًا، وكان من المشايخ المشهورين بالفضائل والرّياسة والخير والدّيانة والعفَّة والصّيانة. توفّي يوم الأحد خامس شهر رمضان، ودفن ببلد الخليل تحت الزيتونة، وله ثنتان وتسعون سنة ﵀. قاضي القضاة علم الدين: أبو عبد الله بن محمد (١) بن القاضي شمس الدين أبي بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة الإخْنَائي السَّعْدي المصري الشافعي الحاكم بدمشقَ وأعمالها، كان عفيفًا نزهًا ذكيًا سادَّ العبارة محبًّا للفضائل، معظمًا لأهلها، كثيرًا لإسماع الحديث في العادلية الكبيرة، توفي يوم الجمعة ثالثَ عشرَ ذي القعدة ودُفن بسفح قاسيون عند زوجته تجاه تربة العادل كَتْبُغَا (٢) من ناحية الجبل. قُطب الدّين موسى (٣): ابن أحمد بن الحسين ابن شيخ السلامية ناظر الجيوش الشامية، كانت له ثروة وأموال كثيرة، وله فضائل وإفضال وكرم وإحسان إلى أهل الخير، وكان مَقْصَدًا في المُهمَّات. توفّي يوم الثلاثاء ثاني الحجة وقد جاوزَ السَّبعين، ودُفن بتربته (٤) تجاه النَّاصرية بقاسيون، وهو والد الشيخ الإمام العلامة عزّ الدين حمزة (٥) مدرِّس الحنبلية (٦). ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وسبعمئة استهلّت يوم الأربعاء والحكام هم المذكورون في التي قبلها (٧) وليس للشافعية قاض، وقاضي الحنفية عماد الدين الطرَسوسي، وقاضي المالكية شرف الدين الهمداني، وقاضي الحنابلة علاء الدين بن المُنَجَّى (٨)،

стр. 250

وكاتبُ السرّ محيي الدين بن فضل الله (١)، وناظرُ الجَامع عمادُ الدِّين بنُ الشِّيرازي (٢). وفي ثاني (٣) المحرَّم قدم البشيرُ بسلامة السُّلطان من الحجاز وباقتراب وصوله إلى البلاد، فدُقّت البشائر وزُيّنت البلد. وأَخبر البشير بوفاة الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الساقي (٤) وولدُه شهاب الدين أحمد وهما راجعان في الطريق، بعد أن حجَّا قريبًا من مصرَ: الولدُ أوَّلًا، ثمَّ من بعده أبوه بثلاثة أيام بعيون القَصَب (٥)، ثمّ نقلًا إلى تربتهما بالقَرَافة، ووُجدَ لبَكْتَمُر من الأَموال والجواهر واللآلئ والقماش والأمتعة والحواصل شيءٌ كثيرٌ، لا يكاد ينحصر ولا ينضبط (٦). وأفرج عن الصاحب شمس الدين غبريال في المحرَّم، وطُلب في صفر إلى مصرَ فتوجّه على خيل البريد، واحتيط على أهله بعد مسيره وأخذت منهم أموال كثيرة لبيت المال (٧). وفي أواخر صفر قدم الصّاحب أمين المُلك على نظر الدّواوين بدمشقَ عوضًا عن غبريال. وبعده بأربعة أيام قدم القاضي فخر الدين بن الحليّ (٨) على نظر الجيش بعد وفاة قطب الدين ابن شيخ السلامية. وفي نصف ربيع الأول لبس ابن جملة خِلعة القضاء للشَّافعية بدمشقَ بدار السعادة، ثم جاء إلى الجامع وهي عليه، وذهب إلى العادليّة وقُرئ تقليدُه بها بحضرة الأعيان، ودرَّس بالعادلية والغزالية يوم الأربعاء ثاني عشري الشَّهر المذكور (٩). وفي يوم الإثنين رابع عشريه حضر ابن أخيه جمال الدين محمود (١٠) إعادة القيمرية نزَل له عنها، ثم
следующие страницы →