← История

История · id 30098

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة

ابن كثير

Полный текст (651 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وحج السُّلطان في هذه السنة وفي صحبته قاضي القضاة القزويني، وعز الدين بن جماعة، وموفق الدين الحنبلي، وسبعون أميرًا. وفي ليلة الخميس حادي عشري شوال رُسم على الصَّاحب عز الدين غبريال بالمدرسة النَّجيبية الجوّانية، وصُودر وأُخذت منه أموالٌ كثيرة، وأُفرج عنه في المحرم من السنة الآتية. وممّن توفي فيها من الأعيان: الشيخ عبد الرحمن (١) بن أبي محمد بن محمد: ابن سلطان القرامزي (٢)، أحدُ المشاهير بالعبادة والزهادة وملازمة الجامع الأموي، وكثرة التّلاوة والذّكر، وله أصحاب يجلسون إليه، وله مع هذا ثروة وأملاك. توفي في مستهلّ المحرم عن خمس أو ست وثمانين سنة (٣)، ودفن بباب الصغير، وكان قد سمع الحديث واشتغل بالعلم ثم ترك ذلك واشتغل بالعبادة إلى أن مات. الملك المؤيَّد صاحبُ حماةَ: عماد الدين إسماعيل (٤) بن الملك الأفضل نور الدين علي بن الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفّر تقي الدين عمر بن شَاهِنْشاه بن أيُّوب، كانت له فضائل كثيرة في علوم متعددة في الفقه والهيئة والطبّ وغير ذلك، وله مصنفات عديدة، منها "تاريخ" حافل حسن مختصر (٥) في مجلدين كبيرين "وله العُروض والأطوال والكلام على البلدان" في مجلد كبير (٦)، وله "نظم الحاوي" وغير ذلك، وكان يحبُّ العلماءَ، ويشاركهم في فنون كثيرة، وكان من فُضَلاء بني أيوب، وَلِيَ مُلكَ حماة من سنة إحدى وعشرين إلى هذا الحين، وكان الملك النَّاصر يكرمُه ويعظِّمه، ووَلِيَ بعده ولده الأَفضل عليّ (٧). توفي في سَحَر يوم الخميس ثامن عشرين المحرم، ودُفن ضَحْوةً عند والديه بظاهر حماة.

стр. 247

القاضي الإمام العالم المحدث (١) تاج الدين السَّعْدي: تاج الدين أبو القاسم عبد الغفّار (٢) بن محمد بن عبد الكافي بن عوض بن سِنَان بن عبد الله السَّعْدي الفقيه الشافعي، سمع الكثيرَ وخرَّج لنفسه معجَمًا في ثلاثة مجلدات، وقرأ بنفسه الكثير، وكتب الخطَّ الجيد، وكان متقنًا عارفًا بهذا الفن، يقال: إنَّه كتب بخطه نحوًا من خمسمئة مجلد، وقد كان شافعيًا مُفْتيًا، ومع هذا ناب في وقتٍ عن القاضي الحنبلي، وولّيَ مشيخة الحديث بالمدرسة الصاحبية، وتوفي بمصرَ في مستهل ربيع الأول عن ثنتين وثمانين سنة، ﵀. الشيخ رضي الدين إبراهيم (٣) بن سليمان: المنطيقي الحنفي، أصله من أَبْ كَرْم، من بلاد قونيَة، وأقام بحماة ثم بدمشق. ودرّس بالقيْمازيَّة (٤)، وكان فاضلًا في المنطق والجدل، واشتغل عليه جماعةٌ في ذلك، وبلغ من العمر ستًا وثمانين سنة، وحجَّ سبعَ مرات. توفي ليلة الجمعة سادس عشري ربيع الأول، وصُلّيَ عليه بعد الصَّلاة ودُفن بالصوفية. وفي ربيع الأول توفي: الأمير علاءُ الدّين طَيْبُغَا (٥): ودفن بتربته بالصّالحية. وكذلك الأَمير سَيْفُ الدّين زُولاق (٦): ودُفن بتربته أيضًا. قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد: عبد الله (٧) بن الحسن بن عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي، ولد سنة ست وأربعين وستمئة، وباشر نيابة ابن مسلَّم مدة، ثم ولّي القضاء في السنة الماضية، ثم كانت وفاته فجأة (٨) في مستهل جُمادى الأولى ليلةَ الخميس، ودُفن من الغد بتربة الشيخ أبي عمر. الشَّيخ ياقُوت (٩) الحَبَشيّ: الشّاذلي الإسكندرانيّ بلغ الثَّمانين، وكان له أتباع، وأصحاب منهم

стр. 248

شمس الدين بن اللَّبَّان الفقيه الشافعي، وكان يعظِّمُه ويُطْريه ويُنْسبُ إليه مبالغات الله أعلم بصحتها وكذبها] (١). توفي في جُمادى وكانت جنازته حافلة جدًّا. النَّقيب ناصح الدين: محمد (٢) بن عبد الرحيم بن قاسم بن إسماعيل الدِّمشقي، نقيب المُتَعَمِّمين، تتلمذ أولًا للشِّهاب المقرئ، ثم كان بعده من المحافل للعَزَاء والهَنَاء، وكان يعرِف هذا الفن جيدًا، وكان كثير الطَّلب من الناس، ويطلُبه النَّاس لذلك، ومع هذا مات وعليه ديونٌ كثيرة، توفي في أواخر رجب. القاضي فَخْر الدّين كاتبُ المماليك: وهو محمد (٣) بن فضل الله ناظر الجيوش بمصرَ، أَصْله قبطيٌّ، فأسلمَ وحَسُن إسلامه، وكانت له أوقاف كثيرة (٤)، وبر وإحسان إلى أهل العلم، وكان صدرًا معظَّمًا، حصل له من السلطان حظ وافر، وقد جاوز السبعين وإليه تُنسب الفخريّة بالقُدس الشريف. توفّي في نصف رجب واحتيط على أمواله وأملاكه بعد وفاته ﵀. الأَمير سيف الدين أُلْجَاي (٥) الدّويدار الملكي الناصري: كان فقيهًا حنفيًا فاضلًا، كتب بخطه ربعة، وحصَّل كتبًا كثيرة معتبرة، وكان كثيرَ الإحسان إلى أهل العلم، توفّي في سلخ رجب ﵀. الطّبيب الماهر الحاذق الفاضل: أمين الدين سليمان (٦) بن داود بن سليمان، كان رئيسَ الأطبّاء بدمشقَ ومدرِّسَهم مدَّة (٧)، ثم عزل بجمال الدين بن الشهاب الكحال (٨) مدة قبل موته لأمرٍ تعصَّب عليه فيه نائبُ السَّلطنة. توفي يوم السبت سادس عشرين شوّال ودفن بالقُبَيْبَات. الشّيخ الإمام العالم المقرئ شيخ القراء: برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم (٩) بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجَعْبريّ، ثم الخليلي الشافعي، صاحب المصنَّفات الكثيرة في القراءات وغيرها (١٠)، ولد سنة

стр. 249

أربعين وستمئة بقلعة جَعْبر، واشتغل ببغداد، ثم قدم دمشقَ، وأقام ببلد الخليل نحو أربعينَ سنةً يقرِئُ النَّاس، وشَرح الشَّاطبية وسمع الحديث، وكانت له إجازة من يوسف بن خليل الحافظ، وصنّف بالعربيّة والعّرُوض والقراءات نظمًا ونثرًا، وكان من المشايخ المشهورين بالفضائل والرّياسة والخير والدّيانة والعفَّة والصّيانة. توفّي يوم الأحد خامس شهر رمضان، ودفن ببلد الخليل تحت الزيتونة، وله ثنتان وتسعون سنة ﵀. قاضي القضاة علم الدين: أبو عبد الله بن محمد (١) بن القاضي شمس الدين أبي بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة الإخْنَائي السَّعْدي المصري الشافعي الحاكم بدمشقَ وأعمالها، كان عفيفًا نزهًا ذكيًا سادَّ العبارة محبًّا للفضائل، معظمًا لأهلها، كثيرًا لإسماع الحديث في العادلية الكبيرة، توفي يوم الجمعة ثالثَ عشرَ ذي القعدة ودُفن بسفح قاسيون عند زوجته تجاه تربة العادل كَتْبُغَا (٢) من ناحية الجبل. قُطب الدّين موسى (٣): ابن أحمد بن الحسين ابن شيخ السلامية ناظر الجيوش الشامية، كانت له ثروة وأموال كثيرة، وله فضائل وإفضال وكرم وإحسان إلى أهل الخير، وكان مَقْصَدًا في المُهمَّات. توفّي يوم الثلاثاء ثاني الحجة وقد جاوزَ السَّبعين، ودُفن بتربته (٤) تجاه النَّاصرية بقاسيون، وهو والد الشيخ الإمام العلامة عزّ الدين حمزة (٥) مدرِّس الحنبلية (٦). ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وسبعمئة استهلّت يوم الأربعاء والحكام هم المذكورون في التي قبلها (٧) وليس للشافعية قاض، وقاضي الحنفية عماد الدين الطرَسوسي، وقاضي المالكية شرف الدين الهمداني، وقاضي الحنابلة علاء الدين بن المُنَجَّى (٨)،

стр. 250

وكاتبُ السرّ محيي الدين بن فضل الله (١)، وناظرُ الجَامع عمادُ الدِّين بنُ الشِّيرازي (٢). وفي ثاني (٣) المحرَّم قدم البشيرُ بسلامة السُّلطان من الحجاز وباقتراب وصوله إلى البلاد، فدُقّت البشائر وزُيّنت البلد. وأَخبر البشير بوفاة الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الساقي (٤) وولدُه شهاب الدين أحمد وهما راجعان في الطريق، بعد أن حجَّا قريبًا من مصرَ: الولدُ أوَّلًا، ثمَّ من بعده أبوه بثلاثة أيام بعيون القَصَب (٥)، ثمّ نقلًا إلى تربتهما بالقَرَافة، ووُجدَ لبَكْتَمُر من الأَموال والجواهر واللآلئ والقماش والأمتعة والحواصل شيءٌ كثيرٌ، لا يكاد ينحصر ولا ينضبط (٦). وأفرج عن الصاحب شمس الدين غبريال في المحرَّم، وطُلب في صفر إلى مصرَ فتوجّه على خيل البريد، واحتيط على أهله بعد مسيره وأخذت منهم أموال كثيرة لبيت المال (٧). وفي أواخر صفر قدم الصّاحب أمين المُلك على نظر الدّواوين بدمشقَ عوضًا عن غبريال. وبعده بأربعة أيام قدم القاضي فخر الدين بن الحليّ (٨) على نظر الجيش بعد وفاة قطب الدين ابن شيخ السلامية. وفي نصف ربيع الأول لبس ابن جملة خِلعة القضاء للشَّافعية بدمشقَ بدار السعادة، ثم جاء إلى الجامع وهي عليه، وذهب إلى العادليّة وقُرئ تقليدُه بها بحضرة الأعيان، ودرَّس بالعادلية والغزالية يوم الأربعاء ثاني عشري الشَّهر المذكور (٩). وفي يوم الإثنين رابع عشريه حضر ابن أخيه جمال الدين محمود (١٠) إعادة القيمرية نزَل له عنها، ثم

стр. 251

استنابه بعد ذلك في المجلس، وخرج إلى العادلية فحكم بها، ثم لم يستمر بعد ذلك، عُزل عن النيّابة بيومه، واستناب بعده جمال الدين إبراهيم بن شمس الدين محمد بن يوسُف الحسباني (١)، وله همّة وعنده نزاهةٌ وخبرةٌ بالأحكام. وفي ربيع الأول ولّيَ شهاب الدين (٢) قَراطَاي نيابةَ طرابُلُس، وعُزل عنها طِيْنَال (٣) إلى نيابة غزّة وتولَّى نائب غزَّةَ حمصَ، وحصل للذي جاء بتقاليدهم مئة ألف درهم منهم. وفي ربيع الآخرة أعيد القاضي محيي الدين بن فضل الله وولده إلى كتابة سرّ مصرَ، ورجع شرف الدين بن الشّهاب محمود إلى كتابة سرّ الشام كما كان. وفي منتصف هذا الشهر وُلِّيَ نِقابة الأشراف عماد الدين موسى الحُسَيْني عوضًا عن أخيه شرف الدين عدنان توفي في الشهر الماضي ودُفن بتربتهم عند مسجد الدُّبَّان (٤). وفيه درَّس الفخر المصري بالدّولعية عوضًا عن ابن جملة بحكم ولايته القضاء (٥). وفي خامس عشري رجب درَّس بالبادرائية القاضي علاء الدين علي بن شريف ويُعرف بابن الوحيد (٦)، عوضًا عن ابن جهبل توفي في الشَّهر الماضي، وحضر عنده القضاة والأَعيان، وكنتُ إذ ذاك بالقدس أنا والشيخ شمس الدين بن عبد الهادي وآخرون. وفيه رسم السلطان الملك الناصر بالمنع من رمي البندق، وأن لا تُباعَ قِسيُّها ولا تُعمل، وذلك لإفساد رماة البندق أولادَ النّاس، وأن الغالب على من تعاناه اللواط والفسق وقلة الدين، ونُودي بذلك في البلاد المصرية والشامية (٧). قال البِرْزالي: وفي نصف شعبان أمر السُّلطان بتسليم المنجِّمين إلى والي القاهرة فضُربوا وحُبِسُوا ثمّ نُفُوا لإفسادهم حالَ النِّساء، فمات منهم أربعةٌ تحت العقوبة، ثلاثةٌ من المسلمين ونصراني، وكتب إليَّ بذلك الشيخ أبو بكر الرحبي.

стр. 252

وفي أوّل رمضانَ وصل البريد بتولية الأمير فخر الدين [عثمان بن محمد] (١) الشمس لؤلؤ ولاية البر بدمشق بعد وفاة شهاب الدين بن المرواني. ووصل كتاب من مكَّةَ إلى دمشق في رمضانَ يُذكر فيه أنّها وقعت صواعقُ ببلاد الحجاز فقتلت جماعة متفرِّقين في أماكن شتَّى، وأمطار كثيرة جدًّا. وجاء البريدُ في رابع رمضانَ بتولية القاضي الدين بن جهبل (٢) قضاء طرابُلُس فذهب إليها. ودرَّس ابن المجد عبد الله (٣) بالرّواحية عوضًا عن الأَصْبَهاني بحكم إقامته بمصر. وفي آخر رمضان أفرج عن الصّاحب علم الدين وأخيه شمس الدين موسى بن التاج إسحاق بعد سَجْنهما سنةً ونصفًا (٤). وخرج الرَّكبُ الشّامي الخميس عاشر شوّال وأميره بدر الدين بن مَعْبد وقاضيه علاء الدين بن منصور مدرِّس الحنفية بالقدس بمدرسة تَنْكِز، وفي الحُجَّاج صدر الدين المالكي، وشهاب الدين الظهيري، ومحيي الدين بن الأعقف وآخرون. وفي يوم الأحد ثالث عشره درَّس بالأَتابكيَّة ابن جملة عوضًا عن ابن جهبل الذي تولّى قضاء طرابُلُس (٥). وفي يوم الأحد عشرينه حكم القاضي شمس الدين محمد بن كامل التَّدمري (٦)، الذي كان في خطابة الخليل بدمشْقَ نيابةً عن ابن جملة، وفرح الناس بدينه وفضيلته. وفي ذي القعدة مَسَك تَنْكِزُ دواداره ناصرَ الدِّين محمّد، وكان عندَه بمكانةٍ عظيمة جدًّا، وضربه بين يديه ضَرْبًا مُبْرحًا، واستخلص منه أموالًا كثيرة، ثم حبسه بالقلعة ثم نفاه إلى القدس، وضُرب جماعةٌ من أصحابه منهم علاء الدين بن مقلّد حاجب العرب، وقطع لسانه مرتين، ومات، وتغيرت الدولة وجاءت دولة أخرى مقدَّمُها عنده حمزةُ الذي كان سميره وعشيرَه في هذه المدة الأخيرة، وانزاحت النِّعمة الدوادار ناصر الدين وذويه ومن يليه. وفي يوم الثلاثاء ثامن عشري ذي القعدة ركِّب على الكعبة بابُ جديد أرسله السلطان مرصَّعًا من السِّنط (٧) الأحمر كأنه آبَنوس، مركَّب عليه صفائح من فضة زنتها خمسةٌ وثلاثون ألفًا وثلاثِمئةِ وكسر، وقلع

стр. 253

الباب العتيق، وهو من خشب السّاج، وعليه صفائح تسلَّمها بنو شَيْبَةَ، وكان زِنتها ستين رطلًا فباعوها كل در هم بدرهمين، لأجل التَّبرُّك. وهذا خطأ وهو رِبًا - وكان ينبغي أن يبيعوها بالذهب لئلا يحصل رِبًا بذلك - وتُرك خشبُ الباب العتيق داخل الكعبة، وعليه اسم صاحب اليمن في الفَرْدَتَيْن، سَطْرٌ واحدٌ (١): اللَّهم يا وليُّ يا عليّ اغفر ليوسُفَ بن عمرَ بن عَلِيّ (٢). وممّن توفي فيها من الأعيان: الشيخ العالم تقي الدين محمود بن (٣) علي: ابن محمود بن مقبل الدَّقوقي أبو الثناء البغدادي محدّث بغداد منذ خمسينَ سنةً، يقرأ لهم الحديث وقد وُلّي مشيخة الحديث بالمُسْتَنصريّة (٤)، وكان ضابطًا محصِّلًا بارعًا، وكان يعظُ ويتكلَّمُ في الأَعْزيَة والأَهْنيَة، وكان فردًا في زمانه وبلاده ﵀. توفي في المحرَّم وله قريب السبعين سنة، وشهد جنازته خلق كثير، ودفن بتربة الإمام أحمد، ولم يخلّف درهمًا واحدًا، وله قصيدتان رَثَى بهما الشيخ تقي الدين بن تيمية، كتب بهما إلى الشيخ الحافظ البرزالي رحمه الله تعالى. الشَّيخُ الإمام العالم عزُّ القضاة: فخر الدين أبو محمد عبد الواحد (٥) بن منصور بن محمد بن المُنَيّر المالكيّ الإسكندري، أحد الفضلاء المشهورين، له تفسير في ستَّة مجلدات، وقصائد في رسول الله ﷺ حسنة، وله [نظم] (٦) في كان وكان، وقد سمعَ الكثيرَ ورَوى (٧). توفي في جُمادى الأولى عن ثنتين وثمانين سنة، ودفن بالإسكندرية. ﵀. ابن جماعة قاضي القضاة: العالم شيخ الإسلام بدر الدين أبو عبد الله محمد (٨) ابن الشيخ الإمام الزاهد أبي إسحاق إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن حازم بن صخر الكناني الحموي الأصل

стр. 254

[الشافعي] (١)، ولد ليلة السبت رابع ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وستمئة بحماة، وسمع الحديث واشتغل بالعلم، وحصّل علومًا متعددة، وتقدَّم وسادَ أقرانه، وباشر تدريس القيمرية، ثم وُلِّي الحكمَ والخطابةَ بالقدس الشّريف، ثم نُقل منه إلى قضاء مصرَ في الأيام الأشرفية، ثم باشر تداريسَ كبارٍ بها (٢) في ذلك الوقت، ثم وُلِّي قضاء الشّام وجُمع له معه الخطابة ومشيخة الشيوخ وتدريس العادلية وغيرها مدة طويلة، كل هذا مع الرّياسة والديانة والصيانة والورع، وكف الأذى، وله التَّصانيف الفائقة النافعة، وجمع له خطبًا كان يخطب بها في طيب صوت فيها وفي قراءته في المحراب وغيره، ثم نُقل إلى قضاء الديار المصريّة بعد وفاة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فلم يزل حاكمًا بها إلى أن أَضَرَّ وكَبِرَ وضعُفَت أحواله، فاستقال فأقيل وتولَّى مكانه القزويني، وبقيت معه بعض الجهات ورُتّبت له الرواتب الكثيرة الدارَّة إلى أن توفي ليلة الإثنين بعد عشاء الآخرة حادي عشري جُمادى الأولى، وقد أكمل أربعًا وتسعين سنةً وشهرًا وأيامًا، وصُلِّيَ عليه من الغد قبل الظهر بالجامع الناصري بمصر، ودفن بالقَرَافة، وكانت جنازته حافلة هائلة ﵀. الشَّيخ الإمام الفاضل مفتي المسلمين: شهاب الدّين أبو العباس أحمد (٣) بن محيي الدين يحيى بن تاج الدين إسماعيل بن طاهر بن نصر الله بن جَهْبَل الحلبيّ الأصل ثمّ الدمشقي الشافعي، كان من أعيان الفقهاء. ولد سنة سبعين وستمئة، واشتغل بالعلم، ولزم المشايخ، ولازم الشَّيخ الصَّدر بن الوكيل (٤)، ودرّس بالصلاحية بالقدس، ثم تركها وتحوَّل إلى دمشق فباشر مشيخة دار الحديث الظاهرية مدة (٥)، ثم ولي مشيخة البادرائية فترك الظَّاهرية وأقام بتدريس البادرائية إلى أن مات (٦)، ولم يأخذ معلومًا من واحدة منهما. توفي يوم الخميس بعد العصر تاسع جُمادى الآخرة وصُلِّيَ [(٧) عليه بعد الصّلاة ودفن بالصُّوفية وكانت جنازته حافلة.

стр. 255

تاج الدين عبد الرحمن (١) بن أيوب: مُغَسّلُ الموتى في سنة ستين وستمئة، يقال: إنّه غَسّل ستين ألف ميِّت. وتوفّي في رجب وقد جاوز الثَّمانين. الشيخ فخر الدين أبو محمد: عبد الله (٢) بن محمد بن عبد العظيم بن السَّقَطي الشَّافعي، كان مباشرًا شهادةَ الخِزَانة، وناب في الحكم عند باب النصر (٣) ودُفن بالقَرَافة. الإمام الفاضل مجموع الفضائل: شهاب الدين أبو العباس أحمد (٤) بن عبد الوهاب البكري، نسبةً إلى أبي بكر الصدِّيق ﵁ كان لطيف المعاني ناسخًا مُطيقًا يكتب في اليوم ثلاثة كراريس، وكتب "البخاري" ثماني مرات ويقابله ويجلِّده ويبيع النسخة ذلك بألف ونحوه، وقد جمع "تاريخًا" في ثلاثين مجلدًا، وكان ينسخه ويبيعه أيضًا بأزيد من ألف، وذكر أن له كتابًا سماه "منتهى الأرب في علم" الأدب" (٥) في ثلاثين مجلدًا أيضًا، وبالجملة كان نادرًا في وقته. توفي يوم الجمعة عشرين رمضان ﵀. الشيخ الصالح الزاهد الناسك: الكثيرُ الحَجّ عليُّ (٦) بن الحسن بن أحمد الواسطي، المشهور بالخير والصّلاح، وكَثرة العبادة والتلاوة والحج، يقال: إنّه حج أزيد من أربعين حَجَّة، وكانت عليه مهابة ولديه فضيلة. توفّي وهو محرم يوم الثلاثاء ثامن عشري ذي القَعدة وقد قارب الثمانين ﵀. الأمير عز الدين إبراهيم (٧) بن عبد الرحمن: بن محمد بن (٨) أحمد بن القوّاس، كان مباشرًا الشدّ في بعض الجهات السلطانية، وله دار حسنة بالعُقَيْبة الصّغيرة، فلمّا حضرته (٩) الوفاة أوصى أن تُجعل

стр. 256

مدرسةً (١)، ووقف عليها أوقافًا، وجعل تدريسها للشيخ عماد الدين الكردي الشافعي (٢). توفي يوم الأربعاء عشرين ذي الحجة. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وسبعمئة استهلّت بيوم الأحد [وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها] (٣). وفي يوم الجمعة ثاني ربيع الأول أُقيمت الجمعة بالخاتونية البرانية (٤)، وخطب بها شمسُ الدين النَّجَّار المؤذن المؤقت بالأموي، وترك خطابة جامع القابون (٥). وفي مستهلّ هذا الشهر سافر الأمير شمس الدين محمد التَّدْمري إلى القدس حاكمًا به، وعُزلَ عن نيابة الحكم بدمشق. وفي ثالثه قدم من مصر زين الدين عبد الرحيم ابن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة بخطابة القدس، فخُلع عليه من دمشقَ [فلبسها] (٦) ثم سافر إليها. وفي آخر ربيع الأوَّل باشر الأمير ناصر الدين بن بكتاش الحسامي شد الأوقاف عوضًا عن شرف الدين محمود بن الخطيري (٧)، سافر بأهله إلى مصر أميرًا نيابة بها عن أخيه بدر الدّين مسعود (٨). وعُزل القاضي علاء الدين بن القلانسي، وسائر الدّواوين والمباشرين الذين في باب ملك الأمراء تَنْكِز وصُودروا بمئتي ألف درهم، واستدعي من غزة ناظرها جمال الدين يوسف صهر السني المستوفي، فباشر نظر ديوان النائب ونظر المارستان النوري أيضًا على العادة.

стр. 257

وفي شهر ربيع الأول أمر تَنْكِز بِإصلاح باب تُوما فشُرع فيه فرُفع بابُه عشرةَ أذرعٍ، وجُدّدت حجارتُه وحديدُه في أسرع وقت. وفي هذا الوقت حصل بدمشقَ سيلٌ خرَّب بعض الجُدران ثمّ تناقص. وفي أوائل ربيع الآخر قدم من مصرَ جمال الدين أقوش نائبُ الكَرَك مجتازًا إلى طرابُلُس نائبًا بها عوضًا عن قَرَاطاي (١) توفي. وفي جُمادى الأُولى طُلب القاضي شهاب الدين بن المجد عبد الله إلى دار السّعادة فوُلّي وكالة بيت المال عوضًا عن ابن القلانسي، ووصل تقليده من مصر بذلك، وهنَّأَهُ النَّاسُ (٢). وفيه طُلب الأمير نجم الدين بن الزَّيبق من ولاية نابلس فوُلّي شدَّ الدواوين بدمشق، [وقد شغر منصبُه شهورًا بعد ابن الخشاب] (٣). وفي رمضان خطب الشيخ بدر الدين أبو اليسر بن الصائغ (٤) بالقدس عوضًا عن زين الدين بن جماعة لإعراضه عنها واختياره العَوْدَ إلى بلده. قضيّةُ القاضي ابن جملة (٥) لمَّا كان في العَشْر الأخير من رمضان وقع بين القاضي ابن جملة وبين الشيخ الظَّهير شيخ ملك الأُمراء - وكان هو السفير في تولية ابن جملة القضاء - فوقع بينهما منافسةٌ ومخانقةٌ (٦) في أمورٍ كانت بينه وبين الدَّوادار المتقدِّم ذِكرُه ناصر الدين، فحلف كل واحد منهما على خلاف ما حلف به الآخر عليه، وتفاصلا من دار السَّعادة في المسجد، فلما رجع القاضي إلى منزله بالعادليّة أَرسل إليه الشيخ الظَّهير ليحكم فيه بما فيه المصلحة، وذلك عن مرسوم النَّائب، وكأنه كان خديعة في الباطن وإظهارًا لنصرة القاضي عليه في الظَّاهر، فبدر به القاضي باديَ الرَّأي فعزَّره بين يديه، ثم خرج من عنده فتسلمه أَعوانُ ابن جملة فطافوا به البلد على حمارٍ يوم الأربعاء سابع عشري رمضان، وضربوه ضربًا عنيفًا، ونادَوْا عليه: هذا جزاء من

стр. 258

يكذب ويفتات على الشرع، فتألَّم الناس له لكونه في الصيام. وفي العَشْر الأخير من رمضانَ، ويوم سبع وعشرين، وهو شيخٌ كبيرٌ صائمٌ، فيقال: إنه ضُرب يومئذ ألفين ومئة وإحدى وسبعين دِرَّة والله أعلم، فما أَمسى حتى استفتى على القاضي المذكور وداروا على المشايخ بسبب ذلك عن مرسوم النائب، فلمَّا كان يوم تاسع عشري رمضان عَقَد نائبُ السَّلطنة بين يديه بدار السعادة مجلسًا حافلًا بالقضاة وأعيان المفتين من سائر المذاهب، وأُحضر ابن جملة قاضي الشَّافعية والمجلس قد احتفل بأهله، ولم يَأْذنوا لابن جملة في الجلوس، بل قامَ قائمًا (١) ثم أُجلس بعد ساعة جيدة في طرف الحَلْقة، إلى جانب المحفَّة التي فيها الشيخ الظَّهير، وادَّعى عليه عند بقية القضاة أنَّه حكم فيه لنفسه، واعتَدى عليه في العقوبة، وأفاض الحاضرون في ذلك، وانتشر الكلام وفهموا من نفس النّائب الحطَّ على ابن جملة، والميل عنه (٢) بعد أن كان إليه، فما انفصل المجلسُ حتى حَكَم القاضي شرف الدين المالكي بفسقه وعزله وسَجنه، فانفض المجلس على ذلك، ورُسم على ابن جملة بالعَذْراويّة ثم نُقل إلى القلعة جزاءً وفاقًا والحمدُ لله وحده (٣)، وكان له في القضاء سنةٌ ونصفٌ إلا أيامًا، وكان يباشرُ الأحكام جيدًا، وكذا الأوقاف المتعلقة به، وفيه نزاهةٌ وتمييز الأوقاف بين الفقهاء والفقراء، وفيه صَرامةٌ وشَهامة وإقدام، لكنَّه أخطأ في هذه الواقعة، وتعدى فيها، فآل أمره إلى هذا. وخرجَ الرَّكبُ يوم الإثنين عاشرِ شوّال وأميره اُلْجِي بُغَا، وقاضيه] (٤) مجد الدين بن حيَّان المصري. وفي يوم الإثنين رابع عشريه درَّس بالاقبالية الحنفية نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الطَّرَسوسي الحنفي عوضًا عن شمس الدين محمد بن عثمان بن محمد الأَصْبهاني بن العجمي الحبطي، ويُعرف بابن الحنبلي، وكان فاضلًا دينًا متقشفًا كثير الوَسْوَسَة في الماء جدًّا، (٥) وأما المدرّس مكانه وهو نجم الدين بن الحنفي (٦) فإنَّه ابن خمسَ عَشْرَةَ سنة، وهو في النباهة والفهم، وحسن الاشتغال والشكل والوقار، بحيث غبط الحاضرون كلُّهم أباه على ذلك، ولهذا آل أمره أن تولى قضاء القضاة في حياة أبيه، نَزَلَ له عنه وحُمِدَت سيرتُه وأحكامُه. وفي هذا الشهر أُثبت محضرٌ في حقِّ الصاحب شمس الدين غبريال المتوفّى في هذه السنة أنه كان

стр. 259

يشتري أملاكًا من بيت المال ويوقفها ويتصرّف فيها تصرُّف الملَّاك لنفسه، وشهد بذلك كمال الدين بن (١) الشيرازي وابن أخيه عماد الدين وعلاء الدين بن القلانسي وابن خاله عماد الدين بن عز الدين بن القلانسي، وعز الدين بن المُنجّى، وتقي الدين بن مراجل، وكمال الدين بن الفويرة، وأُثبت على القاضي برهان الدين الزُّرعي الحنبلي ونفذه بقيَّةُ القضاة، وامتنع المحتسب عز الدين بن القلانسي من الشَّهادة فرُسم عليه بالعذراوية قريبًا من شهر، ثم أُفرج عنه وعُزل عن الحِسبة، واستمرَّ على نظر الخزانة (٢). وفي يوم الأحد ثامن عشري ذي القعدة حُملت خلعة القضاءِ إلى الشيخ شهاب الدين بن المجد وكيل بيت المال يومئذ، فلبسها وركب إلى دار السعادة وقُرئ تقليده بحضرة نائب السلطنة والقضاة ثم رجع إلى مدرسته الإقبالية فقُرئ بها أيضًا وحَكَم بين خَصْمين، وكتب على أوراق السّائلين (٣)، ودرَّس بالعادلية والغَزَاليَّة والأتابكيَّة (٤) مع تدريس الإقبالية عوضًا عن ابن جملة. وفي يوم الجمعة رابع الحجة حضر الأمير حسام الدين مُهَنّا بن عيسى وفي صحبته صاحبُ حماة الأَفْضَل، فتلقاهما تَنْكِز وأكرمهما، وصَلَّيَا الجُمُعَة عند النائب ثم توجَّها إلى مصرَ، فتلقَّاهما أعيانُ الأمراء وأَكرمَ السُّلطان مُهَنَّا بن عيسى وأطلق له أموالًا جزيلة كثيرة، من الذَّهب والفِضَّة والقماش، وأقطعه عدَّةَ قرى ورَسم له بالعَوْد إلى أهله، ففرح النَّاسُ بذلك. قالوا: وكان جميعُ ما أنعم به عليه السلطان قيمة مئة ألف دينار (٥)، وخلع عليه وعلى أصحابه مئة وسبعين خلعةً. وفي يوم الأحد سادس ذي الحجة حضر درس الرّواحية الفخرُ المصري عوضًا عن قاضي القضاة ابن المجد وحضر عنده القضاة الأربعة وأعيان الفضلاء (٦). وفي يوم عرفة خُلع على نجم الدين بن أبي الطيِّب بوكالة بيت المال، عوضًا عن ابن المجد، وعلى عماد الدِّين بن الشيرازي بالحسبة عوضًا عن عز الدين بن القلانسي وخرج الثَّلاثةُ من دار السعادة بالطَّرْحات.

стр. 260

وممَّن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الأجل التاجر الصَّدوق (١) بدر الدين: لُؤلُؤ (٢) بن عبد الله عتيق النَّقيب شُجاع الدِّين إدريس، وكان رجلًا حسنًا يتَّجرُ في الجُوخ. مات فجأةً عصر يوم الخميس خامس محرم وخلَّف أولادًا وثروة، ودفن بباب الصغير، وله بر وصدقة ومعروف، وسُبْعٌ بمسجد ابن هشام (٣). الصدر أمين الدين: محمد (٤) بن فخر الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن أبي العيش الأَنْصاري الدمشقي باني المسجد المشهور بالربوة، على حافة بردى والطَّهارة والحجارة إلى جانبه، والسُّوق الذي هناك، وله بجامع النَّيرب ميعاد. ولد سنة ثمان وخمسين وستمئة، وسمع "البخاري" وحدَّث به، وكان من أكابر التجّار ذوي اليسار، توفي بُكْرة الجمعة سادس المحرم ودفن بتربته (٥) بقاسيون ﵀. الخطيب الإمام العالم: عماد الدين أبو حفص (٦) [عمر بن الخطيب ظهير الدين عبد الرحيم بن يحيى بن إبراهيم بن علي بن جعفر] (٧) بن عبد الله بن الحسن القرشي الزُّهري النابلسي، خطيب القدس، وقاضي نابلس مدة طويلة، ثم جمع له بين خطابة القدس وقضائها، وله اشتغال وفيه فضيلة، وشرح "صحيح مسلم" في مجلدات، وكان سريع الحفظ سريع الكتابة. توفي ليلة الثلاثاء عاشر المحرم ودفن بماملا ﵀. الصدر شمس الدين: محمد (٨) بن إسماعيل بن حمَّاد التاجر بقيساريّة الشرب، كتب المنسوب وانتفع به الناس، وولي سمسرة (٩) التجّار لأمانته وديانته، وكانت له معرفة ومطالعة في الكتب. توفي تاسع صفر عن نحو ستين سنة. ودفن بقاسيون ﵀.

стр. 261

جمال الدين قاضي القضاة الزُّرَعيّ: هو أبو الربيع سُليمان (١) ابن الخطيب مجد الدين عمر بن سليمان (٢) بن عمرو بن عثمان الأَذْرَعي الشّافعي ولد سنة خمس وأربعين وستمئة بأذرعات، واشتغل بدمشقَ فحصَّل، وناب في الحكم بزُرَع مدة فعرف بالزُّرَعي لذلك، وإنما هو من أذرعات وأصله من بلاد المغرب، ثم نابَ بدمشقَ ثم انتقل إلى مصرَ فناب في الحكم بها، ثم استقلَّ بولاية القضاء بها نحوًا من سنة، ولِّي قضاء الشام مدة مع مشيخة الشيوخ نحوًا من سنة، ثم عُزل وبقي على مشيخة الشيوخ نحوًا من سنة من تدريس الأتَابكية، ثم تحوَّل إلى مصرَ فوُلِّي بها التَّداريس وقضاءَ العسكر، ثمَّ تُوفّي بها يوم الأحد سادس صفر وقد قاربَ التسعين (٣) ﵀. وقد خرَّج له البِرْزاليُّ مشيخةً سمعناها عليه وهو بدمشقَ عن اثنين وعشرينَ شيخًا. الشيخ الإمام العالم الزاهد: زين الدين أبو محمد عبد الرحمن (٤) بن محمود بن عبيدان البعلبكي الحنبلي، أحد فضلاء الحنابلة، وممَّن صنَّف في الحديث والفقه والتصوّف وأعمال القلوب وغير ذلك، كان فاضلًا له أعمال كثيرة، وقد وقعت له كائنة في أيام الظَّاهر أنه أُصيب في عقله أو زوال فكره، أو قد عمل على الرياضة فاحترقَ باطنُه من الجوع، فرأى خيالات لا حقيقة لها فاعتقد أَنَّها أمرٌ خارجي، وإنما هو خيال فكري فاسد. وكانت وفاته في نصف صفر ببعلبك، ودفن بباب سطحا ولم يكمل الستين، وصلّي عليه بدمشق صلاة الغائب، وعلى القاضي الزُّرَعي معًا. الأمير شهاب الدين قَرَطاي (٥): نائبُ طرابُلُس له أوقاف وصدقات، وبرٌّ وصلات، توفي بطرابُلُس يوم الجمعة ثامنَ عشرَ صفر (٦) ودفن هناك ﵀. الشيخ عبد الله (٧) بن يوسف بن أبي بكر الأَسْعرديّ المؤقِّت: كان فاضلًا في صناعة المِيْقات وعلم الاصطرْلاب وما جرى مجراه، بارعًا في ذلك، غير أنه لا يُنْتَفَعُ (٨) به لسوءِ أَخلاقه وشراستها، ثم إنَّه

стр. 262

ضَعُفَ بصرُه فسقط من قيساريَّة بحسى فمات (١) عشية السبت عاشر ربيع الأول، ودُفن بباب الصغير. الأمير سيف الدين بَلَبَانُ (٢): طُرْنَا بن (٣) عبد الله الناصري، كان من المقدمين بدمشق، وجرت له فصول يطول ذكرها، ثمَّ توفي بداره عند مئذنة فيروز ليلة الأربعاء حادي عشري ربيع الأول، ودفن بتربة اتخذها إلى جانب داره، ووقف عليها مقرئين، ورتّب (٤) عندها مسجدًا بإمام ومؤذن. شمس الدين محمّد (٥) بن يحيى بن محمد بن قاضي حرَّان: ناظرُ الأَوقاف بدمشقَ، مات الليلة التي مات فيها الذي قبله، ودُفن بقاسيون، وتولَّى مكانه عماد الدين بن (٦) الشيرازي. الشيخ الإمام ذو الفنون: تاج الدين أبو حفص عمر (٧) بن علي بن سالم بن عبد الله اللَّخمي الإسكندراني، المعروف بابن الفاكهاني، ولد سنة أربع وخمسين وستمئة، وسمع الحديث واشتغل بالفقه على مذهب مالك، وبرع وتقدَّم بمعرفة النحو وغيره، وله مصنَّفات في أشياءَ متفرقة، قدم دمشقَ في سنة إحدى وثلاثين وسبعمئة في أيام الأخنائي (٨)، فأنزله في العادليّة (٩)، وسمعنا عليه ومعه، وحجَّ من دمشقَ عامئذٍ، وسُمع عليه في الطريق، ورجع إلى بلاده. توفي ليلة الجمعة سابع جمادى الأولى، وصُلّيَ عليه بدمشقَ حين بلغهم خبرُ موته. الشيخ الصَّالح العابد الناسك: أمين الدين أيمن (١٠) بن محمد، وكان يذكر أنَّ اسمَه محمدُ بن محمد إلى سبعةَ عشرَ نفسًا كلهم اسمه محمد (١١)، وقد جاوَرَ بالمدينة مدَّة سنينَ إلى أن توفّي ليلة الخميس ثامن ربيع الأول بالمدينة (١٢)، ودفن بالبقيع وصُلّيَ عليه بدمشقَ صلاةَ الغائب.

стр. 263

الشَّيخ نجم الدّين القِبَابيّ الحموي: عبد الرحمن (١) بن الحسن بن يحيى اللخمي القِبَابيّ (٢)، قرية من قرى أَشْمون الرُّمَّان (٣)، أَقامَ بحماة في زاوية يُزَار ويُلتمس دعاؤه، وكان عابدًا ورعًا زاهدًا آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، حسنَ الطريقة إلى أن توفّي بها آخر نهار الإثنين رابعَ عشرَ رجب، عن ست وستين سنة، وكانت جنازته حافلة هائلة جدًّا، ودفن شماليّ حماة، وكان عنده فضيلة، واشتغل على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وله كلام حسنٌ يؤثر عنه ﵀. الشيخ فتح الدين بن سيد الناس: الحافظ العلامة البارع، فتح الدين أبو الفتح محمد (٤) بن الإمام أبي عمرو محمد بن الإمام الحافظ الخطيب أبي بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس الربعي اليَعْمريّ الأندلسي الإشبيلي ثم المصري. ولد في العشر الأول من ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وستمئة بالقاهرة، وسمع الكثير وأجازَ له الرّواية عنهم جماعاتٌ من المشايخ، ودخل دمشق سنة تسعين فسمع من الكندي وغيره، واشتغل بالعلم فبرع وساد أقرانه في علومٍ شتَّى من الحديث والفقه والنحو والعربية، وعلم السّير والتّواريخ وغير ذلك من الفنون، وقد جمع سيرةً حسنةً في مجلدين (٥)، وشرح قطعة حسنةً من أول "جامع الترمذي"، رأيت منها مجلدًا بخطّه الحسن، وقد حرّر وحبّر وأَفادَ وأجاد، ولم يسلم من بعض الانتقاد، وله الشِّعر الرائقُ الفائقُ، والنَّثر الموافق، والبلاغة التامة، وحسنُ التَّرصيف والتَّصنيف، وجودة البديهة، وحسن الطوِيَّة، وله العقيدة السَّلفية الموضوعة على الآي والأخبار والآثار والاقتفاء بالآثار النبوية، ويذكر عنه شؤون أُخَرُ يَتَولّاه (٦) الله فيها، وله مدائح في رسول الله ﷺ حسان (٧)، وكان شيخ الحديث بالظَّاهرية بمصرَ، وخطب بجامع الخندق، ولم يكن في مصرَ في مجموعه مثله في حفظ الأسانيد والمتون والعلل والفقه والمُلَح والأشعار والحكايات.

стр. 264

توفي فجأة يوم السبت حاديْ عشرَ شعبان، وصُلِّىَ عليه من الغد، وكانت جنازته حافلة، ودفن عند ابن أبي جمرة (١) ﵀. القاضي مجد الدين (٢) حرمي (٣): ابن قاسم بن يوسف العامري الفَاقُوسي الشّافعي، وكيل بيت المال، ومدرِّس الشّافعي (٤) وغيره، كان له همة ونهضة، وعلت سنُّه وهو مع ذلك يحفظ ويشغل ويشتغل، ويلقي الدُّروس من حفظه إلى أن توفي ثاني ذي الحجة، وولّيَ تدريس الشافعي بعده شمس الدين بن القمَّاح، والقُطبيَّة (٥) بهاء الدين بن عقيل، والوكالة نجم الدين الأسْعَرْدي المحتسب، وهو كان وكيل بيت الظَّاهر. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وسبعمئة استهلَّت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها (٦) وناظر الجامع عز الدين بن المُنَجَّى، والمحتسب عماد الدين بن (٧) الشيرازي وغيرهم. وفي مُستهلّ المحرَّم يوم الخميس درَّس بأم الصالح الشيخ [شمس الدين ابن] (٨) خطيب يبرود (٩) عوضًا عن قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد، وحضر عنده القضاة والأعيان. وفي سادس المحرم رجع مُهَنَّا بن عيسى من عند السُّلطان فتلقَّاه النَّائبُ والجيش، وعاد إلى أهله في عزٍّ وعافية. وفيه أمر السلطان بعمارة جامع القلعة وتوسيعه، وعمارة جامع مصر العتيق.

стр. 265

وقدم إلى دمشق القاضي جمال الدين [عبد الله بن كمال الدين] (١) محمد بن عماد الدين بن الأثير كاتب سرٍّ بها عوضًا عن ابن الشهاب محمود. ووقع في هذا الشهر والذي بعده موت كثير من الناس بالخانوق. وفي ربيع الأول مُسك الأمير نجم الدين بن الزّيبق مشدّ الدواوين، وصُودر وبيعت خيوله وحواصله وتولّاه بعده سيف الدين تَمُر مملوك بَكْتَمُر الحاجب، وهو مشد الزكاة. وفيه كملت عمارة حمَّام الأمير شمس الدين حمزة الذي تمكَّن عند تَنْكِز بعد ناصر الدين الدَّوادار، ثم وقعت الشَّناعة عليه بسبب ظلمه في عمارة هذا الحمام فقابله النائب على ذلك وانتصف للنَّاس منه، وضربه بين يديه ورماه بالبندق بيده في وجهه، وسائر جسده، ثم أودعه القلعة ثم نقله إلى بحيرة طبرية فغرَّقه فيها (٢). وعُزل الأمير جمالُ الدِّين (٣) نائبُ الكَرَك عن نيابة طَرَابُلُس حسبَ سؤاله في ذلك، وراح إليها طِيْنال وقدم نائبُ الكَرَك إلى دمشقَ وقد رُسم له بالإقامة في صَرْخد (٤)، فلمَّا تلقاه نائب السّلطنة والجيش نزل في دار السعادة وأخذ سيفه بها ونقل إلى القلعة، ثم نقل إلى صفت (٥) ثم إلى الإسْكندرية ثم كانَ آخرُ العهد به. وفي جمادى الأولى احتيط على دار الأمير بَكْتَمُر الحاجب الحسامي (٦) بالقاهرة، ونُبشت وأُخذ منها شيء كثير جدًّا، وكان جدَّ أولادِه نائبُ الكَرَك المذكور. وفي يوم السبت تاسع جمادى الآخرة باشر حسام الدين أبو بكر ابن الأمير عز الدين أيبك التجيبي شد الأوقاف عوضًا عن ابن بكتاش، اعتقل، وخلع على المتولي وهنَّأهُ النّاس. وفي منتصف هذا الشهر عُلِّق السِّتر الجديد على خزانة المصحف العثماني، وهو من خزٍّ طوله ثمانية أذرع وعرضه أربعة أذرع ونصف، [غرم عليه أربعة آلاف وخمسمئة، وعمل في مدة سنة ونصف] (٧).

стр. 266

وخرج الركب الشّامي يوم الخميس تاسع شوال وأميره علاء الدين المُرْسي، وقاضيه شهاب الدين الظّاهري (١). وفيه رجع جيشُ حلب إليها وكانوا عشرة آلاف سوى من تبعهم من التُّركمان، وكانوا في بلاد أذنة وطرَسوس وإياس، وقد خربوا وقتلوا وسبوا وأسروا (٢) خلقًا كثيرًا، ولم يعدم منهم سوى رجل واحد غرق بنهر جاهان، ولكن كان قتل الكفار من كان عندهم من المسلمين نحوًا من ألف رجل، يوم عيد الفطر من التجار وغيرهم (٣) فإنا لله وإنا إليه راجعون (٤). وفيه وقع حريق عظيم بحماة فاحترق منه أسواق كثيرة، وأملاك وأوقاف، وهلكت أموال لا تُحصر، وكذلك احترق أكثر مدينة أَنْطاكية، فتألَّم المسلمون لذلك. وفي ذي الحجة خرب المسجد الذي كان في وسط (٥) الطريق بين باب النصر وباب الجابية، عن حكم القضاة بأمر نائب السلطنة، وبُني غربيَّه مسجدٌ حسنٌ؛ أحسنُ وأنفعُ من الأوَّل. وتوفّي فيها من الأعيان: الشّيخ الصّالح المعمَّر رئيس المؤذِّنين بجامع دمشق: برهان الدين إبراهيم (٦) بن محمد بن أحمد بن محمد الواني. ولد سنة ثلاث وأربعين وستمئة، وسمع الحديث، وروَى، وكان حسنَ الصَّوت والشكل، محبَّبًا إلى العوام. توفي يوم الخميس سادس صفر ودفن بباب الصغير. وقام من بعده في الرِّياسة ولده أمين الدين محمد الواني (٧) المحدث المفيد، وتوفّي بعده ببضعةٍ وأربعين يومًا رحمهما الله.

стр. 267

الكاتب المطبّق المجوّد المحرّر: بهاء الدين محمود (١) ابن خطيب بعلبك محيي الدين محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب السّلمي. ولد سنة ثمان وثمانين وستمئة، واعتنى بهذه الصناعة فبرع فيها، وتقدَّم على أهل زمانه قاطبةً في النَّسخ وبقية الأقلام، وكان حسنَ الشكل طيبَ الأخلاق، طيبَ الصّوت حسنَ التودُّد، توفي في سلخ ربيع الأول ودفن بتربة الشيخ أبي عمر ﵀. علاء الدين السّنجاري: واقف دار القرآن عند باب الناطفانيين شمالي الأموي بدمشق، علي (٢) بن إسماعيل بن محمود كان أحد التجار الصدق الأخيار، ذوي اليسار المسارعين إلى الخيرات. توفي بالقاهرة ليلة الخميس ثالثَ عشرَ جُمادى الآخرة، ودفن عند قبر القاضي شمس الدين بن الحريري (٣). العدل نجم الدين التاجر: عبد الرحيم (٤) بن أبي القاسم عبد الرحمن الرحبي باني التربة المشهورة (٥) بالمِزّة، وقد جعل فيها مسجدًا وأوقف عليها أوقافًا دارَّة، وصدقات هناك، وكان من خيار أبناء جنسه، عدلٌ مرضيٌّ عند جميع الحكام، وترك أولادًا و أموالًا جمة، ودارًا هائلة، وبساتين بالمزة. وكانت وفاته يوم الأربعاء سابع عشرين جمادى الآخرة ودفن بتربته المذكورة بالمزة ﵀. الشيخ الإمام الحافظ قطب الدين: أبو محمد عبد الكريم (٦) بن عبد النور بن منير بن عبد الكريم بن علي بن عبد الحق بن عبد الصَّمد بن عبد النُّور الحلبيّ الأصل ثمَّ المصري، أحد مشاهير المحدثين بها، والقائمين بحفظ الحديث وروايته وتدوينه وشرحه والكلام عليه. ولد سنة أربع وستين وستمئة بحلب، وقرأ القرآن بالرّوايات، وسمع الحديث وقرأ "الشاطبية" و "الألفية"، وبرع في فن الحديث، وكان حنفيَّ المذهب وكتب كثيرًا وصنف شرحًا لأكثر "البخاري"، وجمع تاريخًا لمصر ولم يكملهما، وتكلَّم على السيرة التي جمعها الحافظ عبد الغني

стр. 268

وخرَّج لنفسه أربعين حديثًا متباينة الإسناد، وكان حسن الأخلاق مطَّرحًا للكلفة طاهرَ اللسان كثيرَ المطالعة والاشتغال، إلى أن توفي يوم الأحد سلخ رجب، ودفن من الغد مستهلّ شعبان عند خاله نصر المَنْبجي (١)، وخلَّف تسعة أولاد ﵀. القاضي الإمام زين الدين أبو محمد: عبد الكافي (٢) بن علي بن تمّام (٣) بن يوسف السُّبكي، قاضي المحلة (٤)، ووالد العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي. سمع من ابن الأنماطي وابن خطيب المزة، وحدَّث وتوفي تاسع شعبان. وتبعته زوجته ناصرية (٥) بنت القاضي جمال الدين إبراهيم بن الحسين السبكي، ودفنت بالقَرَافة، وقد سمعَتْ من ابن الصابوني شيئًا من "سنن النسائي". وكذلك ابنتها محمَّدية، وقد توفِّيت قبلها. تاجُ الدّين علي (٦) بن إبراهيم: بن عبد الكريم المصري، ويعرف بكاتب قُطْلُبَك، وهو والد العلامة فخر الدين (٧) شيخ الشَّافعية ومدرّسهم في عدَّة مدارس، ووالده هذا لم يزل في الخدمة والكتابة إلى أن توفي عنده بالعادليّة الصغيرة ليلة الثلاثاء ثالثَ عشرين (٨) شعبان، وصُلِّيَ عليه من الغد بالجامع، ودُفن بباب الصغير. الشّيخ الصالح عبد الكافي (٩): ويُعرف بعُبَيْد بن أبي الرجال بن حسين بن سلطان بن خليفة المَنِيْنيّ، ويعرف بابن أبي الأزرق، مولده في سنة أربع وأربعين وستمئة بقريته من بلاد بَعْلبك، ثم أقام بقرية مَنِيْنَ (١٠)، وكان مشهورًا بالصلاح وقرئ عليه شيء من الحديث وجاوز التسعين.

стр. 269

الشيخ محمد بن عبد الحق (١): ابن شعبان بن علي الأَنصاري، المعروف بالشيَّاح (٢)، له زاوية بسفح قاسيون بالوادي الشمالي مشهورة به (٣)، وكان قد بلغ التسعين، وسمع الحديث وأسمعه، وكانت له معرفة بالأمور وعنده بعض مكاشفة، وهو رجل حسن، توفي أواخر شَوَّال من هذه السنة. الأمير سلطان العرب: حسام الدين مهنا (٤) بن عيسى بن مهنا، أمير العرب بالشام، وهم يزعمون أنهم من سلالة جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، من ذرية الولد (٥) الذي جاء من العباسة أخت الرشيد فالله أعلم. وقد كان كبير القدر محترمًا عند الملوك كلِّهم، بالشَّام ومصرَ والعراق، وكان دّينًا خيِّرًا متحيِّزًا للحق، وخلَّف أولادًا وذريةً (٦) وأموالًا كثيرة، وقد بلغ سنًا عالية، وكان يحب الشيخ تقي الدين بن تيمية حبًا زائدًا، هو وذريته وعربه، وله عندهم منزلة وحرمة وإكرام، يسمعون قوله ويمتثلونه، وهو الذي نهاهم أن يُغير بعضُهم على بعض، وعرَّفهم أن ذلك حرام، وله في ذلك مصنَّف جليل، وكانت وفاة مهنا هذا ببلاد سَلَمْيَة في ثامنَ عشرَ ذي القعدة، ودفن هناك ﵀ (٧). الشَّيخ الزَّاهد: فضلُ (٨) بن عيسى بن قنديل العجلونيّ الحنبليّ المقيم بالمِسْماريّة (٩)، أصله من بلاد حبراص، كان متقللًا من الدنيا يلبَسُ ثيابًا طوالًا وعمامة هائلة، وهي بأرخص الأثمان، وكان يعرف تعبيرَ الرُّؤيا ويُقصد لذلك، وكان لا يقبل من أحد شيئًا، وقد عُرضت عليه وظائف بجوامك كثيرة فلم يقبلها، بل رضي بالرَّغيد الهنيّ من العيش الخشن إلى أن توفي في ذي الحجة، وله نحو تسعين سنة، ودفن بالقرب من قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمهما الله، وكانت جنازته حافلة جدًّا (١٠).

стр. 270

ثم دخلت سنةُ ست وثلاثين وسبعمئة استهلّت بيوم الجمعة والحكام هم المذكورون في التي قبلها (١). وفي أوَّل يوم منها ركب تَنْكِز إلى قلعة جَعْبَر ومعه الجيش والمجانيق فغابوا شهرًا وخمسة أيام وعادوا سالمين (٢). وفي ثامن صفر فُتحت الخانقاه التي أنشأها سيف الدين قَوْصُون الناصري خارج باب القَرَافة (٣)، وتولّى مشيختها الشيخ شمس الدين الأَصْبَهاني (٤) المتكلِّم. وفي عاشر صفر خرج ابن جُمْلة من السِّجن بالقلعة (٥). وجاءت الأخبار بموت ملك التتار أبي سعيد بن خَرْبَنْدا بن أَرْغون بن أبغا بن هولاكو [بن] (٦) تُولي بن جنكزخان، في يوم الخميس ثانيْ عشرَ ربيع الآخر بدار السَّلطنة بقَرَاباغ، وهي منزلهم في الشتاء، ثم نُقل إلى تربته بمدينته التي أنشأها قريبًا من السُّلطانية مدينة أبيه، وقد كان من خيار ملوك التتار وأحسنهم طريقة وأثبتهم على السنة وأقومهم بها، وقد عز أهلُ السُّنَّة بزمانه وذلت الرّافضة، بخلاف دولة أبيه، ثم من بعده لم يقم للتتار قائمة، بل اختلفوا فتفرَّقوا شذَرَ مذَرَ إلى زماننا هذا، وكان القائم من بعده بالأمر أَرْبَكاوُون (٧) من ذرية أبغا، ولم يستمرَّ له الأمر إلا قليلًا. وفي يوم الأربعاء عاشر جُمادى الأولى درَّس بالناصرية الجوانية نور (٨) الدين الأردبيلي عوضًا عن كمال الدين بن الشّيرازي توفي، وحضر عنده القضاة. وفيه درَّس بالظاهرية البرانية الشيخ الإمام المقرئ سيف الدين أبو بكر الحريري عوضًا عن نور الدين الأردبيلي، تركها لما حصلت له الناصرية الجوانية.

стр. 271

وبعده بيوم درَّس بالنَّجيبية كاتبُه إسماعيل بن كثير عوضًا عن الشيخ جمال الدين ابن قاضي الزبداني تركها حين تعيَّن له تدريس الظاهرية الجوانية، وحضر عنده القضاة والأعيان. وكان درسًا حافلًا أثنى عليه الحاضرون وتعجبوا من جمعه وترتيبه، وكان ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وانساق الكلام إلى مسألة ربا الفَضْل. وفي يوم الأحد رابعِ عشرهِ ذَكَر الدَّرس بالظَّاهرية المذكورة ابن قاضي الزبداني عوضًا عن علاء الدين بن القلانسي توفي، وحضر عنده القضاة والأعيان، وكان يومًا مطيرًا (١). وفي أوّل جُمادى الآخرة وقع غلاءٌ شديدٌ بديار مصرَ، واشتدَّ ذلك إلى شهر رمضانَ، وتوجه خلق كثيرٌ في رجب إلى مكَّة نحوًا من ألفين وخمسمئة، منهم عز الدين بن جماعة، وفخر الدين النُّويري وحسن السلامي، وأبو الفتح السلامي، وخلق. وفي رجب كَمُلَت عمارة جسر باب الفرج وعمل عليه باسورة ورُسم باستمرار فتحه إلى بعد العشاء الآخرة كبقية الأبواب، وكان قبل ذلك يغلق من المغرب. وفي سلخ رجب أقيمت الجمعة بالجامع الذي أنشأه نجم الدين بن خُلَيْخَان (٢) تجاه باب كَيْسان من القبلة، وخطب فيه الشيخ الإمام العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية. وفي ثاني شعبانَ باشر كتابة السر بدمشق القاضي علَم الدين محمد بن قطب الدين أحمد بن فضل (٣) عوضًا عن كمال الدين بن الأثير، عزل وراح إلى مصر. وفي يوم الأربعاء رابع رمضان ذَكر الدَّرس بالأمينية الشيخ بهاء الدين ابن إمام المشهد (٤) عوضًا عن علاء الدين بن القلانسي. وفي العشرين منه خُلع على الصدر نجم الدين (٥) بن أبي الطيب بنظر الخزانة مضافًا إلى ما بيده من وكالة بيت المال، بعد وفاة ابن القلانسي بشهور. وخَرَجَ الرَّكبُ الشّامي يوم الإثنين ثامن شوال وأميره قُطْلُوتَمُر (٦) الخليلي.

стр. 272

وممَّن حجَّ فيه قاضي طرابُلُس محيي الدين بن جهبل، والفخر المصري، وابن قاضي الزبداني، وابن العز الحنفي، وابن غانم والسخاوي وابن قيّم الجوزية، وناصر الدين بن الربوة (١) الحنفي. وجاءت الأخبار بوقعة جرت بين التتار قُتل فيها خلقٌ كثير منهم، وانتصر علي باشا وسلطانه الذي كان، قد أقامه، وهو موسى كاوون على أزبَا كاوُون وأصحابه، فقتل هو ووزيره ابن رشيد الدولة، وجرت خطوبٌ كثيرة طويلة، وضُربت البشائرُ بدمشقَ (٢). وفي ذي القعدة خُلع على ناظر الجامع الشيخ عز الدين بن المُنَجَّى (٣) بسبب إكماله البطائن في الرّواق الشمالي والغربي والشرقي، ولم يكن قبل ذلك له بطائن. وفي يوم الأربعاء سابع ذي الحجة ذَكَر الدَّرس بالشِّبلية القاضي نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين الطَّرَسُوسي الحنفي، وهو ابن سبعَ عَشْرَةَ سنةً، وحضر عند القضاة والأعيان، وشكروا من فضله ونباهته، وفرحوا لأبيه فيه. وفيها عُزل ابن النقيب (٤) عن قضاء حلب ووليها ابن خطيب جسرين. وولي الحسبة بالقاهرة ضياء الدين يوسف بن أبي بكر بن محمد خطيب بيت الآبار (٥)، خلع عليه السلطان. وفي ذي القعدة رَسَم السلطان باعتقال الخليفة المستكفي وأهلِهِ، وأن يُمنعوا من الاجتماع، فآل أمرهم كما كان أيام الظَّاهر (٦) والمَنْصُور (٧). وممَّن توفّي فيها من الأعيان: السُّلطان أبو سعيد (٨) بن خَرْبَنْدا: وكان آخرَ من اجتمع شَمْلُ التَّتار عليه، ثم تفرَّقُوا من بعده.

стр. 273

الشيخ المعمّر الرّحلة (١): شمس الدّين علي (٢) بن محمد بن ممدود (٣) بن عيسى البَنْدَنِيْجي الصُّوفي، قدم علينا من بغدادَ شيخًا كبيرًا راويًا لأشياءَ كثيرة، فيها "صحيح مسلم" "والترمذي" وغير ذلك، وعنده فوائد. ولد سنة أربع وأربعين وستمئة، وكان والده محدّثًا فأسمعه أشياء كثيرة على مشايخ عدة، وكان موته بدمشقَ رابعَ المحرم. قاضي قضاة بغداد: قطب الدين أبو الفضائل محمد (٤) بن عمر بن الفضل التبريزي الشافعي المعروف بالأَخَوَيْن (٥) سمع شيئًا من الحديث واشتغل بالفقه والأُصول والمنطق والعربيّة والمعاني والبيَان، وكان بارعًا في فنون كثيرة ودرَّس بالمُسْتَنصريَّة بعد العَاقُولي. وفي مدارسَ كبار، وكان حسن الخلق كثير الحُنوِّ (٦) على الفقراء والضعفاء، متواضعًا يكتب حسنًا أيضًا. توفي في آخر المحرم ودُفن بتربة له عند داره ببغدادَ ﵀. الأَمير صارم الدين: إبراهيم (٧) بن محمّد بن أبي القاسم بن أبي الزهر، المعروف بالغزال (٨)، كانت له مطالعة وعنده شيء من التاريخ، ويحاضرُ جيدًا. ولما توفي يوم الجمعة وقت الصلاة السادس والعشرين من المحرم دفن بتربة له عند حمَّام العديم. الأمير علاء الدين مُغْلَطَاي (٩) الخازن: [(١٠) نائب القلعة وصاحب التربة تجاه الجامع المظفري من الغرب، كان رجلًا جيدًا، له أوقاف وبر وصدقات، توفي يوم الجمعة بكرة عاشر صفر، ودفن بتربته المذكورة.

стр. 274

القاضي كمال الدين: أحمد (١) بن محمّد بن محمَّد بن عبد الله بن هبة الله بن الشّيرازي الدمشقي. ولد سنة سبعين، وسمع الحديث وتفقه على الشيخ تاج الدين الفزاري، والشيخ زين الدين الفارقي، وحفظ "مختصر المزني" (٢) ودرَّس في وقت بالبادرائية، وفي وقت بالشَّامية البرَّانية، ثم ولِّيَ تدريس الناصرية الجوانية مدَّة سنين إلى حين وفاته، وكان صدرًا كبيرًا، ذُكر لقضاء قضاة دمشقَ غيرَ مرَّة، وكان حسنَ المباشرة والشكل. توفي في ثالث صفر ودُفن بتربتهم بسفح قاسيون ﵀. الأمير ناصر الدين: محمد (٣) ابن الملك المسعود جلال الدين عبد الله بن الملك الصَّالح إسماعيل بن العادل. كان شيخًا مسنًّا، قد اعتنى بـ "صحيح البخاري" يختصره، وله فهمٌ جيِّدٌ ولديه فضيلة، وكان يسكن المِزَّةَ وبها توفي ليلة السبت خامس عشرين صفر، وله أربعٌ وسبعون سنةً، ودفن بتربتهم بالمزة ﵀. علاء الدين: علي (٤) بن شرف الدين محمد بن القلانسي قاضي العسكر ووكيل بيت المال، وموقع الدست، ومدرس الأمينية والظاهرية وغير ذلك من المناصب، ثمّ سُلبَها كلَّها سوى التَّدريسين، وبقي معزولًا إلى حين أن توفي بكرة السبت خامس وعشرين صفر، ودُفن بتربتهم. عز الدين أحمد (٥) بن الشيخ زين الدين محمد بن أحمد بن محمود العقيلي، ويعرف بابن القلانسي، مُحتَسبُ دمشقَ وناظرُ الخِزَانة، وكان محمودَ المباشرة، ثم عُزل عن الحسبة واستمر بالخزانة إلى أن توفي يوم الإثنين تاسعَ عشرَ جُمادى الأولى ودفن بقاسيون. الشّيخ علي (٦) بن أبي المجد بن شرف بن أحمد بن أحمد (٧) الحمصي ثمَّ الدِّمشقيّ مؤذِّن الرَّبوة خمسًا وأربعين سنة، وله ديوان شعر وتعاليق وأشياء كثيرة ممَّا يُنْكَرُ أمرها، وكان محلولًا في دينه، توفّي في جُمادى الأولى أيضًا.

стр. 275

الأمير شهاب الدين بن برق (١): متولِّي دمشقَ، شهد جنازَتهُ خلقٌ كثير، توفي ثاني شعبان ودفن بالصالحية وأَثْنَى عليه الناس. الأمير فخر الدين (٢) ابن الشمس لؤلؤ، متولي البر. كان مشكورًا أيضًا، توفّي رابع شعبان، وكان شيخًا كبيرًا، توفي ببُسْتانه ببيت لَهْيَا (٣) ودفن بتربته هناك وترك ذرِّيةً كثيرة ﵀. عمادُ الدين إِسماعيل (٤): ابن شرف الدين محمد بن الوزير فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد بن صَغير بن القَيْسَراني، أحد كتاب الدّست، وكان من خيار النّاس، محبًّا (٥) للفقراء والصّالحين، وفيه مروءة كثيرة، وكتب بمصرَ ثم صار إلى حلبَ كاتبَ سرِّها، ثم انتقل إلى دمشق فأقام بها إلى أن مات ليلةَ الأحد ثالثَ عَشَرَ ذي القعدة، وصُلِّيَ عليه من الغد بجامع دمشق، ودُفن بالصّوفية عن خمس وستين سنة، وقد سمع شيئًا من الحديث على الأَبْرَقُوهي وغيره. وفي ذي القعدة توفِّي شهاب الدين (٦) ابن العُدَيْسة (٧) المحدِّث بطريق الحجاز الشريف (٨). وفي ذي الحجة توفِّي الشَّمس محمَّد (٩) المؤذِّن المعروف بالنجار ويعرف بالبتي، وكان يتكلَّم ويُنشد في المحافل والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وسبعمئة استهلَّت بيوم الجمعة والخليفة المستكفي بالله قد اعتقله السلطانُ الملك النَّاصر، ومنعه من الاجتماع بالنَّاس، ونائبُ الشام تَنْكِز بن عبد الله النَّاصري، والقضاة والمباشرون هم المذكورون في التي قبلها،

стр. 276

سوى كاتب السِّرِّ فإنَّه علم الدين بن القُطْب، ووالي البر الأمير بدر الدين بن قُطْلُوبَك بن شَشْنَكير، ووالي المدينة حسام الدين طُرُنْطَاي (١) الجُوكَنْدار. وفي أوّل يوم منها يوم الجمعة وصلت الأخبار بأنَّ علي باشا كُسر جيشه، وقيل إنه قُتل (٢)، ووصلت كتبُ الحُجَّاج في الثاني والعشرين من المحرَّم تصف مشقةً كثيرة حصلت للحُجَّاج من موت الجمال وإلقاء الأحمال ومشي كثيرٍ من النساء والرجال، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله على كل حال. وفي آخر المحرَّم قدم إلى دمشقَ القاضي حسام الدين حسن بن محمد الغوري قاضي بغداد، والوزير نجم الدين محمود بن علي بن شروان (٣) الكردي، وشرف الدين عثمان بن حسن البلدي فأقاموا ثلاثةَ أيام ثم توجهوا إلى مصر فحصل لهم قبول تام من السلطان، فاستقضى الأول على الحنفيَّة كما سيأتي، واستوزَرَ الثاني، وأمَّر الثالثَ. وفي يوم عاشوراء أُحضر شمس الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد (٤) بن اللبّان الفقيه الشافعي إلى مجلس الحكم الجلالي (٥)، وحضر معه شهاب الدين بن فضل الله مجد الدين الأقصرائي شيخ الشيوخ، وشمس الدين (٦) الأصْبَهاني، فادَّعى عليه بأشياء منكرة من الحلول والاتحاد والغُلُوّ في القَرْمطة وغير ذلك، فأقرّ ببعضها فحُكم عليه بحقن دمه، ثم توسَّط في أمره وأبقيت عليه جهاته، ومُنع من الكلام على الناس، وقام في صفِّه جماعة من الأمراء والأعيان (٧). وفي صفر احترق بقصر حَجَّاج حريق عظيم أتلف دورًا ودكاكين عديدة. وفي ربيعٍ الأوَّل وُلد للسُّلطان ولدٌ فدُقَّت البشائر بدمشقَ (٨) وزُينت البلد أيامًا. وفي منتصف الآخر أُمِّر الأميرُ صارم الدين إبراهيم الحاجب الساكن تجاه جامع كريم الدين طبلخاناه، وهو من كبار أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية (٩) ﵀، وله مقاصد حسنة صالحة، وهو في نفسه رجل جيد (١٠).

стр. 277

وفيه أُفرج عن الخليفة المستكفي وأُطلق من البرج في حادي عِشْري ربيع الآخر ولزم بيته (١). وفي يوم الجمعة عشرين جُمادى الآخرة أُقيمت الجمعة في جامعين بمصر، أحدهما أنشأه الأمير عز الدين أيْدَمُر بن عبد الله الخطيري، ومات بعد ذلك باثني عشر يومًا ﵀ (٢)، والثاني أنشأته امرأة يقال لها: الست حدق داية (٣) السلطان الناصر عن قَنْطَرة السّباع (٤). وفي شعبان سافر القاضي شهاب الدين أحمد بن شرف بن منصور النّائب في الحكم بدمشقَ إلى قضاء طرابُلُس، وناب بعده الشيخ شهاب الدين أحمد بن النقيب البعلبكي. وفيه خلع على عز الدين بن جماعة بوكالة بيت المال بمصر، وعلى ضياء الدين بن خطيب بيت الآبار (٥) بالحسبة بالقاهرة، مع ما بيده من نظر الأوقاف وغيره. وفيه أُمِّر الأمير ناظر القدس بطبلخاناه ثم عاد إلى القدس. وفي عاشر رمضان قدمت من مصرَ مقدِّمتان ألفان إلى دمشق سائرةً إلى بلاد سيس، وفيهم علاء الدين [الفارسي] (٦) فاجتمع به أهلُ العلم وهو من أفاضل الحنفيَّة، وله مصنفاتٌ في الحديث وغيره. وخرجَ الرَّكب الشامي يوم الإثنين عاشر شوال وأميره بهادرُ قَبْجَق، وقاضيه محيي الدين الطَّرابلسي مدرِّس الحمصيّة، وفي الركب تقي الدين شيخ الشيوخ وعماد الدين بن الشيرازي، ونجم الدين الطَّرسوسي، وجمال الدين المرداوي، وصاحبه شمس الدين بن مفلح، والصدر المالكي والشرف بن القيسراني، والشيخ خالد المقيم عند دار الطُّعم، وجمال الدين بن الشهاب محمود. وفي ذي القعدة وصلت الأخبار بأنَّ الجيش تسلموا من بلاد سيس سبعَ قلاعٍ، وحصل لهم خير كثير ولله الحمد، وفرح المسلمون بذلك (٧). وفيه كانت وقعة هائلة بين التتار انتصر فيها الشيخ [حسن] (٨) وذووه.

стр. 278

وفيها نَفَى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليفة وأهله وذويه، وكانوا قريبًا من مئة نفس إلى بلاد قوص (١)، ورتَّب لهم هناك ما يقوم بمصالحهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وممّن توفي فيها من الأعيان: الشيخ علاء الدين بن غانم: أبو الحسن علي (٢) بن محمد بن سلمان (٣) بن حمائل بن علي المُنْشي (٤) أحد الكبار المشهورين بالفضائل وحسن الترسُّل، وكثرة الأدب والأشعار والمروءة التامة، مولده سنة إحدى وخمسين وستمئة، وسمع الحديث الكثير، وحفظ القرآن "والتنبيه"، وباشر الجهات، وقصده الناس في الأمور المهمّات وكان كثير الإحسان إلى الخاص والعام. توفي مرجعه من الحج في منزلة تَبُوك يوم الخميس ثالثَ عشرَ المحرم، ودُفن هناك ﵀. ثم تبعه أخوه شهاب الدين أحمد (٥): في شهر رمضان، وكان أصغر منه سنًا بسنة، وكان فاضلًا أيضًا بارعًا كثير الدعابة. الشّرف محمود (٦) الحريري: المؤذِّن بالجامع الأموي بنى حمَّامًا بالنَّيرب، ومات في آخر المحرم. الشّيخ الصّالح العابد: ناصر الدين محمد (٧) بن الشيخ إبراهيم بن مِعْضَاد بن شدّاد بن ماجد بن مالك الجَعْبَري (٨) ثم المصري. ولد سنة خمسين وستمئة بقلعة جَعْبَر، وسمع "صحيح مسلم" وغيره، وكان يتكلَّم على الناس ويعظهم ويستحضر أشياء كثيرة من التفسير وغيره، وكان فيه صلاح وعبادة. توفي في الرابع والعشرين من المحرَّم، ودفن بزاويتهم (٩) عند والده خارج باب النصر.

стр. 279

الشيخ شهاب الدين بن (١) عبد الحق الحنفي: أحمد (٢) بن علي بن أحمد بن علي بن يوسف بن قاضي الحنفيين (٣) ويعرف بابن عبد الحق الحنفي، شيخ المذهب ومدرس الحنفية وغيرها، وكان بارعًا فاضلًا دينًا، توفي في ربيع الأول. الشيخ عماد الدين: إبراهيم (٤) بن علي بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقدسي النابلسي الحنبلي الإمام العالم العابد شيخ الحنابلة بها ومُفتيهم (٥) من مدة طويلة، توفّي في ربيع الأول. الشيخ الإمام العابد الناسك: محب الدين عبد الله (٦) بن أحمد بن المحب عبد الله بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي. سمع الكثير وقرأ بنفسه، وكتب الطّباق وانتفع الناس به، وكانت له مجالس وعظ من الكتاب والسُّنَّة في الجامع الأموي وغيره، وله صوت طيب بالقراءة جدًّا، وعليه روح وسكينة ووقار، وكانت مواعيده مفيدة ينتفع بها الناس، وكان شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية يحبُّه ويحبُّ قراءته. توفي يوم الإثنين سابع ربيع الأول، وكانت جنازته حافلة، ودفن بقاسيون وشهد الناس له بخير، رحمه الله تعالى، وبلغ خمسًا وخمسين سنة. المحدِّث البارع المحصّل المفيد المُخرج المجيد: ناصر الدين محمد (٧) بن طُغْريل (٨) بن عبد الله، الصَّيْرَفيّ أبوه، الخُوارِزْميّ الأصل. سمع الكثير وقرأ بنفسه، وكان سريعَ القراءة، وقرأ الكتب الكبار والصغار، وجمع وخرَّج شيئًا كثيرًا، وكان بارعًا في هذا الشأن. رحل فأدركته منيَّتُه بحماةَ يوم السبت ثاني عشر (٩) ربيع الأول، ودُفن من الغد بمقابر طيبة ﵀.

стр. 280

شيخنا الإمام العالم العابد: شمس الدين أبو محمد عبد الله (١) بن العفيف محمد بن الشيخ تقي الدين يوسف بن عبد المنعم بن نعمةَ المقدسي النابلسي الحنبليّ، إمام مسجد الحنابلة بها. ولد سنة تسع (٢) وأربعين وستمئة، وسمع الكثير وكان كثيرَ العبادة حسنَ الصّوت، عليه البهاء والوقار وحسن الشكل والسّمت، قرأت عليه عام ثلاثة وثلاثين وسبعمئة مرجعَنا من القدس كثيرًا من الأجزاء والفوائد، وهو والد صاحبنا الشيخ جمال الدين يوسف أحد مفتية الحنابلة وغيرهم، والمشهورين بالخير والصلاح. توفي يوم الخميس ثاني عِشْري ربيع الآخر ودُفن (٣) هناك ﵀. الشيخ محمد بن عبد الله بن المجد إبراهيم المُرْشدي (٤) المقيم بمُنْية مُرْشِد (٥)، يقصده النَّاس للزِّيارة، ويضيِّفُ النّاسَ على حسب مراتبهم وينفق نفقات كثيرة جدًّا، ولم يكن يأخذ من أحد شيئًا فيما يبدو للناس، والله أعلم بحاله، وأصله من قرية دَهْرُوط (٦)، وأقام بالقاهرة مدّة واشتغل بها، ويقال إنه قرأ "التنبيه" في الفقه، ثم انقطع بمنية مُرْشد واشتهر أمره في الناس وحجَّ مرات، وكان إذا دخل القاهرة يزدحم عليه الناس، ثم كانت وفاته يوم الخميس ثامن رمضان ودُفن بزاويته، وصُلِّي عليه بالقاهرة ودمشقَ وغيرها. الأمير أسد الدين: عبد القادر (٧) بن المغيث عبد العزيز بن الملك المعظم عيسى بن العادل، ولد سنة اثنتين وأربعين وستمئة، وسمع الكثير وأسمع، وكان يأتي كلَّ سنة من مصرَ إلى دمشقَ، ويُكرمُ أهل الحديث، ولم يبق من بعده من بني أيُّوب أعلى سنًا منه، توفّي بالرَّملة في سلخ رمضانَ ﵀. الشيخ الصالح الفاضل: حسن (٨) بن إبراهيم بن حسن الجّاكي (٩) الحَكَريّ (١٠) إمام مسجد هناك، ومذكِّر الناس في كل جمعة، ولديه فضائل، وفي كلامه نفع كثير إلى أن توفي في العشرين من شوَّال، ولم يرَ الناس مثلَ جنازته بديار مصر رحمه الله تعالى.

стр. 281

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وسبعمئة استهلَّت بيوم الأربعاء والخليفة المستكفي منفيٌّ ببلاد قُوص، ومعه أهله وذووه، ومن يلوذ به، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن الملك المنصور، ولا نائب بديار مصر ولا وزير، ونائبه بدمشق تَنْكِز، وقضاةُ البلاد ونوابُها ومباشروها هم المذكورون في التي قبلها. وفي ثالث ربيع الأول رسم السلطان بتسفير علي ومحمد ابني داود بن سليمان بن داود بن العاضد آخر خلفاء الفاطميين إلى الفيُّوم يقيمون به، وفي ليلة الأحد ثالث عشرين ربيع الأول بعد المغرب هبَّت ريحٌ شديدة بمصرَ وأعقبها رعد وبرق وبرَد بقدر الجَوْز، وهذا شيءٌ لم يشاهدوا مثلَه من أعصار متطاولة بتلك البلاد. وفي يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر عُزِل القاضي علم الدين بن القطب عن كتابة السرِّ وضرب، وصودر، ونُكب بسببه القاضي فخر الدين المصري، وعزل عن مدرسته الرواحية (١) وأخذها ابن جملة، والعادليَّة الصغيرة باشرها ابن النقيب، ورُسِمَ عليه بالعذراوية مئةَ يوم، وأخذ شيء من ماله. وفي عاشر جُمادى الأولى استهل الغيثُ بمكة من أول الليل، فلما انتصف اللَّيل جاء سيلٌ عظيم هائل لم يرَ مثله من دهر طويل، فخرَّب دورًا كثيرة نحوًا من ذراع أو أكثر، وغرَّق جماعة وكسر أبواب المسجد، ودخل الكعبة وارتفع فيها نحوًا من ذراع أو أكثر، وجرى أمرٌ عظيم حكاه الشيخ عفيف الدين الطبري. وفي سابع عِشْرين من جُمادى الأولى عُزل القاضي جلال الدين عن قضاء مصرَ، واتّفق وصولُ خبر موت قاضي الشام ابن المجد بعد أن عزل بيسير، فولاه السلطان قضاءَ الشام فسار إليها راجعًا عَودًا على بدءٍ، ثم عزل السُّلطان برهان الدين بن عبد الحق قاضي الحنفية، وعزل قاضي الحنابلة تقي الدين، ورُسم على ولده صدر الدين بأداء ديون النَّاس إليهم، وكانت قريبًا من ثلاثِمئِة ألف، فلمّا كان الإثنين تاسعَ عشرَ جُمادى الآخرة بعد سفر جلال الدين بخمسة أيام، طلب السُّلطانُ أعيانَ الفقهاء إلى بين يديه فسألهم عمَّن يصلح للقضاء بمصرَ، فوقع الاختيار على القاضي عز الدين بن جماعة، فولاه في الساعة الراهنة (٢)، وولَّى قضاء الحنفية لحسام الدين حسن بن محمد الغوري قاضي بغداد، وخرجا من بين يديه إلى المدرسة الصَّالحيَّة، وعليهما الخِلَعُ، ونزل عز الدين بن جماعة عن دار الحديث الكاملية لصاحبه الشيخ

стр. 282

كمال الدين (٢) (١) الدِّمياطي، فدرَّس فيها وأورد حديثَ "إنما الأعمال بالنيات" (٢). بسنده، وتكلَّم عليه. وعزل أكثر نواب الحكم (٣) واستمرّ بعضهم واستمر بالمُنَاوي (٤) الذي أشار بتوليته. ولما كان يوم خامس عشرين منه ولي قضاء الحنابلة الإمام العالم موفق الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الملك المقدسي عوضًا عن المعزول، ولم يبقَ من القضاة سوى الأخْنائي المالكي. وفي رمضان فتحت الصَّبابيَّة التي أنشأهَا شمس الدين بن تقي الدين بن الصباب التاجر دار قرآن ودار حديث، وقد كانت خربةً شنيعةً قبل ذلك (٥). وفي رمضان باشر علاء الدين علي بن القاضي محيي الدين بن فضل الله كتابة السر بمصرَ بعد وفاة أبيه كما ستأتي ترجمته، وخلع عليه وعلى أخيه بدر الدين، ورُسم لهما أن يحضُرا مجلس السلطان، وذهب أخوه شهاب الدّين إلى الحج. وفي هذا الشهر سقط بالجانب الغربي من مصرَ برَد كالبيض وكالرمَّان، فأتلف شيئًا كثيرًا، ذكر ذلك البرزالي، ونقله من كتاب الشِّهاب الدّمياطي. وفي ثالث عشري رمضان درس بالقبة المنصورية بمشيخة الحديث شهاب الدين العسجدي عوضًا عن زين الدين الكتاني توفي، فأورد حديثًا من "مسند الشافعي" بروايته عن الجاولي بسنده، ثم صرف عنها في الحجَّة بالشيخ أثير الدين أبي حيان، فساق حديثًا عن شيخه ابن الزبير ودعا للسلطان وحضر عنده القضاة والأعيان، وكان مجلسًا حافلًا. وفي ذي القعدة حضر تدريس الشَّامية البرانية قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب عوضًا عن القاضي جمال الدين بن جملة توفي، وحضر خلق كثير من الفقهاء والأعيان (٦)، وكان مجلسًا حافلًا.

стр. 283

وفي ثاني ذي الحجة درَّس بالعادلية الصغيرة تاج الدين عبد الرحيم ابن قاضي القضاة جلال الدين القزويني عوضًا عن الشيخ شمس الدين بن النقيب بحكم ولايته الشامية البرّانية، وحضر عنده القضاة والأعيان (١). وفي هذا الشهر درّس القاضي صدر الدين بن القاضي جلال الدين بالأتَابكية، وأخوهما (٢) الخطيب بدر الدين بالغزالية والعادلية نيابة عن أبيه. انتهى والله أعلم. وممّن توفي فيها من الأعيان: الأمير الكبير بدر الدين محمد (٣) بن فخر الدين عيسى بن التركماني: باني جامع المِقْياس (٤) بديار مصر في أيام وزارته بها، ثم عزل عنها (٥) أميرًا إلى الشام، ثم رجع إلى مصر إلى أن توفي بها في خامس ربيع الآخر، وتوفي بالحُسَيْنية، وكان مشكورًا. الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أحمد (٦): بن البرهان شيخ الحنفية بحلب شرح "الجامع الكبير" وكان رجلًا صالحًا منقطعًا عن الناس، وانتفع به الناس وكانت وفاته ليلة الجمعة ثامن عشري رجب وكانت له معرفة بالقرآن والقراءات والعربية ومشاركًا في علوم أخر ﵀. قاضي القضاة شهاب الدين محمد (٧) بن المجد: عبد الله بن الحسين بن علي الزِّرْزاري (٨) الإربليّ الأصل، ثم الدمشقي الشافعي، قاضي الشافعية بدمشق، ولد سنة اثنتين وستين وستمئة، واشتغل وبرع وحصَّل وأفتى سنة ثلاث وتسعين، ودرَّس بالإقبالية ثم الرّواحية وتربة أم الصالح، وولِّيَ وكالة بيت المال، ثم صار قاضي قضاة الشَّام إلى أن توفي بمستهلّ جمادى الأولى بالمدرسة العادلية، ودُفن بمقابر باب الصغير ﵀.

стр. 284

الشيخ الإمام العالم ابن المُرَحِّل: زين الدين محمد (١) بن عبد الله بن الشيخ زين الدين عمر بن مكي بن عبد الصمد بن المُرَحِّل مدرِّسُ الشامية البرانية والعَذْراويّة بدمشقَ، وكان قبل ذلك بمشهد الحسين، ولد بدمشق (٢)، وكان فاضلًا بارعًا فقيهًا أصوليًا مناظرًا، حسنَ الشكل طيّبَ الأخلاق حسن التدريس (٣) ديّنًا صيّنًا، ونابَ في وقت بدمشق عن علم الدين الأخنائي فحمدت سيرته، وكانت وفاتُه ليلةَ الأربعاء تاسعَ عشرَ رجب، ودُفن من الغد عند مسجد الذُّبَّان في تربة لهم هناك، وحضر جنازته القاضي جلال الدين، وكان قد قدم من الديار المصرية له يومان فقط، وقدم بعده القاضي برهان الدين بن (٤) عبد الحق بخمسة أيام، هو وأهله وأولاده أيضًا، وباشر بعده تدريس الشامية البرانية قاضي القضاة جمال الدين بن جملة، ثم كانت وفاته بعده بشهور، وذلك يوم الخميس رابعَ عشرَ ذي القعدة. وهذه ترجمته في تاريخ الشيخ علَم الدين البرزالي. تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الْعَالِمُ قاضي القضاة جمال الدّين الصّالحي: جمال الدين أبو المحاسن يوسف (٥) بن إبراهيم بن جملة بن مسلم بن تمام (٦) بن حسين بن يوسف الصالحي الشافعي المحجِّي والده، بالمدرسة المسروريَّة (٧) وصلِّيَ عليه عُقَيب الظُّهر يوم الخميس رابعَ عشرَ ذي الحجة، ودُفن بسفح قاسيون، ومولده في أوائل سنة اثنتين وثمانين وستمئة، وسمع من ابن البخاري (٨) وغيره، وحدث. وكان رجلًا فاضلًا في فنون، اشتغل وحصَّل وأفتى وأعاد ودرَّس، وله فضائل جمة ومباحث وفوائد وهمة عالية وحُرمة وافرة، وفيه تودُّد وإحسان وقضاء للحقوق، وولِّي القضاء بدمشقَ نيابةً واستقلالًا، ودرَّس بمدارسَ كبار، ومات وهو مدرس الشامية البرانية، وحضر جنازته خلقٌ كثير من الأعيان ﵀. شيخ الإسلام قاضي القضاة ابن البارِزِيّ: شرف الدين أبو القاسم هبة الله (٩) ابن قاضي نجم الدين

стр. 285

عبد الرحيم بن القاضي شمس الدين أبي الطاهر إبراهيم بن هبة الله بن مسلم بن هبة الله الجُهنيّ الحمويّ (١)، المعروف بابن البارِزِيّ قاضي القضاة بحماة. صاحب التَّصانيف الكثيرة المفيدة في الفنون العديدة، ولد في خامس رمضان سنة خمس وأربعين وستمئة، وسمع الكثير وحصَّل فنونًا كثيرة، وصنَّف كتبًا جمّة كثيرة، وكان حسنَ الأخلاق، كثيرَ المحاضرة، حسنَ الاعتقاد في الصّالحين، وكان معظَّمًا عند الناس، وأذن لجماعة من البلد في الإفتاء، وعَمِيَ في آخر عمره وهو يحكم مع ذلك مدة، ثم نزل عن المنصب لحفيده نجم الدين عبد الرحيم بن إبراهيم (٢)، وهو في ذلك لا يقطع نظرَه عن المنصب، وكانت وفاته ليلة الأربعاء العشرين من ذي القعدة بعد أن صلَّى العشاء والوِتْر، فلم تفته فريضة ولا نافلة، وصُلِّيَ عليه من الغد ودُفن بعقبة نَقيرين، وله من العمر ثلاثٌ وتسعون سنةً. القاضي محيي الدين بن فضل الله كاتب السر: هو أبو المعالي يحيى (٣) بن فضل الله بن مُجلِّي (٤) بن دَعْجان بن خَلَف العَدَويّ العُمَريّ. ولد في حادي عَشَر شوّال سنة خمس وأربعين وستمئة بالكَرَك، وسمع الحديث وأسمعه، وكان صدرًا كبيرًا معظَّمًا في الدولة في حياة أخيه شرف الدين وبعده، وكتب السرَّ بالشَّام وبالديار المصرية، وكانت وفاته ليلة الأربعاء تاسع رمضانَ بديار مصرَ، ودُفن من الغد بالقَرَافة وتولَّى المنصب بعده ولده القاضي (٥) علاء الدين، وهو أصغر أولاده الثلاثة المعينين لهذا المنصب. الشَّيخ الإمام العلامة ابن الكتَّاني: زين الدين ابن الكَتَّاني، شيخ الشَّافعية بديار مصر، وهو أبو حفص عمر (٦) بن أبي الحَرَم (٧) بن عبد الرحمن بن يونس الدّمشقي الأصل. ولد بالقاهرة في حدود سنة ثلاث وخمسين وستمئة، واشتغل بدمشقَ ثمَّ رحل إلى مصرَ واستوطنها وتولَّى بها بعض الأقضية بالحَكَر، ثم ناب عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد فحُمدت سيرتُه، ودرَّس
следующие страницы →