← История

История · id 30098

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة

ابن كثير

Полный текст (651 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأنت على صفة النساء؟ فقال: نفيسة، فقلت: واليوم؟ فقال عبد الله، وذكر أنه لما حصل له هذا الحال كتمه أهله عن حتى عن أبيه، ثم عزموا على تزويجه على رابع، فقال لأمّه إن الأمر ما صفته كيت وكيت، فلما اطّلع أهله على ذلك أعلموا به نائب السلطنة هناك، وكتب بذلك محضرًا واشتُهر أمره فقدم دمشقَ ووقف بين يدي نائب السلطنة بدمشق، فسأله فأخبره كما أخبرني، فأخذه الحاجب سيف الدين كجكن بن لاقوش (١) عنده وألبسه ثياب الأجناد، وهو شاب حسن، على وجهه وسمته ومشيته وحديثه أنوثةُ النساء، فسبحان الفعال لما يشاء، فهذا أمر لم يقع مثله في العالم إلا قليلًا جدًّا، وعندي أن ذكره كان غائرًا في جورة ظنوها فرجًا ثم لما بلغ ظهر قليلًا قليلًا، حتى تكامل ظهوره فتبينوا أنه كان ذكرًا، وذكر لي أن ذكره برز مختونًا فسمي ختان القمر، فهذا يوجد كثيرًا والله أعلم. شهر رجب الفرد، أوّله الجمعة وفي يوم الثلاثاء خامسه قدم الأمير عز الدين طُقْطَاي (٢) الدويدار من الديار الحلبية وخبر عما اتفق عليه العساكر الحلبية من ذهابهم مع نائبهم ونواب تلك الحصون وعساكر خلف دُلْغَادر التركماني، الذي كان أعان بَيْبُغا وذويه على خروجه على السلطان، وقدم معه إلى دمشق وكان من أمره ما تقدم بسطه في السنة الماضية، وأنّهم نهبوا أمواله وحواصله، وأسروا خلقًا من بنيه وذويه وحريمه، وأن الجيش أخذ شيئًا كثيرًا من الأغنام والأبقار والرقيق والدواب والأمتعة وغير ذلك، وأنه لجأ إلى ابن أَرْتَنا (٣) فاحتاط عليه واعتقله عنده، وراسل السلطان بأمره ففرح الناس براحة الجيش الحلبي وسلامته بعدما قاسوا شديدًا وتعبًا كثيرًا. وفي يوم الأربعاء ثالث عشره كان قدوم الأمراء الذين كانوا مسجونين بالإسكندرية من لَدُن عَود السُّلطان إلى الديار المصرية، ممَّن كان اتُّهم بممالأة بَيْبُغَا أو خدمته، كالأمير سيف الدين مَلَك آص (٤) وعلاء الدين علي ابن البَشْمُقْدَار (٥)، وساطلمش الجلالي ومن معهم. وفي أوائل هذا الشهر تكامل عمارة القياسوية التي أنشأها ديوان الأمير طاز، خارج باب الفرج غربي القيسارية التي أنشأها يَلبُغا، وتشتمل على ستة سطور دكاكين، وفي علوها طباق. وكان قد اشتهر في أوائل هذا الشهر أن قاضي القضاة بالديار المصرية عز الدين بن جماعة قد ترك المنصب، وتولّاه نائبه القاضي تاج الدين المناوي وحكم أيامًا، ثم قيل: إن المناوي عُزل، وشغر

стр. 422

المنصب، وشاع بين الناس أنّ قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي يُطلب إلى الديار المصرية لتولية القضاء بها، وذُكر للمنصب جماعة، وطلبوا منه أن يعود إلى المنصب فعاد، ولبس الخلعة. شهر شعبان، أوّله السبت، لم يعمل ليلة النصف بالجامع الأموي، ولم توقد القناديل على ما جرت به تلك البدعة الشنعاء التي كانت مستمرة، بل منّ الله تعالى بإطفائها، وزوالها، وإخمادها منذ ثلاث سنين شهر رمضان المعظم، أوّله الاثنين (١). وفي أوئله اتفق أن جماعة من المفتين أفتوا بأحد قولي العلماء، وهما وجهان لأصحابنا الشافعية، وهو جواز استعادة ما استهدم من الكنائس، فتعصَّب عليهم قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي فقرَّعهم في ذلك ومنعهم من الإفتاء، وصنَّف في ذلك مصنفًا يتضمن المنع من ذلك سمَّاه "الدسائس في الكنائس" (٢). وفي خامس شهر رمضان قدم بالأمير دُلْغَادر (٣) التركماني الذي كان مؤازرًا لبَيْبُغَا في العام الماضي على تلك الأفاعيل القبيحة، وهو مضيَّق عليه، فأُحضر بين يدي النائب، ثم أُودع القلعة المنصورة في هذا اليوم. وفي يوم الأحد رابع عشره درّس بالركنية الشيخ شمس الدين البانقوسي الحنفي عوضًا عن علاء الدين بن زين الدين بن عبد الحق (٤) توفيّ ﵀ وفي صبيحة يوم الاثنين الخامس عشر منه قُدم بالأمير ابن دُلغادر التركماني الذي كان مؤازًا لبيبُغَا أروس على تلك الأفاعيل القبيحة، وهو مضيّق عليه إلى بين يدي نائب السلطنة، ثم أودع القلعة من يومه. شهر شوال، أوّله الأربعاء، توفي الأمير بدر الدين ابن الخطير (٥) في يوم الثلاثاء سادسه، ودفن من يومه بسفح قاسيون. وخرج المحمل في يوم الخميس تاسعه، وأمير الركب ابن المنكورسي، وقد قدّمنا شيئًا من خبره. وتوفيّ الصدر علاء الدين بن الفويره الحنفي (٦)، شاهد الخزانة، وموقّع الدَّست في العشر الأوسط منه، ودفن بالصالحية. وفي هذا اليوم بعينه خُلع على القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدين السّبكي الشافعي بطرحة، وجلس مع موقعي الدَّست.

стр. 423

وفي يوم الثلاثاء الثامن والعشرين منه توفي الموقّع بالدّست أيضًا شرف الدين عبد الوهاب ابن القاضي شهاب الدين بن فضل الله (١)، ضربه فلّاح بدبوسٍ في رأسه، فلم يزل منها متمرضًا حتى مات في هذا اليوم. ودفن بتربة أبيه وعمه بقاسيون، وهو شاب دون الأربعين، وتولّى مكانه في الدّست أخوه نجم الدين، ولبس خلعةً وطرحةً. وباشر يوم الإثنين رابع ذي القعدة. شهر ذي القعدة، أوله الجمعة، قد قدمنا ولاية نجم الدين أحمد بن فضل الله مكان أخيه في توقيع الدّست. شهر ذي الحجة، أوّله السبت. في ليلة السبت خامس عشره أُخذت عُملةٌ كثيرة من سوق الدّهشة التي للرجال شرقي الجامع، صعد الحراميّة إليها من سقالة جيرون، ونقبوا أرض الدكان وأخذوا على ما قيل ثلاثين ألف درهمٍ، غير القماش. وفي هذا الحين تفاقم أمر رجلٍ ظهر ببلاد الصعيد من الأعراب، يلقّب بالأحدب (٢)، يأتي في زمن الغلّات، فيُغير بمن معه على أطراف البلاد؛ فيأخذ ما يحتاج إليه من الغلّات والميرة وغيرها قهرًا من أيدي الفلاحين، وقد اتَبعه خلقٌ كثير، وجم غفير، بحيث أنه أعجز الولاة والتجاريد تحصيلُه. فركب إليه الأمير شيخون (٣) بنفسه في ألوف من الجيش، وخرج السلطان وعامة الجيش في صحبته إلى أثناء الطريق، وقعدوا في انتظاره، وقصد هو بمن معه البلاد التي يكون فيها الأحدب، فاتّفق تلاقيهما في مكان هناك، فقُتل من جيش الأحدب خلقٌ كثير، وهرب الأحدبُ فأتبعه بمئة من الفرسان الأبطال الشجعان فلم يدركوه، وخلص من بين الجميع، وهو معدود أيضًا من الأبطال المذكورين، ويُذكر عنه أنّه يحدّث نفسه بالملك، ويعد أصحابه وغيرهم بذلك (٤). ثم دخلت سنة خمس وخمسين وسبعمئة استهلّت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية وما يتبع ذلك والحرمين الشريفين وما والاهما من بلاد الحجاز وغيرها الملك الصالح صلاح الدين بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، وهو ابن بنت تَنْكِز نائب الشام، وكان في الدولة الناصرية. ونائبه بالديار المصرية الأمير سيف الدين قَبْلاي الناصري، ووزيره القاضي موفق الدين، وقضاة مصرهم المذكورون في العام الماضي، ومنهم قاضي القضاة عزّ الدين بن جماعة الشافعي، وقد جاور في

стр. 424

هذه السنة في الحجاز الشريف، والقاضي تاج الدين المُنَاوي يسدُّ المنصب عنه، وكاتب السر القاضي علاء الدين بن فضل الله العدوي، ومدبرو المملكة الأمراء الثلاثة سيف الدين شَيْخُون، وصَرْغَتُمُش الناصري، والأمير الكبير الدوادار عز الدين طُقْطَاي الناصري. ودخلت هذه السنة والأمير سيف الدين شَيْخُون في الأحداث من مدة شهر أو قريب. ونائب دمشق الأمير علاء الدين على المارداني، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها، وناظر الدواوين الصاحب شمس الدين موسى بن التاج أبي إسحاق (١)، وكاتب السر القاضي ناصر الدين بن الشرف يعقوب، وخطيب البلد جمال الدين محمود بن جملة، ومحتسبه الشيخ علاء الدين الأنصاري، قريب الشيخ بهاء الدين ابن (٢) إمام المشهد، وهو مدرّس الأمينية (٣) مكانه أيضًا. شهر الله المحرم، أوله الإثنين، وردت كتب الحجاج في ثاني عشره، وذكروا فيها أنهم وجدوا أسعارًا رخيصة، وأمنًا، وسعةً. وقدم الركب يوم الخميس الخامس والعشرين منه، وقد صادفهم في أراضي حوران أمطارٌ وثلوج من الزرقا وجاي، فحصل لهم بسبب ذلك مشقّة شديدة، ثم لطف الله تعالى. شهر صفر، أوّله الثلاثاء، عُقد في هذا الشهر مجالس بسبب فُتيا وردت من حماة في وقف كتب فيها جماعة من المفتين، من الحنابلة والشافعية والحنفية والمالكية، وكان القاضي الشافعي قد كتب بوفاقهم، ثم خالفهم، وصنّف في الردّ عليهم، وأراد أن يسترجعهم فأبى أكثرهم، واستمروا على ما أفتَوْا به، ووقعت أمور طويلة، وبعد ذلك كله حكم نائبه القاضي بهاء الدين أبو البقاء بمقتضى ما رجّحه قاضي القضاة، وسُطّر محضرٌ، وذُكر فيه أولئك المفتون، ونيل منهم بكلام ساءهم سماعُه. شهر ربيع الأول، أوله الخميس، في ليلة الإثنين الثاني عشر منه عُملت المواليد في الجامع على العادة، وقرأ المقرؤون، وأنشد الوعّاظ. وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين منه زوّجت الولد عبد الرحمن أسعده الله تعالى. وكان مجلس عقده في دار المرقبي خارج باب النّصر، وحضر القضاة الأربعة، والصاحب، وكاتب السرّ، وأعيان الناس، وناظر الجيش، وأعيان الناس من أولي الحلّ والعقد والعلماء والأمراء وغيرهم.

стр. 425

وفي يوم الأحد تلوه دخلت به إلى نائب السلطنة، فقبل يده، وأهدى له أشياء من السكّر والقلوبات باسم ولده ناصر الدين محمد، ووعده ملك الأمراء بإقطاع في الحلقة المنصورة. وفي ليلة الجمعة وهي ليلة الثلاثين منه عمل نائب السلطنة مولدًا، احتفل له احتفالًا زائدًا، وطُلبت فقرأت المولد المختصر الذي اختصرته من مختصر آخر من المبسوط الذي بَسَطتُه في أول السّيرة من كتاب (البداية والنهاية). وكان - حرسه الله - كثير الإكرام والتودُّد والاحترام، ويسأل عن مسائل حسنة مفيدة، ولديه فضيلة، ونقل لمذهب أبي حنيفة، ويفهم الكلام، وما يقال له جيدًا (١). وفي شهر ربيع الآخر قدم الأمير علاء الدين مُغْلَطاي الذي كان مسجونًا بالإسكندرية ثم أُفرج عنه، وقد كان قبل ذلك هو الدولة، وأمر بالمسير إلى الشام ليكون عند حمية أَيْتَمُش (٢) نائب طرابُلُس، وأمّا مَنْجك الذي كان وزيره بالدّيار المصرية، وكان معتقلًا بالإسكندرية مع مُغْلَطاي (٣)، فإنه صار إلى صفد مقيمًا بها بطالًا، كما أن مُغْلَطاي أُمر بالمقام بطرابُلُس بطالًا إلى حين يحكم الله . انتهى والله أعلم. في العشر الآخر منه أمسك مقدّم المجرمين، صدر منه أشياءُ قبيحة شنيعةٌ في حق رسول الله ﷺ ، فقُيد وسُجن، ورفع أمره إلى المالكي. وكذلك قدم من أذرعات اثنان نصارى كانا أسلما ثمّ ارتدا، فقُيّدا وأرسلا فسخنا أيضًا. وتوفي الوزير موفق الدين (٤) بديار مصر ليلة الجمعة الثاني والعشرين منه، وكان مشكورًا كثير الصدقة من خيار أبناء جنسه من القبط، وقد قارب رحمه الله تعالى. شهر جمادى الأولى، أوّله الأحد، في ليلة الإثنين منه عُدي على قاضي الحنفية (٥) بطرابلس فقتل في داره، وأخذت أمواله وحواصله (٦).

стр. 426

نادرة من الغرائب في يوم الإثنين سادسَ عشرَه اجتاز رجل من الرَّوافض من أهل الحِلَّةِ (١) بجامع دمشق بعد صلاة الظهر وهو يسبُّ أول من ظلم آل محمد، ويكرِّر ذلك لا يفتر، ولم يصلِّ مع الناس ولا صلَّى على الجنازة الحاضرة، على أن النَّاس في الصَّلاة، وهو يكرّر ذلك ويرفع صوته به، فلمَّا فرغنا من الصَّلاة نبَّهْتُ عليه الناس، فأخذوه، وإذا قاضي القضاة الشافعي في تلك الجنازة حاضر مع الناس. فجئت إليه واستنطقته: مَن الذي ظلم آل محمد؟ فقال: أبو بكر الصديق، ثم قال جهرة والناس يسمعون: لعن الله أبا بكر وعمرَ وعثمانَ ومعاويةَ ويزيدَ، فأعاد ذلك مرتين، فأمر به الحاكم إلى السِّجن، ثم استحضره المالكي وجلده بالسياط، وهو مع ذلك يصرُخُ بالسبّ واللّعن والكلام الذي لا يصدرُ إلا عن شقي، واسم هذا اللعين علي بن أبي الفضل بن محمد بن حسين بن كثير قبَّحه الله وأخزاه، ثم لما كان الخميس سابع عشره عقد له مجلس بدار السعادة وحضر القضاة الأربعة وطُلب إلى هنالك، فقدَّر الله أن حكم نائب المالكي بقتله، فأُخذ سريعًا فضربت عنقه تحت القلعة وحرقه العامة وطافوا برأسه البلد، ونادوا عليه: هذا جزاء من سبَّ أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد ناظرت هذا الجاهل بدار القاضي المالكي وإذا عنده شيء ممَّا يقوله الرَّافضةُ الغُلاة، وقد تلقَّى عن أصحاب ابن مطهَّر أشياء في الكُفْر والزَّندقة، قبحه الله وإياهم. شهر رجب الفرد، أوّله الثلاثاء وورد الكتاب بإلزام أهل الذمة بالشروط العمرية (٢). وفي يوم الجمعة ثامن عشرَه قُرِئَ بجامع دمشق بالمقصورة بحضرة نائب السلطنة وأمراء الأعراب، وكبار الأمراء، وأهل الحل والعقد والعامة، كتاب السلطان بإلزام أهل الذمة بالشّروط العُمَرية وزيادات أخر: منها أن لا يستخدموا في شيء من الدواوين السلطانية والأمراء ولا في شيء من الأشياء، وأن لا تزيد عمامةُ أحدهم عن عشرة أَذْرُع و [أن] (٣) لا يركبوا الخيل ولا البغال، ولكن الحمير بالأكف عرضًا، وأن لا يدخلوا (الحَمَّام) إلا بالعلامات من جرس أو خاتم نحاس أصفر أو رصاص، ولا تدخل نساؤهم مع المسلمات الحمَّامات، وليكن لهن حمَّامات تَخْتَصُّ بهن، وأن يكون إزار النصرانية، من كتان أزرق، واليهودية من كتان أصفر، وأن يكون أحد خفيها أسود، والآخر أبيض (٤)، وأن يُحْمَل (٥) حكمُ مواريثهم على الأحكام الشرعية.

стр. 427

شهر شعبان، أوّله الخميس، في يوم السبت عاشره توفّي الأمير أباجي (١) نائب القلعة بدمشق، وقد كان مشكور السيرة ﵀. واشتهر في العشر الأخير منه أنّ أهل طرابُلُس قاموا على ناظر الجيش عندهم، وكان مسلمانيًا، تعرّض للجناب النبوي، فحكم القاضي شهاب الدين بن البارزي الشافعي بكفره وقتله، فقتل وأُحرق. شهر رمضان المعظم، أوّله الجمعة (٢). وفي مستهل شهر رمضان عمل الشيخ الإمام العالم البارع شمس الدين بن النَّقَّاش (٣) المصري الشّافعي - وَرَدَ دمشق (٤) - بالجامع الأموي تجاه محراب الصَّحابة، ميعادًا للوعظ واجتمع عنده خلق من الأعيان والفضلاء والعامة، وشكروا كلامه وطلاقة عبارته، من غير تَلعْثُم ولا تخليط ولا توقُّف، وطال ذلك إلى قريب العصر. وفي صبيحة يوم الأحد ثالثه صُلِّي بجامع دمشق بالصَّحن تحت النَّسر على القاضي جمال الدّين (٥) حُسَين (٦) ابن قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي الشّافعي، ونائبُه (٧)، وحضر نائب السَّلطنة الأمير علاء الدين علي، وقضاة البلد والأعيان والدولة وكثير من العامة، وكانت جنازته محشودة، والده وحضر والدة قاضي القضاة وهو يتهادى (٨) بين رجلين، فظهر عليه الحزن والكآبة، فصلَّى عليه إمامًا، وتأسَّف النَّاس عليه لسماحة أخلاقه وانجماعه على نفسه، لا يتعدَّى شرُّه إلى غيره، وكان يحكم جيدًا نظيفَ العرض في ذلك، وكان قد درَّس في عدة مدارس، منها الشَّامية البرّانية والعَذْراوية (٩)، وأفتى وتصدَّر، وكانت لديه فضيلة جيدة بالنَّحو والفقه والفرائض وغير ذلك. ودفن بسفح قاسيون في تربة معروفة لهم ﵏. وفي يوم الإثنين حادي عشره خلع على الأمير كجكن بن لاقوش الحاجب بشربوش الطبلخاناه،

стр. 428

وأَلبَس هو خلعًا كثيرةً للناس، ولبس أخوه ابن ناصر الدين خلعةً بنيابة حمص. وفي يوم الخميس رابع عشره لبس القاضي أمين الدين ابن القلانسي خلعةً بقضاء العساكر عوضًا عن الوكالة. ولبس علاء الدين بن شمريوخ خلعة الوكالة وباشرها. وفي يوم الخميس الثامن والعشرين منه حكم القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة السّبكي بدار السعادة في مجلس دار العدل بحضرة نائب السلطنة والقضاة في قضيّة تتعلّق بالأمير شيخون في ضمان قرية بالساحل. ورسم له يومئذٍ بالمدرسة التّقويه بكمالها. شهر شوال، أوّله الأحد (١). عودة الملك النَّاصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون وذلك يوم الإثنين ثانيه اتفق جمهور الأمراء مع الأمير شَيْخُون وصَرْغَتْمُش في غيبة طَاز في الصيد على خلع الملك الصّالح صالح بن الناصر، وأمُّه بنت تَنْكز، وإعادة أخيه الملك الناصر حسن، وكان ذلك يومئذ وألزم الصالح بيته مضيَّقًا عليه، وسُلِّم إلى أمه خوندة بنت الأمير سيف الدين تَنْكز نائب الشام، كان، فطلبوا طاز (٢)، وأُمسك أخوه جَنْتَمُر (٣) وأخو السُّلطان لأمه عمر بن أحمد بن يَكْتَمُر السَّاقي ووقعت خبطة عظيمة بالدّيار المصرية، ومع هذا فلم يقبل البريد إلى الشام وخبر البيعة إلا يوم الخميس الثالث عشر من هذا الشهر، قدم بسببها الأمير عز الدين أَيْدَمُ الشّمسي، وبايع النائب بعد ما خلع عليه خِلْعة سنيّة، والأمراءُ بدار السعادة على العادة، ودقت البشائر، وزين البلد، وخطب له الخطيب يوم الجمعة على المنبر بحضرة نائب السلطنة والقضاة والدولة. وكان قد خرج المحمل السلطاني يوم الإثنين تاسع الشهر، وأمير الركب الملك أسد الدين بن الملك صلاح الدين بن الأوحد، وقاضيه شمس الدين محمد بن الصايغ أحد المعدّلين بدمشق. وحجّ في هذه السنة من الأعيان قاضي القضاة نجم الدين الحنفي بنية المجاورة بمكة. والقاضي ناصر الدين كاتب السر وولده الأمير جمال الدين، ومعهم الشيخ نور الدين بن الصارم أحد القراء والمحدّثين والحاجب جمال الدين الدمرداشي، والقاضي بهاء الدين أبو البقاء، ذهب عن طريق المصريين من أيلة ومعه طائفة من الناس سلكوا مسلكه) (٤).

стр. 429

وفي صبيحة يوم الإثنين تاسع عشر شوال دخل دمشق الأمير سيف الدين مَنْجَك مجتازًا على نيابة طرابُلُس، ونزل القصر الأبلق مع الأمير عز الدين أَيْدَمُر، فأقام أيَّامًا عديدة، ثم سار إلى بلده بعد أيام. وفي يوم السبت الحادي والعشرين منه توفي الصدر شهاب الدين بن البارزي الحموي (١)، ناظر الأوقاف بدمشق ﵀، وصلي عليه بعد الظهر بجامع العقيبة، وكان عمره قريبًا من الثمانين أو جاوزها، وفي هذا اليوم خلع على القاضي شمس الدين البهنسي ناظر ديوان ملك الأمراء وناظر المارستان بنظر الأوقاف عوضًا عن المتوفَّى (٢). وفي صبيحة الخميس السادس والعشرين منه دخل الأمير سيف الدين طَاز من الديار المصرية في جماعة من أصحابه مجتازًا إلى نيابة حلب المحروسة، فتلقَّاه نائب السلطنة إلى قريب من جامع كريم الدين بالقُبَيْبات، وشيَّعه إلى قريب من باب الفراديس، فسار ونزل بوطأة برزة فبات هنالك، ثم أصبح غاديًا وقد كان نظير الأمير شَيْخون، ولكن قوي عليه فسيَّره إلى بلاد حلب، وهو محبَّب إلى العامَّة لما له من السَّعي المشكور في أمورٍ كبار كما تقدَّم. ثم دخلت سنة ست وخمسين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة وسُلطان الإسلام والمسلمين السَّلطان الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، وليس بالدّيار المصرية نائبٌ ولا وزير، وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها. ونائب دمشق الأمير علي المارِدَاني، والقضاة والحاجب وكاتب السر، وناظر الجيش، والخطيب، وكاتب السرّ هم المذكورون في التي قبلها. ونائب حلب الأمير سيف الدين طَاز، ونائب طرابُلُس مَنْجَك، ونائب حماة أَسَنْدَمُ (٣) العمري، ونائب صفد الأمير شهاب الدين بن صُبْح، ونائب حمص الأمير ناصر الدين بن لاقوش (٤)، ونائب بعلَبَكّ الحاج كامل. شهر المحرم، أوّله الجمعة، في صبيحة يوم الأحد سابع عشره رجع قاضي القضاة نجم الدين

стр. 430

الحنفي من الحج، فدخل دار السعادة أولًا، فسلّم على نائب السلطنة، ثم راح إلى منزله بالمزة. وذهب ناسٌ للسلام عليه على العادة. وقدم القاضي بهاء الدين أبو البقاء والشيخ بهاء الدين ابن قاضي القضاة السُّبكي ليلة الأربعاء العشرين منه من الحج، فنزلا عند قاضي القضاة ببستانه، ودخل أبو البقاء البلد. وفي ليلة الخميس الحادي والعشرين منه سقط بناء قبّةٍ على القاضي شرف الدين عبد الله ابن الشيخ بدر الدين بن الفويرة الحنفي (١)، أحد موقعي الدَّسْت، وكان مدرسًا بالزنجيلية، وشاهدًا بالخزانة العالية فمات من ساعته. وفي صبيحتها قُرّرَ مكانه في الدَّست القاضي وليّ الدّين عبد الله ابن القاضي بهاء الدين أبي البقاء السُّبكي الشافعي، ورسم له بخلعةٍ وطرحة. ودخل المحمل السلطاني صبيحة يوم السبت الثالث والعشرين منه، ولم يكن بين يديه من القضاة سوى المالكي؛ لأن الشافعي منقطع، والحنفي من آثار السفر، والحنبلي لا عادة له بذلك. وأخبرنا الحجاج عما جرى على الشمس محمد الخيّاط الملقب بضفدع (٢) في درب الحجاز من تعزيره البليغِ بحلق لحيته، والمناداة عليه في الركب. وذلك بسبب هجائه لأعيان من في الرّكب كما يقال: من السّاقةِ إلى القادة، وذلك في خامس المحرم في المفازة الكبيرة، ثم لمّا جاء إلى معان توفيّ، ودُفن هنالك، سامحه الله. وقد كان ذلق اللسان بالهجو، له من ذلك شيء كثير، وله مدائح لا توازي هجوَهُ، وقد جُمع ديوانه بخطّه وخط غيره، مدحًا وهجوا في مجلدات. شهر صفر، أوّله الأحد، في أول ليلة سُعّر الخبز رطلٌ بدرهم، وبيعت الغرارة بمئة وسبعين درهمًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبلغنا ولاية قضاء المالكية بالديار المصرية للشيخ نور الدين علي بن السخاوي المالكي، كان قد ارتحل قبلُ بسنواتٍ، فأقام بمصر مقتصرًا على التدريس بجامع شيخون، ثم نُدب لقضاء المالكية (٣). وفي يوم الإثنين تاسع صفر مُسك الأمير أَرْغون الكاملي الذي ناب بدمشقَ مدَّة ثم بعدها بحلبَ ثم

стр. 431

طلب إلى الديار المصرية حين وليها طازُ، فقبض عليه وأُرسل إلى الإسكندرية معتقلًا (١). وفي يوم السبت من شهر صفر قُدِّم تقليد قضاء الشافعية بدمشقَ وأعمالها لقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهّاب بن قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي، على قاعدة والده، وذلك في حياة أبيه، وذهبتِ الناس للسّلام عليه (٢). وفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين منه حضر الدّرس بالعادلية الكبيرة حفيده أبو حاتم ابن الشيخ بهاء الدين أبي حامد أحمد قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي. وأخبرني جدّه أنه ابن عشر سنين، وأنه اقتدى في ذلك بالقاضي شهاب الدّين بن الخُويي (٣) حين درّس في سنة ستٍّ وثلاثين وستمئة، وهو ابن عشر سنين أيضًا بالدّماغية، وكان في كفالة الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وأخبرني أنه سمع قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب يحكي عن قاضي القضاة شهاب الدين بن الخويّي المذكور قال: لما درّست وأنا ابن عشرٍ خجلت، وعرقت عرقًا شديدًا، حتى خشيت إذا قمت أن يقول القائل: إنه قد بال تحته. شهر ربيع الأول، أوّله الإثنين، عملت المواليد ليلة الثاني عشر منه بالجامع على العادة. وفي آخره عند نائب السلطنة. وفي يوم السبت قدمَ تقليدُ قضاء الشافعية بدمشق وأعمالها لقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدّين السُّبكي على قاعدة والده، وذلك في حياة والده. ولما كان يوم الإثنين لبس الخِلع والطرحة، وركب البغلة التي أُمر له بها في تشريفه، وجاء إلى المقصورة من الجامع في كبكبة كثيرة، وجلس مع القضاة والفضلاء والأكابر، وقرئ تقليده هناك؛ قرأه الشيخ عماد الدين بن السّراج، ثم صار إلى الغزالية فدرّس بها، وحكم بها أيضًا، بحضرة قضاة القضاة سوى الحنبلي واستناب في الحكم هناك ابن أخته القاضي بدر الدين محمد بن القاضي تقي الدين أبي الفتح السُّبكي، ولقد حكم هناك أيضًا. شهر ربيع الآخر، أوله الأربعاء، وقيل: الثلاثاء، في يوم الأربعاء أوله أو ثانيه حضر الدرس بالعادلية الكبيرة، وحضر عند والده قاضي القضاة تقيّ الدين السُّبكي، وأخذ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥]. واستناب يومئذٍ الشيخ شمس الدين محمد بن عمر ابن قاضي شهبة، وحكم هناك أيضًا بحضرة السُّبكي.

стр. 432

وفي يوم الخميس ثانيه أو ثالثه حضر مشيخة دار الحديث الأشرفية مستقلًا بعد أبيه، ولم يخطب ولم يذكر درسًا، بل قرأ عليه ابن أخته أقضى القضاة بدر الدين على العادة (١). وفي صبيحة يوم الأحد السادس والعشرين من ربيع الآخر توجه قاضي القضاة تقي الدين السبكي بعد استقلال ولده تاج الدين عبد الوهاب في قضاء القضاة ومشيخة دار الحديث الأشرفية مسافرًا نحو الديار المصرية في محفة، ومعه جماعة من أهله وذويه، منهم سبطه القاضي بدر الدين بن أبي الفتح وآخرون، وقد كان الناس ودَّعوه قبلَ ذلك [وعنده ضَعْفٌ، ومن النَّاس من يخاف عليه وَعْثاء السفر مع الكبر والضَّعف] (٢). شهر جمادى الأولى أوّله الجمعة، في يوم الجمعة ثامنه صُلّي على غائب، وهو قاضي القضاة نور الدين علي السخاوي المالكي (٣) بالديار المصرية. وفي يوم الخميس لتاسع والعشرين منه خلع على القاضي أمين الدين ابن القلانسي بعوده إلى الوكالة (٤). ولما كان يوم الجمعة سادس شهر جمادى الآخرة صُلِّيَ بعد الظهر على قاضي القضاة تقي الدين (٥) علي (٦) بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي المصري الشافعي، توفي بمصر ليلة الإثنين ودفن من صبيحة ذلك اليوم وقد أكمل ثلاثًا وتسعين سنة، ودخل في الرابعة أشهرًا، ووَلِيَ الحكم بدمشق نحوًا من سبعَ عَشْرة سنة، ثم نزل عن ذلك لولده قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب، ثم رحل في محفَّة إلى الديار المصرية كما ذكرنا، ولما وصل مصر أقام دون الشهر ثم توفي كما ذكرنا. وجاءت التعزية ومرسومٌ باستقرار ولده في مدرسته التقوية (٧) والقيمرية، وبتشريف، تطييبًا لقلبه وذهب الناس إلى تعزيته على العادة. وقد سمع قاضي القضاة السُّبكي الحديثَ في شبيبته بديار مصر، ورحل إلى الشام وقرأ بنفسه وكتب

стр. 433

وخرَّج، وله تصانيف كثيرة منتشرة كثيرة الفائدة، وما زال في مدة القضاء يصنِّفُ ويكتبُ إلى حين وفاته وكان كثير التلاوة، وذكر لي أنه كان يقوم من اللَّيل ﵀. [وفي شهر جُمادى الأولى من هذه السنة اشتهر أخذ الفرنج المخذولين لمدينة طرابُلُس الغرب (١). وقرأت من كتاب لقاضي قضاة أن أخذهم إيَّاها كان ليلة الجمعة مستهل ربيع الأول من هذه السنة، ثم بعد خمسةَ عشرَ يومًا استعادها المسلمون وقتلوا منهم أضعاف ما قتلوا أولًا من المسلمين ولله الحمد والمنة. وأرسل [أهل] (٢) الدولة إلى الشام يطلبون من أموال أوقاف الأسارى ما يَسْتَنقذون به من بقي في أيديهم من المسلمين] (٣). شهر رجب الفرد، أوله الأحد، في يوم الإثنين تاسعه داروا بالمحمل على العادة حول البلد، واحتلفوا به احتفالًا زائدًا (٤). وفي يوم الأربعاء حاديْ عشرَ رجب الفرد من هذه السنة حكم القاضي المالكي وهو قاضي القُضاة جمال الدين المسلَّاتي بقتل نَصْراني من قرية الرأس من معاملة بعلَبَكّ، اسمه داود بن سالم، ثبت عليه بمجلس الحكم في بعلَبَكَّ أنَّه اعترف بما شهد عليه أحمد بن نور الدين علي بن غازي من قرية اللَّبْوة من الكلام السيئ الذي نال به من رسول الله ﷺ ، وسبّه وقذفه بكلام لا يليق ذكره، فقتل لعنه الله يومئذ بعد أذان العصر بسوق الخيل وحرقه الناس وشفى الله صُدورَ قومٍ مؤمنين ولله الحمد والمنة. شهر شعبان المبارك، أوَّله الإثنين، وفي صبيحة يوم الأحد رابع عشره درَّس القاضي بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي بالمدرسة القيمرية (٥) نزل له عنها ابن عمه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي وحضر عنده القضاة والأعيان، وأخذ في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وصُلِّيَ في هذا اليوم بعد الظهر على الشيخ الشاب الفاضل المحصِّل جمال الدين عبد الله بن (٦) العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية الحنبلي، ودُفن عند أبيه بمقابر باب الصغير، وكانت جنازته حافلة، وكانت لديه علوم جيدة، وذهنه حاضر خارق، أفتى ودرَّس وأعاد وناظر وحجَّ مراتٍ عديدة ﵀ وبلّ بالرحمة ثراه.

стр. 434

وفي يوم الأربعاء سابع عشره حضرت الدرس بمشهد ابن عروة من الجامع الأموي، وحضر عندي قاضي القضاة تاج الدين بن السّبكي الشافعي، وهو الذي آثرني به، ونزل لي عنه، وحضر معه جماعة من الفضلاء، وأسندت لهم حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة (١) في النَّهي من الصّيام بعد نصف شعبان، والكلام عليه، من كلام الأئمة في ذلك، ممّن كرهه ومن لم يكرهه، ومن قَبِلَه ومن عدّله، ومن طعنة ومن حسّنه وصححّه، وغير ذلك. شهر رمضان المعظم، أوّله الأربعاء، اتفق في هذا الشهر وفيما قبله من أواخر شعبان موت جماعة من الأمراء الطبلخانات، ومقدمي الألوف؛ ومنهم الأمير ملك آص (٢) بالدّار الحَسَنَةِ بالقرب من جامع يَلبُغَا، تحت القلعة. وفي يوم السّلخ منه توفي الأمير ناصر بن طَيْنَال (٣) الذي كان أبوه نائب طرابلس ﵀. شهر شوال، أوّله الخميس، خرج المحمل السلطاني يوم الإثنين ثاني عشره، وكان يومَ مطرٍ، وأمير الركب صفيّ الدين البّصراوي، وقاضيه القاضي تقي الدين الفارقي، ومن الأعيان سيف الدين يَلْبُغا دوادار نائب السّلطنة، والأمير طَيْبُغا حجي أحد أمراء الألوف، والأمير طاز برق أحد الألوف أيضًا، والقاضي أمين الدين بن القلانسي، والشيخ جمال الدين ابن قاضي الزبداني وغيرهم. وفي صبيحة يوم السبت سابع عشره صُلّي بالجامع على الصّدر شرف الدين سالم بن الصدر أمين الدين، بن القلانسي (٤) ودفن بسفح قاسيون، ولم يبلغ الثلاثين، وكان شابًا حسنًا ﵀ (٥). وفي يوم الإثنين تاسعَ عشرَ شوال وقع حريق هائل في سوق القطَّانين بالنهار، وذهب إليه نائب السّلطنة والحجبة والقضاة حتى اجتهد الفعول (٦) والمتبرِّعون في إخماده وطَفْيِهِ، حتى سكن شرُّه وذهب بسببه دكاكين ودور كثيرة جدًّا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد رأيته من الغد والنَّارُ كما هي عمَّالةٌ والدُّخانُ صاعد، والناس يُطفونه بالماء الكثير الغمر والنار لا تخمد، لكن هدمت الجدران وخربت المساكن وانتقل السكان. انتهى، والله أعلم.

стр. 435

وفي يوم الاثنين تاسع عشره خُلع على جماعة من الأمراء والرؤساء بسبب مباشرات، فكان منهم الوليّ الشيخ صلاح الدين الصفدي الموقّع، نقل من الدّرج إلى الدَّسْت؛ ففرح الناس به، لفضائله وتقدّمه في هذه الصناعة وغيرها من فنون علوم شتّى من الأدب والتاريخ، وغير ذلك، وله مصنفات (١) في فنون متعدّدة. وخلع على الأمير كجكن الحاجب بنيابة الأمير صَرْغَتمش، وعلى أخيه بشد المراكز، وعلى زبالة نائب القلعة بشدّ المهمات، وعلى فخر الدين بن عصفور بنظر الخاص المرتجع بدلًا عن عماد الدين بن الفرفور، مضافًا إلى ما بيده من الأنظار. وفي هذا اليوم استقرّ نقيب الأشراف في وظيفته، وكان قد نازعه فيها ابن عدنان الصّائغ، وقدم من مصر بمرسوم شريف بها، فأبى ذلك سادة الأشراف، وأكثر أهل البلد معهم، وقدّموا الأول عليه لرياسة آبائه وأجداده، وتقدّمه فيها، ومعرفته بها، ولكون الثاني بياعًا. وفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين منه درّس بالإقبالية القاضي بدر الدين ابن الشيخ جمال الدين بن الشَّريشي؛ نزل له والده عنها، وحضر عنده جماعة من القضاة. شهر ذي القعدة، أوّله السبت. في يوم الثلاثاء الحادي عشر منه سافر قضاة القضاة الشافعي والمالكي والحنبلي، وأقضى القضاة شرف الدين الكفري نيابة عن قاضي القضاة نجم الدين، لكونه في الحجاز الشريف، وذلك بمرسوم السلطان ورد من الديار المصرية، بسبب حلٍّ يقفون عليه في أرض بيروت، تتعلّق بوقف الحرمين من البرج والغازية. وفي هذا اليوم قدم الأمير عمر شاه من الديار المصرية على خبز قردم (٢)، وتقدمته في رأس الميمنة. وفيه توفي قرابغا دويدار نائب السلطنة الصغير، وحضر النائب جنازته، ودفنه بمقابر الصوفية ﵀. وفي ليلة الثلاثاء الثامن عشر منه رجع القضاة من بيروت، وقد قضَوْا الأمر الذي خرجوا بسببه. وفي يوم الخميس العشرين منه باشرت إسماع البخاري بمسجد الحاج سيف الدين داخل باب النصر، وقف عليه ولده ناصر الدين محمد (٣)، تقبل الله منه. وفي هذا اليوم خُلع على الأمير جمال الدين عبد الله ابن القاضي ناصر الدين كاتب السرّ بإمريّة عشرة.

стр. 436

وفي صبيحة يوم الثلاثاء الخامس والعشرين منه توفّي الأمير حسام الدين النجيبي (١)، وصُلّي عليه بالجامع الأموي بعد الظهر، وحُمل إلى سفح قاسيون، ودُفن بتربتهم - سامحه الله تعالى -. شهر ذي الحجة، أوّله الأحد، بلغَنَا أنّه حُضِرت الدروس في يوم عرفة بالمدرسة التي أنشأها الأمير شيخون بديار مصر، وجعل فيها أربعة مذاهب، ومحدّثين، وصوفيّة، وأوقف عليهم أوقافًا عزيزة لكلّ مذهب مدّرس، وثلاثون فقيهًا، يحصل للمدرس ما يقارب الأربعمئة في كل شهر، وللفقيه قريب المئة. فللشافعيّة الشيخ بها الدين السّبكي، وللمالكية الفقيه خليل، وهو متجنّد (٢) الشكل، وإن له إقّطاعًا بالحلقة، وهو مع ذلك فقيه مشتغل مُحصّل فاضل بارع ديّنٌ على ما بلغني. وللحنابلة قاضي القضاة موفق الدين المقدسي الحنبلي، وللحنفية وشيخ الصّوفية الشيخ أكمل الدين (٣) (٤). ثم دخلت سنة سبع وخمسين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة وسلطان البلاد بالديار المصرية والشَّامية والحرمين وغير ذلك الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، ولا نائب له ولا وزير بمصرَ، وإنما يرجع تدبير المملكة إلى الأمير سيف الدين شَيْخُون، ثم الأمير سيف الدين صَرْغَتْمُش، ثم الأمير عز الدين طُقْطَاي (٥) الدوايدار، وقضاة مصرهم المذكورون في التي قبلها سوى الشافعي فإنّه ابن المتوفى، قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السُّبكي. ونائب حلب الأمير سيف الدين طَاز، وطرابُلُس الأمير سيف الدين مَنْجك، وبصفد الأمير شهاب الدين بن صُبْح، وبحماة أَسَنْدَمُر (٦)، وبحمص علاء الدين بن المعظَّم، وببعلبك الأمير ناصر الدين [بن] (٧) لاقُوش (٨). [وفي العشر الأول من ربيع الأول تكاملَ إصلاح بلاط الجامع الأموي وغسل فصوص المقصورة

стр. 437

والقبّة، وبُسط بسطًا حسنًا، وبُيّضت أطباق القناديل، وأضاء حاله جدًّا، وكان المستحثّ على ذلك الأمير علاء الدين أَيْدَغْمُش أحد أمراء الطبلخانات، بمرسوم نائب السّلطنة له في ذلك. وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة صُلِّيَ على الأمير سيف الدين بُرَاق (١) أمير آخور بجامع تَنْكِز، ودُفن بمقابر الصُّوفية، وكان مشكور السيرة كثير الصَّلاة والصَّدقة محبًا للخير وأهله، من أكابر أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية، رحمه الله تعالى. وقد رُسم لولديه ناصر الدين محمد وسيف الدين أبي بكر، كل منهما بعشرة أرماح، ولناصر (٢) الدين بمكان أبيه في الوظيفة بإِصطبل السلطان. وفي يوم الخميس رابع شهر جمادى الأولى خلع على الأميرين الأخوين ناصر الدين محمد وسيف الدين أبي بكر ولدي الأمير سيف الدين بُراق رحمه الله تعالى، بأميرين عشرتين] (٣). شهر المحرم، أوّله الثلاثاء، قدم الأمير بَيْبُغا دوادار نائب السلطنة يوم الثلاثاء ثامن المحرم، فارق الحجاج من مدينة العُلا. قدم المحمل في صبيحة الأربعاء الثالث والعشرين منه، وأخبر الحجاج أنه نالهم في بلاد زَرْعٍ ثلجٌ احتاجوا معه إلى أن أقاموا بها أيامًا. وكان السعر في هذه السنة معهم فيه غلاء. وفي أوائله فُتح الحمام المجدَّد عند دار الطعم شرقَها، خلف دار ابن شَهْري، وأُدير للناس عامّةً، وذكر لي من اطّلع على عمارته وهيئته أنه مشتمل على خمسة عشر حوضًا، وأنه حسن. شهر صفر، أوّله الخميس، في يوم الإثنين ثاني عشره حضر سيف الدين بن صنافر الحرّاني إلى دار المالكي، وعُزّر بسبب كلام شُهد عليه به في دار الشافعي، وحُكم بإسلامه بسببه، وذلك في خصومة تقدمت بينه وبين البرهان بن لؤلؤ الجوخي ومنازعة بسبب ماء القنوات، ثم نسب ابن صنافر إلى برهان الدين المذكور كلامًا في أذىً له، فتنصل منه، وأثبت خلافه، واشتكاه إلى نائب السلطنة، حصل له أذًى. وفي يوم الخميس خامس عشره صُلّي على الصدر عماد الدين ابن الفرفور (٤) أحد موقّعي الدست، بالجامع الأموي بعد صلاة الظهر، ودفن بمقابر الصوفية، وكان ذا ثروة وأموال وأملاك. شهر ربيع الأول، أوّله الجمعة، في يوم الأحد ثانيه توفي الأمير سيف الدين قُماري (٥) أخو نائب

стр. 438

السلطنة لأبيه (١)، وابن خالته، وصلي عليه ظاهر باب النصر، ودفن غربي مقابر الصوفية، وكان جنازته حافلةٌ خدمة لأخيه نائب السلطنة. وتوفي الشيخ صفي الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين بن الحريري الحنفي (٢)، مدرّس الصّادريّة يوم السبت تاسعه، بمدرسته، ودفن يومئذٍ، وكان نحيل البدن جدًّا، فيه سذاجة وتغفيل وبلادة، وربّما أُسند إليه كثير من النّاس من الأشياء السّامجة، نظير ما كان يُسند إلى جحا، وكان فيه ذلك مع دين ورئاسة وتجمّل، وسجّيه حسنة، فالله يغفر له ولنا آمين. وفي صبيحة يوم الأحد عاشره درّس الفقيه الفاضل شهاب الدين البعلي المعروف بابن النقيب، وحضر عنده جماعة من القضاة وغيرهم، وأخذ في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] والكلام على ذلك. وفي صبيحة يوم الخميس الثامن والعشرين منه لبس الأمير بَيْبُغَا دويدار ملك الأمراء خلعة بإمرة طبلخاناة، ومشى معه الأمراء والحجبةُ إلى داره على العادة، واحتفلوا له زائدًا؛ لكونه دويدارًا. وحُملت له الشموع، ونثرت الدّراهم والدّنانير على الناس، ودقت المغاني والطبلخاناة، ولبس استاذ دار نائب السلطنة أيضًا خلعةً بالإمرةِ لعشرة التي كانت بيد الدويدار المذكور. شهر ربيع الآخر، أوّله الأحد، في ليلة الجمعة الثامن والعشرين منه تكلّم في مئذنة العروس من الجامع الأموي مؤذّن السلطان، وهو شمس الدين محمد بن الخطيب، ورد على البريد من الديار المصريّة إلى زيارة الأمير طاز، طلبه من السلطان، فأذّن بعد العشاء أذانًا حسنًا بليغًا بصوت شجيٍّ طيب رخيم، ثم أنشد أبياتًا، ثم سلّم هو وحسن الكتّاني، هذا مرّةٌ، وهذا مرّة، وقد امتلأ صحن الجامع جميعه على خلاف العادة أكثر من ليالي النصف، وكان وقتًا مشهودًا، وطال ذلك جدًّا. شهر جمادى الآخرة، أوّله الإثنين (٣)، ووقع في هذا الشهر نزاع بين الحنابلة في مسألة المناقلة، وكان ابن قاضي الجبل (٤) الحنبلي يحكم بالمناقلة في قرار دار الأمير سيف الدين طَيْدَمُر الإسماعيلي (٥) حاجب الحجَّاب إلى أرض أخرى يجعلها وقفًا على ما كانت قرار داره، عليه ففعل ذلك بطريقه، ونفذه القضاة الثلاثة الشافعي والحنفي والمالكي، فغضب القاضي الحنبلي، وهو قاضي القضاة جمال الدين المَرْداوي المقدسي

стр. 439

من ذلك، وعقد بسبب ذلك مجالس، وتطاول الكلام فيه، وادّعى كثيرٌ منهم أن مذهب الإمام أحمد في المناقلة إنَّما هو في حال الضَّرورة، وحيث لا يمكن الانتفاع بالموقوف، فأما المناقلة لمجرد المصلحة والمنفعة الراجحة فلا، وامتنعوا من قبول ما قرَّره الشيخ تقي الدين بن تيمية في ذلك، ونقله عن الإمام أحمد من وجوه كثيرة [من طريق ابنيه صالح (١) وحَرْب وأبي داود وغيرهم، أنها تجوز للمصلحة الراجحة، وصنَّف في ذلك مسألة مفردة وقفتُ عليها فرأيتها في غاية الحسن والإفادة، بحيث لا يتخالج من اطلع عليها ممّن يذوق طعم الفقه أنها مذهب الإمام أحمد ﵀، فقد احتجَّ أحمدُ في ذلك في رواية ابنه صالح بما رواه عن يزيد بن عوف عن المسعودي عن القاسم بن محمد: أنَّ عمرَ كتب إلى ابن مسعود أن يُحوِّلَ المسجد الجامع بالكوفة إلى موضع سوق التمَّارين، ويجعل السوق في مكان المسجد الجامع العتيق (٢)، ففعل ذلك، فهذا فيه أوضح دلالة على ما استدل به فيها من النقل بمجرد المصلحة فإنّه لا ضرورة إلى جعل المسجد العتيق سوقًا، على أن الإسناد فيه انقطاع بين القاسم وبين عمر وبين القاسم وابن مسعود، ولكن قد جزم به صاحب المذهب، واحتج به، وهو ظاهر واضح في ذلك، فعقد المجلس في يوم الإثنين الثامن والعشرين من الشهر] (٣). وفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من جمادى الأولى وقع حريق عظيم ظاهر باب الفرج احترق فيه بسببه قياسير كثيرة لطاز ويلبغا، وقيسرية الطواشي لبنت تَنْكِز، وأحرق فيه دور كثيرة ودكاكين وذهب للناس شيء كثير من الأمتعة والنحاس والبضائع وغير ذلك، مما يقاوم ألف ألف وأكثر خارجًا عن الأموال، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد ذكر كثير من الناس أنه كان في هذه القياسير شر كثير من الفسق والرّبا والزّغل وغير ذلك (٤). وفي السابع والعشرين من جمادى الأولى ورد الخبر بأن الفرنج لعنهم الله استحوذوا على مدينة صَيْدا (٥)، قدموا في سبعة مراكب وقتلوا طائفة من أهلها ونهبوا شيئًا كثيرًا وأسروا أيضًا، وهجموا على الناس وقت الفجر يوم الجمعة، وقد قتل منهم المسلمون خلقًا كثيرًا وكسروا مركبًا من مراكبهم، وجاء الفرنج في عشية السبت قبل العصر وقدم الوالي وهو جريح مثقل، وأمر نائب السلطنة عند ذلك بتجهيز الجيش إلى تلك الناحية فساروا تلك الليلة ولله الحمد، وتقدَّمهم حاجب الحجاب وتحدَّر إليهم نائب

стр. 440

صفد الأمير شهاب الدين بن صبح، فسبق الجيش الدمشقي، ووجد الفرنجَ قد برزوا بما غنموا من الأمتعة والأسارى إلى جزيرة تلقاء صَيْدا في البحر، وقد أسر المسلمون منهم في المعركة شيخًا وشابًا من أبناء أشرافهم، وهو الذي عاقهم عن الذهاب، فراسلهم الجيش في افتكاك الأسارى من أيديهم فبادرهم عن كل رأس بخمسمئة فأخذوا من ديوان الأسارى مبلغ ثلاثين ألفًا، ولم يبق معهم ولله الحمد أحد. واستمر الصبي من الفرنج مع المسلمين، وأسلم ودفع إليهم الشيخ الجريح، وعطش الفرنج عطشًا شديدًا، وأرادوا أن يردوا من نهر هناك، فبادرهم الجيش إليه، فمنعوهم أن ينالوا منه قطرة واحدة، فرحلوا ليلة الثلاثاء منشمرين بما معهم من الغنائم، وبُعِثَت رؤوس جماعةٍ من الفرنج ممّن قتل في المعركة فنصبت على القلعة بدمشق، وجاء الخبر في هذا الوقت بأن أيَاس (١) قد أحاط بها الفرنج، وقد أخذوا الربيض (٢) وهم محاصرون القلعة، وفيها نائب البلد، وذكروا أنهم قتلوا خلقًا كثيرًا من أهلها فإنا لله وإنا إليه راجعون، وذهب صاحب حلب في جيش كثيف نحوهم والله المسؤول أن يظفّرهم بهم بحوله وقوته، وشاع بين العامة أيضًا أن الإسكندرية محاصرة ولم يتحقق ذلك إلى الآن، وبالله المستعان. وفي يوم السبت رابع جمادى الآخرة قدم رؤوس من قتلى الفرنج على القلعة، وهي بضعة وثلاثون رأسًا، فنصبت على شرافات القلعة ففرح المسلمون بذلك ولله الحمد. شهر جمادى الآخرة وأوّله الأربعاء وفي ليلة الأربعاء الثاني والعشرين منه وقع حريق عظيم داخل باب الصغير (٣) من مطبخ السُّكَّر الذي عند السُّويقة الملاصقة لمسجد الشّنباشي، فاحترق المطبخ وما حوله إلى حمام أبي نصر، واتَّصل بالسويقة المذكورة وما هنالك من الأماكن، فكان قريبًا أو أكثر من الحريق ظاهر باب الفرج فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحضر نائب السلطنة، وذلك أنه كان وقت صلاة العشاء، ولكن كان الريح قويًا، وذلك بتقدير العزيز العليم. [وتوفي الشيخ عز الدين محمد (٤) بن إسماعيل بن عمر الحَمويّ أحد مشايخ الرُّواة في ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين من جُمادى الآخرة، وصُلِّيَ عليه من الغد بالجامع الأموي بعد الظهر، ودفن بمقابر باب الصغير. وكان مولده في ثاني ربيع الأول سنة ثمانين وستمئة، فجمع الكثير وتفرَّد بالرواية عن جماعة في آخر عمره، وانقطع بموته سماعُ "السُّنَن الكبير" للبَيْهقيّ، ﵀] (٥).

стр. 441

شهر رجب الفرد، أوّله الجمعة. في صبيحة يوم الخميس سابعه توفي القاضي أمين الدين بن النحّاس (١) أحد الكتاب المتقنين، وكانت وفاته بلا مرض، بل دخل الحمام على عادة الناس، فأغمي عليه، فحمل إلى منزله فتوفّي بعد ساعتين، وصُلِّي عليه الظهر بالجامع الأموي، وحُمل إلى المزّة، فدفن بها ﵀ (٢). ووقع حريقٌ عظيم ليلة الجمعة خامس عشر رجب بمحلَّة الصالحية من سفح قاسيون، فاحترق السُّوق القبلي من جامع الحنابلة بكماله شرقًا وغربًا، وجنوبًا وشمالًا. فإنا لله وإنا إليه راجعون. شهر شعبان، أوّله السبت، وفي سابع عشره توجّه النائب إلى الصيد الكبير. شهر رمضان المعظم، أوله الإثنين (٣)، وفي يومالجمعة خامس شهر رمضان خطب بالجامع الذي أنشأه سيف الدين يَلْبُغا الناصري (٤) غربي سوق الخيل وفتح في هذا اليوم، وجاء في غاية الحسن والبَهاء، وخطب الشّيخ ناصر الدين (٥) بن الرَّبوة الحنفي، وكان قد نازعه فيه الشَّيخ شمس الدين الشَّافعي المَوْصلي (٦)، وأظهر ولايةً من واقفه يَلْبُغا المذكور، ومراسيم شريفة سلطانية، ولكن قد قوي عليه ابن الربوة بسبب أنَّه نائب عن الشيخ قوام الدين الاتقاني الحنفي، وهو مقيم بمصر، ومعه ولاية من السُّلطان متأخرة عن ولاية الموصلّي، فرسم لابن الرَّبْوة، فلبس يومئذ الخلعة السوداءَ من دار السعادة وجاؤوا بين يديه بالسناجق السود الخليفية، والمؤذِّنون يكبِّرون على العادة، وخَطَب يومئذٍ خُطْبَةً حسنة أكثرها في فضائل القرآن وقرأ في المحراب بأول (سورة طه)، وحضر كثير من الأُمراء والعامة والخاصة، وبعض القضاة، وكان يومًا مشهودًا، وكنت ممَّن حضر قريبًا منه وفي يوم الثلاثاء سادس عشره توفي بدمشق الأمير أسد الدين ابن الملك صلاح الدين بن الأوحد (٧) بستان شامة باكر النهار.

стр. 442

وفي عشيته توفي بحمص نائبها ابن عمه الأمير علاء الدين بن المعظّم (١) وهما شابان من أمراء الطبلخانات، ونقل نائب حمص إلى دمشق فدفن بتربتهم ﵏. شهر شوال، أوّله الثلاثاء، خرج المحمل يوم الخميس عاشره، وخرج في هذه السّنة خلق من الأمراء نحو من خمسين طبلخاناه سوى أمير الركب، فإنه حاجب الحجاب طيدمر الإسماعيلي، ومنهم ناصر الدين بن لاقوش، وابن ألجيبُغَا العادلي، والحاج كامل، وقطلوبُغَا الكركي، وأمير آخر. وخرج في آخر هذا اليوم الأمير كُجَلن الحاجب قاصدًا عمان؛ ليعمِّرَها للأمير صرغتمش اشتراها من بيت المال. وفي صبيحة يوم الأربعاء سادس عشره درّس بالمدرسة المقدّمية شرف الدين ابن الشيخ ناصر الدين بن الرّبوة، نزل له أبوه عنها، وحضر عنده القضاة والأعيان على العادة. شهر ذي القعدة، أوّله الخميس في ليلة الجمعة ثانيه وقع حريق بتل الجبن احترقت منه دور كثيرة. ثم في ليلة الجمعة سادس عشره وقع حريق بين السُّورين قريبًا من الحمام الذي بالبابين، وصعدنا إلى مئذنة العروس وشاهدناه هناك. ثم وقع حريق آخر ليلة السبت أيضًا السابع عشر منه داخل باب الفراديس، وكان قد وقع قبل ذلك حريق في الطبقة التي على رأس باب الفراديس الجواني في آخر شوال) (٢). والعجب أني وقفت في شهر ذي القعدة على كتاب أرسله بعض الناس إلى صاحبٍ له من بلاد طرابلس وفيه: والمخدوم يعرف الشيخ عماد الدين بما جرى في بلاد السَّواحل من الحريق من بلاد طرابُلُس إلى آخر معاملة بيروت إلى جميع كسروان، أحرق الجبال كلها ومات الوحوش كلها مثل النمور والدب والثعلب والخنزير (٣) من الحريق، ما بقي للوحوش موضع يهربون فيه، وبقي الحريق عليه أيامًا وهرب الناس إلى جانب البحر من خوف النار واحترق زيتون كثير، فلما نزل المطر أطفأه بإذن الله تعالى - يعني الذي وقع في تشرين وذلك في ذي القعدة من هذه السنة - قال ومن العجب أن ورقة من شجرة وقعت في بيت من مدخنته فأحرقت جميع ما فيه من الأثاث الأثاث والثياب وغير ذلك ومن حلية حرير كثير، وغالب هذه البلاد للدُّرزية والرَّافضة. نقلته من خط كاتبه محمد بن بَلَبَان (٤) إلى صاحبه، وهما عندي ثقتان (٥) فيا لله العجب.

стр. 443

وفي هذا الشهر - يعني ذي القعدة - وقع بين الشيخ إسماعيل بن العز الحنفي وبين أصحابه من الحنفية مناقشة بسبب اعتدائه على بعض الناس في محاكمة، فاقتضى ذلك إحضاره إلى مجلس الحكم ثلاثة أيام كمثل المتمرِّد عندهم، فلمَّا لم يحضر فيها حكم عليه القاضي شهاب الدين (١) الكَفْري نائب الحنفي بإسقاط عدالته، ثم ظهر خبره بأنَّه قصد بلاد مصر، فأرسل النائب في أثره من ردِّه فلما حضر عنَّفُه، ثم أطلقه إلى منزله، وشفع فيه قاضي القضاة الحنفي فاستحسن ذلك، ولله الحمد والمنَّة. شهر ذي الحجة، أوّله الجمعة، ويوم الأحد سابع عشره توفي القاضي فخر الدين الزّواوي (٢) نائب المالكية، وكان من خيار القضاة وأصر مهم، وصُلِّي عليه بالجامع الظهر، ودفن بمقابر الباب الصغير عند عمه قاضي القضاة جمال الدين الزواوي ﵀. وجاء في هذه الأيام كتابه من الديار المصرية بمُشترى السّلطان مدينة بيسان من الغَوْر، من بيت المال بثمنٍ مبلغه مئتان وخمسون ألف دينار، ومن نية السّلطان ليهبها للأمير شيخون. وفي أواخرها جدّد بعض عمارة مدينة عمان البلقاء على يدي الأمير كجكن ابن لاقوش الحاجب) (٣). ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وسبعمئة استهلّت هذه السنة والخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان العباسي. وسلطان الإسلام بالديار المصرية وما يتبعها وبالبلاد الشامية وما والاها والحرمين الشّريفين وغير ذلك الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي وليس له بمصرَ نائبٌ ولا وزير، وإنما ترجع الأمور إصدارًا وإيرادًا إلى الأميرين الكبيرين سيف الدين شَيْخُون وصَرْغَتْمُش الناصريين، وقضاة مصرَهُم المذكورون في التي قبلها. ونائب الشام بدمشق علاء الدين علي المارداني، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها انتهى. تجديد عمارة عمان البلقاء في هذا الحين، وفي أواخر السنة الماضية رجع الأمير سيف الدين كجكن الحاجب، وكان له قريب الثلاثة أشهر غائبًا في عمارة البلد المعروف

стр. 444

بعمّان البلقاء، وقد كان لهذا البلد سنين متطاولة خرابًا، ثم في هذا الحين اشتراه الأمير صرغتمش من بيت المال، وأرسل إلى الأمير كجكن المذكور، وهو وكيله بالشام ليعمّره له، فذهب إليه فعمّره في هذه المدة، ولم يستوعب جميعه، بل عمر منه ما أسكن فيه خلقًا من الفلاحين وغيرهم، ونقل الولاية والقضاء من حُسبان إليها، وكذلك الجلوبات، وعادت أم البلاد كما كانت أولًا، وهذا البلد له ذكر قديم، وقد ترجمه ياقوت الحموي في (معجم البلدان) (١) وذكر بعضهم أنه مدينة دقيانوس الذي خرج منه أصحاب الكهف، وأن هناك مكانًا يقال له: الرقيم. مشهور عند أهل تلك الناحية. وذكر أنها بنيت بعد هلاك قوم لوط، وأن الذي بناها ابن أخي لوط، وحُكي عن بعض كتب أهل الكتاب حكاية منكرة جدًّا. وذُكر أن بها ملعب سليمان بن داوود، وأن قصر جالوت على جبل عندها، وأن بها قبر أورياء، وعليه مسجد، وإنها كثيرة الأنهار، والأرحية، والثمار والغلّات. وذكر أنها هي المذكورة في حديث "تحديد الحوض من عدن إلى عمان" (٢)، وأنّ الخطّابي (٣) رجّح ذلك، وحكى الخطّابي فيها تخفيف الميم أيضًا، قال: وفي الترمذي: "من عدن إلى عمّان البَلْقاء" وهذا على ما ذكر صريحٌ في أنْ المرادَ هذه البلد. قلت: وأخبرني بعض الأمراء - وهو الأمير عسّاف من بني مهدي النازلين حول هذه البلدة أنها بين جبلين غربيّ وشرقيّ، وأنها في واد بينهما، وأن فيه نهرًا كبيرًا يجري من القبلة إلى الشمال بشرق، وأنّ أصلها كبير جدًّا يقرب من سور دمشق، وأن بها عمارات قديمة هائلة، وأنّ ملعب سليمان هذا عبارة عن قصور وبنايات معجزة. قال الأمير كجكن: عرفت أن ذلك البناء لا يقدر على عمارته إلا الجنّ. قال هو وغيره من أهل تلك البلاد يقولون: الملعب المعلب. ولم يعرفه أنه نُسب إلى بناء سليمان إلّا من كتاب ياقوت هذا. وذكرني الأمير عساف أنّ الأمير كجكن عمّر في هذه ثلاثة الأشهر (٤) ما لا يعمره غيره في ثلاث سنين

стр. 445

وأنه كان يعمل بنفسه وغلمانه من أول النهار إلى العشاء الآخرة كل يوم، وقد جدد بناء جامعها ومنارته، ورتب به خطيبًا، والله المسؤول التمام بخير. شهر المحرم، أوّله السبت، في يوم السبت خامس عشره قدم قاضي القضاة جمال الدين المسلّاتي المالكي من الحجاز الشريف وهنّأه الناس. وكذلك قدم الشيخ علاء الدين المحتسب من الحجاز الشريف أيضًا، وهُنّئ بالسلامة أيضًا. ودخل المحمل السّلطاني ليلة الجمعة بعد عشاء الآخرة الحادي والعشرين من الشهر، ولم يعلَم أكثر الناس بذلك؛ لأن هذا شيء لم يعهد قطُّ مثل هذه الليلة، وإنّما فعل ذلك خوفًا من الأمطار والأوحال الذي قد وقع في أرض حوران، وتتابع الحجاج في الدخول أرسالًا، غير أنهم كانوا في حجّتهم هذه في أمنٍ كثير، ورُخصٍ متوسط، وقد وقفوا يوم الجمعة عن رؤية. شهر صفر أوّله الإثنين، في ليلة الإثنين خامس عشره بدا القمر من المشرق حالَ بزوغه مكسوفًا نحو النصف منه، وأقل من ذلك، فصُلِّي بالجامع الأموي بين العشاءين صلاة الكسوف، وخطب الخطيب. وفي هذه الليلة سقط بيتٌ على من فيه فهلكَ بعضهم، وسلم صغير في سرير، فسبحان الفعّال لما يريد. وهذا المنزل في القيسارية التي عند باب الأمينية إلى جانب الحلواني. حريق المدرسة الفلكيّة وفي ليلة الأحد الثامن والعشرين منه احترقت المدرسة الفلكية، حريقًا كليًّا، بحيث سقطت سقوفها وأخشابها وما على ظهرها من المساكن والمنازل، وتشعث بعض أبنية المدرسة الركنيّة التي إلى جانبها، وقد تجشّمت الوصول إليها صبيحة يومئذٍ، فرأيت النار تضطرم في وسطها اضطرامًا عظيمًا، وكلّما ألقي عليها الماء والتراب تزايد لهبُها وتأجُّجها، والحجبة والولاة على ظهرها يستحثون السّقّائين لطفيها. والله هو الفعال لما يريد. وفي يوم الإثنين التاسع والعشرين منه توفّي الصدر علاء الدين على الأسعَرْدي (١) التاجر المشهور ذو الأموال الجزيلة، والحواصل الجليلة، وقد كان قبل وفاته بقليل بلغه غريق مركبٍ له مع بعض مماليكه ببحر الهند، فيه من المتاجر والأموال ما يقاوم ألف ألف وأربعمئة ألف درهم، فزاده ذلك مرضًا إلى مرضه، ولكن أظهر التجلُّد والتصبُّر حتى كانت وفاته، والصلاة عليه بالجامع قبل الظهر من هذا اليوم، ودفن بتربته التي أنشأها إلى جانب العادلية كتبغا.

стр. 446

شهر ربيع الأول، أوّله الأربعاء، لمّا كان يوم الإثنين العشرين منه وُجد الشيخ شهاب الدين أحمد المظفّر النّابلس (١)، سبط الزّين خالد أحد مشايخ الحديث مَيْتًا بمنزله من درب بني نصر، شرفي الصبّاغين، وله أيام قد توفيّ وحده، ليس عنده أحد، ووجدوه صريعًا لوجهه، وقد تغيّر لونه وازرق فغُسّل وكفّن وصُلّي عليه بالجامع بعد الظهر، ودفن بباب الصغير، وله من العمر ثلاث وثمانون سنة، وقد تفرّد بأجزاء وأشياء، ولم يتزوج قطّ، وكان يحبّ الانفراد والاجتماع عن الناس، حتى مات كذلك. وفي العشره الأوسط قدم الأمير جرجي أستاذ دار السّلطان من الديار المصرية، وفي صبيحتِه القاضي جلال الدين ابن الأجل، لينظرا في أمر الدواوين وأموال المهمّات، فنزل جرجي بدار الذهب التنكزية، ونزل ابن الأجلّ بالمدرسة القليجيّة إلى جانبها، وهبّ الناس للسّلام عليهما. شهر ربيع الآخر، أوّله الخميس، فيه سافر الأمبر جرحي إلى الديار المصرية وصحبته جلال الدين ابن الأجلّ، وقد تحصّل على هدايا كثيرة وتقادم وتُحف من نائب السلطنة فمَنْ دونه من أرباب الدولة وغيرهم. شهر جمادى الأولى، أوّله السبت في ليلة الأربعاء تاسع عشره وقع حريق في أعالي طهارة باب النّاطفانيين والأندلسية شمالي الجامع الأموي، وذلك بين العشائين، فحضر نائب السلطنة وصعد إلى مئذنة العروس ليشرف على الحريق، ثم نزل إلى سطح الكلّاسة، وجعل يتناول يد السقائين إذا صعدوا بيده، جزاه الله خيرًا، فانكشف الحريق، ثم أُضرم وقت السّحر فأحرق طباقًا كثيرة. ثم وقع حريق آخر في الليلة المقبلة. وفي ليلة الخميس العشرين من الشهر المذكور داخل باب السلامة، ثم وقع حريق آخر في ليلة الإثنين الرابع والعشرين منه عند باب قيسارية القطن المردون، فنفذ إلى الرُّطابيين، ثم نفذ إلى بعض سوق الحريريين. شهر جمادى الآخرة، أوّله الأحد، أخبرني أمين الدين ابن عبد الحق الحنفي بوفاة الشيخ علاء الدين ابن الأطروش (٢) في مستهل هذا الشهر بمصر، وهو محتسبها وقاضي عسكرها. وقد كان ممن تقدّم عملَ الحسبة بدمشق، ودرّس. وفي يوم الثامن عشر فيه نُودي بالبلدان ألّا يمشي أحدٌ في الطّرقات بعد عشاء الآخرة، من أجل أنّه كَثُرَ العَيْثُ والفسادُ وقتلُ النفوسِ، ولم يقع شيءٌ من ذلك من أجل أنّه كان يزداد الفساد، ويُبقي على البلد وحشةً شديدةً.

стр. 447

وفي ليلة التاسع عشر منه وقع حريق بين السُّوريين باب الفراديس والفرج أيضًا، فتداركوه سريعًا، ولله الحمد والمنة. شهر رجب الفرد، أوّله الإثنين، في يوم الخميس حادي عشره داروا بالمحمل حول البلد على العادة واحتفلوا احتفالًا زائدًا، ولم يُعيّن أمير الركب، واشتُهر في أثنائه أنّ الملك ابن أزبك، استحوذ على بلاد العراق وخراسان، وجلس على التّخت من مدينة توريز ودانت له الملوك من سائر تلك النواحي كلها، ونفي عنها الأشرف ابن تمرتاش جوبان (١). كائنة غريبة جدًّا لما كان يوم الأربعاء الرابع والعشرين منه من هذه السنة، نهدت جماعة من مجاوري الجامع بدمشق من مشهد علي وغيره، واتبعهم جماعة من الفقراء والمغاربة، وجاؤوا إلى أماكن متَّهمة بالخمر وبيع الحشيش فكسروا أشياء كثيرة من أواني الخمر، وأراقوا ما فيها وأتلفوا شيئًا كثيرًا من الحشيش وغيره، ثم انتقلوا إلى حِكْر السمّاق وغيرهم فثار عليهم من البَازدَاريّة (٢) والكِلَابزيَّة (٣) وغيرهم من الرّعاع فتناوشوا، وضُربت عليهم ضربات بالأيدي وغيرهم، وربما سل بعض الفساق السيوف عليهم كما ذكر، وقد رَسَم ملك الأمراء لوالي المدينة ووالي البر أن يكونوا عضدًا لهم وعونًا على الخَمَّارين والحشَّاشة، فنصروهم عليهم، غير أنه كثر معهم الضجيج ونصبوا راية واجتمع عليهم خلق كثير، ولما كان في أواخر النهار تقدم جماعةٌ من النقباء والخزَّاندارية ومعهم جنازير فأخذوا جماعة من مجاوري الجامع وضُربوا بالمقارع، وطيف بهم في البلد ونادوا عليهم: هذا جزاء من يتعرض لما لا يعنيه تحت علم السلطان، فتعجَّب الناس من ذلك وأَنكروه حتى أنه أنكر اثنان من العامة على المنادية فضربَ بعضُ الجند أحدهم بدبُّوس فقتله، وضرب الآخر، فيقال: إنه مات أيضًا فإنا لله وإنا إليه راجعون. شهر شعبان المبارك، أوّله الأربعاء، في صبيحة يوم السبت رابعه قدمت الرُّسل من السلطان جاني بك بن أَزْبَك يخبرون بقدومه إلى بلاد خراسان، واستيلائه عليها، وانتزاعها من يد الأشرف بن تمرتاش الظالم الغاشم، وصيرورة هذا السلطان على تلك البلاد بعدله وعظمة جيشه الذي يقارب سبعمئة ألف، وكان يوم دخولهم يومًا مشهودًا هائلًا، ركب الجيش بكماله بالأطرزة والكلاوت الذهبِ، والتجمّل

стр. 448

التام، وبات أكثر الناس تلك الليلة ظاهر البلد على الأسطحة، ولم يتخلف منهم إلّا القليل. وتلقّاهم الحجبة والمهمندار والنقباء وأرباب الوظائف إلى ناحية القابون، واستقر نائب السلطنة بدار السعادة حتى جاؤوا، فدخلوا عليه، وأكرمهم، وأجلسهم فوق الأمراء، ومدّ لهم سماطًا، ثم أذن لهم، فنزلوا في الخانقاه التجيبية، وكان لهم يومًا مشهودًا (١). وبعد صلاة العصر من يومئذ صُلّي على قاضي قضاة الحنفية نجم الدين إبراهيم ابن قاضي القضاة عماد الدين على بن عبد الواحد الطَّرسُوسي الحنفي (٢)، ثم خُرج به إلى ظاهر باب النصر، فخرج نائب السلطنة، فصلّى عليه إمامًا وذهبوا به، فدفن بسفح المزّة ﵀. وقد بقي له من الأربعين سنةً سنةٌ، وكان قد صنف عدة مجلدات، وله نظم حسنٌ، ومذكرات مفيدة، وفيه تودّد. وكسف القمر ليلة الرابع عشر، وإنما هي عند أرباب التقويم الثالثة عشر، وصُلّيت صلاة الكسوف (٣). وفي شعبان من هذه السنة حكي عن جارية من عتيقات الأمير سيف الدين تَمُر المِهْمَنْدار أنها حملت قريبًا من تسعين يومًا، ثم شرعت تطرح ما في بطنها فوضعت في قرب من أربعين يومًا في أيام متتالية ومتفرقة أربعَ عَشْرة بنتًا وصبيًا بعدَهُنَّ. قلّ من يعرف شكل الذكر من الأنثى (٤). وجاء الخبر بأنّ الأمير سيف الدين شَيْخُون مدير الممالك بالديار المصرية والشامية قفز (٥) عليه مملوك (٦) من مماليك السلطان، فضربه بالسّيف ضربات فجرحه في أماكن في جسده، منها ما هو في وجهه ومنها ما هو في يده، فحمل إلى منزله صريعًا طريحًا جريحًا، وغضب لذلك طوائف من الأمراء حتى قيل: إنَّهم ركبوا ودعَوْا إلى المبارزة فلم يجئ إليهم، وعظم الخطب بذلك جدًّا، واتَّهموا به الأمير سيف الدين صَرْغَتْمُش وغيره، وأن هذا إنّما فُعل عن ممالأة منهم فالله أعلم. شهر رمضان المعظم، أوّله الجمعة ولم أجد فيه شيئًا. شهر شوال المبارك، أوّله الأحد، خرج المجمل السلطاني يوم الخميس ثاني عشره على العادة

стр. 449

المستمرة، وأميرهم عامئذٍ الأمير أَلدَمِرْ عبد الله (١). وقاضيهم القاضي قطب الدين قاضي حمص. وأُحضر لي في هذا الشهر درهمان فضة خالص، أحدهما ناتج ضربة في سنة أربع وثمانين بواسط في دائرة وفي وسطه من الجانب الواحد بخطٍّ كوفيّ متوضح: (الله أحدٌ، الله الصّمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد). وفي الجانب الآخر: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له). فهذا من ضرب الحجاج بن يوسف الثقفي (٢) في خلافة عبد الملك بن مروان باني جامع دمشق. وقد كانت وفاته في سنة ستّ وتسعين (٣). وبلغنا وفاة الشيخ قوام الدين أمير كاتب الأَتقاني الحنفي (٤) بمصر في يوم السبت الحادي والعشرين من شوال، ودفن من الغد، وقد كان رأسًا في مذهب الإمام أبي حنيفة، ولكن كان فيه تعصّب شديد بليغ. وقد درّس ببغداد في مشهد أبي حنيفة، ثم ولّي القضاء بها، ثم عزل عن ذلك كلّه، ثم ورد دمشق فأقام بها مدّةً خاملًا، ثم ولّي مشيخة الحديث بالظاهرية، ثم نزل عنها لقاضي قضاة المالكية، ودخل مصر، فحصل له حظوة عند الأمير شيخون، وضرغتمش، ودرّس في المدرسة التي أنشأها صرغتمش الحنفية، وكان كما ذكرنا ذلك في السنة الماضية. وأنشده قصيدة قالها يوم الدّرس (٥)، وخلع عليه، وأَعطاه شيئًا كثيرًا. وفاة أرغون الكاملي (٦) باني البيمارستان بحلب. كانت وفاته بالقدس الشريف في يوم الخميس السادس عشر من شوال، ودفن بتربةٍ أنشأها غربي المسجد بشمال ﵀. شهر ذي القعدة، أوّله الثلاثاء، في يوم الأربعاء رابع عشرينه درّس القاضي كمال الدين محمد بن الشيخ تقي الدين بن الصائغ بالمدرسة العمادية، نزل له عنها نجم الدين أبو بكر ابن صاحبنا الشيخ ناصر الدين محمد بن الصائغ، وحضر عنده القضاة الأربعة.

стр. 450

وفي هذا اليوم حكم القضاة الأربعة بالتَّشريك في خطابة جامع يلبغا بين الشيخ شمس الدين الموصلّي الشافعي، وبين الحنفية (١)، فحصل الجمع بين المصالح. وفاة الأمير شيخون (٢)، ورد الخبر من الديار المصرية بوفاته ليلة الجمعة السادس والعشرين منه، ودفن من الغد بتربته. وقد ابتنى مدرسة هائلة كما تقدّم، وجعل فيها المذاهب الأربعة، ودار حديث، وخانقاه للصوفية، وأوقف عليها شيئًا كثيرًا، وقرّر فيها معاليم كثيرة، وترك أموالًا جزيلة. ومُسك بعد وفاته أمراء كثيرون بمصر، كانوا من أعوانه، من أشهرهم؛ عز الدّين طقطاي الدويدار، وابن قوصون، وهو ابن أخت السلطان زوجة شيخون المتوفّى ﵀. شهر ذي الحجة، أوّله الثلاثاء تأخّر المطرفي هذه السنة عن إِيَّانِهِ، وتسلّق سعر الغلّة قليلًا، ولكنّ الأجلاب كثيرٌ ولله الحمد. ودخل شهر كانوا الأول يوم الجمعة الثامن عشر من هذا الشهر، وهو يوم غدير خمّ الذي تعدّه جهلة الروافض عيدًا ببلاد الشرق، ولم يكن قد وقع من المطر الموسمي إلَّا مطرةٌ يسيرة (٣). ثم دخلت سنة تسع وخمسين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة وسلطان الإسلام بالبلاد المصرية والشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون بن عبد الله الصالحي، وقد قوي جانبُه وحاشيتُه بموت الأمير شيخون كما ذكرنا في سادس عشري ذي القعدة من السنة الماضية وقد صار إليه من ميراثه من زهرة الحياة الدنيا شيء كثير من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، وكذلك من المماليك والأسلحة والعُدّة والبِرَك والمتاجر ما يشق حصره ويتعذر إحصاؤه هاهنا. وليس في الديار المصرية فيما بلغنا إلى الآن نائب ولا وزير، والقضاة هم المذكورون في التي قبلها. وأمّا دمشقُ فنائبها وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها سوى الحنفي فإنَّه قاضي القضاة شهاب الدين (٤) الكفري، عوضًا عن نجم الدين الطَّرَسُوسي (٥) توفِّي في شعبان من السنة الماضية، ونائبُ حلب

стр. 451

سيف الدين طَاز، وطرابُلُس مَنْجَك، وحماة أسَنَدَمُر (١) العمري، وصفد شهاب الدين بن صبح، وبحمص صلاح الدين خليل بن حاجي ترك (٢)، وببعلبك ناصر الدين بن آقُوش (٣). شهر الله المحرم، أوّله الخميس، في أوله اشتهر وقوع التشويش بين القيسية واليمنية بوادي بردى، وخرج إليهم الحاجب في جماعة من الأمراء والجند، ليحجبوا بينهم بعدما اقتتلوا. وكذلك بحوران أيضًا عدت بنو همام من أهل زُرع على رجل بين بني ورفة، فقتلوه على باب داره وقطعّوه قطعًا، وكان ذا مال جزيل، وجاه عند الدولة، وله إقطاعات في الحلقة، وثروة كبيرة ولما كان يوم السبت ثالثه خرجت التجاريد صحبة طَيْدَمِر حاجب الحجّاب من طريق الكسوة قاصدين بني همّام، وأخذ آخرون من الأمراء من الطريق الشرقية، على درب دير الحجر من ناحية شهبة والسويداء. وفي سابعه حضر الدرس بالمنجكيّة التي أنشأها الأمير منجك الناصري نائب طرابلس بالقدس الشريف، وكان المدرس بها خطيب القدس القاضي برهان الدين بن جماعة، وحضر عنده المشايخ والأعيان (٤). وفي صبيحة يوم الإثنين ثاني عشرَ المحرم خرجت أربعةُ آلاف مع أربعة مقدمين إلى ناحية حلب نصرةً لجيش حلب على مسك طاز إن امتنع من السلطنة كما أمر. ولما كان يوم الحادي والعشرين من المحرم نادى المنادي من جهة نائب السلطنة أن يركبَ من بقي من الجند في الحديد ويوافوه إلى سوق الخيل، فركب معهم قاصدًا ناحية ثَنِيَّةِ العُقَاب ليمنع الأمير طاز من دخول البلد، لمَّا تحقق مجيئُه في جيشه قاصدًا إلى الديار المصرية، فانزعج الناس لذلك وأُخليت دار السعادة من الحواصل والحريم إلى القلعة، وتحصَّن كثير من الأمراء بدورهم داخل البلد، وأُغلق باب النصر، فاستوحش الناس من ذلك بعض الشيء، ثم غلّقت أبواب البلد كلها إلا باب الفراديس والفرج، وباب الجابية أيضًا لأجل دخول الحجَّاج ودخل المحمل صبيحة يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرّم ولم يشعر به كثير من الناس لشغلهم بما هم فيه من أمر طاز، وأمر العشير بحَوْران (٥)، وجاء الخبر بمسك

стр. 452

الأمير سيف الدين طَيْدَمُر الحاجب الكبير بأرض حَوْران وسجنه بقلعة صَرْخَد، وجاء سيفُه صحبةَ الأمير جمال الدين الحاجب، فذهب به إلى الوطاق عند الثَّنِيَّة. وقد وصل طاز بجنوده إلى باب القطيفة وتلاقى شاليشُه بشاليش (١) نائب الشام، ولم يكن منهم قتال ولله الحمد، ثم تراسل هو والنّائب في الصُّلح على أن يسلِّم طازُ نفسه ويركب في عشرة سروج إلى السلطان وينسلخ مما هو فيه، ويكاتب فيه النائب، وتلطّفوا بأمره عند السلطان وبكل ما يقدر عليه، فأجاب إلى ذلك وأرسل يطلب من يُشْهده على وصيَّته، فأرسل إليه نائب السَّلطنة القاضي شهاب الدين قاضي العسكر، فذهب إليه فأَوْصَى لولدِهِ وأم ولده ولوالده نفسه، وجعل الناظر على وصيته الأمير علاء الدين علي المارداني نائب السلطنة، وللأمير صَرْغَتُمُش، ورجع النائب من الثَّنيَّة عشيةَ يوم السبت بين العشاءين الرابع والعشرين منه وتضاعفت الأدعية له وفرح الناس بذلك فرحًا شديدًا، ودعَوْا إلى الأمير طاز بسبب إجابته إلى السمع والطاعة، وعدم مقاتلته مع كثرة من كان معه من الجيوش، وقوة من كان يحرِّضُه على ذلك من أَخَوَيْه وذويه. وقد اجتمعتُ بنائب السلطنة الأمير علاء الدين علي المارداني فأخبرني بملخص ما وقع منذ خرج إلى أن رجع، ومضمون كلامه: أنَّ الله لطف بالمسلمين لطفًا عظيمًا، إذ لم يقع بينهم قتال. فإنه قال: لما وصل طاز إلى القُطَيْفة وقد نزلنا نحن بالقرب من خان لاجين أرسلتُ إليه مملوكًا من مماليكي أقول له. إنّ المرسوم الشريف قد ورد بذهابك إلى الديار المصرية في عشرة سروج فقط، فإذا جئت هكذا فأهلًا وسهلًا، وإن لم تفعل فأنت أصل الفتنة. وركبت ليلة الجمعة طول الليل في الجيش وهو ملبس، فرجع مملوكي ومعه مملوكه سريعًا يقول: إنه يسأل أن يدخل بطلبه كما خرج بطلبه من مصر، فقلت: لا سبيل إلى ذلك إلا في عشرة سروج كما رسم السلطان، فرجع وجاءني الأمير الذي جاء من مصر بطلبه فقال: إنه يطلب منك أن يدخل في مماليكه فإذا جاوزَ دمشقَ إلى الكُسْوة نزل جيشه هناك وركب هو في عشرة سروج كما رسم فقلت: لا سبيلَ إلى أن يدخلَ دمشقَ ويتجاوز بطلبه أصلًا، وإن كان عنده خيل ورجال وعدَّة فعندي أضعاف ذلك، فقال لي الأمير: يا خَوَنْدُ لا تكونُ تُنْشِئُ فِتْنَةً، فقلت: لا يقع إلا ما تسمع، فرجع، فما هو إلا أن ساق مقدار رمية سهم وجاء بعض الجواسيس الذين لنا عندهم فقال: يا خوندُ هاقد وصل جيش حماةَ وطرابُلُس، ومن معهم من جيش دمشق الذين كانوا قد خرجوا بسببه، وقد اتفقوا هم وهو. قال: فحينئذ ركبت في الجيش وأرسلت طليعتين أمامي وقلت تراؤوا للجيوش الذين جاؤوا حتى يرَوْكم فيعلموا أنا قد أحطنا بهم من كل جانب. فحينئذ جاء الردُّ من جهته بطلب الأمان ويجهرون بالإجابة إلى أن يركبَ في عشرة سروج، ويترك طلبه بالقُطَيْفة، وذلك يوم الجمعة، فلما كان الليل ركبت أنا

стр. 453

والجيش في السلاح طول الليل وخشيت أن تكون مكيدة وخديعة، فجاءتنا الجواسيس فأخبرونا أنهم قد أوقدوا نشَّابهم ورماحهم وكثيرًا من سلاحهم، فتحقَّقنا عند ذلك طاعته وإجابته، لكلِّ ما رُسم به، فلما أصبح يوم السبت وَصَّى وركب في عشرة سروج وسار نحو الدِّيار المصرية ولله الحمد والمنة. شهر صفر، أوّله السبت، وقيل: الجمعة، في أوائله خرجت أمراء كثيرة بأطلابها إلى بلاد حوران بسبب العشران، وتعذّر تحصيل رؤوس الفريقين، لا سيما مشايخ قيس. بسبب كثرة الثلوج والأمطار (١). وفي يوم الإثنين الرابع والعشرين من صفر دخل حاجب الحجَّاب الأمير طيدمر الذي كان سجن في قلعة صرخد مع البريدي الذي قدم بسببه من الديار المصرية، وتلقاه جماعة من الأمراء والكبراء، وتصدَّق بصدقات كثيرة في داره، وفرحوا به فرحًا شديدًا، وهو والناس يقولون: إنه ذاهب إلى الديار المصرية معظَّمًا مكرمًا على تقدمة ألف ووظائف هناك، فلما كان ووظائف هناك، فلما كان يوم الخميس السابع والعشرين منه لم يفجأ النَّاسَ إلا وقد دخل القلعة المنصورة معتقلًا مضيّقًا عليه، فتعجَّب الناس من هذه الترحة من تلك الفرحة فما شاء الله كان. شهر ربيع الأول، أوّله الأحد، دخل نائب طرابلس قادمًا من الديار المصرية، وهو الأمير سيف الدين أَقْتَمِر عبد الغني فركب مع النائب في الموكب، ونزل عنده بدار السعادة، وذلك يوم الثلاثاء ثالثه (٢). وفي يوم الأربعاء رابع ربيع الأول عقد مجلس بسبب الحاجب طيدمر بالمشهد من الجامع. وفي يوم الخميس أحضر الحاجب من القلعة إلى دار الحديث، واجتمع القضاة هناك بسبب دعاوى يطلبون منه حق بعضهم. ثم لما كان يوم الإثنين تاسعه قدم الديار المصرية مقدم البريدية بطلب الحاجب المذكور، فأخرج من القلعة السلطانية وجاء إلى نائب السلطنة فقبَّلَ يده، ثم خرج إلى منزله وركب من يومه قاصدًا إلى الديار المصرية مكرَّمًا، وخرج بين يديه خلق من العوام والحرافيش يدعون له، وهذا أغرب ما أُرِّخَ، فهذا الرجل نالته شدة عظيمة بسبب سجنه بصرخد، ثم أُفرج عنه ثم حبس في قلعة دمشق ثم أفرِج عنه، وذلك كله في نحو شهر (٣). شهر ربيع الآخر، أوّله الثلاثاء، في مستهلّه دخل نائب السلطنة من بلاد حوران، ومعه جماعة من رؤوس العشران في الزّناجير، فأودعوا السّجن. وفي صبيحة يوم الأربعاء ثانيه طلب الشيخ نور الدين بن الصارم المحدّث من الجامع، وهو على

стр. 454

كرسيّ الحديث عند باب مشهد علي من جهة القاضي المالكي، فذهب معه أهل ميعاده برُمتَّهم يهللون ويكبّرون إلى دار القاضي، فنقم عليه أنّه استفتح ميعاده الذي أذن له في العود إليه، وكان قد منعه قبل ذلك، بعد منعه منه شهرًا بآية، توهم أنّه عرّض فيها بالقاضي الذي منعه، فتنصَّل من ذلك، وشهد له جماعةٌ من الناس أنها الآية التي انتهى إلى قراءتها، فأطلق سراحه. وفي يوم الإثنين خُلع على حاجب الحجّاب، جديد قدم من نيابة دَرَنْدة (١)، وهو سيف الدين طَيْبُغا. وفي هذا اليوم قُرئ بالجامع الأموي الاستثمار الذي جاء من الديار المصرية بسبب الجامع الأموي وما قُبض من المرتبات عليه، ومن المباشرين والمعاليم، وحضر القضاة والناظر، وهو الصاحب تقي الدين ابن مراجل الذي جاء توقيعه به من الديار المصرية عودًا على بدءٍ، بعدما كان له في نظره ثمانٍ وعشرون سنة، فإنّه عزله تنكز سنة إحدة وثلاثين، ثم أُعد في هذه الأيام، بإشارة الأمير صَرْغتمش مدير الممالك، وخُلع عليه يوم السبت ثاني عشره، ففرح أكثر الناس بعوده إليه لحسن مباشرته، لعفّته وأمانته، وعدم مراعاته لأحدٍ من أرباب الجهوات. وقد باشر قبل لبس الخلعة أيامًا، فحصّل في نحو عشرة الأيام للجامع نحوًا من أربعين ألفًا، وضعها في القبة الغربية في دفعات، وأصلح في الجامع أماكن كثيرة، كانت قد وهَتْ في مددٍ متطاولة، واستعمل الفرش الكثيرة، ورسم بألّا تطفأ القناديل من أرجاء الجامع بكرةً وعشيًا، حتى يفرغ جميع الأئمة من الصلوات؛ لئلّا يشوّشوا على الناس بالظّلمة، فاستحسن ذلك جدًّا، ونفذّ ما جاء في الاستثمار أتمّ تنفيذ، واسترجع أموالًا كانت قد وقفت للجامع، أو تناولها بعضُ من لا يستحِقُّها، وازدادت واردات الأجور في الرباع زيادة كثيرة، وأَلزم المصدَّرين والأئمة بالمباشرة وعدم الاستنابة، وأقام عليهم كتّاب الغيبة، فحضر المشايخ كلُّهم، وصار الجامع آهلًا بالمصدّرين والمفتين والمشتغلين والأئمة والمؤذّنين والقَوَمة والسّدَنة. ولله الحمد. ووقعت في هذا الشهر سقعةٌ (٢) عظيمة حطّمت شيئًا كثيرًا من الأشجار، مثل الجوز واللوز والمشمش والدراقن والتّوت وغير ذلك. وأفسدت أشياء كثيرة بالكليّة. هذا وأهل حوران في غاية ما يكون من القلّة والقتال ونهب الأموال وقتلُ رجالٍ وأطفال. وقعة العشير بحوران عند قرية عتيل (٣). وفي يوم الأحد السابع والعشرين منه، فيما بلغنا بعده بأيامٍ، كانت الوقعة بين بني أسد وبني هلال بالقرب من قرية عتيل، وكانت الدائرة على بني أسد، لأن بني هلال كانوا فيما ذكر

стр. 455

على عشرة أضعاف بني أسد، ولم يكن جمع بني أسدٍ كاملًا، وإنما فجؤوهم بغتة، وقد كان كل من الطائفتين على غاية ما يكون من العشاء في الأرض، قد خرّب كلٌّ من العشيرين قرايا كثيرة جدًّا، ونهبوا أموالًا، واستحق كلُّ منهم القتل على مذهب من يرى الدَّرء (١). والمقصود أنه قُتل من كلٍّ من الفريقين خلقٌ كثير. وجمٌّ غفير، فأقلُّ ما ذكر لي خمسمئة، وقيل: ألف، وقيل: ألفان. وأخبرني بعض الأجناد الذين كانوا مجرّدين بتلك البلاد أن بني هلال جعلوا يجمعون القتلى من بني أسد، ويجعلونهم روابي يصعدون فيؤذنون فوقهم افتخارًا بكثرة من قتلوا. يعنون أنّهم يسامتون (٢) المآذن (٣). شهر جمادى الأولى، أوّله الأربعاء، في يوم الجمعة عاشره حضر نائب السلّطنة إلى المدرسة العادلية الكبيرة بعد صلاة الجمعة بسبب عَقْدِ ابْنَةِ قاضي القضاة تاج الدين بن السُّبكي على ابن ابن قاضي القضاة شرف الدين الكَفْري الحنفي، وحضره بقية القضاة والأعيان، وكان عقدًا هائلًا، أنشأه وقرأه الشيخ صلاح الدين الصَّفدي. وفي صبيحة يوم السبت حادي عشره حضر الشيخ شرف الدين ابن شيخ الجبل الحنبلي بمسجد ابن هشام ميعادًا، وجلس على الكرسيّ، وتكلّم من حفظه، وذلك من مرسوم نائب السلطنة له بذلك. أن يجلس في كل يوم سبت في هذا المسجد كما يحضر الجامع يوم الثلاثاء (٤). ثم جاءت الأخبار في يوم الأحد ثاني عَشَرَ جُمادى الأولى بعزل نائب السلطنة عن دمشق فلم يركب في الموكب يوم الإثنين، ولا حضر في دار العدل، ثم تحقَّقت الأخبارُ بذلك وبذهابه إلى نيابة حلب، ومجئ نائب حلب (٥) إلى دمشقَ، فتأسَّفَ كثيرٌ من الناس عليه لديانته وجُودِهِ وحُسن معاملته لأهل ومجيء العلم، ولكنَّ حاشيته لا ينفِّذون أوامره، فتولّد بسبب ذلك فسادٌ عريض، وحموا كثيرًا من البلاد، فوقعت الحروب بين أهلها بسبب ذلك، وهاجت العشيرات فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي صبيحة يوم السبت الخامس والعشرين خرج الأمير علي المارداني من دمشق في طلبه مستعجلًا في أُبَّهة النيابة، قاصدًا إلى حلب المحروسة، وقد ضرب وطاقه بوَطْأة بَرْزَة، فخرج الناس للتفرُّج على طلبه. فلما ولّى ظهره إلى ناحية سوق الخيل خرجت جنازة شيخه الشيخ شمس الدين البانقوس الحنفي (٦)،

стр. 456

مدرّس الرّكنية من باب النصر ليدفن بمقابر الصوفية وليس معها إلّا نفرا يسير؛ منهم القاضي الحنفي (١). وفي هذا اليوم بعد خروج النائب بقليل دخل الأمير سيف الدين طَيْدَمُر الحاجب من الديار المصرية عائدًا إلى وظيفة الحجوبية في أُبَّهة عظيمة، وتلقَّاه الناس بالشموع، ودعَوْا له، ثم ركب من يومه إلى خدمة ملك الأمراء إلى وَطْأة بَرْزَة، فقبَّل يدَهُ وخلع عليه الأمراء، واصطلحا، انتهى والله أعلم. وفي صبيحة يوم الاثنين السابع والعشرين منه رجعت بعض أطلاب الأمراء الذين كانوا بحوران مجردين الأجل العشران، وقد أعياهم أمرهم، فلما قصد الجند ناحية منها تجمّعوا في الطرف الآخر، واقتتلوا. وقد وقعت بينهم في هذا العشر الأخر من هذا الشهر وقعة هائلة على قرية يقال لها: دامة (٢). من طرف اللجاة، فقتل من الفريقين نحو الألف أيضًا، وكانت الغلبة على يمن أيضًا. وتسحبّ مقدمهم الذي يقال له: الدُّنيط (٣). - قبحه الله -. ودخل في هذا اليوم نائب حماة المنفصل، وهو أَسَنْدَمِر العمري إلى دمشق أميرًا على خبز عمر شاه، وتقدمة ألف رأس الميمنة، وخرج طلب عمر شاه إلى حماه، ذاهبًا إلى مباشرة النيابة بها (٤). دخول نائب السلطنة منجك إلى دمشق كان ذلك في صبيحة يوم الخميس الرابع والعشرين من جُمادى الآخرة من ناحية حلب وبين يديه الأمراء والجيش على العادة، وأُوقدت الشموع وخرج الناس ومنهم من بات على الأسطحة وكان يومًا هائلًا (٥). فلما كان الجمعة الأخرى الثاني والعشرين منه صلَّى بالمقصورة من الجامع وعنده القضاة، وأعيان الدولة، فلما قضيت الصلاة قُرئ كتاب السلطان بالأمر باعتبار شروط الواقفين والعمل بمقتضاها في سائر المدارس والخوانك وغيرها، قرأه كاتب السرّ على السُّدّه. وبلّغ عنه بعض المؤذّنين في بعضه. ونائب السّلطنة هذا له سطوة على المفسدين والخمّارين، يعاقبهم عقوبة بليغة ويخرم آنافَهُم، ويُطاف بهم في البلد كذلك ثلاثة أيّام (٦). وقد أُحضرت إلى بين يديه شيوخ القيسيين واليمنيين بحوران، فأصلح بينهم، والتزموا بالتّتارك

стр. 457

وعدم الإفساد، وحَبَا الفريقين ثمانية آلاف درهم، وألزم قيسًا بغرامة ما كانوا أتلغوا لأولئك التراكمين من الأغنام سبعة الآلاف، أكثر ما كانوا انتهبوا. وفي هذا اليوم قدم من الديار المصرية البريد يطلب بعض مباشري أوقاف الأسرى والحرمين والأسوار والبيمارستان النوري ليحرّر أمورهم، ويُصرف عنها بعض من هو مباشر فيها لكثرتهم. شهر رجب الفرد، أوّله السبت، في أوائله كثرت المُنَادِيَةُ عن نائب السلطنة في أمر النّساء، وعدم خروجهن بعد العشاء، ومن الفرج، حتى ولا أسواق البيع والشراء إلّا لعجوزٍ أو عزباء، ولا يركبْن بين الرجال على الحُمُر، فجزاه الله خيرًا. وقد أمر بالتخريج في أمر الخمور، فمن وُجد منهم عاقبه أشد العقوبة، وخرم أنفه كما قدّمنا؛ فارتدع بذلك خلقٌ من الفسقة، وانقطع جلب الخمر إلى البلد، وارتحل منها خلق من جهلة النساء والشباب، وبقية اللصوص والمقطعين أيضًا. وجهز سريَّةً نحوًا من خمسمئة فارس إلى الأعراب من زبيد وغيرها، من جبل بني هلال ممّن أعان في العشير ونهب البلد، وأكثر الفساد، وأمر بقتل من وُجد منهم، ونهبِ أموالهم. وقدم من الديار المصريّة أميرٌ على ولاية الولاة، يسمّى ابن أحمد، ويلقّب شَنْكلَ مَنْكل، فلبس الخلعة بدمشق، ثم خرج إلى حوران في صبيحة يوم الثلاثاء رابعه وقت السحر. عزل ابن جماعة عن القضاء بالديار المصرية جاءت الأخبار بعزل قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز ابن قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن إبراهيم بن جماعة عن الديار المصرية في أواخر جمادى الآخرة بالشيخ بهاء الدين بن عقيل (١) أحد أئمة الشافعية بمصر، فحكم فيما بلغني يوم الخميس الثامن والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وذكروا أن القاضي عز الدين استمرّ على وظائفه كلها ما عدا المنصب. وأنّه عُوّض عنه بألف درهم في كلّ شهر من الجوالي، وأنّه جاء لتهنئة ابن عقيل في يوم ولايته، ثم جاء ابن عقيل إليه إلى منزله، فجلس بين يديه وقال: أنا نائبك (٢). وفي أواخر شهر رجب برز نائبُ السَّلطنة إلى الرَّبوة وأُحضِرَ القضاة وولاةُ الأمور ورُسم بإحضار المفتين - وكنت فيمن طلب يومئذ فركبتُ إليها (٣) - وكان نائب السلطنة قد عزم يومئذ على تخريب المنازل المبنيّة بالرَّبوة وغَلْق الحمَّام من أجل هذه فيما ذكر أنها بنيت ليُعصى فيها، وهذا الحمام أوساخُه صائرةٌ

стр. 458

إلى النهر الذي يشرب منه الناس، فاتّفق الحال في آخر الأمر على إبقاء المساكن ورد المُرتفقات المسلطة على تُورَه وبانياس (١) ويترك ما هو مسلَّط على بردى، فانكفَّ الناس عن الذهاب إلى الرّبوة بالكُلِّية، ورُسم يومئذ بتضييق أكمام النساء وأن تزال الأجراس والركب عن الحمير التي للمكارية. شهر شعبان المكرم، وأوَّله الإثنين وفي أوائله ركب نائبُ السلطنة يوم الجمعة بعد العصر ليقف على الحائط الرومي الذي بالرحبية، فخاف أهل الأسواق، وغلَّقوا دكاكينهم عن آخرهم، واعتقدوا أن نائب السلطنة أمر بذلك، فغضب من ذلك وتنصَّل منه، ثم منه، ثم إنه أمر بهدم الحائط المذكور، وأن ينقل إلى العمارة التي استجدَّها خارج باب النصر في دار الصِّناعة التي إلى جانب دار العدل، أمر ببنائها خانًا، ونقلت تلك الأحجار إليها (٢)، انتهى والله أعلم. عزل القضاة الثلاثة بدمشق ولما كان يوم الثلاثاء تاسع شعبان قدم من الديار المصرية بريدي ومعه تذكرة - ورقة - فيها السلام على القضاة المستجدين، وأخبر بعزل القاضي الشافعي (٣) والحنفي (٤) والمالكي (٥)، وأنه ولي قضاء قضاة الشافعية القاضي بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي، وقضاء الحنفية الشيخ جمال الدين بن السراج الحنفي، وذهب الناس إلى السلام عليهم والتهنئة لهم واحتفلوا بذلك، وأخبروا أن القاضي المالكي سيقدم من الديار المصرية، ولما كان يوم السبت السابع والعشرين من شعبان وصل البريد من الديار المصرية ومعه تقليدان وخلعتان للقاضي الشافعي والقاضي الحنفي، فلبسا الخلعتين وجاءا من دار السعادة إلى الجامع الأموي، وجلسا في المقصورة، وقرأ تقليد قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء الشَّافعي، الشيخ نور الدين بن الصّارم المحدِّث على السُّدَّة تجاه المحراب، وقرأ تقليد قاضي القضاة جمال الدين بن السراج الحنفي الشيخ عماد الدين بن السرَّاج المحدث أيضًا على السدة، ثم حكما هنالك، ثم جاء أيضًا إلى الغزالية فدرَّس بها قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء، وجلس الحنفي إلى جانبه عن يمينه، وحضرتُ عنده فأخذ في صيام يوم الشك (٦) ثم جاءا معًا إلى المدرسة النورية فدرَّس بها قاضي القضاة جمال الدين المذكور، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين، وذكروا أنَّه أخذ في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] الآية.

стр. 459

ثم انصرف بهاء الدين إلى المدرسة العادلية الكبيرة فدرّس بها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] الآية. شهر رمضان المعظم، أوّله الأربعاء، في مستهلّه استناب قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء الشافعي قريبه القاضي بدر الدين بن أبي الفتح الذي كان نائبًا لخاله قاضي القضاة تاج الدين بن السُّبكي والنائب الثاني عماد الدين الحسباني، وحكما يومئذٍ. ثم استناب بعدهما بيوم القاضي شمس الدين بن شهبة، واستمرّ به أيضًا (١). وفي صبيحة يوم الأربعاء ثامن شهر رمضان دخل القاضي المالكي من الديار المصرية فلبس الخلعة يومئذ ودخل المقصورة من الجامع الأموي وقُرئ تقليدُه هنالك بحضرة القضاة والأعيان، قرأه الشيخ نور الدين بن الصّارم المحدث، وهو قاضي القضاة شرف الدين أحمد بن الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن الشيخ شمس الدين محمد بن عسكر العراقي البغدادي، قدم الشّام مرارًا، ثم استوطن الديار المصرية بعدما حكم ببغداد نيابةً عن قطب الدين الأخوي، ودرس بالمُسْتَنصريّة بعد أبيه، وحكم بدمياط أيضًا ثم نُقل إلى قضاء المالكية بدمشقَ، وهو شيخ حسن، كثيرُ التودُّد، ومسدّد العبارة، حسن البشر عند اللقاء، مشكور في مباشرته عفة ونزاهة، وكرم [خلق]، الله يوفقُّه ويسدِّدُه (٢). وبعد بيوم قدم القاضي أمين الدين بن عبد الحق الحنفي من الديار المصرية، فلبس الخلعة يومئذٍ بحسبة دمشق عوضًا عن علاء الدين الأنصاري مدرَّس الأمينية، ودار في البلد على العادة (٣). مسك الأمير صَرْغَتْمُش (٤) أَتَابك الأمراء بالديار المصرية ورد الخبر إلينا بمسكه يوم السبت الخامس والعشرين من رمضان هذا، وأنّه قُبض عليه بحضرة السلطان يوم الإثنين العشرين منه، ثم اختلفت الرواية عن قتله، غير أنَّه احتيط على حواصله وأمواله، وصُودر أصحابه وأتباعُه، فكان فيمن ضُرب وعُصر تحت المصادرة القاضي ضياء الدين (٥) بن خطيب بيت الآبار، واشتهر أنّه مات تحت العقوبة، وقد كان مقصدًا للواردين إلى الديار المصرية، ولاسيَّما أهل

стр. 460

بلدة دمشقَ، وقد باشر عدَّة وظائف، وكان في آخر أمره قد فوض إليه نظر جميع الأوقاف ببلاد السلطان، وتكلَّم في أمر الجامع الأموي وغيره، فحصل بسبب ذلك قطع أرزاق جماعات من الكتبة وغيرهم، ومالأَ الأميرَ صَرْغَتْمُش في أمور كثيرة خاصة وعامة، فهلك بسببه، وقد قارب الثمانين (١)، انتهى. إعادة القضاة الثلاثة وقد كان صَرْغَتْمُش عزل القضاة الثلاثة بدمشق، وهم الشافعي والحنفي والمالكي كما تقدَّم، وعزل قبلهم ابنَ جماعة ووَلّى ابن عقيل، فلما مُسكَ صَرْغَتْمُش السلطان بإعادة القضاة على ما كانوا عليه، ولمّا ورد الخبرُ بذلك إلى دمشقَ امتنع القضاةُ الثلاثة من الحكم، غير أنهم حضروا ليلة العيد لرؤية الهلال بالجامع الأموي، وركبوا مع النائب صبيحة العيد إلى المُصَلّى على عادة القضاة، وهم على وَجَلٍ، وقد انتقلوا من مدارس الحكم فرجع قاضي القضاة أبو البقاء الشافعي إلى بستانه بالزُّعَيْفَرانيّة (٢) ورجع قاضي القضاة ابن السرّاج إلى داره بالتَّعديل، وارتحل قاضي القضاة شرف الدين المالكي إلى الصَّالحية داخل الصَّمْصَاميَّة، وتألَم كثير من الناس بسببه، لأنه قد قدم غريبًا من الديار المصرية وهو فقير ومتديّن، وقد باشر الحكم جيدًا، ثم تبيَّن بأخرة أنه لم يُعزل وأنه مستمرٌّ كما سنذكره، ففرح أصحابه وأحبابه، وكثير من الناس بذلك. شهر شوال أوَّله الخميس، فلما كان يوم الأحد رابع شوال قدم البريد وصحبته تقليد الشافعي قاضي القضاة تاج الدين بن السُّبكي، وتقليد الحنفي قاضي القضاة شرف الدين الكفري، واستمر قاضي القضاة شرف الدين المالكي العراقي على قضاء المالكية، لأنَّ السلطان تذكَّر أنه كان شافهه بولاية القضاء بالشام، وسيّره بين يديه إلى دمشق، فحمدت سيرته كما حَسُنت سريرته، إن شاء الله، وفرح الناس له بذلك. وقدم مع البريد تقليد الصاحب شمس الدين موسى بن التاج إسحاق بالاستمرار في نظر الدواوين بالشام، وأُفرج عنه من الترسيم بالشامية الجوانية، وأُعفي من المصادرة. وقد كان طُلب منه ما يعجز عن حمله. وكان خروج المحمل السلطاني يوم الإثنين الثاني عشر منه، وأمير الركب ابن حمزة التركماني الذي داره بمحلّة القّبيبات.
следующие страницы →