← История

История · id 30098

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة

ابن كثير

Полный текст (651 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مدرّس الرّكنية من باب النصر ليدفن بمقابر الصوفية وليس معها إلّا نفرا يسير؛ منهم القاضي الحنفي (١). وفي هذا اليوم بعد خروج النائب بقليل دخل الأمير سيف الدين طَيْدَمُر الحاجب من الديار المصرية عائدًا إلى وظيفة الحجوبية في أُبَّهة عظيمة، وتلقَّاه الناس بالشموع، ودعَوْا له، ثم ركب من يومه إلى خدمة ملك الأمراء إلى وَطْأة بَرْزَة، فقبَّل يدَهُ وخلع عليه الأمراء، واصطلحا، انتهى والله أعلم. وفي صبيحة يوم الاثنين السابع والعشرين منه رجعت بعض أطلاب الأمراء الذين كانوا بحوران مجردين الأجل العشران، وقد أعياهم أمرهم، فلما قصد الجند ناحية منها تجمّعوا في الطرف الآخر، واقتتلوا. وقد وقعت بينهم في هذا العشر الأخر من هذا الشهر وقعة هائلة على قرية يقال لها: دامة (٢). من طرف اللجاة، فقتل من الفريقين نحو الألف أيضًا، وكانت الغلبة على يمن أيضًا. وتسحبّ مقدمهم الذي يقال له: الدُّنيط (٣). - قبحه الله -. ودخل في هذا اليوم نائب حماة المنفصل، وهو أَسَنْدَمِر العمري إلى دمشق أميرًا على خبز عمر شاه، وتقدمة ألف رأس الميمنة، وخرج طلب عمر شاه إلى حماه، ذاهبًا إلى مباشرة النيابة بها (٤). دخول نائب السلطنة منجك إلى دمشق كان ذلك في صبيحة يوم الخميس الرابع والعشرين من جُمادى الآخرة من ناحية حلب وبين يديه الأمراء والجيش على العادة، وأُوقدت الشموع وخرج الناس ومنهم من بات على الأسطحة وكان يومًا هائلًا (٥). فلما كان الجمعة الأخرى الثاني والعشرين منه صلَّى بالمقصورة من الجامع وعنده القضاة، وأعيان الدولة، فلما قضيت الصلاة قُرئ كتاب السلطان بالأمر باعتبار شروط الواقفين والعمل بمقتضاها في سائر المدارس والخوانك وغيرها، قرأه كاتب السرّ على السُّدّه. وبلّغ عنه بعض المؤذّنين في بعضه. ونائب السّلطنة هذا له سطوة على المفسدين والخمّارين، يعاقبهم عقوبة بليغة ويخرم آنافَهُم، ويُطاف بهم في البلد كذلك ثلاثة أيّام (٦). وقد أُحضرت إلى بين يديه شيوخ القيسيين واليمنيين بحوران، فأصلح بينهم، والتزموا بالتّتارك

стр. 457

وعدم الإفساد، وحَبَا الفريقين ثمانية آلاف درهم، وألزم قيسًا بغرامة ما كانوا أتلغوا لأولئك التراكمين من الأغنام سبعة الآلاف، أكثر ما كانوا انتهبوا. وفي هذا اليوم قدم من الديار المصرية البريد يطلب بعض مباشري أوقاف الأسرى والحرمين والأسوار والبيمارستان النوري ليحرّر أمورهم، ويُصرف عنها بعض من هو مباشر فيها لكثرتهم. شهر رجب الفرد، أوّله السبت، في أوائله كثرت المُنَادِيَةُ عن نائب السلطنة في أمر النّساء، وعدم خروجهن بعد العشاء، ومن الفرج، حتى ولا أسواق البيع والشراء إلّا لعجوزٍ أو عزباء، ولا يركبْن بين الرجال على الحُمُر، فجزاه الله خيرًا. وقد أمر بالتخريج في أمر الخمور، فمن وُجد منهم عاقبه أشد العقوبة، وخرم أنفه كما قدّمنا؛ فارتدع بذلك خلقٌ من الفسقة، وانقطع جلب الخمر إلى البلد، وارتحل منها خلق من جهلة النساء والشباب، وبقية اللصوص والمقطعين أيضًا. وجهز سريَّةً نحوًا من خمسمئة فارس إلى الأعراب من زبيد وغيرها، من جبل بني هلال ممّن أعان في العشير ونهب البلد، وأكثر الفساد، وأمر بقتل من وُجد منهم، ونهبِ أموالهم. وقدم من الديار المصريّة أميرٌ على ولاية الولاة، يسمّى ابن أحمد، ويلقّب شَنْكلَ مَنْكل، فلبس الخلعة بدمشق، ثم خرج إلى حوران في صبيحة يوم الثلاثاء رابعه وقت السحر. عزل ابن جماعة عن القضاء بالديار المصرية جاءت الأخبار بعزل قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز ابن قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن إبراهيم بن جماعة عن الديار المصرية في أواخر جمادى الآخرة بالشيخ بهاء الدين بن عقيل (١) أحد أئمة الشافعية بمصر، فحكم فيما بلغني يوم الخميس الثامن والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وذكروا أن القاضي عز الدين استمرّ على وظائفه كلها ما عدا المنصب. وأنّه عُوّض عنه بألف درهم في كلّ شهر من الجوالي، وأنّه جاء لتهنئة ابن عقيل في يوم ولايته، ثم جاء ابن عقيل إليه إلى منزله، فجلس بين يديه وقال: أنا نائبك (٢). وفي أواخر شهر رجب برز نائبُ السَّلطنة إلى الرَّبوة وأُحضِرَ القضاة وولاةُ الأمور ورُسم بإحضار المفتين - وكنت فيمن طلب يومئذ فركبتُ إليها (٣) - وكان نائب السلطنة قد عزم يومئذ على تخريب المنازل المبنيّة بالرَّبوة وغَلْق الحمَّام من أجل هذه فيما ذكر أنها بنيت ليُعصى فيها، وهذا الحمام أوساخُه صائرةٌ

стр. 458

إلى النهر الذي يشرب منه الناس، فاتّفق الحال في آخر الأمر على إبقاء المساكن ورد المُرتفقات المسلطة على تُورَه وبانياس (١) ويترك ما هو مسلَّط على بردى، فانكفَّ الناس عن الذهاب إلى الرّبوة بالكُلِّية، ورُسم يومئذ بتضييق أكمام النساء وأن تزال الأجراس والركب عن الحمير التي للمكارية. شهر شعبان المكرم، وأوَّله الإثنين وفي أوائله ركب نائبُ السلطنة يوم الجمعة بعد العصر ليقف على الحائط الرومي الذي بالرحبية، فخاف أهل الأسواق، وغلَّقوا دكاكينهم عن آخرهم، واعتقدوا أن نائب السلطنة أمر بذلك، فغضب من ذلك وتنصَّل منه، ثم منه، ثم إنه أمر بهدم الحائط المذكور، وأن ينقل إلى العمارة التي استجدَّها خارج باب النصر في دار الصِّناعة التي إلى جانب دار العدل، أمر ببنائها خانًا، ونقلت تلك الأحجار إليها (٢)، انتهى والله أعلم. عزل القضاة الثلاثة بدمشق ولما كان يوم الثلاثاء تاسع شعبان قدم من الديار المصرية بريدي ومعه تذكرة - ورقة - فيها السلام على القضاة المستجدين، وأخبر بعزل القاضي الشافعي (٣) والحنفي (٤) والمالكي (٥)، وأنه ولي قضاء قضاة الشافعية القاضي بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي، وقضاء الحنفية الشيخ جمال الدين بن السراج الحنفي، وذهب الناس إلى السلام عليهم والتهنئة لهم واحتفلوا بذلك، وأخبروا أن القاضي المالكي سيقدم من الديار المصرية، ولما كان يوم السبت السابع والعشرين من شعبان وصل البريد من الديار المصرية ومعه تقليدان وخلعتان للقاضي الشافعي والقاضي الحنفي، فلبسا الخلعتين وجاءا من دار السعادة إلى الجامع الأموي، وجلسا في المقصورة، وقرأ تقليد قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء الشَّافعي، الشيخ نور الدين بن الصّارم المحدِّث على السُّدَّة تجاه المحراب، وقرأ تقليد قاضي القضاة جمال الدين بن السراج الحنفي الشيخ عماد الدين بن السرَّاج المحدث أيضًا على السدة، ثم حكما هنالك، ثم جاء أيضًا إلى الغزالية فدرَّس بها قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء، وجلس الحنفي إلى جانبه عن يمينه، وحضرتُ عنده فأخذ في صيام يوم الشك (٦) ثم جاءا معًا إلى المدرسة النورية فدرَّس بها قاضي القضاة جمال الدين المذكور، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين، وذكروا أنَّه أخذ في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] الآية.

стр. 459

ثم انصرف بهاء الدين إلى المدرسة العادلية الكبيرة فدرّس بها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] الآية. شهر رمضان المعظم، أوّله الأربعاء، في مستهلّه استناب قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء الشافعي قريبه القاضي بدر الدين بن أبي الفتح الذي كان نائبًا لخاله قاضي القضاة تاج الدين بن السُّبكي والنائب الثاني عماد الدين الحسباني، وحكما يومئذٍ. ثم استناب بعدهما بيوم القاضي شمس الدين بن شهبة، واستمرّ به أيضًا (١). وفي صبيحة يوم الأربعاء ثامن شهر رمضان دخل القاضي المالكي من الديار المصرية فلبس الخلعة يومئذ ودخل المقصورة من الجامع الأموي وقُرئ تقليدُه هنالك بحضرة القضاة والأعيان، قرأه الشيخ نور الدين بن الصّارم المحدث، وهو قاضي القضاة شرف الدين أحمد بن الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن الشيخ شمس الدين محمد بن عسكر العراقي البغدادي، قدم الشّام مرارًا، ثم استوطن الديار المصرية بعدما حكم ببغداد نيابةً عن قطب الدين الأخوي، ودرس بالمُسْتَنصريّة بعد أبيه، وحكم بدمياط أيضًا ثم نُقل إلى قضاء المالكية بدمشقَ، وهو شيخ حسن، كثيرُ التودُّد، ومسدّد العبارة، حسن البشر عند اللقاء، مشكور في مباشرته عفة ونزاهة، وكرم [خلق]، الله يوفقُّه ويسدِّدُه (٢). وبعد بيوم قدم القاضي أمين الدين بن عبد الحق الحنفي من الديار المصرية، فلبس الخلعة يومئذٍ بحسبة دمشق عوضًا عن علاء الدين الأنصاري مدرَّس الأمينية، ودار في البلد على العادة (٣). مسك الأمير صَرْغَتْمُش (٤) أَتَابك الأمراء بالديار المصرية ورد الخبر إلينا بمسكه يوم السبت الخامس والعشرين من رمضان هذا، وأنّه قُبض عليه بحضرة السلطان يوم الإثنين العشرين منه، ثم اختلفت الرواية عن قتله، غير أنَّه احتيط على حواصله وأمواله، وصُودر أصحابه وأتباعُه، فكان فيمن ضُرب وعُصر تحت المصادرة القاضي ضياء الدين (٥) بن خطيب بيت الآبار، واشتهر أنّه مات تحت العقوبة، وقد كان مقصدًا للواردين إلى الديار المصرية، ولاسيَّما أهل

стр. 460

بلدة دمشقَ، وقد باشر عدَّة وظائف، وكان في آخر أمره قد فوض إليه نظر جميع الأوقاف ببلاد السلطان، وتكلَّم في أمر الجامع الأموي وغيره، فحصل بسبب ذلك قطع أرزاق جماعات من الكتبة وغيرهم، ومالأَ الأميرَ صَرْغَتْمُش في أمور كثيرة خاصة وعامة، فهلك بسببه، وقد قارب الثمانين (١)، انتهى. إعادة القضاة الثلاثة وقد كان صَرْغَتْمُش عزل القضاة الثلاثة بدمشق، وهم الشافعي والحنفي والمالكي كما تقدَّم، وعزل قبلهم ابنَ جماعة ووَلّى ابن عقيل، فلما مُسكَ صَرْغَتْمُش السلطان بإعادة القضاة على ما كانوا عليه، ولمّا ورد الخبرُ بذلك إلى دمشقَ امتنع القضاةُ الثلاثة من الحكم، غير أنهم حضروا ليلة العيد لرؤية الهلال بالجامع الأموي، وركبوا مع النائب صبيحة العيد إلى المُصَلّى على عادة القضاة، وهم على وَجَلٍ، وقد انتقلوا من مدارس الحكم فرجع قاضي القضاة أبو البقاء الشافعي إلى بستانه بالزُّعَيْفَرانيّة (٢) ورجع قاضي القضاة ابن السرّاج إلى داره بالتَّعديل، وارتحل قاضي القضاة شرف الدين المالكي إلى الصَّالحية داخل الصَّمْصَاميَّة، وتألَم كثير من الناس بسببه، لأنه قد قدم غريبًا من الديار المصرية وهو فقير ومتديّن، وقد باشر الحكم جيدًا، ثم تبيَّن بأخرة أنه لم يُعزل وأنه مستمرٌّ كما سنذكره، ففرح أصحابه وأحبابه، وكثير من الناس بذلك. شهر شوال أوَّله الخميس، فلما كان يوم الأحد رابع شوال قدم البريد وصحبته تقليد الشافعي قاضي القضاة تاج الدين بن السُّبكي، وتقليد الحنفي قاضي القضاة شرف الدين الكفري، واستمر قاضي القضاة شرف الدين المالكي العراقي على قضاء المالكية، لأنَّ السلطان تذكَّر أنه كان شافهه بولاية القضاء بالشام، وسيّره بين يديه إلى دمشق، فحمدت سيرته كما حَسُنت سريرته، إن شاء الله، وفرح الناس له بذلك. وقدم مع البريد تقليد الصاحب شمس الدين موسى بن التاج إسحاق بالاستمرار في نظر الدواوين بالشام، وأُفرج عنه من الترسيم بالشامية الجوانية، وأُعفي من المصادرة. وقد كان طُلب منه ما يعجز عن حمله. وكان خروج المحمل السلطاني يوم الإثنين الثاني عشر منه، وأمير الركب ابن حمزة التركماني الذي داره بمحلّة القّبيبات.

стр. 461

وفي العشر الآخر منه تقايض الشيخ شمس الدين ابن خطيب يبرود مع قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي الشافعي تدريس الشامية البرانية إلى تدريس المسروريّة والتّقوية، ثم عدل عن التّقوية إلى الدّماغيّة، وأنظار آخر. ودرّس قاضي القضاة تاج الدين بالشامية يوم الأربعاء الحادي والعشرين منه. شهر ذي القعدة، أوّله السبت، في أثنائه ورد مرسوم سلطاني بأن ينظر القاضي الشافعي في الأوقاف التي لا نظّار لها، وعيّن له نظر البيمارستان النوري، ونظر الأسرى، ونظر الأسوار، ونظر قرية أريحا الموقوفة على بلد الخليل ﵇، فباشر ذلك بنفسه، وخُلع عليه لذلك (١). [وفي ذي القعدة توفّي المحدّث شمس الدين محمد (٢) بن سعد الحنبلي يوم الإثنين ثالثه، ودفن من الغد بالسفح، وقد قارب الستين، وكتب كثيرًا وخرَّج، وكانت له معرفة جيدة بأسماء الأجزاء (٣) ورواتها من الشيوخ المتأخِّرين، وقد كتب للحافظ البِرْزالي قطعةً كبيرة من مشايخه، وخرَّج له عن كلٍّ حديثًا أو أكثر، وأثبت له ما سمعه عن كل منهم، ولم يتمَّ حتى توفي البِرْزالي ﵀] (٤). وتوفي بهاء الدين (٥) بن المرجاني باني جامع المزّة الفوْقاني (٦)، وكان مسجدًا في الأصل، فبناه جامعًا، وجعل فيه خطبة، وكنت أول من خطب فيه سنة ثمان وأربعين وسبعمئة، وسمع شيئًا من الحديث. وبلغنا مقتل الأمير سيف (٧) بن فضل بن عيسى بن مُهنَّا أحد أمراء الأعراب الأجواد الأنجاد وقد ولي إمرة آل مُهَنّا غير مرّة كما وليها أبوه من قَبله، عَدَا عليه بعضُ بني عمه فقتله عن غير قصد بقتله، كما ذُكر، لكن لمَّا حمل عليه السيف أراد أن يدفع عن نفسه ويتَّقيه، فضربه بالسيف برأسه فقتله، فلم يعش بعده إلا أيامًا قلائل، ومات ﵀.

стр. 462

شهر ذي الحجّة، أوله الأحد، في أوائله أمسك الأمير أَسَنْدَمِر العمري الذي كان نائب حماةَ، فقيَّد، ورفع إلى القلعة بدمشق. عزل منجك عن دمشق ولما كان يوم الأحد ثاني ذي الحجة قدم أمير من الديار المصرية ومعه تقليد نائب دمشق، وهو الأمير سيف الدين منجك بنيابة صفد المحروسة، فأصبح من الغد - وهو يوم عرفة - وقد انتقل من دار السعادة إلى سطح المِزَّة قاصدًا إلى صفد المحروسة، فعَمِلَ العيد بسطح المِزَّة، ثم ترحَّل نحو صفد، وطمع كثير من المفسدين والخمّارين وغيرهم وفرحوا بزواله عنهم (١). وفي يوم العيد قرئ كتاب السلطان بدار السعادة على الأمراء وفيه التصريح باستنابة أمير علي المارداني عليهم، وعَوده إليهم والأمر بطاعته وتعظيمه واحترامه والشكر له والثناء عليه. وقدم الأمير شهاب الدين بن صُبْح (٢) من نيابة صفد ونزل بداره بظاهر البلد بالقرب من الشامية البرانية. ووصل البريد من الديار المصرية يوم السبت الحادي والعشرين منه بنفي حاجب الحجاب طيدمر الإسماعيلي إلى مدينة حماة بطالًا في سرجين لا غير والله أعلم. ثم دخلت سنة ستين وسبعمئة استهلّت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك من الممالك الإسلامية الملك الناصر حسن ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، وليس بديار مصر نائب ولا وزير. وقضاة مصرهم المذكورون في أول السنة التي قبلها، ونائب دمشق الأمير علاء الدين علي المارداني. وقضاة دمشق هم المذكورون قبلها، غير المالكي؛ فإنه عزل بالقاضي شرف الدين العراقي كما تقدّم. وحاجب الحجّاب بها الأمير شهاب الدين بن صبح، وحاجب الميسرة جمال الدين عبد الله

стр. 463

الدمرداشي، وثالثهم صلاح الدين كيكلدي، وقد عزل كجكن. وهو وأخواه في المصادرة بسبب أنه كان وكيل صَرْغتمش بدمشق. وكاتب السرّ والموقّعون وناظر الجيش والخطيب هم المذكورون في التي قبلها، وناظر الحسبة القاضي عماد الدين بن السّيرجي، وناظر الجامع القاضي تقي الدين بن مراجل، وشادّ الأوقاف الأمير ناصر الدين بن إدريس، ومتولّي المدينة ابن المرواني. شهر الله المحرّم، أوّله الثلاثاء، ثم أُرِّخ بالإثنين. في صبيحة يوم الأربعاء ثالثه دخل الأمير علاء الدين علي المارداني نائب السلطنة إلى دمشقَ من نيابة حلبَ، ففرح الناس به وتلقَّوه إلى أثناء الطريق، وحملت له العامَّةُ الشموع في طرقات البلد، [ولبس الأمير شهاب الدين بن صُبْح خلعة الحجابة الكبيرة بدمشق عوضًا عن نيابة صفد] (١). ووردت كتب الحجَّاج يوم السبت الثالثَ عشر منه مؤرّخة سابع عشري ذي الحجة من العُلا وذكروا أنّ صاحبَ المدينة النبوية عدا عليه فداويان عند لبسه خلعة السلطان، وقت دخول المحمل إلى المدينة الشريفة فقتلاه، فعدَتْ عبيده على الحجيج الذين هم داخل المدينة فنهبوا من أموالهم وقتلوا بعضهم وخرجوا، وكانوا قد أغلقوا أبواب المدينة دون الجيش فأحرق بعضها، ودخل الجيش السلطاني فاستنقذوا الناس من أيدي الظالمين. ودخل المحمل السلطاني إلى دمشق يوم السبت العشرين من هذا الشهر على عادته، وبين يدي المحمل الفداويان اللذان قتلا صاحب المدينة، وقد ذكرت عنه أمور شنيعة بشعة من غلوّه في الرّفض المفرط، ومن قوله: إنه لو تمكّن لأخرج الشَّيخين (٢) من الحُجْرة، وغير ذلك من عبارات مؤدِّية لعدم إيمانه إن صح عنه والله أعلم. شهر صفر، أوّله الأربعاء وفي صبيحة يوم الإثنين سادسه مُسك الأمير شهاب الدين بن صُبْح حاجب الحجاب وولداه الأميران وحُبسُوا في القلعة المنصورة، ثم سافر به الأمير ناصر الدين البتخَاص (٣) ترك بعد أيام إلى الديار المصرية (٤)، وفي رجل ابن صبْح قيد، وذُكر أنَّه فُكَّ من رجله في أثناء الطريق. وفي يوم الإثنين ثالثَ عشرَ صفر قدم نائب طرابُلُس الأمير سيف الدين [بن] عبد الغني (٥) فأدخل

стр. 464

القلعة، ثم سافر به الأمير علاء الدين بن أبي بكر إلى الديار المصرية محتفظًا به مضيقًا عليه. وجاء الخبر بأن مَنْجك سافر من صفد على البريد مطلوبًا إلى السُّلطان، فلما كان بينه وبين غزة بريد واحد دخل بمن معه من خدمه التِّيْه فارًّا من السلطان، وحين وصل الخبر إلى نائب غزة اجتهد في طلبه فأعجزه وتفارط (١) الأمر، انتهى والله أعلم. وفي العشر الأخير من هذا الشهر قدم الأمير صلاح الدين الحاجب من غزة راجعًا من تسفير نائب طرابلس إليها، فلما وصل إلى الكسوة أرسل إلى ولد له صغير مراهق ليتلقّاه إليها أو قريب منها لشدّه شوقه إليه ووجده به، فركب الغلام ومعه جنديّه، فلمّا كان قريب الجسورة قيل له: هذا أبوك قد أقبل، فساق ليسرع إليه فتقنطر (٢) به فرسه، فألقاه وتحته، فأتلفه إتلافًا لا يتلافي. وجاء أبوه فوجده على تلك الحال، فحصل له جزع شديد بسببه، وجاءت أم الصَبي، فضربت خيمة هنالك عليه في الطريق، وما زالوا عنده وهو يضطرب حتى مات في أثناء الليل، فحمل من الغد، فدفن في تربة جدّ أمه الصاحب شمس الدين غبريال. شهر ربيع الأول، أوّله الجمعة، في يوم السبت ثانيه قدم البريد من الديار المصرية بالتقاليد، أحدها وثانيها وثالثها للقاضي أمين الدين بن القلانسي، بكتابة السرّ، ومشيخة الشيوخ، وتدريس الناصرية والشامية الجوانية، ولبس في هذا اليوم خلعة مصرية ببغلتها. والتقليد الآخر لقاضي القضاة جمال الدين المسلّاتي المالكي، أُعيد إلى المنصب، ولما كان الغدُ حضر القاضي أمين الدين المدرستين، وحضر عنده القضاة والأعيان على العادة. ولما أصبح نهار الإثنين لبس قاضي القضاة جمال الدين المسلّاتي خلعةٌ، وحضر درس الجامع، وقرئ تقليده بحضرة القضاة والأعيان، ثم راح الناس مع القاضي أمين الدين إلى السُّميساطية، فحضرها وقرئ تقليده بها فيها بحضرة الناس، وسقى الناس مشروبًا، وكان له وقتًا مشهودًا، وسافر قاضي القضاة تاج الدين السّبكي الشافعي في صبيحة يوم الإثنين السّابع عشر منه متوجّهًا إلى الديار المصرية، ومعه الكتب التي أُثبتت بقيمة داريّا ودومة وحارتين [من نابلس] وغيرها. ثم استُعيدت منه، ورُجع بها إلى البلد ليقع عقد التبايع بدمشق، واستمرّ هو ذاهبًا إلى الديار المصرية، فاجتاز على القدس الشريف فزاره، ثم دخل الديار المصرية. وفي يوم الجمعة الثاني أو الثالث والعشرين منه خرج القاضي ناصر الدين كاتب السرّ كان بدمشق ذاهبًا إلى كتابة السر بحلب، وتأسّف الناس عليه لحسن صبحته للناس في هذه الوظيفة.

стр. 465

شهر ربيع الآخر، أوّله السبت في ثالثه قدم القاضي صلاح الدين الصفدي مفصولًا عن كتابة سرّ حلب إلى دمشق المحروسة، على وكالة بيت المال، وذهب الناس للسّلام عليه، وتهنئته بالوكالة على العادة. وفي يوم الثلاثاء رابعه عقد مجلس بمشهد عثمان حضره القضاة الثلاثة سوى الشافعي، وحضر الأمير سيف الدين بَيْدَمِر حاجب الحجاب، وابتاع بطريق الوكالة عن السلطان الملك الناصر حسن من وكيل بيت المال جميع القرايا الثلاث؛ داريا ودومة وحارتين من نابلس، وبعض حواضر بيسان بمبلغ خمسمئة دينار، وسبعين ألف دينار، وأُحضرت أحدُ عشر ألف دينار، وأداروها بينهم حتى حصل الإقباض عن الثمن بحضرة شهوده. وأخبرني وكيل بيت المال المذكور أنّ هذه البيعة كانت أول مباشرته للوكالة. وأخبرني أنّ السلطان اشترى له أنطاكية والفوعة من معاملة حلب. وفي يوم الثلاثاء رابعه كان دخول قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي إلى الديار المصرية، ليسأل عن كتابه، وقد تلقّاه جماعة من الأعيان، واجتمع بالسلطان، وذكر أنّه أقبل عليه، ورسم له بتشريف وبغلةٍ، رتَّب له في كل يوم مئةَ درهمٍ ولحمًا، وغير ذلك، وأطلق له مالًا، وعاد إلى دمشق في يوم الأحد الثالث والعشرين منه، وتلقّاه الناس إلى أثناءِ الطريق، واجتمع بنائب السلطنة أولًا، وخرج من عنده قاصدًا السلام على الأمير سيف الدين بَيْدَمِر الحاجب الكبير في داره. وفيه درّس محيي الدين ابن القاضي تقي الدين شيخ الشيوخ ابن الزّكي بالمدرسة التّقويّة؛ انتزع نصف التدريس من قاضي القضاة الشافعي برضاه في ذلك، بعد عقد مجلس بسبب ما كان قد رُسم لابن الزّكي. شهر جمادى الأولى، أوّله الأحد، في آخر أول يوم منه توفيّ القاضي علم الدين (١) ناظر الجيوش المنصورة بالشام، تمرّض شهرًا، ثم كانت وفاته في هذا اليوم بعد العصر، فصلّي عليه بعد الصّبح بالجامع الأموي، وحُمل إلى السفح فدفن هناك. وقد قارب الخمسَ والستين سنة، وأسمع شيئًا يسيرًا، وكان يُجيزُ بشيءٍ من آخر البخاري يوم ختمه. وكان من كرماء الناس ورؤسائهم. وذوي الثروة والحشمة والنفقات، والمآكل الكثيرة المتنوعة ﵀. واشتُهر في أول هذا الشهر أنّ بقرية داريا مَطْلَبًا، فركب الأمير سيف الدين بَيْدَمر وكيل السلطان، ونائب الشافعي، وجماعة من الشهود، فحفروا هناك قبلي القرية، فوجدوا تحت الأرض بابًا مغلقًا فلم يتجاسروا على فتحه حتى يُعلموا السلطان، فبعث من بين يديه من يقف عليه لاحتمال ألا يكون ثمّ شيءٌ. وفي يوم الأحد ثامنه درّس القاضي شمس الدين الغزي نائب الشافعي بالمدرسة التّقويّة بنزول من قاضي القضاة له عن الذي تبقى بيده، وهو نصف التدريس.

стр. 466

وفي يوم الإثنين سلخه خُلع على القاضي جمال الدين يوسف ابن قاضي القضاة شرف الدين الكفري بطرحة بسبب مرسوم ورد من السلطان أن يكون نائبًا عن أبيه في حياته مستقلًا في قضاء القضاة بعد وفاته. شهر جمادى الآخرة، أوّله الثلاثاء، في يوم الجمعة رابعه وجدت امرأةٌ مقتولةٌ، مقطّعة الأطراف والأوصال، وقد أُلقيت في أسفل بيوت طهارة جيرون، فأخرجت شيئًا فشيئًا، وأُلقيت عند درج جيرون، فقصدها الناس، ولا سيّما النساء من سائر أرجاء البلد يعجبون منها، ويتعظون بها. وفي يوم السبت خامسه خُلع على الأمير علاء الدين بُهادُر الشُّجاعي بولاية المدينة، وأُخذت منه نقابة النقباء للهدباني. شهر رجب الفرد، أوّله الأربعاء، في يوم الإثنين ثالث عشره قدم البريد من الديار المصرية بإعادة اليهود إلى لباسهم ولباس نسائهم بألوان الصّبغة إلى ما كانوا عليه. وذلك أنهم كانوا قد أنهَوْا أن نساءهم كانوا يظهرون، ويُعدى عليهن حين كنّ يلبسن الأُزر المصبّغة، اليهوديات بالأصفر، والنصرانيات بالأزرق، والسّامريات بالأحمر، بألوان عمائم رجالهن، وتوصّلوا بالبراطيل حتى استنجزوا مرسومًا في أيام صَرْغَمُّش بان يلبسن الأزر البيض، فشقّ ذلك على المسلمين، فقام من سعى في الاستفتاء عليهن في ذلك، وكتب جماعات من الفقهاء في ذلك، فيسّر الله تعالى، وأرسلت الفتاوي إلى الديار المصرية بسبب ذلك. فحين وقف السلطان على ذلك قال: أنا ما كنت تأملت ما أَنْهَوا، وذكر له أَنّهم أَنْهَوْا خلاف الواقع، فرسم بالعود إلى ما كانوا عليه، وألّا يستخدم رجالهم في شيء من الأعمال السلطانية وأن يميّزوا عن المسلمين في الحمامات أيضًا. وقرئ الكتاب على السدّة يوم الجمعة سادس عشره، وحضّره القضاة والأعيان، وفرح المسلمون بذلك. وكسّف القمر في الخميس سادس عشره، وصلى الخطيب بالناس صلاة الكسوف بعد صلاة المغرب إلى العشاء وفي صبيحة يوم الإثنين العشرين منه خلع على القضاة الأربعة ووكيل بيت المال، وكاتب السرّ، وعلى الأمير سيف الدين بَيْدَمر، وعلى جرائيل، وعلى شادّ الدواوين وأخيه جمال الدين محمود، وعلى أمير عشرة، وغيرهم، فلم يُر يومٌ بالشام من مدّة متطاولة أكثر خلقا من هذا اليوم (١). مسك الأمير علي المارِدَاني نائبِ الشّام (٢): وأصل ذلك أنّه في صبيحة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من رجب، ركب الجيش إلى تحت القلعة ملبسين، وضُربت البشائر في القلعة في ناحية الطّارمة، وجاء الأمراء بالطبلخانات من كل جانب، والقائم بأعباء الأمر الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الحاجب، ونائبُ السلطنة داخل دار السعادة، والرسل مردَّدة بينه

стр. 467

وبين الجيش، ثم خرج فحُمل على سروج يسيرة محتاطًا عليه إلى ناحية الديار المصرية، واستوحش من أهل الشام عند باب النصر، فتباكى النَّاسُ رحمةً له وأسفًا عليه، لديانته، وقلة أذيته وأذية الرعية وإحسانه إلى العلماء والفقراء والقضاة. ثم في صبيحة يوم الخميس الثالث والعشرين منه احتيط على الأمراء الثلاثة، وهم الأمير سيف الدين طَيْبُغا حاجي أحد مقدّمي الألوف، والأمير سيف الدين قُطْلِيْجا (١) الدوادار أحد المقدمين أيضًا والأمير علاء الدين أَيْدُغْمُش المارداني أحد أمراء الطبلخانات (٢)، وكان هؤلاء ممن حضر نائب السلطنة المذكور وهم جلساؤه وسُمَّارُه، والذين بسفارته أعطَوا الأجناد والطبلخانات والتَّقادم، فرفعوا إلى القلعة المنصورة معتقلين بها مع مَن بها من الأمراء. ثم ورد الخبر بأن الأمير عليًّا رُدَّ من الطريق بعد مجاوزته غزَّة وأُرسل إليه بتقليد نيابة صفد المحروسة، فتماثل الحال وفرح بذلك أصحابه وأحبابه. وقدم متسلّم دمشقَ الذي خلع عليه بنيابتها بالديار المصرية في يوم الخميس سادس عشر رجب بعد أن ذلك مرارًا، وباس الأرض مرارًا فلم يُعفِهِ السلطان، وهو الأمير سيف الدين أسَندَمُر (٣) أخو يَلْبُغَا اليَحْيَاوي (٤)، الذي كان نائب الشام، وبنته يومئذٍ زوجة السلطان، قدم متسلِّمه إلى دمشق يوم الخميس سلخ الشهر فنزل في دار السعادة (٥)، وراح القضاة والأعيان للسلام عليه والتودُّد إليه، وحملت إليه الضيافات والتقادم، انتهى والله أعلم. كائنة وقعت بقرية القرية حوران فأوقع الله بهم بأسًا شديدًا في هذا الشهر الشريف وذلك أنهم أشهر أهل قرية بحَوْران وهي خاص لنائب الشام وهم صليبة يمن، ويقال لهم: بنو نشبة وبنو ناشي، وهي حصينة منيعة يضوي إليها كل مفسد وقاطع ومارق، ولجأ إليهم أحد شياطين رُوَيْمن الْعَشِيرِ وهو عمر المعروف بالدُّنَيْط (٦)، فأعدُّوا عددًا كثيرة، وتهيّؤوا ليقيموا العشير، وفي هذا الحين بدرهم والي الولاة المعروف بشنكل منكل، فجاء إليهم ليردَّهم ويهديهم؛ وطلب منهم عمر الدنيط فأبَوْا

стр. 468

عليه، وراموا مقاتلته، وهم جمع كثير وجمٌّ غفير، فتأخَّر عنهم وكتب إلى نائب السلطنة ليمدَّه بجيش عونًا له عليهم وعلى أمثالهم، فجهز له جماعة من أمراء الطبلخانات والعشراوات ومئة من جند الحلقة الرماة، فلما بغتهم في بلدهم تجمعوا لقتال العسكر ورمَوْه بالحجارة والمقاليع، وحجزوا بينهم وبين البلد، فعند ذلك رمتهم الأتراك بالنبال من كل جانب، فقتلوا منهم فوق المئة، فكرُّوا ناكصين على أعقابهم، وأسر منهم والي الولاة نحوًا من ستين رجلًا وأمر بقطع رؤوس القتلى وتعليقها في أعناق هؤلاء الأسارى، ونُهبت بيوت الفلاحين كلِّهم، وسُلِّمت إلى مماليك نائب السلطنة لم يفقد منها ما يساوي ثلاثمئة درهم. وكرَّ راجعًا إلى بصرى وشيوخ العشران معه، فأخبر ابن الأمير صلاح الدين بن خاص ترك، وكان من جملة أمراء الطبلخانات الذين قاتلوهم بمبسوط ما يخصُّه، وأنه كان إذا أعيا بعض تلك الأسرى من الجرحى، أمر المشاعلي بذبحه وتعليق رأسه على بقية الأسرى، وفَعل هذا بهم غير مرة حتى أنَّه قطع رأس شاب منهم وعلق رأسه على أبيه، شيخ كبير، فإنا لله وإنا إليه راجعون، حتى قدم بهم بُصْرى، فشنكل طائفة من أولئك المأسورين، وشنكل آخرين، ووسّط الآخرين وحبس بعضهم في القلعة، وعلَّق الرؤوس على أخشاب نصبها حول قلعة بُصْرى، فحصل بذلك تنكيل شديد لم يقع مثله في هذا الأوان بأهل حوران، وهذا كله سُلّط عليهم بما كسبت أيديهم وما ربك بظلام للعبيد، وكذلك نُوَلِّي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. انتهى. شهر شعبان المبارك، أوَله الخميس. دخول نائب السلطنة الأمير سيف الدين أَسَنْدَمُر اليَحْيَاويّ في صبيحة يوم الإثنين حادي عشر شعبان من هذه السنة كان دخول الأمير سيف الدين أسَنْدمِر اليحياوي نائبًا على دمشق من جهة الديار المصرية، وتلقّاه الناسُ بالشموع واحتفلوا له احتفالًا زائدًا، وشاهدته حين ترجَّل لتقبيل العتبة، وتعضَّده الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الذي كان حاجب الحجاب وعُيّن لنيابة حلب المحروسة، فاستقبل القبلة وسجد عند القبلة، وقد بُسط له عندها مفارشُ وصَمْدةٌ هائلة، ثم إنه ركب فتعضّده بَيْدَمُر أيضًا، وسار نحو الموكب، فأركب ثم عاد إلى دار السعادة على عادة من تقدمه من النواب. وجاء تقليد الأمير سيف الدين بَيْدَمُر (١) من آخر النهار لنيابة حلب المحروسة. وفي آخر نهار الثلاثاء بعد العصر ورد البريد البشيري وعلى يده مرسوم شريف بنفي القاضي بهاء الدين أبي البقاء وأولاده وأهله إلى طرابُلس بلا وظيفة (٢)، فشقّ ذلك عليه وعلى أهليه ومن يليه، وتغمَّم له

стр. 469

كثير من الناس، وسافر ليلة الجمعة وقد أذن له في الاستنابة في جهاته، فاستناب ولده الكبير وليِّ الدين. وفي ليلة الأربعاء الثالث عشر منه برز الأميران المعزولان طُيْبُغا وقطيلجا الدوايدارا من القلعة المنصورة مقيّدين محتفظًا عليهما متوجّهين إلى مصر، وقد وقف بيوتهما من مماليك والجواري حاسراتٌ حافياتٌ صارخات، فتألّم لهم الناس، وبكوا لبكائهم على ما ذكر. ثم أعيد طيْبُغَا حجيّ إلى دمشق بعد أيام، ورسم بنفيه إلى حلب. وفي يوم الخميس رابع عشره ركب نائب السلطنة في الموكب على العادة، وحضر معه الأمير سيف الدين بَيْدَمِر نائب حلب، ونزل معه إلى دار السعادة، وحضر القضاة أيضًا يومئذٍ، ورُسم لهم بالحضور في يومي الإثنين والخميس دار العدل. وحضر الموكب يوم السبت السادس عشر منه، وسمّر ووسّط من كان بالجيوش ممّن وجب عليه ذلك شرعًا، وأظهر بأسًا وحضر معه الأمير سيف الدين بَيْدَمر نائب حلب، وعرض طلبه هنالك، ذاهبًا إلى حلب في أبهة هائلة، وعُدد كاملة، وجنائب نجائب، وآلات حسنة، واستمرّ ذاهبًا سالمًا. شهر رمضان المعظم، أوّله الأحد، في يوم الأحد الثاني والعشرين منه درّس القاضي عماد الدين ابن العزّ الحنفي بالمدرسة الرّكنيّة أخذها من يد قاضي القضاة شرف الدين الغزي الحنفي بمرسوم شريف، ووقع بينهما تشاجرٌ، وتشاحن كبير بسبب ذلك، واستمرّ أمرهما كذلك، ثم استعادها قاضي القضاة الكفري منه بمرسوم شريف، ودرّس فيها في أواخر شوال من هذه السّنة. شهر شوال، أوّله الإثنين. استهلَّ وماء الأنهار في السَّنةِ في غاية القلّة، بحيث أن نهر بردى ليس فيه من الماء ما يدير حجر طاحون صغيرًا، وكذلك نهر ثورا، وقد يبست أشجار كثيرة من قلَّةِ الماء، وبُعْدِ عهدها من السّقيا بالماء من شهور متعدّدة، حتى أنه نشفَ كثير من الآبار. فالحكم الله العزيز الكبير. وخرج المحمل يوم السبت الثالث عشر منه، وخرج من الحجاج في هذه السنة قاضي القضاة جمال الدين الحنبلي، ونائبه القاضي شمس الدين بن مفلح (١). [واشتهر في شوال أن الأمير سيف الدين مَنْجَك الذي كان نائب السلطنة بالشام هرب ولم يطلُع له خبر، فلما كان في هذا الوقت ذُكر أنّه مُسك ببلد بحران من مقاطعة ماردين في زيِّ فقير، وأنه احتفظ عليه وأرسل السلطان قراره، وعجب كثير من الناس من ذلك، ثم لم يظهر لذلك حقيقة وكان الذين رأَوْه ظنُّوا أنه هو، فإذا هو فقير من جملة الفقراء يشبهه من بعض الوجوه] (٢).

стр. 470

شهر ذي القعدة، أوّله الأربعاء، في صبيحة مستهلّه درّس الشيخ جمال الدين بن الرُّهاوي بالمسرورية، نزل عنها بعوض الشيخ شمس الدين ابن خطيب يبرود، وتوجَّه نحو الحجاز الشريف، وحضر عنده القضاة والأعيان على العادة (١). واشتهر في ذي القعدة أن الأمير عز الدين فياض بن مُهَنَّا ملك العرب، خرج عن طاعة السلطان، وتوجَّه نحو العراق، فوردت المراسيم السلطانية لمن بأرض الرّحبة من العساكر الدمشقية وهم أربعة مقدمين في أربعة آلاف، وكذلك جيش حلب وغيره بتطلُّبه وإحضاره إلى بين يدي السلطان، فسعوا في ذلك بكل ما يقدرون عليه فعجزوا عن لحاقه والدخول وراءه إلى البراري، وتفارط الحال وخلص إلى أرض العراق فضاق النطاق وتعذر اللحاق. شهر ذي الحجة، أوّله الجمعة، ثم ذُكر أنه الخميس، في يوم الإثنين رابعه دخل طلب نائب السلطنة الأمير أسَنْدَمِر وأهله من الديار المصرية في تحمل هائل. وفي هذا الشهر كانت وفاة الأمير صفي الدين أبي القاسم ابن الشيخ فخر الدين عثمان ابن الشيخ صفي الدين أبي القاسم الحنفي البصراوي (٢)، بالقدس الشريف، وكان ناظرًا عليها وعلى بلد الخليل ﵇ وقد انتُدب لعمارة بركة الرجيع التي هي كالمدد لبركة عطاف فأخبرني الخطيب برهان الدين ابن جماعة خطيب القدس الشريف أنّه بذل في عمارتها نحوًا من عشرة آلاف درهم، وأنها كانت سبب مرضه، فإنه باشرها بنفسه في الحرّ الشّديد، وأستحث الفعول والعمّالين، وما زال كذلك حتى كانت وفاته فجأة بعد يوم النحر ﵀ (٣). ثم دخلت سنة إحدى وستين وسبعمئة استهلَّت وسلطان المسلمين الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون وقضاة مصر والشام هم المذكورون في التي قبلها. ونائب الشام الأمير سيف الدين أسَندَمر أخو يَلْبُغَا اليحياوي، وكاتب السر القاضي أمين الدين بن القلانسي.

стр. 471

ووكيل بيت المال الشيخ صلاح الدين الصفدي، وكتاب الدَّسْت هم المذكورون وكذلك ناظر الدواوين، وناظر الجيوش المنصورة علم الدين داود الذي كان نائب النظر لعلم الدين بن القطب، وشادّ الأوقاف هو المذكور قبلها، وكذلك المحتسب والخطيب، ووالي البر ناصر الدّين بن بهادر مملوك السّنجري. شهر الله المحرّم، أوّله السبت في مستهلّه (١). جاء الخبر بموت الشيخ صلاح الدين (٢) العلائي بالقدس الشريف ليلة الإثنين ثالث المحرم، وصُلِّيَ عليه من الغد بالمسجد الأقصى بعد صلاة الظهر، ودفن بمقبرة باب الرحمة، وله من العمر ست وستون سنة، وكان مدة مقامه بالقدس مدرّسًا بالمدرسة الصّلاحية وشيخًا بدار الحديث التنكزيّة (٣) ثلاثين سنة، وقد صنّف وألَّف وجمع وخرج، وكانت له يد طولى بمعرفة العالي والنازل، وتخريج الأجزاء والفوائد، وله مشاركة قوية في الفقه واللُّغة والعربية والأدب، وفي كتابته ضعف لكن مع صحة وضبط لما يُشْكل، وله عدَّةُ مصنَّفات (٤) وبلغني أنه وقفها على الخانقاه السُّميْسَاطيّة (٥) بدمشق، وقد ولي بعده التّدريس بالصلاحيّة (٦) الخطيب برهان الدين بن جماعة (٧) والنظر بها، وكان معه تفويض منه متقدّم التاريخ. وفي يوم الخميس السادس من محرّم احتيط على متولي البرّ ابن بَهَادُر السّنجري (٨)، ورُسم عليه بالعذراوية بسبب أنّه اتّهم بأخذ مطلب من نعمان البلقاء هو وكجكن (٩) الحاجب، وقاضي حسان،

стр. 472

والظاهر أن هذه مرافعة من خصم عدو لهم، وأنه لم يكن من هذا شيء والله أعلم. ثم ظهر على رجل يزوّر المراسيم الشريفة وأُخذ بسببه مدرِّسُ الصَّارميَّة (١) لأنَّه كان عنده في المدرسة المذكورة، وضرب بين ملك الأمراء، وكذلك على الشيخ زين الدين زَيْد المغربي الشافعي، وذكر عنه أنّه يطلب مرسومًا لمدرسة الأكزيّة (٢)، وضرب أيضًا ورُسم عليه في حبس السَّدّ، وكذلك حبس الأمير شهاب الدين الذي كان متولِّي البلد، لأنه كان قد كتب له مرسومًا شريفًا بالولاية، فلما فهم ذلك كاتب السر أطلع عليه نائب السلطنة فانفتح عليه الباب وحُبسوا كلُّهم بالسَّدّ. وجاءت كتب الحجاج ليلة السبت الخامس عشر من المحرم، وأخبرت بالخِصْب والرُّخص والأمن ولله الحمد والمنة. ودخل المحمل بعد المغرب ليلة السبت الثاني والعشرين منه، ثم دخل الحجيج بعده في الطين والدَّحض (٣) وقد لقوا من ذلك من بلاد حوران بُرَحاء وشدة، ووقعت جمالات كثيرة، ومشت نساء (٤) كثيرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحصل للنّاس تعبٌ شديد. ولما كان يوم الإثنين الرابع والعشرين قُطعت يدُ الذي زوّر المراسيم واسمه السِّراج عمر القِفْطيّ (٥) المصري، وهو شاب كاتب مطيق على ما ذكر، وحمل في قفص على جمل وهو مقطوع اليد، ولم يحسم بعد والدم يَشْخُبُ منها، وأركب معه الشيخ زين الدين زيد على جمل وهو منكوس وجهه إلى ناحية دبر الجمل، وهو عريان مكشوف الرأس، وكذلك البدر الحِمْصيّ على جمل آخر، وأركب الوالي شهاب الدين على جمل آخر وعليه تخفيفة صغيرة، وخف وقباء، وطيف بهم في محال البلد، ونُودي عليهم: هذا جزاء من يزوِّر على السلطان، ثم أُودعُوا حبس الباب الصغير وكانوا قبل هذا التعزير في حبس السدّ، ومنه أخذوا وأُشهروا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. انتهى. مسك مَنْجَك وصفة الظهور عليه وكان مختفيًا بدمشقَ حوالي سنة (٦) لما كان يوم الخميس السابع والعشرين من المحرم جاء ناصحٌ إلى نائب السّلطنة الأمير سيف الدين

стр. 473

أَسَنْدَمُر فأخبره بأن مَنْجَك في دارٍ بالشَّرف الأعلى، فأرسل من فوره إلى ذلك المنزل الذي هو فيه بعض الحجبة ومن عنده من خواصه، فأحضر إلى بين يديه محتفظًا عليه جدًّا، بحيث إن بعضهم رَدَفَهُ (١) من ورائه واحتضنه، فلما واجهه نائب السّلطنة أكرمه وتلقّاه، وأجلسه معه على مقعدته، وتلطَّف به وسقاه وأضافه، وقد قيل: إنَّه كان صائمًا فأفطر عنده، وأعطاه من ملابسه وقيّده وأرسله إلى السلطان في ليلته - ليلة الجمعة - مع جماعة من الجند وبعض الأمراء، منهم حسام الدين أمير حاجب، وقد كان أرسل نائب السلطنة ولده بسيف مَنْجَك من أوائل النهار، وتعجَّب النَّاسُ من هذه القضية جدًّا، وما كان يظنُّ كثير من الناس إلا أنه قد عدم باعتبار أنه في بعض البلاد النائية، ولم يشعر الناس أنه في وسط دمشقَ وأنه يمشي بينهم متنكِّرًا، وقد ذكر أنه كان يحضر الجمعات بجامع دمشق، ويمشي بين الناس متنكرًا في لبسه وهيئته، ومع هذا لن يغني حذر من قدر، ولكل أجل كتاب، وأرسل ملك الأمراء بالسيف وبملابسه التي كان يتنكر بها، وبعث هو مع جماعة من الأمراء الحجبة وغيرهم وجيش كثيف إلى الديار المصرية مقيدًا محتفظًا عليه، ورجع ابن ملك الأمراء بالتحف والهدايا والخلع والإنعام لوالده، ولحاجب الحجَّاب، ولبس ذلك الأمراء يوم الجمعة واحتفل الناس بالشُّموع وغيرها، ثم تواترت الأخبار بدخول مَنْجَك إلى السلطان وعفوه عنه وخلعته الكاملة عليه وإطلاقه له الخام والخيول المسومة والألبسة المفتخرة، والأموال والأمان، وتقديم الأمراء والأكابر له من سائر صنوف التُّحف. شهر صفر المبارك، أوَّله الإثنين، وقدم (٢) الأمير علي (٣) من صفد قاصدًا إلى حماة لنيابتها، فنزل القصر الأبلق ليلة الخميس رابعه وتوجَّه ليلة الأحد سابعه. وفي يوم الأربعاء عاشره توفي الرئيس نجم الدين عبد الوهاب ابن الصاحب الوزير فخر الدين بن السِّيرجي (٤) عن ثلاث وسبعين سنة، وصلي عليه ظهر يومئذ بالجامع، ودفن بتربتهم بباب الصغير، وكان من أجواد الدَّماشقة، ورؤسائها، ساكنًا، وقورًا ﵀. وفي يوم الجمعة ثاني عشره حضر نائب السلطنة الصلاة بالشباك الكمالي، وعليه خلعة سنيّة، وكذلك على حاجب الحجاب شكرانًا لمسك الأمير منجك، وقد احتفل له الناس بالشموع في الطريق، وجمع أهل الذمة من اليهود والنّصارى، ورجع من الصلاة، وبين يديه شبابة تصفر، تشبهًا بالملوك (٥).

стр. 474

وفي يوم الخميس الثامن عشر من صفر قدم القاضي بهاء الدين أبو البقاء (١) من طرابُلُس بمرسوم شريف أن يعودَ إلى دمشقَ على وظائفه المبقاة عليه، وقد كان ولده ولي الدين ينوب عنه فيها، فتلقَّاه كثير من الناس إلى أثناء الطريق، وبرز إليه قاضي القضاة تاج الدين (٢) إلى حَرَسْتَا، وراح النَّاس إلى تهنئته إلى داره، وفرحوا برجوعه إلى وطنه. شهر ربيع الأول، أوله الثلاثاء، في ليلة الجمعة حادي عشره كانت زفَةٌ هائلةٌ لابن ملك الأمراء وهو أمير علي بن أسَندَمِر نائب السلطنة، أقبلت بشموع من ناحية القبيبات "والعريس (٣) في أبهة لم يرَ أهل البلد مثلها في كثرة الشموع الضِّخام، والهيئة الحسنة، وكان مبلغ ما حُرِرَ من الشمع ما يقارب مئة قِنطار من الصّغار والكبار، ومنها عدَّةٌ كثيرة، قنطارٌ قنطارٌ. وقد خرج غالب أهل البلد للتفرج عليها. وبعد أيام مُسك متولي البلد، وضربه نائب السلطنة، وألزمه بمالٍ بشيء نقمَهُ عليه، وسلّمه إلى شادّ الدواوين ليستخلص منه مالًا، فضربه الآخر بالمقارع، وأُخذَ معه بعضُ المعرّفين، وضربوا بالمقارع، وصُودروا بمالٍ جزيل. وأعيد المعرّفون (٤) الذين كانوا قد ضربوا مثل ذلك، وكتب عليهم مكاتيب لئلا يعودوا. فهرب الوالي المصادر. وأحدُ المعرّفين أيضًا (٥). ووقع مطر عظيم في أواخر هذا الشهر، وهو أثناء شهر شباط، وثلج عظيم، فرويت البساتين التي كانت لها عن الماء عدّة شهور، ولا يحصل لأحد من الناس سقي إلا بكلفة عظيمة ومشقَّة، ومبلغ كبير، حتَّى كاد الناس يقتتلون عليه بالأيدي والدبابيس وغير ذلك من البذل الكثير، وذلك في شهور كانون الأول والثاني، وأول شباط، وذلك لقلَّة مياه الأنهار وضَعْفها، وكذلك بلاد حوران أكثرهم يروون من أماكن بعيدة عن قراهم في هذه الشهور، ثم منّ الله تعالى فجرت الأودية وكثرت الأمطار والثلوج، وغزرت الأنهار ولله الحمد والمنة. وتوالت الأمطار، فكأنه حصل السَّيل في هذه السنة من كانون إلى شباط فكأن شباط هو كانون، وكانون لم يسل فيه ميزاب واحد. ووصل في هذا الشهر الأمير سيف الدين مَنْجَك إلى القدس الشريف ليبتني للسُّلطان مدرسةً وخانقاه غربيّ المسجد الشريف، وأُحضر الطّرخان الذي كُتبَ له بماء الذهب إلى دمشقَ، وشاهده بعض النّاس، ووقَّعْتُ على نسخته، وفيها تعظيم زائد ومدح وثناء له، وشكر على متقدِّم خدمته لهذه الدولة، والعفو عمّا مضى من زلاته، وذكر سيرته بعبارة حسنة.

стр. 475

شهر ربيع الآخر، أوّله الأربعاء، أرسل في أوائله نائبُ السلطنة متولّي البلد، ونقيب النقباء إلى حكر السمّاق، فكسرا من دنان الخمر، وأراق شيئًا كثيرًا، وأتلفا من الآلات الملعونة ما قيمته مبلغ كبير، وأمسك نائب السلطنة خمارًا من التركمان فأتلفه بالعقوبة، أدخل الكلاليب في عراقيبه، وعلّقه منكوسًا، فلولا تتداركه بعض الحاشية بشفاعةٍ لمات سريعًا، وفعل بآخرين بعده كذلك وسمّرهم (١). وفي أوائله رسم على المعلّم سَنْجَر (٢) مملوك ابن هلال صاحب الأموال الجزيلة بمرسوم شريف قدم مع البريد وطلب منه ستمئة ألف درهم، واحتيط على العمارة التي أنشأها عند باب الناطفانيين (٣) ليجعلها مدرسة، ورُسم بأن يعمر مكانها مكتب للأيتام، وأن يُوقف عليهم كفايتهم جارية عليهم، وكذلك رُسم بأن يجعل في كل مدرسة من مدارس المملكة الكبار، وهذا مقصد جيد. وسُلِّم المعلم سَنْجَر إلى شادّ الدواوين يستخلص منه المبلغ المذكور سريعًا، فعاجل بحمل مئتي ألف، وسُيِّرت مع أمير عشرة إلى الديار المصرية (٤). الاحتياط على الكتبة والدواوين (٥) وفي يوم الأربعاء خامسَ عشرَ ربيع الآخر ورد من الديار المصرية أميرٌ معه مرسوم بالاحتياط على دواوين السلطان، بسبب ما أكلوا من الأموال المرتَّبة للناس من الصدقات السلطانية وغير ذلك فرسم عليهم بدار العدل البرانيّة وأُلزموا بأموال جزيلة كثيرة، بحيث احتاجوا إلى بيع أثاثهم وأقمشتهم وفرشهم وأمتعتهم وغيرها، حتى ذكر أن منهم من لم يكن له شيء يعطيه فأحضر بناته إلى الدكَّة ليبيعهن، فتباكى النَّاسُ وانتحبوا رحمةً ورقَّةً لأبيهنَّ، ثم أطلق بعضهم وهم الضعفاء منهم والفقراء الذين لا شيء معهم، وبقيت الغرامة على الكبراء منهم، كالصَّاحب (٦) والمستوفين، ثم شدّدت عليهم المطالبة وضربوا ضربًا مُبْرحًا، وألزموا الصَّاحب بمال كثير بحيث إنه احتاج إلى أن سأل من الأمراء والأكابر والتجار بنفسه وبأوراقه، فأسعفوه بمبلغ كثير يقارب ما ألزم به، بعد أن عُرِّي ليُضرب، ولكن ترك واشتهر أنه قد عين عوضَهُ من الديار المصرية، انتهى.

стр. 476

موت فيَّاض بن مُهَنَّا (١) ورد الخبر بذلك يوم السبت الثامنَ عشرَ منه، فاستبشر بذلك كثير من الناس، وأرسل إلى السلطان مبشّرون بذلك، لأنه كان قد خرج عن الطاعة وفارق الجماعة، فمات ميتةً جاهلية وذلك بأرض العراق أرض الشِّقاق ذكرى النِّفاق، وقد ذكرت أشياء صدرت عنه من ظلم الناس، والإفطار في شهر رمضان بلا عُذر وأمره أصحابه وذويه بذلك في هذا الشهر الشريف، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد جاوزَ السَّبعين انتهى والله أعلم. كائنة غريبة جدًّا: هي هدم المعلِّم سَنْجَر مملوك ابن هلال في يوم الجمعة الرابع والعشرين منه أُطلق المعلِّم الهلالي بعد أن استوفوا منه تكميل ستمئة ألف درهم، فبات في منزله عند باب الناطفانيين (٢) مسرورًا بالخلاص، ولما أصبح ذهب إلى الحمَّام وقد ورد البريد من جهة السلطان من الديار المصرية بالاحتياط على أمواله وحواصله، فأقبلت الحَجَبَةُ ونُقَباء النقبة والأعوان من كل مكان، فقصدوا داره فاحتاطوا بها وعليها بما فيها، ورُسم عليه وعلى ولديه، وأُخرجت نساؤه من المنزل في حالة صعبة، وفتَّشوا النساء وانتزعوا عنهن الحُلِيَّ والجواهر والنفائس، واجتمعت العامة والغوغاء، وحضر بعض القضاة ومعه الشهود لضبط الأموال والحُجّج والرهون، وأحضروا المعلم ليستعلموا منه جلية ذلك، فوجدوا من حاصل الفضة أول يوم ثلثمئة ألف ثلثمئة ألف وسبعين ألفًا، ثم صناديق أخرى لم تفتح، وحواصل لم يصلوا إليها لضيق الوقت ثم أصبحوا يوم الأحد في مثل ذلك، وقد بات الحرس على الأبواب والأسطحة لئلا يُعْدَى عليها في الليل، وبات هو وأولاده بالقلعة المنصورة محتفظًا عليهم، وقد رقَّ له كثير من الناس لما أصابه من المصيبة العظيمة بعد التي قبلها سريعًا (٣). وفي أواخر هذا الشهر توفي الأمير ناصر الدين محمد (٤) بن الدوادار التَّنْكِزي، كان ذا مكانة عند أستاذه، ومنزلة عالية، ونال من السعادة في وظيفته أقصاها، ثم قَلَب الله قلب أستاذه عليه فضربه وصادره وعزله وسجنه، ونزل قدره عند الناس، وآل به الحال إلى أن كان يقف على أتباعه بفرسه ويشتري منهم ويحاككهم، ويحمل حاجته معه في سرجه، وصار مُثْلَةً بين الناس، بعد أن كان في غاية ما يكون فيه الدويدارية من العز

стр. 477

والجاه والمال والرفعة في الدنيا، وحقٌّ على الله تعالى أن لا يرفع شيئًا من أمر الدنيا إلا وضعه. شهر جمادى الأولى، أوّله الجمعة، وفي يوم الأحد ثالثه درّس القاضي عماد الدين بن العز الحنفي بالمدرسة الرّكنية عودًا على بدء، ولكن بحكم أنّ له نصف التدريس، ونصف النّظر، بمرسوم شريف، وللقاضي الكفري النصف الآخر في التدريس والنظر. وفي يوم السبت سادس عشره وصل الوزير فخر الدين بن قَرَوينة من الديار المصرية بتولّيه الوزارة بدمشق، ونظر الدواوين، فدخل دار السعادة حتى سلَّم على النائب، ثم جاء إلى الجامع الأموي، فصلّى به العصر تجاه محراب الحنفية، وفي خدمته الأكابر الذين تلقَّوْه. ثم خرج من باب البرادة قاصدًا إلى داره، وهي دار العلم ابن القطب الذي كان ناظر الجيش داخل باب الصغير، ولبس الخلعة يوم الإثنين، وجلس بدار السعادة إلى جانب القضاة، مكان جدّه أمين الملك، ولكن خلع عليه أجمل من خلعة نظار الدواوين، بزناري أطلس، ويصرّح بأنه وزير، ولم يجلس فوق القضاة ولم يلبس لُونَه زركش، ولا قبع ذهب (١). وفي صبيحة يوم الأحد سابع عشره أُفرج عن العلم الهلالي وعن ولديه، وكانوا معتقلين بالقلعة المنصورة، وسلّمت إليهم دورهم وحواصلهم، ولكن أخذ ما كان حاصلًا في داره، وهو ثلاثمئة ألف وعشرون ألفًا، وختم على حُجَجه ليُعقد لذلك مجلسٌ، ليرجع رأس ماله منها عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ونُودي عليه في البلد إنما فعل به ذلك لكونه لا يؤدّي الزكاة ويعامل بالربا، وحاجب السُّلطان ومتولي البلد، وبقية المتعمِّمين والمشاعلية تُنادي عليه في أسواق البلد وأرجائها. وفي يوم الجمعة الثاني والعشرين منه ورد المرسوم السلطاني الشريف بإطلاق الدواوين إلى ديارهم وأهاليهم، ففرح النّاسُ بسبب ذلك، لخلاصهم ذلك، لخلاصهم مما كانوا فيه من العقوبة والمصادرة البليغة، ولكن لم يستمرّ بهم في مباشراتهم. وفي صبيحة يوم الخميس الثامن والعشرين تكلَّم الشيخ شهاب الدين المقدسي الواعظ، قدم من الديار المصرية تجاه محراب الصحابة. واجتمع الناس إليه وحضر من قضاة القضاة الشّافعيّ والمالكيّ، فتكلَّم على تفسير آيات من القرآن، وأشار إلى أشياء من إشارات الصوفية بعبارات طلقةٍ مُعْربةٍ حلوة صادعة للقلوب فأفاد وأجاد، وودَّع الناس بعَوده إلى بلده، ولما دعا استنهض الناس للقيام، فقاموا في حال الدعاء، وقد اجتمعت به بعد المجلس فرأيته حسن الهيئة والكلام والتأدُّب.

стр. 478

شهر جمادى الآخرة، أوَّله السبت، في مستهلّه ركب الأمير سيف الدين بَيْدَمُر نائب حلب لقصد غزو بلاد سيس في جيش، لقَّاه الله النصر والتأييد (١). وفي مستهل هذا الشهر أصبح أهل القلعة وقد نزل جماعة من أمراء الأعراب من أعالي محبسهم (٢) في عمائم وحبال إلى الخندق وخاضوه وخرجوا من عند جسر الزلابية (٣) فانطلق اثنان وأُمسك الثالث الذي وهو المسمَّى بالعجل بن سيف بن فضل، فرُدَّ إلى السجن مع عمه الذي تبقى في السجن، وكأنه كان يمسك لهم الحبال حتى تدلوا فيها، فاشتد نكير نائب السلطنة على نائب القلعة، وضربَ ابنيهِ النقيب وأخاه وسجنهما، وكاتب في هذه الكائنة إلى السلطان، فورد المرسوم بعزل نائب القلعة وإخراجه منها، وطلبه لمحاسبته على ما قبض من الأموال السلطانية في مدة ست سني مباشرته، وعزل ابنه عن النقابة وابنه الآخر عن استدارية السلطان، فنزلوا من عزِّهم إلى عزلهم. في صبيحة يوم الأحد ثانيه درّس القاضي تقي الدين عمر بن قاضي القضاة نجم الدين بن قاضي القضاة عماد الدين الطرسوسي بالمدرسة الرّيحانية شريكًا مع أخيه جمال الدين عبد الله بمرسوم شريف، واستقل القاضي أمين الدين ابن عبد الحق بتدريس الخانونية الجوانية التي أخذها من تقي الدين المذكور (٤). وفي يوم الإثنين سابع عشره جاء الأمير زين الدين جبريل من عند الأمير سيف الدين بَيْدَمر نائب حلب، وقد فتح بلدين من بلاد سيس، وهما طرَسوس وأَذنة، وأرسل مفاتيحهما صحبة جبريل المذكور إلى السلطان أيده الله، ثم افتتح حصونًا أُخر كثيرة في أسرع مدة، وأيسر كلفة، وخطب هناك القاضي ناصر الدين كاتب السر خطبة بليغة حسنة، وبلغني في كتاب أن أبواب كنيسة أذنة حملت إلى الديار المصرية في المراكب (٥). قلت: وهذه هي أبواب الناصرية التي بالسفح، أخذها سيس عام قازان، وذلك في سنة تسع وتسعين وستمئة، فاستُنقذت، والله الحمد في هذه السنة. وفي أواخر هذا الشهر بلغنا أن الشيخ قطب الدين هرماس الذي كان شيخ السلطان طرد عن جناب مخدومه، وضرب وصودر، وخربت داره إلى الأساس، ونفي إلى مصياف، فاجتاز بدمشق ونزل

стр. 479

بالمدرسة الجلالية (١) ظاهر باب الفرج، وزرتُه فيمن سلَّم عليه، واجتمعتُ به، فإذا هو شيخ حسن عنده ما يقال ويتلفظ معربًا جيدًا، ولديه فضيلة، وعنده تواضع وتصوف فالله يحسن عاقبته. ثم تحول إلى العَذْراوية. شهر رجب الفرد، أوّله الإثنين، وقيل: الأحد. في ليلة ثانيه وقع حريق عظيم بخان الظاهر الذي هو في سوق الخيل، وكان قد حوّل إليه سوق الغنم قبل ذلك تعليل، فاحترق وما حوله من الرّباع إلى زقاق الحِمِّص، وهو درب يسكنه الأراذل والحشاشة والحرافيش (٢). وفي صبيحة يوم السبت سابع شهر رجب توجه الشيخ شرف الدين أحمد (٣) بن الحسن بن قاضي الجبل الحنبلي إلى الديار المصرية مطلوبًا على البريد إلى السلطان لتدريس الطائفة الحنبلية بالمدرسة التي أنشأها السلطان بالقاهرة المُعزِّيّة، وخرج لتوديعه القضاة والأعيان إلى أثناء الطريق كتب الله سلامته، انتهى والله تعالى أعلم. مسك نائب السلطنة أَسَنْدَمُر اليحياوي (٤) وفي صبيحة يوم الأربعاء الخامس والعشرين من رجب قبض على نائب السلطنة الأمير سيف الدين أسَنْدَمر، أخي يَلْبُغا اليحياوي، عن كتاب ورد من السلطان صحبةَ الدَّوادار الصغير، وكان يومئذ راكبًا بناحية ميدان ابن أتابك، فلما رجع إلى عند مقابر اليهود والنصارى احتاط عليه الحاجب الكبير ومن معه من الجيش وألزموه بالذهاب إلى ناحية طرابُلُس، فذهب من على طريق الشيخ رسلان، ولم يمكَّن من المسير، إلى دار السعادة، ورُسم عليه من الجند من أَوصله إلى طرابُلُس مقيمًا بها بطالًا، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء، يفعل ما يشاء، وبقي البلد بلا نائب يحكم فيه الحاجب الكبير عن مرسوم السلطان، وعُيِّن للنيابة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر النائب بحلب. شهر شعبان المكرَّم، أوّله الثلاثاء، وفيه وصل تقليد الأمير سيف الدين بَيْدَمر بنيابة دمشق (٥). ورُسم له أن يركب في طائفة من جيش حلب ويقصد الأمير حِيَار (٦) بن مُهَنا، ليحضره إلى خدمة السلطان،

стр. 480

وكذلك رُسم لنائب حماة وحمص أن يكونا عونًا للأمير سيف الدين بَيْدَمُر في ذلك، فلما كان يوم الجمعة رابعه التقوا مع حِيَار عند سلمية، فكانت بينهم مناوشات، فأخبرني الأمير تاج الدين الدوادار - وكان مشاهد الوقعة - أن الأعراب أحاطوا بهم من كل جانب، وذلك لكثرة العرب وكانوا نحو الثمانمئة، وكانت الترك من حماة وحمص وحلب مئة وخمسين، فرموا الأعراب بالنشاب فقتلوا منهم طائفة كثيرة، ولم يقتل من الترك سوى رجل واحد، رماه بعض الترك ظانًا أنه من العرب بناشج فقتله، ثم حجز بينهم الليل، وخرجت الترك من الدائرة ونهبت أموال من الترك ومن العرب، وجرت فتنةٌ وجردت أمراء عدة من دمشق لتدارك الحال، وأقام نائب السلطنة هناك ينتظر ورودهم، وقدم الأمير عمر الملقب بمصمع بن موسى بن مُهنَّا من الديار المصرية أميرًا على الأعراب وفي صحبته الأمير بدر الدين [رملة] (١) بن جماز أميران على الأعراب، فنزل مَصْمَع بالقصر الأبلق، ونزل الأمير رملة بالنُّوريَة على عادته، ثمّ توجها إلى ناحية حِيَار بمن معهما من عرب الطاعة ممن أضيف إليهم من تجريدة دمشق ومن يكون معهم من جيش حماة وحمص لتحصيل الأمير حيار، وإحضاره إلى الخدمة الشريفة، فالله تعالى يحسن العاقبة. دخول نائب السلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر إلى دمشقَ وذلك صبيحة يوم السبت التاسع عشر من شعبان، أقبل بجيشه من ناحية حلب وقد بات بوطأة بَرْزة ليلة السبت، وتلقّاه الناس إلى حماة ودونها، فلما كان هذا اليوم دخل في أُبَّهة عظيمة، وتجمُّل حافل، فقبّل العتبة على العادة، ومشى إلى دار السعادة ثم أقبلت جنائبه ونجائبه في لبوس هائلة باهرة، وعدد كثيرة، وفرح المسلمون به لشهامته وصرامته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، والله تعالى يؤيده ويسدده. شهر رمضان المعظم، أوّله الخميس، شُرع في قراءة البخاري عليَّ في مسجد ابن هشام، وفي الجامع الأموي، وكذلك في جامع تنكز وبمسجد دار السعادة، وفي قراءة مسلم بالجامع أيضًا، وبجامع يَلْبُغا. والله المسؤول المأمول أن ينفع بذلك، ويقوّيني عليه بحوله وقوّته (٢). وفي يوم الجمعة ثاني شهر رمضانَ خطبتِ الحنابلةُ بجامع القُبيبات، وعزل عنه القاضي شهاب الدين قاضي العسكر الحنفي، بمرسوم نائب السلطانَ، لأنّه كان يعرف أنه كان مختصًا بالحنابلة منذ عين إلى هذا الحين. وفي يوم الجمعة السادس عشر منه قُتل عثمان (٣) بن محمد المعروف بابن دبادب الدقّاق بالحديد على

стр. 481

ما شهد عليه به جماعةٌ لا يمكن تواطؤُهم على الكذب، أنه كان يكثر من شتم الرسول ﷺ ، فرُفع إلى الحاكم المالكي وادُّعي عليه، فأظهر التجابن ثم استقرَّ أمره على أن قتل قبَّحه الله وأبعده ولا رحمه. وفي يوم الإثنين السادس والعشرين منه قتل محمد (١) المدعو زبالة الذي كان مهتارًا (٢) لابن معبد على ما صدر منه من سب النبي ﷺ ودعواه أشياء كفرية، وذُكر عنه أنّه كان يكثر الصَّلاة والصِّيام، ومع هذا يصدر منه أحوال بشعة في حق أبي بكر وعمر وعائشة أم المؤمنين، وفي حق النبي ﷺ ، فضُربت عنقه أيضًا في هذا اليوم في سوق الخيل والله الحمد والمنّة. شهر شوال المبارك، أوّله السبت وفي ثالثَ عشره الخميس خرج المحمل السلطاني، وأميره الأمير ناصر الدين بن قرَاسُنْقُر، وقاضي الحجيج الشيخ شمس الدين محمد بن سند المحدِّث، أحد المفتين. وفي أوائل هذا الشهر أُخذ رجل يقال له: حسن، كان خياطًا بمحلَّة الشَّاغور، ومن شأنه أن ينتصر لفرعون لعنه الله، ويزعمُ أنَّه مات على الإسلام، ويحتجُّ بأنه في سورة يونس حين أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] ولا يفهم معنى قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] ولا معنى قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥] ولا معنى قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦] إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الكثيرة الدالة على أنْ فرعون أكفرُ الكافرين، كما هو مجمع عليه بين اليهود والنصارى والمسلمين. وخرج نائب السلطنة الأمير بَيْدَمِر إلى الصيد بجميع الجيش من الأمراء وجند الحلقة بالعده التامّة، وكان خروجه بعدما لعب بالكرة يوم السبت، ثم ركب نصف الليل ليلة الأحد الثالث والعشرين من شوال نحو الغَسّولة، وضرب هنالك حلقًا عدّه، وحصل على صُيودٍ متعدّدة، وهذا شيء لم يعهد من أحد النواب، أنه يخرج جمع الجيش بالعدة الكاملة للصّيد، ولكن إنّما فعل هذا ليكون الجيش على أهبة متى طلب منهم النفير نفروا، وهذا مقصد جيد. شهر ذي القعدة أوله الأحد، قدم نائب السلطنة، وصحبته الجيش من الصّيد، في صبيحة يوم الجمعة سادسِهِ، وصلَّى بالجامع الأموي يومئذٍ، وعليه خلعة سنية (٣). وقدم البريد بطلب نائب السلطنة (٤) إلى الديار المصرية في تكريم وتعظيم، على عادة تَنْكِز، فتوجّه

стр. 482

النائبُ إلى الديار المصرية، وقد استصحب معه تحفًا سنيّة وهدايا معظَّمة تصلُح للأبواب الشريفة، في صبيحة السبت رابع عشره، خرج ومعه القضاة والأعيان من الحجبة والأمراء والمباشرون لتوديعه إلى أثناء الطريق. شهر ذي الحجة، أوّله الثلاثاء، وفي أوائله ورد كتاب من نائب السلطنة بخطه إلى قاضي القضاة تاج الدين (١) الشافعي يستدعيه إلى زيارة القدس الشريف، وزيارة قبر الخليل، ويذكر فيه ما عامله به السلطان من الإحسان والإكرام والاحترام والإطلاق والإنعام من الخيل والتحف والمال والغلات، فتوجه نحوه قاضي القضاة القضاة يوم الجمعة بعد الصلاة رابعه على ستة من خيل البريد، ومعه تحف وما يناسب من الهدايا، وعاد عشية يوم يوم الجمعة ثامن عشره إلى بستانه (٢). ووقع في هذا الشهر والذي قبله سيول كثيرة جدًّا في أماكن متعددة، من ذلك ما شاهدنا آثاره في مدينة بعلبك، أتلف شيئًا كثيرًا من الأشجار، واجترف أماكن كثيرة متعددة عندهم، وبقيت آثار سيحه على أماكن كثيرة، ومن ذلك سيل وقع بأرض حبراص أتلف شيئًا كثيرًا جدًّا، وغرق فيه قاضي تلك الناحية، ومعه بعض الأجناد، كانوا وقوفًا على أكمة، فدهمهم أمر عظيم، ولم يستطيعوا دفعه ولا منعه، ولا منعه، فهلكوا. ومن ذلك سيل وقع بناحية جبة (٣) عسال فهلك به شيء كثير من الأشجار والأغنام والأعناب وغيرها. ومن ذلك سيل بأرض حلب هلك به خلق كثير من التركمان وغيرهم. رجالًا ونساء وأطفالًا وغنمًا وإبلًا. قرأته من كتاب من شاهد ذلك عيانًا، وذكر أنه سقط عليهم برد وزنت الواحدة منه فبلغت زنتها سبعمئة درهم، وفيه ما هو أكبر من ذلك وأصغر، انتهى (٤). الأمر بإلزام القَلَنْدَرِيّة بترك حلق لحاهم وحواجبهم وشواربهم [وذلك محرم بالإجماع حسب ما حكاه ابن حَزْم (٥) وإنما ذكره بعض الفقهاء بالكراهية] (٦) ورد كتابٌ من السُّلطان - أيده الله - إلى دمشق في يوم الثلاثاء خامس عشره، بإلزامهم بزي سائر

стр. 483

المسلمين وترك زي الأعاجم والمجوس، فلا يمكن أحد منهم من الدخول إلى بلاد السلطان حتى يترك هذا الزي المبتدع، واللباس المُستبشع المستشنع، ومن لا يلتزم بذلك يعزَّر شرعًا، ويقلع من قراره قلعًا، وكان اللائق أن يؤمروا بترك أكل الحشيشة الخسيسة، وإقامة الحد عليهم بأكلها أو السُّكر بها (١)، كما أفتى بذلك بعض الفقهاء. والمقصود أنهم نودي عليهم بذلك في جميع أرجاء البلد ونواحيه في صبيحة يوم الأربعاء ولله الحمد والمنة (٢). وبلغنا في هذا الشهر وفاة: الشيخ الصالح الشيخ أحمد (٣) بن موسى الزُّرَعى بمدينة حِبْرَاص (٤) يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة، وكان من المبتلين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام في مصالح الناس عند السلطان والدولة، وله وجاهة عند الخاص والعام، ﵀. والأمير سيف الدين كجكن بن لاقُوش (٥)، الذي كان حاجبًا بدمشق وأميرًا، ثم عزل عن ذلك كله، ونفاه السلطان إلى طرابلس فمات هناك. ﵀. وقدم نائب السَّلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر عائدًا من الديار المصرية، وقد لقي من السلطان إكرامًا وإحسانًا زائدًا فاجتاز في طريقه بالقدس الشريف فأقام به يوم عرفة والنحر، ثم سلك على طريق غابة أَرْسُوف (٦) يصطاد بها فأصابه وَعْكٌ منعه عن ذلك، فأسرع السير فدخل دمشق في صبيحة يوم الإثنين الحادي والعشرين منه في أُبَّهة هائلة، ورياسة طائلة، وتزايد، وخرج العامة للتفرج عليه والنظر إليه في مجيئه هذا، فدخل وعليه قباء معظَّم ومطرز من عند أصبعه إلى كتفه، وبين يديه ما جرت به العادة من الحجبة والشاليشية وغيرهم، ومن نيته الإحسان إلى الرعية والنّظر في أحوال الأوقاف وإصلاحها على طريقة تَنْكِز ﵀ انتهى والله أعلم.

стр. 484

وبلغنا في هذا الشهر وفاة القاضي ضياء الدين ابن خطيب بيت الآبّار (١) وكان صدرًا كبيرًا، حصلت له رئاسة ووجاهة بالديار المصرية، بسبب انتقاله إليها صحبة قاضي القضاة جلال الدين القَزويني الشافعي رحمهما اللهُ (٢). ثم دخلت سنة اثنتين وستين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة المباركة وسلطان الإسلام بالديار المصرية والشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك ويلتحق به الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي، ولا نائب له بالديار المصرية، وقضاته بها هم المذكورون في العام الماضي، ووزيره بها ابن خصيب (٣). ونائب الشام بدمشقَ الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الخُوَارزمي، والقضاة والخطيب وبقية الأشراف وناظر الجيش والمحتسب هم المذكورون في العام الماضي، والوزير ابن قرَوينة (٤)، وكاتب السر القاضي أمين الدين بن القلانسي، ووكيل بيت المال القاضي صلاح الدين الصَّفدي وهو أحد موقِّعي الدست الأربعة، وشاد الأوقاف الأمير ناصر الدين بن فضل الله، وحاجب الحجاب اليوسفي، وقد توجه إلى الديار المصرية ليكون بها أمير جندار، ومتولي البلد ناصر الدين، ونقيب النقباء ابن الشجاعي. شهر المحرم، أوّله الجمعة، وفي صبيحة يوم الإثنين سادسه قدم الأمير علي (٥) نائب حماة منها، فدخل دمشق مجتازًا إلى الديار المصرية فنزل في القصر الأبلق ثم تحول إلى دار دويدار يَلْبُغا الذي جدد فيها مساكن كثيرة بالقصاعين. وتردد الناس إليه للسلام عليه، فأقام بها إلى صبيحة يوم الخميس تاسعه، فسار إلى الديار المصرية. وفي يوم الأحد تاسعَ عشرَ المحرم أحضر حسن بن الخيَّاط من محلَّة الشاغور إلى مجلس الحكم المالكي من السجن، وناظر في إيمان فرعون، وادُّعِيَ عليه بدعاوى لانتصاره لفرعون لعنه الله، وصدَّق ذلك باعترافه أولًا ثم بمناظرته في ذلك ثانيًا وثالثًا، وهو شيخ كبير جاهل عامي دائص (٦) لا يُقيم دليلًا ولا يُحسنه، وإنما

стр. 485

قام في مخيلته شبهة يحتج عليها بقوله [تعالى] (١) إخبارًا عن فرعون حين أدركه الغرق، وأُحيط به ورأى بأس الله، وعاين عذابه الأليم، فقال حينئذ (٢): ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] قال الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩١ - ٩٢] فاعتقد هذا العامي أن هذا الإيمان الذي صدر من فرعون والحالة هذه ينفعه، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] [وقد دعا موسى على فرعون فقال: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩] الآية (٣). ثم حضر في يوم آخر وهو مصمِّم على ضلاله فضُرب بالسّياط، فأظهر التوبةَ، ثم أعيد إلى السجن في زِنْجير، ثم أحضر يومًا ثالثًا وهو يستهل بالتوبة فيما يظهر، فنودي عليه في البلد ثم أُطلق (٤). وفي ليلة الثُّلاثاء الرابع عشرَ طلع القمر خاسفًا كلُّه، ولكن كان تحت السحاب، فلما ظهر وقت العشاء وقد أخذ في الجلاء صلَّى الخطيبُ صلاة الكُسوف قبل العشاء، وقرأ في الأولى بسورة العنكبوت وفي الأخرى بسورة يس، ثم صعد المنبر فخطب، ثم نزل بعد العشاء. وقدمت كتب الحجّاج يخبرون بالرُّخص والأمن، واستمرت زيادة الماء من أول ذي الحجة وقبلها إلى هذه الأيام من آخر هذا الشهر والأمر على حاله، وهذا شيء لم يعهد كما أخبر به عامة الشيوخ، وسببه أنه جاء ماء من بعض الجبال انهال في طريق النهر. ودخل المحمل السلطاني يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من المحرم قبل الظهر، ومسك أمير الحاج جَركْتَمُر (٥) المارداني الذي كان مقيمًا بمكَّة شرفها الله تعالى، وحماها من الأوغاد، فلما عادت التجريدة مع الحجاج إلى دمشق صحبة ابن قَرَاسُنقُر (٦) من ساعة وصوله إلى دمشق، فقُيّد وسُيّر إلى الديار المصرية على البريد، وبلغنا أنَّ الأمير سند أميرَ مكّة غرّر بجند السلطان الذين ساروا صحبة ابن قَرَاسُنقُر وكبسهم

стр. 486

وقتل من حواشيهم وأخذ خيولهم، وأنهم ساروا جرائد بغير شيء مسلوبين إلى الديار المصرية، فإنا لله وإنا إليه راجعون. شهر صفر المبارك، أوّله الجمعة، وفي أوّله اشتُهر فيه وتواتر خبر الفناء الذي بالديار المصرية بسبب كثرة المستنقعات من فيض النيل عندهم، على خلاف المعتاد، فبلغنا أنه يموت من أهلها كل يوم فوق الألفين، فأما المرض فكثير جدًّا، وغلت الأسعار لقلة من يتعاطى الأشغال، وغلا السكر والمياه (١) والفاكهة جدًّا، وبرز السلطان إلى ظاهر البلد، وحصل له تشويش أيضًا، ثم عوفي بحمد الله (٢). شهر ربيع الأول، أوّله السبت، في يوم الإثنين الرابع والعشرين منه توجّه الوزير (٣) بدمشق إلى الديار المصرية مكرّمًا معظّما، موعودًا بوزارة مصر، وخرج القضاة والكبراء والولاة لتوديعه. شهر ربيع الآخر، أوّله الإثنين، في الثالث منه (٤). قدم من الديار المصرية ابن الجحَّاف رسول صاحب العراق لخطبة بنت السلطان، فأجابهم إلى ذلك بشرط أن يُصدِقَها مملكة بغداد، وأعطاهم سنجقًا (٥) سلطانيًا، وأطلق لهم من التحف والخلع والأموال شيئًا كثيرًا، ورسم للرسول بمشترى قرية من بيت المال لتوقف على الخانقاه التي يريد أن يتخذها بدمشقَ قريبًا من الطَّواويس، وقد خرج لتلقِّيه نائب الغيبة وهو حاجب الحجاب، والدولة والأعيان. وقرأتُ في يوم الأحد سابعه كتابًا، ورد من حلب بخط الفقيه العدل شمس الدين العراقي من أهلها، ذكر فيه أنه كان في حضرة نائب السلطنة في دار العدل يوم الإثنين السابعَ عشرَ من ربيع الأول، وأنه أحضر رجل قد ولد له ولد عاش ساعة ومات، وأحضره معه وشاهده الحاضرون وشاهده كاتب الكتاب، فإذا هو شكلٌ سَوِيٌّ له على كل كتف رأس بوجه مستدير، والوجهان إلى ناحية واحدة فسُبحان الخلاق العليم (٦). وبلغنا أنه في هذا الشهر سقطت المنارة التي بنيت للمدرسة (٧) السلطانية بمصر، وكانت مُتَّخذَة (٨) على صفة غريبة، وذلك أنها منارتان على أصل واحد فوق قبو الباب الذي للمدرسة المذكورة، فلما سقطت أهلكت خلقًا كثيرًا من الصُّنَّاع بالمدرسة والمارة والصبيان الذين في مكتب المدرسة، ولم ينجُ من

стр. 487

الصبيان فيما ذكر شيء سوى ستَّة (١)، وكان جملة من هلك بسببها نحو ثلاثمئة نفس، وقيل: أكثر، وقيل: أقل، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٤). وخرج نائب السلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر إلى الغيضة لإصلاحها وإزالة ما فيها من الأشجار المؤذية والدّغل يوم الإثنين التاسع والعشرين من الشهر، وكان سلخه، وخرج معه جميع الجيش من الأمراء وأصحابه، وأجناد الحلقة برمتهم لم يتأخر منهم أحد، وكلهم يعملون فيها بأنفسهم وغلمانهم، وأحضر إليهم خلق من فلاحي المرج والغوطة وغير ذلك، ورجع يوم السبت خامس الشهر الداخل وقد نظفوها من الغل والدغل والغش. شهر جمادى الأولى، أوّله الثلاثاء، وفي صبيحة يوم الأربعاء ثانيه درّس القاضي تقي الدين عبد الله ابن القاضي جمال الدين يوسف ابن قاضي القضاة شرف الدين أحمد بن الحسين الحنفي الكفري بالمدرسة الطَّرخانية بناحية جيرون، نزل له أبوه عنها، كما نزل جدُّه لأبيه عنها، وكما نزل جدُّه لجدّه عنها فهو رابع أربعة نَسَقًا يدرسون فيها من سنة خمس وسبعين وستمئة. كما أخبر بذلك قاضي القضاة المذكور، وحضر عنده القضاة والأعيان والفضلاء من سائر المذاهب، وأخذ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]. وتكلم عليها من عدّة فنون، وأورد ما أورده بعبارة فصيحة (٢). واتفقت كائنة غريبة لبعض السؤال، وهو أنه اجتمع جماعة منهم قبل الفجر ليأخذوا خبزًا من صدقة تربة امرأة ملك الأمراء تَنْكز عند باب الخواصين، فتضار بوا فيما بينهم فعمدوا إلى رجل منهم فخنقوه خنقًا شديدًا، وأخذوا منه جرابًا فيه نحو من أربعة آلاف درهم. وشيء من الذهب وذهبوا على حمية، وأفاق هو من الغشي فلم يجدهم، واشتكى أمره إلى متولّي البلد فلم يظفر بهم إلى الآن، وقد أخبرني الذي أخذوا منه أنهم أخذوا منه ثلاثة آلاف درهم معاملة، وألف درهم بندقية ودينارين وزنهما ثلاثة دنانير. كذا قال لي إن كان صادقًا. وفي صبيحة يوم السبت خامسه طلب قاضي القضاة شهاب الدين (٣) الحنفي للشيخ علي بن البناء، وقد كان يتكلم في الجامع الأموي على العوام، وهو جالس على الأرض شيئًا من الوعظيات وما أشبهها من صدره، فكأنه تعرَّض في غضون كلامه لأبي حنيفة ﵀، فأُحضر فاستتيب من ذلك، ومنعه قاضي القضاة شرف الدين الكفري من الكلام على الناس، وسجنه، وبلغني أنه حكم بإسلامه وأطلقه من

стр. 488

يومه، وهذا المذكور ابن البناء عنده زهادة وتعفف، وهو مصري يسمع الحديث ويقرؤه، ويتكلم بشيء من الوعظيات والرقائق، وضرب أمثال، وقد مال إليه كثير من العوام واستحلوه، وكلامه قريب إلى مفهومهم، وربما أضحك في كلامه، وحاضرتُه. وهو مطبوع قريب إلى الفهم، ولكنه أساءَ فيما ذكر عنه من شطحته في بعض أشياء إن حل عنه ذلك، والله الموفق، ثم إنه جلس للناس في يوم الثلاثاء ثامنه فتكلم على عادته، فتطلبه القاضي المذكور، فيقال إن المذكور تغيَّب. انتهى والله أعلم. سلطنة الملك المنصور صلاح الدين محمد (١): ابن الملك المظفر حاجي بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون بن عبد الله الصالحي وزوال دولة عمه الملك الناصر حسن ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون. لما كثر طمعه وتزايدَ شرهه، وساءت سيرته إلى رعيته، وضيّق عليهم في معايشهم وأكسابهم، وبنى البنايات الجبَّارة التي لا يحتاج إلى كثير منها، واستحوذ على كثير من أملاك بيت المال وأمواله، واشترى منه قرايا كثيرة ومدنًا ورساتيق (٢)، وشق ذلك على الناس جدًّا، ولم يتجاسر أحد من القضاة ولا الولاة، ولا العلماء ولا الصلحاء على الإنكار عليه، ولا الهجوم عليه، ولا النصيحة له بما هو مصلحة له وللمسلمين، انتقم الله منه فسلَّط عليه جنده وقلب قلوب رعيته من الخاصة والعامة عليه، لما قطع من أرزاقهم ومعاليمهم وجوامكهم وأخبازهم، وأضاف ذلك جميعه إلى خاصته، [فقلت الأمراء والأجناد والمقدمون (٣) والكتَّاب والموقِّعون، ومسَّ الناسَ الضررُ وتعدَّى على جوامكهم وأولادهم ومن يلوذ بهم] (٤)، فعند ذلك قدّر الله تعالى هلاكه على يد أحد خواصه وهو الأمير الكبير سيف الدين يَلْبُغَا الخَاصكي. وذلك أنه أراد السلطان مسكه فاعتدَّ لذلك، وركب السلطان لمسكه فركب هو في جيش، وتلاقيا في ظاهر القاهرة حيث كانوا نزولًا في الوطاقات، فهزم السلطان بعد كل حساب وقد قتل من الفريقين طائفة، ولجأ السلطان إلى قلعة الجبل، كلا لا وزر، ولن يُغنيَ حذر من قدر، فبات الجيش بكماله محدقًا بالقلعة، فهم بالهرب في الليل على هجن كان قد اعتدها ليهرب إلى الكَرَك، فلما برز مُسك واعتُقل ودخل به إلى دار يَلْبُغَا الخاصكي المذكور، وكان آخر العهد به، وذلك في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى من هذه السنة، وصارت الدولة والمشورة متناهية إلى الأمير سيف الدين يَلْبُغَا الخاصكي، فاتفقت الآراء واجتمعت الكلمة وانعقدت البيعة للملك المنصور صلاح الدين محمد بن المظفر حاجي، وخطب الخطباء وضُربت السكة، وسارت البريدية للبيعة باسمه الشريف، هذا وهو ابن ثنتي عشرة، وقيل أربع عَشْرَةَ، ومن الناس

стр. 489

قال: ستَّ عَشْرَةَ، ورُسم في عود الأمور إلى ما كانت عليه في أيام والدهم الناصر محمد بن قلاوون، وأن يبطل جميع ما كان أخذه الملك الناصر حسن، وأن تعاد المرتبات والجوامك التي كان قطعها، وأمر بإحضار طاز (١) وطَشْتَمُر (٢) القاسمي من سجن الإسكندرية (٣) إلى بين يديه ليكونا أتابكا (٤). وجاء الخبر إلى دمشق صحبة الأمير سيف الدين بُزْلار شاد التربخاناة أحد أمراء الطبلخانات بمصر صبيحة يوم الأربعاء سادسَ عشر الشهر، فضربت البشائر بالقلعة وطبلخانات الأمراء على أبوابهم، وزُيّن البلد بكماله، وأُخذت البيعة له صبيحة يومئذ بدار السعادة وخلع على نائب السلطنة تشريف هائل، وفرح أكثر الأمراء والجند والعامة بذلك، ولله الأمر، وله الحكم. قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآية. ووجد على حجر بالحميرية، فقرئت للمأمون فإذا مكتوب: [من المنسرح] ما اختلفَ الليلُ والنهارُ ولا … دارتْ نجومُ السماء في الفلكِ إلا لنقلِ النعيم من ملكٍ … قد زالَ سلطانهُ إلى ملكِ ومُلكُ ذي العرشِ دائمٌ أبدًا … ليسَ بفانٍ ولا بمشتركِ (٥) [ورُوي عن سليمان بن عبد الملك بن مروان أنّه خرج يومًا لصلاة الجمعة، وكان سَوِيَّ الخلق حسنَهُ، وقد لبس حُلة خضراء، وهو شاب ممتلئ شبابًا، وينظر في أعطافه ولباسه، فأعجبه ذلك من نفسه، فلمّا بلغ إلى صرحة الدار تلقته جِنِّية في صورة جارية من حظاياه فأنشدته: [من الخفيف] أنتَ نعمَ المتاع لو كنتَ تبقى … غير أن لا حياةَ للإنسانِ ليسَ فيما علمتُ فيك عي … ب يذكرُ غير أنكَ فانِ (٦)

стр. 490

فصعد المنبر الذي في جامع دمشقَ وخطب الناس، وكان جهوري الصوت يسمع أهل الجامع وهو قائم على المنبر، فضعف صوته قليلًا قليلًا حتى لم يسمعه أهل المقصورة، فلمَّا فرغ من الصلاة حمل إلى منزله فاستحضر تلك الجارية التي تبدَّت تلك الجِنِّية على صورتها، وقال: كيف أنشدتيني تينك البيتين؟ فقالت: ما أنشدتك شيئًا. فقال: الله أكبر نُعيت والله إليَّ نفسي. فأوْصى أن يكون الخليفة من بعده ابن عمه عمر بن عبد العزيز ﵀ (١). وقدم نائب طرابُلُس المعزول عليلًا والأمير سيف الدين أسَندَمُر (٢) الذي كان نائب دمشق وكانا مقيمان بطرابُلُس جميعًا، في صبيحة يوم السبت السادس والعشرين منه، فدخلا دار السعادة فلم يحتفل بهما نائب السلطنة] (٣). وفي يوم الجمعة ثامن عشره صلى نائب السلطنة بالمقصورة من الجامع الأموي، ومعه الشافعي والحنفي، وخلق من الأمراء بسماع الخطبة والدّعاء للسلطان الجديد، وعلى النائب خلعه (٤). وتكامل في هذا الشهر تجديد الرِّواق غربي باب الناطفانيين إصلاحًا لدرابزيناته وتبييضًا لجدرانه ومحرابه، وجُعل له شبابيك في الدّرابزينات، ووقف فيه قراءة قرآن بعد المغرب، وذكروا أن شخصًا رأى منامًا فقصَّه على نائب السلطنة فأمر بإصلاحه. وفيه نهض بناء المدرسة التي إلى جانب هذا المكان من الشمال، وقد كان أسسها أولًا علَم الدين بن هلال (٥)، فلما صودر أُخذت منه منه وجُعلت مضافة إلى السلطان، فبنوا فوق الأساسات وجعلوا لها خمسة شبابيك من شرقها، وبابًا قبليًا ومحرابًا، وبركة عراقية، وجعلوا حائطها بالحجارة البيض والسود، وكمَّلوا عاليها بالآجر، وجاءت في غاية الحسن، وقد كان السلطان الناصر حسن قد رسم بأن تُجعل مكتبًا للأيتام فلم يتم أمرها حتى قتل كما ذكرنا (٦). واشتهر في هذا الشهر أن بقرة كانت تجيء من ناحية باب الجابية تقصد جراء لكلبة قد ماتت أُمُّهم، وهي في ناحية كنيسة مَرْيم (٧) في خرابة، فتجيء إليهم فتضطجع على شقها فترضع أولئك الجراء منها، تكرر هذا منها مرارًا، وأخبرني المحدث المفيد المتقن نور الدين أحمد بن منصور بمشاهدته ذلك.

стр. 491

وفي العشر الأوسط من جمادى الآخرة نادى منادٍ من جهة نائب السلطنة حرسه الله تعالى في البلد أن النساء يمشين في تستُّر ويلبسن أُزْرَهُنّ إلى أسفل من سائر ثيابهن، ولا يظهرن زينة ولا يدًا، فامتثلن ذلك ولله الحمد والمنة. شهر جمادى الآخرة، أوّله الخميس، فيه قدم طوائف من مماليك السلطان المنفصل منفييّن في أحوال صعبةٍ على ما ذكر. وجاء نائبَ السلطنة منشورٌ شريف بإقطاعه مضافًا إليه ما كان للنواب قبله من إضافة بيت جِنّ وحرستا وعذرا الذي كان جاريًا في إقطاع تنكز ﵀ (١). وقدم أمير العرب حِيَار (٢) بن مُهنَّا في أُبَّهة هائلة، وتلقّاه نائب السلطنة إلى أثناء الطريق، وهو قاصد إلى الأبواب الشريفة. وفي أواخر رجب قدم الأمير سيف الدين تَمُر (٣) المهمندار من نيابة غزَّة حاجب الحجاب بدمشق، وعلى مقدمة رأس الميمنة. وأبطل نائب السلطنة مكوسات كثيرة، مثل مكس الجداية والغزل المردون الجلب، والطبابي (٤)، وأبطل ما كان يؤخذ من المحتسبين زيادة على نصف درهم، وما يؤخذ من أجرة عدة الموتى كل ميت بثلاثة ونصف، وجعل العدة التي في القيسارية للحاجة مسبَّلة لا تنحجر على أحد في تغسيل ميت، وهذا حسن جدًّا، وكذلك منع التحجّر في بيع البلح المختص به، وبيع مثل بقية الناس من غير طرخان (٥) فرخص على الناس في هذه السنة جدًّا، حتى قيل: إنه بيع القنطار بعشرة، وما حولها. شهر شعبان (٦) المكرم أوَّله الأحد، وقيل: السبت. قدم الأمير حِيَار بن مُهَنَّا من الديار المصرية، فنزل القصر الأبلق، وتلقّاه نائب السلطنة وأكرم كل منهما الآخر، ثم ترحل بعد أيام قلائل، وقدم الأمراء الذين كانوا بحبس الإسكندرية في صبيحة يوم الجمعة سابعه، وفيهم الأمير شهاب الدين بن صبح وسيف الدين طَيْدمُر الحاجب، وطُنَيْرق (٧) ومقدم ألف؛ وعمر شاه وأَسَنْدَمِر اليحياوي.

стр. 492

هذا ونائب السلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر أعزه الله يبطل المكوسات شيئًا بعد شيء ممّا فيه مضرة بالمسلمين، وبلغني عنه أن من عزمه أن يبطل جميع ذلك إن أمكنه الله من ذلك. تنبيه (١) على واقعة غريبة واتفاقٍ عجيب نائب السلطنة الأمير سيف الدين بَيْدَمُر فيما بلغنا في نفسه عتب على أتابك الديار المصرية الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي مُدَبِّر الدولة بها، وقد توسَّم وتوهَّم منه أنّه يسعى في عزله عن الشام، وفي نفس نائبنا قوة وصرامة شديدة، فتنسَّم منه ببعض الإباء عن طاعة يَلْبُغا، مع استمراره على طاعة السلطان، وأنه إن اتفق عَزْلٌ من قبل يَلْبُغَا أَنه لا يسمع ولا يطيع، فعمل أعمالًا واتفق في غضون هذا الحال موت نائب القلعة المنصورة بدمشق وهو الأمير سيف الدين بُرْناق (٢) الناصري فأرسل نائب السلطنة من أصحابه وحاشيته من يتسلّم القلعة برُمّتها، ودخل هو بنفسه إليها، وطلب الأمير زين الدين زبالة الذي كان فقيهًا ثم نائبها وهو من أخبر الناس بها وبخطاتها (٣) وحواصلها، فدار معه فيها وأراه حصونها وبروجها ومفاتحها ومغالقها ودورها وقصورها وعددها وبركها، وما هو معدٌّ فيها ولها، وتعجب الناس من هذا الاتفاق في هذا الحال، حيث لم يتفق ذلك لأحد من النواب قبله قط، وفتح الباب الذي هو تجاه دار السعادة وجعل نائب السلطنة يدخل منه إلى القلعة ويخرج بخدمه وحشمه وأبهته فيكشف أمرها وينظر في مصالحها أيده الله. ولما كان يوم السبت خامس عشره ركب في الموكب على العادة واستدعى الأمير سيف الدين أسندَمُر الذي كان نائب الشام، وهو في منزله كالمعتقل فيه، لا يركب ولا يراه أحد، فأحضره إليه وركب معه، وكذلك الأمراء الذين قدموا من الديار المصرية: طُنَيْرق (٤)، وهو أحد أمراء الألوف وطَيْدَمُر الحاجب، كان، وأما ابن صُبْح وعمر شاه فإنهما كانا قد سافرا يوم الجمعة عشية النهار، والمقصود أنه سيَّرهم وجميع الأمراء بسوق الخيل، ونزل بهم كلهم إلى دار السعادة فتعاهدوا وتعاقدوا واتفقوا على أن يكونوا كلّهم كتفًا واحدًا، وعصبة واحدة على مخالفة من أرادهم بسوء وأنهم يد على من سواهم ممّن أراد عزل أحد منهم أو قتله، وأن من قاتلهم قاتلوه، وأن السلطان هو ابن أستاذهم الملك المنصور بن حاجي بن الناصر بن المنصور قلاوون، فطاوعوا كلهم لنائب السلطنة على ما أراد من ذلك، وحلفوا له وخرجوا من عنده على هذا الحلف، وقام نائب السلطنة على عادته في عظمة هائلة، وأُبَّهة كثيرة، والمسؤول من الله حسن العاقبة.

стр. 493

وفي صبيحة يوم الأحد سادسَ عشرَ شعبان أبطل ملك الأمراء المكس الذي يؤخذ من الملح وأبطل مكس الأفراح، وأبطل أن لا تغنِّي امرأة لرجال، ولا رجل لنساء، وهذا في غاية ما يكون من المصلحة العظيمة الشامل نفعها. وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره شرع نائب السلطنة سيف الدين بَيْدَمُر في نصب مجانيق على أعالي بروج القلعة، فنصبت أربعة مجانيق من جهاتها الأربع، وبلغني أنه نصب آخر في أرضها عند البحرة أخبرني بذلك ابني عبد الرحمن، ثم نصب آخر وآخر حتى شاهد الناس ستة مجانيق على ظهور الأبرجة، وأخرج منها القلعية وأسكنها خلقًا من الأكراد والتركمان وغيرهم من الرجال الأنجاد، ونقل إليها من الغلات والأطعمة والأمتعة وآلات الحرب شيئًا كثيرًا، واستعد للحصار إن حوصر فيها بما يحتاج إليه من جميع ما يرصد من القلاع، بما يفوت الحصر. ولما شاهد أهل البساتين المجانيق قد نصبت في القلعة انزعجوا وانتقل أكثرهم من البساتين إلى البلد، ومنهم من أودع عند أهل البلد نفائس أموالهم وأمتعتهم، والعاقبة إلى خير إن شاء الله تعالى. وجاءتني فُتْيَا صورتها: ما تقول السادة العلماء في ملك اشترى غلامًا فأحسن إليه وأعطاه وقدَّمه، ثم إنَّه وثَبَ على سيده فقتله وأخذ ماله ومنع ورثته منه، وتصرف في المملكة، وأرسل إلى بعض نواب البلاد ليقدَمَ عليه ليقتله، فهل له الامتناع منه؟ وهل إذا قاتل دون نفسه وماله حتى يقتل يكون شهيدًا أم لا؟ وهل يُثاب الساعي في خلاص حق ورثة الملك المقتول من القصاص والمال؟ أفتونا مأجورين (١). فقلت للذي جاءني بها من جهة الأمير: إن كان مراده خلاصَ ذمته فيما بينه وبين الله تعالى فهو أعلم بنيته في الذي يقصده، ولا يسعى في تحصيل حق معين إذا ترتب على ذلك مفسدة راجحة على ذلك، فيؤخَّر الطلب إلى وقت إمكانه بطريقه، وإن كان مراده بهذا الاستفتاء أن يتقوى بها في جمع الدولة والأمراء عليه، فلا بد أن يكتب عليها كبار القضاة والمشايخ أولًا، ثم بعد ذلك تكتب بقية المفتين، والله الموفق للصواب. هذا وقد اجتمع على الأمير نائب السلطنة جميع أمراء الشام، حتى قيل: إن فيهم من نواب السلطنة سبعةَ عشرَ أميرًا، وكلهم يحضر معه المواكب الهائلة، وينزلون معه إلى دار السعادة، ويمدّ لهم الأسمطة ويأكل معهم، وجاء الخبر بأن الأمير مَنْجَك المقيم ببيت المقدس قد أظهر الموافقة لنائب السلطنة، فأرسل له الأمير جِبْريل ثم عاد فأخبر بالموافقة، وأنه قد استحوذ على غزة ونائبه، وقد جمع وحشد واستخدم طوائف، ومسك على الجادة، فلا يدع أحدًا يمر إلا أن يفتش ما معه، لاحتمال إيصال كتب من من هاهنا إلى هاهنا، مع هذا كله فالمعدلة تامة جدًّا، والأمن حاصل هناك، فلا يخاف أحد، وكذلك بدمشق ونواحيها، لا يُهاج أحد ولا يَتعدّى أحد على أحد، ولا ينهب أحد لأحد شيئًا ولله الحمد، [غير

стр. 494

أن بعض أهل البساتين توهموا وركبوا إلى المدينة وتحوّلوا، وأودع بعضهم نفائس ما عندهم، وأقاموا بها على وجل، ذلك لمَّا رأوا المجانيق الستة منصوبة على رؤوس قلال الأبراج التي للقلعة، ثم أحضر نائب السلطنة القضاة الأربعة والأمراء كلهم وكتبوا مكتوبًا سطَّره بينهم كاتب السر، أنهم راضون بالسُّلطان كارهون لِيَلبُغا، وأنهم لا يريدونه ولا يوافقون على تصرُّفه في المملكة، وشهد عليهم القضاة بذلك، وأرسلوا المكتوب مع مملوك للأمير طَيْبُغَا الطَّويل (١)، نظير يَلْبُغَا بالديار المصرية، وأرسل مَنْجك إلى نائب السلطنة يستحثه في الحضور إليه في الجيش ليناجزوا المصريين، فعين نائب الشام من الجيش طائفة يبرزون بين يديه] (٢)، وخرجت التجريدة ليلة السبت التاسع والعشرين من شعبان صحبة أَسَنْدَمُر الذي كان نائب الشام مددًا للأمير مَنْجَك في ألفين، ويذكر الناس أن نائب السلطنة بمن بقي من الجيش يذهبون على إثرهم، ثم خرجت أخرى بعدها ثلاثة آلاف، ليلة الثلاثاء الثامن من رمضان كما سيأتي. ثم أحضر نائب السلطنة القضاة الأربعة والأمراء كلهم، وكتبوا بينهم مكتوبًا سطره كاتب السرّ أنّهم راضون بالسلطان، كارهون ليَلْبُغا، وأنهم لا يريدونه ولا يوافقون على تصرّفه في المملكة، وشهد عليهم القضاة بذلك، وأرسل المكتوب مع مملوك للأمير طيبغا، وأرسل الأمير منجك إلى نائب السلطنة يستحثه في الحضور إليه بالجيش، ليناجزوا المصريين. فعين نائب السلطنة من الجيش طائفةٌ يبرزون بين يديه (٣). وتوفي الشيخ الحافظ علاء الدين مُغْلَطاي (٤) المصري بها في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شعبان من هذه السنة، ودفن من الغد بالرَّيْدانية (٥)، وقد كتب الكثير وصنَّف وجمع، وكانت عنده كتب كثيرة ﵀. شهر رمضان المعظّم، أوّله الإثنين، وفي مستهله أحضر جماعة من التجار إلى دار العدل ظاهر باب النصر ليباع شيء عليهم من القند والفولاذ والزجاج مما هو في حواصل يَلْبُغَا (٦)، فامتنعوا من ذلك خوفًا من استعادته منهم، فضرب بعضهم منهم شهاب الدين بن الصواف بين يدي الحاجب، وشاد الدواوين، ثم أُفرج عنهم في اليوم الثاني، ففرَّج الله بذلك.

стр. 495

وخرجت التجريدة ليلة الثلاثاء بعد العشاء صحبة ثلاثة مقدمين منهم عراق (١) ثم ابن صبح (٢) تم ابن طرغية، ودخل نائب طرابلس الأمير سيف الدين تُومان إلى دمشق صبيحة يوم الأربعاء، عاشر رمضان، فتلقاه ملك الأمراء سيف الدين بَيْدَمُر إلى القصير (٣) ودخلا معًا في أبهة عظيمة، فنزل تومان في القصر الأبلق، وبرز من معه من الجيوش إلى عند قبة يَلْبُغا، هذا والقلعة منصوب عليها المجانيق، وقد ملئت حرسًا شديدًا، ونائب السلطنة في غاية التحفّظ. ولما أصبح يوم الخميس صمم تُوْمان تَمُر على ملك الأمراء في الرحيل إلى غزة ليتوافي هو وبقية من تقدمه من الجيش الشامي، ومَنْجك ومن معه هنالك، ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فأجابه إلى ذلك وأمر بتقدم السبق بين يديه في هذا اليوم، فخرج السبق وأغلقت القلعة بابها المسلوك الذي عند دار الحديث الأشرفية، فاستوحش الناس من ذلك، والله يحسن العاقبة. خروج ملك الأمراء بَيْدَمُر من دمشقَ متوجهًا إلى غزة ليلحق بالعساكر هناك صلى الجمعة بالمقصورة الثاني عشر من رمضان نائب السلطنة، هو ونائب طرابلس، ثم اجتمعا بالخطبة في مقصورة الخطابة، ثم راح لدار السعادة، ثم خرج طلبه في تجمُّل هائل على ما ذكر بعد العصر، وخرج معهم فاستعرضهم، ثم عاد إلى دار السعادة فبات إلى أن صلى الصبح، ثم ركب خلف الجيش هو ونائب طرابلس، وخرج عامة من بقي من الجيش من الأمراء وبقية الحلقة، وسلمهم الله، وكذلك خرج القضاة، وكذا كاتب السر ووكيل بيت المال وغيرهم من كتاب الدست، وأصبح الناس يوم السبت وليس أحد من الجند بدمشق، سوى نائب الغيبة الأمير سيف الدين بن حمزة التركماني، وقريبه والي البر، ومتولي البلد الأمير بدر الدين صدقة بن أوحد، ومحتسب البلد ونواب القضاة، والقلعة على حالها، والمجانيق منصوبة كما هي. ولما كان صبح يوم الأحد رجع القضاة بكرة ثم رجع ملك الأمراء في أثناء النهار هو وتُومان تمر، وهم كلهم في لبس وأسلحة تامة، وكل منهما خائف من الآخر أن يمسكه، فدخل هذا دار السعادة، وراح الآخر إلى القصر الأبلق. ولما كان بعد العصر قدم مَنْجَك وأسمندر كانا نائبي السلطنة بدمشق، وهما مغلولان قد كسرهما من كان قدم على منجك من العساكر التي جهزها بَيْدَمُر إلى مَنْجَك قوة له على المصريين، وكان ذلك على يدي الأمير سيف الدين تَمُر حاجب الحجاب ويعرف بالمهمندار، قال لمَنْجَك: كلنا في خدمة من
следующие страницы →