← История

История · id 30098

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة

ابن كثير

Полный текст (651 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

[¬*] سنة ثمان وستين وسبعمئة من الهجرة (١) استهلّت وسلطانُ المسلمين الملك الأَشرفُ ناصر الدين محمد بن حسين ابن الملك الناصر محمد ابن الملك الناصر (٢) قلاوون الصالحي، ومدبّر الممالك بين يديه الأمير يَلبْغُا الخاصكي (٣). وقضاةُ الدّيار المصريّة همُ المذكورون في التي قبلَها، سوى الشَّافعي، فإنّه قاضي القضاة بهاءُ الدين أبي البقاء، والوزير بها تاج الدين بن قَرَوِنْيَة، وناظر الجيوش بها القاضي محب [الدين محمد بن يوسف] (٤). ونائبُ الشّام الأميرُ سيفُ الدِّين مَنكَلي بُغَا الشَّمسي، وقضاةُ الدّيار المصرية؛ قاضي القضاة تاجُ الدّين ابن السُّبكي الشافعي، وهو خطيبُ البلد. وقاضي الحنفيّة الشّيخ جمالُ الدّين بن السِّراج، وقاضي المالكية الشّيخ سَريّ الدين بن هانئ المغربي، وقاضي الحنابلة الشيخ شرفُ الدّين ابن قاضي الجبل المقدسي، وكاتب السرّ وشيخ الشيوخ القاضي فتحُ الدِّين بن الشَّهيد، وناظرُ الدّواوين سعدُ الدّين ماجد بن التَّاج إسحاق، وناظرُ الجيش بُرهانُ الدِّين بن الحِلِّي، ووكيلُ بيتِ المال القاضي وليُّ الدين ابن قاضي القضاة بهاءِ الدين أبي البقاء السُّبكي. شهرُ اللهِ المحرَّم، وأوّلُه الثلاثاء استهلّ والمراكبُ تُعملُ وتُركَّب في الدّيار المصريّة وبيروتَ أيضًا؛ لغزو قُبْرصَ. وفي أوائله رتّب قاضي القُضاة تاجُ الدّين في مدارسه معيدين (٥) يَشْغَلُون الطَّلبة في كُل يوم. سفرُ نائبِ السَّلطنة إلى الدّيار المصريّة لمّا كانَ ليلةُ الحادي والعشرين منه، قدمَ الأميرُ طَشْتَمُر دَويدار الأمير يَلْبُغَا على البريد فنزلَ بدارِ السَّعادة، ثمّ ركبَ هو ونائبُ السّلطنة بعد عشاء الآخرة على المشاعل والفوانيس، والحَجبةُ بين

стр. 562

أيديهما، والخلائقُ يدعون لهما، فاستمرًا كذلك ذاهبين إلى الدّيار المصرية، فلمّا وصل إلى الدّيار المصريّة أكرمَهُ يَلْبُغا، وأَنعمَ عليه. وسألَ أن يكونَ ببلادِ حلبَ، فأجابَهُ إلى ذلك، وعادَ فنزلَ بدار طَيْدَمِر (١) الإسماعيلي، وارتحلَ منها إلى حلبَ على ما سيأتي، وقد اجتمعتُ به هنالك، وعنده بعض التّشكّي من آثارِ ما نالَهُ من الطرّيق من المَرَضِ، ثم عُوفي وسافرَ. وباشرَ نيابةَ الغيبةِ الأميرُ زين الدين زَبَالة الذي كان نائبَ القلعة إلى أن قدمَ نائبُ السَّلطنةِ. ودخلَ المحمَلُ السُّلطاني يومَ الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر، على خلافِ العادَة بسبب غَيْبَةِ النّائب. شهرُ صفر المبارك أَوّلُه الأربعاء، في مستهِلّه سقطَ قاضي القضاة شرفُ الدِّين ابن قاضي الجَبَل الحنبلي من عُلْوِ داره، فيقال: إنَّه انكسرَتْ رجلُه [] (٢) عافاه الله. وفي ليلةِ الجمعة ثالثه، رُفعت نارٌ بجبلِ [الصّالحية تنبئ] (٣) عن نار رُفعت من ناحية البحر، فاهتمّ الناسُ لذلك، فلمّا أصبح يومُ الجمعة صبيحتَها نُودي في البلدان لا يتخلّف أحد من أجْناد الحَلَقة عن المسير إلى بيروت، فبادر الناس والجيش مُلبسين إلى سطح المزّة، وخرج الأميرُ عليُّ المارداني الذي كان نائبَ الشّام من داره داخل باب الجابية في جماعة مُلبسين في هيئة حسنة، وولده الأمير ناصر الدين محمد، وطلبُهُ بين يديه، وقد جاء نائبُ الغَيبة والحَجَبة إلى بين يدي أمير علي، وشاوروه في الأمر، فقال: ليس لي هاهنا أمر، ولكن إذا حضر الحرب والقتال فلي هناك رأي. وخرج خلقٌ كثيرٌ متبرِّعين، وخطب قاضي القضاة تاجُ الدّين الشافعي بالناس يومَ الجمعة على العادة، وحرّض النّاسَ في خُطبته على الجهاد، وقد ألبس جماعةً من غِلمانة اللأَّمة والخُوَذ، وهو على عزم المسير مع الناس إلى بيروت، فلمّا كان من آخر النهار رجعَ النّاس إلى منازلهم، وقد وردَ الخبرُ بأنَّ المراكب التي رُئيت في البحر إنّما هي مراكبُ تجارٍ؛ فطابت قلوبُ النّاس، ولكن ظهرَ منهم استعدادٌ عظيم. وفي ليلة الأحد خامسه: قُدم بالأمير جُرجي (٤) الذي كانَ إلى آخر وقت نائبَ حلب محتاطًا عليه، بعدَ عِشاء الآخرة إلى دار السَّعادة، فسُيِّر معزولًا عن حلب إلى طَرَابلُس بطَّالًا.

стр. 563

وبلغَنا وفاةُ الشّيخ جمالِ الدّين بن نُبَاته (١)، حاملُ لواءِ شعراءِ زمانه بالدّيار المصريّة بمارِسْتَان الملك المنصور قلاوون، وذلك يوم الثلاثاء سابعِ صفرٍ. وفي ليلة الأربعاء: نقبَ أهلُ حبس السَّد (٢) سجنهم، وهربَ أكثرُهم، فأرسلَ الولاةُ وراءهم صبيحةَ يومئذ، فمُسك كثيرٌ منهم، فضُربوا أشدَّ الضرب، وردّوهم إلى شرِّ المُنْقلب. وفي هذا الشهر والذي قبله منعَ نائبُ السلطنة من أن يُباع بالبلد العنبُ الأبيض البلدي؛ خشيةَ أن يتطرّق الخمّارون إلى عَصْره؛ فصارَ يُباع ظاهرَ البلد بأرخص الأسعار، ولا يُباع في البلد منه شيء. وفيه وليَ نيابةَ القلعة الأمير سيفُ الدين الشّريفي الذي كان حاجبًا، ثم ولي شدّ الدواوين. وفي يومِ الأربعاء خامس عشره، نُودي بالبلدان [ألّا] (٣) يُعاملَ الفرنجُ البنادقة والجنويّة والكَيْتَلان. واجتمعتُ في آخر هذا اليوم بالأمير زين الدين زَبالة نائب [الغيبة، النّازل بدار الذّهب فأخبرني:] (٤) أنّ البريديّ أخبرَه: أن صاحبَ قُبْرِص رأى في النُجوم أنَّ قُبْرصَ مأخوذةُ فجهّز [مركبين من الأسرى] (٥) الذين عنده من المسلمين إلى الأمير يَلْبُغا، ونادى في البلاد أنَّ من كتمَ مسلمًا صغيرًا أو كبيرًا قُتل، ومن عزْمِهِ ألّا يُبقي أحدًا من الأسارى إلّا أَرسَله. وفي آخر هذا اليوم قدمَ من الدّيار المصريّة قاضي القضاة جمالُ الدين المسلَّاتي المالكي الذي كان قاضيَ المالكية، فعُزِل في أواخر رمضان من السنة الماضية، فحجّ ثمَّ قصدَ الدّيار المصريّة، فدخلَها لعلّه يستَعْتب فلم يصادفه قبولٌ، وادُّعِيَ عليه عند بعض الحجّاب، وحصلَ له ما يسوؤُه، ثم خرجَ إلى الشّام، فجاء فنزل في التُّربة الكامليّة شماليّ الجامع الأموي، ثمّ انتقل إلى منزل ابنته متمرضًا، والطّلابات والدَّعاوى والمصالحات عنه كثيرة جدًّا (٦)، فأحسن الله عاقبته. وفي يوم الأحد بعدَ العصر، دخل الأمير طَيْبُغَا الطّوِيل من القدس الشريف إلى دمشقَ مجتازًا إلى نيابةِ حماة - حرسها الله -، فنزلَ بالقصر الأَبْلق، ثم ترحَّل بعد يومين.

стр. 564

وجاءت الأخبار بولاية الأمير مَنْكَلي بُغَا نيابةَ حلب عوضًا عن نيابة دمشق، وأنّه قد أضِيْف إلى إقطاعه نصفُ إقطاع النيّابة بدمشق، وأنّه قد استقر بدمشق آقتمرُ (١) عبد الغني. شهرُ ربيعٍ الأوّل أوّله الخميس. في يوم الأحد حادي عشره اشتُهرَ في البلد قضيّةُ الفِرَنج أيضًا، بمدينة إسكندرية، وقدم بريديٌّ من الدّيار المصريّة بذلك؛ فاحتيط على من كان بدمشقَ من الفِرَنج، وسُجنوا في القلعة، وأُخذت حواصلهم. وأخبرني قاضي القضاة تاج الدين الشافعي يومئذٍ أنّ أصلَ ذلك سبعةُ مراكب من التّجار من البنادقة من الفِرَنج قَدِموا إلى إسكندرية، فباعوا (٢) بها واشترَوْا، وبلغ ذلك الأمير يَلْبُغا أن مركبًا من هذه السبعة لصاحب قُبْرص؛ فأرسلَ إلى الفِرَنج يقولُ لهم: يسلّموا هذه المركب، فامتنعوا من ذلك، وبادروا إلى مراكبهم، فأرسل في آثارهم ستّةَ شواني مشحونةً بالمقاتلة، فاتَّقعوا (٣) هم والفِرَنْج في البحر؛ فقُتلَ من الفريقين خلقٌ، ولكن من الفِرَنج أكثر، وهربوا فارّين بما معهم من البضائع، وجرح بعض المقاتلة؛ منهم أَقْبُغَا الجوهري. ونُودي في هذا اليوم بدمشقَ أن ينفرَ المجاهدون إلى بيروت. قدوم نائب دمشق آقْتَمِر (٤) عبد الغني لمّا كان يوم الخميس خامس عشره قدم الأمير سيف الدين آقْتَمِر عبد الغني نائبًا على دمشقَ من الدّيار المصريّة، وقد كانَ حاجب الحجّاب بها، فتلقّاه الناس على العادة، ودخل دارَ السّعادة بعدما قبّل العَتَبَةَ الشّريفة، ثم استعرضَ أصحابَ الجيوش من القلعة وغيرها يومئذ. وحضر إلى الصّلاة يوم الجمعة. فجلس (٥) في المقصورة عند المنبر، فلمّا فرغَ من الصّلاة دارَ في الجامع، ونظرَ في أحواله، وقد فُوّض إليه النّظر في أوقافه على ما كان عليه الأمير مَنْكَلي بُغَا نائب السّلطنة قبله. ولمّا كانت ليلة الثلاثاء العشرين منه، دقّت البشائرُ بالقلعة بعد عشاء الآخرة؛ فتوهّم الناسُ أمورًا كثيرةً، ثم ظهرَ الخبرُ بأنّ نارًا اشتعلت بجبل الصالحية تنبيء عن خبر يكون قد حدَث ببيروت، فركبَ نائبُ السّلطنة والحجَبةُ والوُلاة، واجتمعوا بسوق الخيل، وكشفوا الخبرَ، فلم يظهرْ له على حقيقة.

стр. 565

وفي صبيحة هذه الليلة قدَم الأمير مَنْكَلي بُغَا الشَّمس نائبًا على حلب من الديار المصرية، فتلقّاه نائبَ السّلطنة والجيشُ بكماله إلى ناحية الكُسْوَة (١) وعظّموه تعظيمًا زائدًا بخلاف العادة، ورحت إليه مسلّمًا مهنّئًا بالسلامة والعافية، وهو نازلٌ بدار طَيْدَمِر الإسماعيلي، وصلّيت يومئذٍ صلاة المغرب، وتكلّمنا في شيءٍ من مسائل العلم في الفروع وغيرها، وهو مع ذلك يفهم جيدًا، ويبحث حسنًا ويسأل، زاده الله من فضله، وأحسن إليه، ووُلد له ولدٌ ذكَرٌ من بنت السلطان في دار الإسماعيلي، وسمّاه عبد الرحيم، وذلك يوم السبت الرابع والعشرين من ربيع الأول، ففرحَ به، ثم عمل له عقيقةً يوم الجمعة سلخَ الشهر المذكور، وارتحل في مستهل ربيع الآخَر. وهنّأته في هذا الولد بقصيدة ضمنُها إجازةٌ، وهي [من الطويل]: أيا ناصرَ الإسلام هنَّاك ربُّنا … بطلعةِ مولودٍ جَلَى وجههَ البدرُ سليلِ ملوكِ الأرض شرقًا ومغربًا … بهم عزَّ دينُ الله وَانْمحى الكفرُ ووالدُه ركنٌ عظيمٌ لنصرهم … فأَحكامُهُ عَدْلٌ وأَيَّامه فخرُ له الصِّيتُ بين الناس شكرًا ومِدحةً … ونورُ محيَّاه كما أَسْفر الفجرُ وميلاده في شهرِ مولدِ أشرف البرايا … شفيعُ النَّاسِ يا حَبَّذا الشَّهرُ وذلك في العام الموفي ثمانيًا … وستينَ والسَّبع المئين لها ذكر تَبَدَّى لنا في طالع السَّعد مشرِقًا … فحقَّ علينا كلُّنا الحمدُ والشّكرُ فحيّاه ربّي ناشئًا في حياته إلى … أن يُرى جَدًّا، وأنت له ذخرُ وأنشاه في سعدٍ ومجدٍ مؤيدًا … بتوفيقه ما وافق الخَبَرَ الخُبْرُ أجزتُ له ما قد رويتُ جميعَه … وما قلتهُ نظمًا كذلك والنَثرُ فمن ذاك تفسيرُ القُرَانِ جميعُه … فعشرةُ أسفارٍ وتاريخُنا عَشْرُ ومثليهما جمعُ المسانيد كلُها … وستةُ كتُبٍ جَامِعُوها لهم شُكرُ كذلك الأحكامُ الكبيرُ الذي حوى … مقالاتِ ساداتٍ هُم الأنجمُ الزُّهرُ مُدَبَّجةِ الأَرجَاءِ خِلْتَ خلالَها … وما حازَها، من فوقِ نوّارها الزَّهرُ وناظمُها إسماعيلُ نَجْل كثيرِهم … هو الخادمُ الدّاعي بأن يُرفع الذّكرُ وذلك من بعدِ الصَّلاة على الَّذي … دعا (٢) النَّاسَ للإسلام وارتفعَ النُّكر محمدٍ المبعوثِ للنَّاس رحمةً … عليه سلامُ الله ما بقيَ الدَّهرُ (٣)

стр. 566

أعجوبة وغريبة (١) وفي يومها، وهو يوم نظمت الأبيات المكتوبات، وهو يوم الإثنين السادس والعشرين من ربيعٍ الأول بعدَ العصر، وقفَ عليها قاضي القضاة تاجُ الدين السَّبكي الشافعي (٢)، فقرأ عليَّ بمقصورة الخطابة، فسألتُه أن يكتبَ معها شيئًا، فأخذ القلم وخطَّ، وأنا مشاهد في الساعة الرّاهنة ما صورته: "الحمدُ الله مباعد الأفراد في الإفرادِ إلا من تَبِعَ إمام أهل السُّنة والجماعة، ولا مدّ قلمه بالمِداد إلا من استمدَّ من محي الشَّريعة ما لا يكسد لسوقه بضاعة، ولمَّا رأيتُ قليلَ ابن كثيرٍ، ولا يُقال له: قليلٌ، وأبصرت من قَريضه ما يُسيءُ العدوَّ ويُقرُّ عينَ الخليل (٣)، وسمعت من الفاضل إمامِ الحديث ابن كثيرٍ (٤) ما شاقني سماعُه، وأحببْتُ الاقتداءَ بتالي ابن كثير؛ هذا إمام الحديث، وذاك إمامُ القراءات، وكلاهما المقتدى، إذا لحِق بكلِّ إمامٍ أتباعهُ (٥). قلت [من الكامل]: (٦) يا أيُّها الملك الذي عزماتُهُ … تَعْنُو لها أعداؤها وتسلِّمُ [] (٧) العزيز المرتضى … عبد الرحيم لَهُ الإِلهُ يُسلِّمُ و [] (٨) منه وبرّ يحيى … ويراكَ خيرَ أبٍ يرقُّ ويرحمُ لا زلتُما في نِعْمَةٍ وسَعَادةٍ … ما سارَ في جوِّ السَّماءِ الأَنْجُمُ ولقد أجزتُ له روايةَ كلِّ ما … أروي، وشرطُ رَوي الرِّواية يُعَلمُ فله وعنِّي بالإجازة سالمًا … ولَهُ البخاري الصَّحيحُ ومسلمُ وله روايةُ ما كتبتُ جميعِهُ … ورويْتُ، روّاه الإلهُ الأَعظمُ كتبه عبد الوهاب بن السُّبكي الشافعي في سادس عشرين ربيع الأول، سنة ثمانٍ وستين (٩) وسبعمئة.

стр. 567

شهر ربيع الآخَر، أوله السبت. في مستهلّه سارَ الأميرُ مَنْكَلي بُغَا قاصدًا إلى حلبَ نائبًا عليها مصحوبًا بالسَّلامة والعافية. وفي ثانيه قدم الأميرُ علاءُ الدين بن كَلْبَك (١) شادُّ الدّواوين بالدّيار المصريّة، فنزلَ في دار الزَرَدْكاش، واستحضرَ جماعةً في التَّراسيم على أموالٍ يطلبُها منهم، ومنهم الصَّاحب سعدُ الدّين ماجد، أقامَه وكشفَ رأسَه وعرَّاه وضَربَه بين يديه مرَّاتٍ بالمَقَارع وغيرِهِا، وطلبَ منه نحوًا من سبعمئة ألف درهم، وكذلك فعلَ بجماعةٍ من الكَتَبة، لا كان الله له في عَوْنٍ. محاصرة الفِرَنج مدينة طَرَابُلُس (٢) قرأتُ في كتابٍ وردَ من طرَابُلُس من بعض مُوقّعي الدَّسْت إلى بعض أصحابه: لمّا كان يومُ الأربعاء سادسُ ربيعٍ الآخَر، وصلَ إلى طرابُلُس آخرَ النهار شينيٌّ من العدو المخذول برايات بيضٍ، فوقف تجاه الميناء، ولم يدخلها، فجهز نائب السلطنة نحوه المقدَّم داود ريس الميناء، فلمّا اقتربَ من الشيني (٣) نزل إليه ثلاثة فأسروه، وتقدموا إلى مركب خارج من الميناء فأحرقوه، وقاتلهم جماعةٌ من المراكب، وترامَوْا بالنِّبال، ثم انصرفوا نحو جزيرة أرواد، ثم أصبحوا فأقبلت الشَّواني حتَّى تكاملت لهم ستةَ عشرَ شينيًّا، ثم جاءت فرفوره (٤) فوقفت في الوسط، وأخرجوا منها أسلحةً عمروا بها تلك الشَّواني، وخرج نائب طرابلس فصفَّ المسلمين تجاههم يمْنةً ويسرةً، وجرَتْ خطوبٌ وحروبٌ قُتل (٥) كثيرٌ من الفرنج والمسلمين في أيام نَحِسات عليهم، حتَّى انصرفوا خاسئين لم ينالوا خيرًا (٦)، وذلك في يوم الثلاثاء ثالث عشره، وكفى اللهُ المؤمنين القتال، وكان اللهُ قوِيًا عزيزًا. وقدَم الجيشُ الذين كانوا جُرِّدوا إلى خَرْتَبرْتَ (٧)، وهم ثلاثة (٨) مقدّمين يوم الخميس سادسه، وفي صحبتهم صاحب خَرْتَبِرْت، فأُنزل في دار السعادة، وقد كان حاصره جيشُ حلب مدّةً، فلمّا قدمَ عليه جيشُ الشام ومقدَّمُهم الأمير أسَندَمِر الذي كان نائب الشام، فصالحوه على أن ينزلَ ويذهبَ معهم إلى

стр. 568

الشام؛ ليسيرَ إلى الدّيار المصريّة ويحضُرَ بين يدي الأمير يَلْبُغا، فسلّم إليهم الحِصْنَ، وأُرسلَتْ مفاتيحُهُ وسيفُهُ قبل قدومهم إلى الدّيار المصريّة، والله الحمد. وفي يوم الإثنين عاشره وردَ الخبرُ من طرَابُلس بأنّ ثماني عشرة قطعةً فيها مقاتلةٌ من الفِرَنج جاؤوا لحصار البلد، فنفرَ المسلمونَ إليهم لقتالهم على العادة. وكان الأمير الكبير بَيْدَمِر قد قدمَ من بيروت قبل هذا اليوم، فأُمر بالعَوْد إليها، وخرجَ نائبُ دمشقَ في جمهور الجيش في ليلة الثلاثاء حادي عشره متوجهًا نحو بيروت خوفًا من هجوم الفرنج عليها (١)، فخيّم بسطح المزَّة، ونُودي بالنَّفير للجهاد؛ فخرج الأمير عليٌّ الذي كان نائب الشام أيضًا، ومعه ولده ومماليكه، وفيهم أمراء طبلخانات في تجمُّلٍ هائل، ثم توجَّع الأمير علي، واستمرَّ نائب السَّلطنة حتَّى وقف على بيروت، ونظرَ في أمرها، ثم عاد سريعًا. وبلغَني أنَّ الفِرَنج الذين جاؤوا طرابُلُس، تجرؤوا وأخذوا مركبًا للمسلمين من الميناء فحرقوه، والنّاسُ ينظرون، لا يستطيعون دفعَهم ولا منعَهم، ثم كرُّوا راجعين، وقد أسروا ثلاثةً من المسلمين. مقتل يَلْبُغا الخَاصْكي (٢) جاء الخبرُ بمقتله إلى دمشقَ في ليلة الإثنين السابع عشر من ربيع الآخَر مع أميرين جاءا على البريد من الدّيار المصريّة، فأَخبرا بمقتله في يوم الأربعاء ثاني عشره، تمالأَ عليه مماليكه حتَّى قتلوه يومئذٍ، وتغيّرت الدولة، ومسك من الأمراء الألوف والطَبْلخانات جماعةٌ كثيرون واختبطت الأمور جدًّا، وجرت أحوالٌ، وقام بأعباء القضية الأمير طُغَيْتَمِر (٣) النّظامي، وقويَ السُّلطانُ ورَشُد (٤). وقدمَ نائبُ دمشَق من بيروت يوم الثلاثاء فأمر بدقّ البشائر وزُيّنت البلد، وأَطْلَقَ الفِرَنْجَ الذين كانوا بالقلعة، فلم يَهُن ذلك على الناس، وشاعَ استمرارُ ناظر الدّواوين وناظرُ الجيش وكاتبُ السرّ الذين قد كانوا عُزلوا وعُيّن غيرهم، وقد صادر ابن كَلْبك للصاحب سعد الدين (٥) وضربَه مراتٍ بالمقارع كما

стр. 569

ذكرنا، وصادرَ كاتب السرّ، وطمع فيه بسبب أنّه كان قد عُزل، فبينما هو على مصادرة النّاس وأذاهم إذ جاءهم هذا الخبر؛ فانكفَّ شرُّه عن الناس، والله الحمد. وممّا قلته في مقتل يَلْبُغا ليلةَ بَلَغنا خبرُه (١) [من المتقارب]: وفي يَلْبُغا عِبرَةٌ للأَرِيْـ … ـبِ باقيةٌ بدوامِ الحِقَبْ تَنَاهى بهِ عزُّهُ للسُّهى … ودانتْ له التُّركُ ثمّ العربْ ودوّخ كلَّ الملوك الّذِي … نَ عَصَوْهُ فلم يستطيعوا الهَرَبْ وحازَ جميعَ كنوزِ الملوك … وساقَ الرَّعايا بسَوْطِ الرَّهَبْ فهذا يُهان وهذا يُعزُّ … وهذاكَ يُمْنَعُ وهذا نُهبْ فبينَا الأمورُ على ما ذَكَرْتُ … وقد أمِنَ المكرَ فيما حَسِبْ تَمَالا عليهِ مماليكُهُ … وقَدْ كانَ جَمْعُهمُ للغَلَبْ (٢) فما تَمَّ والله ما قدْ رَجَاهُ … وكانوا الحُماةَ فَصَارُوا العَطَبْ أذاقُوه مِنْ حدِّ أَسيافهم … فأصبحَ كالأمسِ لمّا ذهبْ فلم يُغنِ عنهُ جنودٌ لهُ … ولا ما حَوَى من كنوزِ الذَّهبْ لا مُلْكَ إلا لربِّ العبادِ … سميعِ الدُّعاء لمن قد رَغِبْ (٣) ولا عزَّ إلا لمن يَستجيرُ … بموْلاه من شَرِّ ما قد رَهِبْ وقامَ بأعباءِ المُلك بعدَه بين يديّ السُّلطانِ الملكِ الأشرفِ جماعةٌ من الأمراء منهم؛ دواداره الأمير عز الدين أَيْدَمِر، وقاتل يَلْبُغا ممْلوكه الأمير أَسَنْدَمِر، وأَقْبُغا جلب، وطغيتمر النظامي. وفي يوم السبت الثاني والعشرين من ربيع الآخَر هذا: خُلعَ على القاضي تاج الدين بن مشْكور بنظر الجيش بدمشقَ عوضًا عمّا كان بيده من نَظَرِ جيشِ حلب. وقد ولي نظرَ الجيوش بحلب على ما ذُكر الأمير شهاب الدين ابن قاضي القضاة جمال الدين الزُّرَعي أحدُ من حكمَ بديار مصرَ وبالشام قضاءَ قضاة الشافعية، وقد كان الأميرُ شهاب الدين هذا يلبَسُ لبسَ الأجناد، وقد عمل استاداريّة لجماعةٍ من الأمراء، حتَّى كان آخر ما كان عندَ نائب السلطنة مَنْكَلي بُغَا فاستصحبه معه إلى حلب، وولّاه نظر الجيش، ونظر ديوانه هناك، وهو مشكورُ السّيرة محمود السريرة، وفقه الله تعالى.

стр. 570

وفي يوم الخميس السابع والعشرين منه خُلع على الصّاحبِ سعد الدين ماجد [بن التاج إسحاق] (١) وأُفرج عنه ممّا كان فيه من العقوبة والمصادرة على يد ابن كَلْبك لا كتب [الله له السلامة] (٢) وقدم القاضي جمال الدُين بن الأثير من الدّيار المصريّة على كتابةِ السرَّ بدمشقَ ليلةَ السبت التاسع والعِشرين منه، وتلقّاه قاضي القضاة تاج الدّين الشافعي وغيرُه من القضاة والأعيان إلى أَثْناء الطريق، ودخلَ في محفلِ هائلِ، فنزلَ في الدار التي نزل فيها في أيام تَنْكُز، وهذه المرَّة هي الثالثةُ يلي كتابةَ السرّ بدمشق (٣). وفي هذا الشهر أُحضرَ الأمير شَنْكل مَنْكل (٤) من الدّيار المصريَّة إلى دمشقَ وهو مريضٌ في محفّة، وأُعيد إلى ولاية الولاة بحَوْران فما هو إلّا أن وصل ناويًا كلَّ سوءٍ وشرّ أخذه الله إليه، وتوفّي في العَشْر الآخَر من هذا الشهر. شهر جمادى الأُولى أوله الأحد، في يوم الخميس خامسه خُلع على سيف الدين أبي بكر بن بُراق بولاية البرّ، وهو كارهٌ. وفي يوم الجمعة سادسه. حضرَ كاتبُ السر ابن الأثير السَّمَيْسَاطيّة وعليه خِلعةٌ بمشيخة الشيوخ، وحضر عنده الأعيان. وخسف القمر ليلة الخامس عشرة بعد عشاءِ الآخرة، وصلَّى الناسُ صلاةَ الكسوف. وخُلع على الأميرِ الكبيرِ بَيْدَمِرِ الذي كان نائبَ الشام يومَ قدومه من بيروت بسبب أنّه استنابه الأميران أُقْبُغا جَلَب وأسَنْدمِر، وهما اللّذان أخذا الغَوْرَ بعد يَلْبُغا، واستناباه على ذلك، ثم خلعَ عليه الآخرُ بعده بيوم، وذلك يوم الثلاثاء سابع عشره. وجاءت البشارةُ إلى نائب السَّلطنة بقتلِ صاحب قُبْرص، قتله فداوية كان قد أرسلهم إليه يَلْبغا قبل مَقْتله ﵀ فيقال: إنه قُتِل يوم قُتِل، ثم ظهر أنَّ الأمرَ لم يكن له حقيقة، وأنّه باقٍ - لعنه الله. شهر جُمادى الآخرة، أوّلُه الثلاثاء، وهو ثاني شباط. أول هذا الشهر شُرع في بناء المَسَاطب التي كانت للشهود تحت السَّاعات حوانيت، وضُمِّنت بأجرةٍ كثيرة (٥) للجامع الأموي. وتفارَطَ الحالَ، وقد سعيتُ معهم إلى أبواب الدّولة ألا يُفْعَلَ هذا فلم يجابوا إلى ذلك، وذكرتُ أنَّ من العلماء من أفتى بأن

стр. 571

رحاب المسجد وعراصه يلتحقُ به في حُرْمَة الجلوس فيه (١) ونحو ذلك، حتَّى ولو كانت خارجةً عن سمْتِهِ، إذا كانت متَّصلة به كهذه البقعة. قلتُ: ثم إنّ هذه البُقْعة لم تزلْ من زمن بني أمية وإلى هذا الحين على هذه الصِّفة، لم تُشْغل ببناءِ، وقد كان القاضي يحيى بن حمزة البَتَلْهيّ (٢) قاضي قاضي دمشق يحكُم في هذا المكان، حتَّى إنّه كان يومًا يكتبُ على سجلٍ، فسمعَ بياعًا ينادي على بضاعةٍ له، فاشتغلَ ذهنُه، فكتب على السّجل بما سمعَه من المنادي، أخبرني بذلك شيخنا الحافظ المِزّي (٣). ثم تلطَّفنا أن يؤجر للشُّهود د بدون عبرة بما بُذلَ، وتبقى على هيئتها، فأجيبوا إلى مئتي درهم كل شهر؛ فتلعثموا قليلًا، فزيد فيها زيادةً كبيرة نحو السبعمئة، على ما أخبرني قاضي القضاة تاج الدّين السُّبكي، وشادُّ الأوقاف، وقد وقفتُ أنا وهما على هذا المكان. وفي يوم الخميس ثالثه خُلع على بدر الدّين بن مُزْهر بتوقيع الدسّت خلعةٌ هائلة. وفي يوم الإثنين سابعه لبس الأمير علم الدين سليمان البَصْراوي خلعةً بولاية المدينة، وهو كاره. وفي يوم الإثنين رابع عشره ركب الأمير جَنْتَمرُ (٤) أخو طاز مع مقدَّمي الألوف عوضًا عن ناصر الدّين بن طُرغاي (٥)، وعُوِّضَ ابن طرغاي (٦) بإمرة طَبْلخاناه أربعين (٧) فارس بإقطاع ضعيف. وفي صبيحة يوم الإثنين قبل سلخه حصلت بدمشقَ زلزلةٌ لطيفة لم يدركها كثيرٌ من الناس، لكن جاءت الأخبار أنّها دمّرت بمدينة صفد شيئًا كثيرًا من مساكنها، وزَعْزَعَتْ عددًا (٨) من أبراج قلعتها، وهلكَ تحت الرّدم بالقلعةِ والبلدِ خلقٌ كثيرٌ قريب الألف (٩). رحمهم الله تعالى. وكانت وفاة الوزير ابن قَرَويْنة (١٠) في العَشْر الأخير من هذا الشهر بعد مصادرة عظيمةٍ وعقابٍ أليمٍ،

стр. 572

وأنواع من البليّات، وسقطت أصابعُه، وكان من آخر ذلك أن جوُّعوه، ثم أطعموه وزةً مشويّةً مملّحة، ثم سقَوْه بعدها ماءً مثلوجًا، وأطعموه بطيخًا كثيرًا، ثم ربطوا ذكرَه وأُنثيَيْه ربطًا شديدًا ومنَعُوه الإراقةَ، فيُقال: إنّه افتدى نفسه من هذه الحالة بنحو من ثلاثمئة ألف، ومن الذهب بسبعة آلاف دينار، ثم لم يفكوّه حتَّى مات من ليلته، فدفَنُوه بينَ قبورِ المُسلمين [والنّصارى] (١). ثم جاءنا الخبرُ بوفاة خَوَنْدة (٢) بنت السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي. زوج الأمير مَنْكَلي بُغَا بحلب، وهي ذاهبةٌ إليها، ودُفنت هناك في تربةٍ لها - رحمها الله - وتركت ولدَهَا عبدَ الرّحيم رضيعًا، جبره الله، وأنشأه نشئًا حسنًا. شهر رجب الفرد، أوله الأربعاء، وهو ثالث آذار. خرج أكثرُ الركب الرّجَبي يوم الخميس، ثانيه، وهم خلقٌ كثير منهم؛ تقي الدين بن الظّاهري. وقدم القاضي برهانُ الدّين بن الحلّي (٣) من صفدٍ إلى دمشقَ في آخر نهار الأربعاء الثامن من رجب ومعه مرسومٌ شريفٌ بنظر الجامع الأموي، وتوقيعٌ في الدّست، وغير ذلك، وأقرْأَني صورةَ محضرٍ، وعليه خطّ قاضي صفدٍ بصورةِ ما تهدَّم بسبب الزَّلزلة التي كانت عندهم، وكان ابتداؤُها كما ذكرنا صبيحة يوم الإثنين التاسع والعشرين من جُمادى الآخَر، وذكر القاضي برهان الدين أنّها استمرَّت تعاودُهم في كلِّ يوم مرَّتين، من يوم الإثنين إلى يوم السبت رابعِ رجب، فذكرَ في المحضر أنّه انهدم من أبرجةِ القلعة، ومنها ما تفجّر نحوًا من بضعةَ عشرَ [برجًا] (٤)، وقد فصَّلوا ذلك برجًا برجًا، وبدنةً بدَنَةً بأسمائها وصفاتها، وأنَّه هلك خلقُ كثير تحتَ رَدْم الهَدْم، وكذلك من أهل البلد وضواحيها خلقٌ كثير لم يُحصَوْا، فيُذكروا ﵏. وذكرَ لنا القاضي برهانُ الدّين أنّ هذه القلعة ليس في قلاع الإسلام على هيئتها، وأنّ فيها من نَفَّاطَات (٥) النِّفط ما يساوي ثلاثمئة ألف درهم، وفيها من بنادق الرّصاص ما يقارب ذلك، ومن صناديق النّشاب شيءٌ كثير، ومن السُّيوف عشرةُ آلاف سيفٍ.

стр. 573

ولمّا كان يوم الإثنين ثالث عشره: لبس الخِلْعة، وباشرَ عند باب المشهد، وخَلع هو على نقيب المتعمّمين. وفي يوم الإثنين العشرين منه: طيف بخمسة مسمَّرين على جمالٍ حولَ البلد، وقطّعت أعصابهم؛ ظَهرَ عليهم أَنَّهم يَطُوفون باللّيل على أبواب الناس يفتحونها، ويدخلون قهرًا إلى أهلها؛ فيأخذون ويقتُلون، وهم من جملة مَنْسَرٍ (١) حصَّلهم والي البر سيفُ الدِّين (٢) بن البُرَاق - رحم الله والده (٣). وفي يوم الخميس الثالث والعشرين منه. لبسَ الأميرُ عمرُ شاه خِلعة الحُجُوبية الكبيرة في دمشق (٤)، وهنّاه النّاسُ بذلك، وقد كان نائبَ حماة قبلَ ذلك، فشُكرَت سيرتُه. شهر شعبان المكرم، أوله الجمعة. في يوم السبت تاسعه دُفنَ القاضي مجد الدين حمّاد بن القاضي شهاب الدين قاضي العسكر بمقابر [الصُّوفية. وُلِّي] (٥) قضاءَ العسكر للحنفية، وتدريس المُعينيّة (٦)، وتدريس الشِّبليّة بالصّالحية (٧). وفيه بلغنا خبرُ عزِّ الدين حمزةَ بن شرف الدّين بن السَّيرجي وولدِه محمّد وقَتْلهما، حيث عُدي عليهما بقرية مُجَيْدل القرية؛ لعداوة كانت بينه وبين فلاحيها بسبب أنّه عاملُ الوقتِ، وولده مشدُّه (٨)، فبيَّتُوهما في اللّيل، ودخلوا عليهما فهبَرُوهما بالسُّيوف، وكان ولده صغيرًا دون العشرين، ثمّ نحروا الخيل عليهما، وحرقوا الجميع بالنار، ولكن هرب [المهتار] (٩) الذي كان معهما فسَلِمَ. ووصلَ الأمرُ إلى والي الولاة؛ فأرسلَ إلى نائب السلطنة، فجرَّد إليه أميري (١٠) طَبْلخاناه بسببهم. وكذلك أخبرني ملكُ الأمراء أَبَيْدَمِر أنَّه اجتمع جمعُ قريبٌ من ستمئة مقاتل من أهل اللَّجاة (١١)، فنزلوا

стр. 574

على قرية يقال لها: حنبك، فقتلوا أهلها، ونهبوها، ثمّ إلى قرية أخرى يقال لها: خلخلة، فقتلوا إحدى الطائفتين ونهبوهم، ثم كرُّوا راجعين إلى بلادهم، وتفاقم الحالُ. وفي هذا الشّهر خُلع على الصَّاحب سعد الدين ماجد خِلعةً هائلة بتوقيع الدَّست عوضًا عن قاضي العسكر الدارج، وخُلعَ على القاضي بدر الدين الجواشني نائب الحكم لقاضي القضاة جمال الدين بن السِّراج الحنفي بولاية قضاء العساكر عوضًا عن حميد الدين حمَّاد ابن قاضي العسكر شهاب الدين الرَّسْعنيّ الحنفي. شهرُ رمضانَ المعظّم، أوُله السبت، وهو مستهلٌ أيار. في يوم الجمعة سابعه بعد الصّلاة صُلِّي على غائبين (١) من أهل الحجاز: أحدُهما الشَّيْخ عبد الله اليافعي اليمني (٢)، مكثَ مدَّة طويلةً مجاورًا بمكة، وله تصانيف في التّصوُف وغير ذلك، وله نظم، وفي كلامه ما يُنْكره عليه كثيرٌ من العلماء، ووقفتُ على بعضه فرأيتُ فيه كلامًا فيه شَطْحٌ كثيرٌ، وإطلاقُ عباراتٍ لا ينبغي ذكرُها، وقد قارب الثّمانين أو جاوزها ﵀. وفي يوم الخميس ثالث عشره. جرت خَبْطةٌ عظيمةً في البلد، وسببُها أن متولي البلد رسم له عمرُ شاه حاجبُ الحجاب بضربِ بعض العامة؛ لكونهم امتنعوا من الحضور إلى بين يديه، وضرَبوا بعضَ أعوانه، فلمّا ضربَهم المتولّي كما رُسِمَ له استغاث العامَّة، واجتمع معَهم نساءٌ كثيرٌ، ودخَلوا الجامع يهللون، ودخلَ النِّساءُ معهم أيضًا إلى [الجامع] (٣) يشكون (٤) أمرهم إلى قاضي القضاة تاج الدين، وهو في دار الخِطَابة، وطلبوا حكمَ الشرع، ثم إنَّهم راحوا إلى دار السّعادة، فدخلوا إلى بين يدي نائب السَّلطنة، وهم يهلّلون؛ فسألهم عن خبرهم، فذكروا له ما جرى عليهم، فرسَم بإحضار الوالي فلامه على ذلك، فذكر له أنَّ الحاجبَ أمره بذلك، فضربَه بين يديه، وقال له: هلَّا شاورتني قبل ذلك، وأمرَ نائبُ السّلطنة فنودي في البلدان من طلبَ حكمَ الشّرع لا يُمنع، ومن منعه عوقب عقابًا شديدًا، وأرسلَ إلى الحاجب ليُحضره فاعتذر، وعزم على تَرْك المباشرة. ثم اجتمع القضاة بنائب السّلطنة، وتكلَّموا مع الحَجَبة كلامًا غليظًا في افتئاتهم على كثيرٍ من الأحكام الشرعية، وجرت بينهم مقاولات، وتكلّم الشافعي كلامًا نافعًا قويًا، واستندب القضاةُ فأجادوا، وكان مجلسًا نافعًا.

стр. 575

وخُتِمَتِ البُخَارِيَّاتُ في أواخر الشّهر على العادة، منها بالجامع تحت النَّسر على كاتبه في يوم الأربعاء السادس والعشرين منه، وبعده بيومٍ عند محراب الصّحابة، وبعده بيوم بمسجد ابن هشام، وبعدَ الجمعة بجامع تَنْكُز، وبعده بيوم خُتِمَ مسلمُ تحتَ النَّسر على كاتبه أيضًا. شهرُ شوّال، أولُه الإثنين، وهو أوّل تموز. في يوم الأربعاء ثالثه، بعد صلاة الظهر. صُلّي بالجامع الأموي على الشيخ علي بن البَنّاء (١) المحدّث الواعظ للعوام وغيرهم في الجامع والأسواق، وهو قائمٌ وقاعدٌ بعبارةٍ طَلقة حُلوة داخلة يمزجُها بخفّة روح، تُشبه عبارات العوام؛ فهي تَنْجَعُ فيهم كثيرًا، وكانَ كثيرَ التَّزهُّد والقناعة والتَّجزِّي بأيسر مؤُونة، وأصلُه من مصرَ، قدّم الشّامَ وهو في زيّ فقيرٍ، ضعيفِ البذلة (٢)، وهو مع ذلك يشتري الكتبَ الكبارَ وغيرها بأموالٍ يأخذها من العوام، ويُزايد في الكتاب إلى أثمانه، وترك كتبًا جمَّةً، ويقال: إن عليه دينٌ. فالله أعلم بأمره، وكانت فيه مساعدةٌ للفقراء والأرامل والأيتام والضعفاء، يسعى لهم [عند الأغنياء] (٣) ويأخذ منهم لهم، ويصرفها إليهم، وقد اجتمعَ في جنازته خلقٌ من العوام [والتجار] (٤) وغيرهم، فكانت حافلةً جدًّا، ولم يكن فيها أحدٌ من الأعيان، ودُفن بباب الصغير. وفي صبيحة يوم السبت سادسه. توجَّه الأميرُ علاء الدين - يُعرف بالشَّيخ علي - الذي قدِمَ من بابة الرَّحْبة على ولاية الولاة بحَوْران في تجمُّل هائلٍ وبين يدَيْه ستةَ عشرَ مصلوبًا من الحَوَرانة على الجِمَال، وفيهم الذي حرقَ حمزة السّيرجي، وفي يديه مخاريق (٥) بزيت، وقد أُطلقت فيها النّار، وهو يستغيث: فلا يُغاثُ، ثم سقط مَيْتًا عن الجملِ عند القُبَيْبَات (٦) - لا ﵀. وهذا الأمير من خيارِ الأمراء وشجعانهم وأجوادهم وزينتهم. كائنةً عظيمةً وقعت بمصرَ لما كان يومُ الجمعة ثاني عشره. وردَ البريدُ من الدّيار المصريّة؛ فأخبرَ نائبَ السّلطنة بوقعةٍ هائلةٍ وقعت بين الأُمراء الذين هم ولاة الأمر بديار مصر كما تقدّم، وملخّص ذلك: أن جمهورَهم اتَّفقوا على

стр. 576

مسك أَسَنْدَمِر، فتأهّبوا لذلك، وأركبوا السّلطانَ إلى قُبّة النّصر يوم الإثنين ثامن شوال آخرَ النهار، وهم مُلْبِسُون (١)، وأخذوا عليه الطُّرق، فنهضَ هو في مماليكه ومعه ابن دو لغادر وبُزْلار، وقصدَهم من وراء ظهورهم، وفرّق شملهم، وقتلَ كثيرًا منهم في المعركة وصبرًا بين يديه، وسَيَّر من أسرَ منهم إلى إِسكندرية في الجيوش مهانين غايةَ الإهانة، وطَرَدَ آخرين إلى بقية البلاد منفيّين، وزالت النِّعمة عن أَيْدَمِر الشَّامي الدّويدار، وعن أَقْبُغا جلب، والنِّظَامي، وقُجْماس مملوك طَاز، وتَمْراز، وقد قُتِلَ بينَ أيديهم خلقٌ من مماليكهم، واستبدَّ بالأمر أَسَنْدَمِر ما له منازعٌ في الدّيار المصريّة (٢). وأخبرني قاضي القضاة تاج السُّبكي بمِفْصَلِ الوَقْعة عمَّا أخبره به من شاهدها، وأنّه قُتِلَ بينهم سبعمئة. وخرجَ المحملُ والحجيجُ في يوم السّبت الثالثَ عشرَ منه، وأميرُهم ابن أمير علم الدّين ساكن في المطرِّزيين، وقاضيهم ابن السّراج، وحجَّ في هذه السنة الأمير علاء الدين بن بَهَادرُ الشُّجاعي. وفي هذا اليوم دخل من الديار المصريَّة النَّشْو (٣) على نظر الدواوين بدمشق عن [الصاحب سعد الدين] (٤) واستمر سعد الدين ناظر المهمات. وفي يوم الإثنين الثاني والعشرين [خَرَجَ] (٥) جماعةٌ من وادي بردى ممّن أقام العَشيْرَ في هذه الأيام. خرجَ إليهم الحاجبُ [ابن براق، والي] (٦) البر، وأمراء آخرون، فسكَّنوا أمرهم، وأحضروا منهم جماعة ممّن ظفروا بهم [نحو الأربعة] (٧) فسُمِّروا وحُزِموا، وأُطيفَ بهم، وهم مشاةٌ مهانون (٨) غاية الإهانة - قبحهم الله أجمعين. واشتُهر بين الناس أنَّ الأميرَ طَيبُغَا الطّويل نائب حماة والأمير أَشْقَتمِر نائب طرابُلُس قد جمعا جموعًا لمحاربة أَسَنْدَمِر الذي أقيم في الأتابكيّة (٩) بمصر في مقام أستاذِهِ يَلْبُغا، فجدّدت البيعة للسُّلطان بدار السعادة من الأمراء كلهم. وقدمَ شادُّ الأوقاف بدرُ الدين صَدَقه بن أوحد الذي كان قد جهّزه نائبُ دمشقَ إلى الأمير مَنْكلي بُغَا

стр. 577

نائب حلب ليستعلم ما عنده في هذا الأمر، فرجعَ ومعه من خواصّه ومن خواصّ الطَّويل بأنَّهم على السَّمع والطَّاعة لوليّ الأمر. وجُهِّزوا إلى مصر. شهرُ ذي القعدة، أوّلُه الأربعاء. في العشر الأول منه قدمَ نائبُ طرابُلُس الأمير أشِقْتَمِر في سروجٍ يسيرةٍ من خيل البريد سامعًا مطيعًا قاصدًا الدّيار المصرية، فنزلَ، ثم ركبَ من اليوم الثاني، فقبلَ وصوله إلى القاهرة صُرف إلى إِسكندرية. ولمّا كانَ يومُ السبت الحادي عشر منه قدم الأمير طَيْبُغا الطَّويل من حماة فنزل بالقصر أيضًا، ثم ركب في عشرةِ (١) سروجٍ في اليوم الثاني إلى الدّيار المصريّة، ففُعل به كما فُعل بالذي قبله سواءً بسواءٍ. وفي بقية الشهر سارَ الأمير أَسَنْدَمِر نائبُ صفدٍ الذي كان نائب الشام ومعه مُسَفَّرٌ إلى نيابة طرابُلُس. وسارَ الأمير عُمَر شاه من دمشقَ إلى نيابة حماة، وعُيِّن إلى صفدٍ جَرْدَمِر أخو طَاز. شهر ذي الحجة أوله الخميس. في ليلةِ السّبتِ ثالثه احترقَ بيتُ عروس، وقد صمدوه على العادة، وهم مشغولون بجلائها على زَوْجها، [في] (٢) بيت آخر، فما تداركوا حتَّى احترقَ عامةُ ما فيه من القماش. وانقلبَ الفرح تَرَحًا، وهو من جمله حريق. وفي يوم الإثنين خامسه برز الأمير جَرْدَمِرُ أخو طاز إلى سطح المزَّة قاصدًا إلى نيابة صفد. وفي يوم الجمعة تاسعه وقع حريقُ كبيرٌ قِبْلي قُبّة الشَّحم من غربها، احترقت المِئْذنَة التي [هناك، وسوق] (٣) القطانين تجاهها من القبلة، والرّبعُ المجدّد فوقها، والخوّاصين الذين يعملون الخوص [] (٤) وما قَرَبَ من بيوتٍ ورباع، وكان ابتداؤه من عشاء الآخرة، فركِبَ النّائبُ والحَجَبَةُ والولاةُ واجتهدوا في طَفْي النّار، وأصبحَ الناسُ والحريقُ عَمَّالُ، ولكن قد انحسمت مادتُه، وأُمن شرُّه، واتّفقَ في ضمن ذلك أنّ والي البلد تأخّر مجيئُه إلى هذا الحريق؛ فتغضَّب عليه نائب السّلطنة وعزلَهُ، وولَّى غيره، وهو جمال الدين بن دُغا، وأصلُه من قرية فيق، وكان قد باشَر شدّ المواريث قديمًا. وفي يوم الخميس خامس عشره: دخلَ الأميرُ سيفُ الدين بَهَادر الشّريقي إلى دمشقَ على الحُجوبية الكبيرة من نيابة حمص، ولبس الخلعة من دار السَّعادة، وهنّأهُ الأمراءُ والأعيانُ، ونزل داخلَ باب الجابية.

стр. 578

وفي سابع عشره توفّي الشيخ الإمام العلَّامةُ تقيُّ الدّين بنُ المَجد (١) الحاكمُ بمدينة بعْلَبَك، وكان لديه فنونٌ وعلومٌ وتعليقاتٌ ومذكراتٌ، وتركَ أمولًا جزيلة، وولي بعدَه ولدُه. وتوفي الأميرُ طَقْتَمِر المعرِّي (٢) نائبُ القلعة في العشرين منه، ودُفن في ترتبه في العقبة الصَّغيرة. وجاء الخبرُ مع البريد من طرابُلَسَ بموتِ نائبها الأميرِ أسَنْدَمِر اليحياوي (٣) أخو يَلْبُغا نائب دمشق، وقد نابَ هو أيضًا بدمشقَ وصفدٍ، ثم نُقل إلى طرابُلُس، فكانت وفاته بها اشتهر أن ولده قتله. سنة تسع وستين وسبعمئة من الهجرة استهلّت هذه السنة والخليفةُ هو المتوكّل على الله العباسي - رحم الله سلفه وخلفه -، وسلطان الإسلام بالديار المصرية والبلاد الشامية والحرمين وأعمال ذلك وما يتبعها الملك الأشرف ناصر الدين شَعْبان بن حسين بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، ومدبّر الممالك بين يديه بالدّيار المصريّة الأمير أَسَنْدَمِر مملوك يَلْبُغا الخاصكي وقاتِلُه. وقضاةُ مصرَ هم المذكورون قبلَها، وكذلك كاتب السّرِّ بها، وناظر الجيش. ونائب دمشقَ الأميرُ سيف الدين أَقْتَمِر عبد الغني، وقضاة الشام هم هم، وكذلك كاتب السّرّ، وناظر الجيش، ووكيل بيت المال والمحتسب، وبقية المباشرين. شهر الله المحرم، أوله السبت. في أول هذا الشهر ظُهِرَ [بدمشق] (٤) على امرأة تتزيا بزيّ طَواشي، وتتزوَّجُ النساء، [فإذا ظَفرت] (٥) بالمرأة ذات الجهاز عملَت على أخذِ مالها بكلِّ ممكنٍ، ولو أنَّها تَسْقيها مُرْقِدًا، ثمّ تأخذُ ما تقدر عليه، ثم تنشمر من تلك البلدة إلى غيرها، ثم تفعل في البلد الآخَر كذلك، وربما دخلت بيوتَ الأُمراء والمحتشمين فلا يُنْكَرُ عليها؛ لكونها في زيِّ طواشيٍّ، وتعمل على أخذ شيء من أمتعتهم خُفْية، وتتوصَّل إلى استلاب أموال الناس بكل سبيل، حتَّى اتفق أنها تزوَّجت بامرأة ثم تزوَّجت بأخرى، فغارتِ الأُولى من الثانية فنمَّت عليها وفَشَتْ سِرَّها، فتسلَّمها الولاةُ بدمشقَ،

стр. 579

وأُحضرت إلى بين يدي نائب السَّلطنة والقضاة، وأقرَّت بعدةِ أَخذاتٍ كثيرة، فأُخذت منها، ثم رُسم بتَسْفيرها إلى البلاد التي (١) فعلت فيها ما فعلت؛ ليؤخذ منها ما أقرّت به. وفي ليلة الجمعة سابعه توفّي الأمير بدر الدين مُصْطَفى البيريّ (٢) أحد أمراء الطبلخانات، وصُلّي عليه يوم الجمعة، ودفن في تربته، وقد ترك أموالًا جزيلة، وابتنى بدمشق حمامًا حسنًا، ودارًا هائلة، وحوانيت كثيرة، وكان أصلُه تاجرًا سفّارًا، فتوصّل حتَّى حصَّل أمير طبلخانه ﵀. حريق في المكان المعروف بالحريق من ناحية كنيسة مريمَ بدمشقَ كان هذا الحريق ابتداؤه عشية يوم الثلاثاء بعد العصر الحادي عشر من هذا الشهر، فما (٣) أَذَّنَ المغربُ إلا وقد اشتد اضطرام النار، كأنّها في جَزْل الغَضَا؛ فجاءَ الولاةُ، ثمّ الحَجَبَةُ ونائبُ السلطنة، وشرعوا في إطفائها وتخريب ما حَوْلها؛ لئلّا يتّسع الحَرْق إلى غيره، ووقف نائِبُ السلطنة وحولَه السيوفُ مُسَلَّلَةٌ لئلّا يتقدّم أحدٌ لنهبِ شيء من أموال الناس، فحفظَ أموالهم - جزاه الله خيرًا. وفي يوم الخميس ثالث عشره. درَّسَ الشيخ عز الدّين حمزة ابن شيخ السَّلامية الحنبلي بالمدرسة المجدَّدة السلطانية بباب النَّاطفانيّين شمالي دمشق (٤)، وحضرَ عنده القضاةُ والأعيانُ، وأخذَ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. ولاية ملك الأمراء بَيْدَمِر وعزل أَقْتَمِر عبْد الغني في يوم السبت الثاني والعشرين منه وردَ البشيرُ من الديار المصرية بعزلِ نائبِ السلطنة أَقْتَمِر عبد الغني [فانتقل] (٥) من ساعته من دار السّعادة إلى دار طَيْبُغا حاجي، واشتُهِر ولاية الأمير [المجاهد] (٦) العادل، الدَّيِّنُ، الصَّيِّنُ، صاحب الفتوحات بَيْدَمِر، وكان قد خرجَ لتلقّي أهله من الحجاز الشَّريف، وقد نزلَ معهم في الكُسْوة. فلما كان ليلةُ الإثنين رفعت نارٌ بجبل الصَّالحية تُخْبر عن حدثٍ كائنٍ بمدينة بيروت؛ فدقّت الطَبْلخاناتِ السلطانية بالقلعة لاجتماع الجيش، ونُودي في الناس عن أمرِ نائب السَّلطنة الأمير بَيْدَمِر

стр. 580

بالمسير إلى بيروت، وبادر - أيّده الله - من يومه ذلك بالتوجُّه إلى بيروت، فنزلَ بسطح المزَّة، واستحضرَ العُدَدَ، واستحثَّ الجيش، وسبقهم بنفِسِه الكريمة إلى الجهاد والمرابطة، جزاه الله عن الإسلام خيرًا، وتَبِعَهُ رجالُ الحَلَقة والأمراء، وخرج فيمن خرجَ متطوعًا الأمير علي المارداني نائبُ الشام كان، واستمرَّ الجيش يتلاحق وراء ملك الأمراء بَيْدَمر، فلمّا كان في أثناء الطريق جاءَهُ الخبرُ بأنَّ مدينة طرابلس قد جاءَها خلقٌ من الفِرَنْج، وقد نفضوا إلى البرّ، وقد اتَّفقوا مع أهلها، فسارَ مسرعًا إليها بمن معه من العساكر - جزاه الله خيرًا - فكان ما سيأتي ذكره إن شاء الله. وقعة مع الفِرَنْج بمدينة طرابلسَ، وكانت النُّصرةُ للمسلمين لمّا كان يومُ السبت الثاني والعشرين من المحرّم سنةُ تسعٍ وستّين (١) وسبعمئة: أقبلت مراكبُ كثيرةٌ نحو مئة وخمسة وثلاثين شيني إلى مدينة طرابُلُس، وليس بها نائب ولا حاجب، فنزلوا من الغد إلى البر رجّالة وخيّالة، وهم في عَددٍ وعُددٍ وافرة، فقتلوا بعض العامّة، وبرزَ إليهم من فيها من الأترااك والجُنْد، وحضرَ من يُحاصِرُها من التراكمِينَ متراكمينَ والمتطوعةِ من كلّ مكان أفواجًا أفواجًا، وأفرادًا وأزواجًا. فاتّقعوا معهم فقتلوا وقُتِلوا، ودخلتِ الفرنجُ إلى مدينة طرابلسَ ليخلِّصُوا ابنَ [أخي] (٢) صاحبِ قُبْرص، فإنَّه كان مسجونًا، فقتله [المسلمون] (٣) ومن معه أجمعين، وبلغني أنّ بعضَ الفرنج صَعِدَ المنارة، وأحدَثَ هناك، ونَصَب سَنجقًا فيه صليبٌ، فلم يلبثوا فيها إلا ساعةً من النهار حتَّى تواخت (٤) عليهم العامة، فقتلوا منهم خلقًا، وخرجوا منها مذمومين مدحورين خاسئين خاسرين، وقد قُتل منهم جماعة آخرون في المعركة، فحُسِبَ مَنْ قُتل منهم داخل البلد وخارجه [فكان] (٥) أزيدَ من مئتين، وكانوا نحوًا من خمسةَ عشرَ ألفًا من الرَّجَّالة، ومن الخيّالة نحوًا من أربعين؛ ملوكًا (٦) وأمراءَ، ولم يُقتل من المسلمين إلَّا دونَ العشرة جندًا ﵏. ودخلَ المحملُ وبقية الحجّاج يوم الإثنين الرابع والعشرين منه، وليس في البلد نائبٌ، وإنَّما معه أميرُ الرَّكب، ووالي البرّ، ووالي المدينة، وذكروا أنَّهم وقفوا الجُمُعة. وكان [من القادمين] (٧) مع الرّكبَ

стр. 581

الشّامي من المصريين، الرَّجبيين الشّيخ الإمامُ العلّامة قاضي القضاة بهاء الدين أبو (١) حامد أخو قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي، قدم ليبُلَّ شوقه من أخيه، وخطبَ النّاسَ يومَ الجمعة بالجامع الأُموي خطبةً بليغةً، وقرأَ في المحرابِ قراءةً حسنةً، أَعجبَ الناسَ سمتُه ووقارُه وتودُّدُه. وبلغَنَا وفاةُ الشيخ صدْر الدّين بن الخَابُوري (٢) مُفتي طرابُلُس وشيخها من مدّة، وكان فقيهًا جيدًا مستحضرًا للمذهب مِن قواعده وضوابِطه، وفروعه ودقائقه، له اعتناءٌ جيدٌ بذلك جدًّا، وقد أذِنَ لجماعةٍ في الإفتاء، ووُلِّيَ وِكَالة بيت المال بطرابُلُس في وقتٍ، وكانت وفاته في السابع والعشرين من هذا الشهر بطرابُلُس، وقد جاوز السَّبعين. وفي هذا اليوم كانت وفاةُ قاضي القضاة موفَّق الدين المَقْدسي الحنبليّ (٣) بديار مصر ﵀. وفي العشر الأخير من رمضان [جاءتنا أخبار من الأندلس] (٤) وملخّصها أنّ الملك ابن الأحمر (٥) صاحب ما ملكه المسلمون بجزيرة الأندلس، فتح مدينة جيّان فقتَلَ من الفرنج مئة ألف أو يزيدون، وأسرَ سبعينَ ألفَ أسيرٍ من نساءٍ وأطفالٍ وشبابٍ، وأخذ منها من الجواهر والآلئ والزمرّد شيئًا كثيرًا. شهرُ صفر، أوّله الأحد دخول نائب السلطنة بَيْدَمِر أعزّ اللهُ أنصارَه: لمّا كان صبيحةُ يوم الإثنين ثاني صفر. أقبل الأميرُ الكبيرُ المجاهدُ المرابط المثاغر (٦)، صاحب الفتوحات، سيفُ الدُّنيا والدين بَيْدَمِر راجعًا من مدينة طرابُلُس، وقد فاتَهُ الوقعةُ، فدخلَ البلدَ من ناحية سطح المزّة، وعليه التَّشريف، وهو في أُبّهة عظيمة والسَّناجق الخليفتيّة بين يديه، والمؤذّنون بالتكبير، وأهل الذّمة (٧) الذين معهم التوراة والإنجيل، فجاءَ إلى سوق الخيل فسير على العادة، ثم أُركب، ثم جاء فقبَّل العَتَبَةَ [و دخل] (٨) إلى دار السّعادة، والأمراءُ بين يديه على العادة. ودخلتُ إليه يوم الثلاثاء؛ فأخبرني عن تفاصيل ما وقعَ بمدينة طرابُلُسَ، وحلفَ بالله: لو أدركَهُم على

стр. 582

الأرض قبل أن يفرُّوا إلى المراكب لما تركَ أحدًا منهم يرجعُ إلى البحر حتَّى يقتلَه أو يأسرَه، وأخبرني أنّه قُتِلَ مئتان وثلاثون رجلًا غير ما قُتِلَ منهم في البيوت، وأخبرني أنَّ الفرنجَ ليسوا بشيء، وأنّ فرسانَهم ورجالَهم في غاية الضُّعْف، وأنّهم انكشفوا، وأنّ غالب من قتلَهُم العامَّةُ والنِّساء والحرافيشُ وبعضُ التُّركمان، وأنّهم التَقَوْا مع جماعةٍ من التُّركمان بأنْطَرْسوس فكسرهم التُّركمان، وقتلوا منهم خلقًا آخرين وأسروا. وبينما أنا جالسٌ عنده إذ جيء بقسطارية (١) وسلاح من سلاحهم، وهو في غايةِ الإحكام، وذكرَ لي أنّه جاء معه خيلٌ من خيولهم، وأنّها في غاية الضُّعف وقلّة النَّفع. وفوّض النَّظرَ في مصالح الجامع إلى قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي - أحسن الله إليهما -. ولمّا كانَ يومُ الخميس خامسه عزلَ متولّي المدينة ابنَ دُغا الفيقي ورسّمَ عليه، وألزمه بمالٍ كثيرٍ، ومتولّي البر علاء الدين بن العلم الهلالي، وأحضرَ علم الدين بن البَصْراوي، وولَّاه ولاية المدينة على عادته قَسْرًا وقهْرًا بعد تهديدٍ ووعيد أكيد، وكذلك أحضرَ سيف الدين بن بُراق وولَّاه ولايةَ البر بعد تمنُّعٍ منه وتهديد ووعيد أيضًا من نائب السَّلطنة إن لم يقبل، وقال لهما ولسائر الولاة والمشدّين والمباشرين: لا تقبلوا شفاعةً ولا رسالةً ولا رِشوةً، ولا أكلَ مالِ أحدٍ. وفي هذا اليوم تغَضّبَ نائب السلطنة المشار إليه على أمير عشرة يقال له: عادل شاه بسبب إساءة أدب في الأمر على نائب السلطنة، وتكرّر ذلك منه، فمُدَّ بين يديه، وأمَرَ بضربه فضُرب فيما سمعته من غير واحدٍ ألفًا وسبعمئة وثلاثة عشر عصًا، ثم رفعَهُ إلى القلعة مهانًا. وفي يوم الجمعة سادسه صلّى نائب السَّلطنة في المقصورة من الجامع الأموي، وقُرئ تقليدُه على السُدّة، وفيه أنَّه فُوِّضَ إليه السّواحلُ والقدسُ ونابلسُ وساحلُ غزّة وغير ذلك، على قاعدة المقرّ العالي مَنْكَلي بَغا، وكان الذي قرأه الشيخ شمس الدين السُّبكي (٢)، وخلعَ عليه قاضي القضاة الشافعي، وكَثُر الدُّعاء لنائب السّلطنة، وأُشعلت له الشموع. وفي يوم الإثنين تاسعه توجَّه الجماعةُ المجاهدون الذين كانوا قد تجّمعوا [في صحن] (٣) الأموي منهم من تبرَّع بُعدَّةٍ من عنده، ومنهم من أُعطي من النّاس، وذلك [باستفادة] (٤) الشيخ الصالح محمد السَّلاوي - تقبل الله منه -، وكان اجتماعهم وتعليق عُدَدِهم في صحن الجامع ممّا يلي رُواق الحنابلة على الأفاريز

стр. 583

بين الرُّواقِ الأَول من ناحية باب البريد إلى باب البرادي الرّماح والسُّيوف والدُّروع الجَنَوِيّات، وغير ذلك من العُدَد، والنّاسُ حولَهم صفوفٌ. وذُكر لي أنَّهم كانوا في اللّيل يلبَسُون اللأمة، ويتطاعنون ليتمرَّنوا على ذلك، وكان لهم مدّة أيام، فلمّا كان هذا اليوم توجَّهوا بعد صلاةِ الظُّهر، واجتمعَ عليهم خلقٌ لا يُحصون، وضُربت الخَليليّة بباب البريد، وخرجوا إلى سطح المَّزة ومن عزمهم الذهاب إلى ثَغْر بيروت. وقعةٌ أخرى مع الفرنج بمدينة أياس، وكُسِرُوا أيضًا بلغَنَا في العَشْر الأوسط من هذا الشهرِ أَنَّ الفِرنجَ لما خُذلوا بمدينة طرابُلُس، وقد حلَّ بهم فيها بلاءٌ ونَكالٌ شديدٌ فراحوا إلى أنطرْسوس، فقَتَل منهم التركمان (١) المُتَراكمين، وكانوا للمسلمين في الكمائن خلقًا آخرين. ثم صاروا إلى مدينة أياس، فنازلوا أهلَها حتَّى فتحوا الرَّبض، وعصَتْ عليهم القلعةَ، وراحت البطايق إلى نائب حلب الأمير مَنْكَلي بُغَا؛ فركب في جيش حلب وأسرعَ، فكان عندهم في اليوم الثاني، وكان بالعُمْق فجاء أياس (٢)، وقد حصلَ للفرنج اليأسُ من الخلاص، فحال بينهم وبين البحر؛ فخرجوا هاربين فقتل منهم نحو الخمسمئة، ورمى الأمير مَنْكَلي بُغَا ملكَ قبرص بسَهْم فجاء في خاصرتِه، فنزعَ القَدَحَ وبقي النَّصلُ، وهو إن شاء الله سببُ هلاكه ودماره، وكانت هذه الوَقْعَةُ في يوم الإثنين ثاني هذا الشهر (٣). وقد ذكر لي الأمير مَنْكلي بُغَا بالقصر الأَبْلق حين نزلَهُ مجتازًا إلى الدّيار المصرية؛ ليكون نائبًا هناك ومشاورًا، فرحتُ للسّلام عليه، فأَخبرني منه إليَّ خاصةً بصفة الوقعة، وأن الله تعالى نصرَ المسلمين وخذلَ الفرنج، وأنّ جمعهم كان قريبًا من ثلاثين ألفًا رجَّالة وخيَّالةً، وأنَّه كان قد بلغَهُ مسيرُهم إلى أياس وهو بحلب [فنهض لذلك] (٤) وتأهَّب، وأمر الجيش بالتأهُّب وسارَ بهم إلى العُمْقِ، ثم تدنى من الجسر الجديد، فبلغَهُ أنَّهم قد نازلوا البلدَ، فتقدَّم هو ومماليكه في نحو الثّمانين فارسًا، ولكن الجيش يتلاحق وقد تعبت خيولُهم من سرعة السّير، فأخذ خيولًا من التّراكمين فأركبها مماليكه حتَّى تستريحَ خيولهم، ثم أشرفَ عليهم، قال: فإذا هم ثلاثٌ فرقٍ سودٌ كالليل المظلم، وفرقةٌ أخرى لباسهم بياض، قال: فسألتُ عن ذلك، فذكروا أن السُّود فرنج، وأن الفرقة الأخرى من الغَجَر مسلمون، وهم معهم يقاتلون، قال: وإذا الصُّلبان مرفوعةٌ فوقَ السَّناجق والنواقيس تضربُ في المراكب، وأخذه البكاء عند ذلك، وأبكاني

стр. 584

معه أيضًا، قال: وكان الأميرُ مَنْجَك قد سبقَ إليهم لكن لم يمكنه مَنْعُهم من الخروج من المراكب، قال: فعندما عرفوني اجتمعوا حتَّى صاروا كالبُرْج من الحديد، ورَشَقونا بالنِّبال حتَّى ستروا وجهَ الأرض، ثم قال لي: أترى وجه الأرض من تحت هذا البساط؟ فقلت: لا، فقال: كذلك وَارَى النّبلُ وجهَ الأرض، قال: وحَمَلْنا عليهم، وجعلَ أهلُ القلعة من المسلمين المحاصرين ينادونَنا بأن اذهبوا إلى ناحيةِ الميناء حتَّى نقطعَ عليهم طريقهم، فسمعَ من يعرف العربيةَ معهم ذلك؛ فولَّوا هاربين إلى الميناء، فقتلنا منهم خلقًا كثيرًا وقُتل صاحب رودس، وجُرِحَ صاحبُ قُبْرص وذهبوا منهزمين. وبلغنا وفاةُ قاضي القضاة موفق الدّين الحنبلي بمصرَ في هذا الشهر، وولاية القاضي ناصر الدين نصرُ الله مكانه في القضاء، وكانت وفاته في السابعِ والعشرين من المحرَّم (١). ووُلّيَ مشيخةَ الحديث بقبَّة المنصورية القاضي بدرُ الدّين محمد بن قاضي القضاة بهاء الدّين أبي البقاء السُّبكي الشافعي. وفي المنتصف من هذا الشهر بلغنا الوَقْعَةُ الأخرى بين الأتراك بمصرَ، وانفصلت عن مقتل الأمير أَسَنْدَمِر (٢)، وقُتِلَ معه أولئك المماليك الذين كانوا يُفْسدون في الأرض ولا يُصلحون، ولله الحمدُ والمنَّة، وقد كانوا في تلك الليلة تعاملوا بينهم على خلع السلطان، وتولية المُلك لابن يَلْبُغا، فمكروا مكرًا، ومكر الله بهم مكرًا وهم لا يشعرون، فأصبَحوا والجيشُ مع السُّلطان، قد أحاطوا بهم من كلّ جانب فقُتِّلوا تقتيلًا، وقُتِلَ أَسَنْدَمِرُ أيضًا، واستظهر السّلطانُ، ولم يبقَ له منازع [في] (٣) القلوب، ونودي في البلدان من قَدِرَ على أحدٍ من هؤلاء المماليك المفسدين فليقتُلْه (٤) فَسَلبُه لمن قَدِرَ عليه، وروحُه للسّلطان. وفي يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر: زُيِّنَتْ دمشقُ ودُقَّت البشائر فرحًا باستقلال السلطان بتدبير الملك وترشيده وظفره بأولئك المماليك الجَلب المفسدين في الأرض أنواع الإفساد - لعنهم الله وأهانهم - وكذلك فعلَ؛ أظفَر بهمُ السُّلطانَ وحزبَهُ؛ فأَبادوهم، وسلَّطوا عليهم العامَّة يقتلون ويأسِرُون ويَسْلِبُون، واستمرَّت الزِّيْنَةُ إلى يوم الثلاثاء الآخَر. وفي هذا اليوم توفِّي العَلَمُ الهلاليّ عليم الدِّين سَنْجِر بن عبد الله (٥)، مولى نجم [الدين علي] (٦) بن

стр. 585

هلال، وقد قاربَ الثمَّانينَ أو جاوزَها، وهو مشهورٌ بكثرة الأموال من [المعاملات] (١) - سامحه الله. وركب نائبُ السَّلطنةِ الأميرُ الكبيرُ بَيْدَمِر لتلقيّ أميرٍ قدمَ من الدّيار المصرية قاصدًا إلى حلبَ لطلب الأمير مَنْكَلي بُغَا إلى الدّيار المصريّةَ مكرَّمًا معظَّمًا. وبعد ذلك بأيَّامٍ ركبَ إلى جماعةٍ من الأعرابِ المفسدين في الأمن؛ بقطعِ الطّريق، فكبسهم فأسرَ منهم جماعةً، وأخذَ من أغنامهم وإبلهم شيئًا كثيرًا، ورجعَ ليلةَ الثلاثاء خامس عشر منه. عزلُ نائبِ السَّلطنة الأمير بَيْدَمِر لمَّا كان يومُ الأربعاء الخامس والعشرين من صفرٍ سنة تسعٍ وستين وسبعمئة، قدمَ البريدُ من الدّيار المصريّة، فتلقّاه النائبُ والأمراءُ فدخلوا دارَ السَّعادة فقُرئَ المرسومُ الذي على يدِهِ بعزلِ نائبِ السَّلطنة بَيْدَمِر، وبعثه على البريد إلى صَفَد، فإن امتنعَ مُسكَ وقُيّد، فأجابَ بالسَّمعِ والطَّاعَةِ وسلَّمهم سيفَهُ، وخرَجَ من فورِهِ، فساروا إلى ناحيةِ صفد، ولم يكن بين دخوله من ناحية المزَّة في أُبهَّة النيابة وبين هذا اليوم سوى ثلاثةٍ وعشرين يومًا، فسُبحان من له الحكم الذي لا يُخالَفُ ولا يُمَانَعُ (٢). في ليلة الجمعة قبلَ المغرب السّابع والعشرين منه. قدم الأمير مَنْكَلي بُغَا [من حلب] (٣) على البريد في خمسين سرجًا مطلوبًا في الدّيار المصريّة، فنزلَ بالقصر، وذهبَ الناسُ للسّلام عليه، وذهبتُ يومَ الجمعة قبلَ الصَّلاة فسلَّمتُ عليه، وجلستُ معه، فحدَّثني عن صفة وقعة أياس وما جرى هناك من الأمور التي قدَّمْنا ذكرها، وبما فتح الله عليه من شهوده هذا الموقف الشريف والغزوة العظيمة التي استنقذ بها مدينة أياس من أيديهم. شهرُ ربيعٍ الأول، أولُه الثلاثاء، في يوم الثلاثاء منه توفّي قاضي القضاة جمال الدين يُوسف بن محمد المَرْدَاوي الحنبلي (٤)، وصُلّي عليه بالجامع المظفَّري بعد الظُّهر، ودُفن بمقبرةِ الشَّيخ موفّق الدين، وكان الجمعُ كثيرًا، وقد كان عُزل قبلَ ذلك وقد جاوزَ السَّبعين، وكان مشكورًا في جميع أحواله واشتغاله وإشغاله، وله تصنيفٌ في المذهب (٥) ﵀. وقدمَ أميرٌ من الدّيار المصريّة بطلبِ ملكِ الأُمراء أمير علي المارداني؛ لنيابَة السَّلطنة بالدِّيار المصريّة

стр. 586

مكرَّمًا معظمًا، وذلك بإشارة الأمير مَنْكَلي بُغَا الشَّمسي الذي صار أتابَك الدّيار المصريّة، ونزلَ بالدَّار الأشرفية (١). وأُمرَ بتخريبِ دار يَلْبُغَا فَخُرِّبَتْ (٢). وفي يوم الأربعاء سادس عشره توفّي الأميرُ علاءُ الدّين عليُّ بنُ العلم سَنْجِر الهلالي (٣) تمرَّض نحوًا من أسبوع، وابتُلي في رجله بداءٍ عُضَال، ولم يتمتَّع بشيءٍ ممّا ترك أبوه من تلك الأموال الرَّبَويّة بشيءٍ، وصُلِّيَ عليه بالجامع، ودفن بسفحِ قاسيون عند أبيه بتربةٍ لهم ﵀. دخولُ الأمير مَنْجَك إلى دمشقَ دخلَها في صبيحةِ يومِ الخميس التاسع عشر من ربيع الأول هذا، من ناحية طرابلس، كان نائبًا عليها، من ناحية القابون، في أُبَّهة النّيابة، وخرجَ الجيشُ لتلقّيهِ والقُضاةُ والأعيانُ وأهلُ الذِّمَّة على العادة، فنزلَ بدار السَّعادة بعدما أوكب (٤)، وقَبَّل العتَبَةَ الشّريفة. وركبَ صبيحةَ يومِ الجمعة إلى دارِ الأمير علي المارِداني المطلوب إلى نيابةِ السَّلطنة بمصرَ، فنزلَ عنده خدمةً له، وأَحْضَرَ سماطَه فأكلا جميعًا، ثم ركب إلى [الجامع الأموي] (٥). ولمّا كان الغدُ قدمَ من الدّيار المصريّة بنحوٍ من مئةٍ وخمسين مملوكًا من [الأجلاب] (٦) الذين كانوا يُفسدون في الأرض ببلاد مصر مقرَّنين في الأصفاد، وأُودعوا في القلعة. ومن الغدِ أحضر ملكُ الأُمراءِ الأميرَ حمزةَ بن الخيّاط أحدَ أمراء الطَّبلخانات؛ فوبّخة وأنبّة، وأمرَ بسَجْنه في القلعة، ونادى عليه في البلد: من كان له عنده طلابه، وأُرسلَ إلى بعلبَكَّ التي كان نائبًا بها؛ ليُنادى عليه بها مثل ذلك. وخرجَ الأميرُ عليُّ المارداني متوجهًا إلى الدّيار المصريّة على نيابتِها يوم الإثنين الحادي والعشرين منه على خيل البريد، وخرج نائبُ السَّلطنة الأمير مَنْجك لتوديعه إلى عقبة سحور (٧)، وخلقٌ من الأمراء وغيرهم.

стр. 587

وفي يوم الثلاثاء الثاني والعشرين منه. قدمَ الأميرُ طَيْبُغا الطَّويل من سجن إسكندرية في أُبهّة هائلة ذاهبًا إلى نيابة حلبَ، فتلقَّاه نائبُ السلطنة والجيشُ فنزلَ [القصرَ] (١). وخُلع على الشّريف علاءِ الدّين الحُسيني بولاية المدينة يوم الخميس الرابع والعشرين منه، ونزل في دار الصَّارم الحَوْلَداري بدرب أبي نصر، وإنَّما يقال له: درب بني نصر. وفي هذا اليوم قدمَ الأمير إشقتَمِر من سجن إسكندرية أيضًا على نيابة طرابُلُس عودًا على بدءِ، فنزل بدار طَيْدمِر الإسماعيلي، واجتمعتُ به هناك في أمرٍ يتعلّق ببعض الفقهاء فأجاب. وفي العَشْر الأخير منه: جاءَ الخبرُ بوفاة الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين بن عَقيل (٢) أحدِ علماءِ الشَّافعية بمصرَ، وشيخِ العربيَّة، وله مصنفاتٌ كثيرةٌ مفيدةٌ (٣)، وكانت فيه رياسةٌ وحشِمْةٌ وتجمُّل، وله جوامك كثيرة، وتوسُّعُ في الملابس والمآكل، وقد جاوزَ السَّبعين ﵀. شهر ربيع الآخَر، أوله الأربعاء. في ليلة مستهله كنت قد رُحت من آخر النهار للسّلام على نائب السَّلطنة الأمير مَنْجَك بدار السعادة، رأيتُ منه إكرامًا وإحسانًا، وسألتُه عن كيفيّة ما كان من أمره بأياس مع الفرنج قبل وصول الأمير مَنْكَلي بُغَا، فأخبرني بنحو ما أَخبرني به مَنْكَلي بُغَا، وزادني على ذلك في صفة [تصدِّيه] (٤) قريب العشرين ألفًا، وليس معه مماليك سوى خمسة وثلاثين مملوكًا، ومن التُّركمانِ نحو المئتين، ومع هذا ذكر أنَّه كَسَرَهُم غيرَ مرَّة قبلَ قدوم الجيش صُحبة مَنْكَلي بُغَا. وفي يوم السبت حادي عشره خُلع على الأمير ناصر الدين ابن أَمير علم بنيابة بعلبَكّ، وعلى الأمير علاء الدين بن بَهَادُر الشُّجاعي بولاية البرِّ عودًا على بدْءٍ. ثم في يوم الإثنين العشرين منه لبس الأميرُ علاء الدّين المذكور لنقابة النُّقَباء، وأُخذت منه ولاية البرّ لبركةَ بن لاقى. ومن أوّل هذا الشهر باشرَ نظر الجامع الأمير جاروخي (٥) الذي كان دوادار السلطان بمرسومِ ملك الأمراء، فضيَّق على المباشرين وشدَّد عليهم.

стр. 588

شهر جمادى الأُولى، أوّلُه الجمعة. ليلةُ ثانيه كانتْ ليلةَ الميلاد؛ فنُودي في البلد من قِبَلِ نائب السّلطنة ألا يُوقد فتائل النّيران، ولا يَلعبُ أحدٌ بنفطٍ ولا شيءٍ من الملاعيب التي تتعلّق بليلة الميلاد - فجزاه الله خيرًا. وفي ليلة ثالثه قُدِمَ بالأمير الكبير بَيْدَمِر الذي كان نائبَ الشَّام من صفدِ محيطًا به، فأنزل في المدرسة الدِّماغية (١)، ورَسَمَ عليه نقيبُ النُّقباء، والمطلوب منه إقامة حساب ما صُرف على عمل الشَّواني التي ببيروت (٢). وفي يوم الأربعاء ثالث عشره نُودي بالبلد عن مرسومِ نائبِ السَّلطنة أنَّ من وجدَ ذميًّا بعد المغرب فلَهُ سلَبُه. ولبسَ الأميرُ المارداني خلعةَ نيابة السَّلطنة بمصر في رابع عشره بعد تمنُّع شديدٍ منه، ثم أُلزم بذلك حتَّى ذُكر أنَّ السلطان ألبسه الخلعةَ بيده. وفي يوم الخميس رابع عشره قُرئَ كتابُ السّلطان بدار السّعادة بحضرة نائب السّلطنة والقضاة أن تُحمل أموالُ الغياب إلى الدّيار المصريّة، وكذلك زكوات أموال الأَيْتام وفائضُ المرتَّب على الصَّدقات، وتحريرُ أموال الأسرى، وأنَّ المراسيم الزَّائدة بعد الأمير مَنْكَلي بُغا على الجامع تَبْطُل، كريمًا وشريفًا. ويُستعاد منهم ما قَبَضُوه من ذلك، وكذلك رُسِمَ أن يُؤخذ زكاة أموال الأغنياء عن سنةٍ كاملة، فرُسِمَ حينئذٍ أن يتكلَّم الأميرُ شهاب الدِّين بن الحمصي وشاد الأوقاف وجاروخي، ويجلسوا في الشباك الكمالي، وجلس معهم نائب وكيل بيت [المال] (٣) شهاب الدين الزّهري مفتي دار العدل، ثم جاء مرسوم شريف أن يتكلم [بذلك] (٤) الأميرُ شهابُ الدّين بن صبحٍ ومعه جمالُ الدّين بن الرّهاوي، فجلسوا في الشباك أيامًا، ثمّ انتقلوا إلى البَادْرائيّة (٥)، واستُحضر أربابُ الأموال من المرابين وغيرهم، وحُرِزَ عليهم أكثر من أولئك، وكثُر تشكّي التُّجار وغيرهم، وبالله المستعان. وكُسف القمرُ ليلةَ الجُمعة خامس عشره بعد عشاء الآخرة، ونُودي في المآذن لصلاة الكُسُوف.

стр. 589

شهر جمادى الآخرة، أوله الأحد، وقيل: السبت. في يوم الإثنين ثانيه نودي في البلد على أهل الذّمة: ألّا يركبوا شيئًا من الدّواب داخلَ البلد بالكلّية. ثم نُودي بعد أيام على إخراج الفلاحين من الجَبَليّة والحَوَارنة من [الداخل] (١) خشية أن يَصْدُر من أحد منهم ما صدر من الخنّاقين، وذلك أنّه كان قد ظُهرَ على أنّ جماعةً من رجال الجبليّة وغيرهم استأجروا بستانًا بمرج الدَّحْداح يولفون (٢) المرأة ويسقونها الخمرَ، ويجتمع أحدهم بها في خلوةٍ فيخنُقُها وهو على صدرها، ويشلّحونها ما عليها من ثيابٍ قلَّ أو كثر. ثمَّ يَدْفِنُونها في ذلك البستان، فحين ظُهرَ عليهم هربَ بعضُهم، واحتيط على بعضهم، صُلب وطيفَ به، وتطلَّبوا الباقين. في يوم الأربعاء الخامس والعشرين منه، آخرَ النهار: رُسم على قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي الشافعي بالمدرسة العَذْراوية (٣)، ومُنع النّاسُ من الدّخول إليه بالكلّية، وفي مرسوم التَّنصيص على جماعةٍ من كتّاب حكمه وشهوده وأَخِصَّائِهِ أن يُرْسم عليهم، ويهدّدوا بالضّرب وغيره حتَّى يَقَرُّوا (٤). ولا يسألوا عنه وعن أحواله، ففُعل ذلك، ورُسم على من حَضَر منهم، وهرَبَ بعضُهم؛ فتغَيَّب. ولمّا كان يومُ السبت الثامن والعشرين منه: [خُتِّم على بيت القاضي] (٥) في العادليّة ودار الخطابة بمرسوم نائب السّلطنة لشادِّ الدَّواوين والحاجب قَرَابُغَا. في هذا الشهر حوِّلت المناداة على الرَّقيق من يوم الجمعة إلى يومي الإثنين والخميس من الظُّهر إلى العَصْر. شهرُ رجب الفردُ، أوّلُه الإثنين قاضي القضاة تاجُ الدِّين مستمرٌ في التَّرسيم بالعَذْرَاويّة، وشُهودُ حُكمه، وكتَّابُ حكمه، وديوانه [إلّا من هرب منهم] (٦) مُرسَّمٌ عليهم بالباذرائيّة تحتَ طلابةِ ابن صُبْحٍ وابنِ الرُّهَاوي، وخلائقُ آخرون من أَخدانِ القاضي وأَخصَّائه؛ لإقامة حساباتٍ لبيان ما دخلَ تحتَ يدِ قاضي القضاة، وما انصرف من ذلك، وما تبقّى في جهته، وكأنّما الأمرُ يتفاقَمُ ويشتدُّ، وجرت أمور. وفي يوم الخميس حادي عشرة اجتمع خلقٌ من مدرسة الشَّيخ أبي عمر، وحملوا مصاحف، ووقفوا

стр. 590

بين يدي ملك الأمراء، فاشتكوْا على قاضي قضاة الحنابلة شرف الدّين بن شيخ الجبل (١) أَنَّه يأكلُ أوقافهم (٢)، فطُلب إلى دار السَّعادة فأبدى عذرًا، ثم اشتكَوْا في يوم السبت، وتمالؤوا عليه، فأُخِّروا إلى أن يجيء القاضي الشّافعي الجديد من الدّيار المصريّة. وتوفّي الصَّدرُ الكبيرُ تقيُّ الدّين عمرُ بنُ الصّدر نجم الدين محمد بن الصّدر نجم الدين بن أبي الطيّب (٣) في صبيحةِ يوم الأحد الرابع عشر من رجبٍ، وله من العمر نحو الخمسين سنة، وتركَ أموالًا جزيلة وأملاكًا هائلةً ثوَّرَها بهمّته وتحصيله، وتركَ أولادًا أربعةً ذكورًا، وكان بيده نظرُ الخزانة وثلاثُ تداريس ودار حديث، وصُلّي عليه الظهر يومئذٍ، ودفن بالسَّفح ﵀. ولاية الشيخ سراج الدين البلقيني قضاء الشافعية بدمشق وقدم قاضي القُضاة سراجُ الدَين عمرُ بن أَرسلان البُلْقيني الشافعي من الدّيار المصرية على خيلِ البريد حاكمًا وخطيبًا بدمشقَ وأعمالها، وشيخ دار الحديث عوضًا عن قاضي القضاة تاج الدّين السُّبكي، وهو إذ ذاك مُرسَّمًا عليه بالعَذْراوية داخل باب النصر، وكان قدومه صبيحةَ يوم الأحد الثامن والعشرين من رجب هذا، فجاء إلى الجامع الأموي فصلّى الظّهرَ إمامًا، ثم راح إلى العادليّة والناس معه كثيرون من أنواع الناس، ولمّا أصبح نهار الإثنين لبسَ الخِلعةَ، وقرئ تقليدُه بالمقْصورة، وراح إلى العادلية وحكم بها، واستناب الشيخ عماد الدين الحُسْباني، وحكم أيضًا يومئذ، واستناب أيضًا الشيخ شمس ابن قاضي [شهبة] (٤). وأُخبرت بما وقع بديار مصر من الحريق بقلعة الجبل في أواخر هذا الشهر، وبالعُرس الحافل الهائل وعريسه الأتابك مَنْكَلي بُغَا على أختِ السّلطان [الأَشرف] (٥). شهرُ شعبانَ المكرّم، أوّلُه الأربعاء. في مستهلّه درَّس قاضي القضاة البُلْقيني بالمدرسة الغَزَاليَّة والعادليّة وأخذ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] وخطب يوم الجمعة ثالثه بالجامع الأموي.

стр. 591

وفي يوم الأحد خامسه: درَّس الشيخ عماد الدين الحُسْباني بالمدرسة [الأمينيّة] (١). وأخذ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وفي يوم الإثنين سادسه حضرَ القضاةُ بدارِ السّعادة على العادة، وأُحضر الأمير شهابُ الدّين بن صُبْح، وجمال الدين بن الرُّهاوي، وأُحضرَ قاضي القضاة تاجُ الدين السُّبكي من العَذْراوية، فجاء فجلس على حافة الإِيوان قدّام ملك الأمراء، وجلس إلى جانبه ابن الرُّهاوي، فتكلَّم معه فيما خرجه عليه من الأموال التي زعمَ أنَّه التمسها من جهاتٍ ذكرها فتَنَاقَشَا طويلًا وتكاذبا، وجرت أمورٌ بينهما ومقاولاتٌ كثيرة، ولم ينفصل أمرٌ، ثم تفرّقوا عن غيرِ شيءٍ، ورُدَّ قاضي القضاة إلى العَذْراوية، وقد سأل في المجلس أن تكونَ حكومته عند قاضي القضاة سراج الدّين البُلْقيني شيخ الإسلام بهذه العبارة. وفي يوم الإثنين هذا حضرتُ عندَ قاضي القضاة سراج الدّين المشار إليه دار الحديث الأشرفية امتثالًا لطلبه [وغايتي الإعادة] (٢) فتكلّم في فنونٍ كثيرةٍ كلامًا كثيرًا محرّرًا مفيدًا بعبارةٍ فصيحةٍ بليغةٍ، وصوتٍ عالٍ، وأسلوبٍ عجيبٍ، قريب من سَمْت ابن تيميّة في سجيّة كلامه. انبهر الفضَلاء ممّن معه من المصريين وفضلاء الشّاميين من حسن إيرادِهِ وإصدارِهِ مع تأدُّبٍ وتودُّد حسن. وقدم الشيخ بهاء الدين بن السُّبكي الشافعي من الدِّيار المصرية بأمرِ الدّولة له بذلك، [ليُحاقَق ويُسمَّعَ] (٣) ما خُرِّجَ عليه في مدَّة ولايته القضاء، ويُجيب عن ذلك، فنزلَ بالمدرسة الرُّكنية، وحيلَ بينه [وبين] (٤) الاجتماع بأخيه بأمرِ نائب السّلطنة، وكان قدومُه في عشية يوم الأربعاء ثامنه. وفي [هذا الشهر] (٥) ادُّعيَ على القاضي عماد الدين بن السِّيرجي (٦) ناظر الشّامية البرّانية بما كان صرفه إلى قاضي القُضَاة (٧) [أثناء مباشرته] (٨) للشامية البرانية، ومبلغُه خمسةٌ وخمسون ألفًا؛ وذلك لعدم قيامه بما [يلزم] (٩) من الاشتغال بها دون غيرها، فأَلزمَ قاضي القضاة سراج الدّين البُلقيني للنّاظر بالمبلغ المذكور، ورُسم عليه ليُطالب القاضي تاج الدّين بما كان صرفه إليه.

стр. 592

وطُولب الشَّيخُ بهاء الدين السُّبكي ببعض ما دخل تحتَ يده من الأموال التي التمسها فيما ذكروا بغير حقٍّ، فوزن بعضُها أربعةَ آلافِ درهم، وظهرَ عليه بأنّه باع مُرتّبًا كان لابنه أبي حاتم في كلِّ شهرٍ مئتين وستين درهمًا، فمات أبو حاتم، ثم باعوا المرتّب بعد موت الصّبي بسنة بعشرة آلاف درهم فيما ذكر، فرجع ديوان الجامع على [المُشْتري] (١) بالعشْرة آلاف، وحكمُوا له على الشيخ بهاء الدين بها. كائنةٌ غريبةٌ (٢) اجتمع القضاة إلا الحنبليَّ بدار السعادة في قاعة الدّوادار، وأُحضر قاضي القضاة تاجُ الدين السُّبكي وأخوه الشيخ بهاء الدين، فتكلَّموا معهما فيما يتعلّق بصرف أموال المجاهدين، فراجعوا الكلام وانتشر؛ فبدت من قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي كلمةُ طالحةٌ، قال في غُبُون (٣) كلام: (فَبَطُل دينُ الإسلام). فبَدَرَ إليه بعضُ الحاضرين عندهم وهو شمس الدّين محمد الفرَّاء والمحدِّث، وهو ابن أخت ابن الرُّهاوي المتعصّب فقال له: كَفَرْتَ، وتعلَّق في أطواقه مع بعض لحيتِهِ وجذبَهُ جذبةً شديدةً بحيث سقط [إلى] (٤) الأرض على وجهه، وتكلَّم القضاةُ في التّكفير، فمنهم من صمّم على ذلك، ومنهم من توقّف، فطفِقَ القاضي تاج الدين السُّبكي يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وتعلّق في قاضي [القضاة] (٥) سراج الدين البُلقيني الشافعي يسألُهُ الحكمَ بإسلامه، فتوقّف في ذلك، ثم اتّفق القضاةُ على الكفِّ في ذلك، ورُفع القاضي تاجُ الدّين من يومه إلى القلعة مُعتقلًا بها بعدَ اجتماع القضاة بنائب السّلطنة وإعلامه بما وقع. وحكموا بين يديه بما حكمَ القاضي جمالُ الدِّين المَرْداوي في سنة ستٍّ وستين وسبعمئة من التّفسيق (٦)، وشهدَ جماعةٌ آخرون باستمراره على فسقه إلى حين عزْله، وحكموا عليه بالمُوجب، وهو تغريمه الأموالَ التي دخلت تحتَ يدِهِ، وادَّعى صرفها فيما رآه. وكاتبوا في ذلك إلى الدّيار المصريّة. ثم بعد أيام ظهرَ لقاضي القضاة أنّ القاضي صلاح الدين بنُ مُنجَّى نائب الحنبلي قد حَكَم بإسلام القاضي تاج الدين السُّبكي ممّا [رَفَعَ] (٧) التَّعزير عنه، فطلبه قاضي القضاة سراج الدّين الشافعي فأنبَّه لكونه افتأت

стр. 593

[عليه، وخالف مرسومه] (١) وقد تقدَّم القُضاةُ إلى نوابهم ألّا يحكموا في ذلك بشيء، فقال: ما علمتُ حتى حكمتُ، فنُوقش بذلك؛ فاعترفَ بخطأ ما حكمَ به، وكتب خطَّهُ بذلك، وأشهد عليه به، وحكم قاضي القضاة سراج الدين بإبطال ما حكم به صلاحُ الدين وعزله عن نظر الصّدقات، وفوّضها إلى ابن الرُّهاوي، وعزلَ مُستنيبه قاضي القضاة شرف الدّين الحنبلي عن نيابته، واستناب تقي الدين سليمان المقدسي، حكمَ يوم الأحد التاسع عشر من شعبان هذا. وفي هذا اليوم، كان عيدُ النّصارى من صيامهم وقد جاءت طائفةٌ من غيارة (٢) الفرنج هذه الليلة إلى بلد الصَّرفند (٣) فدخلوا في الليل؛ فقتلوا من أهله سبعةً وعشرين نفسًا، وأسروا امرأةً واحدةً، وقُتل بعضُهم، ونهَبُوا شيئًا كثيرًا من البضائع المودَعَةِ فيها وانهزَمُوا هاربين. وكان نائبُ السّلطنة قد خرجَ قبلَ ذلك إلى ناحية بيروت، فبلغه خبرُهم، فقصدَ نحوهم، وأرسلَ إلى الجيش يأمرُهم بأن يتأهّبوا ويكونوا على أهبةٍ لذلك. وجاءتِ الأخبار في العشر الآخَر من هذا الشهر من الدّيار المصريّة بما عندهم من الوباء في هذا الحين (٤). ومن أعيان من توفّي في هذا الوقت قاضي القضاة جمال الدين بن التُّركماني الحنفي (٥) بالديار المصرية. وتولّى بعده قضاءَ القضاة سراجُ الدّين الهندي قاضي العساكر الحنفي بالقاهرة ومتولِّي الحسبة. وفي العَشْر الأَخير من هذا الشهر قدمَ الشيخُ جمال الدّين بن الشَّريشي من الديّار المصريّة على تدريس الشَّامية البرانيَّة، وحكم بالعادليَّة نيابةً عن قاضي القضاة سراج الدّين البُلقيني، فصار نوّابُ الشّام أربعةً: الشيخ جمال الدين المذكور، والقاضي وليُّ الدّين أبو البقاء، والشيخ عمادُ الدين الحُسْباني، والقاضي شمس الدين ابن قاضي شَهْبة.

стр. 594

كائنة وبشارة للمسلمين في قتل طائفةٍ من الفرنج بجزيرة أَقْرِيْطش (١) أخبر قاضيَ القضاةِ فتحُ الدّين بنُ الشَّهيد كاتبُ السرّ، وقرأتُ في كتاب مضمونَ ذلك؛ أن [رجلًا وَرَدَ] (٢) الإسكندرية يقال له: أحمد التَّازي (٣)، وهو ريِّس البحر، سُلّم إليه شِينيّان، وأُضيف إليه جماعةٌ من الغُزاة، فساروا إلى أن انتهَوْا إلى جزيرة قبرص، فلم يجدوا بها أحدًا من الجيش، فأحرقوا أربعة شواني، وأخذوا اثنين آخرين، ثم ضربَهُم الهواء إلى جزيرة أَقْرِيطش فلبسوا زِيَّ البنادقة، وحاصروا دَيْرًا هناك يقال له: دير بربها (٤) ففتحوه، وقتلوا من فيه فإذا هم خمسمئةٍ، وقيل: ستمئة، وقُطع من كلّ رأسٍ الأذنُ اليُمنى منه، وأرسل بها إلى السّلطان، وغنم من تلك الدَّير مالًا جزيلًا، من ذلك قنديلُ ذهبٍ، وصليبُ ذهبٍ، وأسر ثلاثين، وراهبين من عظمائهم، وكرَّ راجعًا سالمًا غانمًا، فلمّا انتهى إلى السلطان خلعَ عليه وأحسنَ إليه، وأطلقَ له جميع ما غنمه سوى القِنْديل والصَّليب، وأطلق له ستة شواني أُخرَ مشحونةً بالعُدَد، ولريِّسٍ آخرَ يقال له: مَيْمُون أربعةُ شواني أيضًا برسم غزو الفرنج. شهر رمضان المعظم، أوله الخميس. استهلّ والأخبارُ عن الدّيار المصرية متواترة بكَثْرة الفناء بها، وأنّه يموتُ في كل يوم ما ينيف على الألف، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٥). وفي ليلة الإثنين خامسه جاءَ الخبرُ بأنّ مراكب كثيرةً، شواني وغيرها قد أقبلت من البحر قاصدةً ثغري صيدا وبيروتَ، فجرّد نائبُ السلطنة ثلاثةَ ألافِ فارسٍ مع الحاجب الكبير وزَبالة وتوكُّل، فبادروا سراعًا نحو الثّغور. وأُفرجَ عن الأمير الكبير سيف الدُّنيا والدِّين بَيْدَمِر - الذي كان نائب السَّلطنة بدمشق - من التَّرسيم بالمدرسةِ الدِّماغية إلى منزله ليلة الأربعاء ثامنه بعد عشاء الآخرة والنّاسُ حولِه [يمشون] (٦). وقدم على حِسْبة دمشقَ علاء الدِّين علي المِزِّي من الدّيار المصريّة في أوائل العشر الثاني منه. وقرئ عليَّ ختمُ البُخاريِّ بدار السعادة بحضرةِ نائب السّلطنة مَنْجَك والقضاة، وخلقٍ من المقرئين وغيرهم في ليلة الإثنين الثاني عشر منه.

стр. 595

وجاء الخبرُ بوفاة القاضي علاء الدين ابن القاضي محي الدين يحيى بن فضل الله العدوي (١) كاتب السر بالدّيار المصرية من سنة [ثمان] (٢) وثلاثين وسبعمئة إلى ليلة الجمعة التاسع من شهر رمضان سنة تسعٍ وستّين وسبعمئة بالديار المصرية [وناب] (٣) عن أبيه في حياته، وعمره إذ ذاك أربعُ وعشرون سنة. وكذلك ولي [كتابة السرّ] (٤) القاضي بدر الدين محمد في حياة أبيه القاضي علاء الدّين المشار إليه، وخُلع عليه وعمره تسع عشرة سنة، وأُقيم القاضي ناصر الدين بن النَّشَّائي (٥) بين يديه نائبًا له، وقد ترك أموالًا جزيلة وأملاكًا جليلة، وخلف ستة بنين وأربع بنات، وبلغ من العمر سبعًا وخمسين سنةً ﵀ وقد كان [أوحد عصره في الكتابة وفي مباشرة الوظيفة] (٦). [وجاء الخبر بمسك الأميرين الكبيرين: طَقْتَمِر النّظامي، وأرغون تتر، لأنهما أضمرا سوءًا. وأن النِّظامي صار إلى القدس الشريف] (٧). وجاء البريدُ بطلب الشّيخِ بهاء الدّين السُّبكي من الديار المصرية مكرّمًا على خيل البريد ليلة الثلاثاء السابع والعشرين منه، بعدما ودَّع أخاه وهو بالقلعة بمسجد أبي الدَّرداء. وفي هذه الليلة وصل ابن كَلْبَك في أشغالٍ تتعلَّق بتحصيل أموالٍ سلطانية وغيرها، فأوّل ما طلبَ من جمال الدين بن الرُّهاوي ستين ألفًا من الخاص المُرتجع الذي هو ناظره. وفي نهار الأربعاء ثامن عشرينه: جاءَ الخبرُ بالإفراجٍ عن قاضي القضاة تاج الدّين السُّبكي الشافعي من القلعة، فاجتمع الخلقُ عند باب القلعة رجاءَ أن يخرج فأخّر حتى يقدم البريد. شهرُ شوّال، أوله الجمعة. صلّى بالنّاس في المُصَلّى قاضي القضاة سراجُ الدّين البلُقيني الشّافعي، خرج في أبهَّةِ الخطابة على العادة.

стр. 596

وفي صبيحة يوم الأربعاء سادسه: حضرَ تدريس الناصرية الجّوانية (١) بمرسوم نائب السّلطنة بعد ثُبوت أنّ تدريسها مختصُّ بقضاة الشافعية على القضاة الباقين، اعتمادًا على ما ثبت عند قاضي القضاة شمس الدّين بن علي الحنفي في محضرٍ بعد إكمال أصل الوقف عن السُّلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسُف بن العزيز محمد ابن الظاهر غازي بن النّاصر يوسف بن أيوب [ولا يزال] (٢) هذا المحضر مهجورًا غيرَ معمورٍ إلى ولاية الشيخ بها الدين بن السُّبكي قضاء الشام عوضًا [عن] (٣) قاضي القضاة تاج الدين، فجّدد إثبات هذا المحضر على قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن [المَرْداوي] (٤) فدرس بها بهاءُ الدين ثم أخوهُ تاج الدين، ثم سراجُ الدِّين، كما ذكرناه. وسار الرّكبُ الشّامي والمحَملُ السّلطاني يومَ الخميس ثالث عشره، وأميرُه الملك صلاحُ الدّين. وتوفي الشيخ جمال الدين [محمد بن] (٥) أحمد بن محمد بن الشَّريشي (٦) ليلة الأحد بعدَ عصر السبت سابع عشره، وصُلّي عليه صبيحةَ يوم الأحد بالجامع الأموي، وحُمِل إلى السَّفح ودُفنَ عند جده الشّيخ جمال الدين شارح (الألفيَّة)، خلفَ جامع الأفرم، وله (شرح المنهاج) وغير ذلك من الفوائد ﵀، وقد درّس في عدَّة مدارس (٧)، وولي قضاءَ حمصَ في وقتٍ، ثمّ أقامَ بدمشق ودرَّس بالشَّاميَّة البَّرانية كما ذكرنا درسًا واحدًا، وبقي متمرّضًا حتى مات، وهو نائب الحكم عن البُلقيني، ولم يحكم حكومةً واحدة. ولما كان يوم الأربعاء العشرين منه: درَّس بالشَّامية البَّرانية جمالُ الدين بن الرُّهاوي، وحضر عنده القُضَاةُ والأعيانُ، وحكم في هذا اليوم أيضًا بالعادلية الكبيرة نيابةً عن قاضي القضاة سراج الدين الشافعي، وفُوِّضَ إليه الكلام في الصَّدقات والأيتام وغيرهم. وحكم في هذا اليوم أيضًا القاضي شهاب الدين بن الزُّهْريّ مفتي دار العدل نيابةً عن البُلقيني أيضًا فكَمُل به خمسةُ نوابٍ. الإفراجُ عن قاضي القضاة تاج السُّبكي الشَّافعي من القلعة وفي صبيحة يوم الجمعة التاسع والعشرين من شوّال هذا أُفرج عن قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي

стр. 597

الشافعي، فخرج من القلعة في خلقٍ كثيرٍ إلى دار السَّعادة، فسلَّم على نائب السَّلطنة، ثمَّ رجع إلى المدرسة الرُّكنية في محفل هائلٍ، وبادر الناسُ إلى السَّلام عليه قبل الصّلاة وبعدها، ثمّ رجع من آخر يومه على البريد متوجهًا إلى الدّيار المصرية بطلب من السلطان له مكرَّمًا معظَّمًا. وفي أواخر هذا الشهر توجّه القاضي أمينُ الدِّين [الأَنَفي] (١) المالكي إلى مدينة حلب قاضي قضاة المالكية بها بتقليدٍ شريفٍ. وجاء الخبرُ بموت طَيْبُغًا الطَّويل (٢) نائب حلب في سلخ هذا الشهر، قُتل مسمومًا لِمَا كان قد عزم على انعقاد [الفتنة] (٣) وتفريق الكلمة فيما ذُكر. شهر ذي القعدة، أوله الأحد. في يوم الإثنين تاسعه، توجَّه قاضي القضاة سراج الدين البُلقيني قاضي قضاة الشام على البريد إلى الدّيار المصرية، وفي صحبته جماعةُ طلبوا بمرسوم شريف منهم [ابن الرُّهاوي] (٤) وابن أخته شمس الدين محمد الفَرَّاء، والشَّيخ تقي الدين بن الصّائغ، والشَّيخ علاء الدين حِجِّي (٥)، والباريني (٦)؛ استعداهم قاضي القضاة تاجُ الدين السَّبكي، فرسم بإحضارهم للتحاقق. وفي يوم الخميس ثاني عشره أُمسك جماعةٌ من الأمراء: منهم النِّظامي، وأَرْغُون [الإسعردي] (٧) وآخرون، فسُجنوا في القلعة بدمشقَ، ثم نُفُوا إلى ناحية مصياف ونحوها من البلاد. وجاء الخبر بأن قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي اجتمعَ بالسلطان أوّلَ يوم قدم مصر، فخلع عليه خلعةً هائلةً، وردَّ عليه الخِطابةَ بدمشقَ والشَّامية البَّرانية والأمينية ودار الحديث الأشرفية (٨)، وَرَدَ بذلك كتابُ السلطان إلى نائبه بدمشق يوم الأحد الثاني والعشرين منه، فصلَّى نائبه في الإمامة بالمحراب ظُهْرَ يومئذٍ. وناب عنه في الخطابة ابن أخته قاضي قضاة العساكر بدر الدين بن أبي الفتح، وفي الشَّامية البرانية. وحين دارت الدّروس درَّس في الأمينية القاضي شمس الدين الغَزِّي (٩)، وكان دوران الدروس مستهلَّ سنة سبعين.

стр. 598

شهر ذي الحجّة أوّله الثلاثاء، ثم تبيَّن الإثنين. وكان ثبوتُه بالإثنين عن حكم قاضي القضاة جمال الدين المسلَّاتي المالكي عند قدومه من الدّيار المصرية على منصبه، وعزّل سَرِيّ [الدين] (١) إسماعيل بن هانيء عن المنصب، وتحوّل إلى دار ابن السَّلعوس، واستقرّ قاضي القضاة جمال الدين المسلّاتي في المدرسة الصَّمصَامية على ما كان عليه. وجاء توقيعٌ شريفٌ لقاضي القضاة سَريّ الدِّين المالكي بقضاء حماة، ورسم له بخمسمئة كل شهر. وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ذي الحجة: كانت وفاةُ الشّيخ عزّ الدين حمزةَ ابن ناظر الجيش [قطب] (٢) الدين بن شيخ السَّلاميَّة الحنبلي (٣) مدرّس الحنبلية ﵀ اشتغل في الفقه فحصل وبرع [وصنّف] (٤) وجمع، وشرح أحكام المجد بن تيمية، وله فيه اعتقادٌ صحيحٌ وقبولٌ لما يقوله [شديدُ ونصرة] (٥). صُلّي عليه قبل الظُّهر يومئذٍ بجامع دمشق، ودُفن بتربة أبيه إلى جانب جامع الأفرم من الشرق، وقد وقف فيها عز الدين دارًا للحنابلة ﵀ وسامحه -. سنة سبعين وسبعمئة، أحسنَ الله تقضيِّها استهلت وسُلطان الإسلام بالدّيار المصرية والبلاد الشّامية والحرمين الشّريفين وما والى ذلك وتبعه من البلاد الملكُ الأشرفُ صلاح الدِّين شعبان بن حسين ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون. ونائبه بمصر الأمير علي المارداني، وأتابك العساكر بها الأمير مَنْكَلي بُغَا الشمسي، ووزيرُه بمصر الصّاحب بن قَرَوينة، وناظرُ الجيوش بها القاضي محبُّ الدين، وقضاةُ القضاة بمصر: قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي الشافعي، وسراج الدين الهندي الحنفي، وبرهان الأخْنَائي المالكي، وناصر الدين المقدسي الحنبلي - وفقّهم الله تعالى. ونائب الشّام الأمير سيف الدين مَنْجَك، وقضاةُ دمشق هم: قاضي القضاة سراج الدين البُلقيني الشافعي غير أنّه مقيمٌ بمصر إلى الآن منذُ طُلب إلى هناك، وجمالُ الدّين بن السّراج الحنفي، وجمال الدين المسلاتي المالكي، وشرف الدين الحنبلي.

стр. 599

وناظر الدواوين الصاحب شرف الدين النَّشْو، ووكيل بيت المال القاضي وليُّ الدين بن أبي البقاء السُّبكي، وناظرُ الجيش تاج الدين بن مَشْكُور، والمحتسبُ بها علاء الدين المِزِّي، وشادُّ الدواوين علاء الدين بن بهادُر الشُّجاعي، وشادُّ الأوقاف ابن [أوحد] (١). شهر الله المحرمُ، أولُه الأربعاء. في أوائله كَمُل بناء التُّربة التي أنشئت (٢) تجاه جامع كريم الدين بالقبيبات، لزوجة الأمير مَنْكَلي بُغَا التي توفيت بحلب، فنُقلت إليها في أواخر الماضية، وهي الشريفة خَوَنْدة ابنة الملك الناصر محمد بن قلاوون، ورُتَب فيها القرّاء والخدّام وغير ذلك (٣). وفي أوائله فتح الخانُ الذي أنشأ عمارته نائب السلطنة مَنْجَك، وهو تجاه خان البَيض، وهو في غاية الإحكام، وضُمِّن في السَّنة بسبعة عشر ألفًا (٤). ودخل المحمَلُ يوم الإثنين العشرين منه والحجَّاجُ شاكرون كثرة المياه والعُلوفة، وذكروا أن الزاد كانَ متحسّنًا، ولا سيما اللّحم، وأنّهم وقفوا الثلاثاء. وفي يوم الخميس الثالث والعشرين منه: استحضر نائبُ السّلطنة أولاد الأمير صلاح الدين أمير الرّكب الثلاثة، وأدّبهم بين يديه لمكان الأمير جرجي (٥) بسبب حزازٍ (٦) كان بينهم. ودخل القاضي جمال الدين بن الرُّهاوي من الدّيار المصرية صبيحة يوم الجمعة، فدخل إلى العادلية الكبيرة قبل أن يروح إلى منزله، وسمعَ الدَّعاوى وحكَمَ، ثمَّ راح إلى منزله. وتوفّي القاضي عماد الدين محمد بن موسى ابن الوزير فخر الدّين بن السِّيرجي (٧) ليلة الأحد السادس والعشرين منه ببستانه بمَقْرَى (٨) وصُلّي عليه بجامع يَلبُغا، ثم بجامع جرّاح، ودفن بمقبرتهم بباب الصغير، وله سبع وثمانون سنة، ودخل في الثامنة.

стр. 600

وفي هذا الشهر أُطلق الفرنج الذين كانوا في الحبوس (١) ما عدا القبارصة؛ وذلك لصُلحٍ وقع بين ملوكهم بسبب الصُّلح الذي قدَّموا إلى الدّيار المصرية، فأجيبوا إلى ذلك بشرط ردِّ الأسارى. وفي هذا الشهر كَمُل تجديدُ مشهد عليٍّ بالجامع الأموي؛ كان سقفه مقرنصًا (٢) واطيًا، فأُزيلت القَرْنَصَةُ (٣)، ورُفع السقف، وعُملت فيه ضُويّات فأضاءَ جيدًا بعد ما كان معتمًا (٤). شهرُ صفرٍ، أوّلُه الجمعة. في مستهله رجع قاضي القضاة سراج الدّين البلقيني عودًا على بدء إلى قضاء الشام، ودخل البلد، وراحَ النَّاسُ إلى تهنئته. وفي يوم الأحد درَّس بالناصرية والغزاليّة والعادليّة، وخُلعَ عليه يوم الخميس سابعه،، وأُشعلت قُدّامه الشُّموعُ الكثيرة إلى الجامع، ثم عاد (٥). شهر ربيع الأول، أوّلُه السبت، وقيل: الأَحَدُ. في يوم الخميس خامسه توفي القاضي بدر الدين حسن ابن قاضي القضاة عز الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين سليمان الحنبلي (٦)، نائب الحكم عن قاضي القضاة شرف الدين أحمد ابن قاضي القضاة [شرف الدين] (٧) الحنبلي، وقد قاربَ الثَّمانين، وكان بيده مشيخة الحديث بدار الحديث الأشرفية التي بالجبل للحنابلة، ونصف تدريس الجَوْزيَة، وكان شيخًا حسنًا بشوش الوجه، صُلّي عليه بالجامع [المظفّري] (٨) ودفن بتربة جدّهم الشيخ أبي عمر المقدسي ﵀. وولّي بعده نيابة القضاء القاضي صلاحُ الدين بن المُنَجَّى الذي كان نائبًا قبله. مسك ابن الرُّهاوي وأصحابه وذويه (٩) ولمّا كان يومُ الأحد ثامنه قدم البريدُ من الدّيار المصريّة، وعلى يديه كتاب السُّلطان بمسك جمال الدين بن الرُّهاوي وجماعةٍ ممّن كان يلوذُ به أيَّام مطالبته الناس بالزَّكوات وغيرها والوصايا، ومحاسبته
следующие страницы →