← История

История · id 30098

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة

ابن كثير

Полный текст (651 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وفي صبيحة يوم الأربعاء سادسه: حضرَ تدريس الناصرية الجّوانية (١) بمرسوم نائب السّلطنة بعد ثُبوت أنّ تدريسها مختصُّ بقضاة الشافعية على القضاة الباقين، اعتمادًا على ما ثبت عند قاضي القضاة شمس الدّين بن علي الحنفي في محضرٍ بعد إكمال أصل الوقف عن السُّلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسُف بن العزيز محمد ابن الظاهر غازي بن النّاصر يوسف بن أيوب [ولا يزال] (٢) هذا المحضر مهجورًا غيرَ معمورٍ إلى ولاية الشيخ بها الدين بن السُّبكي قضاء الشام عوضًا [عن] (٣) قاضي القضاة تاج الدين، فجّدد إثبات هذا المحضر على قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن [المَرْداوي] (٤) فدرس بها بهاءُ الدين ثم أخوهُ تاج الدين، ثم سراجُ الدِّين، كما ذكرناه. وسار الرّكبُ الشّامي والمحَملُ السّلطاني يومَ الخميس ثالث عشره، وأميرُه الملك صلاحُ الدّين. وتوفي الشيخ جمال الدين [محمد بن] (٥) أحمد بن محمد بن الشَّريشي (٦) ليلة الأحد بعدَ عصر السبت سابع عشره، وصُلّي عليه صبيحةَ يوم الأحد بالجامع الأموي، وحُمِل إلى السَّفح ودُفنَ عند جده الشّيخ جمال الدين شارح (الألفيَّة)، خلفَ جامع الأفرم، وله (شرح المنهاج) وغير ذلك من الفوائد ﵀، وقد درّس في عدَّة مدارس (٧)، وولي قضاءَ حمصَ في وقتٍ، ثمّ أقامَ بدمشق ودرَّس بالشَّاميَّة البَّرانية كما ذكرنا درسًا واحدًا، وبقي متمرّضًا حتى مات، وهو نائب الحكم عن البُلقيني، ولم يحكم حكومةً واحدة. ولما كان يوم الأربعاء العشرين منه: درَّس بالشَّامية البَّرانية جمالُ الدين بن الرُّهاوي، وحضر عنده القُضَاةُ والأعيانُ، وحكم في هذا اليوم أيضًا بالعادلية الكبيرة نيابةً عن قاضي القضاة سراج الدين الشافعي، وفُوِّضَ إليه الكلام في الصَّدقات والأيتام وغيرهم. وحكم في هذا اليوم أيضًا القاضي شهاب الدين بن الزُّهْريّ مفتي دار العدل نيابةً عن البُلقيني أيضًا فكَمُل به خمسةُ نوابٍ. الإفراجُ عن قاضي القضاة تاج السُّبكي الشَّافعي من القلعة وفي صبيحة يوم الجمعة التاسع والعشرين من شوّال هذا أُفرج عن قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي

стр. 597

الشافعي، فخرج من القلعة في خلقٍ كثيرٍ إلى دار السَّعادة، فسلَّم على نائب السَّلطنة، ثمَّ رجع إلى المدرسة الرُّكنية في محفل هائلٍ، وبادر الناسُ إلى السَّلام عليه قبل الصّلاة وبعدها، ثمّ رجع من آخر يومه على البريد متوجهًا إلى الدّيار المصرية بطلب من السلطان له مكرَّمًا معظَّمًا. وفي أواخر هذا الشهر توجّه القاضي أمينُ الدِّين [الأَنَفي] (١) المالكي إلى مدينة حلب قاضي قضاة المالكية بها بتقليدٍ شريفٍ. وجاء الخبرُ بموت طَيْبُغًا الطَّويل (٢) نائب حلب في سلخ هذا الشهر، قُتل مسمومًا لِمَا كان قد عزم على انعقاد [الفتنة] (٣) وتفريق الكلمة فيما ذُكر. شهر ذي القعدة، أوله الأحد. في يوم الإثنين تاسعه، توجَّه قاضي القضاة سراج الدين البُلقيني قاضي قضاة الشام على البريد إلى الدّيار المصرية، وفي صحبته جماعةُ طلبوا بمرسوم شريف منهم [ابن الرُّهاوي] (٤) وابن أخته شمس الدين محمد الفَرَّاء، والشَّيخ تقي الدين بن الصّائغ، والشَّيخ علاء الدين حِجِّي (٥)، والباريني (٦)؛ استعداهم قاضي القضاة تاجُ الدين السَّبكي، فرسم بإحضارهم للتحاقق. وفي يوم الخميس ثاني عشره أُمسك جماعةٌ من الأمراء: منهم النِّظامي، وأَرْغُون [الإسعردي] (٧) وآخرون، فسُجنوا في القلعة بدمشقَ، ثم نُفُوا إلى ناحية مصياف ونحوها من البلاد. وجاء الخبر بأن قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي اجتمعَ بالسلطان أوّلَ يوم قدم مصر، فخلع عليه خلعةً هائلةً، وردَّ عليه الخِطابةَ بدمشقَ والشَّامية البَّرانية والأمينية ودار الحديث الأشرفية (٨)، وَرَدَ بذلك كتابُ السلطان إلى نائبه بدمشق يوم الأحد الثاني والعشرين منه، فصلَّى نائبه في الإمامة بالمحراب ظُهْرَ يومئذٍ. وناب عنه في الخطابة ابن أخته قاضي قضاة العساكر بدر الدين بن أبي الفتح، وفي الشَّامية البرانية. وحين دارت الدّروس درَّس في الأمينية القاضي شمس الدين الغَزِّي (٩)، وكان دوران الدروس مستهلَّ سنة سبعين.

стр. 598

شهر ذي الحجّة أوّله الثلاثاء، ثم تبيَّن الإثنين. وكان ثبوتُه بالإثنين عن حكم قاضي القضاة جمال الدين المسلَّاتي المالكي عند قدومه من الدّيار المصرية على منصبه، وعزّل سَرِيّ [الدين] (١) إسماعيل بن هانيء عن المنصب، وتحوّل إلى دار ابن السَّلعوس، واستقرّ قاضي القضاة جمال الدين المسلّاتي في المدرسة الصَّمصَامية على ما كان عليه. وجاء توقيعٌ شريفٌ لقاضي القضاة سَريّ الدِّين المالكي بقضاء حماة، ورسم له بخمسمئة كل شهر. وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ذي الحجة: كانت وفاةُ الشّيخ عزّ الدين حمزةَ ابن ناظر الجيش [قطب] (٢) الدين بن شيخ السَّلاميَّة الحنبلي (٣) مدرّس الحنبلية ﵀ اشتغل في الفقه فحصل وبرع [وصنّف] (٤) وجمع، وشرح أحكام المجد بن تيمية، وله فيه اعتقادٌ صحيحٌ وقبولٌ لما يقوله [شديدُ ونصرة] (٥). صُلّي عليه قبل الظُّهر يومئذٍ بجامع دمشق، ودُفن بتربة أبيه إلى جانب جامع الأفرم من الشرق، وقد وقف فيها عز الدين دارًا للحنابلة ﵀ وسامحه -. سنة سبعين وسبعمئة، أحسنَ الله تقضيِّها استهلت وسُلطان الإسلام بالدّيار المصرية والبلاد الشّامية والحرمين الشّريفين وما والى ذلك وتبعه من البلاد الملكُ الأشرفُ صلاح الدِّين شعبان بن حسين ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون. ونائبه بمصر الأمير علي المارداني، وأتابك العساكر بها الأمير مَنْكَلي بُغَا الشمسي، ووزيرُه بمصر الصّاحب بن قَرَوينة، وناظرُ الجيوش بها القاضي محبُّ الدين، وقضاةُ القضاة بمصر: قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي الشافعي، وسراج الدين الهندي الحنفي، وبرهان الأخْنَائي المالكي، وناصر الدين المقدسي الحنبلي - وفقّهم الله تعالى. ونائب الشّام الأمير سيف الدين مَنْجَك، وقضاةُ دمشق هم: قاضي القضاة سراج الدين البُلقيني الشافعي غير أنّه مقيمٌ بمصر إلى الآن منذُ طُلب إلى هناك، وجمالُ الدّين بن السّراج الحنفي، وجمال الدين المسلاتي المالكي، وشرف الدين الحنبلي.

стр. 599

وناظر الدواوين الصاحب شرف الدين النَّشْو، ووكيل بيت المال القاضي وليُّ الدين بن أبي البقاء السُّبكي، وناظرُ الجيش تاج الدين بن مَشْكُور، والمحتسبُ بها علاء الدين المِزِّي، وشادُّ الدواوين علاء الدين بن بهادُر الشُّجاعي، وشادُّ الأوقاف ابن [أوحد] (١). شهر الله المحرمُ، أولُه الأربعاء. في أوائله كَمُل بناء التُّربة التي أنشئت (٢) تجاه جامع كريم الدين بالقبيبات، لزوجة الأمير مَنْكَلي بُغَا التي توفيت بحلب، فنُقلت إليها في أواخر الماضية، وهي الشريفة خَوَنْدة ابنة الملك الناصر محمد بن قلاوون، ورُتَب فيها القرّاء والخدّام وغير ذلك (٣). وفي أوائله فتح الخانُ الذي أنشأ عمارته نائب السلطنة مَنْجَك، وهو تجاه خان البَيض، وهو في غاية الإحكام، وضُمِّن في السَّنة بسبعة عشر ألفًا (٤). ودخل المحمَلُ يوم الإثنين العشرين منه والحجَّاجُ شاكرون كثرة المياه والعُلوفة، وذكروا أن الزاد كانَ متحسّنًا، ولا سيما اللّحم، وأنّهم وقفوا الثلاثاء. وفي يوم الخميس الثالث والعشرين منه: استحضر نائبُ السّلطنة أولاد الأمير صلاح الدين أمير الرّكب الثلاثة، وأدّبهم بين يديه لمكان الأمير جرجي (٥) بسبب حزازٍ (٦) كان بينهم. ودخل القاضي جمال الدين بن الرُّهاوي من الدّيار المصرية صبيحة يوم الجمعة، فدخل إلى العادلية الكبيرة قبل أن يروح إلى منزله، وسمعَ الدَّعاوى وحكَمَ، ثمَّ راح إلى منزله. وتوفّي القاضي عماد الدين محمد بن موسى ابن الوزير فخر الدّين بن السِّيرجي (٧) ليلة الأحد السادس والعشرين منه ببستانه بمَقْرَى (٨) وصُلّي عليه بجامع يَلبُغا، ثم بجامع جرّاح، ودفن بمقبرتهم بباب الصغير، وله سبع وثمانون سنة، ودخل في الثامنة.

стр. 600

وفي هذا الشهر أُطلق الفرنج الذين كانوا في الحبوس (١) ما عدا القبارصة؛ وذلك لصُلحٍ وقع بين ملوكهم بسبب الصُّلح الذي قدَّموا إلى الدّيار المصرية، فأجيبوا إلى ذلك بشرط ردِّ الأسارى. وفي هذا الشهر كَمُل تجديدُ مشهد عليٍّ بالجامع الأموي؛ كان سقفه مقرنصًا (٢) واطيًا، فأُزيلت القَرْنَصَةُ (٣)، ورُفع السقف، وعُملت فيه ضُويّات فأضاءَ جيدًا بعد ما كان معتمًا (٤). شهرُ صفرٍ، أوّلُه الجمعة. في مستهله رجع قاضي القضاة سراج الدّين البلقيني عودًا على بدء إلى قضاء الشام، ودخل البلد، وراحَ النَّاسُ إلى تهنئته. وفي يوم الأحد درَّس بالناصرية والغزاليّة والعادليّة، وخُلعَ عليه يوم الخميس سابعه،، وأُشعلت قُدّامه الشُّموعُ الكثيرة إلى الجامع، ثم عاد (٥). شهر ربيع الأول، أوّلُه السبت، وقيل: الأَحَدُ. في يوم الخميس خامسه توفي القاضي بدر الدين حسن ابن قاضي القضاة عز الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين سليمان الحنبلي (٦)، نائب الحكم عن قاضي القضاة شرف الدين أحمد ابن قاضي القضاة [شرف الدين] (٧) الحنبلي، وقد قاربَ الثَّمانين، وكان بيده مشيخة الحديث بدار الحديث الأشرفية التي بالجبل للحنابلة، ونصف تدريس الجَوْزيَة، وكان شيخًا حسنًا بشوش الوجه، صُلّي عليه بالجامع [المظفّري] (٨) ودفن بتربة جدّهم الشيخ أبي عمر المقدسي ﵀. وولّي بعده نيابة القضاء القاضي صلاحُ الدين بن المُنَجَّى الذي كان نائبًا قبله. مسك ابن الرُّهاوي وأصحابه وذويه (٩) ولمّا كان يومُ الأحد ثامنه قدم البريدُ من الدّيار المصريّة، وعلى يديه كتاب السُّلطان بمسك جمال الدين بن الرُّهاوي وجماعةٍ ممّن كان يلوذُ به أيَّام مطالبته الناس بالزَّكوات وغيرها والوصايا، ومحاسبته

стр. 601

للناس ومعاقبته لبعضهم، كأنّه كان له عليهم ثأرٌ من قديم، فأمر نائبُ السَّلطنة الأمير سيفُ الدين مَنْجَك لمتوليّ البلد، ومتوليِّ البرِّ، وشادِّ الدّواوين، وأحد الحجّاب بالاحتياط على بستانه عند جسر كحيل (١) بالصّالحية بالقرب من الشِّبلية، فذهبوا سريعًا، واحتاطوا عليه وعلى حواصله، وشاع في البلد واشتهر، وصحَّ أنَّهم وجدوا عنده خمرًا، وأواني الخمر، ومعصرةً للخمر خشبًا (٢)، فذهبوا به إلى نائب السَّلطنة فرَسم بأن يُرسم عليه بالمدرسة الباذرائية، وأن يُحتاط عليه، ولا يمكَّن أحدٌ من الاجتماع به، ولمّا ذُهَبَ به إلى المدرسة المذكورة نالَهُ من العوام في الطريق أَخْراقٌ عظيمة، وشَتْم قبيحٌ، ثم تتبعوا جماعةً من أصحابه وأصهاره فمُسكوا وحبسوا في حبس السَّدَّ، وبعضُهم في حبس باب الصّغير مع اللُّصوص، منهم ابن أخته شمس الدين [الفرّاء] (٣) وعبد الله الحنبلي بن أخي القاضي المرداوي، وهو نقيب القاضي الشافعي يومئذٍ، ثم طُولب ابن الرُّهاوي بما يزيد على المئة وعشرين ألف درهم، وتُوُعِّد على عدم إحضارها بضَرْب المقارع والنَّكال والمعاصير والكسّارات وأهين إلى الغاية. رجوع قاضي القضاة تاج الدين من الديار المصرية لما كان يومُ الإثنين تاسعُ ربيع الأول عند أذان الظُّهر وصل قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي إلى جامع دمشق على الخطابة وتدريس الشَّامية البرانيَّة و [الأمينيّة] (٤) ومشيخة دار الحديث الأشرفية، وصلّى بالناس إمامًا يومئذٍ صلاة الظُّهر [واجتمع] (٥) عليه الناس اجتماعًا عظيمًا يسلّمون عليه، ويهنّئُونه بالسلامة. وقد جرى له في هذا اليوم من تلقي الناس له خاصهم وعامِّهم، رجالهم ونسائهم إلى عقبة سحورا (٦) ما بعدها فوجًا بعد فوج وطائفةً بعد طائفة ما بين رُكبان ورجاله، فقراء وأمراء وقضاة وكبراء، والنّساء يزغلطنَ، والخليليةُ يضرب بين يديه، والفقراءُ يرقصون فرحًا به وبقدومه، والناس يكبّرون، وكان يومًا مشهودًا، ولم يزل (٧) الأمرُ في تزايد إلى أن انتهى إلى دار السعادة فلم [يجد] (٨) نائب السَّلطنةِ بها، فراح إليه إلى الميدان الأخضر، فتلقّاه نائبُ السلطنة بالإكرام والاحترام والإعظام، وعلَّم له على ما ورد معه من التواقيع

стр. 602

الشريفة له ولغيره من أصحابه وذويه، ثمّ رجعَ من عنده فدخل البلد من باب النَّصر إلى الجامع الأموي والنّاسُ يزيدون في تلقيه والدُّعاء له، لا سيّما أهل القلعة الذين كان محبوسًا عندهم، والشموعُ تقِدُ معهم ومع غيرهم، والماوَرْدُ يُرشُّ عليه وعلى النّاس حتى غرّقوا ثيابه وفرسه، وما زال كذلك حتى وصل إلى درج باب البريد فترجَّل، ودخل الجامع، والنّاسُ مرتصُّون حوله من كلِّ جانب عند إقامة الصلاة، فدخل وصلَّى بالناس الظُّهر كما ذكرنا، ثمّ دحلّ مقصورة الخِطَابة والنّاسُ يفدون إليه، ويزحمون على بابه، وهو يتلقى الناس ببشاشة وطلاقة وجه، ويعامل كل أحدٍ بما يناسبه، ويليقُ به من إكرام واحترام ومكارم أخلاق، عامله الله بلطفه، وأحسن عاقبته، آمين. في آخر هذا النّهار توجّه نائبُ السَّلطنة الأمير سيف الدين مَنْجَك مطلوبًا إلى الديار المصرية مكرّمًا معظمًا على خيل البريد، والهدايا والتُّحف قد سبقتهُ بين يديه إلى الدّيار المصرية مصحوبًا بالسلامة والعافية وحسن العاقبة. توجَّه قاضي القضاة سراجُ الدين البُلقيني إلى الديار المصرية على خيل البريد في [صبيحة] (١) عاشره، وقد تقدّمه أهلُه بيوم. وفي يوم الأربعاء حادي عشره: نُودي بالبلد على ابن الرُّهاوي: من كان له عنده طلابةٌ أو ظلامةٌ، وبعد ذلك بيوم نُودي عليه أيضًا، وجرت فصولٌ كثيرةٌ وخطوبٌ، وكُتبت محاضرُ بالذي وجدوا في بيته من الخمر، وأواني الخمر، ومعصرة الخمر، وغير ذلك. وخطب قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي بالجامع الأموي يوم الجمعة ثاني عشره خطبة عظيمة بليغةً، كرّر الحمد في أوّلها كثيرًا، وذكر نعمة الله عليه؛ من سلامته من كيد أعدائه، وعوده إلى منصبه وأدائه. شهرُ ربيع الآخر، أوّلُه الإثنين. في ليلة الخميس رابعه توفّي القاضي صلاح الدين محمد ابن الشيخ شرف الدين أحمد ابن الشيخ زين الدين بن المُنَجِّى الحنبلي (٢) نائب الحكم ومدرِّس المسمارية والصَّدرية وناظر الصدقات، كان من بقيّة أبناء الرُّؤساء، وفيه سُنَّةٌ ودينٌ وصِيَانة، وصُلِّي عليه صبيحة يوم الخميس المذكور، ودُفنَ بالسفح في تربة بالقرب من العادلية، وكانت له جنازة حافلة ﵀. وقد استناب قاضي القضاة شرفُ الدين الحنبلي لولدِ هذا المُتَوفَّى وهو علاء الدين علي ابن القاضي صلاح الدين (٣) استنابه في الحكم مكان أبيه وذلك بعذر، وحكم هناك ففرح أهلُه بذلك.

стр. 603

ولما كان يوم الأحد سابعة حضر درس [الصّدريّة] (١) وحضر عنده القضاةُ والأعيانُ، وحكم يومئذٍ في الجَوْزية، وله من العمرِ دونَ العشرين سنة (٢). عودةُ قاضي القضاة تاج الدّين إلى منصب القضاء بدمشق اتّفق أنّه لمّا كانَ يومُ الأربعاء السابع عشر من هذا الشهر جاء البريدُ بالإفراج عن الرُّهاوي من التَّرسيم والمُصادرة، وكان له في ذلك نحوًا من [أربعين يومًا] (٣)، وقد أخذ منه نحو من أربعين ألفًا، فبمجرد ما أُفرج عنه راح إلى العادلية الكبيرة [فجلس] (٤) في صدر إيوانها، ومعه جماعةٌ كثيرةٌ من الشُّهود والرجّالة [والوكلاء] (٥). وأشاعوا بأن القاضي البُلقيني قادمٌ من مصر مع نائب السَّلطنة مَنْجَك على عادته في القضاء، وإنما كان هذا الفرح في بياض النّهار، فلما كان بين العشاءين ليلة الخميس جاء الخبرُ بأنّ السُّلطان عزلَ البُلقيني، وولى قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي [فهمد] (٦) أصحاب البُلقيني، وقد خَمَدتْ جمرتُهم، وتواترت الأخبارُ بذلك. فلمّا كانَ يومُ الإثنين لبس قاضي القُضاة تاجُ الدين السَّبكي خلعةً سنيّةً، قدِّمت إليه صبيحة التّقليد، لبسها من دار السَّعادة إلى العادليّة، وقرى تقليدُه هناك وكتابُ السُّلطان إليه، وكان يومًا مشهودًا وانخزى ابن الرُّهاوي وأَضَرابُه. واستناب يومئذٍ أربعةً، وهم: وليّ الدين ابن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء السُّبكي، وشمس الدين الغَزّي، وشمس الدين ابن قاضي شهبة، وبدر الدين الزُّرَعي. ولما كان يوم الخميس الرابع والعشرين منه: خُلعَ على الولدِ عُمَر خِلْعَةَ الحِسْبة، ودار البلد على العادة وباشرَ (٧). وفي هذا اليوم خُلعَ على والي المدينة ناصر الدِّين الغَاوي، وعلى جمال الدّين ابن قاضي الكُرَك بتوقيع الدّست. شهرُ جُمادى الأولى، أوّلُه الثلاثاء. استهلّ هذا الشهر ونائبُ السّلطنة الأميرُ سيفُ الدِّين مَنْجَك، قد

стр. 604

أقَبلَ من الديار المصرية، وقد تلقّاه السلطان بالرّحب والإحسان، وقَبِلَ ما كان قد أهداه من التُّحف والألطاف، وأطلق له أضعافَ ذلك، وكذلك أهدى إليه جماعةُ الأمراء، ولمّا بلغ بلاد غزَّة اجتاز ببلدِ بدرأس (١) فوجد هناك واديًا لا يُسلكُ فيه زمن الشتاء إلا بكلفةٍ شديدةٍ، فأقام هناك لبناء جسرٍ عليه - أثابه الله تعالى. قدوم نائب السّلطنة مَنْجَك من الديار المصريّة فلمَّا كانَ يومُ الأحد العشرين من هذا الشهر قدم الأمير سيفُ الدين مَنْجَك نائبُ السّلطنة إلى دمشق في آخر النّهار في أبهة هائلةٍ، ثم أصبحَ فلبس التَّشْريف الهائل، وركب في الموكب [وأُوقدت] (٢) له الشموع، ودعا (٣) له الناس، وحين دخلَ دارَ السّعادة ظَهرَ (٤) أنَّه أوّلُ يوم من كانون الثاني؛ فتباشر النَّاسُ بذلك. شهر جُمادى الآخرة، أوّله الأربعاءُ. في يوم الخميس تاسعه طافوا حوْلَ البلدِ بستَّةِ مسمَّرين على جمال، ممن اعترف بقتل النَّفْس التي حرَّم الله، وشُنِقَ آخر، وهو شريف كان قد اتَّفق هو وآخر من المسمَّرين على قتل امرأةٍ أحضراها عندَهُم على الشَّراب فأَسكراها، ثمّ قتلاها وأخَذَا ما كان عليها [من الجهاز في] (٥) بستان بأرض جوبر، فلمّا ظُهِرَ عَليهما اعترفا من غيرِ عقوبةٍ، وأحضرا ما كانا أخذا من مالها. وأما الإثنان الآخران فإنهما استأجرتهما ابنة الشُّويخ على قتل زوجها، وهو من تجارِ الصَّاغة، يقال له: بَقْتَمِر، فقتلاه ليلًا، ولمّا أُخذا [أقرا] (٦) سريعًا. وأما الآخران فغلام عشقَ جارية قوم فاتفقت معه على قتل سيِّدها وستِّها في بستان عند جسر ابن شواش، وأعانَهُما على ذلك عبد لهم أسود، فصلب معهم تأدبًا، وأمّا الباقون فوسِّطوا، وشُنق رفيقُ الشّريف. هذا آخر ما كتبهُ الشيخ بخطِّه (٧). ومن هاهنا أملى عليّ، وأذِنَ لي في تعليقه! أملى عليّ والدي الحافظ إسماعيل بن كثير - مد الله في أجله، وختم بالصالح عملهُ:

стр. 605

شهر رجب الفرد، من سنة سبعين وسبعمئة، أوّله. الجمعة في يوم الجمعة ثامنه ظهر جرادٌ منتشرٌ في البساتين والبلد، وشعَّث بعض الشيء، واستمرَّ موجودًا إلى الجمعة الأخرى، فسلَّط الله عليه ريحًا شديدة الهبوب فصرَفَتْهُ عن البلد، ولله الحمدُ، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٢٩]. وقد اشتُهر في هذا الشهر مَقْتَلُ صاحب قُبرص - لعنه الله - كما جاءتْ بذلك الكُتُبُ من الفِرَنج إلى إخوانهم بدمشقّ، وفي بعضها تفصيلُ صفة قَتلِه (١). وملخّصه: أنَّ عشرة من أمرائه اجتمعوا بأخيه، وهو من عُبّادهم وزُهّادهم، فشَكَوْا إليه ما يَلْقى أهلُ قبرص منه من المصادرات، وما صنع في بلاد المسلمين، وما ترتَّب عليهم بسبب ذلك، فقال لهم أخوه: إن [شريعة الإنجيل] (٢) حكمت بأن يموت، فتعاقدوا وتعاهدوا على قتله، فلمّا جاءَ اللَّيلُ، جاءَ واحدٌ منهم [إلى باب] (٣) الملك ليَسْمُر عنده على العادة في علالي لهم في دارِ المُلْك بالأَفْقُسية (٤)، وهي أكبرُ مُدِنِ قُبرص، فاستأذنَ البوّاب لمن بعدَهُ من الإذن حتى أذن الملك بدخوله ولم يشعر بما وراء ذلك، وإذا بأَميرَيْن أَخَوَيْن قد قدِمُوا، ثم أربعةٌ، ثم ثلاثةٌ، ثم أربعةٌ حتى توافقوا كلُّهم وأخوهُ معهم، فلمّا دخلوا إلى صرحة (٥) الدّار، وقد استأذن لذلك الأمير الأول فأذن له ليصعدوا كلُّهم إليه، وإذا هو جالس في بشخاناه على فراش، فلمّا رآهُم أَنْكَرَهم وذُعِرَ منهم، فقال: ما جاءَ بكم في هذه الساعة؟ فقالوا: جتنا لنخبرك بما قد جرى على الرَّعايا بسبب ظُلمك وسيرتك الضّالَّة (٦)، وقد حكمت شريعةُ الإنجيل بقتلك، فقال: من هو الذي يقتلني؟ فضرَبَهُ بعضُ الأمراء بسكيّنٍ كانت بيده فأَتْلَفَ يده، وأهوى إليه آخر بسيفٍ معه، فقامَ الملك وخطفَهُ منْهُ، فضربه أخوه بحربةٍ في ظهره فأَخْرَجها من صدره، فوقع صريعًا، فهبَرُوه بالسُّيوف، ونزلوا، فركبوا في البلد، ونادَوْا بقتل الملك، ونظروا هل يُنْكِرُ ذلك أحدٌ فلم يُنكر ذلك أحدٌ من أهل البلد، فاجتمع الجيش والأمراءُ على أن يملِّكوا أخاه، فأبى ذلك. وقال: ملّكوا ولده، فبايعوه وهو ابن إحدى عشرة سنة، وعمُّه هو المدبِّر للمملكة، وكتب إلى صاحب مصرَ بالمصانعة، وأننّا تحت أوامركم، وبعث بأسارى وهدايا وتُحف. شهرُ شعبان المكرّم، أوَّله الأحد. لم أجد شيئًا من الحوادث.

стр. 606

شهرُ رمضانَ المعظَّم، أوّلُه الإثنين. في مستهلّه باشرَ الحِسْبة شهاب الدّين أحمد بن الأماسي (١) الذي كان شادًا، ثم صار وكيلًا في دار الحنفي، باشر عوضًا عن الوَلَدِ عُمَر (٢)، وغلتِ الأسعارُ في أيَّامه، وتشاءَمَ النّاسُ به، وجُزّئ البخاري في أماكن متعدّدة من البلد على العادة. وفي أواخر الشهر [وقع بدمشق طاعون خفيف يبدأ] (٣) بكُبّةٍ تطلع تحتَ الآباط أو في الفخذ؛ فيموتُ صاحبها بعد ثلاثة الأيام (٤) أو دونَها، واستمرّ شهورًا، ووَصَلَ عددُ الجنائز إلى الستِّين، ثم تقاصر إلى الخمسين والأربعين وأقل من ذلك، ثم وَقَى اللهُ الناس من شرّه وخفَّفَ ذلك، ولله الحمد والمنة. شهر شوال المبارك، أوله الأربعاء. خرج المحملُ والحجيجُ يوم الإثنين ثالث عشره، وأميرُهُم سيفُ الدّين قَرَابُغَا مملوك أمير علي المارِدَاني نائب السَّلطنة بالدِّيار المصريَّة، وهو أحد الحَجَبةِ بدمشق وقاضيهم ابن شجرة الشافعي. شهر ذي القعدة، أوله الخميس. في مستِهلّه دخل الأميرُ الكبير سيفُ الدِّين بَيْدَمِرُ الذي كان نائب الشَّام إلى دمشق من مدينة طَرْسُوس مطلوبًا إلى الدّيار المصريّة، فشرعَ في الاستدانة لأجلِ الهَدَايا التي يأخذها إلى الدّيار المصريّة، فلمَّا تكامل ما أرادَهُ صارَ إلى مصر في أُبَّهِة وتجمُّلٍ، ودخل مصر فقدَّم للسُّلطان ما ينبغي تقدِيمُه له، وكذلك للأمراء، فلمَّا كان اليوم الثاني من قدومه أُوقف بين يدي السُّلطان فتكلَّم فيه بعض الأمراء من الوسائط النّجسة؛ فناله إهانةُ، وأوقفوه تحت الأمراء الطّبلخانات ثم لمّا وُضع السّماط لم يدْعَ إليه، فخرج إلى الدِّهليز فجلس فيه كالمطرود المبعود، ثمّ صارَ إلى منزله الذي نزلَ فيه، فما هو إلا أن استقرَّ به إذ جاءَهُ الطَّلبُ إلى دارِ الشَّدّ، فطّلب منه عشرة آلاف دينار يُحضرها في الوقت، فذكر أنّه لم يبقَ معه شيء، فعُصر بالمعاصر غير مرّةٍ على ما ذكر لي ابن أخيه، ثم اشتُريَتْ منه ضيعةٌ بأرض حلب للأمير مَنْجَك بعشرة آلاف دينار، وأحالَهُم بها عليه، فقُبِضَت منه، ثم ردُّوه إلى طرْسُوس حيث كان (٥). وفي أواخر هذا الشهر: خرج نائب حلب الأمير قَشْتَمِر إلى طائفة من العرب فكبسَهُم؛ بلغه عنهم أنَّهم يؤذُونَ النَّاسَ بتلك النّاحية، فقتل منهم ونهبّ بيوتهم، وربَّما ذكروا أنهم هَتَكُوا بعض الحريم، وفيها أبيات لبني مُهنَّا، فلما بلغهم الخبرُ احتدُّوا وغضبوا وجاؤوا بجمعٍ كثيرٍ في عَدد وعُدد، فحملوا على من هناك من

стр. 607

الأتراك فقتلُوا منهم خلقًا كثيرًا، منهم عددٌ (١)، من الأمراء، حتى وصلَ القَتْلُ إلى نائبِ السَّلطنة قَشْتَمِر (٢) فقتلوه، بعد قتل ابنه الصغير [محمد، وأُشيع] (٣) أنه قتل من الجيش قريب الألف، فلا حول ولا قوة إلا بالله. فلمّا جاء الخبر إلى حلب كوتب به إلى الديار المصرية، فجاءَ التأنيب إلى الأمير حيار [بن مُهنّا على] (٤) ما وقع من هذا الأمر الفجّ. فردّ الجواب: أنّهم إنّما قاتلوا للدَّفع عن الحريم، ولم يعلموا أنَّ نائب السَّلطنة بينهم، وعلاهم غبارٌ وقتامٌ منعَ النَّاسَ أن يعرفوا بعضهم بعضًا، وأيضًا فإنّ نائب حلب افتأت عليهم، وقاتلهُم بغير مرسومٍ شريف، وليتَهُ نهبَ جميع ما لهم، ولم يتعرّضوا للحريم، هذا عذرٌ؛ فإن قبلتُمُوه وإلا انشمَرْنا عن بلادكم. فورد المرسوم الشريف باستنابة الأمير أَشْقَتَمِر على حلب عوضًا عن قَشْتَمِر، ومرسومٌ إلى نائب الشّام بأن يُرجَّ بالجيش الأقوياءُ منهم يعني الأعراب؛ بسبب هذه الكائنة، فخرجوا في السَّنة الداخلة على ما سيأتي إن شاء الله. شهر ذي الحجّة، أولُه الجمعة أو السبت. في يوم الجمعة سلخه كانت وفاة قاضي القضاة جمال الدين محمود بن السِّراج الحنفي (٥) قاضي قضاة الحنفيّة بدمشق، وقد جاوز السّبعين، بمنزله بالتّعديل، وصُليّ عليه بجامع تَنكُز، ودفن بالصُّوفية ﵀. سنة إحدى وسبعين وسبعمئة من الهجرة استهلَّت هذه السَّنةُ وسلطانُ الإسلام بالدّيار المصريّة والبلاد الشّامية والحلبيّة والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك من البلدان والرساتيق السُّلطان الملكُ الأشرفُ ناصرُ الدين شَعبانُ بنُ حُسين ابن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الصَّالحي، ونائبه بالدّيار المصرية أمير علي المارِدَاني، ومدبُر المملكة ومشيرُها الأمير مَنْكَلي بُغَا الشمسي.

стр. 608

وقضاة مصر: هم المذكورون في التي قبلها، قاضي قضاة الشافعية بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي، وقاضي قضاة الحنيفة سراج الدّين الهندي، وقاضي قضاة المالكية بُرهان الدين الإخنائي، والحنابلة قاضي القضاة ناصر الدين نصر الله المقدسي. ونائب دمشق الأمير سيف الدين مَنْجَك، وقاضي قضاة الشافعية بها تاج الدين عبد الوهاب السُّبكي، وهو خطيبُ البلد، مع ما معه من التَّداريس، وليس للحنفية قاض؛ لأنَّ قاضيهم جمال الدين بن السِّراج توفّي قبل استهلالِ السَّنَةِ بيومٍ. وقاضي قضاة الحنابلة (١) شرفُ الدّين أحمد بن الحسن المقدسيّ المعروف بابن قاضي الجبل، وناظر الدواوين الصّاحب شمسُ الدين التّاج إسحاق، وناظرُ الجيش القاضي تاج الدّين بن مَشكور، ووكيل بيت المال القاضي ولي الدين ابن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء، وكاتب السرّ القاضي فتح الدين بن الشّهيد، وناظر الحِسْبة شهاب الدين الأماسي (٢)، وحاجب الحجَّاب الأمير توكُّل ورفقته الأمير قوري وقرابغا وابن العسكري وآخر، ونقيب النقباء الأمير علاء الدين بن الشجاعيّ، ومتولي البرّ بركة بن لاقى، ومتوليّ المدينة ناصر الدِّين محمد بن الغاوي، ونائب حلب الأمير سيف الدين أَشْقَتمِر، ونائب طرابلس الأمير أَيْدَمِر الدّوادار، ونائبُ حماة الأمير أَيْدَمر الشّيخي، ونائب حمص الأمير أقبُغا البجاسي، ونائب صفد الأمير جَرْدَمِر أخو طاز، ونائب غزة محمد تنك الفازاني. شهر الله المحرم، أوّلُه الأحد. في يوم الإثنين ثالث عشر منه دخل المحملُ السُّلطاني وبقيَّةُ الحجّاج، وهم شاكرون (٣) مُزيرهم، وهو الأمير قَرَابُغَا الحاجب مملوك أمير علي المارداني. وفي هذا اليوم برز (٤) نائب السِّلطنة مَنْجَك إلى وطأَةِ بَرْزَة، وصحبته جماعةٌ ممّن اختارهم من الجيش، ومن نيته الذّهابُ خلف العرب الذين قَتَلوا نائبَ حلب في السنة الماضية كما مرَّ، واستناب في غيبته الأمير عمر شاه أحد مقدّمي الألوف، فكانت وفاته بعد خروج مَنْجَك بأيّام قلائل بمنزله بالقنوات، وقد جاوز الستّين (٥)، وله مباشرات بمصر والشّام، وناب بحماة في بعض الأحيان، وعمل الحجوبيّة الكبيرة.

стр. 609

شهر صفر، أوّلُه الثلاثاء. في يوم الخميس عاشره قُرئَ تقليدُ قضاء قضاة الحنفية باسم الشيخ عماد بن إسماعيل ابن العز (١) بالمدرسة النُّوريّة، وحضرَ تقليدَه القضاةُ والأعيانُ، ولبس الخِلعة والطَّيْلسان، وراحَ النّاس إلى تهنئته بذلك، وكان قد امتنع من قبول الولاية حين عُرضت عليه، وأبى كلَّ الإباء، ثم أُلزِم بذلك فقبل الولاية، وحكم واستناب ولده نجم الدين، ودرَّسَ بالنُّوريَّة. وفي هذا اليوم باشر شمس الدين محمد بن عمر المعروف بابن المسكي (٢) نيابة الحِسبة عن القاضي شمس الدين بن مرِّي، استنابَهُ بإشارة قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب السُّبكي، هذا وابن مرِّي مقيمٌ بالديار المصرية لم يقدُم بعدُ. واستهلَّت هذه السّنة والطَّاعونُ موجود بالشام، لكنه يسيرٌ جدًّا، وقد تقاصَرَ عمَّا كانَ. وأمّا الغلاء فالخبرُ رِطلٌ بدِرْهم، والقمحُ في بيدره الغَرَارة (٣) بمئة وثمانين درهم، والناسُ على وجلٍ من ذلك، والله المستعان. وفي أواخره رجعَ الجيشُ الذين ساروا في طلب العرَبَ صُحبةَ نائب السلطنة كما تقدَّم، وقدِمَ صحبتهم الأمير توكُّل، وتأخَّر قدوم نائب السَّلطنة بسبب أعذار تخصُّه. وفي أواخره طلب الفقيه زين الدين عمر بن مُسلم القرشي القُبَيباتي إلى مجلس القاضي عماد الدّين الحنفي (٤)، وتكلّموا معه بسبب أنَّه بلغَهُم أنَّه تكلَّم في الإمام أبي حنيفة، فزجَرَهُ القاضي عن ذلك وأهانه، ومنَعَهُ من الكلام على العامة على ما كان يتعاطاه؛ وذلك في مساجد متعدّدة من حفظه بجعائل يأخذها من العوام، لا بأوقاف مقرّرة على ذلك، ودعاوي يدَّعيها، وتكثّر بما ليس بمطابق لما يدّعيه في غالب الأمر، ثم أَذِنَ له بعض الحكّام في الشهر الدّاخل، وعاد إلى ما كان عليه. شهرُ ربيع الأوّل، أولُه الخميس. وفي يوم الثلاثاء سادسه قدم من الدِّيار المصرية القاضي شمس الدين محمد بن مرّي محتسبًا بدمشق مباشرًا (٥) لها على عادة من تقدّمه، ونزل بدرْبِ النّقَّاشة قريبًا من مئذنة (٦) فيروز في دار بَكْتَمِر، وراحَ النّاسُ لتهنئته، فتكلّم في أمر الحِسْبة وما يتعلّق بها، وضربّ بعض السَّماسرة وأدَّبهم، وطاف بهم في البلد، ولم يلبس الخِلْعة إلى الآن؛ لأنَّ نائب السَّلطنة لم يَقْدُم من

стр. 610

مَغِيبه، وذكروا أنّ معه تواقيع عدة: منها توقيع الدّست، وقضاة العساكر للحنيفة مشاركًا لحافظ الدين، وغير ذلك. وفي ثامنه قدم الأمير زَبَالة من مدينة الكَرَك من نيابتها، وقد أُقيل منها إلى دمشق، فنزل بدار الذَّهب، وجُعل أمير أربعين، وذهبَ النَّاسُ لتهنئته. وفي ليلة السبت عاشره قدمَ نائب السّلطنة الأميرُ مَنْجَك إلى دمشّق، ودخل طلبُهُ وقت السّحر، وأصبحَ فركب في الموكبِ وحضرَ في الخِدمة، وذهب النّاسُ للسّلام عليه. وممَّن ذهب للسَّلام عليه خطيبُ المسجدِ الأقصى الإمام العلامة برهان الدّين بن جماعة، وكان قد قدِم في أواخر الشَّهر الخارج. وفي يوم الإثنين ثاني عشره لبس القاضي شمسُ الدين محمدُ بن مرّي خِلعةَ الحِسبة بين يدي ملك الأمراء بدار السَّعادة، ودار في البلد، ونظرَ في مصالح النَّاس على العادة، وضربَ وأَدَّبَ وأظهر شدَّةٌ وعنفًا، هذا والأسعارُ مستمرةٌ على غلائها؛ القمحُ بنحو المئتين، والشَّعير تزايد عن المئة، والخبزُ عشرُ أواق بدرهم. وممن توفيّ في هذا الشهر من الأعيان قاضي القضاة سَريُّ الدِّين إسماعيل بن هانئ المالكي (١)، أصله من الأندلس، وأقام دهرًا طويلًا بمدينة حماة يشغل الناس في فنونِ من العلوم، وكان أستاذًا في العربيَّة والنَّحو والتّصريف وأشعار العرب، بارعًا في ذلك حافظًا كبيرًا، وكان يحفظُ الموطَّأ للإمام مالك، ويكرّر عليه، ويستحضره في أوقاته، ويحفظ فقهًا كثيرًا في مذهبه، وكان في لسانه لثغة في حروفٍ متعددّة يشقُ عليه التعبير بسبب ذلك، ولولا ذلك لنشر علمًا عظيمًا، ثمّ ولّي قضاء المالكية بمدينة حماة في آخر عمره، ثم نقل إلى قضاء دمشق عوضًا عن قاضي القضاة جمال الدين المسلاتي، فأقام نحوًا من سنتين، ثم أُعيد [القاضي] (٢) جمال الدين المسلاتي، ورجع سريّ الدين إلى قضاء حماة على عادته، ثم طلب إلى الدّيار المصرية، فلمّا وصل إليها وأقام بها يسيرًا، فكانت وفاته بها في العشرين من هذا الشهر، ودفن بالقَرَافة، وقد قارب السبعين (٣) أو جاوزها. ﵀ وقد كان كثير العبادة والصّلاة، حسنَ الاعتقاد على طريقة السّلف، لكن نُقِمَ عليه لكونه استنابَ ولده ناصر الدين محمد حين وليّ القضاء بدمشق، وكان ابنه سيّئ السيرة (٤).

стр. 611

شهر ربيع الآخر، أوّلُه السبت في هذا الشهر استدعى قاضي القضاة تاج الدّين عبد الوهاب السُّبكي الشافعي الشيخ الصالح المعمَّر شهاب الدين أحمد بن عبد الكريم بن أبي الحسين البَعْلَبَكِّي (١) إلى دمشق فسمع عليه (صحيح مُسلم) بدار الحديث الأشرفية بقراءة الشّيخ عماد الدّين بن السِّراج، وخُتم في يوم الخميس بكرة النهار الخامس من جمادى الأول، واجتمع في هذا السّماع عليه خلقٌ كثيرٌ، وجمٌّ غفيرٌ، وأحسن إليه قاضي القضاة إحسانًا كثيرًا زائدًا - أحسن الله إليه -. وفي هذا اليوم أيضًا قبل الزَّوال استدعَيْناه (٢) إلى دَرْب الشَّيرجي (٣)؛ فأسمعنا عليه أولاد الولدِ عبد الرحمن: محمد شاه وفاطمة بحضرة أبيها. وإخوة عبد الرحمن، وهم: محمد، وشقيقه أحمد، وأحمد الثاني، وشقيقه عبد الوهاب في الخامسة، وشقيقتهما عائشة في الثانية، وزينب في الأولى والمَسموع يومئذٍ (الأَرْبَعون الرُّباعية من صحيح مُسلم) والأحاديث التي رواها مُسلم عن أحمد في جزءٍ آخر، وخمسة أحاديث من مسلم تخريج الحافظ الذَّهبي، وسمَّعَ الجزء الذي رواه مسلم عن أحمد فاطمهُ ابنتي وزوجتي أم أحمدَ وعبد الوهاب المقدّم ذكرهما. شهر جمادى الأوّل، أوله الأحد. لم أجد فيه شيئًا من الحوادث. شهرُ جُمادى الآخر، أوّلُه الإثنين. في أوائله قدِمَ القاضي شمسُ الدّين محمد بن مرّي إلى دمشق، وقد ورد البريدُ بعوده إلى الحسبة عوضًا عن الولد عُمَر، كان قد تولاها الولدُ في أوائل شهر ربيع الآخر فعُزل بالقاضي شمس الدين بن مرّي كما ذكرنا، فلبس الخِلعةَ ودار في البلد على العادة، وأظهر شدَّةً [وحرصًا] (٤) وأرعب العامَّة وأدَّبهم. هذا كلُّه والخبزُ ما بين العشر أواق إلى الرَّطل مع سقوط أمطارٍ كثيرة وثلوجٍ في الشام كلّه، وجرت الأوديةُ بحورَان، ولله الحمد والمنَّة. كلُّ هذا والقمح - بحمد الله تعالى - سعره ما بين المئتين ومئة وتسعين، والشعير بمئة وعشرين ونحوها. وفي أواخره عُزل ناصر الدّين محمد بن الغّاوي عن ولاية المدينة، وتولاها ابن دُغَا الفيقي بمرسومٍ شريف.

стр. 612

شهر رجب الفرد، أوله الأربعاء، وفي أول شباط. في يوم الثلاثاء رابع عشره توفيّ قاضي القضاة الشيخ شرف الدين أحمد بن قاضي القضاة قاضي الجبل شرف الدين حسن الحنبلي المقدسي (١) بسفح قاسيون وصُلّي عليه بالجامع المُظَفَّري، ودفن بمدرسة الشيخ أبي عمر بالسفح، ويضم تربة جَدّهم، وكان من مشايخ العلماء الكبار ممن يأْذَنُ للفضلاء في الإفتاء، كثير الفنون، له يدٌ في علوم متعدّدة، وله مصنَّفاتٌ عدة قديمةٌ وحديثةٌ، ودَرَّس في أماكن متعدّدةٍ بالجَوْزية والصَّالحية، وبحلقة الثلاثاء بالجامع الأموي، وبمدرسة أبي عمر، ثمّ وَلي القضاء بعد عزل المَرداوي، فلم يُحمد في مباشرة القضاء، ولا فرح به صديقه، بل شمت به عدوُّه حتى كانت وفاته في هذا اليوم، وقد قاربَ الثَّمانين، وقد قيل: إنّه خلّف ما ينيف عن مئتي ألف درهم، ما بين حواصل، وكتبٍ وأملاكٍ وغير ذلك. سامحه الله تعالى ورحمه. وفي يوم الأربعاء درّس بحلقة الثلاثاء بالجامع الأموي عوضًا عن الشيخ شرف الدين الدَّارج (٢) المذكور الفقيهُ البارعُ الإمام العالم الشّيخ زين الدين عبد الرحمن ابن الشيخ شهاب الدين أحمد بن رجب البغدادي ثم الدّمشقي الحنبلي، وحضرَ عنده القاضيان الشّافعي والحنفي وجماعةٌ من الفضلاء والأعيان (٣). وفي يوم الخميس سادس عشره داروا بالمحمل (٤) حول البلد على العادة [ومرُّوا] (٥) به بين يدي نائب السلطنة مَنْجَك، وكان قد قدم بالأمس من تأسيس قرية أنشأها عند رأس وادي [بدّرأس] (٦). وفي يوم الأحد تاسع عشره درَّس بالجَوْزية القاضي علاء الدين علي ابن القاضي صلاح الدين بن المُنَجَّى عوضًا عن مستنيبه قاضي القضاة شرف الدين المذكور، نزلَ له عنها، ودرس في الصَّاحبة عوضًا عن قاضي القضاة شرف الدّين أيضًا الفقيه الفاضل البارع [شهاب] (٧) الدين ابن القاضي شمس الدين بن مُفلح، وقد كان معه ربع تدريسها، فرَسَم له نائبُ السّلطنة بتكملتِها (٨). وفي هذا الشهر ارتفع سعرُ القمح إلى المئتين وعشرين، ثم ترقَّى إلى أن وصل إلى المئتين وستّين

стр. 613

والشّعير إلى المئة وستّين وأزيد، وقد وصل الخبرُ إلى التِّسع أواق بدرهم، والتَّنُّوري ثمانِ أواق، وأُبيع الخبزُ الشّعير كلُّ رِطلٍ بدرهم وأقلّ من ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون. شهر شعبان المكرّم، أولُه الخميس. استهلَّ هذا الشَّهرُ والأَسعارُ (١) على حالها، وتأخَّر المطرُ، لكن الأخبار جيدةٌ عن الزُّروعات. ولمّا كان الحادي والعشرون من هذا الشَّهر سقطَ مطرُ مباركٌ كثيرٌ، وكَثُرت الأجلابُ من بلاد مصر وغيرها بالقَمح والدّقيق، وانحطَّ سعر القمح إلى نحو المئتين، والشعير إلى نحو المئة، وكانت الأخبار عن الزّروع أنَّها جيّدة مباركةٌ، وطابت أنفسُ النّاس، ولله الحمد. شهرُ رمضانُ المعظَّم، أوَّلُه الجمعة. في أَوَّله ابتُدئ بقراءة البُخَاري في أماكن متعددة: منها بمسجد ابن هشام، والنُّورية، وجامع تنكُز، [وتحت] (٢) قُبَّة النَّسر من الجامع الأُموي على العادة، وفي غير ذلك من أماكن متعدّدة. وفي أواخره جدّدت البشائر بالقلعة المنصورة، وزُيّن البلدُ بسبب ميلادِ ولدِ ذكر للسُّلطان الملك الأشرف صاحب الديار المصريّة والبلاد الشّامية والحلبيّة (٣). وفي يوم الجمعة الثاني والعشرين منه خُلعَ على الشَّيخ زادَه (٤) بمشيخة الشُّيوخ بدمشق عوضًا عن قاضي القضاة فتح الدين بن الشَّهيد كاتب السِّرِّ، وحضر الخانقاه السُّميساطيّة. شهرُ شوال المبارك، أوّلُه الأحد. جاء الخبرُ بوفاة القاضي بدر الدين محمَّد بن أبي الفَتْح (٥) في يوم الأربعاء رابع شوّال ببيت المقدس، ودفن بمقابر مامِلَّا ﵀، وكان سبب ذهابه إلى بيت المَقدس [مرافقة] الشيخ بهاء الدين السُّبكي وأخته أم بدر الدّين المتوفَّى المذكور، قدِموا يَصُوموا شهر رمضان ببيت المقدس، فخرج من دمشق في العشر الأخير من شهر رمضان يسلِّم على والدته وخاله فاتَّفق موتُه بالمكان المذكور، وقد كان شابًا حسنًا، حسن الشّكل له اشتغالٌ في العلم، ودرَّس بمدرسة الرُّكنية من مدةٍ طويلة، ثم في الشّامية الجوانية، وولي قضاءَ العساكر بدمشق، وكانت له أنصارٌ وجوامكُ كثيرة، وكان نائبًا لخاليه في القضاء، وخطَبَ عن خاله قاضي القضاة تاج الدين بدمشق مدَّةً طويلة، وكان حسنَ

стр. 614

الخطابة، كلُّ ذلك ولم يَصِلْ إلى الأربعين، وكان كثير الآداب والحِشمة والحَياء، له تودُّد زائدٌ إلى الناس، وكان قد نزل عن تدريس الشَّامية الجوانية لخاله قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي، وعن تدريس الرُّكنيّة لولدٍ له صغير. ووليَ قضاء العساكر بعده صاحبه وعشيره وخليله القاضي فتح الدّين ابن الشّهيد كاتبُ السرِّ، وخلع عليه بذلك، وخلع على ولده تاج الدّين بتوقيع الدَّست عوضًا عن بدر الدين المذكور ﵀. ولما كان يوم الأربعاء تاسع عشره: حضَرَ قاضي القضاة تاج الدين السبكي الشافعي تدريس الجوانية عوضًا عن ابن أخته بحكم نزوله لهُ عنها. وخرجَ الرَّكبُ من دمشق نهار الإثنين سادس عشره، وأميرُ الحاج الأمير طَيْبُغا الدّوادار أحدُ مقدمي الألوف، وقاضي الرَّكب الشيخ شهاب الدين المَلْكَاوي. أثناء هذا الشَّهر خُلع على الأمير علم الدين سليمان ابن الأمير علم الدين البصراوي [بنَظَرِ] (١) الحرمين القدس والخليل. وفي هذا الشّهر المُبارك ظهر بدمشق وبلدان كثيرة حولها طاعونٌ سُمِّي: الخَطَّافُ، يخطف الرجل، أو المرأة [أو الصَّبيَ] (٢) في اليوم أو اليومين أو الثلاثة (٣)، وزادتِ المَوْتى بدمشق في اليوم عن المئةِ وأزيد. وفي أواخر هذا الشهر رَخُصَتِ الأسعارُ، وأُبيعَ القمحُ بدونِ المئتين، والله الحمد والمنّة. شهر ذي القعدة، أوّلُه الإثنين. استَهلَّ هذا الشهرُ وقد رَخُصتِ الأسعارُ، ونزلت الغَرَارةُ إلى دون المئة بعدما كانت وصلت إلى نحو الثلاثمئة، والغَزَارة الشَّعير أبيعت بنحو الأربعين بعدما كانت [زادَتْ عن] (٤) سبعين، ورَخُصَ الخبزُ حتى صار رِطلين بدرهم ولله الحمد والمنة. ولكن كثُرَ الموتُ بسبب الفناء، ومات في النَّهار نحو المئتين من الرجال والنساء والأطفال، ودعا (٥) النَّاس في الجُمَع.

стр. 615

وفي يوم السَّبت ثالث عشره قدم رسولُ أُوَيْس (١) صاحبِ خُراسان، فاجتمع بنائب السّلطنة، وصَعِدوا إلى سطح المِزَّة، ولعبُوا هنالك بالكُرَةِ، وأظهروا تجمُّلًا زائدًا. وفي يوم الخميس ثامن عشره خُلعَ على قاضي القضاة نجم الدّين أبي العباس أحمد ابن قاضي القضاة عماد الدّين إسماعيل بن العزّ الحنفي بقضاء القضاة الحنفية عوضًا عن أبيه، نزل لهُ عنه، وذهبَ الناس لتهنئتَهِ والسَّلام عليه، واستنابَ في الحكم الشيخ صدر الدين ابن القاضي علاء الدين ابن القاضي شمس الدين بن العزّ، واستناب أيضًا ابن أُختِه السيد الشريف، وحكما بالمدرسة النُّوريَّة. وفي صبيحة يوم الجمعة تاسع عشره قدم قاضي القضاة علاء الدِّين ابن العسقلاني (٢) من الديّار المصريّة على قضاء الحنابلة، فنزَلَ بمدرسة الأمينيّة عند قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي الشافعي. وفي العشر الأول من هذا الشهر: توفّي قاضي القضاة جمال الدّين محمد بنُ عبد الرّحيم المسلَّاتي (٣) قضاة قضاة المالكية بدمشق، وكانت وفاتُه بالقاهرة، وقد قاربَ السَّبعين أو جاوزها، وقد أقام بالشَّام نحوًا من أربعين سنةً، درّس للمالكية مدّة طويلةً، ودرس بدار الحديث الظَّاهرية وبالجامع، وأفتى، وكانت لديه فضائلُ، وكان يقترحُ أسئلة لا يقترحها غيره، وكان [مُحَبَّبًا] (٤) إلى الناس، والناس يحبَّونَه لقربِهِ إليهم ﵀ وسامحه. وفي العَشر الأخير درَّس بالمدرسةِ الصَّارميّة الشَّريف شمسُ الدين محمدُ بن الغرابيلي الشهير بالحدنك عوضًا عن بدر الدين الحمصي (٥) بحكم وفاته ﵀ وقد حضر عنده قضاةُ القضاة الشافعي والحنفي والحنبليُّ القادمُ من مصر، وجماعةٌ من الفضلاء. وفي يوم الإثنين الثاني والشعرين منه لبس قاضي القُضاة علاء الدِّين المصري خلعةً بقضاء القضاة الحنابلة، وحكم بالجَوْزَّية على العادة، وحضر عنده الشافعي والحنفي، وقُرِئَ تقليدُه.

стр. 616

وفي صبيحة يوم الأحد الثامن والعشرين منه توفّي الصاحبُ شمسُ الدين موسى بن التاج إسحاق (١) ناظر (٢) الدواوين بدمشق، وصلّي عليه بجامع دمشق، ودفن قبلي البلد بالقرب من جامع كريم الدين، وقد جاوز السَّبعين، وقد باشر هذه الوظيفة مرّات عديدة، وباشرَ نظَر الجيش، ولهُ بمصرَ مباشراتٌ كثيرةٌ، وكان خبيرًا بالدَّيْوَنَةِ وصناعة الحساب ﵀. شهر ذي الحجّة، أوّلُه الأربعاء. فيه وفاة قاضي القضاة تاج الدِّين عبد الوهاب السُّبكي الشافعي (٣). في آخر نهارِ الثَّلاثاء السابع من ذي الحجة من سنة إحدى وسبعين وسبعمئة كانت وفاة قاضي القضاة تاج الدّين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدين أبي الحسن علي السُّبكي الشافعي ببستانه من أراضي النَّيرب، وصُلّي عليه من الغد بجامع الأفرم، ودُفن بتربته بسفح قاسيون، وكانت له جنازةٌ هائلة، حضرها نائب السلطنة، وجماعةٌ من الأمراء الكبار، وغيرهم من القضاة والأعيان، وله من العمر ثنتان وأربعون سنة، وقد اشتغل وحصل وصنَّف وألَّف، وجمَعَ كتبًا كثيرةً في الأصول والفروع والحديث وطبقات الشافعية وغير ذلك، وكانت له يَدٌ طُولى في المناظرة وفي النَّظم والنَّثر، وقد درَّس في مدارس كثيرة بدمشق وبمصر، ونابَ في الحكم عن أبيه، ثم نزلَ له أبوه عن المنصب في سنة خمسٍ وخمسين أو ستٍّ وخمسين كما تقدَّم بيانه، وقد عُزل عن المنصب ثلاث مراتٍ ثم أُعيد: مرَّةً بأبي البقاء، ومرةً بأخيه [بهاء الدين] (٤) ومرة بالبُلقيني قاضي القضاة سراج الدين. وكانت أشدَّ العَزْلات عليه، وكانت الخطابةُ قد أضيفت إليه فتولاها مع القضاء. وقد جرى عليه من المِحَن والشَّدائد ما لم يجر على قاض قبلَه، وحصل له من المناصب ما لم يحصل لأحد قبلَه، كان معه من المناصب حين توفِّي: القضاءُ، والخطابةُ، والعادليّة، والغزاليّة، والشاميّة البرانيّة، والجوانيّة، والأمينيّة، ودار الحديث الأشرفية، ودار الحديث الظاهريّة، وكان يباشر بالنظر العامِّ نظر الأُسراء والأسوار والبيمارستان النُّوري، وتحت يده أنظارٌ أُخَر كثيرة، وقد درّس في وقت في القيمرية والرواحية والتقويّة والدماغيّة، والنّاصرية الجوانية، والمُسْرورية، وقد ترك أموالًا كثيرة وأملاكًا متعدِّدة؛ من رباعٍ، وضياعٍ، وبساتينَ، وقاعاتٍ، وغير ذلك، وقد ترك أولادًا ذكورًا وإناثًا، منهم تقي

стр. 617

الدين علي سباعيّ (١)، وترك له مرسومًا شريفًا بالخطابة وتدريس الأمينيّة، ومنهم يحيى صغيرًا، وترك له مرسومًا شريفًا بتدريس الشاميّة الجوانيّة. ومن الاتفاق الغريب وفاةُ قضاة القضاة الأربعة بدمشقَ في هذه السّنة المباركة، ففي أوّلها كانت وفاة قاضي القضاة جمال الدين بن السِّراج الحنفي في آخر يوم من الماضية، ودفن في أول يومٍ من هذه، وفي رجبٍ منها يوم رابع عشره كانت وفاة قاضي القضاة شرف الدين الحَنبلي ابن قاضي الجبل، ويوم سادس ذي القعدة كانت وفاة قاضي القضاة جمال الدين المسلّاتي المالكي بالدّيار المصرية، وتوفّي الشافعي في سابع ذي الحجّة كما تقدّم، وقد مات ابن أخته القاضي بدر الدين بن أبي الفتح قاضي قضاة العساكر بدمشق المحروسة في أوائل شوال منها، فصاروا خمسة قضاةٍ (٢). وفي أواخرها عُمِّر سجنُ القاضي عمارةً حسنةً، وعُمِل فيه بحرةٌ وشَبّاك، ورُتِّب [له] (٣) إمامُ ومحدِّثُ، وكان الذي تولّى ذلك وفعله القاضي تاج الدين ناظر (٤) الجيش بالشَّام. من ماله كما فعل بسجن حلب المحروسة حين كان مباشرها - أثابه الله. سنة اثنين وسبعين وسبعمئة، أحسن الله تقضيها استهلّت هذه السّنة وسُلطان المُسلمين بالدّيار المصريّة والبلاد الشاميّة والحلبّية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك من البلاد والرَّساتيق السلطان الملك الأشرف صلاح الدين شعبان ابن أمير حسين ابن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الصّالحي، وليس له نائب بالديار المصريّة، وقضاةُ مصر هم المذكورون قبلها، ونائب دمشق الأمير سيف الدين مَنْجَك، وقضاةُ دمشق: قاضي القضاة كمال الدّين المعرّي الشافعي، وقاضي القضاة نجم الدين ابن قاضي القضاة عماد الدين ابن العز الحنفي، وقاضي القضاة زين الدين الماروني (٥) المالكي، وقاضي القضاة علاء (٦) الدين ابن العسقلاني الحنبلي، وكاتبٌ السرّ وقاضي العساكر قاضي القضاة فتح الدين ابن الشَّهيد، ووكيلُ بيت المال القاضي وليُّ الدين ابن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء، وناظر الدواوين تاج الدين بن شمس الدين بن التاج إسحاق، وناظر الجيش القاضي تاج

стр. 618

الدّين المذكور في التي قبلها، وناظر الحِسْبة القاضي شمس الدين بن مرعي، ونقيب الأشراف برهان الدين بن عدنان، ومتولّي المدينة الأمير ناصر الدين الغاوي، ومتولّي البر [بركة] (١). شهر الله المحرم، أوّله الخميس. في يوم الأحد رابعه درَّس بالشَّاميَّة البرانيّة الشيخ شمس الدين ابن خطيب يبرود عوضًا عن قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي بحكم وفاته، وحضر عنده ملكُ الأمراء والقاضيان الحنفي والحنبلي، وجلس المدرِّس على السَّجَّادة على العادة، وأخذ يدرِّس في الكلام على البسملة، وأحضر ملكُ الأمراء قِدْرَتَيْنِ وسقاه مشروبًا (٢). وفي يوم الإثنين تلوه، وهو خامس الشهر درَّس المؤلف إسماعيل بن كثير، وهو والد مسطرّة (٣). حضر الدَّرس بدار الحديث الأشرفية عوضًا عن قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي بحكم وفاته، وحضرَ جماعةٌ من الرّؤساء والفُضَلاء والفقهاء، وكان الدرس في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في (مسنده) (٤) عن الشافعي عن مالك عن الزَّهري، عن عبد الرَّحمن بن كَعب بن مالك، عن أبيه مرفوعًا: " [إِنَّما] (٥) نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طائر (٦) يَعْلق في شَجَرِ الجَنَّةِ حتى يَبْعَثَهُ اللهِ إِلى جَسَدِه يَوْمَ يَبْعَثَهُ" والكلام على ذلك. وفي صبيحة هذا اليوم: درَّس تقيُّ الدِّين علي ابن قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي بالمدرسة الأمينيّة، وهو ابن سبع سنين، وحضر عنده جماعةٌ من العُلَماء والفُضَلاء والفُقهاء والأُمَراء، منهم الأمير جُرْجي أحد مقدمي الألوف بالشام. وفي يوم الأربعاء سابعه: درَّس جمالُ الدّين بن الرهاوي بالنَّاصريَّة الجوانية عوضًا عن الشيخ شمس الدين ابن قاضي يبرود، وحَضَر عنده النَّائب وأضافَهُ مَشْروبًا. وفي يوم الأحد حادي عشره درَّس أبو الخطَّاب ابن قاضي القضاة جمال الدين المسلَّاتي المالكي بالمدرسة الركنيّة نيابةً عن أخيه (٧) لأُمِّه بدر الدين بن أبي الفتح.

стр. 619

وفي أواخر هذا الشهر ابتدأ نائبُ السّلطنة الأمير سيف الدين مَنْجَك الناصري بنهر قلُّوط آخر مبتدئه من جسر باناس الدّاخل إلى القلعة، ثمّ خرج به إلى الخندق، وبنى له قناةً روميَّةً مجرُّها في سوق العَرَصة من باب الجابية إلى عند تُربة بَهَادر [ومن ثمَّ] (١) من هنالك إلى سوق الخشابين إلى باب الصَّغير، فألقاها على نهر القلّوط الخارج (٢) من تحت الباب الصَّغير، وهذه القناة انتفع بها أهلُ بساتين الشَّاغور انتفاعًا كثيرًا، بحيث إنَّها سقت أراضي لم يكن نهرُ قَلُّوط يصلُ إليها أبدًا، وقيل: إنَّها واصلة إلى أراضي القُبيبات وميدان الحصى، وما هنالك من المزارع، وقد أبيع ماؤها بثمنٍ كثير، ويتحصَّل منه في كل أسبوعٍ ما ينيفُ عن [ … ] (٣). شهر صفر المبارك، أوله السبت [وفيه سَرَحَ] (٤) نائبُ السلطنة إلى الزَّبداني فأمر بِسيَاطِةِ (٥) عُيُون التُّوتِ لتكثير الماء؛ فتغيرت المياه بسبب ذلك، وزاد الماء حينئذٍ - ولله الحمد والمنّة -. وفي يوم الخميس ثالث عشره قدمَ من الدّيار المصريّة قاضي القضاة زينُ الدّين المارُوني (٦) المالكي على قضاء القضاة المالكية بدمشق، ونزل بالصَّمصاميّة، واستأجر لأهله دارَ السَّلْعُوس، وذهبَ النَّاسُ للسَّلام عليه. ولما كان آخر نهار الأحد سادس عشره قدم قاضي القضاة كمال (٧) الدين عمر بن عثمان المعرّي الشافعي من بلاد حلب على قضاء قضاة الشافعية بدمشقَ، ونزلَ بالعادليّة الكبيرة، وكان قد عرَّج في طريقه إلى ناحية نائب السَّلطنة بأرض الزَّبداني، وقدِمَ هو ونائبُ السَّلطنة في هذه الليلة، ولمّا أصبحَ ركبَ نائبُ السَّلطنة على عادته، وحضر الخِدمة، وحضَرَ عنده القضاةُ الأربعةُ، وخلع على الشَّافعيّ والمالكيّ، وخرجوا بأجمعهم ومرُّوا بدار الحديث الأشرفيّة، ودخلوا إليها، وصَلُّوا بها، وزاروا الأثَرَ الشريف، ثم جاؤوا إلى الجامع، وجلسوا بالمَقصورة، وقُرِئَ تقليدا القاضيين هنالك، ثم عادا إلى منازِلهما، وذهبَ النَّاس للسّلام عليهما على العادة. وفي يوم الأحد ثالث عشر منه درّس قاضي القضاة كمال الدين المَعَرّي المذكور بالغزاليّة، وحضر عنده قاضيا القضاة الحنفي والمالكي وجماعةٌ من الأعيان، وأخذ في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فاستُحسن منه ذلك، ثم ذهب إلى العادليّة، وتكلّم أيضًا على الآية.

стр. 620

وفي يوم الأربعاء سادس عشر منه حضر الدّرس للمالكيّة قاضي القضاة زين الدين المارُوني بالجامع الأموي وبالمدارس التي للمالكية، وحضر عندَهُ القاضيان الشافعي والحنفي وجماعةٌ من الأعيان. وفي ليلة الأحد سلخ هذا الشَّهر كانت وفاة الأمير الكبير سيف الدين جُرْجي (١) أحد أمراء الألوف، وقد عمل الدَّوادارية بمصرَ للسَّلطان، ثم نابَ بطرابلُس، ثم بحلب، ثم نُقل إلى دمشق، فكان رأس المَيمنة بها إلى أن توفّي في هذا الحين، ودفن بسفح قاسيون، وكان عفيفًا عن الشَّراب والفُروجِ (٢) ولكن لم يكن عفيفًا عن المال [والظلم] (٣). شهر ربيع الأوّل، أوّلُه الإثنين. في أوائل هذا الشّهر جاءتِ الأخبارُ من الدّيار المصرية بمصالحة الفرنج بقُبرص وغيرها من جزائر البحر الجَنَويَّة (٤) والبنادقة والكَيْتَلان على أن يضعوا (٥) عشرين سنةً بشرط أن يردُّوا جميع ما استَأسرُوه من مدينة إسكندريّة، وأن يضمَنُوا جميع الأموال التي كانوا أَخَذُوها منها، وأُطْلِقَ الفِرنْجُ الذين كانوا في القَلْعَة، فتصرَّفوا، وباعوا، واشترَوْا، وفرحَ التَّجَارُ بذلك. وفي ليلة الأحد الحادي والعشرين منه توفيّ الأمير بدرُ الدّين يونُس (٦) داوادار نائب السلطنة مَنْجَك. وصلّي عليه صبيحةَ يومِ الأحد بجامع دمشقَ، وخرجَ في جنازته خلقٌ كثيرٌ من الأعيان وغيرهم، ودُفِنَ بسفح قاسيون تجاه النَّاصرية، ولم يجاوز الأَربعين من العمر، وتأسَّف الناسُ عليه، وحزن عليه أبواه وأخواه (٧) حزنًا كثيرًا، وكان متولي نظرِ الجامع الأموي نيابةً عن نائب السَّلطنة، ونظر البيمارستان النُّوري، ونظر الأشراف، وغير ذلك، ولم يتَّفق ذلك لأحدٍ قبلَه من الدّويدارية، وكان معه أيضًا إمرة عشرة ﵀ وسامحه -. وفي هذا الشّهر رَخُصَتِ الأَسعارُ، وصارَ القمحُ بما دون المئة، ونُودي على الخبز كلُّ رِطْلَيْنِ بدرهمٍ، وأما الشَّعير فإنّه قليل، سعرُه من الخَمسين إلى الستّين والسّبعين أيضًا. وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ربيع الأوّل: توفّي الشيخُ فخرُ الدين عثمانُ ابن القاضي تقي

стр. 621

الدين شيخ الشيوخ عبد الكريم ابن قاضي القضاة محيي الدين يحيى ابن قاضي القضاة محيي الدين محمد بن الزَّكي الشافعي (١). وصُلّي عليه بالجامع المُظَفَّري، ودُفن بتُربتهم المشهورة بسفح قاسيون، وقد جاوزَ السَّبعين بسنواتٍ، ودرَّس بعد أبيه بالمدرسةِ العزيزيَّة، والفلكيّة، والكلّاسة، والتَّقويَّة، وكان يزعم أنَّه يعرفُ في أصول الفقه شيئًا، وكان إذا أخذ في تدريس تعجّبَ الفضلاءُ الحاضرون عندَهُ من تعبيره عمّا يَرُومه فيما (٢) يزعُمُ أنَّه فهمه من عبارة صاحب (التحصيل) (٣) بما لا أحكام فيه ولا حاصِل ولا مَحْصُول. إذ هو من وراء طورِ العُقُول (٤)، وكان مع ذلك دِّينًا مع صيانةٍ، ويكتبُ على الفتاوى بعجائبَ أيضًا. ﵀ وسامحه، وغفر له ولنا وسائر المسلمين - بمنّه وكرمه - آمين. شهرُ ربيع الآخر، أوّلُه الأربعاء. في يوم الخميس تاسعِهِ درَّس بعده في المدارس المقدّم ذكرُها أخوه محيي الدين عبد الملك بن الزَّكي، وخُلِعَ عليه، وحضر عنده بعضُ القضاة والأعيانِ. وقدمَ نائبُ السَّلطنة من السَّرحة بعد مضيِّ نحوٍ (٥) من أربعين يومًا، وقد أقامَ ابن أخته (٦) في الدّويداريّة عوضًا عن بدر الديّن يونس الدَّارج. وفي يوم الإثنين طلب نائبُ السَّلطنة الصّاحبَ شمس الدّين البَهْنَسيّ، وألزمه بمباشرة نظر الجامع الأموي عوضًا عن يونُس أيضًا، وكان تمنَّع من ذلك أشدّ الامتناع فباشره، ومنَعَ النَّاسَ من الدُّخول إليه إلا حفاةً على عادة مباشرته الأوُلى. وفي عشيَّةِ نهار الإثنين قدم مملوكُ قاضي القضاة كمال الدين المعرّي الشافعي من الدّيار المصرية، ومعه مراسيمُ شريفةٌ بوظائف النّاسِ؛ منها: تدريسُ المدرسةِ النّاصريّة، ومشيخة دار الحديث الأشرفية مع نظرها، وأربعمئة دِرْهم في كلِّ شهرٍ على الجامع، وأنظارٌ أُخر. وخُلعَ عليه في يوم الإثنين من السابع والعشرين من هذا الشهر بدارِ السَّعادة، وخَرَجَ منها معه القضاةُ وجماعةٌ من الأعيان، فحضَرَ دارَ الحديثِ الأشرفيّة قبل الزَّوال بحضرة من معه من القضاة والأعيان، وقرأَ

стр. 622

القارئُ حديث: (الأَعْمَالِ بالنِّيَّاتِ) (١) فتكلَّم عليه شيئًا يسيرًا، ثم [تحوّلوا] (٢) فَذَهَبوا إلى النّاصرية الجّوانية، فحضرَها، وتكلَّم على بقيَّةِ الحديثِ فيها. وفي يوم الأربعاء التاسع والعشرين منه: جلسَ بالجامع الأموي في مكان الشيخ برهان الدين الفَزَاري إلى أن صلّى الظُّهر، ثم قام فذهب إلى دار الحديث فحضَرَها على العادة. شهر جُمادى الأوّل، أوّلُه الخميس. في ليلة الإثنين خامسه، بعد عشاء الآخرة بَدَتْ حُمْرَةٌ عظيمةٌ في السَّماء، بحيثُ أَنَّها غَمَّت ما بين الرَّبوة إلى ثَنْيَةِ العُقاب، ويوجد في تضاعيفها أعمدةٌ بيضٌ، وخفي بسبب ذلك ضوءُ القمر؛ فتباكى الناسُ عند ذلك، وتصارخوا، وصعد المؤذِّنون إلى المآذن (٣)؛ فذكَّروا وقرؤوا آيات من القرآن، وضجَّ النَّاسُ بالدُّعاءِ (٤). ولو صُلّي لهذه الآية (٥) على مذهب الإمام أحمد بن حنبل كالصَّلاة للكسوف وللزَّلزلة والظُّلمة لم يكن بعيدًا. وجاءت الأخبارُ أنَّ هذه الحُمُرة في هذه الليلة رئيَتْ بحمص وبحماة وبحلب والقدسِ الشريف أيضًا وهذا من أغرب ما رُئي في هذه الأزمان. وفي يوم الخميس خامس عشره خرجَ الأميرُ قرابُغَا مملوك أمير علي المارداني إلى ولاية الولاة بالبلاد القِبْليّة في تجمُّل هائل بطلبِهِ وطبلخانته وذَويه. شهر جُمادى الآخرة، أوّلُه السبت. في يوم الجمعة رابع عشره صُلِّي بجامع دمشق بعد صلاة الجمعة على الشيخ جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ (٦) شيخ الشّافعية بالديار المصرية، وله المصنفاتُ الكثيرةُ (٧)، والفوائد الغزيرة، مولده سنة سبعٍ وسبعمئة - رحمه الله تعالى.

стр. 623

وفي يوم الخميس السابع والعشرين منه قدمَ الأميرُ بهادِرُ قُلْقَاسِ الرُّكني أحدُ أمراء الطّبلخانات، وهو وكيل السُّلطان، وقد كانَ في أشغال للسُّلطان ببلاد الكَرَك والشَّوْبك فقدمَ يومئذٍ إلى دمشق، فنزل بدار الزَّاهر، ومعه مرسومٌ شريفٌ بنظر الجامع الأموي، فأُمضي له، وتكلَّم في نظره، وراح المباشرون إليه. شهرُ رجبٍ الفَرْد، أوّلَه الإثنين. خرج حجّاجٌ كثيرٌ رجبيِّين من الأعيان وغيرهم، منهم فخر الدّين بن عصفور، وسيفُ الدّين أبو بكر بن السَّرادار، والشّيخ محيي الدين الرّحبي وابنهُ وأهلُ بيته، وشهابُ الدين الرَّحبي وابنُه وأهلُ بيته، وشرفُ الدّين بن مُنَجَّى، ورسلان بن النَّقش (١). وفي يوم الجمعة سادسه دخل الصَّاحبُ تاجُ الدين عبد الوهاب بن الصّاحب شمس الدين بن التاج إسحاق من الدّيار المصريّة ومعه تقليد بنظر الدواوين بدمشق. وصُلِّي يومَ الجمعةِ بعد الصَّلاة بجامع دمشق على غائب، وهو الشَّيخ بدر الدين حسنُ النابلسي الحنبلي (٢) أحد مشايخ الحنابلة بمصر. وفي صبيحة يوم السبت العشرين منه داروا بالمَحْمَل السُّلطاني حولَ البَلدِ على العادة، ولم يكن نائبُ السلطنة حاضرًا، بل هو مقيمٌ على جسر القاسميَّةِ بأرض صَيْدا لأجل عمارتِه. شهر شعبان المكرم، أوّلُه الثلاثاء. في ليلة الثّلاثاء سابعه قدمَ نائبُ السَّلطنة بعد غيبة ثلاثة أشهرٍ وأيام، وقد عمر جسْرَ القاسمية الذي أشار به الأميرُ ألجيه اليوسفي، ووقف على الخان الذي أشار بعمارته الأمير مَنْكَلي بُغَا في الغَوْر عند جِسْرِ المَجَامِعِ. وفي يوم ثلاثاء ثامنه توفّي الأمير ناصر الدين محمد بن بهادر الشُّجاعي (٣) أخو الأمير الكبير علاء الدين نقيب النقباء بالشَّام المحروس، وقد قاربَ السَّبعينَ، وكان كثير التَّلاوةِ، حسنَ الصَّلاة، وقد كتب التفسير (٤) بخطَّة بنَسْخَةٍ حَسَنةٍ في أزيد من عشر مجلدات - رحمه الله تعالى. وفي يوم الأربعاء تاسعه توفّي الشيخ عليُّ السُّطوحي (٥)، وصُلِّي عليه بجامع يَلْبُغا، وحضر جنازته نائبُ السّلطنة والقضاةُ والأعيانُ، وجماعةٌ من الفقراء، وكانت جنازتُه حافلة جدًّا، ودُفنَ بمقابرِ بابِ الفراديس، وكان شيخًا يُزارُ، وله عبادةٌ وانقطاع عن النّاس - رحمه الله تعالى.

стр. 624

وفي ليلة الإثنين الحادي والعشرين منه هبَّ في الليل وقتَ الثَّلثِ الآخر هواءٌ عاصفٌ [متدارك] (١) وما زال كذلك إلى الصَّباح، وقيل: إنه كان معه زَلَزَلَةٌ، وقد أُلقي أشجارٌ كثيرةٌ. وفي صبيحة هذا اليوم دفعت العين عين الفيجة ماءً عزيرًا، وامتلأت الأنهار بعد أن كانت كما تكون في زمن الصّيف، وأقل من ذلك، وذلك في شهر آذار. وفي أواخر هذا الشّهر تكاملَ عملُ [فوانيس] (٢) وقناديل جدَّدها ناظر الجامع الأموي في شمالي الرّواقات كما في القِبْلة، وجاءتْ في غاية الحُسْن والنَّفع .. شهر رمضان المعظم، أوله الأربعاء. في ليلة الخميس تاسعه توفّي الشيخُ شرفُ الدّين بنُ عبد الكريم (٣) نقيبُ المُتعمّمين، وإمام إيوان الشّافعية بمدرسة الظَّاهرية، وأحد المقرئين بتُربتها، كان رجلًا خيارًا من أهلِ القرآن، وكان والدُه مقرى البلد، توفِّي فجأة، وصُلِّي عليه بجامع التَّوبة، وقد قارب الثمانين ﵀. وبعده بأيام توفّي جمال الدين عبد الله ابن القاضي زين الدين عمر العامري الشهير بابن قاضي الكَرَك (٤)، تقلبت به الأحوالُ؛ كتب الحُكْم بين يدي قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي، وبين يدي ابنه تاج الدّين، ثمّ باشر في ديوان النِّيابة فحصل أموالًا جزيلة، وبنى دورًا هائلة، من ذلك بستانٌ هائل غربي الميدان الكبير الأخضر جوار طاحون الحِصنيَة، غُرِمَ عليه أزيد من مئة ألف درهمٍ، وبه كانت وفاتُه في هذا التّاريخ، ودُفن بمقابر الصُّوفية. وفي العشر الأخير من هذا الشهر خُتِمَتْ البُخَاريّات في الجامع الأموي وغيره من الجوامع والمساجد. وفيه ثارث جماعةٌ من الفقهاء على واعظٍ قدم من الدّيار المصريّة ادَّعى أنه شريفٌ (٥) تكلَّم في جامع دمشق من (٦) على الكرسي الذي بالجانب الغربي منه، فأورد أحاديثَ لا أصل لها، وأُخرى ضعيفة؛ فتلمَّح بعضُ الناس فيه تشيُّعًا، وشهدوا عليه بأشياء، فحُمِل إلى دار القاضي المالكي؛ فمنعَهُ من الكلام على النَّاس، فاجتمع العوامُ وخلقٌ كثيرٌ، وحدثت خبطةُ، وشُهد عليه بأشياء فيها دَرْكٌ عظيم، ثم سكنَت قضيَّتُه.

стр. 625

شهر شَّوال المبارك، أوّله الجمعة. في يوم السبت سادس عشره خرجَ المحمَلُ والحَجيجُ، وأميرُهم علاء الدّين بن أُقْجَاي (١) أحد أمراء الطبلخانات، وقاضيهم شهاب الدين النِّيني. وفي أواخر هذا الشهر قدمَ نجم الدين بن فخر الدين السِّنْجاوي من الدّيار المصريّة ومعه تواقيع متعدّدة؛ منها نظرُ الأوقاف، ونظرُ الأيتام، مضافًا إلى ما كانَ بيده من الأَوْصياء، ومعه تذكرةٌ بأمورٍ مُنكرةٍ بأخذ زكاة أموال التُّجَّار، وزكاة أموال الأيتام، وثلث الموصى به من الوصايا للبرِّ والصَّدقات، وأن يُحمل ذلك جميعه إلى الدّيار المصريّة، وعلى يديه أيضًا أن يُؤخذ من قضاة البرِّ ما كانوا بَرْطَلُوا به حتى تولَّوا، فكان جمله ذلك ستة آلاف دينار وأربعمئة وثلاثين (٢) دينارًا، وهذه طامَّةٌ كبرى، وعلَّم له نائبُ السَّلطنة على ذلك جميعِهِ. وفي يوم الإثنين الخامس والعشرين منه قدمَ مُسَفَّرُه (٣) يوم الأربعاء سابع عشر منه، فنزل عنده تجاه المدرسة الأمينيّة وجعلوها محكمة لهم، ووقف ببابه والي البر، ووالي المدينة، ونقيبُ النّقباء، واجتمع عنده نقباءُ ورجالةٌ كثيرةٌ، وجاء للسَّلام عليه كاتب السرّ، وناظرُ الجيش، والقضاةُ، والأمراء، فتطلَّبَ جماعةٌ ممَّن تحت يده من أرباب الوصايا، ومن لهم مالٌ جزيلٌ، ومن تحت يده وصيةٌ أو صدقةٌ؛ فجمع أموالًا جزيلة جمَّةً، وختمَ على مخازن كثيرةٍ بقَيْسَارية الفَرْش، من مخازن الأيتام والأوصياء وغير ذلك، وتكلّم في البلد فخافَ النَّاسُ منه بسبب المسفَّر الذي معه، وفي أرض النّهار يحكم بهذه القضايا الفظيعة، وفي الليل ذُكر عنه أمرُهُ بكلِّ فعائل قبيحةٍ غير مرضية، وأرسل إلى نوّاب القضاة بالبرّ جماعةً من البريدية ليحضُروا، ويُحضِروا ما في التَّذكرة من المصادرة بالذَّهب، ثم كان من أمره ما سنذكره في أَوَّلِ الشهر (٤). شهرُ ذي القعدة، أوّلُه السبت. لمّا كانَ يومُ الأحدِ ثانيه غُلِّقت أسواق البلد جميعُها؛ الخوَّاصين، والرمّاحين، والشّرب، والصَّاغة، وغُلّقت مراكز الشُّهود ومدارس الحكّام، وحضر كثيرٌ من العامَّة، وتواعدَ النَّاسُ للحضور إلى نائب السَّلطنة يتظلّمون (٥) ابن السِّنجاريّ، وحضر كثيرٌ من العامَّةِ إلى باب الأمينية ليَهجُموا عليه، فعَلَّق دونَهُ البَابَ، فرجَمُوا باب المدرسة، ورجَمُوا الطَّاقات، وكسَرُوا قنديلَ المدرسة، وما زالوا مُحاصريْهَا (٦) إلى أن دخلَ اللَّيلُ، فلمّا أصبحَ يومُ الإثنين ثالثه اجتمعَ الخلائقُ من كلِّ فجٍّ عميق من أهل مدرسة أبي عمر وغيرهم؛ من القرَّاء والعلماء والصُّلحاء، ورفعوا مصاحف كثيرةً،

стр. 626

ووقَفُوا لنائب السَّلطنة، فأخذَهُم النَّائبُ، ودخلَ بهم إلى دار السَّعادة، وحضر القضاةُ وجماعةٌ من مشايخ العِلْم، وأُحضر السِّنْجاريُّ، فوقف وسِئَل عما اقترحَهُ من هذه التَّذكرة التي جاءت على يديه، فاعترفَ أنَّه أخطأ في ذلك، وأنّه قد رجَعَ عنه، وعَزَلَ نفسه ذلك، وقد أهانه بعضُ الفقراء، وألقى عمامتَهُ عن رأسه، ثمّ أُمِرَ به إلى القلعة في زَنْجِيرٍ فصُحُبَ إليها بحضرة العامة، ولولا ذلك لرَجَمُوهُ حتَّى قَتَلُوه، فكاتب نائبُ السَّلطنة إلى الدّيار المصريّة بصورة ما وقع، فلمّا كان يوم الإثنين سابع عشره أُحضر المذكورُ إلى دار السَّعادة، فضُربَ بين يدي ملك الأُمراء، بحضرةِ القُضاة وكاتب السّر والحَجَبةِ والموقِّعين وغيرهم، ثم قطِّعَتْ أَكْمَامُهُ ورُكِّبَ على جَمَلٍ مقلوبٍ، ونادى عليه المشاعليّةُ، وطيفَ به حَوْلَ البلد، ثم أُودع سجنَ السَّدِّ مقيّدًا، وذلك بمرسوم شريفٍ ورد من مصر، وفيه الأمرُ بالعَدْلِ والرُّجوع إلى الأحكام الشّرعيّة، ورفعُ الظَّلم عن الرعيّة، وقُرِئَ هذا المرسوم بحضرة القضاة والخاصّ والعامٌ، وكثر الدعاء للسُّلطان - أيَّده الله. وفي يوم الجمعة ثامن عشر منه صُلِّيَ بعد صلاة الجمعة على غائبٍ، وهو الشيخ جلال الدين خطيب بعلبك (١) ابن خطيبها محيي الدين الكاتب ابن الكاتب وأخو الكاتب [بهاء الدين محمود] (٢) - رحمه الله تعالى. وقد انسلخَ هذا الشّهرُ وليسَ للجامع الأموي ناظرٌ يتكلَّم فيه إلا الأمير قلقاس، والصّاحب شمس الدين البَهْنَسي. شهرُ ذي الحجة، أوّلُه الأحد. في أواخر يوم الخميس خامسه توفي الأمير تَوَكُّل حاجبُ الحجّاب بالشّام (٣)، وصُلّي عليه بجامع تَنْكُز، ودُفنَ بتربته التي أنشأَهَا بسطحِ المِزَّة، وحضر جنازَتَه الأُمراء والقضاةُ والأعيانُ. وفي ليلة الخميس ثاني عشره وقعَ حريقٌ عظيمٌ قريب نصف الليل بسوق كنيسة مريم من عندِ دَخْلَةِ حمَّام علوي مَشْرِقٌ ومَغْرِبٌ نحوًا من ثلاثين أو أربعين دكانًا، واحترق من وراء ذلك من ناحية القبلة قياسيرُ ودورٌ، وسقطت مئذنةٌ قبلي السُّوق تجاه اللبَّانة، وانتهى الحريقُ في أثناء النَّهار من الغد. وفي أواخر ذي الحجَّة جاءت الأخبارُ من الدِّيار المصرية بأنَّ الأمير أُلْجاي (٤) اليُوسُفيّ خرجَ عن طاعةِ السُّلطان، ووقف بمن اتّبعه من الأمراء عند قبَّة النصر، وربَّما رشقوا بعضَ السُّهام إلى ناحية قلعة الجبل،

стр. 627

وأنَّ السّلطان رسم للأمير مَنْكَلي بُغَا أَن يَخرجَ إليه هو والجيشُ، فخشي من غائلة ذلك، وأن يقتتل الجيشان، فقال: المَصْلحةُ في ترك ذلك، وأينما ذهبَ أَخَذْناه، فرسَمَ له السُّلطان بنيابة حلَبَ، فامتنع من قبول ذلك، والتمسَ الرُّجوع إلى السَّمْعِ والطَّاعَةِ، فأجيب إلى ذلك، ولكن تفرَّقَ عنه أصحابُه، وأخذَ السُلطانُ طائفةٌ من مماليكه، ونفَى آخرين، وحبس آخرين أيضًا، واضمحلَّ أمره، وسقطت منزلته، وبانت خيانته. سنة ثلاث وسبعين وسبعمئة، أحسن الله تقضّيها استهلّت هذه السنة وسُلطان الإسلام بالدّيار المصرية وغيرها وما والاها والحرمين الشريفين والبلاد الشاميّة، والحلبيّة، وما هنالك إلى أذنة وطرسوس وأياس من بلاد الأرمن (١). السّلطان الملك الأشرف صلاح الدين شعبان بن أمير حسين ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، وليس له نائبٌ بالدّيار المصريَّة (٢)، وقضاة مصر هم المذكورون قبلها. ونائب الشام الأمير سيف الدين مَنْجَك، وقضاةُ دمشقَ هم المذكورون في التي قبلها أيضًا، وكذلك كاتبُ السِّرَ، وناظرُ الجيش، ووكيل بيت المال، ونقيبُ الأشراف، وناظر الحِسبة؛ هم المذكورون في التي قبلها، وناظرُ الدواوين الصاحبُ تاج الدين بن شمس الدين التاج إسحاق، ووالي المدينة الأمير ناصر الدين بن الغَاوي، وحجوبيّة الحُجَّاب شاغرة بعد وفاة تَوَكُّل. شهرُ الله المحرّم، أوّلُه الثلاثاء. في يوم الخميس سابع عشره لبسَ الصَّاحِبُ شمسُ الدين البَهْنَسي خلعةً بنظرِ الجامع الأموي بمرسوم شريفٍ أوردهُ البريدُ؛ ففرح النَّاسُ به، وأُوقدت له الشُّموع، ودعوا له. وقَدِمَ الحُجَّاجُ نهار الخميس رابع عشر منه، وأخبروا بوفاة الخطيب زين الدين (٣)، خطيب جامعِ التّوبة، وهو الشّريفَ الجَعْفَريّ في مرجعِهِ من الحجّ يوم الثلاثاء الخامس عشر من المحرم بعد مَعَانِ بمرحلة أو مرحلتين، ودفن هناك - رحمة الله تعالى، وكان من أماثِلِ الناس وأحاسنهم وأكارمهم، وقد درَّس وأفتى وقرأَ الحديث قراءةً حسنةً، وكتب كتابةً حسنةً منسوبةً، وابتنى دارًا بمحلَّةِ حَجَر الذَّهب اتجاه الخاتُونيَّة الجوَّانية من غربها، وهي دارٌ (٤) حسنةٌ، وكان يلبَسُ حسنًا ويأكلُ طيِّبًا، وكان قد نزل عن

стр. 628

وظائفه حين خرج إلى الحجّ للشيخ الإمام العلامة عماد الدين الحُسْباني، وهو صهر (١) أبيه السيّد المذكور، فلما جاء خبرُه ولاهُ ملكُ الأمراء وظائفه جميعها فباشرها [من يومه، وخطب] (٢) بجامع التَّوبة نهار الجمعة، وهو الخامس والعشرين من المحرّم، وحضر عنده جماعةٌ من الأعيان والأصحاب، وخطب جيدًا بفصاحة وبلاغة وإجازة، وصلَّى صلاةَ كاملةً، قرأَ فيها ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، كما جاء في الصحيحين (٣)، ودرّس في الجاروخية يوم الأحد سابع عشر منه، وحضر عنده جماعة من الأعيان، وأخذ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] الآية. وفي صبيحة يوم السبت سادس عشر منه: خرج الأمير علاء الدين بن أقجاي (٤) الحموي الذي كان أميرَ الحاجّ هذه السنة من التّرسيم من دار العدل بسبب ما كان أسدى إلى النَّاس من الظُّلم في طريق الحجاز، فخرجَ إلى حمام تَنكُز وأخذ الموسى ليستحدَّ بها فجبَّ (٥) مذاكيرَهُ وأُنْثَيَيْه وهلةً واحدةً، فخرج ودمُه يسيلُ على فخذيه وسيقانه، فرجع إلى دار العدل ماشيًا، فأُعلمت التَّراسيم للحجَّاب ونائب السَّلطنة بذلك فلامُوه على ذلك، وحملوه إلى بيته مغشيًّا (٦) عليه بحيث إنّه يموتُ فلم يمت. وفي أواخر هذا الشّهر وقَعَ خانٌ على مَنْ فيه خارجُ باب الفراديس اتِّجَاهَ قَنَاةِ العَوْنِي، وهو ملاصقٌ عمارة نائب السّلطنة مَنْجَك التي (٧) بناها حمامًا (٨). فمات فيه جماعةٌ من الناس، وغالبَ الدَّوابِّ التي كانت فيه. شهر صفر المبارك، أوله الخميس. في العشر الأوسط منه قدم الأمير علاء الدين طَيْبُغَا الذي كان حاجب الحجاب بحماة على حجوبية الحجَّابِ بدمشق عوضًا عن الأمير تَوَكُّل، فنَزَلَ في دار الذَّهب أيامًا قلائل، ثمّ تّحوّل إلى دارِ مَلِك آص (٩) جوارِ جامع يَلْبُغا بمحلة سوقِ الخَيْل.

стр. 629

وفي هذا الشّهر توفّي شهابُ الدين أحمدُ بن بَلَبَان (١) كاتب حُكْم المالكية، وأحدُ المُفتين على مذهب الإمام مالك، خلف مالًا كثيرًا وولدًا صغيرًا. وتوفّي الأميرُ عِراقُ (٢) في العشرين منه وهو أحدُ الأمراء المقدَّمين الألوف، وقد جاوز المئة أو جازها، فلمّا كَبِرَ ستْه أُعطي طَبْلخاناه؛ وذلك لضُعْفه وكِبَرِ سِنّه، وأُعفِيَ من الخدمة، وصلّي عليه عندَ بابِ النّصر، ودُفنَ بتربته التي أنشأها اتجاه مسجد الفلوس من الغرب تحت مئذنة صُهيب. وفي هذا الشّهر اشترى نائب السلطنة مَنْجَكَ حَجَرَ ماءٍ وأضافه إلى نَهْرٍ كَفَرْسُوسَيَة، ثم مع نهر الكريمي، ثم فصَلَه فأجراه في قناةٍ وحدَه إلى جسر الفحل (٣) وذكروا أنَّه أطلق منه فرعًا لزاوية الأحمدية، وفرعًا لمسجد هناك أيضًا، وابتنى هناك حوضًا هائلًا، وأجرى إليه الماء من النَّهر المذكور، وهذا الحوضُ هو الذي أمر بإحضاره من أراضي الصَّنَمين، وجرُّوه على العَجَل من هناك، وطولُ هذا الناووس (٤) نحوٌ من ستَّة أذرع على ما ذُكر، وارتفاعُه من الأرض نحو ثلاثة أذرعٍ وأزيد، وسيأتي ذكرُ تاريخ قدومه، ثم إنَّ هذا الماءَ يُسقى به أراض هناك، يباع لها. شهرُ ربيع الأول، أوَلُه الجمعة. في ليلة ثاني عشره عملت المواليدُ في الجامع الأُموي على العادة، ولكن بالغَ النَّاظرُ في الوقيد، وعُلّقت الثَّريا بين القُبَّة والمئذنة وقناديل كثيرة بمئذنة العروس. وفي العَشْرِ الأوسط منه توفّي القاضي شمس الدين الحواريُّ (٥) أحد نواب الحكم العزيز عوضًا عن قاضي القضاة كمال الدين الشَّافعي، وكان قد نابَ في الحُكْم في جهات كثيرة؛ منها القدس الشريف، وإياس من معاملة حلب، وكان مشكور السيرة. وفي ليلة الثالث والعشرين منه قدمَ الإمامُ العلامة برهان الدين بن جماعةٍ خطيب القدس الشريف، فنزل في المدرسة الأمينية، فذهبَ النَّاسُ السَّلام عليه على العادة. ولما كان يوم الإثنين خُلعَ عليه بنظرِ الحَرَمَيْن القدس والخليل، وألا يُقطع أمرٌ دونَه.

стр. 630

وفي يوم الخميس الثامن والعشرين منه انكسفَتِ الشَّمسُ بعد صلاة الظهر، وصَلَّوْا صَلاةَ الكُسُوف بالجامع الأموي، وخطب الخطيبُ أيضًا. وفي أواخره أصلح نائبُ السلطنة خانَ السَّبيل الذي بمحلة القابون، وأَصْلَحَ الصِّفَافَ (١) التي فيه [ومد أرضه] (٢) وعمّر المسجد الذي فيه، وساق إليه ماءً إلى البركة التي فيه. شهر ربيع الآخر، أوله الأحد. في ليلة رابع عشره انْكَسَفَ القمرُ، واستمر إلى وقت التَّسبيح. شهر جمادى الآخر، أوله الإثنين. في يوم الأربعاء ثالثه حكم القاضي بدر الدين الزُّرعي الذي هو نائبُ الخِطَابة بالمدرسة العادلية الكبيرة نيابةً عن قاضي القضاة جمال الدين المَعَرّي الشافعي. وفي يوم الإثنين خامس عشره ورد البريدُ من الديار المصرية بطلب الخطيب بُرهان الدين بن جَمَاعة خطيبِ القدس إلى الدّيار المصرية؛ لتولّية قضاء القضاةِ الشّافعية بها، عوضًا عن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء عُزل عنه، وقد كان الخطيبُ برهان الدين قدمَ إلى دمشق لزيارة أهلِهِ، فأقام نحوًا من خمسين، يومًا، فلمَّا كانَ في هذا اليوم بعينه خرج متوجهًا إلى القدس الشريف، وقد أُضيف إليه نظرُ الأوقاف بها كما تقدّم، فاختلف هو والبريديُّ القادم في الطَّريق، فبات الخطيب برهان الدين في الكُسْوة، فلمّا أصبحَ بعث في طلبه إلى دمشق فعادَ الثلاثاء، فكُوتب بسببه إلى نائب السَّلطنة وكان غائبًا بأرض حمص، فولّى نائبُ السلطنة خطابةَ القدس الشريف لابن عمّه عماد الدين إسماعيل ابن الشيخ برهان الدين إبراهيم ورسم للخطيب بُرهان الدين بخيل البريد، ثمَّ سافر الخطيبُ برهان الدين إلى القدس الشريف، فقضى أمورًا تخُصَّه، وخطَبَ هنالك يوم الجمعة السادس والعشرين منه على العادة خطبة بليغةً، فخشعت ووجلتْ منها القلوبُ، وذرَفَتِ العيون، وهي خطبةُ مودع؛ فبكى الناسُ بكاء كثيرًا لفراقه، ثم توجَّه إلى الديار المصرية صحبة البريد، فخرج كُلُّ القدس في تويدعة إلى الخليل، وباتوا هنالك، ثم ساروا إلى الدِّيار المصرية في عَشَرة سروجٍ. شهر جمادى الآخرة، أوله الأربعاء. في يوم السبت رابعه قدمَ نائبُ السَّلطنة مَنْجَك من الصَّيد بعد غيبة أسبوعين وأكثر، وكانت الأمطارُ متداركةً جدًّا، وقد مُدّت الأودية في حوران وغيرها، ومُلِئَتِ البلادُ آبارُها وبَرِكُها ولله الحمد والمنة. وفي يوم الأحد خامسه كان دخولُ الخطيب برهان الدين إلى الدّيار المصرية، وقد تلقّاهُ أكابرُها إلى أثَنَاء الطّريق، فدخلها في [أبهَةٍ] (٣) هائلة، وفي هذا اليوم اجتمعَ بالسلطان الملك الأشرف، وجلس هو

стр. 631

وإياه فولاه القضاء كما وقع عليه الاتفاق من الأمراء وغيرهم، فامتنع من ذلك مرارًا، ثم ألحَّ عليه السُّلطانُ، وأقسم عليه، فسكَتَ وأطرق فأمر السلطان بإحضار خلعةٍ فأُفيضَتْ عليه، واشتَرَطَ شروطًا كثيرةً يعودُ نفعُها على الناس، فالتزم له السَّلطان بذلك، ثم خرج من بين يديه في أبَّهة عظيمة، وخرج معه أعيانُ الدّولة، وحَجَبَهُ الأميران الكبيران مَنْكَلي بُغَا وأُلجاي (١) اليوسفي إلى باب القلعة، وركب الحَجَبَةُ بين يديه، وأُوقِدَتْ له الشُّموع من باب القلعة إلى المدرسة الصَّالحية الذي فيها سكنُه بين العَصْرَين، فراحَ النّاسُ لتهنئته حتى قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء المعزول عن المنصب، فتلقاه تلقيًا حسنًا، وأكرمه إكرامًا زائدًا، وفرح أبو البقاء بولايته لما يعلَمُ فيه من الرِّياسة والإحسان. قال والدي الحافظ ابن كثير (٢): فما سمعنا في هذه الأَعْصَار بولاية أَكْمَلَ من هذه، ولا أبعد من تُهْمَةِ الرّشوة منها، بل قد ذُكر لنا أنه قيل: إنَّ عليه دين كثير فالتزم (٣) بقضائه - فالحمدُ لله رب العالمين. شهرُ رجب الفرد، أَوّله الجمعة. في نهار الإثنين حادي عشره داروا بالمَحْمَل حَوْلَ البلد على العادة في تجمُّلٍ هائل، واحتفالٍ زائدٍ جدًّا. وفي يوم الجمعة ثاني عشر منه صُلِّيَ بعد الصَّلاة بالجامع الأموي صلاة الغائب على قاضي القضاة سراج الدين الهندي الحنفي (٤) بالديار المصرية بالديار المصرية، توفي بها - رحمه الله تعالى، وذكروا أنَّه ولي القضاء بعد قاضي القضاة صدر الدّين ابن قاضي القضاة جمال الدين ابن قاضي القضاة علاء الدين بن التُّركُماني. وفي آخر يوم منه قدم البريدُ [من أراضي] (٥) حلب برجل طويل بائن، لم يُرَ في هذه الأعصار أطول منه، ذكروا أنَّ طوله أربعةُ اذرعٍ بالحديد، وعرضُ أكتافه ذراعين، وهذا طولٌ زائد جدًّا. شهر شَعبان المكرّم، أولُه السبت. في نهار الإثنين ثالثه ركب نائب السلطنة مَنْجَك إلى الصَّيد، وذكروا أنه استصحب معه نحوًا من تسعين عَليْقةً، وربَّما أنَّه لم يحضُر إلا بعد عيدِ الفطر، فالله أعلم. وفي العشر الأوسط منه توفّي الخطيبُ شمس الدين محمد ابن الشيخ عز الدين محمد المقدسي الحنبلي (٦)، خطيبُ الجامع المظفَّري بسفح قاسيون، وكان شيخًا صالحًا عابدًا زاهدًا عالمًا مفتيًا، له يدُ

стр. 632

طُولى في علم الفَرائض كعمه العزّ عبد الرحمن، وقد قارب السبعين أو جازَها، دُفن بسفح قاسيون ﵀. وجاء الخبرُ في العشرين من هذا الشهر بوفاةٍ الشّيخ بهاء الدين أحمد بن السُّبكي (١) بمكّةَ، كان مجاورًا هنالك بأهله وبني أخيه تاج الدين عبد الوهاب، فاتَّفق موتُه هناك في التاسع من رجب في هذه السَّنة قالوا: وفي هذا اليوم توفّي سراج الدّين الهندي بمصر (٢)، وهذا اتّفاقٌ غريبٌ (٣). كان (٤) ﵀ عالمًا فاضلًا بارعًا لديه يدُ طُولى في الشِّعر الرّائق، وكان صيّنًا عابدًا كثيرُ الحجِّ والإعتِمار والمُجاورة، درَّس بعد أبيه في المَنْصورية بمصر في جامع ابن طُولون، وتولَّى خطابتِه، ودرَّس في تُربة الشّافعي والشَّيخونية، وولي إفتاء دار العدل بمصر، ثمَّ قضاء العساكر بها، وحكم بدمشق قاضي قضاتها خلافةً عن أخيه تاج الدِّين، وباشر أخوهُ (٥) جهاته بمصر، ثمّ عادَ كلُّ منهما إلى منصبه، ولمّا توفّي بهاءُ الدين المذكور درَّس بترية الشافعي وبالمنصورية قاضي القضاة بهاءُ الدين أبي البقاء السُّبكي، وبجامع ابن طولون نيابة عن أولاد بهاء الدين أبي البقاء السُّبكي المتوفَّى المذكور، وأُخذت الشَّيْخونية لضياء الدين قاضي القِرْم، وباشر قضاء العساكر قاضي القضاة سِراجُ الدّين البُلقيني، وحضر عند قاضي القزم بالشَّيْخُونيّة وقتَ درَّس بها الأميرُ مَنْكَلي بُغَا وجماعةٌ من الأمراء، ثم عُيّن قضاءُ الشّام لقاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء السُّبكي الشافعي وذلك في السابع والعشرين من شعبان، ودرس بقبَّة الشافعي وبالمنصورية قاضي القضاة برهانُ الدين بن جَماعة، فحضر عنده قضاةُ القضاة والأميرُ مَنْكَلي بُغَا وغيرهم. شهرُ رمضان المعظّم [أولُه الأحدُ] (٦) وقيل: الإثنين. قرئَتِ البُخاريات في أوَّل يوم في أماكن متعدّدة [تحت قبَّة النَّسر] (٧) من الجامع الأموي، وبمسجد ابن هشام، وبجامع تَنْكُز عليَّ، وفي أماكن غير ذلك. وفي العشر الأوسط منه وردّ مرسومُ السُّلطان من الدِّيار المصرية بأنَّ السَّادَةَ الأشراف يعملوا في

стр. 633

عمائِمِهم علائِمَ خُضْرًا؛ ليُعرفوا ممَّن سواهم، ونادى المشاعليّةُ بذلك في أرجاء البلد، فعُمل بذلك. وفي أواخره قدم من الدّيار المصريَّة على البريد القاضي علاءُ الدّين بن شَمَرْ يُوخَ، ومعه توقيعٌ بوكالة بيت المال وقضاء العساكر، وتوقيعُ الدَّست له ولابنه، ونظرُ (١) الجوالي ونظر (٢) الجيش (٣)، وغيرُ ذلك من الجهات، فمن ذلك تدريس الإقباليّة التي كانت مدرّسها الشيخُ عماد الدين الحُسْباني، وأشياءُ كثيرةٌ، ثم راح إلى نائب السَّلطنة، وقدمَ معه في نهارِ الإثنين سلخَ الشّهر المذكور من هذه السنة. شهرُ شوّال المبارك، أَوّلُه الثلاثاء. خرج المحملُ والحَجيجُ يوم الخميس عاشره، وأميرُهم الأمير كلماس بن كلتيه أخو طاز. وخرج إلى الحجِّ في هذه السنة الست كللتي بنت القاضي علاء الدين بن فضل الله، كاتب السر الشريف بالديار المصرية كان ﵀. وفي العشر الأوسط منه: وصل الحَجَرُ الذي رسَمَ نائبُ السُّلطنة بإحضاره (٤) إلى دمشق من أراضي الصَّنمين، فوضعوه عند جسر الفحل، وقد تقدّم ذكر ذلك (٥). وفي يوم الإثنين الحادي والعشرين من شوال: لبس قاضي القضاة كمال الدين المعرّي الشافعي خلعةً بالعود إلى قضاء القضاة (٦) على عادته، وذلك بعد أن رُدَّ من بُصرى؛ لأنَّه كان قد خرج إلى الحجاز فردَّه البريدُ، فلبس يومئذٍ. وفي هذا اليوم درَّس القاضي شهابُ الدين الزُّهري بالمدرسة الجارُوخيَّة (٧)، انتزعها من الشيخ عماد الدين الحُسْباني بمرسومٍ شريفٍ وكريمٍ، وحضر عنده القضاةُ. وفي هذا الشهر كَمُلَ بناء حمّام بمدينة بُصْرى بالقرب من جامعها شرقيِّهِ، فجاءَ في غاية ما يكون من الحُسْن، ودخلَهُ الحجيجُ في هذه السنة، يقال: إنه لم يكن له نظير (٨) في بلاد بصرى ونواحيها، بل ولا بدمشق، وهذا الحمّام أنشأه نائبُ السلطنة مَنْجَك - حرسه الله تعالى. شهر ذي القعدة، أوّلُه الأربعاء، وقيل: الخميس. في نهار الخميس ثانيه: خُلع على القاضي

стр. 634

ولي الدين بن أبي البقاء بعودِهِ إلى الوكالة عوضًا عن ابن شَمَرْيوخ، وكذلك بقضاء العساكر للقاضي فتح الدين كاتب السر، واستقرَّت الإقباليةُ في يد الشَّيخ عماد الدين الحُسباني بمرسومٍ شريف. شهر ذي الحجّة، أولُه الجُمُعة. في نهارِ السّبت ثانيه رسم نائبُ السلطنة مَنْجَك بخرابٍ أماكن بينَ النَّهرين ظاهر البلدِ غربيَّ جامعِ يَلْبُغا، ثم ركب يوم الأحد إلى هناك، وفعل ذلك بحضوره، وهو قطع أشجار صفصاف أُنشئت هنالك، وهَدم (١) حوانيتُ مُحْدَثة أيضًا، وذهب للناس بسبب ذلك شيءٌ كثيرٌ من عمائم ومناديل، وسجاجيد، وغير ذلك، ثم توجَّه نحو مكان آخر أحدثَهُ جمالُ الدين بن الرُّهاوي في الوادي أيضًا سمَّتْهُ العوامُ قَطيَاء بين الجَبْهة وجسر ابن شواش، فرسم بخراب ذلك جميعه أيضًا فتمَّ ذلك، وكانت هذه المحلَّات يجاهرُ فيها بالمعاصي والفواحش والمنكر من شُرْبِ الخَمْر، وأكل الحشيش، وغير ذلك؛ فتضاعفت الأدعيةُ من أهل الصَّلاح لنائب السَّلطنة بدوام أيَّامه، ثم نادت المنادية في داخل البلد وظاهره بألا يبايع التجَّارُ امرأةً شابةً، ولا تجلسُ له على دكان إِلَّا ضُرِبَ، وخُلقَت لحيتُه، وطيفَ به. وفي هذا اليوم: درّس الشيخ عماد الدين الحُسباني في الجاروخيّة، استعادها من القاضي شهاب الدين الزُّهري بمرسوم شريف. وفي هذه السنة كَمُلَ بناءُ مدرسةٍ أنشأها الخواجا زين الدين عبد الرحمن الأَسْعَرْدي بالقرب من البيمارستان النوري شماليه بغرب، ورُتِّبَ فيها إمامٌ ومؤذنٌ وشيخُ قرّاء وهو شمسُ الدّين بن الجزريّ، وأُحدثت خطبةٌ بخان السّلطان العتيق خُطب فيها من قبل هذا الشهر، والله أعلم، والذي أحدثَها شمس الدين محمد بن المسلوت اللبَّان - أثابه الله وتقبّل منه. سنة أربع وسبعين وسبعمئة، أحسن الله تقضيها استهلّت هذه السنة وسُلطان الإسلام بالشّام والدّيار المصرية والبلاد الحلبيّة والحَرَمين الشَّريفين وما والى ذلك السُّلطان الملك الأشرفُ صلاح الدين شَعْبان بن أمير حسين ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون الصَّالحي، وليس له نائبٌ بالدّيار المصرية. وقضاةُ مصر قاضي القضاة برهانُ الدّين بن جماعة خَطيب القُدس الشريف كان، وقاضي القضاة صدر الدين بن جمال الدين بن التُّركماني الحنفي، وقاضي القضاة علم الدين الأَخْنَائي المالكي، وقاضي القضاة ناصر الدين نَصْرُ الله المقدسي الحنبلي، ونائب دمشقَ الأمير سيف الدين منجك - أعزه الله، وقضاةُ دمشق قاضي القضاة كمال الدين المَعَرّي الشافعي، وقاضي القضاة نجم الدين ابن قاضي القضاة

стр. 635

عماد الدين بن العزّ الحنفي، وقاضي القضاة زين الدين المارُوني المالكي، وقاضي القضاة علاء الدين بن العسقلاني الحنبلي، وبقيَّةُ أرباب الدولة مثل كاتب السرّ، وناظر الجيش، وناظر الدواوين، ووالي المدينة، ووكيل بيت المال، وناظر الحسبة، ونقيب الأشراف هم المذكورون في التي قبلها، وناظر الجامع الصاحب شمس الدين البَهنَسي، وحاجب الحجَّاب الأمير يَلْبُغَا الذي قدم من حماة، وشادُّ الأوقاف الأمير بدر الدين بن أَوْحَد. شهرُ الله المحرّم، أوُله السبت. وفي يوم الأحد الثالث والعشرين منه درّس القاضي تاجُ الدّين أحمدُ ابن قاضي القضاة فتح الدين (١) كاتب السر بمحراب الحنفيّة بجامع دمشقَ، فحضر عنده القضاة وبعضُ الحجَبَة وأعيانُ الناس، وكان عليه خِلعةٌ بطرْحَةٍ من عند نائب السلطنة، وهذا التَّدريس في الحقيقة عن تدريس مدرسة الطيّبة التي عند باب الخوّاصين عوضًا عن شمس الدين بن عُبَيْد، فإنه تولّى قضاء حمص عوضًا عن القاضي كمال الدين محمد بن الصائغ (٢) المتوفَّى في شهر الحجّة من السنة الخالية، وكان شابًا حسنًا رئيسًا رحمه الله تعالى. ودخل المحمَلُ وبقيَّةُ الحجَّاج في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين منه فأخبروا بما لاقوه بوادي الأخيضر من الحرّ العظيم، والعطش الشديد، وأنَّه مات ألوفٌ من الناس بسبب ذلك من المشاة وغيرهم، ثم سلَّم الله تعالى، وله الحمدُ والمنّة. وفي العشر الأخير منه: درَّس بالمدرسة الرُّكنيّة الحنفية بسفح قاسيون، والمدرسة المقدميّة داخلَ باب الفراديس الشيخ شهاب الدين أحمد بن خضر الحنفي، مفتي دار العدل (٣). شهر صفر، أوله الإثنين. في يوم الثلاثاء ثانيه صُلّي بجامع دمشق على الأمير سيف الدين بهادرُ (٤) الملقَّب بقلقاس، ودُفن بمقابر باب الصّغير عند قبر الشّيخ حمَّاد، وقد فرح غالبُ الناس بموته فرحًا شديدًا؛ وذلك أنَّه كان وكيل السّلطان، وكان يشتري البضائع بالنّاقص عن أثمانها، ويُنقص أموالَ النَّاس من التُّجَّارِ، ويَبْخَسُ الثَّمَنَ، ففرحوا بموته.
следующие страницы →