← История

История · id 30098

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة

ابن كثير

Полный текст (651 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسَّلام على خيرة خلقه محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا الجزء السادس عشر من كتاب الحافظ العماد بن كثير "البداية والنهاية" أقدّمه متمِّمًا لما سبقه من أجزاء وقد كنت في غنًى عن التقديم له، لأن عملي في تحقيقه لم يخرج عن الخطة التي وضعتها دار ابن كثير العامرة لإخراج هذا الكتاب وفق منهج علمي متميّز، لما للكتاب من شأن كبير في مكتبتنا العربية، ولما لمصنّفه ﵀ من مكانة بين نظرائه من العلماء. غير أنّ مشاكل اعترضتني تخصُّ هذا الجزء من الكتاب، فرأيت توضيحها وبيانها؛ منها: أولًا: إن النّسختين المصورتين (أ) و (ب) المعتمدتين في التحقيق تنتهيان إلى سنة (٧٣٨ هـ)، وتابعت بعد ذلك تحقيق القسم المتبقي مستعينًا بمراجع ومصادر تلك الفترة، خاصة تلك التي نقل أصحابها عن ابن كثير مباشرة. ثانيًا: هناك فروق كبيرة وسقط يصل أحيانًا إلى عدَّة صفحات بين المطبوع والنسخة (أ) التي اعتمدتها في التحقيق. ثالثًا: هناك آراء وأقاويل تدور حول نسبة القسم الأخير من الكتاب إلى ابن كثير، وهذا الخلاف يسير في وجهتين متضادتين تمامًا، ولكل وجهة منهما من يؤيدها وينتصر لها بحججٍ ذات قيمة. القول الأوّل: إن تاريخ ابن كثير ينتهي في سنة (٧٣٨ هـ)، وما بعده ذَيْل ذيّله عليه ابن حجي، ثم تابع بعده ابن قاضي شهبة. والقائل بهذا الرأي المؤرّخ العلّامة الأستاذ محمد راغب الطبّاخ، ﵀. وقد جاء ذلك في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق في المجلد ١٨: (٣٧٦ - ٣٧٧). وللأمانة أثبته بحروفه: "وصلني من عهد قريب الجزء الثالث عشر والجزء الرابع عشر من "تاريخ البداية والنهاية" للحافظ العلّامة إسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفّى سنة (٧٧٤ هـ)، فرأيته ذكر في آخر الجزء الرابع عشر

стр. 2

حوادث سنة (٧٦٨ هـ) إلى شهر ربيع الآخر، ولم يعنون لها، فعجبت لهذا لأني أعلم أن النسخة المخطوطة من هذا التاريخ المحفوظة في مكتبة المدرسة الأحمدية بحلب والتي هي في عشر مجلدات كبار تحت رقم ١٢١٧ قد انتهى التاسع منها الذي فيه الوفيات والحوادث إلى سنة (٧٣٨ هـ) وآخر العبارة فيه: كان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وسبعمئة أحسن الله خاتمتها آمين، إلى هنا انتهى ما كتبته من لدن خلق آدم - عليه وعلى نبينا أفضل الصَّلاة والسَّلام - إلى زماننا هذا. والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وتابعيهما بإحسان إلى يوم الدين. ثم هناك بخط آخر: يتلوه إن شاء الله الجزء الآخر، وهو النهاية في أمور الآخرة آخر البداية في البَعْث والنشور، والجزء العاشر يبتدئ بالملاحم والفتن في آخر الزمان وبعد التأمل في آخر الجزء الرابع عشر وجدته قال في نهاية حوادث سنة (٧٣٨ هـ) كتبه: إسماعيل بن كثير القرشي الشافعي عفا الله تعالى عنه آمين. وهنا كتب المصحح في الذيل: كذا بسائر الأصول. فهذا وذاك يفيدنا أن المؤلف قد انتهى تاريخه إلى هذه السنة، ثم قال في الأصل المطبوع: ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وسبعمئة، وأخذ في سرد حوادثها ووفياتها إلى أن ذكر بعض حوادث سنة (٧٦٨ هـ) كما تقدم، وبها ختم الكتاب. فهذه السنين أي من سنة (٧٣٩ هـ) إلى سنة (٧٦٨ هـ) هي بلا ريب لغير الحافظ ابن كثير. الشيخ العلامة الشيخ عماد الدين بن كثير درّس التفسير إلى آخره، وهنا قال المصحح: كذا بنسخ الآستانة، وفي المصرية بياض نصف صحيفة من الأصل، وهذا صريح في أنّ الكلام لغير الحافظ ابن كثير، وسقط كلام في أوّل السّنة، وعند ذلك أحببت أن أقف على مؤلف الذيل، فأخذت في البحث فرأيت مكتوبًا بخطي على هامش كشف الظنون في الكلام على هذا التاريخ، انظر ما كتب في ذيل ذيول تذكرة الحفاظ الذي طبعه السيد حسام الدين القدسي في ص (٢٥٠)، فرجعت إليه، فإذا هناك من تعليقات العلامة الفاضل الشيخ محمد زاهد الكوثري على ترجمة العلامة أحمد بن حجي المتوفى سنة (٨١٦ هـ) ما نصُّه: وكتب ذيلًا على تاريخ ابن كثير، ذكر فيه حوادث الشهر ثم من توفيّ فيه، وهو مفيد جدًّا قال الحافظ السخاوي في "ضوئه" (١/ ٢٧٠) يبتدئ من سنة (٧٤١ هـ) وينتهي إلى سنة (٨١٥ هـ). قال ابن قاضي شهبة: كتب من سنة (٧٤١ هـ) ستًا ثم بدأ من سنة (٧٦٩ هـ) فكتب إلى قبيل وفاته بيسير، وكان قد أوصى لي بتكميل الخرم المذكور فأكملته. ثم رجعت إلى ضوء السخاوي (١/ ٢٧٠) وإلى الشذرات (٧/ ١١٧) فوجدت الأمر كما قال. فهنا يتبين أن هذا الذيل من سنة (٧٣٩ هـ) إلى الآخر لا (٧٤١ هـ) بعضه لأحمد بن حجي، وبعضه لابن

стр. 3

قاضي شهبة، وأن ابن حجي ذيّله من سنة (٧٦٩ هـ) إلى سنة (٨١٥ هـ). وأن ابن قاضي شهبة ذيّله بعد ذلك إلى سنة (٨٤٠ هـ) في سبع مجلدات كبار، ثم اختصره في نحو نصفه. هذا ما ظهر لنا والله الموفق إلى الصواب". انتهى. محمد راغب الطباخ القول الثاني: إنّ هذا الكتاب مع ما يُدَّعى أنّه ذيلٌ له هما لابن كثير، والقائل به الأستاذ: محمد أحمد دهمان ﵀ وذلك في مقال نشرته مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق المجلد ٢٠ (٩٠ - ٩٣) ردًّا على قول الأستاذ الطبّاخ السابق. وأنا مثبته بتمامه أيضًا لنقف على الرأيين معًا، فبعد تلخيص لما جاء في المقال الأول يقول: "وبعد دراستي لهذا الموضوع خرجت بنتيجتين: ١ - هو أن الحافظ ابن كثير انتهى تاريخه بحوادث سنة (٧٣٨ هـ) وأنه توجد عدة نسخ خطية تنتهي بالسنة المذكورة. ٢ - أنّ المؤلف بعد أن وصل إلى هذه السنة في تاريخه ذيل عليه بعد مدة من سنة (٧٣٩ - ٧٧٤ هـ) كما في النسخة المطبوعة، وأن هذه الزيادة موجودة في بعض النسخ دون بعض، وهي للحافظ ابن كثير بلا شك ولا ريب. أما أدلّتي على الأمر الأول فهي: أولًا: النسخة الخطية الحلبية التي تكلم عنها الأستاذ الطباخ. ثانيًا: النسخة التي نقل عنها عبد القادر النعيمي المتوفَّى سنة (٩٢٧ هـ) في كتابه "تنبيه الطالب وإرشاد الدارس" الذي تكلم فيه عن مدارس دمشق ومدرسيها، فقد أخذ نصوص تاريخ ابن كثير التي تتعلق بموضوعه وجعلها في كتابه المذكور، ولكننا نراه لا يذكر شيئًا من الزيادات التي بعد سنة (٧٣٨ هـ) وما تجدد من المدارس أو الحوادث بعد هذا التاريخ فبعضه ينقله من مصادر أخرى غير ابن كثير، والبعض الآخر يهمله لعدم اطلاعه عليه مع أن في الزيادات التي بعد سنة (٧٣٨ هـ) مواد قيمة تتعلق بموضوع كتابه لا يستغنَى عنها، وفي هذا دليل على أن النسخة التي كان ينقل منها النعيمي خالية من الزيادات الموجودة في النسخة المطبوعة وهي كنسخة حلب المحفوظة في المدرسة الأحمدية. وأما أدلتي على الأمر الثاني، وهو أن الزيادة لابن كثير نفسه فهي: أولًا: إن بعض تلاميذ المؤلف تصرّف في الكتاب حين يذكر المؤلف نفسه، فإذا ذكر نفسه بالاسم الصريح وضع التلميذ للاسم ألقاب التعظيم، فحينما قال المؤلف عن نفسه [ص ٣٢١] أنه في شوال حضر عماد الدين ابن كثير درس التفسير، تصرف التلميذ في العبارة وقال: إنه في شوال حضر الشيخ العلامة الشيخ عماد الدين بن كثير، وحينما يتكلم عن نفسه بضمير المتكلم يزيد تلميذه اسم شيخه ويبين أنه هو المراد في هذا الضمير كما في [ص ٢١٦] حينما يتكلم المؤلف عن نفسه في جامع المرجاني

стр. 4

فيقول: وكنت أنا الخطيب [يعني عماد الدين المصنف تغمده الله برحمته]. ولله الحمد والمنة. فما بين الحاصرتين ظاهر البداهة في أنه يراد به تفسير الضمير في: كنت أنا الخطيب، وإن هذه الزيادة من أحد تلامذة المؤلف أو أحد أصدقائه (١)، وقد تكرر هذا التفسير مرارًا ففي [ص ٢٤٥] وفي يوم السبت عاشره - أي عاشر الشهر المتقدم ذكره وهو شعبان من سنة (٧٥٣ هـ) - اجتمعنا [يقول الشيخ عماد الدين بن كثير المصنف ﵀] بالخليفة المعتضد بالله. و [ص ٢٥٤] وصنف - يعني ابن تيمية - في ذلك مسألة مفردة وقفت عليها [يعني الشيخ عماد الدين بن كثير] فرأيتها غاية الحسن. ثانيًا: أنّ المؤلف يذكر عن نفسه أعمالًا وصفات لا تنطبق إلّا عليه، فيقول عن المِزّي والذَّهبي [ص ١٩٠] شيخنا جمال الدّين المِزّي: وشيخنا الحافظ الذَّهبي. ويقول في [ص ١٩٢] عن شيخه المزّي: أخبرتنا بنته زينب زوجتي. وحينما يذكر ابن تيمية يقول [ص ١٢٩]: شيخنا العلامة ابن تيمية، أو زميله ابن القيّم تلميذ ابن تيمية [ص ٢٠٢، ٢٣٤] صاحبنا العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي إمام الجوزية. وبعد أن يذكر وفاة الحافظ الذَّهبي [ص ٢٢٥] يقول: وفي يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة حضرت تربة أم الصالح - رحم الله واقفها - عوضًا عن الشيخ شمس الدّين الذّهبي، وحضر جماعة من أعيان الفقهاء، وبعض القضاة، وكان درسًا مشهودًا. وإذا رجعنا إلى ترجمة الحافظ ابن كثير نرى أن جميع هذه الصفات منطبقة عليه تمام الانطباق، فما جاء في ترجمته في كتاب "تنبيه الطالب" للنُّعَيمي في بحث دار الحديث الأشرفية: صاهر الحافظ أبا الحجّاج المِزّي ولازمه، وأخذ الكثير عن ابن تيمية، وولي مشيخة تربة أم الصالح بعد الذهبي، توفي سنة (٧٧٤ هـ) ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية ومثل ذلك في شذرات الذهب. على أن المؤلف صرح باسمه في موضعين آخرين مما لا يحتمل الشك ولا التأويل ففي [ص ٣١٧]: ولما كان يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر أعني ربيع الآخر طُلب القضاة الثلاثة وجماعة من المفتين، فمن ناحية الشافعي نائباه وهما القاضي شمس الدين الغزي والقاضي بدر الدين بن وهبة والشيخ جمال الدين بن قاضي الزبداني والمصنف عماد الدين بن كثير وووو. . . فاجتمعت مع نائب السلطنة بالقاعة التي في صدر المكان وجلسنا حوله. وفي [ص ٢٥٦] وقفت في شهر ذي القعدة على كتاب أرسله بعض الناس إلى صاحب له من بلاد طرابُلُس وفيه: والمخدوم يعرِّفُ الشيخ عماد الدين بالذي جرى في بلاد السواحل. وبعد فهذه أَدلّة قاطعة _________ (١) بل هو ابنه عبد الرحمن كما أشار السّخاوي ﵀ وسيأتي ذلك عمّا قليل.

стр. 5

على أن الذيل الذي في آخر تاريخ ابن كثير هو للمؤلف نفسه، ويرجع الفضل في إظهار هذه الحقيقة إلى الأستاذ محمد راغب الطباخ الذي أبدى ملاحظاته القيمة في هذا الموضوع أولًا. وبعد كتابة هذا المقال اطلع عليه الأستاذ يوسف العش فلفت نظري إلى كتاب "إنباء الغمر" لابن حجر وبعد الرجوع إليه إذا به يقول في خطبة الكتاب: هذا تعليق جمعت فيه حوادث الزَّمان الذي أدركته منذ مولدي [ثلاث وسبعين وسبعمئة] وهذا الكتاب يحسن من حيث الحوادث أن يكون ذيلًا على ذيل تاريخ الحافظ عماد الدين بن كثير فإنه انتهى في تاريخه إلى هذه السّنة. انتهى. وكلامه صريح ومؤيد لما ذهبنا إليه، وهو يفيدنا بأن النّسخة المطبوعة من تاريخ ابن كثير ينقص من آخرها حوادث خمس سنوات". انتهى محمد أحمد دهمان وبعد: فلقد وفقني الله إلى تحقيق وإخراج كتاب: "الذيل التام لتاريخ دول الإسلام" للإمام الحافظ المؤرخ شمس الدين أبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفّي سنة (٩٠٢ هـ) ﵀، وكل اعتقادي أن أحدًا من الذين كتبوا حول هذه النقطة لم يطّلع على ما قاله السّخاوي في كتابه هذا، وإلّا فإنَّ ما جاء فيه جدير بالوقوف عنده والإشارة إليه. ولقد تزامن إخراجي لهذا الكتاب مع عملي في تحقيق الجزء السادس عشر من "البداية والنهاية" وهذا من فضل ربي وتوفيقه. وممّا لفت انتباهي كثرة نقول السّخاوي عن ابن كثير، فوقفت أستقرئ هذه النقول وأوازن بينها وبين ما قيل عن ذيل تاريخ ابن كثير فوصلت إلى ما يلي: أولًا: لقرب عهد السّخاوي من ابن كثير ولكونه تلميذًا لابن حجر صاحب "إنباء الغمر" الذي اعتبر كتابه ذيلًا لكتاب ابن كثير، ولقرب عهده من أحمد بن حجّي وابن قاضي شهبه اللّذين نُسب إليهما الذّيل، ولكون كتاب ابن كثير من مصادر السّخاوي الرئيسَة، كان من الممكن، بل ومن المؤكد أن يشير إلى هذه النقطة الخلافية في عزو الذّيل لو كان هذا الأمر واقعًا، إلا أنه لم يفعل. ثانيًا: لقد كانت نُقُوله عن ابن كثير حرفيَّة، أضع بعضًا منها للاستئناس. - ففي سنة (٧٤٥ هـ) وفي الصفحة (٦٩) يقول السخاوي في مسألة قتل الكلاب في دمشق، قال ابن كثير: "وكان الأولى قتلهم بالكلّية ثم أحرقوا. . .". - وفي سنة (٧٤٩ هـ) ص (٩٧) قال السخاوي لدى حديثه عن طاعون القاهرة: قال ابن كثير: "المكثر يقول: ثلاثون، والمقلِّلُ يقول: أحد عشر. . . .".

стр. 6

- وفي سنة (٧٥٠ هـ) ص (١٠٨) قال السخاوي في معرض حديثه عن مقتل أرغون شاه: قال ابن كثير: "إنّه أُثبتَ محضرٌ بذبحه نفسه". - وفي سنة (٧٥١ هـ) ص (١١٦) يقول في معرض ترجمته للشمس بن قيم الجوزية: قال ابن كثير: "لا أعرف في زماننا من أهل العلم أكثر عبادة منه". - وفي سنة (٧٥٣ هـ) ص (١٢٧) يقول في معرض حديثه عن الخليفة المعتضد بالله: قال ابن كثير: "شابٌّ حسن الشكل، مليحُ الكلام، متواضعٌ، جيد الفهم، حلو العبارة". - وفي السنة نفسها ص (١٣٠) يقول: قال الحافظ العماد بن كثير: "إنه اجتمع بالمعتضد حين كان مع الصّالح في كائنة بَيْبُغَا أُروس بدمشق، وهو الخليفة فيها وإنّه حج في التي قبلها وعاد إلى مصرَ سريعًا بسبب الخلاف". - وفي سنة (٧٦٢ هـ) ص (١٨٢) يقول: وحكى ابن كثير في محرّمها أنه أُحضر حسن بن الخياط. . ." ونقل الخبر كاملًا عنه. - وفي سنة (٧٦٨ هـ) ص (٢١٩) يقول: وكذا قال ابن كثير في ذلك أبياتًا. - وفي سنة (٧٦٩ هـ) ص (٢٢٧) يقول لدى حديثه عن الطاعون: قال ابن كثير. وفيها أيضًا ولدى ترجمته للعلَّامة النحوي ابن عقيل ﵀ يقول: قال ابن كثير: "أحد علماء الشَّافعية والعربية بمصر، وذو التصانيف الكثيرة المفيدة وكانت فيه رئاسة وحشمة وتجمُّل، وله جوامك كثيرة، وتوسُّع في الملابس والمآكل، وحجّ رجبيًّا في التي قبلها، وكان بمكة في هيئته ونفقاته". - وفي سنة (٧٧٣ هـ) ص (٢٥٢) ولدى حديثه عن تولية الخطيب برهان الدين بن جماعة قضاء الشّافعية بمصر قال: قال ابن كثير: "وما سمعنا في هذه الأعصار بولاية أكمل منها ولا أبعد عن تهمة الرّشوة" وفيها أيضًا، ولدى ترجمته للبهاء أبي حامد أحمد بن علي بن عبد الكافي السُّبكي قال: قال ابن كثير: "كان قانتًا عابدًا كثير الحج". - وفي أحداث سنة (٧٧٤ هـ) أشار إلى انتهاء كتاب "الوفيات" لابن رافع في جمادى الثانية، ثم قال: وفي أثناء شعبانها - أي سنة ٧٧٤ هـ - انتهى تاريخ العماد بن كثير، وكان حين ضرره وضعفه يملي فيه على ولده عبد الرحمن. بعد هذا الاستقراء نستنتج أن النسخة التي اعتمدها السخاوي من كتاب "البداية والنهاية" تنتهي إلى شعبان سنة (٧٧٤ هـ) لا كما هو متوهم إلى سنة (٧٦٨ هـ) فضلًا عما يقال عن انتهائه سنة (٧٣٨ هـ).

стр. 7

- والآن. . . . لو أضفنا هذه الأدلة إلى ما قدّمه الأستاذ محمد أحمد دهمان ﵀ لقطعنا بما يشبه اليقين بأن الكتاب كلَّه لابن كثير، بل ونحن الآن ننتظر الوقوع على القسم المفقود في مكان ما، كي يُلحق الفرع بالأصل، ويقطع الشك باليقين. والله الهادي إلى الصواب. وأخيرًا: كل الشكر إلى دار ابن كثير العامرة التي عملت على إخراج هذا الكتاب القيم، وأعطته كل ما هو أهلٌ له من العناية وللعاملين فيه من الرعاية، ولما لها من باع طويل في خدمة تراثنا المجيد، لربط الحاضر الزاهر بالماضي المشرق الباهر، نفعهم الله وأثابهم في الدارين. واللهَ أسألُ أن يوفقنا إلى أحسن الأعمال، وأن يختم لنا بالحسنى. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. حسن إسماعيل مَرْوة دمشق الشام - معربا الجمعة ٢٧ رجب المعظم ١٤١٢ هـ ٣١ كانون الثاني ١٩٩٢ م

стр. 8

تَكْمِلَةُ البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ تأليفُ الإِمَامِ الْحَافِظِ المُؤَرِّخِ أبي الفِدَاءِ إِسِمَاعِيْل بن كَثِير ٧٠١ - ٧٧٤ هـ حَقَّقَهُ وَخرَّج أَحَادِيثَهُ وَعَلَّقَ عَلَيه حسَن إسمَاعِيل مَروة الجُزءُ السَّادِسَ عَشَرَ دَار ابْن كَثير

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 10

مقدّمة التكملة الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات. أما بعد: فقد كنت قدَّمت للجزء السادس عشر من هذا الكتاب بمقدّمةٍ تناولتُ فيها الأقوال المختلفة في سنة انتهاء تأريخ ابن كثير - البداية والنهاية -. ومما جاء فيها: وبعد هذا الاستقراء نستنتج أن النّسخة التي اعتمدها السّخاوي من كتاب (البداية والنهاية) تنتهي إلى شهر شعبان من سنة (٧٧٤ هـ). لا كما هو متوهّم إلى سنة (٧٦٨ هـ) [¬*]. فضلًا عما يقال عن انتهائها سنة (٧٣٧ هـ). والآن. . . لو أضفنا هذه الأدلّة إلى ما قدمه الأستاذ محمد أحمد دهمان ﵀ لقطعنا بما يشبه اليقين بأنّ الكتاب كلَّه لابن كثير. بل ونحن الآن ننتظر الوقوع على القسم المفقود في مكانٍ ما، كي يُلحق الفِرعُ بالأصل، ويُقطعَ الشَّكُّ باليقين. والله الهادي إلى الصّواب" ا. هـ والآن وبعد مرور سبعةٍ وعشرين عامًا على فراغي من تحقيقه وكتابة هذه المقدمة جاء البشير من مصرَ يحملُ البشرى بالوقوع على النّسخة الكاملة من المخطوط، التي أشرت فيها من قبلُ إلى أنّ السّخاوي ربّما يكون قد اعتمدها في نقوله. وتلك - لعمري - مكافأةٌ كبرى لدار ابن كثير كِفاءَ صبرها ومثابرتها في البحث والتنقير عن هذا المخطوط. ولي أنا الراجي رحمةَ ربِّه وغفرانه على أَناتي وتدقيقي. وقد رأت الدار - تقديرًا منها لجهودي في تحقيق الجزء السادس عشر، ولكوني أوّل من أشار إلى هذه المسألة الهامة، وناشدَ المهتمين بالتُّراث بمواصلة البحث والتنقير عن هذا القسم المفقود - رأت أن أحقّق التكملة، ليخرج الجزء السادس عشر كاملًا كما تركه ابن كثير ﵀، حتى شهر شعبان من سنة (٧٧٤ هـ) وهي سنة وفاته كما هو معلوم. والله الهادي إلى الصواب _________ [¬*] (تعليق الشاملة): في المطبوع «٨٦٨ هـ»، غلطٌ طباعيٌ

стр. 11

عملي في التكملة ١ - اعتمدت في إخراج التكملة على النسخة المخطوطة من باكستان، مكتبة بديع الدين السندي ورمزنا، إليها بحرف س. وهو بخط ولده عبد الرحمن: إذ يقول في مستهلّ سنة (٧٤١ هـ) "بسم الله الرحمن الرحيم. . . ربّ يسّر وأَعنْ. . كتاب والدي الحافظ ابن كثير، تغمدّهُ الله برحمته. . . ومن خطّه نقلتُ. . .". كتب المخطُوط بخطّ النّسخ المعتاد. تضمُّ الورقة منه وجهين، الوجه الواحد فيه واحد وعشرون سطرًا، مسطرةُ السّطر الواحد خمسةَ عشرَ سنتمترًا، ويشتمل على ثلاثَ عَشْرةَ كلمة. وقد اعترى المخطوطَ كثيرٌ من الطّمس والبياض، بفعل العوامل المختلفة، وهذا ما أسهم في وعورة الطريق؛ وعُسر المسلك إلى اليقين المطلق في بعض الألفاظ. ولم يكن الناسخ على دراية بالعربية الفصحى، تجلّى ذلك واضحًا في كثرة الأغلاط اللغوية التي وقعتُ عليها، وقمتُ بتصحيحها مشيرًا إلى مواضع بعضها، مغفلًا معظمها لكثرتها. ٢ - ربطت الكتاب بالكتب ذات الصّلة، ولا سيّما تلك التي نقلت عنه مباشرة. ٣ - استدركت ما كان من طمس أو بياض من الكتب التي نقلت عن ابن كثير. وربمّا أسعفني في بعضها سِيَاق المعنى. ٤ - نظرًا لتمام هذه النسخة، والتأكد من نسبتها ومضمونها، فقد رأت دار ابن كثير أن تعيد النظر في الجزء السادس عشر المطبوع عليها، وأوكلت إليّ هذه المهمّة، فاتَّخذت من هذه النسخة الخطية (أصلًا)، وقابلت الجزء السادس عشر المطبوع عليها، محاولًا سدّ الخلَل، واستدراك النقص الذي طرأ على النسخ الخطية الأخرى المعتمدة من قبل، وعلى النسخ المطبوعة جراء ذلك. وأخيرًا: هل هذه التكملة من صُلب مخطوط الكتاب أو هي ذيلٌ ذيّل به أحدهم؟ ١ - بعد الموازنة بين المخطوط والمطبوع تبيّن لي أن هذه النسخة نسخةٌ أخرى غير النُسخ التي اعتُمدَ عليها في إخراج المطبوع، ولا أستبعدُ أن تكون هذه النسخة هي النُّسخة التي اعتمدها السخاوي في نقوله عن ابن كثير؛ للتطابق بين المنقول عنده والأصل. كما تقدّم. كذلك نقل ابن قاضي شهبة في تاريخه عن ابن كثير حتى شهر شعبان من سنة (٧٧٤ هـ).

стр. 12

وكان المحقّق الفاضل يشير في الهامش عند كلّ نقلٍ إلى أنّه لم يقع على هذا النّقل عند ابن كثير. معلقًا: لعلّه في ذيل لابن كثير لم يُعْثَرْ عليه. وشاركهم في النّقل عن ابن كثير بن العمادِ الحنبلي صاحب كتاب "شذرات الذهب"، فقد نقل عنه حتى سنة وفاته (٧٧٤ هـ). كلُّ هذا يؤكد أنَّ التكملة هي جزءٌ من الكتاب، متناغم معه، ومؤتلف، أسلوبًا، وطريقة عرض. ٢ - استخدم ابن كثير ضمير المتكلّم في أحداث هذه السنوات جميعها، يقول: (واجتمعت معه - أي مع نائب السلطنة - وهنأتُه بمولود له، وقلت أبياتا). (خُتم عليّ البخاري)، (حدثني السُّبُكي)، (وفي هذا اليوم استدعَيِناهُ - يريد واحدًا من شيوخ الحديث - ليقرأَ عليه الأولادُ؛ وعدَّدَ أولادَهُ بنينَ وبناتٍ)، (وبلغَنا وفاة فلانٍ من الناس)، (وفي سنة سبعين، وفي شهر ربيع الآخر يقول: خُلعَ على الولد عمرَ خِلعة الحسبة، ودار البلد على العادة وباشر). حتى في سنة (٧٧٤ هـ) وفي أثناء كلامه على وفاة مَنْكَلي بغا يقول: وقد جمعتُ له سيرةً مفردةً في أوراق عديدة وسمّيتُها: "ما يُنتقى ويُبتغى في سيرة المقرّ السَّيفي مَنْكَلي بغا". ٣ - جاء في شهر رجب من سنة (٧٧٠ هـ): وهذا آخر ما كتبه الشيخ بخطّه، ومن هاهنا أملى عليّ، وأَذِن لي في تعليقه. وهذا القول هو ما نقله السّخاويُّ في الذّيل التّام ١/ ٢٥٩: "وفي أثناء شعبانها - أي سنة (٧٧٤ هـ) - انتهى تاريخ العماد بن كثير. وكان من حين ضرره وضُعفه يُملي فيه على ولده عبد الرحمن" ا. هـ. فهل من بعد هذا كلّه شكٌّ في أنّ التكملة هي جزء من الكتاب الكبير، لا هي ذيلٌ، ولا ملحقٌ، بل أصلٌ أصيلٌ. والحمد لله من قبلُ ومن بعدُ حسن إسماعيل مروة دمشق الشام - معربا الجمعة شوال ١٣ هـ ٢١ حزيران ٢٠١٩

стр. 13

ثم دخلت سنة إحدى وسبعمئة استُهِلَّت والحُكَّام هم المذكورون في التي قبلها، والأمير سيف الدين سلّار (١) بالشام، والأفرم نائب دمشق (٢). وفي أولها عُزل الأمير قَطْلُبَك (٣) عن نيابة البلاد السّاحلية، وتولّاها الأمير سيف الدين أَسَنْدَمِر (٤). وعزل عن وزارة مصر شمس الدين الأعسر (٥). وتولّى سيف الدين آقجِبَا المنصوري (٦) نيابة غزَّة، وجعل عوضه بالقلعة الأمير سيف الدين بهادر السَّنُجري (٧)، وهو من البرجيَّة. وفي صفر: رجعت رسل ملك التتر من مصرَ إلى دمشقَ فتلقّاهم نائبُ السلطنة والجيشُ والعامة. وفي نصف صفر ولي تدريس النورية (٨) الشيخ صدر الدين علي البُصراوي الحنفي عوضًا عن الشيخ ولي الدين السمرقندي، وإنما كان وَلِيَها ستةَ أيام، ودرَّس بها أربعة دروس بعد بني الصدر سليمان، الذي توفي، وكان من كبار الصالحين، يصلّي كل يوم مئة ركعة. وفي يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول جلس قاضي القضاة وخطيب الخطباء بدر الدين بن جَماعة بالخانقاه السُّميساطية (٩) شيخ الشيوخ بها عن طلب الصوفية له في ذلك (١٠)، ورغبتهم فيه، وذلك بعد وفاة الشيخ يوسف بن حمويه الحمويّ (١١). وفرحت الصوفية به وجلسوا حوله، ولم تجتمع هذه المناصب

стр. 14

قبله لغيره (١)، ولا بلغنا أنّها اجتمعت لأحد بعده إلى زماننا هذا: القضاءُ والخَطابةُ ومَشْيَخَةُ الشُّيوخ (٢). وفي يوم الإثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول قُتِلَ الفَتْحُ أحمد بن البَقَقِي (٣) بالدِّيار المصرية، حكم فيه القاضي زين الدين بن مخلوف المالكي بما ثبت عنده من تنقُّصه (٤) للشريعة المطهّرة، واستهزائه بالآيات المحكمات، ومعارضة المشتبهات بعضها ببعض. يُذكر عنه أنّه كان يُحِلُّ المحرّمات من اللواط والخمر وغير ذلك، لمن كان يجتمع به (٥) من الفَسَقة من التُّرك وغيرهم من الجهلة. هذا وقد كان له فضيلة وله اشتغال وهيئة جميلة في الظاهر، وبِزَّته ولبسته جيدة، ولما أوقف عند شباك دار الحديث الكامِلية (٦) بين القَصْرَيْن استغاث (٧) بالقاضي تقي الدين بن دقيق العيد وقال: ما تعرف مني؟ فقال: إنما (٨) أعرف منك الفضيلة، ولكن حكمك إلى القاضي زين الدين، فأمر القاضي للوالي أن يضرب عنقَه. فضُرِب عُنقُه وطِيف برأسه في البلد، ونوديَ عليه: هذا جزاء من طعن في الله ورسوله. قال البرزالي في "تاريخه" (٩): وفي وسط شهر ربيع الأول ورد كتابٌ من بلاد حماةَ من جهة قاضيها يخبر فيه أَنّه وقع في هذه الأيام ببارِيْن (١٠) من عمل حماة بَرَدٌ كِبار على صُور حيوانات مختلفة شتّى؛ سباعٍ وحَيّاتٍ وعقاربَ وطيورٍ ومَعَزٍ ونساءٍ، ورجالٍ في أوساطهم حَوَائص (١١)، وأن ذلك ثبت

стр. 15

بمحضر عند قاضي الناحية، ثم نُقل ثبوتهُ إلى قاضي حماة. وفي يوم الثلاثاء عاشر ربيع الآخر شُنِقَ الشيخُ علي الحوراني (١) بوّاب الظاهرية على بابها، وذلك أنه اعترف بقتل الشيخ زين الدّين السَّمرقندي. وفي النصف منه حضر القاضي بدر الدين بن جَماعة تدريس الناصرية الجوّانية عوضًا عن كمال الدين بن الشَّريشي (٢)، وذلك أنّه ثبت محضر أنّها لقاضي الشافعية بدمشق، فانتزعها من يد ابن الشريشي. وفي يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى قدم الصدر علاء الدين بن شرف الدين بن القلانسي (٣) على أهله من بلاد التتر بعد الأسر (٤) سنتين وأيامًا، وقد حبس مدَّةً ثم لطف الله به وتلطَّف حتى تخلّص منهم ورجع إلى أهله، ففرحوا به. وفي سادس جمادى الآخرة قَدِم البريدُ من القاهرة، وأخبر بوفاة أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر الله العباسي، وأن ولده ولِيَ الخلافةَ من بعده، وهو أبو الربيع سليمان، ولقب بالمستكفي باللّه، وأنه حضر جنازته الناسُ كلُّهُم مُشاةً، ودُفن بالقرب من الست نفيسة، وله أربعون سنة في الخلافة. وقدم مع البريد تقليد بالقضاء لشمس الدين [بن] (٥) الحريري الحنفي، ونظر الدواوين لشرف الدين بن مزهر (٦). واستمرت الخاتونية الجوانية (٧) بيد القاضي جلال الدين بن حسام الدين بإذن نائب السلْطنة. وفي يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة خُطب للخليفة المستكفي باللّه وتُرُحِّم على والده بجامع دمشق، وأعيدت الناصرية إلى ابن الشريشي. [وعزل عنها ابن جَماعة] (٨) ودرَّس بها يوم الأربعاء الرابع عشر من جمادى الآخرة. وفي شوال قدم إلى الشام جَرادٌ عظيم أكل الزرع والثمار، وجرّد الأشجار حتى صارت مثل العِصِي: ولم يُعهَد مثل هذا. وفي هذا الشهر عُقد مجلس لليهود الخيابرة وأُلزِموا بأداء الجزية أُسْوةَ أمثالِهم من اليهود، فأحضروا

стр. 16

كتابًا معهم يزعمون أنّه من رسول الله ﷺ بوضع الجزية عنهم، فلما وقف عليه الفقهاء تبيَّنوا أنّه مكذوبٌ مفتعل لِمَا فيه من الألفاظ الركيكة، والتواريخ المخبطة، واللّحن الفاحش، وحاقَقَهُم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وبيَّنَ لهم خطأهم وكذبهم، وأنه مزوَّر مَكْذوب، فأنابوا إلى أداء الجزية، وخافوا من أن تُستعاد منهم السِنُونَ (١) الماضية. قلت: وقد وقفت أنا على هذا الكتاب فرأيت فيه شهادة سعد بن معاذ عام خيبر، وقد توفي سعدٌ قبل ذلك، وشهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم إذ ذاك، وإنما أسلم بعد ذلك (٢) بنحوٍ من سنتين: وفيه: (وكتب علي بن أبو طالب) وفيه (٣) لحن لا يصدر عن أمير المؤمنين علي، لأن علم النحو إنما أُسند إليه من طريق أبي الأسود الدؤلي عنه، وقد جمعت فيه جزءًا مفردًا، وذكرت ما جرى فيه أيام القاضي الماورْدي (٤)، وكبار أصحابنا في ذلك العصر، وقد ذكره في "الحاوي" وصاحب "الشامل" (٥) في كتابه، وغير واحد، وبيَّنوا خطأه ولله الحمدُ والمِنَّةُ. وفي هذا الشهر ثار جماعة من الحَسَدة على الشيخ تقي الدين بن تيمية، وشَكَوا منه أنه يقيم الحدود ويُعزِّر، ويَحلق رؤوس الصبيان، وتكلّم هو أيضًا فيمن يشكو منه ذلك، وبيَّن خطأهم، ثم سكنت الأمور. وفي ذي القعدة ضربت البشائر بقلعة دمشق أيامًا بسبب فتح أماكن من بلاد سِيْس (٦) عَنْوة، فتحها المسلمون، ولله الحمد. وفيه قدم عِزُّ الدين بن مبشر (٧) على نظر الدواوين عوضًا عن ابن مزهر. وفي يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة حضر عبد السيد بن المهذب ديَّان (٨) اليهود إلى دار العدل ومعه أولاده فأسلموا كلهم، فأكرمهم نائب السلطنة، وأمر أن يركب بخِلْعة وخلفه الدَّبَادِب (٩) تضرب والبوقات إلى داره، وعمل ليلتئذ خَتْمة عظيمة حضرها القضاةُ والعلماء، وأسلم على يديه جماعة كبيرة من

стр. 17

اليهود، وخرجوا يوم العيد كلّهم يكبرون مع المسلمين، وأكرمهم الناس إكرامًا زائدًا. وقدمت رُسُلُ ملِك التتار في سابع عشر ذي الحجة، فنزلوا بالقلعة، وسافروا إلى القاهرة بعد ثلاثة أيام. وبعد مسيرهم بيومين مات أرجواش (١)، وبعد موته بيومين قَدِم الجيشُ من بلاد سِيْس وقد فتحوا جانبًا منها، فخرج نائب السلطنة والجيشُ لتلقِّيهم، وخرج الناس للفُرْجة على العادة، وفرحوا بقدومهم ونصرهم. وممن توفي فيها من الأعيان: أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر الله: أبو العباس أحمد بن (بن أبي علي بن أبي بكر ابن) (٢) المسترشد بالله الهاشمي العباسي البغدادي المصري (٣)، بويع بالخلافة في الدولة الظاهرية في أول سنة إحدى وستين وستمئة، فاستكمل أربعين سنة في الخلافة. وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى. وصُلّي عليه وقت صلاة العصر بسوق الخيل بمصر، وحضر جنازته الأعيان ورجال الدولة كلّهم مشاةً. وكان قد عهد بالخلافة إلى ولده المذكور أبي الربيع سليمان. خلافة المستكفي بالله (٤) أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله العباسي لما عهد إليه أبوه كُتب تقليده بذلك، وقُرئ بحضرة السلطان ورجال الدولة يوم الأحد العشرين من ذي الحجّة من هذه السنة، وخُطب له على المنابر بالديار المصرية والشامية، وسارت بذلك البريدية إلى جميع البلاد الإسلامية. وتوفي فيها: الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله النجيبي الدوادار (٥): والي البِّر بدمشق (٦)، وأحد أمراء

стр. 18

الطبلخانة (١) بها، وكان مشكور السيرة، ولم تطل مدته، ودفن بقاسيون. توفي يوم الثلاثاء سادس عشر ربيع الأول. الشيخُ الإمام العالم شرف الدين أبو الحسين، علي (٢): ابن الشيخ الإمام العالم العلّامة الحافظ الفقيه تقي الدين، أبي عبد الله، محمد بن الشيخ أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن محمد اليُوْنِيني البَعْلَبَكّي، وكان أكبر من أخيه الشيخ قطب الدين (٣) ابن الشيخ الفقيه. ولد شرف الدين سنة إحدى وعشرين وستمئة، فأسمعه أبوه الكثير، وتفقّه واشتغل، وكان عابدًا عاملًا كثير الخشوع، دخل عليه إنسان وهو بخزانة الكتب، فجعل يضربه بعصًا في رأسه ثم بسكين، فبقي متمرّضًا أيامًا، ثم توفي إلى رحمة الله يوم الخميس حادي عشر رمضان ببعْلَبَك، ودفن بباب سطحا، وتأسف الناس عليه لعلمه، وعمله، وحفظه الأحاديث، وتودُّدِه إلى الناس، وتواضعه، وحسن سمْته، ومروءته. تغمده الله برحمته. الصدر ضياء الدين أحمد بن الحسين (٤) ابن شيخ السَّلامية: والد القاضي قطب الدين موسى (٥) الذي تولى فيما بعد نظر الجيش بالشام وبمصر أيضًا، توفي يوم الثلاثاء عشرين ذي القعدة، ودفن بقاسيون، وعمل عزاؤه بالرواحية. الأمير الكبير المرابط المجاهد علم الدين أَرْجَوَاش بن عبد الله المنصوري (٦): نائب القلعة بالشام، كان ذا هيبة وهمة وشهامة وقصد صالح، قدَّر الله على يديه حفظ معقل المسلمين لما ملكت التتار الشام أيام قازان، وعصت عليهم القلعة، ومَنَعَها الله منهم على يدَي هذا الرجل، فإنه التزم أن لا يسلمها إليها ما دام به عين تطرف، واقتدت بها بقية القلاع الشامية (٧). وكانت وفاته بالقلعة ليلة السبت الثاني والعشرين من ذي الحجّة، وأُخرِج منها ضحوةَ يوم السبت، فُصلّي عليه، وحضر نائبُ السلطنة فمَن دونه جنازتهَ، ثم حُمل إلى سفح قاسيون، ودفن بتربته ﵀.

стр. 19

الأَبَرْقُوْهِي المُسْند المعمَّر المصري: هو الشيخ الجليل المسند الرحلة، بقيةُ السلَف شهاب الدين أبو المعالي أحمد بن إسحاق (١) بن محمد بن المؤيد بن علي بن إسماعيل بن أبي طالب، الأَبَرْقُوْهي الهَمَذاني ثم المصري. وُلِد بأَبَرْقُوه من بلاد شيراز في رجب أو شعبان سنة خمس عشرة وستمئة، وسمع الكثير من الحديث على المشايخ الكثيرين، وخرجت له مشيخات، وكان شيخًا حسنًا لطيفًا مطيقًا، توفي بمكة بعد أن خرج الحجيج بأربعة أيام ﵀. وفيها توفي صاحب مكة الشريف أبو نُمَي محمد (٢) ابن الأمير أبي سعد حسن بن علي بن قتادة الحسني: صاحب مكة منذ أربعين سنة. وكان حليمًا وقورًا، ذا رأي وسياسة وعقل ومروءة. وفيها ولد كاتبه (٣) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي (٤) الشافعي عفا الله عنه، والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة اثنتين وسبعمئة من الهجرة استهلت (٥) والحُكَّام هم المذكورون في التي قبلها. وفي يوم الأربعاء ثاني صفر فُتحت جزيرة أرواد بالقرب من أنطرسوس (٦)، وكانت من أضر الأماكن على أهل السواحل، فجاءتها المراكب من الديار المصرية في البحر وأردفها جيوش طرابلس، ففُتحت ولله الحمد إلى نصف النهار، وقتلوا من أهلها قريبًا من ألفين، وكانت الأسرى قريبًا من خمسمئة (٧)، ودقَّت البشائر بدمشق ثلاثة أيام فرحًا وسرورًا. وكان فتحها من تمام فتح السواحل، وأراح الله المسلمين من شر أهلها. وفي يوم الخميس السابع عشر من شهر صفر وصل البريد [من الديار المصرية] (٨) إلى دمشق، فأخبر

стр. 20

بوفاة قاضي القضاة ابن دَقِيْق العِيْد، ومعه كتابٌ من السلطان إلى قاضي القضاة ابن جَماعة (١)، فيه تعظيم له واحترام وإكرام، يستدعيه إلى قربه ليباشر وظيفَة القضاة بمصر على عادته، فتهيأ لذلك، ولما عزم، خرج معه نائب السلطنة الأفْرم وأهل الحَلّ والعقد، وأعيان الناس ليودِّعوه. وستأتي ترجمة ابن دقيق العيد في الوفيات. ولما وصل ابن جَماعة إلى مصر أكرمه السلطان إكرامًا زائدًا (٢)، وخلع عليه خلعة صوف وبغلةً تساوي ثلاثة آلاف درهم، وباشر الحكم بمصر يوم السبت رابع ربيع الأول. ووصلت رسل التتار في أواخر ربيع الأول قاصدين بلاد مصر، وباشر الشيخ (٣) شرف الدين الفزاري مشيخة دار الحديث الظاهرية (٤) يوم الخميس ثامن ربيع الآخر عوضًا عن الشيخ (٥) شرف الدين الناسخ، وهو أبو حفص عمر بن محمد بن عمر بن حسن بن خواجا إمام الدين، الفارسي، توفي بها عن سبعين سنة، وكان فيه بِرٌّ ومعروف وله أخلاق حسنة. رحمه الله تعالى. وذكر الشيخ شرف الدين المذكور درسًا مفيدًا، وحضر عنده جماعة من الأعيان. وفي يوم الجمعة حادي عشر (٦) جمادى الأولى خلع على قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى (٧) بقضاء الشام عوضًا عن ابن جَمَاعة. وعلى الفارقي (٨) بالخطابة. وعلى الأمير ركن الدين بيبرس التِلَاوي (٩) بشدِّ الدواوين؛ وهنَّأهم الناس. وحضر نائب السلطنة والأعيان المقصورة لسماع الخطبة. وقُرئ تقليد ابن صَصْرَى بعد الصلاة، ثم جلس في الشباك الكمالي وقُرئ تقليدُه مرةً ثانية. وفي جمادى الأولى وقع بيد نائب السلطنة كتابٌ مزوَّر فيه أن الشيخ تقي الدين بن تيمية (١٠) والقاضي شمس الدين بن الحريري (١١) وجماعة من الأمراء والخواص الذين بباب السلطنة يناصحون

стр. 21

التتر (١)، ويريدون تولية قبجق (٢) على الشام، وأن الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكَاني (٣) يعلمهم بأحوال الأمير جمال الدين الأفرم، وكذلك كمال الدين بن العطار (٤). فلما وقف عليه نائب السلطنة عرف أن هذا مفتعل، ففحص عن واضعه فإذا هو فقيرٌ كان مجاورًا بالبيت الذي كان مجاور محراب الصحابة (٥)، يقال له: اليعفوري، وآخر معه يقال له: أحمد الفناري (٦)، وكانا معروفين بالشرِّ والفضول، ووجد معهما مسوَّدة هذا الكتاب، فتحقق نائب السلطنة ذلك، فَعُزِّرا تعزيرًا عنيفًا، ثم وسطا بعد ذلك. في مستهل جمادى الآخرة (٧) قطعت يد الكاتب الذي كتب لهما هذا الكتاب، وهو التاج ابن المناديلي. وفي أواخر جمادى الأولى انتقل الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصوري إلى نيابة القلعة عوضًا عن أرجواش. عجيبة من عجائب البحر (٨) قال الشيخ علم الدين البِرْزالي في (تاريخه): قرأت في بعض الكتب الواردة من القاهرة أنه لما كان بتاريخ يوم الخميس رابع جمادى الآخرة ظهرت دابة من البحر، عجيبة الخِلْقة، من بحر النيل إلى أرض المنوفية، بين بلاد منية مسعود واصطباري والراهب، وهذه صفتها: لونها لون الجاموس بلا شعر، وآذانها كآذان الجمل، وعيناها وفرجها مثل الناقة، يغطي فرجَها ذنبٌ طوله شبر ونصف كذنب (٩) السمكة، ورقبتها مثل غلظ الكيس المحشو تبنًا، وفمها وشفتاها مثل الكِرْبال (١٠)، ولها أربعة أنياب، اثنان من فوق واثنان من أسفل، طول كل واحد دون الشبر في عرض إصبعين، وفي فمها ثمانية وأربعون ضرسًا وسنًّا مثل بيادق الشطرنج، وطول يدها من باطنها إلى الأرض شبران ونصف، ومن ركبتها إلى حافرها مثل بطن الثعبان، أصفر مجعَّد، ودور حافرها مثل السُّكُرُّجَة بأربعة أظافير مثل أظافير

стр. 22

الجمل، وعرض ظهرها مقدار ذراعين ونصف، وطولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدمًا وفي بطنها ثلاثة كروش، ولحمها أحمر له زفرة مثل السمك، وطعمه كلحم الجمل، وغلظ جلدها أربعة أصابع ما تعمل فيه السيوف، وحمل جلدها على خمسة جمال في مقدار ساعة من ثقله على جمل بعد جمل، وأحضروه إلى بين يدي السلطان بالقلعة وحشوه تبنًا وأقاموه بين يديه، والله أعلم. وفي شهر رجب قويت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك واشتد خوفهم جدًّا، وقَنَتَ الخطيب في الصلوات، وقُرِئ البخاري، وشرع الناس في الجَفَل (١) إلى الديار المصرية والكَرَك والحصون المنيعة، وتأخر مجيء العساكر المصرية عن أوانها، فاشتد لذلك الخوف. وفي شهر رجب باشر نجم الدين بن أبي الطيب نظر الخزانة عوضًا عن أمين الدين سليمان. وفي يوم السبت ثالث شعبان باشر مشيخة الشيوخ بعد ابن جماعة القاضي ناصر الدين بن عبد السلام (٢)، وكان جمال الدين الزرعي (٣) يسد الوظيفة إلى هذا التاريخ. وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان بالعساكر من مصر لمناجزة التتار [المخذولين] (٤). وفي هذا اليوم بعينه كانت وقعة عُرض (٥) وذلك أنّه التقى جماعة من أمراء الإسلام فيهم أَسَنْدَمِر (٦) وبَهَادُر آص (٧) وكجكن وغرلو العادلي (٨)، وكلٌّ منهم سيف من سيوف المِلَّة الدين (٩) في ألف وخمسمئة فارس، وكان التتار في سبعة آلاف مقاتل (١٠)، فاقتتلوا، وصبر المسلمون صبرًا جيدًا، فنصرهم الله وخذل التتر، فقتلوا منهم خلقًا وأسروا آخرين، وولوا عند ذلك مدبرين، وغنم المسلمون منهم غنائم، وعادوا سالمين لم يفقد منهم إلا القليل ممن أكرمه الله بالشهادة، ووقَّعت البطاقة بذلك، ثم قدمت الأسارى يوم الخميس نصف شعبان، وكان يوم خميس النصارى.

стр. 23

أوائل وقعة شقحب (١) وفي ثامن عشرة قدمت طائفة كبيرةٌ (٢) من جيش المصريين، فيهم الأمير ركن الدين بِيْبَرس الجَاشَنْكير (٣)، والأمير حسام الدين لاجين المعروف بالإستادار (٤) المنصوري، والأمير سيف الدين كراي المنصوري (٥)، ثم قدمت بعدهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين أمير سلاح، وأيبك الخزندار، فقويت القلوب، واطمأن كثير من الناس، ولكن الناس في جَفَل عظيم من بلاد حلب وحماة وحمص وتلك النواحي، وتقهقر الجيش الحلبي والحموي إلى حمص، ثم خافوا أن يدهمهم التتر، فجاؤوا، فنزلوا المرج يوم الأحد خامس (٦) شعبان، ووصل التتار إلى حمص وبعلبك، وعاثوا في تلك الأراضي فسادًا، وقلق الناس قلقًا عظيمًا، وخافوا خوفًا شديدًا، واختبط البلد لتأخُّر قدوم السلطان ببقية الجيش، وقال الناس: لا طاقة لجيش الشّام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لكثرتهم، وإنما سبيلهم أن يتأخروا عنهم مرحلة مرحلة. وتحدث الناس بالأراجيف، فاجتمع الأمراء يوم الأحد المذكور بالميدان، وتحالفوا على لقاء العدو، وشجَّعوا أنفسهم، ونودي بالبلد ألا يرحل أحدٌ منه، فسكن الناس وجلس القضاة بالجامع وحلَّفوا جماعة من الفقهاء والعامة على القتال، وتوجّه الشيخُ تقي الدين بن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم في القُطَيِّفة (٧) فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم، وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يحلف للأمراء والناس إنكم في هذه الكرة منصورون، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠]. وقد تكلَّم النّاسُ في كيفية قتال هؤلاء التتر من أي قبيل هو، فإنهم يُظهِرون الإسلام وليسوا بغاةً على

стр. 24

الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه. فقال الشيخ تقي الدين: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليٍّ ومعاويةَ، ورأَوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبِّسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك، وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجع الناس في قتال، التتار وقويت قلوبهم ونياتهم، ولله الحمد. ولما كان يوم الأربعاء (١) الرابع والعشرين من شعبان خرجت العساكر الشَّامية فخيَّمت على الجسورة من ناحية الكُسْوَة (٢)، ومعهم القضاة، فصار الناس فيهم فريقين: فريق يقولون: إنما ساروا ليختاروا موضعًا للقتال، فإن المرج فيه مياه كثيرة فلا يستطيعون معها القتال، وقال فريق: إنّما ساروا إلى تلك الجهة ليهربوا وليلحقوا بالسلطان. فلما كانت ليلة الخميس ساروا إلى ناحية الكُسْوَة فقويت ظنون الناس في هربهم، وقد وصلت التتار إلى قَارَةَ (٣)، وقيل: إنهم وصلوا إلى القُطَيِّفة، فانزعج الناس لذلك انزعاجًا (٤) شديدًا، ولم يبق حول القرى والحواضر أحد، وامتلأت القلعة والبلد، وازدحموا في (٥) المنازل والطرقات، واضطرب الناس، وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية صبيحة يوم الخميس من الشهر المذكور من باب النصر بمَشَقَّةٍ كبيرة، وصحِبته جماعة ليشهد القتالَ بنفسه ومن معه، فظنُّوا أنَّه إنَّما خرج هاربًا فحصل اللَّومُ من بعض الناس، وقالوا: أنت منعتنا من الجَفَل، وها أنت هارب من البلد؟ فلم يرد عليهم، وبقي البلد ليس فيه حاكم، وعاثت (٦) اللُّصوص والحرافيش (٧) فيه وفي بساتين الناس يخربون وينتهبون ما قدروا عليه، ويقطعون الثمر (٨) قبل أوانه والباقلاء والقمح وسائر الخضراوات، وحيل بين الناس وبين خبر الجيش وانقطعت الطرق إلى الكُسْوة، وظهرت الوحشة على البلد والحواضر، وليس للناس شغل غير الصعود إلى المآذن ينظرون يمينًا وشمالًا إلى ناحية الكُسْوة فتارة يقولون: رأينا غبرةً فيخافون أن تكون من التتر، ويتعجبون من الجيش مع كثرتهم وجودة عدتهم وعددهم، أين ذهبوا؟ فلا يدرون ما فعل الله بهم، فانقطعت الآمال وألح الناس في الدعاء والابتهال وفي الصّلوات وفي كل حال، وذلك يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان، وكان الناس في خوف ورعب لا يعبَّر عنه، ولكن كان

стр. 25

الفرج من ذلك قريبًا، ولكن أكثرهم لا يعلمون (١)، كما جاء في حديث أبي رزين (٢): "عَجِبَ رَبُّكَ مِنْ قُنُوْطِ عبادِهِ وقُرْبِ غِيَرِهِ ينظر إليكم أَزْلِين قنطينَ، فيظَلُّ يضحَكُ يعلم أن فَرَجَكُم قَرِيْبٌ" (٣). فلما كان آخر هذا اليوم وصل الأمير فخر الدين إياس (٤) المرقبي أحد أمراء دمشق، فبشَّرَ الناس بخير، هو أن السلطان قد وصل وقد اجتمعت العساكر المصرية والشامية (٥)، وقد أرسلني أكشف هل طَرَقَ البلدَ أحدٌ من التتر، فوجد الأمر كما يُحب لم يطرقها أحد منهم (٦)، وذلك أن التتار عرجوا عن دمشق إلى ناحية العساكر المصرية، ولم يشتغلوا بالبلد، وقد قالوا: إن غَلَبنا، فالبلد لنا، وإن غُلبنا فلا حاجة لنا به، ونودي بالبلد بتطييب الخواطر، وأن السلطان قد وصل، فاطمأن الناس وسكنت قلوبهم (٧)، وأثبت الشهر ليلة الجمعة القاضي تقي الدين الحنبلي، فإن السماء كانت مغيمة، فعلقت القناديل، وصليت التراويح، واستبشر الناس بشهر رمضان وبركته، وأصبح الناس يوم الجمعة في هَمٍّ شديد وخوف أكيد، لأنهم لا يعلمون ما خبر الناس. فبينما هم كذلك إذ جاء الأمير سيف الدين غرلو العادلي، فاجتمع بنائب القلعة، ثم عاد سريعًا إلى العسكر، ولم يدر أحد ما أخبر به، ووقع الناس في الأراجيف والخوض. وقعة شَقْحَب أصبح النّاسُ يومَ السبت على ما كانوا عليه من شدة الخوف وضيق الأمر، فرأوا من المآذن سوادًا وغبرة من ناحية العسكر والعدوّ، فغلب على الظنون أن الوقعة في هذا اليوم، فابتهلوا إلى الله بالدعاء في المساجد والبلد، وطلع النساء والصغار على الأسطحة وكشفوا رؤوسهم، وضج البلد ضجة عظيمة، ووقع في ذلك الوقت مطر عظيم غزير، ثم سكن الناس، فلما كان بعد الظهر قُرِئت بطاقةٌ بالجامع تتضمن أن في الساعة الثانية من نهار السبت هذا اجتمعت الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان

стр. 26

في مرج الصُّفَّر (١)، وفيها طلب الدعاء من الناس والأمر بحفظ القلعة. والتحرُّز على الأسوار. فدعا الناس في الجامع والبلد، وانقضى النهار، وكان يومًا مزعجًا هائلًا، وأصبح الناس يوم الأحد يتحدَّثون بكسر التتر، وخرج الناس إلى ناحية الكُسْوة، فرجعوا ومعهم شيء من المكاسب، ومعهم رؤوس من رؤوس التتر (٢)، وصارت أدلة كسرة التتار تقوى وتتزايد قليلًا قليلًا حتى اتضحت جملة، ولكن الناس لِمَا عندهم من شدة الخوف وكثرة التتر لا يصدِّقون، فلما كان بعد الظهر قُرِئ كتابُ السلطان إلى متولّي القلعة يخبر فيه باجتماع الجيش ظهر يوم السبت بشَقْحَب وبالكُسْوة، ثم جاءت بطاقةٌ بعد العصر من نائب السلطان جمال الدين آقوش الأَفرم إلى نائب القلعة مضمونها أن الوقعة كانت من العصر يوم السبت إلى الساعة الثانية من يوم الأحد، وأن السيف كان يعمل في رقاب التتر ليلًا ونهارًا وأَنّهم هربوا وفرُّوا واعتصموا بالجبال والتلال، وأَنّه لم يسلم منهم إلا القليل، فأمسى الناس وقد استقرت خواطرهم، وتباشروا لهذا الفتح العظيم والنّصر المبارك، ودقّت البشائر بالقلعة من أول النهار المذكور، ونُودي بعد الظهر بإخراج الجُفَّال (٣) من القلعة لأجل نزول السُّلطان بها، وشرعوا في الخروج (٤). وفي يوم الإثنين رابع الشهر رجع الناس من الكُسْوة إلى دمشق، فبشَّروا النَّاس بالنَّصر. وفيه دخل الشيخ تقي الدين بن تيمية البلد ومعه أصحابه من الجهاد، ففرح النّاس به ودعَوْا له وهنّؤوه بما يسر الله على يديه من الخير، وذلك أَنّه ندبه العسكر الشامي أن يسير إلى السلطان يستحثه على السير إلى دمشق، فسار إليه فحثَّه على المجيء إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى مصر، فجاء هو وإياه جميعًا، فسأله السُّلطان أن يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ: السُّنَّةُ أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم، وحرض السلطان على القتال، وبشَّره بالنصر، وجعل يحلف له بالله الذي لا إله إلا هو إنكم منصورون عليهم في هذه المرة، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وأفتى الناسَ بالفطر مدَّة قتالهم، وأفطر هو أيضًا، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شيء معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليتقوَّوا على القتال أفضل، [فيأكل الناس] (٥)، وكان يتأوَّل في الشاميين قوله ﷺ : "إنكُم مُلاقُو العدوِّ غدًا، والفِطْر أقْوى لَكُم" فعزم عليهم في الفطر عام الفتح كما في حديث أبي سعيد الخدري (٦). وكان الخليفة أبو الربيع سليمان في صحبة السلطان، ولما اصطفت العساكر والتحم القتال ثبت

стр. 27

السلطان ثباتًا عظيمًا، وأمر بجواده فقيِّد حتى لا يهرب، وبايع الله تعالى في ذلك الموقف، وجرت خُطوب عظيمة، وقُتل جماعة من سادات الأمراء يومئذ، منهم الأمير حسام الدين لاجين الرُّومي أستاذ دار السلطان، وثمانية من الأمراء المقدَّمين وصلاح الدين بن الملك السعيد الكامل بن السعيد بن الصالح إسماعيل (١)، وخلق من كبار الأمراء، ثم نزل النصر على المسلمين قريب العصر يومئذ، واستظهر المسلمون عليهم. ولله الحمد والمنة. فلما جاء الليلُ لجأَ التتر إلى اقتحام التُّلول والجبال والآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب، ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله ، وجعلوا يجيؤون بهم في الحبال فتضرب أعناقهم، ثم اقتحم منهم جماعة الهزيمة فنجا منهم القليل، ثم كانوا يتساقطون في الأودية والمهالك، ثم بعد ذلك غرق منهم جماعة في الفرات بئْستِ الأمة (٢)، وكشف الله بذلك عن المسلمين غمّة عظيمة شديدة، ولله الحمد والمنّة. ودخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان وبين يديه الخليفة، وزُيِّنت البلد، وفرح كل واحد من أهلها. أهل الجمعة والسبت والأحد (٣)، فنزل السطان في القصر الأَبْلق (٤) والميدان، ثم تحوّل إلى القلعة يوم الخميس، وصلّى بها الجمعة، وخلع على نوّاب البلاد وأَمَرَهم بالرجوع إلى بلادهم، واستقرت الخواطر، وذهب البأس وطابت قلوب الناس. وعزل السلطان ابن النحّاس عن ولاية المدينة وجعل مكانه الأمير علاء الدين أَيْدغدي (٥) أمير علم، وعزل صارم الدين إبراهيم (٦) والي الخاص عن ولاية البر، وجعل مكانه الأمير حسام الدين لاجين الصغير (٧)، ثم عاد السطان إلى الديار المصرية (٨) يوم الثلاثاء ثالث شوال بعد أن صام رمضان وَعيَّد بدمشق. وطلب الصوفيَّةُ من نائب دمشق الأَفرم أن يولّي عليهم مشيخة الشيوخ للشيخ صفي الدين الهندي، فأذن له في المباشرة يوم الجمعة سادس شوال عوضًا عن ناصر الدين بن عبد السلام (٩)، ودخل السلطان

стр. 28

القاهرة (١) يوم الثلاثاء ثالث عِشري شوال، وكان يومًا مشهودًا، وزُيِّنت القاهرة. وفيها جاءت زلزلة (٢) عظيمة يوم الخميس بكرة الثالث والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وكان جمهورها بالديار المصرية، تلاطمت بسببها البحار، فكُسِرت المراكب، وتَهدَّمت الدور، ومات خلق كثير لا يعلمهم إلا الله، وتشقِّقت الحيطان، ولم يُرَ مثلُها في هذه الأعصار، وكان منها بالشام طائفة، لكن كان ذلك أخف من سائر البلاد غيرها. وفي ذي الحجة باشر الشيخ أبو الوليد ابن الحاج الإشبيلي المالكي إمام (٣) محراب المالكية بجامع دمشق بعد وفاة الشيخ شمس الدين محمد الصّنْهاجي. وممّن توفي فيها من الأعيان: ابن دَقِيْق العِيْد: الشيخ الإمام العالم العلّامة الحافظ قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد (٤) القُشَيري المصري. ولد يوم السبت الخامس والعشرين (٥) من شعبان سنة خمس وعشرين وستمئة بساحل مدينة يَنْبُع من أرض الحجاز. سمع الكثير، ورحل في طلب الحديث، وخرَّج، وصنّف فيه إسنادًا ومتنًا مصنفات عديدةً، فريدة مفيدة، وانتهت إليه رياسة العلم في زمانه، وفاق أقرانه، ورحل إليه الطلبة (٦) ودرّس في أماكن كثيرة، ثم ولّي قضاء الديار المصرية في سنة خمس وتسعين (٧) وستمئة، ومشيخة دار الحديث الكاملية (٨). [وقد اجتمع به الشيخ تقي الدين بن تيمية، فقال له تقي الدين بن دقيق العيد لما رأى تلك العلوم منه: ما أظن بقي يخلق مثلك] (٩). وكان وقورًا قليل الكلام غزير الفوائد كثير العلوم في ديانة ونزاهة، وله شعر رائق.

стр. 29

توفي يوم الجمعة حادي عشر شهر صفر، وصلّي عليه يوم الجمعة المذكور بسوق الخيل، وحضر جنازته نائب السلطنة والأمراء، ودفن بالقَرَافة الصُّغرى، ﵀. الشيخ برهان الدين الإسكندري إبراهيم بن فلاح (١) بن محمد بن حاتم: سمع الحديث (٢) وكان ديّنًا فاضلًا. وُلد سنة ست وثلاثين وستمئة. وتوفي يوم الثلاثاء رابع وعشرين شوال عن خمس وستين سنة (٣). وبعد شهر (٤) بسواء كانت وفاة: الصدر كمال (٥) الدين بن العطار: كاتب الدرج منذ أربعين سنة، أبو العباس أحمد بن أبي الفتح محمود بن أبي الوحش أسد بن سلامة بن سلمان (٦) بن فتيان الشيباني، كان من خيار الناس وأحسنهم نقيبة (٧)، ودفن بتربة لهم تحت الكهف بسفح قاسيون، وتأسف الناس عليه لإحسانه إليهم، رحمه الله تعالى. الملك العادل زين الدين كَتْبُغا (٨): توفي بحماة نائبًا عليها بعد صَرْخَد (٩) يوم الجمعة يوم عيد الأضحى، ونقل إلى تربته بسفح قاسيون غربي الرباط الناصري، [يقال لها: العادلية، وهي تربة مليحة ذات شبابيك وبوابة ومئذنة] (١٠)، وله عليها أوقاف دارة على وظائف [من قراءة وأذان وإمامة] (٧) وغير ذلك، وكان من كبار الأمراء المنصورية، وقد ملك البلاد بعد مقتل الأشرف خليل بن المنصور (١١)، ثم

стр. 30

انتزع الملك منه لاجين (١) [وجلس في قلعة دمشق، ثم تحول إلى صَرْخد وكان بها إلى أن قتل لاجين وأخذ الملك الناصر بن قلاوون، فاستنابه بحماة حتى كانت وفاته كما ذكرنا] (٢). وكان من خيار الملوك وأعدلهم وأكثرهم بِرًّا، وكان من خيار الأمراء والنوّاب، ﵀. ثم دخلت سنة ثلاث وسبعمئة استهلت والحكام (٣) هم المذكورون في التي قبلها. وفي صفر تولى الشيخ كمال الدين بن الشُّرَيْشي (٤) نظارة الجامع الأموي، وخلع عليه، وباشره مباشرة مشكورة، وساوى بين الناس، وعزل نفسه في رجب منها. وفي شهر صفر تولَّى الشيخ شمس الدين الذهبي (٥) خطابة كَفْرَ بَطْنا (٦) وأقام بها. ولما توفي الشيخ زين الدين الفارقي في (٧) هذه السنة - كما سيأتي في الوفيات - كان نائب السلطنة في نواحي البَلْقاء (٨) يكشف بعض الأمور، فلما قدِم تكلموا معه في وظائف الفارِقي فعيّن الخطابة لشرف الدين الفَزَاري (٩)، وعَيَّن الشامية البرّانية ودار الحديث (١٠) للشيخ كمال الدين بن الشَّرِيْشِي (١١)، وذلك بإشارة الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأخذ منه الناصرية (١٢) للشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكَاني، ورسم بكتابة التواقيع بذلك،

стр. 31

وباشر الشيخ شرف الدين الإمامة والخَطابة، وفرح الناس به لِحُسْن قراءته وطيب صوته وجودة سيرته. فلما كان بكرة يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول، وصل البريد من مصر صحبةَ الشيخ صدر الدين بن الوكيل (١)، وقد سبقه مرسوم السلطان له بجميع جهات الفارقي مضافًا إلى ما بيده من التدريس، فاجتمع بنائب السلطنة بالقصر، وخرج من عنده إلى الجامع، ففتح له باب دار الخطابة، فنزلها وجاءه الناس يهنِّئونه، وحضر عنده القُرّاء والمؤذنون، وصَلّى بالناس العصر، وباشر الإمامة يومين، فأظهر الناسُ التألُّمَ من صلاته وخطابته، وسَعَوا فيه إلى نائب السلطنة، فمنعه من الخطابة، وأَقرّه على التدريس ودار الحديث، فباشر (٢) وجاء توقيعٌ سلطاني للشّيخ شرف الدين الفزاري بالخطابة، فخطب يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى، وخلع عليه بطرحة، وفرح الناس به، وأخذ الشيخ كمال الدين بن الزمْلَكاني تدريس الشامية البرانية من يد ابن الوكيل، وباشرها في مستهل جمادى الأولى واستقرت دار الحديث بيد ابن الوكيل مع مدرستيه الأوليين، وأظنهما العذراوية والشامية الجوانية (٣). ووصل البريد في ثاني عشر جمادى الأولى بإعادة السَّنْجَري إلى نيابة القلعة وتولية نائبها الأمير سيف الدين الجوكنداري (٤) نيابة حمص عوضًا عن عز الدين الحموي الذي توفي. وفي يوم السبت ثاني عشر رمضان (٥) قدمت ثلاثة آلاف فارس من مصر، وأُضيف إليها ألفان من دمشق، وساروا وأخذوا معهم نائب حمص الجوكندار، ووصلوا إلى حماة، فصحبهم نائبها الأمير سيف الدين قبجق (٦)، وجاء إليهم أسَنْدمر (٧) نائب طرابلس، وانضاف إليهم قَرَاسُنْقر (٨) نائب حلب، وانفصلوا كلهم عنها، وافترقوا فرقتين، طائفة (٩) سارت صحبة قبجق إلى ناحية مَلَطْية، وقلعة الروم (١٠)، والفرقة

стр. 32

الأخرى صحبة قَرَاسُنْقُر حتى دخلوا الدَّرْبَنْدات (١)، وحاصروا تلّ حمدون، فتسلموه عنوة في ثالث (٢) ذي القعدة بعد حصار طويل، فدقت البشائر بدمشق لذلك، ووقع الاتفاق (٣) مع صاحب سِيْس على أن يكون للمسلمين من نهر جيحان إلى حلب، وبلاد ما وراء النهر (٤) إلى ناحيتهم لهم، وأن يعجِّلوا حمل سنتين، ووقعت الهدنة على ذلك، وذلك بعد أن قتل خلق من أمراء الأرمن ورؤسائهم، وعادت العساكر إلى دمشق مؤيَّدين منصورين، ثم توجهت العساكر المصرية [صحبة مقدَّمهم أمير سلاح] (٥) إلى مصر. وفي أواخر السنة كان موت قازان (٦) وتولية أخيه خربندا. وهو ملك التتار قازان، واسمه محمود بن أرغون بن أبغا، وذلك في رابع عشر شوال أو حادي عشر أو ثالث عشر، بالقرب من هَمَذان، ونقل إلى تربته بتبريز (٧) بمكان يسمى الشام، ويقال: إنه مات مسمومًا. وقام في الملك بعده أخوه خَرَبَنْدَا (٨) محمد بن أَرْغُون، ولقَّبوه الملك غياث الدين، وخُطب له على منابر العراق وخراسان وتلك النواحي والبلاد. وحج في هذه السنة الأمير سيف الدين سَلّار نائب مصر (٩) وفي صحبته أربعون أميرًا، وجميع أولاد الأمراء، وحج معهم وزير مصر الأمير عز الدين البغدادي، وتولى مكانه بالبِرْكة (١٠) ناصر الدين محمد الشيخي. وخرج سَلَّار في أُبَّهة عظيمة جدًّا، وأميرُ ركب المصريين الحاج إباق الحسامي، وترك الشيخ صفي الدين (١١) مشيخة الشيوخ، فوليها القاضي تقي الدين (١٢) عبد الكريم ابن قاضي القضاة

стр. 33

محيي الدين بن الزكي، وحضر الخانقاه يوم الجمعة الحادي والعشرين (١) من ذي القعدة، وحضر عنده ابن صَصْرَى وعز الدين القلانِسي، والصاحب ابن المُبشَّر (٢) والمحتسِب، وجماعة. وفي ذي القعدة وصل من التتر مقدَّمُ كبير قد هرب منهم إلى بلاد الإسلام، وهو الأمير بدر الدين جَنْكَلي بن البابا (٣)، وفي صحبته نحو من عشرة، فحضروا الجمعة في الجامع، وتوجهوا إلى مصر، فأُكرم وأُعطي إمْرة ألف، وكان مقامه ببلاد آمد، وكان يناصح السلطان ويكاتبه ويطلعه على عورات التتر (٤)، فلهذا عَظُم شأنُه في الدولة الناصرية. وممن توفي فيها من الأعيان: ملك التترقازان (٥). والشيخ القدوة العابد الزاهد الورع أبو إسحاق: إبراهيم بن أحمد (٦) بن محمد [بن معالي بن محمد] (٧) بن عبد الكريم الرَّقِّي الحنبلي. كان أصله من بلاد الشرق، ومولده بالرقة من سنة سبع وأربعين وستمئة. واشتغل، وحصَّل، وسمع شيئًا من الحديث، وقَدِم دمشق، فسكن بالمئذنة الشرقية في أسفلها بأهله إلى جانب الطهارة بالجامع، وكان معظَّمًا عند الخاص والعام، فصيحَ العبارة، كثير العبادة، خَشِن العيش، حسن المجالسة، لطيف الكلام، كثير التلاوة، قويّ التوجه، من أفراد العالم، عارفًا بالتفسير والحديث والفقه والأصلين، وله مصنفات وخُطب، وله شعر حسن. توفي بمنزله ليلة الجمعة خامس عشر المحرم، وصلّي عليه عقيب الجمعة، ونقل إلى تربة الشيخ أبي عمر بالسفح (٨)، وكانت جنازته حافلة، ﵀ وأكرم مثواه. وفي هذا الشهر توفي الأمير زين الدين قراجا: أستاذ دار الأفرم، ودفن بتربته بميدان الحصا (٩) عند النهر. والشَّيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد السلام: عرف بابن الحُبْلى، كان من خيار

стр. 34

الناس، يتردّد إلى عكّا أيامًا حينما كانت في [أيدي] (١) الفرنج، في فِكاك أَسارى المسلمين، جزاه الله خيرًا وعتقه من النار وأدخله الجنة برحمته. الخطيب ضياء الدين: أبو محمد عبد الرحمن (٢) ابن الخطيب جمال الدين أبي الفرج عبد الوهاب بن علي بن أحمد بن عقيل السُّلميّ، خطيب بَعلبَكّ نحوًا من ستين سنة، هو ووالده. وُلد سنة أربع عشرة وستمئة وسمع الكثير وتفرّد عن القزويني. وكان رجلًا جيدًا حسن القراءة (٣) من كبار العُدُول. توفي ليلة الإثنين ثالث صفر، ودفن بباب سَطحا. الشيخ زين الدين الفَارقي: عبد الله بن مروان (٤) بن عبد الله بن فهر بن الحسن، أبو محمد الفارقي، شيخ الشافعية. ولد سنة ثلاث وثلاثين وستمئة، وسمع الحديث الكثير، واشتغل ودرَّس في (٥) عدة مدارس، وأفتى مدةً طويلةً، وكانت له همّة وشهامة وصرامة، وكان يباشر الأوقاف جيدًا. وهو الذي عمر دار الحديث بعد خرابها زمن قازان (٦)، وقد باشرها سبعًا وعشرين سنة من بعد النواوي إلى حين وفاته. وكانت معه الشامية البرانية وخطابة الجامع الأموي تسعة أشهر، باشر به الخطابة قبل وفاته، وقد انتقل إلى دار الخطابة وتوفي بها يوم الجمعة بعد العصر، وصُلّي عليه ضحى السبت، صلى عليه ابن صَصْرَى عند باب الخطابة، وبسوق الخيل قاضي الحنفية شمس الدين بن الحريري (٧)، وعند جامع الصالحية قاضي الحنابلة تقي الدين سليمان (٨)، ودفن بتربة أهله شمالي تربة الشيخ أبي عمر ﵀. وباشر بعده الخطابة شرف الدين الفزاري (٩) ومشيخة دار الحديث ابن الوكيل (١٠)، والشامية البرانية ابن الزَّمْلَكَاني، وقد تقدَّم ذلك.

стр. 35

الأمير الكبير عز الدين أَيْبَك الحموي (١): ناب بدمشق مدة، ثم عزل عنها إلى صرخد، ثم نقل قبل موته بشهر إلى نيابة حمص، وتوفي بها يوم العشرين من ربيع الآخر، ونقل إلى تربته بالسفح غربي زاوية ابن قوام، وإليه ينسب الحمام بمسجد القصب (٢) الذي يقال له: حمام الحموي، عمره في أيام نيابته. الوزير فتح الدين: أبو محمد عبد الله بن محمد (٣) بن أحمد بن خالد بن محمد بن نصر بن صعير (٤) القرشي المخزومي ابن القَيْسراني. كان شيخًا جليلًا أديبًا شاعرًا مجوِّدًا من بيت رياسة ووزارة. ولي وزارة دمشق مدة، ثم أقام بمصر موقعًا مدة، وكان له اعتناء بعلوم الحديث وسماعه وإسماعه (٥)، وله مصنف في أسماء الصحابة الذين خرَّج لهم في الصحيحين، وأورد شيئًا من أحاديثهم في مجلدين كبيرين موقوفين بالمدرسة الناصرية بدمشق، وكان له مذاكرة جيدة محررة باللفظ والمعنى، وقد خرَّج عنه الحافظ الدمياطي، وهو آخر من توفي من شيوخه. توفي بالقاهرة في يوم الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الآخره، وأصلهم من قيسارية (٦). وكان جدُّه موفق الدين أبو البقاء خالد (٧) وزيرًا لنور الدين الشهيد، وكان من الكتَّاب المجيدين المتقنين، له كتابة جيدة محررة جدًّا، توفي في أيام صلاح الدين سنة ثمان وثمانين وخمسمئة. وأبوه محمد بن نصر بن صعير (٨) ولد بعكا قبل أخذ الفرنج لها سنة ثمان وسبعين وأربعمئة، فلما أخذت بعد التسعين (٩) وأربعمئة انتقل أهلهم إلى حلب فكانوا بها، وكان شاعرًا مطبقًا له ديوان مشهور، وكان له معرفة جيدة بالنجوم وعلم الهيئة وغير ذلك.

стр. 36

[ترجمة الوالد ﵀] (١) وفيها توفي الوالد، وهو الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء ابن درع القرشي، من بني خُصَيْلة (٢)، وهم ينتسبون إلى الشرف، وبأيديهم نسب، وقف على بعضها شيخنا المِزّي فأعجبه ذلك وابتهج به، فصار يكتب في نسبي بسبب ذلك: القرشي. من قرية يقال لها: الشركوين (٣) غربي بصرى، بينها وبين أذرعات، ولد بها في حدود سنة أربعين وستمئة، واشتغل بالعلم عند أخواله بني عقبة ببصرى، فقرأ (البداية) (٤) في مذهب أبي حنيفة، وحفظ (جمل) الزَّجّاجي، وعني بالنحو والعربية واللغة (٥)، وحفظ أشعار العرب حتى كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح والمراثي وقليل من الهجاء، وقرَّر بمدارس بصرى بمبرك (٦) الناقة شمالي البلد حيث يزار. وهو المبرك المشهور عند الناس، والله أعلم بصحة ذلك (٧). ثم انتقل إلى خطابة القُريَّة شرقي بصرى، وتمذهب للشافعي، وأخذ عن النواوي، والشيخ (٨) تاج الدين الفزاري، [وكان يكرمه ويحترمه فيما أخبرني شيخنا العلامة ابن الزَّمْلَكاني] (٩)، فأقام بها نحوًا من اثنتي عشرة سنة، ثم تحول إلى خطابة مُجَيْدل، القُرَيَّة التي منها الوالدة رحمها الله، فأقام (١٠) بها مدة طويلة في خير وكفاية وتلاوة كثيرة. وكان يخطب جيدًا، وله قبول (١١) عند الناس، ولكلامه موقع، ولديانته وفصاحته حلاوة، وكان يؤثر الإقامة في البلاد لما يرى فيها من الرفق ووجود الحلال له ولعياله (١٢).

стр. 37

وقد ولد له عدة أولاد من الوالدة ومن أخرى قبلها، أكبرهم إسماعيل ثم يونس وإدريس، ثم من الوالدة عبد الوهاب وعبد العزيز ومحمد وأخوات عدة، ثم أنا أصغرهم، وسُمّيت باسم الأخ إسماعيل لأنه كان قد قدم دمشق فاشتغل بها بعد أن حفظ القرآن على والده وقرأ (١) مقدمة في النحو، وحفظ (التنبيه) (٢) وشرحه على العلامة تاج الدين الفزاري، وحصّل (المنتخب) في أصول الفقه، قاله لي شيخنا ابن الزَّمْلَكاني، ثم إنه سقط من سطح الشامية البرانية فمكث أيامًا ومات، فوَجَدَ الوالد عليه وَجْدًا كثيرًا، ورثاه بأبيات كثيرة، فلما وُلِدْتُ له أنا بعد ذلك سمَّاني باسمه، فأكبر أولاده إسماعيل وآخرهم وأصغرهم إسماعيل (٣)، فرحم الله من سلف وختم بخير لمن بقي. توفي والدي في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعمئة، بقرية مُجَيدل القُرَيَّة (٤)، ودفن بمقبرتها الشّمالية عند الزيتونة، وكنت إذ ذاك صغيرًا ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أُدركه إلا كالحُلُم، ثم تحوّلنا من بعده في سنة سبع وسبعمئة إلى دمشق صحبة الأخ (٥) كمال الدين عبد الوهاب، وقد كان لنا شقيقًا، وبنا رفيقًا شفوقًا، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين، فاشتغلت على يديه في العلم، فيسر الله تعالى منه ما يسّر، وسهّل منه ما تعسر. والله أعلم (٦).

стр. 38

ثم دخلت سنة أربع وسبعمئة استُهِلَّت والخليفة والسلطان والحكام والمباشرون هم المذكورون في التي قبلها (١). وفي يوم الأحد ثالث ربيع الأول دارت (٢) الدروس والوظائف التي أنشأها الأمير بيْبَرْسُ الجَاشَنُكِير المنصوري بجامع الحاكم بعد أن جدَّده من خرابه بالزلزلة التي طرقت ديار (٣) مصر في آخر سنة ثنتين وسبعمئة، وجَعَلَ القُضاةَ الأربعة هم المدرسين للمذاهب، وشيخ الحديث سعد الدين الحارثي، وشيخ

стр. 39

النحو أثير الدين أبا حيان (١)، وشيخ القراءات السبع الشيخ نور الدين الشَّطَّنَوْفي (٢)، وشيخ إفادة العلوم الشيخ علاء الدين القونوي (٣). وفي جُمادى الآخرة باشر الأمير ركن الدين بِيْبَرْس الحجوبية مع الأمير سيف الدين بَكْتَمِر (٤)، وصارا حاجبين كبيرين في دمشق. وفي رجب منها حضر إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية شيخ كان يلبس دلقًا كبيرًا متَّسعًا جدًّا يسمى المجاهد إبراهيم القطان، فأمر الشيخ بتقطيع ذلك الدلق. فتناهبه الناس من كل جانب وقطّعوه حتى لم يَدَعوا فيه شيئًا] (٥)، وأمر بحلق رأسه، وكان ذا شعر، وقلم أظفاره، وكانوا طوالًا جدًّا، وحَفّ شاربه المسبل على فمه المخالف للسُّنة، واستتابه من كلام الفحش وأكْلِ ما يغيِّر العقل من الحشيشة وغيرها. وبعده استحضر الشيخ محمد الخبَّاز البلاسي فاستتابه أيضًا عن أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة، وكتب عليه مكتوبًا أن لا يتكلم في تعبير المنامات (٦) ولا في غيرها بما لا علم له به. وفي هذا الشهر بعينه راح الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مسجد النارنج (٧) وأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت بنهر قلوط تُزَار ويُنْذَر لها (٨)، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، [فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيمًا. وبهذا وأمثاله حسدوه وأبرزوا له العداوة، وكذلك بكلامه بابن عربي وأتباعه، فحسد على ذلك وعودي، ومع هذا لم تأخذه في الله لومة لائم، ولا بالي، ولم يصلوا إليه بمكروه، وأكثر ما نالوا منه الحبس مع أنه لم ينقطع في بحث لا بمصر ولا بالشام، ولم يتوجه لهم عليه ما يشين، وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه، كما سيأتي، وإلى الله إياب الخلق وعليه حسابهم] (٩). وفي رجب جلس قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى بالمدرسة العادلية الكبيرة، وعملت التخوت

стр. 40

بعد ما جددت عمارة المدرسة، ولم يكن أحد يحكم بها بعد وقعة قازان بسبب خرابها (١)، وجاء المرسوم للشيخ برهان (٢) الدين الفزاري بوكالة بيت المال فلم يقبل. وللشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني بنظر الخزانة فقبل وخلع عليه بطَرحه (٣)، وحضر بها يوم الجمعة، وهاتان الوظيفتان كانتا مع نجم الدين بن أبي الطيب (٤)، توفي إلى رحمة الله. وفي شعبان سعى جماعة في تبطيل الوقيد ليلة النصف، وأخذوا خطوط العلماء في ذلك، وتكلموا مع نائب السلطنة، فلم يتفق ذلك، بل أشعلوا، وصُليت صلاة ليلة النصف أيضًا. وفي خامس رمضان وصل الشيخ كمال الدين بن الشَّرِيْشي من مصر بوكالة بيت المال، ولبس الخلعة يوم الجمعة (٥) سابع رمضان، وحضر عند ابن صَصْرَى بالشباك الكمالي (٦). وفي سابع شوال عُزل وزيرُ مصر ناصر الدين بن الشيخي، وقطع إقطاعه ورسم عليه، وعوقب إلى أن مات في ذي القعدة. وتولى الوزارة سعد الدين محمد بن محمد بن عطايا وخلع عليه. وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي القعدة حكم قاضي القضاة جمال الدين الزواوي بقتل الشمس محمد بن جمال الدين عبد الرحيم الباجربقي (٧)، وإراقة دمه وإن تاب وإن أسلم، بعد إثبات محضر عليه يتضمن كفر الباجربقي المذكور، وكان ممّن شهد عليه فيه الشيخ مجد الدين التونسي النحوي الشافعي، فهرب الباجربقي إلى بلاد الشرق، فمكث بها مدة سنين ثم جاء بعد موت الحاكم المذكور، كما سيأتي. وفي ذي القعدة كان نائب السّلطنة في الصيد، فقصدهم في الليل طائفةٌ من الأعراب، فقاتلهم الأمراء، فقتلوا من العرب نحو النّصف، وتوغَّل في العرب أمير يقال له سيف الدين بهادرَسَمِز (٨) احتقارًا
следующие страницы →