← История

История · id 30098

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة

ابن كثير

Полный текст (651 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[ترجمة الوالد ﵀] (١) وفيها توفي الوالد، وهو الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء ابن درع القرشي، من بني خُصَيْلة (٢)، وهم ينتسبون إلى الشرف، وبأيديهم نسب، وقف على بعضها شيخنا المِزّي فأعجبه ذلك وابتهج به، فصار يكتب في نسبي بسبب ذلك: القرشي. من قرية يقال لها: الشركوين (٣) غربي بصرى، بينها وبين أذرعات، ولد بها في حدود سنة أربعين وستمئة، واشتغل بالعلم عند أخواله بني عقبة ببصرى، فقرأ (البداية) (٤) في مذهب أبي حنيفة، وحفظ (جمل) الزَّجّاجي، وعني بالنحو والعربية واللغة (٥)، وحفظ أشعار العرب حتى كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح والمراثي وقليل من الهجاء، وقرَّر بمدارس بصرى بمبرك (٦) الناقة شمالي البلد حيث يزار. وهو المبرك المشهور عند الناس، والله أعلم بصحة ذلك (٧). ثم انتقل إلى خطابة القُريَّة شرقي بصرى، وتمذهب للشافعي، وأخذ عن النواوي، والشيخ (٨) تاج الدين الفزاري، [وكان يكرمه ويحترمه فيما أخبرني شيخنا العلامة ابن الزَّمْلَكاني] (٩)، فأقام بها نحوًا من اثنتي عشرة سنة، ثم تحول إلى خطابة مُجَيْدل، القُرَيَّة التي منها الوالدة رحمها الله، فأقام (١٠) بها مدة طويلة في خير وكفاية وتلاوة كثيرة. وكان يخطب جيدًا، وله قبول (١١) عند الناس، ولكلامه موقع، ولديانته وفصاحته حلاوة، وكان يؤثر الإقامة في البلاد لما يرى فيها من الرفق ووجود الحلال له ولعياله (١٢).

стр. 37

وقد ولد له عدة أولاد من الوالدة ومن أخرى قبلها، أكبرهم إسماعيل ثم يونس وإدريس، ثم من الوالدة عبد الوهاب وعبد العزيز ومحمد وأخوات عدة، ثم أنا أصغرهم، وسُمّيت باسم الأخ إسماعيل لأنه كان قد قدم دمشق فاشتغل بها بعد أن حفظ القرآن على والده وقرأ (١) مقدمة في النحو، وحفظ (التنبيه) (٢) وشرحه على العلامة تاج الدين الفزاري، وحصّل (المنتخب) في أصول الفقه، قاله لي شيخنا ابن الزَّمْلَكاني، ثم إنه سقط من سطح الشامية البرانية فمكث أيامًا ومات، فوَجَدَ الوالد عليه وَجْدًا كثيرًا، ورثاه بأبيات كثيرة، فلما وُلِدْتُ له أنا بعد ذلك سمَّاني باسمه، فأكبر أولاده إسماعيل وآخرهم وأصغرهم إسماعيل (٣)، فرحم الله من سلف وختم بخير لمن بقي. توفي والدي في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعمئة، بقرية مُجَيدل القُرَيَّة (٤)، ودفن بمقبرتها الشّمالية عند الزيتونة، وكنت إذ ذاك صغيرًا ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أُدركه إلا كالحُلُم، ثم تحوّلنا من بعده في سنة سبع وسبعمئة إلى دمشق صحبة الأخ (٥) كمال الدين عبد الوهاب، وقد كان لنا شقيقًا، وبنا رفيقًا شفوقًا، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين، فاشتغلت على يديه في العلم، فيسر الله تعالى منه ما يسّر، وسهّل منه ما تعسر. والله أعلم (٦).

стр. 38

ثم دخلت سنة أربع وسبعمئة استُهِلَّت والخليفة والسلطان والحكام والمباشرون هم المذكورون في التي قبلها (١). وفي يوم الأحد ثالث ربيع الأول دارت (٢) الدروس والوظائف التي أنشأها الأمير بيْبَرْسُ الجَاشَنُكِير المنصوري بجامع الحاكم بعد أن جدَّده من خرابه بالزلزلة التي طرقت ديار (٣) مصر في آخر سنة ثنتين وسبعمئة، وجَعَلَ القُضاةَ الأربعة هم المدرسين للمذاهب، وشيخ الحديث سعد الدين الحارثي، وشيخ

стр. 39

النحو أثير الدين أبا حيان (١)، وشيخ القراءات السبع الشيخ نور الدين الشَّطَّنَوْفي (٢)، وشيخ إفادة العلوم الشيخ علاء الدين القونوي (٣). وفي جُمادى الآخرة باشر الأمير ركن الدين بِيْبَرْس الحجوبية مع الأمير سيف الدين بَكْتَمِر (٤)، وصارا حاجبين كبيرين في دمشق. وفي رجب منها حضر إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية شيخ كان يلبس دلقًا كبيرًا متَّسعًا جدًّا يسمى المجاهد إبراهيم القطان، فأمر الشيخ بتقطيع ذلك الدلق. فتناهبه الناس من كل جانب وقطّعوه حتى لم يَدَعوا فيه شيئًا] (٥)، وأمر بحلق رأسه، وكان ذا شعر، وقلم أظفاره، وكانوا طوالًا جدًّا، وحَفّ شاربه المسبل على فمه المخالف للسُّنة، واستتابه من كلام الفحش وأكْلِ ما يغيِّر العقل من الحشيشة وغيرها. وبعده استحضر الشيخ محمد الخبَّاز البلاسي فاستتابه أيضًا عن أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة، وكتب عليه مكتوبًا أن لا يتكلم في تعبير المنامات (٦) ولا في غيرها بما لا علم له به. وفي هذا الشهر بعينه راح الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مسجد النارنج (٧) وأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت بنهر قلوط تُزَار ويُنْذَر لها (٨)، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، [فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيمًا. وبهذا وأمثاله حسدوه وأبرزوا له العداوة، وكذلك بكلامه بابن عربي وأتباعه، فحسد على ذلك وعودي، ومع هذا لم تأخذه في الله لومة لائم، ولا بالي، ولم يصلوا إليه بمكروه، وأكثر ما نالوا منه الحبس مع أنه لم ينقطع في بحث لا بمصر ولا بالشام، ولم يتوجه لهم عليه ما يشين، وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه، كما سيأتي، وإلى الله إياب الخلق وعليه حسابهم] (٩). وفي رجب جلس قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى بالمدرسة العادلية الكبيرة، وعملت التخوت

стр. 40

بعد ما جددت عمارة المدرسة، ولم يكن أحد يحكم بها بعد وقعة قازان بسبب خرابها (١)، وجاء المرسوم للشيخ برهان (٢) الدين الفزاري بوكالة بيت المال فلم يقبل. وللشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني بنظر الخزانة فقبل وخلع عليه بطَرحه (٣)، وحضر بها يوم الجمعة، وهاتان الوظيفتان كانتا مع نجم الدين بن أبي الطيب (٤)، توفي إلى رحمة الله. وفي شعبان سعى جماعة في تبطيل الوقيد ليلة النصف، وأخذوا خطوط العلماء في ذلك، وتكلموا مع نائب السلطنة، فلم يتفق ذلك، بل أشعلوا، وصُليت صلاة ليلة النصف أيضًا. وفي خامس رمضان وصل الشيخ كمال الدين بن الشَّرِيْشي من مصر بوكالة بيت المال، ولبس الخلعة يوم الجمعة (٥) سابع رمضان، وحضر عند ابن صَصْرَى بالشباك الكمالي (٦). وفي سابع شوال عُزل وزيرُ مصر ناصر الدين بن الشيخي، وقطع إقطاعه ورسم عليه، وعوقب إلى أن مات في ذي القعدة. وتولى الوزارة سعد الدين محمد بن محمد بن عطايا وخلع عليه. وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي القعدة حكم قاضي القضاة جمال الدين الزواوي بقتل الشمس محمد بن جمال الدين عبد الرحيم الباجربقي (٧)، وإراقة دمه وإن تاب وإن أسلم، بعد إثبات محضر عليه يتضمن كفر الباجربقي المذكور، وكان ممّن شهد عليه فيه الشيخ مجد الدين التونسي النحوي الشافعي، فهرب الباجربقي إلى بلاد الشرق، فمكث بها مدة سنين ثم جاء بعد موت الحاكم المذكور، كما سيأتي. وفي ذي القعدة كان نائب السّلطنة في الصيد، فقصدهم في الليل طائفةٌ من الأعراب، فقاتلهم الأمراء، فقتلوا من العرب نحو النّصف، وتوغَّل في العرب أمير يقال له سيف الدين بهادرَسَمِز (٨) احتقارًا

стр. 41

بالعرب، فضربه واحدٌ منهم برمح فقتله، فكرَّت الأمراء عليهم فقتلوا منهم خلقًا أيضًا، وأخذوا واحدًا منهم زعموا أنّه هو الذي قتله، فصُلب تحت القلعة، ودفن الأمير المذكور بقبر الست. وفي ذي القعدة تكلَّم الشيخ شمس الدين بن النقيب (١) وجماعة من الفقهاء في الفتاوى الصادرة من الشيخ علاء الدين بن العطار (٢) شيخ دار الحديث النورية والقوصيّة، وأنها مخالفة لمذهب الشافعي، وفيها تخبيط كثير، فتوهَّم من ذلك وراح إلى الحنفي فحقن دمه وأبقاه على وظائفه، ثم بلغ ذلك نائب السلطنة فأنكر على المنكرين عليه، ورسم عليهم، ثم اصطلحوا، ورسم نائب السلطنة أن لا تثار الفتن بين الفقهاء (٣). وفي مستهل ذي الحجة ركب الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه جماعة من أصحابه إلى جبل الجرد والكسروانيين (٤) ومعه نقيب الأشراف زين الدين بن عدنان (٥)، فاستتابوا خلقًا منهم وألزموهم بشرائع الإسلام، ورجَع مُؤَيدًا منصورًا. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ تاج الدين بن شمس الدين بن الرفاعي: شيخ الأحمدية بأم عَبِيْدة (٦) من مدة مديدة، وعنه تكتب إجازات الفقراء، ودفن هناك عند سلفه بالبطائح. الصدر نجم الدين عمر (٧): ابن أبي القاسم بن عبد المنعم بن محمد بن الحسن بن أبي الكتائب بن محمد بن أبي الطيب، وكيل بيت المال وناظر الخزانة، وقد ولّي في وقت نظر المارستان النوري (٨) وغير ذلك. وكان مشكور السيرة رجلًا جيدًا، وقد سمع الحديث وروى أيضًا. توفي ليلة الثلاثاء الخامس عشر من جمادى الآخرة، ودفن بتربتهم بباب الصغير (٩).

стр. 42

ثم دخلت سنة خمس وسبعمئة استهلت والخليفة المستكفي والسلطان الملك الناصر، والمباشرون هم المذكورون (١) فيما مضى. وجاء الخبر أن جماعة من التتر كمنوا لجيش حلب، وقتلوا منهم من خلقًا من الأعيان وغيرهم، وكثر النوح ببلاد حلب بسبب ذلك. وفي مستهل المحرم حكم جلال الدين القزويني (٢) أخو قاضي القضاة إمام الدين نيابة عن ابن صَصْرَى. وفي ثانيه خرج نائب السلطنة بمن بقي من الجيوش الشامية، وقد كان تقدم بين يديه طائفة من الجيش مع ابن تيمية في ثاني المحرم، فساروا إلى بلاد الجُرد والرُّفَّض والتيامنة، فخرج نائب السلطنة الأفرم بنفسه بعد خروج الشيخ لغزوهم، فنصرهم الله عليهم وأبادوا خلقًا كثيرًا منهم ومن فرقتهم الضَّالة، ووطئوا أراضي كثيرة من منيع (٣) بلادهم، وعاد نائب السلطنة إلى دمشق في صحبته الشيخ ابن تيمية والجيش، وقد حصل بسبب شهود الشيخ هذه الغزوة خيرٌ كثير، وأبان الشيخ علمًا وشجاعة في هذه الغزوة، وقد امتلأت قلوب أعدائه حسدًا له وغمًّا (٤). وفي مستهل جمادى الأولى قدم القاضي أمين الدين أبو بكر ابن القاضي وجيه الدين عبد العظيم بن الرقاقي (٥) المصري من القاهرة على نظر الدواوين بدمشق، عوضًا عن عز الدين بن مبشر. [ما جرى للشيخ تقي الدين بن تَيْمِيَّة مع الأحمدية وكيف عقدت له المجالس الثلاثة] (٦) وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى حضر جماعة كثيرة من الفقراء الأحمدية (٧) إلى نائب السلطنة بالقصر الأبلق وحضر الشيخ تقي الدين بن تيمية، فسألوا من نائب السلطنة بحضرة الأمراء أن يكفَّ الشيخ

стр. 43

تقي الدين إنكاره عليهم (١)، وأن يسلم لهم حالهم، فقال لهم الشيخ: هذا ما لا يمكن (٢)، ولا بد لكل أحد أن يدخل تحت الكتاب والسنة، قولًا وفعلًا، ومن خرج عنهما وجب الإنكار عليه. فأرادوا أن يفعلوا شيئًا من أحوالهم الشيطانية التي يتعاطونها في سماعاتهم، فقال (٣) الشيخ: تلك أحوال شيطانية باطلة، وأكثر أحوالكم من باب الحيل والبهتان، ومن أراد منكم أن يدخل النار فليدخل أولا إلى الحمام وليغسل جسده غسلًا جيدًا ويدلكه بالخل والإِشنان، ثم يدخل بعد ذلك إلى النار إن كان صادقًا، ولو فرض أن أحدًا من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل فإن ذلك لا يدل على صلاحه ولا على كرامته، بل حاله من أحوال الدجاجلة المخالفة للشريعة إذا كان صاحبها على السنة، فما الظن بخلاف ذلك. فابتدر شيخ المنيبع الشيخ صالح وقال: نحن أحوالنا إنما تنفُق عند التتر ليست تنفق عند الشرع. فضبط الحاضرون (٤) عليه تلك الكلمة، وكثر الإنكار عليهم من كل أحد، ثم اتفق الحال على أنهم يخلعون الأطواق الحديد من رقابهم، وأن من خرج عن الكتاب والسنة ضُربت عنقه. وصنَّف الشيخ جزءًا في طريقة الأحمدية، وبيّنَ فيه فسادَ أحوالهم ومسالكهم وتخيُّلاتهم، وما في طريقتهم من مقبول ومردود بالكتاب، وأظهر الله السنة على يديه، وأخمد بدعتهم. ولله الحمد والمِنَّة. وفي العشر الأوسط من هذا الشهر خلع على جلال الدين بن معبد، وعز الدين خطاب (٥)، وسيف الدين بَكْتَمر (٦) مملوك بَكْتَاش الحُسامي بالإمرة ولبس التشاريف، وركبوا بها، وسلموا إليهم جبل الجرد والكسروان والبقاع. وفي يوم الخميس ثالث رجب خرج الناس للاستسقاء إلى سطح المزة، ونصبوا هناك منبرًا وخرج نائب السلطنة وجميع الناس من القضاة والعلماء والفقراء، وكان مشهدًا هائلًا وخطبة عظيمة بليغة، فاستسقوا فلم يُسْقَوْا يومهم ذلك (٧). (٨) وفي يوم الإثنين ثامن رجب حضر القضاة والعلماء وفيهم الشيخ تقي الدين بن تيمية عند نائب

стр. 44

السلطنة بالقصر، وقُرئت عقيدة الشيخ تقي الدين الواسطية، وحصل بحث في أماكن منها (١)، وأُخّرت مواضع إلى المجلس الثاني. فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور، وحضر الشيخ صفي الدين الهندي (٢)، وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلامًا كثيرًا، ولكن ساقيته لاطمَتْ بحْرًا (٣)، ثم اصطلحوا على أن يكون الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني (٤) هو الذي يحاقِقُه من غير مسامحة، فتناظرا في ذلك، وشكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين بن الزمْلَكاني وجودة ذهنه وحسن بحثه، حيث قاوم ابن تيمية في البحث، وتكلَّم معه، ثم انفصل الحال على قبول العقيدة (٥)، وعاد الشيخ إلى منزله معظّمًا مكرمًا. وبلغني أن العامة حملوا له الشمع من باب القصر إلى القصَّاعين على جاري عادتهم في أمثال هذه الأشياء. وكان الحامل على هذه الاجتماعات كتاب ورد من السلطان في ذلك، كان الباعث على إرساله قاضي المالكية ابن مخلوف (٦)، والشيخ نصر المَنْبِجي (٧) شيخ الجاشَنْكير (٨) وغيرهما أعدائه. وذلك أن الشيخ تقي الدين بن تيمية كان يتكلم في المَنْبِجي وينسبه إلى اعتقاد ابن عربي، وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدُّمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له، ومحبتهم له، وكثرة أتباعه، وقيامه في الحق، وعلمه وعمله (٩). ثم وقع بدمشق خبط كثير وتشويش بسبب غيبة نائب السلطنة في الصيد. وطلب القاضي جماعة من أصحاب الشيخ، وعزّر بعضهم، ثم اتفق أن الشيخ جمال الدين المِزّي (١٠) الحافظ قرأ فصلًا في الرد على الجهمية (١١) من كتاب (أفعال العباد) للبخاري تحت قبة النسر (١٢) بعد قراءة ميعاد البخاري بسبب

стр. 45

الاستسقاء، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين، وشكاه إلى القاضي الشافعي ابن صَصْرَى، وكان عدو الشيخ، فسُجن المِزْي، فبلغ الشيخ تقي الدين، فتألم لذلك، وذهب إلى السجن، فأخرجه منه بنفسه، وراح إلى القصر فوجد القاضي هنالك، فتقاولا بسبب الشيخ جمال الدين المِزّي، فحلف ابن صَصْرَى لا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عَزَل نفسه، فأمر النائب بإعادته تطييبًا لقلب القاضي، فحبسه عنده في القوصية أيامًا ثم أطلقه. ولما قدم نائب السلطنة ذكر له الشيخ تقي الدين ما جرى في حقه وحق أصحابه في غيبته، فتألم النائب لذلك، ونادى في البلد أن لا يتكلم أحد في العقائد، ومن تكلّم في ذلك حلَّ ماله ودمه ونهبت (١) داره وحانوته. فسكنت الأمور. وقد رأيت فصلًا من كلام الشيخ تقي الدين في كيفية ما وقع في هذه المجالس الثلاثة من المناظرات. ثم عقد المجلس الثالث في يوم سابع شعبان بالقصر، واجتمع الجماعة على الرضى بالعقيدة المذكورة. وفي هذا اليوم عزل ابن صَصْرَى نفسه عن الحكم بسبب كلام سمعه من بعض الحاضرين في المجلس المذكور، وهو من الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، ثم جاء كتاب السلطان في السادس والعشرين من شعبان فيه إعادة ابن صَصْرَى إلى القضاء، وذلك بإشارة المَنْبِجي، وفي الكتاب: إنا كنا رسمنا (٢) بعقد مجلس للشيخ تقي الدين بن تيمية، وقد بَلَغنا ما عُقِد له من المجالس، وأنه على مذهب السلف، وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نُسب إليه. ثم جاء كتاب آخر في خامس رمضان يوم الإثنين وفيه الكشف عما كان وقع للشيخ تقي الدين بن تيمية في أيام قازان (٣) والقاضي إمام الدين القزويني، وأن يحمل هو والقاضي ابن صَصْرَى إلى مصر، فتوجها على البريد نحو مصر، وخرج مع الشيخ خلق من أصحابه وبكوا وخافوا عليه من أعدائه، وأشار عليه نائب السلطنة الأفرم (٤) بترك الذهاب إلى مصر، وقال له: أنا أكاتب السلطان في ذلك وأصلح القضايا، فامتنع الشيخ من ذلك، وذكر له أن في توجهه لمصر مصلحةً كبيرةً، ومصالح كثيرة. فلما توجه إلى مصر ازدحم الناس لوداعه ورؤيته، حتى انتشروا من باب داره إلى قريب الجسورة، فيما بين دمشق والكسوة، وهم فيما بين باك وحزين ومتفرج ومتنزه ومزاحم متغال فيه. فلما كان يوم السبت دخل الشيخ تقي الدين غَزّة، فعمل في جامعها مجلسًا عظيمًا، ثم رحلا معًا إلى

стр. 46

القاهرة، والقلوب معه، وبه متعلقة، فدخلا مصر يوم الإثنين الثاني والعشرين من رمضان، وقيل: إنهما دخلاها يوم الخميس. فلما كان يوم الجمعة بعد الصلاة عقد للشيخ مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة وأكابر الدولة، وأراد أن يتكلم على عادته، فلم يتمكن من البحث والكلام، وانتدب له الشمس بن عدنان خصمًا احتسابًا، وادعى عليه عند ابن مخلوف المالكي أنه يقول: إن الله فوق العرش حقيقة، وأنَّ الله يتكلم بحرف. وصوت. فسأله القاضي جوابه، فأخذ الشيخ في حمد الله والثناء عليه، فقيل له: أجب ما جئنا بك لتخطب. فقال: ومن الحاكم في؟ فقيل له: القاضي المالكي. فقال له الشيخ: كيف تحكم في وأنت خصمي؟! فغضب غضبًا شديدًا وانزعج، وأقيم مرسمًا عليه وحبس في برج أيامًا، ثم انتقل منه ليلة العيد إلى الحبس المعروف بالجُب (١)، هو وأَخَواه (٢) شرف الدين عبد الله، وزين الدين عبد الرحمن. وأما ابن صَصْرَى فإنه جُدِّد له توقيع بالقضاء (٣) بإشارة المنبجي شيخ الجاشنكير حاكم مصر، وعاد إلى دمشق يوم الجمعة سادس ذي القعدة والقلوب له ماقتة، والنفوس منه نافرة، وقرئ تقليده بالجامع، وبعده قرئ كتاب فيه الحطّ على الشيخ تقي الدين ومخالفته في العقيدة، وأن ينادى بذلك في البلاد الشامية، وألزم أهل مذهبه بمخالفته، وكذلك وقع بمصر، قام عليه جاشنكير وشيخه نصر المنبجي، وساعدهم جماعة كثيرة من الفقهاء والفقراء (٤)، وجرت فتن كثيرة منتشرة، نعوذ بالله من الفتن. وحصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة كثيرة، وذلك أن قاضيهم كان قليل العلم مزجي (٥) البضاعة، وهو شرف الدين الحرّاني (٦)، فلذلك نال أصحابهم ما نالهم، وصارت حالهم حالهم. وفي شهر رمضان جاء كتاب من مقدّم الخدّام بالحرم النبوي يستأذن السلطان في بيع طائفة من قناديل الحرم النبوي لينفق ذلك ببناء مئذنة عند باب السلام الذي عند المطهرة، فرسم له بذلك، وكان في جملة القناديل قنديلان من ذهب زنتهما ألف دينار، فباع ذلك وشرع في بنائها وولي سراج الدين عمر (٧) قضاءها مع الخطابة، فشق ذلك على الروافض

стр. 47

وفي يوم الخميس ثاني عشر ذي القعدة وصل البريد من مصر بتولية القضاء لشمس الدين محمد بن إبراهيم بن داود الأذرعي (١) الحنفي قضاء الحنفية عوضًا عن [شمس الدين] (٢) بن الحريري [معزولًا] (٣) وبتولية [الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين] (٤) الفزاري خطابة دمشق عوضًا عن عمه الشيخ شرف الدين، توفي إلى رحمة الله (٥)، وخلع عليهما بذلك، وباشرا في يوم الجمعة ثالث عشر الشهر، وخطب الشيخ برهان الدين خطبة حسنة حضرها الناس والأعيان. ثم بعد خمسة أيام عزل نفسه عن الخطابة وآثر بقاءه على تدريس البادرائية (٦) حين بلغه أنها طلبت لتؤخذ منه، فبقي منصب الخطابة شاغرًا، ونائب الخطيب يصلي بالناس ويخطب، ودخل عيد الأضحى وليس للناس خطيب، وقد كاتب نائب السلطنة في ذلك، فجاء المرسوم بإلزامه بذلك، وفيه: لعلمنا بأهليته وكفايته واستمراره على ما بيده من تدريس البادرائية، فباشرها معها مرة ثانية، ثم إن كمال الدين بن الشيرازي سعى في البادرائية (٧) فأخذها، وباشرها في صفر من السنة الآتية بتوقيع سلطاني، فَعَزَل الفَزَاري نفسه الخطابة ولزم بيته، فراسله نائب السلطنة بذلك، فصمم على الترك (٨) وأنّه لا يعود إليها أبدًا، وذكر أنّه عجز عنها، فلما تحقق نائب السلطنة ذلك أعاد إليه مدرسته وكتب له بها توقيعًا في العشر الأول من ذي الحجة. وخلع على شمس الدين بن الخَطِيري (٩) بنظر الخزانة عوضًا عن ابن الزملكاني وحج بالنَّاس الأمير شرف الدين حسن بن حيدر وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ عيسى بن الشيخ سيف الدين الرّجيحي (١٠): ابن سابق بن الشيخ يُونُس القيسي، ودفن

стр. 48

بزاويتهم (١) التي بالشّرف الشّمالي بدمشق غربي الوراقة والعزية يوم الثلاثاء سابع المحرم (٢). الملك الأوحد (٣): تقي الدين شاذي ابن الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي. توفي بجبل الجُرد في آخر نهار الأربعاء ثاني صفر، وله من العمر (٤) سبع وخمسون سنة فنقل إلى تربتهم بالسفح (٥). كان من خيار الدولة (٦)، معظمًا عند الملوك والأمراء، وكان يحفظ القرآن وله معرفة بعلوم، ولديه فضائل. الصدر علاء الدين: علي بن معالي الأنصاري الحراني (٧) الحاسب، يُعرف بابن الرُّزَيْز. وكان فاضلًا بارعًا في صناعة الحساب انتفع به جماعة، توفي في آخر هذه السنة فجأة ودفن بقاسيون. وقد أخذت الحساب عن الحاضري عن علاء الدين الطيوري عنه. الخطيب شرف الدين أبو العباس: أحمد بن إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزاري (٨)، الشيخ الإمام العلامة أخو العلامة شيخ الشافعية تاج الدين عبد الرحمن، ولد سنة ثلاثين، وسمع الحديث الكثير، وانتفع على المشايخ في ذلك العصر كابن الصلاح وابن السخاوي (٩) وغيرهما، وتفقه وأفتى وناظر وبرع وساد أقرانه، وكان أستاذًا في العربية واللغة والقراءات وإيراد الأحاديث النبوية، والتردد إلى المشايخ للقراءة عليهم، وكان فصيح العبارة، حلو المحاضرة، لا تُمَل مجالسته، وقد درس بالطيبة (١٠)، وبالرباط الناصري (١١) مدة، ثم تحوّل عنه إلى خطابة جامع جرّاح (١٢)، ثم انتقل إلى خطابة جامع دمشق

стр. 49

بعد الفارقي في سنة ثلاث ولم يزل به حتى توفي يوم الأربعاء عشية التّاسع (١) من شوّال، عن خمس وسبعين سنة. وصلّي عليه صبيحة يوم الخميس على باب الخطابة، ودفن عند أبيه وأخيه بباب الصغير ﵏، وولي الخطابة بعده (٢) ابن أخيه، شيخنا العلامة برهان الدين. الحافظ الكبير الدمياطي: وهو الشيخ الإمام العالم الحافظ شيخ المحدثين شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خَلَف بن أبي الحسن بن شرف بن الخضر بن موسى الدمياطي (٣). حامل لواء هذا الفن - أعني صناعة الحديث وعلم اللغة - في زمانه مع كبر السن والقدر، وعلو الإسناد وكثرة الرواية، وجودة الدراية، وحسن التأليف وانتشار التصانيف، وتردد الطلبة إليه من سائر الآفاق (٤). مولده في آخر سنة ثلاث عشرة وستمئة، وقد كان أول سماعه في سنة ثنتين وثلاثين بالإسكندرية، سمع الكثير على المشايخ ورحل، وطاف، وحصل، وجمع فأوعى، ولكن ما منع ولا بخل، بل بذل وصنّف ونشر العلم، وولِّي المناصب بالديار المصرية، وانتفع الناس به كثيرًا، وجمع " معجمًا لمشايخه"الذين لقيهم بالشَّام والحجاز والجزيرة والعراق وديار مصر يزيدون على ألف وثلاثمئة شيخ، وهو مجلدان (٥)، وله "الأربعون المتباينة الإسناد "وغيرها، وله كتاب في "الصلاة الوسطى" مفيد جدًّا، ومصنف في "صيام ستة أيام من شوال" أفاد فيه وأجاد، وجمع ما لم يسبق إليه، وله كتاب "الذكر والتسبيح عقيب الصلوات"، وكتاب "التسلّي والاغتباط بثواب من يقدم من الأفراط" (٦) وغير ذلك من الفوائد الحسان، ولم يزل في إسماع الحديث إلى أن أدركته وفاته وهو صائم في مجلس الإملاء (٧) غشي عليه فحمل إلى منزله، فمات من ساعته يوم الأحد عاشر (٨) ذي القعدة بالقاهرة. ودفن من الغد بمقابر باب النصر وكانت جنازته حافلة جدًّا رحمه الله تعالى

стр. 50

ثم دخلت سنة ست وسبعمئة استهلت (١) والحكام هم المذكورون في التي قبلها والشيخ تقي الدين بن تيمية مسجون بالحب من قلعة الجبل، [وخطيب دمشق برهان الدين الفزاري بعد عمه الشيخ شرف الدين ﵀ كما تقدّم بيانه، في أنه ألزم بها مرة ثانية، فلما كان صفر أخذ مدرسة البادرائية الشيخ كمال الدين الشيرازي، فعزل الشيخ برهان الدين نفسه عن الخطابة، فأعيدت إليه مدرسته] (٢). وفي يوم الأربعاء جاء البريد بتولية الخطابة للشيخ شمس الدين إمام الكلاسة (٣)، وذلك في ربيع الأول، وهنّئ بذلك، فأظهر التكرُّه لذلك والضعف عنه، ولم يحصل له مباشرة لغيبة نائب السلطنة في الصيد، فلما حضر أذن له فباشر يوم الجمعة العشرين من الشهر، فأوّلُ صلاة صلاها الصبح يوم الجمعة، ثم خُلع عليه وخَطَب بها يومئذ. وفي يوم الأربعاء ثامن عشر ربيع الأول باشر نيابة الحكم عن القاضي نجم الدين أحمد بن عبد المحسن بن حسن المعروف بالدمشقي (٤) عوضًا عن تاج الدين صالح بن تامر بن حامد الجعبري (٥)، وكان معمرًا قديم الهجرة كثير الفضائل، دينًا ورعًا، جَيدَ المباشرة، وكان قد ولي نيابة الحكم في سنة سبع وخمسين وستمئة، فلما ولي ابن صَصْرَى كره نيابته وفي يوم الأحد العشرين من ربيع الآخر قدم البريد من القاهرة ومعه تجديد توقيع للقاضي شمس الدين الأذرعي الحنفي (٦)، فظنَّ النَّاسُ أنه بولاية القضاء لابن الحريري فذهبوا ليهنئوه البريدي (٧) إلى مع الظاهرية، واجتمعَ النَّاس لقراءة التقليد على العادة، فشرع الشيخ علم الدين البرزالي في قراءته، فلما وصل إلى الاسم تبين أنه ليس له، وأنه للأذرعي، فبطل القارئ، وقام الناس مع البريدي إلى الأذرعي، وحصلت كسرة وخمدة على الحريري والحاضرين. ووصل مع البريدي أيضًا كتاب فيه طلب الشيخ كمال الدين بن الزملكاني إلى القاهرة (٨)، فتوهم من

стр. 51

ذلك، وخاف أصحابه عليه بسبب انتسابه إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية، فتلطف به نائب السلطنة، ودارى عنه حتى أُعفي من الحضور إلى مصر، ولله الحمد. وفي يوم الخميس تاسع جمادى الأولى دخل الشيخ براق (١) إلى دمشق وبصحبته مئة فقير كلّهم محلقي ذقونهم، موفري شواربهم، عكس ما وردت به السنة، وعلى رؤوسهم قرون لبابيد. وعليهم أجراس وكعاب وجواكين خشب، فنزلوا بالمُنَيبع وحضروا الجمعة برواق الحنابلة، ثم توجهوا نحو القدس فزاروا، ثم استأذنوا في الدخول إلى الديار المصرية فلم يؤذن لهم، فعادوا إلى دمشق، فصاموا بها رمضان ثمَّ انشمروا راجعين إلى بلاد الشرق، إذ لم يجدوا بدمشق قبولًا، وقد كان شيخهم براق المذكور روميًا من بعض قرى دوقات من أبناء الأربعين، وقد كانت له منزلة عند قازان ومكانة، وذلك أنه سلط عليه نَمِرًا فزجره فهرب منه وتركه، فحظي عنده وأعطاه في يوم واحد ثلاثين ألفًا ففرّقها على أصحابه كلها فأحبه، ومن طريقة أصحابه أنهم لا يقطعون لهم صلاةً، ومن ترك صلاة ضربوه أربعين جَلْدة، وكان يزعم أن طريقه الذي سلكه إنما سلكه ليخرب على نفسه، ويرى أنه زي المسخرة، وأن هذا هو الذي يليق بالدنيا، والمقصود إنما هو الباطن والقلب وعمارة ذلك، ونحن إنّما نحكم بالظاهر، والله أعلم بالسرائر. وفي يوم الأربعاء سادس جمادى الآخرة حضر تدريس (٢) النَّجيبية (٣) بهاء الدين يوسف بن كمال الدين أحمد بن عبد العزيز العجمي الحلبي، عوضًا عن الشيخ ضياء الدين الطوسي، توفي وحضر عنده ابن صَصْرَى وجماعةٌ من الفضلاء. وفي هذه السنة صُلِّيت صلاة الرَّغائب (٤) في النصف (٥) بجامع دمشق بعد أن كانت قد أبطلها ابن تيمية منذ أربع سنين، ولما كانت ليلة النصف حضر الحاجب ركن الدين بيُبَرْسُ العلائي، ومنع الناس من الوصول إلى الجامع ليلتئذ، وغلقت أبوابه فبات كثير من الناس في الطرقات وحصل للناس أذى كثير، وإنما أراد صيانة الجامع من اللغو والرفث والتخليط.

стр. 52

وفي سابع عشر رمضان حكم القاضي تقي الدين الحنبلي بحقن دم محمد بن الباجَرْبَقي (١)، وأثبت عنده محضرًا بعداوة ما بينه وبين الشُّهود السنّة الذين شهدوا عليه عند المالكي، حين حكم بإراقة دمه، وممن شهد بهذه العداوة ناصر الدين بن عبد السلام (٢) وزين الدين بن الشريف عدنان (٣)، وقطب الدين ابن شيخ السلامية (٤) وغيرهم. وفيها باشر كمال الدين بن الزَّملكاني نظر ديوان ملك الأمراء (٥) عوضًا عن شهاب الدين الحنفي، وذلك في آخر رمضان، وخلع عليه بطَيْلسان وخلعة، وحضر بها دار العدل. (٦) [وفي ليلة عيد الفطر أَحْضَرَ الأمير سيف الدين سلار نائب مصر القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء والقضاة الشافعي والمالكي والحنفي، والفقهاء التاجي (٧) والجزري (٨) والنمراوي (٩)، وتكلموا في إخراج الشيخ تقي الدين بن تيمية من الحبس، فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطًا بذلك، [منها أنه يلتزم بالرجوع عن بعض العقيدة] (١٠) وأرسلوا إليه ليحضر ليتكلّموا معه في ذلك، فامتنع من الحضور وصمَّم، وتكرّرت الرُّسل إليه ستّ مراتٍ، فصمم على عدم الحضور، ولم يلتفت إليهم، ولم يعدهم شيئًا، فطال عليهم المجلس فتفرّقوا وانصرفوا غير مأجورين. وفي يوم الأربعاء ثاني شوال أذن نائب السلطنة الأفرم للقاضي جلال الدين القزويني (١١) أن يصلي بالناس ويخطب بجامع دمشق عوضًا عن الشيخ شمس الدين إمام الكلاسة، توفي، فصلى الظهر يومئذ وخطب الجمعة، واستمر بالإمامة والخطابة حتى وصل توقيعه بذلك من القاهرة. وفي مستهل ذي القعدة حضر نائب السلطنة والقضاة والأمراء والأعيان وشكرت خطبته. وفي مستهل ذي القعدة كمل بناء الجامع (١٢) الذي ابتناه وعمره الأمير جمال الدين نائب السلطنة الأفرم عند الرباط الناصري بالصالحية، ورتب فيه خطيبًا يخطب يوم الجمعة، وهو القاضي شمس الدين

стр. 53

محمد بن العز الحنفي (١)، وحضر نائب السلطنة والقضاة وشكرت خطبة الخطيب به، ومد الصاحب شهاب الدين الحنفي سماطًا بعد الصلاة بالجامع المذكور، وهو الذي كان الساعي في عمارته، والمستحث عليها، فجاء في غاية الإتقان والحسن، تقبل الله منهم. وفي ثالث ذي القعدة استناب ابن صَصْرَى القاضي صدر الدين سليمان بن هلال بن شبل الجعفري (٢) خطيب داريا في الحكم عوضًا عن جلال الدين القزويني، بسبب اشتغاله بالخطابة عن الحكم. وفي يوم الجمعة التاسع والعشرين من ذي القعدة قدم قاضي القضاة صدر الدين أبو الحسن علي بن الشيخ صفي الدين الحنفي البصراوي (٣) إلى دمشق من القاهرة متوليًا قضاء الحنفية عوضًا عن الأذرعي، مع ما بيده من تدريس النورية والمقدميّة (٤) وخرج الناس لتلقيه وهنؤوه، وحكم بالنُّورية، وقرئ تقليده بالمقصورة الكِنْديَّة [في الزاوية الشرقية، من جامع بني أمية] (٥). وفي ذي الحجة ولي الأمير عز الدين بن صبرة على البلاد القبلية والي الولاة، عوضًا عن الأمير جمال الدين أقوش الرُّستمي، بحكم ولايته شد الدواوين بدمشق، وجاء كتاب من السلطان بولاية وكالته للرئيس عز الدين بن حمزة القلانسي (٦) عوضًا عن ابن عمه شرف الدين، فكره ذلك. [وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة أخبر نائب السلطنة بوصول كتاب من الشيخ تقي الدين من الحبس الذي يقال له: الجُب، فأرسل في طلبه فجيء به فقرئ على الناس فجعل يشكر الشيخ ويثني عليه وعلى علمه وديانته وشجاعته وزهده، وقال: ما رأيت مثله، وإذا هو كتاب مشتمل على ما هو عليه في السجن من التوجه إلى الله، وأنه لم يقبل من أحد شيئًا لا من النفقات السلطانية] (٧) ولا من الكسوة ولا من الإدارات ولا غيرها، ولا تدنّس بشيء من ذلك] (٨). [وفي هذا الشهر يوم الخميس السابع والعشرين منه طلب أَخَوَا الشيخ تقي الدين: شرف الدين

стр. 54

وزين الدين من الحبس إلى مجلس نائب السلطان سلار، وحضر ابن مخلوف المالكي، وطال بينهم كلام كثير فظهر شرفُ الدِّين بالحُجَّة على القاضي المالكي بالنقل والدليل والمعرفة، وخطأه في مواضع ادعى فيها دعاوى باطلة، وكان الكلام في مسألة العرش، ومسألة الكلام، وفي مسألة النزول] (١). [وفي يوم الجمعة أحضر شرف الدين أخو الشيخ تقي الدين وحده في مجلس نائب السلطنة سلار وحضر ابن عدنان، وتحكم معه الشيخ شرف الدين وناظره، وبحث معه وظهر عليه] (٢). وفي يوم الجمعة ثاني الجمعة ثاني عشر (٣) ذي الحجة وصل على البريد من مصر نجم (٤) الدين محمد بن الشيخ فخر الدين ابن أخي قاضي القضاة البصراوي (٥) وزوج ابنته على الحِسْبة بدمشق عوضًا عن جمال الدين يوسف العجمي، وخلع عليه بطيلسان، ولبس الخلعة ودار بها في البلد في مستهل سنة سبع وسبعمئة وفي هذه السنة عُمر في حرم مكة بنحو مئة ألف وحج بالنَّاس من الشام الأمير ركن الدين بيبرس المجنون (٦) وممَّن توفي فيها من الأعيان: القاضي تاج الدين: صالح بن تامر (٧) بن حامد بن علي الجعبري (٨) الشافعي (٩)، نائب الحكم بدمشق، ومُعِيدُ (١٠) الناصرية، كان ثقة دينًا عدلًا مرضيًا زاهدًا، حكم من سنة سبع وخمسين وستمئة، له فضائل وعلوم، وكان حسَن الشَّكل والهيئة، توفي في ربيع الأول عن ست وسبعين سنة، ودفن بالسفح وناب في الحكم بعده نجم الدين الدمشقي (١١). الشيخ ضياء الدين الطوسي: أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن علي الشافعي (١٢) مدرس

стр. 55

النَّجيبية. شارح (الحاوي) (١) و (مختصر ابن الحاجب) (٢) كان شيخًا فاضلًا بارعًا، وأعاد في الناصرية أيضًا، توفي يوم الأربعاء بعد مرجعه من الحمام تاسع عشري (٣) جمادى الأولى، وصُلِّي يوم الخميس ظاهر باب النصر، وحضر نائب السلطنة وجماعة من الأمراء والأعيان، ودفن بالصوفية، ودرس بعده بالمدرسة بهاء الدين بن العَجَميّ (٤). الشيخ جمال الدين إبراهيم بن محمد بن سعد الطيبي (٥): المعروف بابن السواملي (٦)، والسوامِل الطَّاسات. كان معظمًا ببلاد الشرق جدًّا، كان تاجرًا كبيرًا توفي في هذا الشهر المذكور. الشيخ الجليل سيف الدين الرجيحي (٧): سيف (٨) بن سابق بن هلال بن يونس شيخ اليونسيَّة بمقامهم، صلي عليه سادس رجب بالجامع، ثم أعيد إلى داره التي سكنها داخل باب توما، وتعرف بدار أمين الدولة فدفن بها، وحضر جنازته خلق كثير من الأعيان والقضاة والأمراء، وكانت له حرمة كبيرة عند الدولة وعند طائفته، وكان ضخم الهامة جدًّا محلوقَ الشَّعر، وخلف أموالًا وأولادًا. الأمير فارس الدين الردّادي (٩): توفي في العشر الأخير من رمضان، وكان قد رأى النبي ﷺ قبل وفاته بأيام وهو يقول له: أنت مغفور لك. أو نحو هذا، وهو من أمراء حسام الدين لاجين. الشيخ القدوة العابد أبو عبد الله بن مطرف: توفي بمكة في شهر رمضان وقد كان مجاورًا بمكة ستين سنة وكان يطوف كل يوم وليلة خمسين أسبوعًا. وتوفي عن تسعين سنة ﵀ (١٠). الشيخ العابد خطيب دمشق شمس الدين (١١): محمد بن الشيخ أحمد بن عثمان الخلاطي إمام الكلاسة (١٢)، كان شيخا حسنًا بهى المنظر كثير العبادة، عليه سكون ووقار، باشر إمامة الكلاسة قريبًا.

стр. 56

من أربعين سنة، ثم طلب إلى أن يكون خطيبًا بدمشق بالجامع من غير سؤال منه ولا طلب، فباشرها ستة أشهر ونصف أحسن مباشرة، وكان حسن الصوت طيب النغمة عارفًا بصناعة الموسيقا، مع ديانة وعبادة، وقد سمع الحديث. توفي فجأة بدار الخطابة يوم الأربعاء ثامن شوال عن ثنتين وستين سنة، وصلّي عليه بالجامع وقد امتلأ بالناس، ثم صلّي عليه بسوق الخيل، وحضر نائب السلطنة والأمراء والعامة، وقد غلقت الأسواق ثم حمل إلى سفح قاسيون ﵀. ثم دخلت سنة سبع وسبعمئة [استهلت وخليفة الوقت المستكفي بالله بن الحاكم العباسي، وسُلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ونوابه وقضاته بالديار المصرية والبلاد الشامية هم المذكورون، ولكن خطيب الشام جلال الدين القزويني] (١)، والشيخ تقي الدين بن تيمية معتقل في الحَبْس من (٢) قلعة الجبل بمصر، وفي أوائل المحرم منها أظهر السلطان الملك الناصر الغضب على الأمير سلار (٣) والجاشنكير (٤) وامتنع من العلامة، وأغلق القلعة، وتحصن فيها، ولزم الأميران بيوتهما، واجتمع عليهما جماعةٌ من الأمراء وحوصرت القلعة وجرت خبطة عظيمة، وغلِّقت الأسواق، ثم راسلوا السلطان فتوطدت الأمور وسكنت الشرور على دَخَنٍ، وتنافرِ قلوبٍ (٥). وقوي الأميران أكثر مما كانا قبل ذلك وركب السلطان ووقع الصلح على دخن. وفي المحرم وقعت الحرب بين التتر وبين أهل كيلان (٦)، وذلك أن ملك التتر طلب منهم أن يجعلوا ببلادهم طريقًا لعساكره (٧) فامتنعوا من ذلك، فأرسل ملك التتر خَرْبَندا جيشًا كثيفًا ستين ألفًا من المقاتلة، أربعين ألفًا مع قطلُوشَاه وعشرين ألفًا مع جوبان، فأمهلهم (٨) أهل كيلان حتى توسطوا بلادهم، ثم أرسلوا عليهم خليجًا من البحر، ورَمَوْهم بالنفط فغرق كثير منهم واحترق آخرون، وقتلوا بأيديهم طائفة كثيرة، فلم يفلت منهم إلا القليل (٩)، وكان فيمن قتل أمير التتر الكبير قطلُوشَاه، فاشتد غضب خَرْبَنْدا على أهل

стр. 57

كيلان، ولكنه فرح بقتل قُطلُوشاه (١) فإنه كان يريد قتله فكفي أمره عنهم، ثم قتل بعده بولاي، ثم إن ملك التتر أرسل الشيخ بُراق الذي قدم الشام فيما تقدَّم إلى أهل كيلان يبلغهم عنه رسالةً، فقتلوه وأراحوا الناس منه (٢). [وبلادهم من أحصن البلاد وأطيبها لا تستطاع، وهم أهل سُنَّة وأكثرهم حنابلة لا يستطيع مبتدع أن يسكن بين أظهرهم] (٣). وفي يوم الجمعة رابع عشر صفر اجتمع قاضي القضاة بدرُ الدين بن جماعة (٤) بالشيخ تقي الدين ابن تيمية في دار الأوحدي من قلعة الجبل، وطال بينهما الكلام ثم تفرّقا قبل الصلاة، والشيخ تقي الدين مصمم على عدم الخروج من السجن، فلما كان يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول جاء الأمير حسام الدين مُهَنَّا بن عيسى (٥) ملك العرب إلى السجن بنفسه وأقسم على الشيخ تقي الدين ليخرجن إليه، فلما خرج أقسم عليه ليأتين معه إلى دار سلار، فاجتمع به بعض الفقهاء بدار سلار وجرت بينهم بحوث الصَّلاة كثيرة، ثم فرقت بينهم، ثم اجتمعوا إلى المغرب، وبات الشيخ تقي الدين عند سلار، ثم اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان جميعَ النَّهار، ولم يحضر أحد من القضاة، بل اجتمع من الفقهاء خلق كثير، أكثر من كل يوم، منهم الفقيه نجم الدين بن الرّفعة (٦) وعلاء الدين التاجي، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد، وعز الدين النَّمْراوي، وشمس الدين بن عَدْنان وجماعةٌ من الفقهاء، وطلبوا القضاة فاعتذروا بأعذار، بعضهم بالمرض بعضهم بالمرض، وبعضهم بغيره، وبعضهم بغيره، لمعرفتهم بما ابن تيمية منطو عليه من العلوم والأدلة، وأن أحدًا من الحاضرين لا يطيقه، فقبل عذرهم نائب السلطنة ولم يكلفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم وانفصل المجلس على خيرٍ، وبات الشيخ عند نائب السلطنة، وجاء الأمير حسام الدين مُهَنَّا يريد أن يستصحب الشيخ تقي الدين معه إلى دمشق، فأشار سلار بإقامة الشيخ (٧) بمصر عنده ليرى النَّاسُ فضله وعلمه، وينتفع الناس به ويشتغلوا عليه. وكتب الشيخ كتابًا إلى الشام يتضمَّنُ ما وقع له من الأمور (٨).

стр. 58

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 59

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 60

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 63

قال البِرْزالي: وفي شَوَّال منها شكى الصُّوفية بالقاهرة على الشّيخ تقي الدين وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة، فردُّوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي، فعُقد له مجلس وادعى عليه ابن عطاء (١) بأشياء فلم يثبت عليه منها شيء، لكنه قال: لا يُسْتَغَاثُ إلا بالله، لا يستغاث بالنبي استغاثة بمعنى العبارة، ولكن يتوسل به ويُشَفّع به إلى الله، فبعض الحاضرين قال ليس عليه في هذا شيء، ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أن هذا فيه قلة أدب، فحضرت رسالة إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله. ثم إن الدولة خيّروه بين أشياء: إما أن يسير إلى دمشق أو الإسكندرية بشروطه (٢) أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شَرَطَ فأجاب أصحابه إلى ما اختاروا جبرًا لخواطرهم. فركب خيل البريد ليلة الثامن عشر من شوال، ثم أرسلوا خلفه من الغد بريدًا آخر، فرَدُّوه، وحضر عند قاضي القضاة ابن جماعة وعنده جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: إن الدولة ما ترضى إلا بالحبس، فقال القاضي: وفيه مصلحة له، واستناب شمس الدين التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزَّواوي المالكي فتحيَّر، فلما رأى الشَّيخُ توقَّفَهم في حبسه قال: أنا أمضي إلى الحبس وأتَّبع ما تقتضيه المصلحة، فقال نور الدين الزواوي: يكون في موضع يصلح لمثله. فقيل له: الدولة ما ترضى إلا بمسمى الحبس، فأُرسل إلى حبس القضاة في المكان الذي كان فيه تقي الدين ابن بنت الأعز (٣) حين سجن، وأُذن له أن يكون عنده من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المنبجي لوجاهته في الدولة، فإنّه كان قد استحوذ على عقل الجَاشْنَكير الذي تسلطن فيما بعد، وغيره من رجال الدولة، والسُّلطان مقهور معه، واستمر الشيخ في الحبس يستفتى ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة التي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء

стр. 64

وأعيان الناس، فيكتب عليها بما يحيّر العقول من الكتاب والسُّنَّة. ثم عقد للشيخ مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، ونزل الشيخ بالقاهرة بدار ابن شقير، وأكب الناس على الاجتماع به ليلًا ونهارًا. وفي سادس رجب باشر الشيخ] (١) كمال الدين بن الزَّمْلَكاني نظر ديوان المارستان (٢) عوضًا عن يوسف العجمي توفي، وكان محتسبًا بدمشق مدة فأخذها منه نجم الدين بن البصراوي (٣) قبل هذا بستة أشهر، وكان العجمي موصوفًا بالأمانة. وفي ليلة النصف من شعبان أبطلت صلاة ليلة النصف لكونها بدعة، وصين الجامع من الغوغاء والرعاع، وحصل بذلك خير كثير ولله الحمد والمنة. وفي رمضان قدم الصدر نجم الدين البصراوي ومعه توقيع بنظر الخِزَانة عوضًا عن شمس الدين الخطيري (٤) مضافًا إلى ما بيده من الحسبة. ووقع في أواخر رمضان مطر قوي شديدٌ، وكان الناس لهم مدة لم يمطروا، فاستبشروا بذلك، ورخصت الأسعار، ولم يمكن الناس الخروج إلى المصلى من كثرة المطر، فصلوا بالجامع، وحضر نائب السلطنة فصلى بالمقصورة. وخرج المحمل (٥)، وأمير الحج عامئذٍ سيفُ الدِّين بَلَبَانُ البَدريُّ التَّتَري (٦). وفيها حج القاضي شرف الدين البارزي (٧) من حماة. وفي ذي الحجة وقع حريق عظيم بالقرب من الظاهرية مبدؤه من الفرن تجاهها الذي يقال له: فرن الصُّوفية (٨) ثم لطف الله وكف شرها وشررها (٩). قلت: وفي هذه السنة كان قدومنا من بصرى إلى دمشق بعد وفاة الوالد، وكان أول ما سكنا بدرب سفون (١٠) الذي يقال له: درب ابن أبي الهيجاء بالصاغة العتيقة عند الطيوريين (١١)، ونسأل الله حسن العاقبة والخاتمة آمين.

стр. 65

وممن توفي فيها من الأعيان: الأمير ركن الدين بيبرس: العَجَمي الصالحي (١)، المعروف بالجَالِق، كان رأس نوبة (٢) الجمدارية في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب وأمره الملك الظاهر. وكان من أكابر الدولة كثير الأموال، توفي بالرملة، لأنّه كان في قسم إقطاعه في نصف جمادى الأولى، ونقل إلى القدس فدفن به. الشَّيخ صالح الأحمدي الرفاعي (٣): شيخ المنيبع (٤)، وكان التتر يكرمونه لما قدموا دمشق، ولما جاء قطلُوشاه نائب التتر نزل عنده، وهو الذي قال للشيخ تقي الدين بن تيمية حين تناظروا (٥) بالقصر: نحنُ ما ينفق حالنا إلا عند التتر، وأمّا عند الشرع فلا. ثم دخلت سنة ثمان وسبعمئة استهلت [والخليفة المستكفي وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون، ونوابه وقضاته بالديار المصرية والبلاد الشامية هم المذكورون في السنة التي قبلها] (٦)، والشيخ تقي الدين قد أخرج من الحَبْس (٧)، والنَّاس قد عكفوا عليه زيارة وتعلمًا واستفتاء وغير ذلك. وفي مستهل ربيع الأول أفرج عن الأمير نجم الدين خَضر بن الملك الظاهر (٨)، فأخرج من البرج (٩) وسكن دار الأَفْرَم (١٠) بالقاهرة، ثم كانت وفاته في خامس رجب من هذه السنة. وفي أواخر جمادى الأولى تولى نظر ديوان ملك الأمراء زينُ الدِّين الشريف ابن عدنان عوضًا عن

стр. 66

ابن الزملكاني، ثم أضيف إليه نظرُ الجامع أيضًا عوضًا عن ابن الخطيري، وتولَّى نجم الدين الدمشقي (١) نظر الأيتام عوضًا عن نجم الدين بن هلال (٢). وفي رمضانَ عُزِل الصَّاحِبُ أمين الدين الدقاقي (٣) عن نظر الدواوين بدمشق وسافر إلى مصر. وفيها عَزَل كمالُ الدِّين بن الشَّرَيْشي (٤) نفسَه عن وكالة بيت المال، وصمَّم على الاستمرار على العزل، وعُرض عليه العَودُ فلم يقبل، وحُمِلت إليه الخِلعة لمّا خُلع على المباشرين فلم يلبسها، واستمر معزولًا إلى يوم عاشوراء من السَّنة الآتية، فجُدِّد تقليده وخُلع عليه في الدَّولة الجديدة. وفيها خرج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون من الديار المصرية قاصدًا الحج، وذلك في السادس والعشرين من رمضان، وخرج معه جماعةٌ من الأمراء لتوديعه فردَّهم، ولما اجتاز إلى الكرك عَدل إليها فنُصب له الجسرُ، فلما توسّطه كُسر به، فسلم من كان أمامه وقفز به الفرسُ فسلم، وسقط من كان وراءه وكانوا خمسين، فمات منهم أربعة، وتهشَّم أكثرهم في الوادي الذي (٥) تحت الجسر، وبقي نائبُ الكَرَك الأمير جمال الدين آقوش (٦) خَجِلًا يتوهم أن يكون هذا يظنُّه السلطان عن قصد، وكان قد عمل للسُّلطان ضيافةً غرم عليها أربعة عشر ألفًا، فلم تقع الموقع لاشتغال السلطان بهمته وما جرى له ولأصحابه، ثم خلع على النائب، وأذن له في الانصراف إلى مصر فسافر، واشتغل السلطان بتدبير المملكة في الكَرَك وحدَها، وكان يحضر دارَ العدل ويباشر الأمور بنفسه، وقدمت عليه زوجه (٧) من مصر، فذكرت له ما كانوا فيه من ضيق الحال وقلة النفقات (٨). ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير (٩) لما استقر الملك النَّاصِرُ بالكَرَك وعزم على الإقامة بها كتب كتابًا إلى الديار المصرية يتضمَّنُ عَزلَ نفسه عن المملكة، فأُثبت ذلك على القضاة بمصر، ثم نُفّذ على قضاة الشام، وبويع الأمير ركن الدين بيبرس

стр. 67

الجَاشْنَكير، بالسلطنة (١) في الثالث والعشرين من شوال يوم السبت بعد العصر، بدار الأمير سيف الدين سلار، اجتمع بها أعيان الدولة من الأمراء وغيرهم وبايعوه وخاطبوه بالملك المظفر، ثم ركب إلى القلعة ومَشَوْا بين يديه، وجلس على سرير المملكة بالقلعة، ودقت البشائر وسارت البريدية بذلك إلى سائر البلدان (٢). وفي مستهل ذي القعدة وصل الأمير عز الدين البغدادي (٣) إلى دمشق فاجتمع بنائب السلطنة والقضاة والأمراء والأعيان بالقصر الأبلق، فقرأ عليهم كتاب الناصر إلى أهل مصر، وأنه قد نزل عن الملك وأعرض عنه، فأثبته القُضَاة وامتنع الحنبلي (٤) من إثباته وقال: ليس أحد يترك الملك مختارًا، ولولا أنه مضطهد ما تركه، فعُزل وأُقيم غيرُه (٥)، ثم استحلفهم للسلطان الملك المظفّر، وكتبت العلامة على القلعة، وألقابه عليها وعلى محال المملكة، ودقت البشائر، وزُيَّنت البلد، ولما قرئ كتاب الملك الناصر على الأمراء بالقصر، وفيه: إني قد صحبت الناس عشر سنين ثم اخترت المقام بالكَرَك، تباكى جماعة من الأمراء وبايعوا كالمكرهين. وتولى مكان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الأمير سيف الدين ترغلي (٦)، ومكان ترغلي (٧) سيف الدين بتخاص (٨)، ومكان بتخاص الأمير جمال الدين آقوش (٩) الذي كان نائب الكَرَك، وخُطب للمظفر يوم الجمعة على المنابر بدمشق وغيرها، [وحضر نائب السلطنة الأفرم والقضاة، وجاءت الخلع وتقليد نائب السلطنة في تاسع عشر ذي القعدة] (١٠).

стр. 68

وقرأ تقليد النائب كاتب السرّ القاضي محيي الدين بن فضل الله (١) بالقصر بحضرة الأمراء، وعليهم الخلع كلّهم. وركب المظفر بالخلعة السوداء الخليفية، والعِمَامة المدوّرة ورجال الدولة بين يديه، عليهم الخِلعُ يوم السبت سابع ذي القعدة، والصَّاحب ضياء الدين النشاي (٢) حامل تقليد السلطان من جهة الخليفة في كيس أطلس أسود. وأَوّله ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]. ويقال: إنّه خلع في القاهرة قريب ألف خلعة ومئتي خلعة، وكان يومًا مشهودًا، وفرح بنفسه أيامًا يسيرة، وكذا شيخه المنبجي، ثمَّ أزالَ الله عنهما نعمته سريعًا (٣). وفيها خطب ابن جماعة (٤) بالقلعة، وباشر الشيخ علاء الدين القونوي (٥) تدريس الشريفية (٦). وممن توفي فيها من الأعيان: الشَّيخ الصَّالح عثمان الحلبوني (٧): أصله من صعيد مصر، فأقام مدة بقرية حلبون وغيرها من تلك الناحية، ومكثَ مدة لا يأكل الخبز، واجتمع عليه جماعةٌ من المريدين وتوفي بقرية برزة (٨) في أواخر المحرَّم، ودفن بها، وحضر جنازته نائب الشّام والقضاة وجماعة من الأعيان. الشيخ الصَّالح: أبو الحسن علي بن محمد بن كثير الحراني (٩) الحنبلي إمام مسجد عطية، ويعرف بابن المقرئ، روى الحديثَ، وكان فقيهًا بمدارس الحنابلة. ولد بحران سنة أربع وثلاثين وستمئة، وتوفي بدمشق في العشر الأخير من رمضان، ودفن بسفح قاسيون.

стр. 69

وتوفي قبله الشيخ زين الدين الحرَّاني (١) بغزّة، وعمل عزاؤُه بدمشق. رحمهما الله. السَّيد الشَّريف زَيْن الدّين: أبو علي الحُسَين (٢) بن محمد بن عدنان الحُسَيني (٣) نقيب الأشراف، كان فاضلًا بارعًا فصيحًا متكلمًا، يعرف طريقة الاعتزال ويباحث الإمامية، ويناظر على ذلك بحضرة القضاة وغيرهم، وقد باشر قبل وفاته بقليل نظر الجامع ونظر ديوان الأفرم، توفي يوم الخامس من ذي القعدة عن خمس وخمسين سنةً، ودفن بتربتهم بباب الصغير. الشيخ الجليل ظهير الدين: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي الفضل بن مَنْعَةَ البغدادد (٤)، شيخُ الحَرَم الشَّريف بمكة بعد عمه عفيف الدين منصور بن منعة، وقد سمع الحديث، وأقام ببغداد مدة طويلة، ثم سار إلى مكة، بعد وفاة عمه، فتولى مشيخة الحرم إلى أن توفي بها (٥). ثم دخلت سنة تسع وسبعمئة استهلت وخليفة الوقت المستكفي أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله العباسي، وسلطان البلاد الملك المظفّر ركن الدين بيبرس الجَاشْنَكير، ونائبه بمصر الأمير سيف الدين سلار، وبالشام (٦) آقوش الأفرم، وقضاة مصر والشام هم المذكورون في التي قبلها. وفي ليلة سلخ صفر توجه الشيخ تقي الدين بن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية صحبة أمير مُقدّم، فأدخله دار السلطان وأنزله في برج منها فسيح متسع الأكناف، فكان الناس يدخلون عليه ويشتغلون في سائر العلوم (٧)، ثم كان بعد ذلك يحضر الجُمُعَات، ويعمل المواعيد على عادته في الجامع، وكان دخوله إلى الاسكندرية يوم الأحد وبعد عشرة أيَّام وصل خبره إلى دمشق، فحصل للناس عليه تألم وخافوا عليه غائلة الجاشْنَكير وشيخه المنبجي، فتضاعف له الدُّعاء، وذلك أنهم لم يمكِّنوا أحدًا من أصحابه أن يخرج معه إلى الإسكندرية، فضاقت له الصُّدور، وذلك أنه تمكن منه عدوه نصر المنبجي (٨) وكان سبب عداوته له أنَّ الشيخ تقي الدين كان ينال من الجاشنكير ومن شيخه نصْر

стр. 70

المنبجي، ويقول: زالت أيامه وانتهت رياسته، وقَرُب انقضاء أجله، ويتكلم فيهما وفي ابن عربي وأتباعه، فأرادوا أن يسيروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غيلة (١)، فما زاد ذلك الناس إلا محبة فيه وقربًا منه، وانتفاعًا به، واشتغالًا عليه، وحُنُوًّا وكرامة له. (٢) وجاء كتاب من أخيه (٣) يقول فيه: إنَّ الأخ الكريم قد نزل بالثّغر المحروس على نية الرباط، فإنّ أعداء الله قصدوا بذلك أمورًا يكيدونه بها ويكيدون الإسلام وأهله، وكانت تلك كرامةً في حقنا، وظنوا أنَّ ذلك يؤدي إلى هلاك الشيخ، فانقلبت عليهم مقاصدهم الخبيثة، وانعكست من كل الوجوه، وأَصبَحُوا وأَمْسَوْا وما زالوا عند الله وعند النّاس العارفين سودَ الوُجوه، يتقطَّعون حسرات وندمًا على ما فعلوا، وانقلب أهل الثغر أجمعين إلى الأخ مقبلين عليه، مكرمين له، وفي كل وقت ينشر من كتاب الله وسنة رسوله ما تَقَرُّ بِهِ أعينُ المؤمنين، وذلك شجى (٤) في حلوق الأعداء، واتفق أنه وجد بالإسكندرية إبليس قد باض فيها وفَرَّخَ، وأضلَّ بها فرق السبعينيَّة (٥) والعربية (٦)، فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم شَذَرَ مَذَرَ، وهتك أستارهم وفَضَحهم، واستتاب جماعةً كثيرة منهم، وتوَّبَ رئيسًا من رؤسائهم، واستقر عند عامة المؤمنين وخواصهم من أمير وقاض وفقيه، ومفتي وشيخ وجماعة المجتهدين، إلا من شَدَّ من الأغْمَارِ الجُهَّال، مع الذلة والصَّغار - محبةُ الشَّيخ وتعظيمه وقبول كلامه والرُّجوع إلى أمره ونهيه، فعلَتْ كلمة الله بها على أعداء الله ورسوله، ولعنوا سرًا وجهرًا وباطنًا وظاهرًا، في مجامع الناس بأسمائهم الخاصة بهم، وصار ذلك عند نصر المنبجي القيمَ المُقيم، ونزل به من الخوف والذُّلّ ما لا يعبر عنه، وذكر كلامًا كثيرًا. والمقصود أنَّ الشَّيخَ تقي الدين أقام بثغر الإسكندرية ثمانية أشهر مقيمًا ببرج متّسع مليح نظيف، له شبّاكان أحدهما إلى جهة البحر والآخر إلى جهة المدينة، وكان يدخل عليه من شاء، ويتردد إليه الأكابر والأعيان والفقهاء، يقرؤون عليه ويستفيدون منه، وهو في أطيب عيش وأشرح صدر. وفي آخر ربيع الأول عزل الشيخ كمال الدين بن الزَّملكاني عن نظر المارستان (٧) بسبب انتمائه إلى

стр. 71

ابن تيمية بإشارة المنبجي (١)، وباشره شمس الدين عبد القادر بن الخطيري. وفي يوم الثلاثاء ثالث ربيع الآخر ولى قضاء الحنابلة بمصر الشيخ الإمام الحافظ سعد الدين أبو محمود (٢) مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد (٣) الحارثي، شيخ الحديث بمصر، بعد وفاة القاضي شرف الدين أبي محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحرّاني. وفي جمادى الأولى برزت المراسيم السلطانية المظفّرية إلى نوّاب البلاد الساحلية (٤) بإبطال الخمور، وتخريب الحانات، ونفي أهلها، ففعل ذلك، وفرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا. وفي مستهل جُمادى الآخرة وصل بريد بتولية قضاء الحنابلة بدمشق للشيخ شهاب الدين أحمد بن شرف (٥) الدين حسن بن الحافظ جمال الدين أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي، عوضًا عن التقي سليمان بن حمزة بسبب تكلمه في نزول الملك الناصر عن الملك، وأنه إنما نزل عنه مضطهدًا بذلك، ليس بمختار، وقد صدق فيما قال. وفي عشرين جمادى الآخرة وصل البريد بولاية شد الدواوين للأمير سيف الدين بَكْتَمُر الحاجب (٦)، عوضًا عن الرُّسْتُمي (٧) فلم يقبل، وبنظر الخزانة للأمير عزّ الدين أحمد بن الزين (٨) محمد بن أحمد بن محمود المعروف بابن القلانسي، فباشرها (٩) وعزل عنها البصراوي محتسب البلد. وفي هذا الشهر باشر قاضي القضاة (١٠) ابن جماعة مشيخة سعيد السُّعداء بالقاهرة بطلب الصُّوفية له، ورَضُوا منه بالحضور عندهم في الجمعة مرة واحدة، وعُزل عنها الشيخ كريم الدين الآملي (١١) لأنَّه عزل منها الشهود، فثاروا عليه، وكتبوا في حقه محاضر بأشياء قادحة في الدين، فرُسم بصرفه عنهم، وعُومل بنظير ما كان يعامل به النّاس، ومن جملة ذلك قيامه على شيخ الإسلام ابن تيمية وافتراؤه عليه الكذبَ، مع جهله وقلة ورعه، فعجل الله له هذا الخزي على يدي أصحابه وأصدقائه جزاء وفاقا (١٢)

стр. 72

وفي شهر رجب كثر الخوف بدمشق وانتقل الناس من ظاهرها إلى داخلها، وسبب ذلك أنَّ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ركب من الكَرَك قاصدًا دمشق يطلب عوده إلى الملك، وقد مالًاه جماعة من الأمراء وكاتبوه في الباطن وناصحوه، وقفز إليه جماعة من أمراء المصريين، وتحدَّث النَّاسُ بسفر نائب دمشق الأفرم إلى القاهرة، وأن يكون مع الجم الغفير، فاضطرب النّاسُ ولم تفتح أبواب البلد إلى ارتفاع النهار، وتخبطت الأمور، فاجتمع القضاة وكثير من الأمراء بالقصر وجددوا البيعة للملك المظفّر (١)، وفي آخر نهار السبت غلقت أبواب البلد بعد العصر وازدحم الناس بباب النصر وحصل لهم تعب عظيم، وازدحم البلد بأهل القرى وكثر الناس بالبلد، وجاء البريد بوصول الملك الناصر إلى الخمَّانِ (٢)، فانزعج نائبُ الشّام لذلك، وأظهر أنه يريد قتاله ومنعه من دخول البلد، وقفز إليه الأميران ركن الدين بيبرس المجنون (٣)، وبيبرس العلمي (٤)، وركب إليه الأمير سيف الدين يَكْتَمُر حاجب الحجاب يشير عليه بالرجوع، ويخبره بأنه لا طاقة له بقتال المصريين، ولحقه الأمير سيف الدين بهادر (٥) آص يشير عليه بمثل ذلك، ثم عاد إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رجب وأُخبر أن السلطان الملك الناصر قد عاد إلى الكرك، فسكن الناس ورجع نائب السلطنة إلى القصر، وتراجَعَ بعض الناس إلى مساكنهم، واستقروا بها. صفة عود المُلْكِ إِلى المَلِكِ الناصر بن الملك المنصور قلاوون (٦) وزوال دولة الملك المظفّر الجاشنكير بيبرس وخذلان شيخه نصر المنبجي الاتحادي الحلولي (٧). لما كان ثالث عشر شعبان جاء الخبر بقدوم الملك الناصر إلى دمشق، فساق إليه الأميران سيف الدين قُطلُوبَك والحاج بهادر إلى الكَرَك، وحصّاه على المجيء إليها، واضطرب نائب دمشق وركب في جماعة من أتباعه على الهجن في سادس عشر شعبان ومعه ابن صُبح صاحب (٨) شَقِيفِ (٩) أَرْنُونَ، وهُيِّئت بدمشق

стр. 73

أُبَّهةُ السلطنة والإقامات اللائقة به، والعصائب (١) والكوسات، وركب من الكَرَك في أبهة عظيمة، وأرسل الأمان إلى الأفرم، ودعا له المؤذنون في المئذنة ليلة الإثنين سابع عشر شعبان وضع الناس (٢) بالدعاء له والسرور بذكره، ونُودي في الناس بالأمان، وأن يفتحوا دكاكينهم ويأمنوا في أوطانهم، وشرع النّاسُ في الزينة، ودقت البشائر، ونام الناس في الأسطحة ليلة الثلاثاء ليتفرجوا على السلطان حين يدخل البلد، وخرج القضاة، والأمراء والأعيان لتلقيه. قال كاتبه ابن كثير: وكنت فيمن شاهد دخوله يوم الثلاثاء وسط النهار في أبهة عظيمة وبسط له من عند المصلى (٣) وعليه أبهة الملك، وبسطت الشِّقاق الحرير تحت أقدام فرسه، كلما جاوز شقة طويت من ورائه، والجَتر (٤) على رأسه والأمراء السِّلَحْدارية عن يمينه وشماله، وبين يديه، والناس يدعون له ويضجُّون بذلك ضجيجًا عاليًا، وكان يومًا مشهودًا. قال الشيخ علم الدين البرْزالي: وكان على السلطان يومئذ عمامة بيضاءُ، وكلوتة (٥) حمراء، وكان الذي حمل الغاشية على رأس السُّلطان الحاج بَهَادر، وعليه خلعةٌ معظَّمة مذهبة بفرو فاخم. ولما وصل إلى القلعة نصب له الجسر ونزل إليه نائبها الأمير سيف الدين السنجري، فقبل الأرض بين يديه، فأشار إليه إني الآن لا أنزل هاهنا، وسار بفرسه إلى جهة القصر الأبلق والأمراء بين يديه، فخُطب له يوم الجمعة (٦). وفي بكرة يوم السبت الثاني والعشرين من الشهر وصل الأمير جمال الدين أقوش الأفرم نائب دمشق مطيعًا للسُّلطان، فقبّل الأرض بين يديه، فترجل له السلطان وأكرمه، وأذن له في مباشرة النيابة على عادته، وفرح الناسُ بطاعة الأفرم له، ووصل إليه أيضًا الأمير سيف الدين قَبْجَق (٧) نائب حماة، والأمير سيف الدين أَسَنْدَمِر (٨) نائب طرابلس يوم الإثنين الرابع والعشرين من شعبان، وخرج الناس لتلقيهما، وتلقاهما السلطان كما تلقى الأفرم. وفي هذا اليوم رسم السلطان بتقليد قضاء الحنابلة وعوده إلى تقي الدين سليمان (٩)، وهنأة الناس

стр. 74

وجاء إلى السلطان إلى القصر فسلَّم عليه ومضى إلى الجَوْزيّة (١) فحكم بها ثلاثة أشهر. وأقيمت الجمعة الثانية بالمَيْدان (٢) وحضر السُّلطان والقضاة إلى جانبه، وأكابر الأمراء والدولة، وكثير من العامة. وفي هذا اليوم (٣) وصل إلى السلطان الأمير قَرَاسُنقر المنصوري نائب حلب وخرج دهليز السلطان يوم الخميس رابع رمضان ومعه القضاة والقرّاء وقت العصر، وأقيمت الجمعة خامس رمضان بالميدان أيضًا، ثم خرج السلطان من دمشق يوم الثلاثاء تاسع رمضان، وفي صحبته ابن صَصْرَى وصدرُ الدين الحنفي قاضي العساكر، والخطيب جلال الدين، والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، والموقعون وديوان الجيش وجيش الشام بكماله قد اجتمعوا عليه من سائر مدنه وأقاليمه بنوابه وأمرائه، فلما انتهى السلطان إلى غَزّة دخلها في أبهة عظيمة، وتلقاه الأمير سيف الدين بَهَادر هو وجَمَاعَةٌ من أمراء المصريين، فأخبروه أن الملك المظفّر قد خلع نفسه من الملك، ثم تواتر قدوم الأمراء من مصر إلى السلطان وأخبروه بذلك، فطابت قلوبُ الشَّاميين واستبشروا بذلك ودقت البشائر (٤) وتأخر مجئ البريد بصورة ما جرى (٥)، واتفق في يوم هذا العيد أنه خرج نائب الخطيب الشيخ تقي الدين الجزري (٦) المعروف بالمقصاتي (٧) في السناجق إلى المصلّى على العادة، واستناب في البلد الشيخ مجد الدين التُّونُسي (٨) فلما وصلوا إلى المصلّى وجدوا خطيب المُصلّى قد شرع في الصلاة فنُصبت السناجق في صحن المصلى وصلّى بينهما تقي الدين المقصَّاتي ثمَّ خطب، وكذلك فعل ابن حسان (٩) داخل المُصلَّى، فعقد فيه صلاتان وخطبتان يومئذ، ولم يتفق مثل هذا فيما نعلم. وكان دخولُ السُّلطان الملك الناصر إلى قلعة الجبل آخر يوم عيد الفطر من هذه السنة، ورسم لسلار (١٠) أن يسافر إلى الشَّوْبَك (١١)، واستنابَ بمصر الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الجَوْكَنْدار (١٢) الذي كان نائبَ صَفَدٍ.

стр. 75

وبالشّام الأمير شمس الدين قَرَاسُنْقر المنصوري (١)، وذلك في العشرين من شوال، واستوزر الصاحب فخر الدين بن الخليلي بعدها بيومين (٢)، وباشر القاضي فخر الدين (٣) كاتب الممالك نظر الجيوش بمصر بعد بهاء الدين عبد الله بن أحمد بن علي بن المظفر الحِلي (٤)، توفي ليلة الجمعة عاشر شوال، وكان من صدور المصريين وكبار الأعيان (٥)، وقد روى شيئًا من الحديث، وصرف الأمير جمال الدين آقوش الأفرم إلى نيابة صَرْخَد، وقدم إلى دمشق الأميرُ زَين الدِّين كَتْبُغَا رأس نوبة الجمدارية [في عشرين شوال على] (٦) شد الدواوين، وأستاذ دار الأستادارية عوضًا عن سيف الدين أَقْجَبا (٧)، وتغيّرت الدولة، وانقلبت قلبة عظيمة. قال الشيخ علم الدين البززالي: ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين بن تيمية من الإسكندرية معزّزًا مكرمًا مبجلًا، فوجّه إليه في ثاني (٨) يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر وخرج مع الشيخ خلق من الإسكندرية يودِّعُونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقاه ومشى إليه في مجلس حافل (٩)، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحسين ﵁، والناس يتردَّدُون إليه، والأمراء والجند وكثير من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال: أنا حالَلْتُ كل من آذاني (١٠). قلت: وقد أخبرني القاضي جمال الدين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس، وما وقع فيه من تعظيمه وإكرامه ممّا حصل له من الشكر والمدح من السلطان والحاضرين من الأمراء، وكذلك أخبرني بذلك قاضي القضاة منصور الدين الحنفي، ولكن أخبار ابن القلانسي أكثر تفصيلًا، وذلك أنه كان إذ ذاك قاضي العساكر، وكلاهما كان حاضرًا هذا المجلس (١١)، ذكر لي أن السلطان لما قدم عليه الشيخ تقي
следующие страницы →