← История

История · id 30098

البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة

ابن كثير

Полный текст (651 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ابن تيمية بإشارة المنبجي (١)، وباشره شمس الدين عبد القادر بن الخطيري. وفي يوم الثلاثاء ثالث ربيع الآخر ولى قضاء الحنابلة بمصر الشيخ الإمام الحافظ سعد الدين أبو محمود (٢) مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد (٣) الحارثي، شيخ الحديث بمصر، بعد وفاة القاضي شرف الدين أبي محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحرّاني. وفي جمادى الأولى برزت المراسيم السلطانية المظفّرية إلى نوّاب البلاد الساحلية (٤) بإبطال الخمور، وتخريب الحانات، ونفي أهلها، ففعل ذلك، وفرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا. وفي مستهل جُمادى الآخرة وصل بريد بتولية قضاء الحنابلة بدمشق للشيخ شهاب الدين أحمد بن شرف (٥) الدين حسن بن الحافظ جمال الدين أبي موسى عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي، عوضًا عن التقي سليمان بن حمزة بسبب تكلمه في نزول الملك الناصر عن الملك، وأنه إنما نزل عنه مضطهدًا بذلك، ليس بمختار، وقد صدق فيما قال. وفي عشرين جمادى الآخرة وصل البريد بولاية شد الدواوين للأمير سيف الدين بَكْتَمُر الحاجب (٦)، عوضًا عن الرُّسْتُمي (٧) فلم يقبل، وبنظر الخزانة للأمير عزّ الدين أحمد بن الزين (٨) محمد بن أحمد بن محمود المعروف بابن القلانسي، فباشرها (٩) وعزل عنها البصراوي محتسب البلد. وفي هذا الشهر باشر قاضي القضاة (١٠) ابن جماعة مشيخة سعيد السُّعداء بالقاهرة بطلب الصُّوفية له، ورَضُوا منه بالحضور عندهم في الجمعة مرة واحدة، وعُزل عنها الشيخ كريم الدين الآملي (١١) لأنَّه عزل منها الشهود، فثاروا عليه، وكتبوا في حقه محاضر بأشياء قادحة في الدين، فرُسم بصرفه عنهم، وعُومل بنظير ما كان يعامل به النّاس، ومن جملة ذلك قيامه على شيخ الإسلام ابن تيمية وافتراؤه عليه الكذبَ، مع جهله وقلة ورعه، فعجل الله له هذا الخزي على يدي أصحابه وأصدقائه جزاء وفاقا (١٢)

стр. 72

وفي شهر رجب كثر الخوف بدمشق وانتقل الناس من ظاهرها إلى داخلها، وسبب ذلك أنَّ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ركب من الكَرَك قاصدًا دمشق يطلب عوده إلى الملك، وقد مالًاه جماعة من الأمراء وكاتبوه في الباطن وناصحوه، وقفز إليه جماعة من أمراء المصريين، وتحدَّث النَّاسُ بسفر نائب دمشق الأفرم إلى القاهرة، وأن يكون مع الجم الغفير، فاضطرب النّاسُ ولم تفتح أبواب البلد إلى ارتفاع النهار، وتخبطت الأمور، فاجتمع القضاة وكثير من الأمراء بالقصر وجددوا البيعة للملك المظفّر (١)، وفي آخر نهار السبت غلقت أبواب البلد بعد العصر وازدحم الناس بباب النصر وحصل لهم تعب عظيم، وازدحم البلد بأهل القرى وكثر الناس بالبلد، وجاء البريد بوصول الملك الناصر إلى الخمَّانِ (٢)، فانزعج نائبُ الشّام لذلك، وأظهر أنه يريد قتاله ومنعه من دخول البلد، وقفز إليه الأميران ركن الدين بيبرس المجنون (٣)، وبيبرس العلمي (٤)، وركب إليه الأمير سيف الدين يَكْتَمُر حاجب الحجاب يشير عليه بالرجوع، ويخبره بأنه لا طاقة له بقتال المصريين، ولحقه الأمير سيف الدين بهادر (٥) آص يشير عليه بمثل ذلك، ثم عاد إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رجب وأُخبر أن السلطان الملك الناصر قد عاد إلى الكرك، فسكن الناس ورجع نائب السلطنة إلى القصر، وتراجَعَ بعض الناس إلى مساكنهم، واستقروا بها. صفة عود المُلْكِ إِلى المَلِكِ الناصر بن الملك المنصور قلاوون (٦) وزوال دولة الملك المظفّر الجاشنكير بيبرس وخذلان شيخه نصر المنبجي الاتحادي الحلولي (٧). لما كان ثالث عشر شعبان جاء الخبر بقدوم الملك الناصر إلى دمشق، فساق إليه الأميران سيف الدين قُطلُوبَك والحاج بهادر إلى الكَرَك، وحصّاه على المجيء إليها، واضطرب نائب دمشق وركب في جماعة من أتباعه على الهجن في سادس عشر شعبان ومعه ابن صُبح صاحب (٨) شَقِيفِ (٩) أَرْنُونَ، وهُيِّئت بدمشق

стр. 73

أُبَّهةُ السلطنة والإقامات اللائقة به، والعصائب (١) والكوسات، وركب من الكَرَك في أبهة عظيمة، وأرسل الأمان إلى الأفرم، ودعا له المؤذنون في المئذنة ليلة الإثنين سابع عشر شعبان وضع الناس (٢) بالدعاء له والسرور بذكره، ونُودي في الناس بالأمان، وأن يفتحوا دكاكينهم ويأمنوا في أوطانهم، وشرع النّاسُ في الزينة، ودقت البشائر، ونام الناس في الأسطحة ليلة الثلاثاء ليتفرجوا على السلطان حين يدخل البلد، وخرج القضاة، والأمراء والأعيان لتلقيه. قال كاتبه ابن كثير: وكنت فيمن شاهد دخوله يوم الثلاثاء وسط النهار في أبهة عظيمة وبسط له من عند المصلى (٣) وعليه أبهة الملك، وبسطت الشِّقاق الحرير تحت أقدام فرسه، كلما جاوز شقة طويت من ورائه، والجَتر (٤) على رأسه والأمراء السِّلَحْدارية عن يمينه وشماله، وبين يديه، والناس يدعون له ويضجُّون بذلك ضجيجًا عاليًا، وكان يومًا مشهودًا. قال الشيخ علم الدين البرْزالي: وكان على السلطان يومئذ عمامة بيضاءُ، وكلوتة (٥) حمراء، وكان الذي حمل الغاشية على رأس السُّلطان الحاج بَهَادر، وعليه خلعةٌ معظَّمة مذهبة بفرو فاخم. ولما وصل إلى القلعة نصب له الجسر ونزل إليه نائبها الأمير سيف الدين السنجري، فقبل الأرض بين يديه، فأشار إليه إني الآن لا أنزل هاهنا، وسار بفرسه إلى جهة القصر الأبلق والأمراء بين يديه، فخُطب له يوم الجمعة (٦). وفي بكرة يوم السبت الثاني والعشرين من الشهر وصل الأمير جمال الدين أقوش الأفرم نائب دمشق مطيعًا للسُّلطان، فقبّل الأرض بين يديه، فترجل له السلطان وأكرمه، وأذن له في مباشرة النيابة على عادته، وفرح الناسُ بطاعة الأفرم له، ووصل إليه أيضًا الأمير سيف الدين قَبْجَق (٧) نائب حماة، والأمير سيف الدين أَسَنْدَمِر (٨) نائب طرابلس يوم الإثنين الرابع والعشرين من شعبان، وخرج الناس لتلقيهما، وتلقاهما السلطان كما تلقى الأفرم. وفي هذا اليوم رسم السلطان بتقليد قضاء الحنابلة وعوده إلى تقي الدين سليمان (٩)، وهنأة الناس

стр. 74

وجاء إلى السلطان إلى القصر فسلَّم عليه ومضى إلى الجَوْزيّة (١) فحكم بها ثلاثة أشهر. وأقيمت الجمعة الثانية بالمَيْدان (٢) وحضر السُّلطان والقضاة إلى جانبه، وأكابر الأمراء والدولة، وكثير من العامة. وفي هذا اليوم (٣) وصل إلى السلطان الأمير قَرَاسُنقر المنصوري نائب حلب وخرج دهليز السلطان يوم الخميس رابع رمضان ومعه القضاة والقرّاء وقت العصر، وأقيمت الجمعة خامس رمضان بالميدان أيضًا، ثم خرج السلطان من دمشق يوم الثلاثاء تاسع رمضان، وفي صحبته ابن صَصْرَى وصدرُ الدين الحنفي قاضي العساكر، والخطيب جلال الدين، والشيخ كمال الدين بن الزملكاني، والموقعون وديوان الجيش وجيش الشام بكماله قد اجتمعوا عليه من سائر مدنه وأقاليمه بنوابه وأمرائه، فلما انتهى السلطان إلى غَزّة دخلها في أبهة عظيمة، وتلقاه الأمير سيف الدين بَهَادر هو وجَمَاعَةٌ من أمراء المصريين، فأخبروه أن الملك المظفّر قد خلع نفسه من الملك، ثم تواتر قدوم الأمراء من مصر إلى السلطان وأخبروه بذلك، فطابت قلوبُ الشَّاميين واستبشروا بذلك ودقت البشائر (٤) وتأخر مجئ البريد بصورة ما جرى (٥)، واتفق في يوم هذا العيد أنه خرج نائب الخطيب الشيخ تقي الدين الجزري (٦) المعروف بالمقصاتي (٧) في السناجق إلى المصلّى على العادة، واستناب في البلد الشيخ مجد الدين التُّونُسي (٨) فلما وصلوا إلى المصلّى وجدوا خطيب المُصلّى قد شرع في الصلاة فنُصبت السناجق في صحن المصلى وصلّى بينهما تقي الدين المقصَّاتي ثمَّ خطب، وكذلك فعل ابن حسان (٩) داخل المُصلَّى، فعقد فيه صلاتان وخطبتان يومئذ، ولم يتفق مثل هذا فيما نعلم. وكان دخولُ السُّلطان الملك الناصر إلى قلعة الجبل آخر يوم عيد الفطر من هذه السنة، ورسم لسلار (١٠) أن يسافر إلى الشَّوْبَك (١١)، واستنابَ بمصر الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الجَوْكَنْدار (١٢) الذي كان نائبَ صَفَدٍ.

стр. 75

وبالشّام الأمير شمس الدين قَرَاسُنْقر المنصوري (١)، وذلك في العشرين من شوال، واستوزر الصاحب فخر الدين بن الخليلي بعدها بيومين (٢)، وباشر القاضي فخر الدين (٣) كاتب الممالك نظر الجيوش بمصر بعد بهاء الدين عبد الله بن أحمد بن علي بن المظفر الحِلي (٤)، توفي ليلة الجمعة عاشر شوال، وكان من صدور المصريين وكبار الأعيان (٥)، وقد روى شيئًا من الحديث، وصرف الأمير جمال الدين آقوش الأفرم إلى نيابة صَرْخَد، وقدم إلى دمشق الأميرُ زَين الدِّين كَتْبُغَا رأس نوبة الجمدارية [في عشرين شوال على] (٦) شد الدواوين، وأستاذ دار الأستادارية عوضًا عن سيف الدين أَقْجَبا (٧)، وتغيّرت الدولة، وانقلبت قلبة عظيمة. قال الشيخ علم الدين البززالي: ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين بن تيمية من الإسكندرية معزّزًا مكرمًا مبجلًا، فوجّه إليه في ثاني (٨) يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر وخرج مع الشيخ خلق من الإسكندرية يودِّعُونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقاه ومشى إليه في مجلس حافل (٩)، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحسين ﵁، والناس يتردَّدُون إليه، والأمراء والجند وكثير من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال: أنا حالَلْتُ كل من آذاني (١٠). قلت: وقد أخبرني القاضي جمال الدين بن القلانسي بتفاصيل هذا المجلس، وما وقع فيه من تعظيمه وإكرامه ممّا حصل له من الشكر والمدح من السلطان والحاضرين من الأمراء، وكذلك أخبرني بذلك قاضي القضاة منصور الدين الحنفي، ولكن أخبار ابن القلانسي أكثر تفصيلًا، وذلك أنه كان إذ ذاك قاضي العساكر، وكلاهما كان حاضرًا هذا المجلس (١١)، ذكر لي أن السلطان لما قدم عليه الشيخ تقي

стр. 76

الدين بن تيمية (١) نهض قائمًا للشيخ أوّل ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان واعتنقا هناك هنيهة، ثم أخذ بيده فذهب به إلى صُفّة (٢) فيها شباك إلى بستان فجلسا ساعة يتحدثان، ثم جاءا ويد الشيخ في يد السلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي الوزير، وتحته ابن صَصْرَى، ثم صدر الدين علي الحنفي، وجلس الشيخ تقي الدين بين يدي السلطان على طرف طراحته، وتكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنهم قد التزموا للديوان بسبعمئة ألف في كل سنة، زيادة على الحالية، فسكت الناس وكان فيهم قضاة مصر والشام وأكابر العلماء من أهل مصر والشام من جملتهم ابن الزَّمْلَكاني. قال ابن القلانسي: وأنا في مجلس السلطان إلى جنب ابن الزملكاني، فلم يتكلم أحد من العلماء ولا من القضاة، فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلم أحد، فجثا الشيخ تقي الدين على ركبتيه، وتكلّم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ، وردّ على الوزير ما قاله ردًا عنيفًا، وجعل يرفع صوته والسلطان يتلافاه ويُسْكته برِفْقٍ وتُؤَدة وتوقير. وبالغ الشيخ في الكلام وقال ما لا يستطيع أحد أن يقوم بمثله، ولا بقريب منه (٣)، وبالغ في التشنيع على من يوافق في ذلك. وقال للسلطان: حاشاك أن يكونَ أَوَّلُ مجلس جلسته في أبهة الملك تَنصُرُ فيه أهل الذمة لأجل حُطام الدنيا الفانية، فاذكر نعمة الله عليك إذ ردَّ ملكك إليك، وكبت عدوّك، ونصرك على أعدائك (٤) فذكر أن الجاشْنَكير هو الذي جدَّد عليهم ذلك، فقال: والذي فعله الجاسنكير كان من مراسيمك لأنه إنما كان نائبًا لك، فأعجب السلطان ذلك واستمر بهم على ذلك، وجرت فصول يطول ذكرها. وقد كان السلطان أعلم بالشيخ من جميع الحاضرين، بعلمه ودينه وقيامه (٥) بالحق وشجاعته، وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنَّهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضًا، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنَّما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سَعَوْا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكرُ أن يُنالَ أحدٌ منهم بسوء وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارًا، فقال الشيخ: من آذاني فهو في حِل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح.

стр. 77

قال: فكان (١) قاضي المالكية ابن مَخْلُوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية (٢)، حَرَّضنا عليه فلم نقدر عليه وقدر علينا فصفَحَ عنا وحاجَجَ عنا، ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وعاد إلى بث العلم ونشره، وأقبلت الخلق عليه ورحلوا إليه يشتغلون عليه ويستفتونه ويجيبهم بالكتابة والقول، وجاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال: قد جعلت الكل في حل، وبعث الشيخ كتابًا إلى أهله يذكر ما هو فيه من نعم الله وخيره الكثير، ويطلب منهم جملة من كتب العلم التي له ويستعينوا على ذلك بجمال الدين المزي، فإنه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب التي أشار إليها، وقال في هذا الكتاب: والحق كل ما له في علو وازدياد وانتصار، والباطل في انخفاض وسفول واضمحلال، وقد أذلَّ الله رقاب الخصوم، وطلب أكابرهم من السلم ما يطول وصفه، وقد اشترطنا عليهم من الشروط ما فيه عز الإسلام والسنة، وما فيه قمع الباطل والبدعة، وقد دخلوا تحت ذلك كله، وامتنعنا من قبول ذلك منهم، حتى يظهر إلى الفعل، فلم نثق لهم بقول ولا عهد، ولم نجبهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولا والمذكور مفعولًا، ويظهر من عز الإسلام والسنة للخاصة والعامة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم، وذكر كلامًا طويلًا يتضمن ما جرى له مع السلطان في قمع اليهود والنصارى وذلهم، وتركهم على ما هم عليه من الذلة والصَّغار والله سبحانه أعلم (٣). وفي شوال أمسك السُّلطان جماعة من الأمراء قريبًا من عشرين أميرًا (٤). وفي سادس عشر شوّال وقع بين أهل حوران من قيس ويمن، فقتل منهم مقتلة عظيمة جدًّا، قُتِلَ من الفريقين نحو من ألف نفس بالقرب من السُّوَيْداء، وهم يسمونها يوم (٥) السويداء، ووقعة السُّويداء (٦)، وكانت الكسرة على يمن، فهربوا من قيس حتى دخل كثير منهم إلى دمشق في أسوأ حال وأضعفه، وهربت قيس خوفًا من الدولة، وبقيت القرى خالية والزروع سائبة. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفي يوم الأربعاء سادس ذي القعدة قدم الأمير سيف الدين قَبْجَقُ المنصوري نائبًا على حلب (٧) فنزل القصر ومعه جماعة من أمراء المصريين، ثم سافر إلى حلب بمن معه من الأمراء والأجناد، واجتاز الأمير سيف الدين بَهَادر بدمشقَ ذاهبًا إلى نيابة طرابلس (٨) والفتوحات السواحلية عوضًا عن الأمير سيف الدين

стр. 78

أسَندَمر (١)، ووصل جماعةٌ ممَّن كان قد سافر مع السلطان إلى مصر في ذي القعدة منهم قاضي قضاة الحنفية صدر الدين الحنفي ومحيي الدين بن فضل الله وغيرهما. قلت: وجلست يومًا إلى القاضي صدر الدين الحنفي بعد مجيئه من مصر، فقال لي: أتحبُّ ابن تيمية؟ قلت: نعم، فقال لي وهو يضحك: والله لقد أحببت شيئًا مليحًا، وذكر لي قريبًا مما ذكر ابن القلانسي، لكن سياق ابن القلانسي أتم. مقتل الجَاشْنَكيري (٢): كان قد فر الخبيث (٣) في جماعة من أصحابه، فلما خرج الأمير سيف الدين قَرَاسُنقُر المنصوري من مصر متوجهًا إلى نيابة الشام عوضًا] (٤) عن الأفرم، فلما كان بغزة في سابع ذي القعدة ضرب حلقة لأجل الصيد، فوقع في وسطها الجاشنكير في ثلاثمئة من أصحابه، فأحيط بهم، وتفرّق عنه أصحابه فأمسكوه، ورجع مع قَرَاسُنقُر وسيف الدين بَهَادر على الهجن، فلما كانوا بالخَطَّارة (٥) تلقاهم أَسَنْدَمُر فتسلَّمه منهم، ورجعا إلى عسكرهم، ودخل به أسَندَمر على السلطان فعاتبه ولامه، وكان آخر العهد به، وقتل ودفن بالقرافة، ولم ينفعه شيخه المنبجي ولا أمواله، بل قتل شر قتلة (٦). ودخل قَرَاسُنقُر دمشقَ يوم الإثنين الخامس والعشرين من ذي القعدة فنزل بالقصر، وكان في صحبته ابن صَصْرَى وابن الزَّمْلَكاني وابن القلانسي، وعلاء الدين بن غانم، وخلق من الأمراء المصريين والشاميين، وكان الخطيب جلال الدين القزويني قد وصل قبلهم يوم الخميس الثاني والعشرين من الشهر، وخطب يوم الجمعة على عادته، فلمّا كان يوم الجمعة الأخرى وهو التاسع والعشرون من الشهر خطب بجامع دمشق القاضي بدر الدين محمد بن عثمان بن يوسف بن حداد الحنبلي (٧) عن إذن نائب السلطنة، وقرئ تقليده على المنبر بعد الصَّلاة بحضرة القضاة والأكابر والأعيان، وخلع عليه عقيب ذلك خلعة سنية، واستمر يباشر الإمامة والخطابة اثنين وأربعين يومًا. ثم أُعيد الخطيب جلال الدين (٨) بمرسوم سلطاني، وباشر يوم الخميس ثاني عشر المحرم من السنة الآتية

стр. 79

وفي ذي الحجّة درّس كمال الدين بن الشِّيرازي (١) بالمدرسة الشامية البرانية، انتزعها من يد الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وذلك أن أسنْدَمِر ساعده على ذلك. وفيها أظهر ملك التتر خَرْبَندا (٢) الرّفض في بلاده، وأمر الخطباء (٣) أن لا يذكروا في خطبتهم إلا علي بن أبي طالب ﵁ وأهل بيته، ولما وصل خطيب باب الأَزج (٤) إلى هذا الموضع من خطبته بكى بكاء شديدًا، وبكى الناس معه ونزل ولم يتمكن من إتمام الخطبة، فأُقيم من أتمها عنه، وصلى بالناس وظهر على الناس بتلك البلاد من أهل السنة أهل البدعة فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولم يحج فيها أحد من أهل الشام بسبب تخبيط الدولة وكثرة الاختلاف (٥). وممن توفي فيها من الأعيان: الخَطيب ناصر الدين أبو الهدى: أحمد بن الخطيب بدر الدين يحيى بن الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٦) خطيب العقيبة (٧) بداره بها، وقد باشر نظر الجامع الأموي وغير ذلك، توفي يوم الأربعاء النصف من المحرم، وصلّي عليه بجامع العُقَيْبة، ودفن عند والده بباب الصغير. وقد روى الحديث وباشر الخطابة بعد والده (٨) بدر الدين وحضر عنده نائب السلطنة والقضاة والأعيان. قاضي الحنابلة بمصر (٩): شرفُ الدين أبو محمد عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحرّاني ولد بحران سنة خمس وأربعين وستمئة، وسمع الحديث وقدم مصر فباشر نظر الخزانة وتدريس الصالحية ثم أُضيف إليه القضاء، وكان مشكور السيرة، كثير المكارم، توفي ليلة الجمعة رابع عشر ربيع الأول، دفن بالقرافة، ووُلّي بعده سعد الدين الحارثي كما تقدّم.

стр. 80

الشيخ نجم الدين (١): أيوب بن سليمان بن مظفّر المُقْريء (٢) المعروف بمؤذن النجيبي، كان رئيس المؤذنين بجامع دمشق ونقيب الخطباء، وكان حسن الشكل رفيع الصوت، واستمر بذلك نحوًا من خمسين سنة إلى أن توفي مستهل جمادى الأولى. وفي هذا الشهر توفي: الأمير شمس الدين سُنْقُر الأَعْسر المنصوري (٣): تولى الوزارة بمصر مع شدَّ الدواوين معًا، وباشر شدَّ الدواوين بالشام مرَّات، وله دار و بستان بدمشق مشهوران به، وكان فيه نهضةٌ، وله همةٌ عالية وأموال كثيرة، توفي بمصر. الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله الرُّستُمي (٤): شادُّ الدواوين بدمشق، وكان قبل ذلك والي الولاة بالجهة القبلية بعد الشّريفي، وكانت له سطوة. توفي يوم الأحد ثاني عشري (٥) جمادى الأولى، ودفن ضحوة بالقبة التي بناها تجاه قبة الشيخ رسلان، وكان فيه كفاية وخبرة (٦). وباشر بعده شد الدواوين أَقْجِبَا (٧). وفي شعبان أو في رجب توفّي: التَّاجُ ابن سعيد الدولة (٨): وكان مُسلمانيا (٩) وكان مشير (١٠) الدولة، وكانت له مكانة عند الجاشنكير بسبب صحبته (١١) لنصر المنبجي شيخ الجاشنكير (١٢)، وقد عرضت عليه الوزارة فلم يقبل، ولما توفى تولّى وظيفته ابن أخته كريم الدّين الكبير (١٣).

стр. 81

الشيخ شهاب الدين (١): أحمد بن محمد بن أبي المكارم بن نصر الأصبهاني، رئيس المؤذنين بالجامع الأموي، ولد سنة اثنتين وستمئة، وسمع الحديث وباشر وظيفة الأذان من سنة خمس وأربعين إلى أن توفي ليلة الثلاثاء خامس ذي القعدة ودفن بباب الصغير (٢)، وكان رجلًا جيدًا والله سبحانه أعلم. ثم دخلت سنة عشر وسبعمئة استهلت وخليفة الوقت المستكفي بالله أبو الربيع سليمان العباسي (٣)، وسُلطان البلاد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون (٤)، ونائب مصر الأمير سيف الدين بَكْتمُر أمير جُندار (٥)، وقضاتُه هم المذكورون في التي قبلها، سوى الحنبلي فإنّه مسعود (٦) الحارثي، والوزير بمصر الخليلي (٧)، (٨) ونائب الشام قَرَا سُنقر المنصوري، وقضاة دمشق هم هم، ونائب حلبَ قَبْجَق، ونائب طرابلس الحاج بَهَادر، والأفرم بصرخد. وفي محرّم منها باشرَ الشَّيخ أمينُ الدين سالم بن أبي الدَّر (٩) وكيل بيت المال إمام مسجد ابن هشام (١٠) تدريس السّامية الجوانية، والشيخ صدر الدين سليمان بن موسى الكردي تدريس العذراوية، كلاهما انتزعها من ابن الوكيل بسبب إقامته بمصر، وكان قد وَفَدَ إلى المظفّر فأكرمه ورتَّبَ له رواتب (١١) لانتمائه إلى نصرِ المَنْبِجِي (١٢)، ثم عاد بتوقيع سلطاني إلى مدرستيه، فأقام بهما شهرًا أو سبعةً وعشرين يومًا، ثُمَّ استعاداهما منه، ورجعتا إلى المدرّسين الأولين: الأمين سالم، والصَّدر الكردي (١٣).

стр. 82

ورجع الخطيب جلال الدين (١) إلى الخطابة في ثاني (٢) عشرَ المحرم، وعُزل عنها البدر بن الحداد. وباشر الصاحب شمس الدين (٣) نظر الجامع والأسرى والأوقاف قاطبة يوم الإثنين، ثم خُلع عليه وأضيف إليه شرف الدين بن صَصْرَى في نظر الجامع، وكان ناظره مستقلًا به قَبْلَهما. وفي يوم عاشوراء قدم أسَندَمِر إلى دمشق متوليًا نيابة حماة (٤)، وسافر إليها بعد سبعة أيام. وفي المحرم باشر بدر الدين بن الحداد نظر المارستان عوضًا عن شمس الدين بن الخطيري ووقعت منازعة بين صدر الدين بن الوكيل (٥) وبين الصدر سليمان الكردي بسبب العذراوية، وكتبوا في ابن الوكيل (٦) محضرًا يتضمن من القبائح والفضائح والكفريات على ابن الوكيل (٧)، فبادر ابن الوكيل إلى القاضي تقي الدين بن سليمان الحنبلي، فحكم بإسلامه وحَقَن دَمَه، وحَكَم بإسقاط التَّعزير عنه والحكم بعدالته واستحقاقه للمناصب (٨) وأشهد عليه بذلك في شهر المحرم المذكور (٩)، ولكن خرجت عنه المدرستان العذراوية لسليمان الكردي، والشَّامية الجوانية للأمين سالم، ولم يبق معه سوى دار الحديث الأشرفية. وفي ليلة الإثنين السابع من صفر وصل النجم محمد بن عثمان البصراوي من مصر متوليًا الوزارة بالشام، ومعه توقيع بالحسبة لأخيه فخر الدين سليمان، فباشرا المنصبين بالجامع، ونزلا بدرب سفون الذي يقال له: درب ابن أبي الهيجاء، ثم انتقل الوزير إلى دار الأعسر عند باب البريد، واستمر نظر الخزانة لعز الدين أحمد بن القلانسي أخي الشيخ جلال الدين. وفي مستهل ربيع الأول باشر القاضي جمال الدين الزُّرَعي (١٠) قضاء القضاة بمصر عوضًا عن ابن جماعة، وكان قد أخذ منه قبل ذلك في ذي الحجة مشيخة الشيوخ، وأُعيدت إلى الكريم الأملي وأُخذت منه الخطابة أيضًا.

стр. 83

وجاء البريد إلى الشام بطلب القاضي شمس الدين بن الحريري (١) لقضاء الديار المصرية، فسار في العشرين من ربيع الأول وخرج معه جماعة لتوديعه، فلما قدم على السلطان أكرمه وعظمه وولاه قضاء الحنفية وتدريس الناصرية والصالحية الناصرية والصالحية، وجامع الحاكم، وعزل عن ذلك القاضي شمس الدين السروجي فمكث أيامًا ثم ما مات. وفي نصف هذا الشهر مُسِكَ من دمشقَ سبعةُ أمراء، ومن القاهرة أربعة عشر أمير (٢). وفي ربيع الآخر اهتم السلطان بطلب الأمير سيف الدين سلار فحضر هو بنفسه إليه فعاتبه، ثم استخلصت منه أمواله وحواصله في مدة شهر، ثم قُتِلَ بعد ذلك، فوَجَدَ معه من معه من الأموال والحيوان (٣) والأملاك والأسلحة والمماليك والبغال [والجمال] (٤) والحمير أيضًا والرباع شيئًا كثيرًا، وأما الجواهر والذهب والفضة، فشيء لا يحدُّ ولا يوصف من كثرته، وحاصل الأمر أنه قد استأثر (٥) لنفسه طائفة كبيرة من بيت المال وأموال المسلمين تجري إليه، ويقال: إنه كان مع ذلك كثير العطاء كريمًا محببًا إلى الدولة والرعية والله أعلم. وقد باشر نيابة السلطنة بمصر من سنة ثمان وتسعين إلى أن قتل يوم الأربعاء رابع عشرين هذا الشهر، ودفن بتربته ليلة الخميس بالقرافة (٦)، سامحه الله. وفي ربيع الآخر درّس القاضي شمس الدين بن العز الحنفي (٧) بالظاهرية عوضًا عن شمس الدين بن الحريري، وحضر عنده خاله الصَّدر علي قاضي قضاة الحنفية وبقية القضاة والأعيان. وفي هذا الشهر كان الأمير سيف الدين أسَندَمِر قد قدم دمشق لبعض أشغاله، وكان له حنو على الشيخ صدر الدين بن الوكيل، فاستنجز له مرسومًا بنظر دار الحديث وتدريس العذراوية، فلم يباشر ذلك حتى سافر أَسَنْدَمِر، فاتفق أنه وقعت له بعد يومين كائنة بدار ابن درباس بالصالحية، وذكر أنه وجد عنده شيء من المنكرات واجتمع عليه جماعةٌ من أهل الصالحيَّة من الحنابلة وغيرهم، وبلغ ذلك نائب السلطنة فكاتب فيه، فورد الجواب بعزله عن المناصب الدينية، فخرجت عنه دار الحديث الأشرفية وبقي بدمشق وليس بيده وظيفة لذلك. فلما كان في آخر رمضانَ سافر إلى حلب فقرّر له نائبها أسَنْدَمِر شيئًا على الجامع، ثم ولاه تدريسًا

стр. 84

هناك وأحسن إليه، وكان الأمير أسَندَمِر قد انتقل إلى نيابة حلب في جمادى الآخرة عوضًا عن سيف الدين قبْجَق، توفي، وباشر مملكة حماة بعده الأمير عماد الدين إسماعيل بن الأفضل علي بن محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب. وانتقل جمال الدين آقوش الأفرم من صَرْخَد إلى نيابة طرابلس عوضًا عن الحاج بَهَادر. وفي يوم الخميس سادس عشر شعبان باشر الشيخ كمال الدين بن الزَّملكاني مشيخة دار الحديث الأشرفية عوضًا عن ابن الوكيل (١)، وأخذ في التفسير والحديث والفقه، فذكر من ذلك دروسًا حسنة، ثم لم يستمر بها سوى خمسة عشر يومًا حتى انتزعها منه كمال الدين بن الشَّرَيْشي، فباشرها يوم الأحد ثالث شهر رمضان. وفي شعبان رسم قرَاسُنقُر نائب الشام بتوسعة المقصورة، فأُخِّرت سدة المؤذنين إلى الركنين المؤخرين تحت قبة النسر، ومنعت الجنائز من دخول الجامع أيامًا ثم أُذن في دخولها. وفي خامس رمضان قدم فخر الدين إياس (٢) الذي كان نائبًا في قلعة الروم (٣) إلى دمشق شاد الدواوين عوضًا عن زين الدين كَتْبُغَا المنصوري (٤). وفي شوّال باشر الشيخ علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي مشيخة الشيوخ بالديار المصرية عوضًا عن الشيخ كريم الدين عبد الكريم بن الحسين الآملي (٥) الذي توفي، وكان له تجريد وهمة، وخُلع على القونوي خِلعة سنيّة، وحضر سعيد السُّعَداء بها (٦). وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة خُلع على الصاحب عز الدين القلانسي (٧) خلعة الوزراء بالشّام عوضًا عن النجم البصراوي بحكم إقطاعه إمرة عشرة وإعراضه عن الوزارة. وفي يوم الأربعاء سادس عشر ذي القعدة عاد الشيخ كمال الدين بن الزملكاني إلى تدريس الشامية البرانية (٨).

стр. 85

وفي هذا اليوم لبس تقي الدين ابن الصاحب شمس الدين بن السلعوس (١) خلعة النظر على الجامع الأموي. ومسك الأمير سيف الدين أسَندَمِر نائب حلب في ثاني عشر ذي الحجة ودخل إلى مصر (٢). وكذلك مُسِك نائب البيرة (٣) سيف الدين طُوْغَان (٤) بعده بليال. وممن توفي فيها من الأعيان: قاضي القضاة الإمام العلامة (٥) شمس الدين أبو العباس: أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي الحنفي، شارح "الهداية" (٦)، كان بارعًا في علوم شتى، وولي الحكم بمصر وولي الحكم بمصر مدةً وعزل قبل موته بأيام، توفي يوم الخميس ثاني عشرين ربيع الآخر، ودفن بقرب الشافعي، وله اعتراضات على الشيخ تقي الدين بن تيمية في علم الكلام (٧)، وقد رد عليه الشيخ تقي الدين في مجلدات، وأبطل حجّته. وفيها توفى سَلَّار مقتولًا كما تقدَّم (٨). الصَّاحب أمين الدين (٩): أبو بكر بن الوجيه عبد العظيم بن يوسف المعروف بابن الدقاقي (١٠).

стр. 86

والحاج بَهَادُر (١): نائب طَرابُلُس مات بها. والأمير سيف الدين قَبْجَق (٢): نائب حلب، مات بها، ودفن بتربته بحماة، ثاني جمادى الآخرة وكان شهمًا شجاعًا، وقد ولّي نيابة دمشق في أيام لاجِيْن (٣)، ثم قفز إلى التّتر خوفًا من لاجين، ثم جاء مع التَّتر. وكان على يديه فرج المسلمين كما ذكرنا عام قازان، ثم تنقلت به الأحوال إلى أن مات بحلب، ثم وليها بعده أسَندَمِر، ومات أيضًا في آخر السنة (٤). الشيخ كريم الدين أبو القاسم عبد الكريم (٥) بن الحسين الآملي (٦): شيخ الشيوخ بمصر (٧)، كان له صلة بالأمراء، وقد عُزل مرَّة عن المشيخة بابن جماعة (٨). توفي ليلة السبت سابع شوال بخانقاه سعيد السعداء، وتولاها بعده الشيخ علاء الدين القونوي كما تقدم. الفقيه الكبير عز الدين عبد العزيز بن (٩) عبد الجليل: النَّمراوي (١٠) الشافعي، كان فاضلًا بارعًا، وقد صحب سلار نائب مصر، وارتفع في الدنيا بسببه. ابن الرفعة (١١): هو الإمام العلامة نجم الدين أحمد بن محمد شارح (التنبيه) (١٢)، وله غير

стр. 87

ذلك (١)، وكان فقيهًا فاضلًا وإمامًا في علوم كثيرة ﵏] (٢). ثم دخلت سنة إحدى عشرة وسبعمئة استهلت والحكَّام هم المذكورون في التي قبلها، غير الوزير (٣) بمصر فإنَّه عُزل ووُلّي سيف الدين بَكْتَمُر وزيرًا. والنَّجم البصراوي عزل أيضًا بعز الدين بن القلانسي (٤). وقد انتقل الأَفْرَم من صرخد (٥) إلى نيابة طرابلس. وملك (٦) حماة الملك المؤيَّد عماد الدين على قاعدة أسلافه. وقد مات نائب حلب أَسَنْدَمِر وهي شاغرة عن نائب فيها، وأَرْغُون الدَّوادار الناصري قد وصل إلى دمشق لتسفير قَرَاسُنْقُر منها إلى حلَبَ، وإحضار سيف الدين كَرَاي إلى نيابة دمشق (٧)، وغالب العساكر بحلبَ والأَعراب محدقة بأطراف البلاد، فخرج قَرَاسُنقُر المنصوري من دمشق في ثالث المحرم في جميع حواصله وحاشيته وأتباعه، وخرج الجيش لتوديعه، وسار معه أزغون لتقريره بحلب، وجاء المرسوم إلى نائب القلعة الأمير سيف الدين بهادر السنجري (٨) أن يتكلم في أمور دمشق إلى أن يأتيها نائب، فحضر عنده الوزير والموقعون وباشر النيابة، وقويت شوكته (٩) وقويت شوكة الوزير إلى أن ولّى ولايات عديدة، منها لابن أخيه عماد الدين نظر الأسرى (١٠)، واستمر في يده. وقَدِم نائب السلطنة سيف الدين كَرَاي المنصوري إلى دمشق نائبًا عليها في يوم الخميس الحادي والعشرين من المحرّم وخرج الناس لتلقِّيه، وأوقدوا الشموع.

стр. 88

وأُعيدت المقصورة إلى مكانها يوم الأحد (١) رابع عشرين المحرم، وانفرج الناس، ولبس النجم البصراوي خلعة الإمرة يوم الخميس ثالث عشر صفر على قاعدة الوزراء بالطرحة، وركب مع المقدّمين الكبار وهو أمير عشرة بإقطاع يضاهي إقطاع كبار الطبلخانات. وفي يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول جلس القضاة الأربعة بالجامع لإنفاذ أمر الشهود بسبب تزوير وقع من بعضهم، فاطلع عليه نائب السلطنة فغضب وأمر بذلك، فلم يكن منه كبير شيء، ولم يتغير حال. وفي هذا اليوم ولّي الشريف نقيب الأشراف أمين الدين جعفر بن (٢) محيي الدين عدنان نظر الدواوين عوضًا عن شهاب الدين الواسطي، وأعيد تقي الدين بن الزَّكي (٣) إلى مشيخة الشُّيوخ. وفيه ولي ابن جماعة تدريس الناصرية بالقاهرة، وضياء الدين النشائي (٤) تدريس الشافعي، والميعاد العام بجامع ابن طولون، ونظر الأحباس أيضًا. وولي الوزارة بمصر أمين الملك أبو سعيد عوضًا عن الأمير سيف الدين بَكْتَمر الحاجب في ربيع الآخر (٥). وفي هذا الشهر احتيط على الوزير عز الدين بن القلانسي بدمشق، ورسم عليه مدة شهرين، وكان نائب السلطنة كثير الحَنَق عليه، ثم أُفرج عنه. وأعيد بدر الدين بن جماعة إلى الحكم بديار مصر في حادي عشرين ربيع الآخر، مع تدريس دار الحديث الكاملية، وجامع طولون والصَّالحية والناصرية، وحصل (٦) له إقبال كثير من السلطان. واستقر جمال الدين الزَّرعي على قضاء العسكر وتدريس جامع الحاكم، ورسم له أن يجلس مع القضاة بين الحنفي والحنبلي بدار العدل عند السلطان (٧). وفي مستهل جُمادى الأولى أشهد القاضي نجم الدين الدمشقي (٨) نائب ابن صَصْرَى على نفسه بالحكم ببطلان البيع في الملك الذي اشتراه (٩) عز الدين بن القلانسي من تَرِكَةِ المنصوري في الرمثا (١٠)

стр. 89

والثُّوجَة (١) والفضالية (٢) لكونه بدون ثمن المثل، ونفذه بقية الحكام، وأحضر ابن القلانسي إلى دار السعادة وادعى عليه بريع ذلك، ورسم عليه بها، ثم حكم قاضي القضاة تقي الدين الحنبلي بصحة هذا البيع وبنقض ما حكم به الدمشقي، ثم نفّذ بقية الحكام ما حكم به الحنبلي. وفي هذا الشهر قُرِّر على أهل دمشق ألف وخمسمئة فارس لكل فارس خمسمئة درهم، وضربت على الأملاك والأوقاف، فتألم الناس من ذلك تألمًا عظيمًا، وسُعِيَ إلى الخطيب جلال الدين فسعى إلى القضاة واجتمع النَّاس بكرة يوم الإثنين ثالث عشر الشهر واختلفوا (٣) بالاجتماع، وأخرجوا معهم المصحف العثماني والأثر النبوي والسناجق الخليفية، ووقفوا في الموكب، فلما رآهم كَرَاي تغيظ عليهم، وشتم القاضي (٤) والخطيب (٥)، وضرب مجد الدين التونسي (٦) ورسم عليهم ثم أطلقهم بضمان وكفالة، فتألم الناس من ذلك كثيرًا، فلم يمهله الله إلا عشرة أيام فجاءه الأمرُ فجأةً فعُزِلَ وحُبِس، ففرح النَّاسُ بذلك فرحًا شديدًا (٧)، ويقال: إن الشيخ تقي الدين بلغه ذلك الخبر عن أهل الشام فأخبر السلطان بذلك فبعث من فوره فمسكه شر مسكة (٨). وصفة مسكه أنه قدم الأمير سيف الدين أَرْغُون الدوادار فنزل في القصر، فلما كان يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى خلع على الأمير سيف الدين كرَاي خِلعة سنية، فلبسها وقبَّل العتبة، وحضر الموكب ومدَّ السِّماط، فقُيِّدَ بحضرة الأمراء وحُمِل على البريد إلى الكَرَك صُحْبَة غرلو العادلي، وبيبرس المجنون (٩). وخرج عز الدين بن القلانسي من التّرسيم من دار السعادة، فصلى في الجامع الظهر ثم عاد إلى داره، وقد أُوقدت له الشموع، ودعا له الناس، ثم رجع إلى دار الحديث الأشرفية فجلس فيها نحوًا من عشرين يومًا، حتى قدم الأمير جمال الدين نائب الكرك.

стр. 90

وفي هذا الشهر مسك نائب صفد (١) الأمير سيف الدين قُطلُوبَك وقيد وحمل إلى الكرك، ومسك نائب مصر الأمير سيف الدين بكتمر أمير خازندار وعوض عنه بالأمير ركن الدين (٢) بَيْبَرْس الدوادار المنصوري. ومسك نائب غزة، وعوض عنه بالجاولي (٣)، فاجتمع في حبس الكَرَك أَسَنْدَمُر نائب حلب، وبكْتَمُر نائب مصر، وكَرَاي نائب دمشق، وقُطلُوبك نائب صفد، وقطلُتمِر (٤) نائب غزة وبَتْخَاص (٥). وقدم جمال الدين أقوش المنصوري الذي كان نائب الكَرَك على نيابة دمشق إليها في يوم الأربعاء رابع عشرربيع الآخر، وتلقاه الناسُ وأُشعلت له الشموع، وفي صحبته الخطيري (٦) لتقريره في النيابة، وقد باشر نيابة الكرك من سنة تسعين وستمئة إلى سنة تسع وسبعمئة وله بها آثار حسنة، وخرج عز الدين بن القلانسي لتلقي النائب. وقُرئ يومَ الجمعة كتابُ السُّلطان على السدة بحضرة النائب والقضاة والأعيان، وفيه الأمر بالإحسان إلى الرعية وإطلاق البواقي التي كانت قد فرضت عليهم أيام كرَاي، فكثرت الأدعية للسلطان وفرح الناس. وفي يوم الإثنين التاسع عشر خلع على الأمير سيف الدين بَهَادُرآص بنيابة صفد (٧) فقبل العتبة، وسار إليها يوم الثلاثاء. وفيه لبس الصدر بدر الدين بن أبي الفوارس خِلعة نظر الدواوين بدمشق، مشاركًا للشريف ابن عدنان وبعد ذلك بيومين قدمَ تقليد عز الدين بن القلانسي بوكالة السلطان على ما كان عليه، وأنه أُعفي عن الوزارة لكراهته لذلك. وفي رجب باشر ابن السلعوس نظر الأوقاف عوضًا عن شمس الدين غربال (٨).

стр. 91

وفي شعبان ركب نائب السلطنة (١) بنفسه إلى أبواب السُّجون، فأطلق المحبوسين بنفسه، فتضاعَفَتْ له الأدعية في الأسواق وغيرها. وفي هذا اليوم قدم الصاحب عز الدين بن القلانسي من مصر فاجتمع بالنائب وخلع عليه، ومعه كتاب يتضمن احترامه، وإكرامه، واستمراره على وكالة السُّلطان، ونظر الخاص، والإنكار لما ثَبَتَ عليه بدمشق، وأنَّ السلطان لم يعلم بذلك ولا وَكَّل فيه، وكان المساعد له على ذلك كريم الدين ناظر الخاص السلطاني، والأمير سيف الدين أَرْغُون الدوادار (٢). وفي شعبان منع ابن صَصْرَى الشهود والعقاد من جهته، وامتنع غيرهم أيضًا وردهم المالكي (٣). وفي رمضان جاء البريد بتولية زين الدين كَتْبُغَا المنصوري حجوبية الحجاب، والأمير بدر الدين بكتُوت (٤) القَرَماني شدَّ الدّواوين عوضًا عن طُوْغَان (٥)، وخلع عليهما معًا. وفيها ركب بهادر السنجري نائب قلعة دمشق على البريد إلى مصر وتولاها سيفُ الدِّين بَلَبَان البدري، ثم عاد السِّنْجَري في آخر الشهر (٦) على نيابة البيرة، فسار إليها. وجاء الخبر في آخر رمضان (٧) بأنه قد احتيط على جماعة من قصاد المسلمين ببغداد، فقتل منهم ابن العقاب وابن البدري (٨)، وتخلّص عُبيدة وجاء سالمًا. وخرج المحْمَلَ في شوال وأمير الحاج الأمير علاء الدين طَيْبُغَا أَخو بَهَادُرآص. وفي عاشر (٩) ذي القعدة جاء الخبر بأن الأمير قَرَاسُنقُر رجع من طريق الحجاز بعد أن وصل إلى بركة زيزاء (١٠)، وأنه لحق بمهَنَّا بن عيسى، فاستجار به خائفًا على نفسه ومعه جماعةٌ من خواصه، ثم سار من

стр. 92

هناك إلى التتر بعد ذلك كله، وصحبَهُ الأَفْرَمُ (١) والزَّرَدْكَاسُ (٢). وفي العشرين من ذي القعدة وصل الأمير سيف الدين أَرْغُون في خمسة آلاف إلى دمشق وتوجهوا إلى ناحية حمص، وتلك النواحي. وفي سابع ذي الحجّة وصل الشيخ كمال الدين بن الشَّريشي من مصر مستمرًا على وكالته (٣)، ومعه توقيع بقضاء العسكر الشامي، وخُلِعَ عليه في يوم عَرَفَةَ (٤). وفي هذا اليوم وصلت ثلاثة آلاف عليهم سيف الدين ملِّي (٥) من الديار المصرية فتوجهوا وراء أصحابهم إلى البلاد الشمالية. وفي آخر الشهر وصل الشيخ (٦) شهاب الدين الكاشغري (٧) من القاهرة ومعه توقيع بمشيخة الشيوخ، فنزل في الخانقاه، وباشرها بحضرة القُضاة والأعيان، وانفصل ابن الزَّكي عنها. وفيه باشر الصَّدْرُ علاء الدين بن تاج الدين بن الأثير (٨) كتابة السرّ بمصر، وعزل عنها شرف الدين بن فضل الله إلى كتابة السرّ بدمشقَ، عوضًا عن أخيه محيي الدين، واستمر محيي الدين على كتابة الدست بمعلومه أيضًا. والله أعلم. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الرئيس بدر الدين: محمد بن رئيس الأطباء أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الأنصاري (٩) من سلالة سعد بن معاذ - السويدي، من سُوَيْداء حَوْران، سمع الحديث وبرع في الطبّ. توفي في ربيع الأول ببستانه بقرب الشِّبليّة (١٠)، ودفن في تربة له في قبة فيها عن سبعين (١١) سنة.

стр. 93

الشَّيخ شعبانُ بن أبي بكر بن عمر الأرْبلي (١): شيخ الحلبية بجامع بني أمية، كان صالحًا مباركًا فيه خيرٌ كثيرٌ، كان كثير العبادة وإيجاد الراحة للفقراء، وكانت جنازته حافلة جدًّا، صلّي عليه بالجامع بعد ظهر يوم السبت تاسع عشرين رجب ودفن بالصُّوفية، وله سبع وثمانون سنة، وروى شيئًا من الحديث وخرَّجْتُ له مشيخةً حضرها الأكابر ﵀. [وقبله بيوم واحدٍ توفي نائب الإسكندرية بَكْتُوت أمير شِكَار] (٢). الشيخ ناصر الدين (٣) يحيى بن إبراهيم (٤): بن محمد بن عبد العزيز العُثماني، خادم المُصحف العثماني نحوًا من ثلاثين سنة، وصُلِّي عليه بعد الجمعة سابع رمضان ودفن بالصوفية، وكان لنائب السلطنة الأفرم فيه اعتقاد، ووصله منه افتقاد، وبلغ خمسًا وستين سنة. الشيخ الصالح الجليل القدوة: أبو عبد الله محمد ابن الشيخ القدوة إبراهيم بن الشيخ عبد الله الأرموي (٥)، توفي في العشرين من رمضان بسفح قاسيون، وحضر الأمراء والقضاة والصدور جنازته وصلّي عليه بالجامع المظفّري (٦)، ثم دفن عند والده، وغلق يومئذ سوق الصالحية له، وكانت له وجاهة عند الناس وشفاعة مقبولة، وكان عنده فضيلة وفيه تودد، وجمع أجزاءً في أخبار جَدِّهِ (٧)، وسمع الحديث وقارب السبعين ﵀. ابن الوحيد الكاتب (٨): هو الصدر شرفُ الدّين أبو عبد الله محمد بن شريف بن يوسف الزُّرَعي المعروف بابن الوحيد، كان موقعًا بالقاهرة، وله معرفة بالإنشاء، وبلغ الغاية في الكتابة في زمانه، وانتفع الناس به،

стр. 94

وكان فاضلًا مقدامًا شجاعًا، توفي بالمَارِستان المنصوري بمصر يوم الثلاثاء (١) سادس عشرَ شعبان (٢). الأمير ناصر الدين (٣): محمد بن عماد الدين حسن بن النسابي (٤) أحد أمراء الطَّبْلَخَانات، وهو حاكم البندق، ولي ذلك بعد سيف الدِّين بَلَبَان. توفي في العشر (٥) الآخر من رمضان. التَّميمي الدَّاري (٦): توفي يوم عيد الفطر ودفن بالقرافة الصغرى، وقد ولّي الوزارة بمصر، وكان خبيرًا كافيًا، مات معزولًا، وقد سمع الحديث وسمع عليه بعض الطلبة. وفي ذي القعدة جاء الخبر إلى دمشق بوفاة الأمير الكبير أسَندَمِر (٧). وبَتْخَاص (٨) في السجن بقلعة الكَرَك. القاضي الإمام العلامة الحافظ: سعد الدين مسعود الحارثي (٩) الحنبلي الحاكم بمصر، سمع الحديث، وجمَع وخرّج وصنّف، وكانت له يدٌ طُولى في هذه الصناعة والأسانيد والمتون، وشرح قطعة من "سنن أبي داود" فأجاد وأفاد، وأحسن الانتقاد (١٠)، رحمه الله تعالى، والله أعلم (١١).

стр. 95

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 96

ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وسبعمئة استهلت والحكام هم المذكورون في التي قبلها. وفي خامس المُحرّم توجه الأميرُ عز الدين أَزْدَمِرِ الزَّرَدْكَاش وأميران معه إلى الأفرم، وساروا بأجمعهم حتى لحقوا بَقَراسُنقُر وهو عند مهنَّا، وكاتبوا السلطان ثمّ ساروا نحو التتر (١) وكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنَّار. وجاء البريد في صفر (٢) بالاحتياط على حواصل الأفرم وَقَراسُنقُر والزَّرَدْكَاش وجميع ما يتعلّق بهم، وقطع خبر مهنا، وجُعل مكانه في الإمرة أخوه فضل (٣)، وعادت العساكر صحبة أرغون من البلاد الشمالية، وقد حصل عند الناس من فَرَاسُنقُر وأصحابه هَمٌّ وغَمٌّ وحُزْنٌ.

стр. 97

وقدم سُودي من مصر على نيابة حلب، فاجتاز بدمشق فخرج الناس والجيش لتلقيه (١)، وحضر السماط، وقرئ مرسوم السلطان (٢) بطلب جمال الدين نائب دمشقَ إلى مصر، فركب من ساعته على البريد إلى مصر وتكلَّم في نيابته لغيبة قرالاجين (٣). وطلب في هذا اليوم قطب الدين موسى بن شيخ السّلامية ناظر الجيش إلى مصر، فركب في آخر النَّهار إليها فتولّى بها نظر الجيش عوضًا عن فخر الدين الكاتب كاتب المماليك بحكم عزله ومصادرته وأخذ أمواله الكثيرة منه في عاشر ربيع الأول. وفي الحادي عشر منه باشر الحكم للحنابلة بمصر القاضي تقي الدين أحمد بن العز (٤) عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسي، وهو ابن بنت الشيخ شمس الدين بن العماد (٥) أول قضاة الحنابلة. وقدم الأمير سيف الدين تَمُر (٦) على نيابة طرابلس عوضًا عن الأفرم بحكم هربه إلى التتر. وفي ربيع الآخر مُسك بيبرس العلائي نائب حمص وبيبرس المجنون وطُوْغَان وجماعةٌ آخرون من الأمراء سنَّةٌ في نهار واحد (٧)، وسُيِّرُوا إِلى الكَرَك معتقلين بها. وفيه مسك نائب مصر الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري (٨)، وولي بعده أَرْغُون الدوادار. ومسك نائب الشام وجمال الدين نائب الكَرَك، وشمس الدين سُنقُر الكمالي حاجب الحجاب بمصر، وخمسة أمراء آخرون (٩)، وحبسوا كلهم بقلعة الكرك، في برج هناك. وفيه وقع حريق داخل باب السَّلامة (١٠) احترق فيه دور كثيرة منها دار ابن أبي الفوارس، ودار الشريف القباني.

стр. 98

نيابةُ تَنْكِز على الشّام (١) في يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر دخل الأمير سيف الدين تنكز بن عبد الله الملكي (٢) الناصري نائبًا على دمشق بعد مسك نائب الكرك (٣) ومعه جماعة من مماليك السلطان منهم الحاج أَرُقْطَاي (٤) على خبز بيبرس العلائي، وخرجَ النَّاس لتلقيه وفرحوا به كثيرًا، ونزل بدار السعادة، ووقع عند قدومه مطر (٥) عظيم، وكان ذلك اليوم يوم الرابع والعشرين من آب، وحضر يوم الجمعة الخطبة بالمقصورة وأشعلت له الشُّموع في طريقه، وجاء توقيع لابن صَصْرَى بإعادة قضاء العسكر إليه، وأن يَنْظُر الأوقاف فلا يشاركه أحد في الاستنابة في البلاد الشامية على عادة من تقدمه من قضاة الشافعية. وجاء مرسوم لشمس الدين أبي طالب بن حُميد (٦) بنظر الجيش عوضًا عن ابن شيخ السلامية بحكم إقامته بمصر. ثم بعد أيام وصل الصدر معين الدين (٧) هبة الله بن حشيش (٨) ناظر الجيش وجعل ابن حميد بوظيفة ابن البدر، وسافر ابن البدر على نظر جيش طرابلس. وتولى أَرْغُون نيابة مصر (٩). وعاد فخر الدين كاتب المماليك إلى وظيفته مع استمرار قطب الدين ابن شيخ السلامية أيضًا مباشرًا معه. وفي هذا الشهر قام الشَّيخ محمد بن قَوَّام (١٠) وجماعةٌ من الصَّالحين على ابن نهرة (١١) المغربي الذي كان يتكلم بالكلاسة، وكتبوا عليه محضرًا يتضمَّن استهانته بالمُصحف، وأنه يتكلم في أهل العلم،

стр. 99

فأحضر إلى دار العدل فاستسلم وحقن دمه (١) وعُزّر تعزيرًا بليغًا عنيفًا وطيف به في البلد باطنه وظاهره، وهو مكشوف الرأس ووجهه مقلوب وظهره مضروب، يُنادى عليه: هذا خزي من يتكلم في العلم بغير معرفة، ثم حبس وأُطلق فهرب إلى القاهرة، ثم عاد على البريد في شعبان ورجع إلى ما كان عليه. وفيه قدم بهادرآص من نيابة صفد إلى دمشق وهنأه الناس. وفيه قدم كتاب من السلطان إلى دمشق يتضمَّنُ (٢) أن لا يولّى أحد بمال ولا برِشْوة، فإِنَّ ذلك يُفْضي إلى ولاية من لا يستحق الولاية، وإلى ولاية غير الأهل (٣)، فقرأه ابن الزَّمْلَكاني على السُّدَّة وبلغه عنه ابن صبيح (٤) المؤذن، [وكان سبب ذلك الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀] (٥). وفي رجب وشعبان حصل للنّاس خوفٌ بدمشق (٦) بسبب أن التتر قد تحرّكوا للمجيء إلى الشام (٧)، فانزعج النَّاسُ من ذلك وخافوا، وتحول كثير منهم إلى البلد، وازدحموا في الأبواب، وذلك في شهر رمضان، وكثرت الأراجيف بأنهم قد وصلوا إلى الرَّحْبَة (٨)، وكذلك جرى واشتهر بأن ذلك بإشارة فَرَاسُنقُر وذويه فالله أعلم. وفي رمضان جاء كتاب السلطان أنَّ من قتل لا يجني أحدٌ عليه، بل يتبع القاتل حتى يقتص منه بحكم الشرع الشريف، فقرأه ابن الزَّملكاني على السُّدَّة بحضرة نائب السلطنة (٩) تنكز. وفي أوّل رمضان وصل التتر إلى الرَّحبَة فحاصروها عِشرين يومًا، وقاتلهم نائبها الأمير بدر الدين موسى الأزدكشي (١٠) خمسة أيام قتالًا عظيمًا، ومنعهم منها، فأشار رشيد الدولة بأن ينزلوا إلى خدمة السلطان خَرْبَنْدا ويهدوا له هدية ويطلبوا منه العفو، فنزل القاضي نجم الدين إسحاق، وأدوا له خمسة رؤوس خيل، وعَشْرَةَ أَباليجَ سُكَّرٍ، فقبل ذلك ورجع إلى بلاده. وكانت بلاد حلب وحماة وحمص قد أُخْلُوْا منها وخرب أكثرها، ثم رجعوا إليها لما تحققوا رجوع التَّتر عن الرَّحبة، وطابت الأخبار وسكنت النفوس ودقت البشائر وتركت الأئمة القُنُوتَ، وخطب

стр. 100

الخطيب يوم العيد وذكر الناس بهذه النعمة. وكان سبب رجوع التتر قلةُ العلف وغلاء الأسعار وموت كثير (١) منهم، وأشار على سلطانهم بالرجوع الرَّشيدُ وجُوْبانُ (٢). وفي ثامن شوّال دقت البشائر بدمشقَ [بسبب خروج السلطان من مصر لأجل ملاقاة التتر] (٣)، وخرج الرَّكبُ في نصف شوَّال وأميرهم حسام الدين لاجين الصَّغير، الذي كان والي البر، وقدمت العساكر المصرية أرسالًا (٤)، وكان قدوم السلطان ودخوله دمشق يوم الثلاثاء (٥) ثالث عشرين شوال، واحتفل الناس لدخوله فنزل القلعة وقد زينت البلد ودقت (٦) البشائر، ثم انتقل بعد ليلتئذ (٧) إلى القصر وصلّى الجمعة بالجامع بالمقصورة وخَلع على الخطيب، وجلس في دار العدل الإثنين، وقدم وزيره أمينُ الملك يوم الثلاثاء عشرين الشهر. وقدم صحبة السُّلطان الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية إلى دمشق يوم الأربعاء مُسْتهلّ ذي القعدة، وكانت غيبته عنها سبع سنين كوامل، ومعه أخواه وجماعةٌ من أصحابه، وخرج خلق كثير لتلقيه وسرُّوا بقدومه وعافيته ورؤيته، واستبشروا به حتى خرج خلق من النساء أيضًا لرؤيته (٨)، وقد كان السلطان صحبه معه من مصر، فخرج معه بنيَّة الغَزَاة، فلما تحقق عدم الغزاة وأن التتر رجعوا إلى بلادهم (٩) فارق الجيش من غزّة وزار القدس وأقام به أيامًا، ثم سافر على عَجْلُون وبلاد السَّواد وَزَرع، ووصل إلى دمشق في أول يوم من ذي القعدة، فدخلها فوجد السلطان قد توجه إلى الحجاز الشريف في أربعين أميرًا من خواصه يوم الخميس ثاني ذي القعدة، ثم إنّ الشيخ بعد وصوله إلى دمشق واستقراره بها لم يزل ملازمًا لاشتغال النَّاس في سائر العلوم، ونشر العلم، وتصنيف الكتب، وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطوّلة والاجتهاد في الأحكام الشرعية، ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور في مذاهبهم. وله اختيارات كثيرة مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف (١٠)

стр. 101

فلما سافر السلطان إلى الحج فرق العساكر والجيوش بالشَّام وترك أَرْغُون بدمشق. وفي يوم الجمعة لبس الشيخ كمال الدين بن الزملكاني خلعة وكالة بيت المال (١) عوضًا عن ابن الشَّرَيْشي، وحضر بها الشُّبَّاك. وتكلَّم وزيرُ السُّلطان (٢) في البلد، وطلب من الناس (٣) أموالًا كثيرة وصادر وضرب بالمقارع، وأهان جماعة من الرُّؤساء منهم ابن فضل الله محيي الدين. وفيه عُيّن شهاب الدين بن جهبل (٤) لتدريس الصلاحية بالقدس، عوضًا عن نجم الدين داود الكردي توفي (٥)، وقد كان مدرسًا بها من نحو ثلاثين سنة، فسافر ابن جهبل إلى القدس بعد عيد الأضحى. وفيها مات ملك القفجاق المسمى طُقْطَاي (٦) خان، وكان له في الملك ثلاث وعشرون سنة، وكان عمره يوم مات (٧) ثلاثين سنة، وكان شهمًا شجاعًا على دين التتر في عبادة الأصنام والكواكب، يعظم المجسمة والحكماء والأطباء، ويكرِمُ المسلمين أكثر من جميع الطوائف، كان جيشه هائلًا لا يجسر أحد على قتاله لكثرة جيشه وقوتهم وعددهم وعُدَدهم، ويقال: إنَّه جرَّد مرةً تجريدة من كل عشرة من جيشه واحدًا فبلغت التجريدة مئتي ألف وخمسين ألفًا. توفي في رمضان منها وقام في المُلك من بعده ابن (٨) أخته أَزْبَك خان، وكان مسلمًا فأظهر دين الإسلام ببلاده، وقتل خلقًا من أمراء الكفرة وعلت الشَّريعة (٩) المحمدية على سائر الشرائع هناك. ولله الحمد والمنة على الإسلام والسنة. وممن توفي فيها من الأعيان: الملك المنصور صاحب ماردين (١٠): وهو نجم الدين أبو الفتح غازي بن الملك المظفر قرا

стр. 102

أَرسلان بن الملك السعيد نجم الدين غازي بن الملك المنصور ناصر الدين أُرْتُق بن غازي بن المنى بن تمرتاش بن غازي (١) بن أُرْتُق الأرتقي. أصحاب ماردين من عدة سنين، كان شيخًا حسنًا مهيبًا كامل الخلقة بدينًا سمينًا إذا ركب يكون خلفه محقة. خوفًا من أن يمسه لغوب فيركب فيها. توفي في تاسع ربيع الآخر ودفن بمدرسته تحت القلعة، وقد بلغ من العمر فوق السبعين، ومكث في الملك قريبًا من عشرين سنة، وقام من بعده في الملك ولده العادل فمكث سبعة عشر يومًا، ثم ملك أخوه المنصوري (٢). وفيها مات. الأمير سيف الدين قُطلُوبَك الشَّيخي (٣): كان من أمراء دمشق الكبار. الشيخ الصَّالح (٤): نور الدين أبو الحسن علي بن محمد بن هارون بن محمد بن هارون بن علي بن حميد (٥) التغلبي (٦) الدمشقي، قارئ الحديث بالقاهرة ومُسندها. روى عن ابن الزبير (٧) وابن اللتي (٨) وجعفر الهمداني وابن الشيرازي وخلق، وقد خرج له الإمام العلامة تقي الدين السبكي مشيخةً. وكان رجلًا صالحًا توفي بكرة الثلاثاء تاسع عشر ربيع الآخر، وكانت جنازته حافلة. الأمير الكبير الملك المُظَفَّر (٩): شهاب الدين غازي بن الملك الناصر داود بن المعظم. سمع الحديث (١٠)، وكان رجلًا متواضعًا توفي بمصر ثاني عشر رجب، ودفن بالقاهرة. قاضي القضاة (١١): شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن داود بن حازم (١٢) الأذرعي

стр. 103

الحنفي، كان فاضلًا درّس وأفتى، وولي قضاء الحنفية بدمشق سنةً، ثم عُزل واستمر على تدريس الشبلية، ثم سافر إلى مصر، فأقام بسعيد السُّعداء خمسة أيام، وتوفي يوم الأربعاء ثاني عشرين رجب فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وسبعمئة استهلت والحكام هم هم (١)، والسُّلطان في الحجاز لم يقدّم بعد، وقد قدم الأمير سيف الدين قجْلِيْسُ (٢) يوم السبت مستهل المحرّم من الحجاز وأخبر بسلامة السلطان، وأنه فارقه من المدينة النبوية، وأنه قد قارب البلاد، فدُقَّت البشائر فرحًا بسلامته. ثم جاء البريد فأخبر بدخوله إلى الكرك ثاني المحرم يوم الأحد، فلما كان يوم الثلاثاء حادي عشر المحرم دخل دمشق، وقد خرج الناس لتلقيه على العادة، وقد رأيته مرجعه من هذه الحجة على شفته ورقةٌ قد ألصقها عليها، فنزل بالقصر وصلّى الجمعة رابع عشر المحرَّم بمقصورة الخطابة بالأموي (٣)، وكذلك الجمعة التي تليها، ولعب في الميدان بالكرة يوم السبت النصف من المحرم، وولى نظر الدواوين للصاحب شمس الدين غبريال (٤) يوم الأحد سادسَ عَشَرَ (٥) المحرَّم، وشدّ الدواوين لفخر الدين إياس الأعسري (٦) عوضًا عن القرماني، وسافر القَرَماني إلى نيابة الرَّحْبَة، وخلع عليهما وعلى وزيره (٧)، وخلع على ابن صَصْرَى وعلى الفخر كاتب المماليك، وكان مع السلطان في الحج وولي شرف بن صصرى

стр. 104

حجابة الديوان (١) وباشر فخر الدين ابن شيخ السَّلامية نظر الجامع (٢)، وباشر بهاء الدين بن عليم نظر الأوقاف، والمنكورسي شد الأوقاف. وتوجه السلطان راجعًا إلى الديار المصرية بكرة الخميس السابع والعشرين من المحرم، وتقدمت الجيوش بين يديه ومعه (٣). وفي أواخر صفر اجتاز على البريد في الرسلية إلى مهنا الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وموسى بن مهنا، والأمير علاء الدين ألْطَنْبُغَا (٤) فاجتمعوا به في تَدْمُرَ، ثمَّ عاد أَلْطَنْبُغَا وابنُ الوكيل إلى القاهرة (٥). وفي أَوَاخر (٦) جمادى الآخرة مُسك أمينُ المُلْك وجماعةٌ من الكبار معه، وصودروا بأموال كثيرة، وأقيم عوضه بدر الدين بن التركماني الذي كان والي الخزانة. وفي رجب كَمُلَت (٧) أربعة مجانيق، واحد لقلعة دمشق وثلاثةٌ تحمل إلى الكَرَك، ورمي باثنين على باب الميدان وحضر نائب السلطنة تَنْكِرُ والعامة (٨). وفي شعبان تكامل حَفْرُ النّهر الذي عمله سودي نائب حلب بها، وكان طوله من نهر الساجور إلى نهر قويق أربعين ألف ذراع في عرض ذراعين وعمق ذراعين، وغرم عليه ثلاثمئة ألف درهم (٩)، وعُمِلَ بالعدل ولم يُظلم فيه أحد. وفي يوم السبت ثامن شوّال خرج الرَّكبُ من دمشق وأميره سيف الدين بَلَبَان (١٠) التّتري، وحجّ صاحب حماة (١١) في هذه السنة وخلق من الرُّوم والعُرْبان (١٢). وفي يوم السبت السادس والعشرين من ذي الحجة وصل القاضي قطب الدين موسى ابن شيخ السلامية من مصر على نظر الجيوش الشامية كما كان قبل ذلك، وراح معين الدين بن الحشيش إلى مصر في رمضان

стр. 105

صحبة الصاحب شمس الدين غبريال، وبعد وصول ناظر الجيوش بيومين وصلت البشائر (١) بمقتضى إزالة الإقطاعات الشامية (٢) بما رآه السلطان بعد نَظَره في ذلك (٣) أربعة أشهر. وممن توفي فيها من الأعيان: الشيخ الإمام المحدث (٤): فخر الدين أبو عثمان (٥) عمرو بن محمد بن عثمان بن أبي بكر بن محمد بن داود التّوزَري (٦) بمكة يوم الأحد حادي عشر (٧) ربيع الآخر، وقد سمع الكثير، وأجازه خلق يزيدون على ألف شيخ، وقرأ الكتب الكبار وغيرها، وقرأ"صحيح البخاري" أكثر من ثلاثين مرة ﵀. عز الدين محمد بن العدل (٨) شهاب الدين أحمد بن عمر بن إلياس الرهاوي، كان يباشر استيفاء الأوقاف وغير ذلك، وكان من أخصاء أمين المُلك، فلما مُسكَ بمصر أُرسل إلى هذا وهو معتقل بالعَذراويّة (٩) ليحضر على البريد، فمرض فمات بالمدرسة العذراوية ليلة الخميس التاسع عشر من جمادى الآخرة، وله من العمر خمس وثلاثون سنة. وكان قد سمع من ابن طبرزد (١٠)، والكندي، ودفن من الغد بباب الصغير، وترك من بعده ولدين ذكرين جمال الدين محمدًا، وعز الدين. الشَّيخُ الكبيرُ المقرئ (١١) شمس الدين المقصَّاتي (١٢): هو أبو بكر بن عمر بن السَّبع الجزري المعروف بالمقصاتي نائب الخطابة، وكان يُقرِئ النَّاس بالقراءات السَّبع (١٣) وغيرها من الشواذ، وله إلمام بالنحو، وفيه ورع واجتهاد.

стр. 106

توفي ليلة السبت حادي عشرين جمادى الآخرة، ودفن من الغد بسفح قاسيون تجاه الرباط الناصري (١)، وقد جاوز الثمانين ﵀ ثم دخلت سنة أربع عشرة وسبعمئة استهلت والحكام هم هم (٢) في التي قبلها إلا الوزير (٣) أمينُ المُلْك، فمكانه بدر الدين (٤) التركماني. وفي رابع المحرم عاد الصّاحب شمس الدين غبريال من مصر على نظر الدواوين وتلقاه أصحابه. وفي عاشر المحرم يوم الجمعة قُرئ كتاب السلطان على السُّدَّة بحضرة نائب السلطنة والقضاة والأمراء يتضمن بإطلاق البواقي من سنة ثمان وتسعين وستمئة إلى آخر سنة ثلاث عشرة وسبعمئة، فتضاعفت الأدعية للسلطان، وكان القارئ جمال الدين (٥) بن القلانسي ومبلّغه صدر الدين (٦) بن صَبِيح المؤذن، ثم قرئ في الجمعة الأخرى مرسوم آخر فيه الإفراج عن المسجونين وأن لا تؤخذ من كل واحد سوى نصف درهم، ومرسوم آخر فيه إطلاق السُّخَر في الغَضب وغيره عن الفلاحين، قرأه ابن الزَّملكاني وبلّغه عنه أمين الدين محمد بن مؤذن النَّجيبي. وفي المحرم استحضر السلطان إلى بين يديه الفقيه نور الدين علي البكري، وهم بقتله وشَفَع فيه الأمراء، فنفاه، ومنعه من الكلام في الفتوى والعلم، وكان قد هرب لمَّا طَلب من جهة الشيخ تقي الدين بن تيمية فهرب واختفى، وشَفَع فيه أيضًا، ثم لما ظَفِر به السلطان الآن وأراد قتله شَفَعَ فيه الأمراء، فنفاه ومنعه من الكلام والفتوى، وذلك لاجترائه وتسرُّعه على التكفير والقتل والجهل الحامل له على هذا وغيره (٧). وفي يوم الجمعة مستهلّ صفر قرأ ابن الزَّمْلكاني كتابًا سلطانيًا على السُّدَّة بحضرة نائب السلطان والقاضي، وفيه الأمر بإبطلاق القواسير وضمان النبيذ (٨) وغير ذلك، فدعا النَّاس للسلطان. وفي أواخر ربيع الأول اجتمع القضاة بالجامع للنظر في أمر الشهود، ونَهَوهم عن الجلوس في المساجد، وأن لا يكون أحد منهم في مركزين، وأن لا يتولَّوْا إثبات (٩) الكتب ولا يأخذوا أجرةً على أداء

стр. 107

الشهادة، وأن لا يغتابوا أحدًا وأن يتناصفوا في المعيشة، ثم جلسوا مرة ثانية لذلك وتواعدوا ثالثة فلم يتفق اجتماعهم، ولم يقطع أحد من مركزه. وفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين منه عُقد مجلس في دار ابن صَصْرَى لبدر الدين بن بصخان (١)، وأنكر عليه شيء من القراءات، فالتزم بترك الإقراء بالكلية، ثم استأذن بعد أيام في الإقراء فأذن له فجلس بين الظهر والعصر بالجامع وصارت له حلقة على العادة وفي منتصف رجب توفي نائب حلب الأمير سيف الدين سودي ودفن بتربته، وولّي مكانه علاء الدين الطِّنْبُنَا الصَّالحي الحاجب بمصر، قبل هذه النيابة (٢). وفي تاسع شعبانَ خُلع على الشريف شرف الدين بن عدنان بنقابة الأشراف بعد والده أمين الدين جعفر توفي في الشهر الماضي (٣). وفي خامس شوال دفن الملك شمس الدين ذُوباج (٤) بن مَلِكُشاه بن رستم صاحب كيلان بتربته المشهورة به بسفح قاسيون (٥)، وكان قد قصد الحجَّ في هذا العام، فلما كان بِقُبَاقِبَ (٦) أدركته منيَّتُه يوم السبت سادس عِشْري رمضانَ فحمل إلى دمشق، وصلّي عليه ودفن في هذه التربة، اشتريت له وتُمّمت وجاءت حسنة وهي مشهورة عند المكارية شرقي الجامع المظفري، وكان له في مملكة كيلان خمسةٌ وعشرون سنة، وعمر أربعًا وخمسين سنة، وأوصى أن يحج عنه جماعةٌ، ففعل ذلك وخرج الركب في ثالث شوال وأميره شمس (٧) الدين سنقر الإبراهيمي، وقاضيه محيي الدين قاضي الزبداني (٨). وفي يوم الخميس سابع ذي القعدة قدم القاضي بدر الدين بن الحداد من القاهرة متولّيًا حسبة دمشق، فخُلع عليه عوضًا عن فخر الدين سليمان البصراوي، عُزل فسافر سريعًا إلى البرية ليشتري خيلًا للسلطان

стр. 108

يقدمها رُشْوةً على المنصب المذكور (١)، فاتفق موتُه في البرية في سابع عشر الشهر المذكور، وحمل إلى بصرى فدفن بها عند أجداده في الثامن عشر من ذي القعدة (٢) وكان شابًا حسنًا كريم الأخلاق حسن الشكل. وفي أواخره مسك نائب صَفَد بَلَبَان طُرْنا (٣) المنصوري وسُجن وتولّى مكانه سيف الدين بلبان (٤) البدري. وفي سادس ذي الحجة تولى ولاية البر الأمير علاء الدين علي بن محمود بن معبد البعلبكي (٥) عوضًا عن شرف الدين عيسى بن البرطاسي (٦) وفي يوم عيد الأضحى وصل الأمير علاء الدين بن صُبح (٧) من مصر وقد أفرج عنه فسلّم عليه الأمراء. وفي هذا الشهر أُعيد أمين المُلْك إلى نظر النظّار بمصر وخلع على الصاحب بهاء الدين النسابي (٨) بنظر الخزانة عوضًا عن سعد الدين حسن بن الأقفهسي (٩). وفيه وردت البريدية بأمر السلطان للجيوش الشامية بالمسير إلى حلب وأن يكون مقدَّمَ العساكر كلها تَنْكِزُ نائبُ الشَّام، وقدم من مصر ستة آلاف مقاتل عليهم الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الأبو بكري (١٠)، وفيهم قجليس (١١) وبدر الدين الوزيري (١٢)، وقُلّى (١٣) وابن طُبْرس (١٤) وشَاطِي (١٥)، وابن سلار وغيرهم، فتقدموا إلى البلاد الحلبية بين يدي نائب الشّام تَنْكِز.

стр. 109

وممن توفي فيها من الأعيان: سَوْدِي نائبُ (١) حلب: في رجب ودفن بتربته، وهو الذي كان السبب في إجراء نهرٍ إليها (٢)، غرم عليه ثلاثمئة ألف درهم، وكان مشكور السيرة حميد الطَّريقة ﵀. وفي شَعْبَانَ توفي: الصّاحِبُ شَرَفُ الدِّين: يَعقُوبُ بنُ مُزْهِر (٣) وكان بارًّا بأهله وقرابته ﵀. والشَّيخ رشيد الدين (٤) أبو الفداء إسماعيل: ابن محمد القرشي (٥) الحنفي المعروف بابن المعلم، كان من أعلام الفقهاء والمفتين، ولديه علوم شتى وفوائد وفرائد، وعنده زهد وانقطاع عن الناس، وقد درس بالبَلْخيَّة (٦) مدة، ثم تركها لولده وصار إلى مصر فأقام بها، وعُرض عليه قضاء دمشق فلم يقبل، وقد جاوز السبعين من العمر. توفي سحر يوم الأربعاء خامس رجب ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى. وفي شوّال توفي: الشَّيخ سليمانُ التُركماني (٧): المولَّه الذي كان يجلس على مصطبته بالعُلَبيِّينَ، وكان قبل ذلك مقيمًا بطَهارة باب البريد، وكان لا يتحاشى من النَّجاسات ولا يتقيها، ولا يصلي الصلوات ولا يأتيها، وكان بعضُ النَّاس من الهَمَج له فيه عقيدة (٨)، قاعدة الهمج الرعاع الذين هم أتباع كل ناعق من المُوَلَّهين والمجانين، ويزعمون أنه يكاشف، وأنه رجلٌ صالح، ودفن بباب الصغير في يوم كثير الثلج. وفي يوم عرفة توفيت:

стр. 110

الشَّيخة الصالحة العابدة الناسكة (١): أُمُّ زينب فاطمة بنت عَبَّاس (٢) بن أبي الفتح بن محمد البغدادية بظاهر القاهرة، وشهدها خلق كثير، وكانت من العالمات الفاضلات، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم على الأحمدية في مؤاخاتهم النساء والمردان والمردان، وتنكر أحوالهم وأُصول أهل البدع وغيرهم (٣)، وتفعل من ذلك ما لا تقدر عليه الرجال، وقد كانت تحضر مجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستفادت منه ذلك وغيره، وقد سمعتُ الشيخ تقي الدين يثني عليها ويصفها بالفضيلة والعلم، ويذكر عنها أنها كانت تستحضر كثيرًا من (المُغْني) أو أكثره، وأنه كان يستعد لها من كثرة مسائلها وحسن سؤالاتها وسرعة فهمها، وهي التي ختمت نساءً كثيرًا القرآن، منهُنَّ أم زوجتي عائشة بنتُ صديق، زوجة الشيخ جمال الدين المِزي، وهي التي أقرأت ابنتها زوجتي أَمَةَ الرَّحيم زَيْنب، رحمهنَّ الله وأكرمهن برحمته وجنته آمين. ثم دخلت سنة خمس عشرة وسبعمئة استهلت والحكام في البلاد هم المذكورون في التي قبلها (٤). فتْحُ مَلَطْيَة (٥) في يوم الإثنين (٦) مستهل المُحَرّم خرج سيف الدين تنكز بالجيوش قاصدًا مَلَطْيَةَ، وخرجت الأطلاب (٧) على راياتها، وأبرزوا ما عندهم من العُدَد وآلات الحرب، وكان يومًا مشهودًا، وخرج مع الجيش ابن صَصْرَى، لأنّه قاضي العساكر وقاضي قضاة الشامية، فساروا حتى دخلوا حَلَبَ فِي الحَادِي عَشَرَ من الشهر، ومنها وَصَلوا (٨) في السادس عشر إلى بلاد الروم إلى مَلَطْيَةَ، فشرعوا في محاصرتها في الحادي والعشرين من المُحَرَّم، وقد حُصِّنَت ومُنِعَتْ وغُلِّقَتْ أبوابها، فلما رأوا كثرة الجيش نزلَ متولّيها
следующие страницы →