← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30099

تغير الأجل وأثره في الديون

مرضي العنزي

Полный текст (205 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أصل هذا الكتاب رسالة ماجستير تخصص فقه مقارن تقدم بها الباحث إلى قسم الفقه في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة القصيم، وأُجيزت بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى في ٢٥/ ٢/ ١٤٣٢ هـ.

стр. 2

مقدمة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن الإنسان في هذه الحياة يحتاج إلى غيره، كما يحتاج غيرُه إليه، وهذا أمر طبيعي في جميع الحاجيات، وخاصة حاجته إلى غيره في التعاملات المالية، وقد يترتب على تعامله مع غيره أن يكون إما دائناً وإما مديناً، والدَيّن إما حال وإما مؤجل، وقد تعرض بعض الأسباب على الدين المؤجل فتغيّر أجله إما تقديمًا وإما تأخيرًا، وقد يُحدث هذا التغيّر أثرًا في الدين؛ لذا أحببت البحث في "تغيّر الأجل وأثره في الديون" لما له من أهمية للمؤسسات المالية، والبنوك، والأفراد، والله ولي التوفيق. أهمية الموضوع: تبدو أهمية البحث في موضوع "تغيّر الأجل وأثره في الديون" عندما ننظر إلى حاجة المؤسسات المالية، والبنوك، والأفراد إلى معرفة الأحكام التي تترتب على تغيّر الأجل في الديون، والتي يؤدي الإخلال بمعرفتها إلى الوقوع بمحرمات من أخطرها ربا الجاهلية.

стр. 3

أسباب اختيار الموضوع: من أهم الأسباب الداعية لاختيار هذه الدراسة: ١ - الحاجة الماسة للمؤسسات المالية، والبنوك، والأفراد إلى معرفة الأحكام المتعلقة بمسائل البحث. ٢ - خطورة الإخلال في هذه المسائل؛ لما يترتب عليه من الوقوع في الربا المحرم. ٣ - ظهور مسائل جديدة مرتبطة بتغير الأجل في الديون توجب بحثها بحثاً دقيقاً؛ لأهميتها القصوى. ٤ - رغبتي الشديدة في معرفة أحكام هذه المسائل، والإسهام حسب القدرة والجهد في تزويد المكتبة الفقهية برسالة علمية متواضعة في هذا الموضوع. ٥ - عدم وجود رسالة أكاديمية تشتمل على جميع هذه المسائل حسب اطلاعي. الدراسات السابقة: لم أجد -حسب اطلاعي- من أفرد مسائل "تغيّر الأجل وأثره في الديون" برسالة أكاديمية مستقلة، وقد بذلت جهداً غير قليل لمعرفة ذلك، حيث تضمن جهد بحثي عن هذا الموضوع عدة جهات علمية متخصصة، منها: مركز الملك فيصل، ومكتبة الملك فهد الوطنية، والمعهد العالي للقضاء فلم أظفر بشيء من ذلك، غير أن هناك بحثاً قد مسّ الموضوع في بعض جوانبه وهو بحث بعنوان "الزمن في الديون" للباحث الدكتور/ سعد بن تركي الخثلان، والبحث يتكون من اثنتين وخمسين صفحة، ويشتمل على خمسة مباحث وخاتمة، وهي: المبحث الأول: الزيادة المرتبطة بالزمن في الدين والفرق بينها وبين الزيادة في البيع المؤجل.

стр. 4

المبحث الثاني: التعويض عن ضرر المماطلة. المبحث الثالث: المصالحة عن الدين المؤجل ببعضه حالاً. المبحث الرابع: اشتراط حلول بقية الأقساط عند التأخر في أدائها. المبحث الخامس: أثر وفاة المدين على حلول الدين. والبحث عبارة عن بحث ترقية لم يتوسع فيه الباحث، وقد ذكر أنه لم يستقص جميع جوانب البحث ولكنْ أبرزَ أهم جوانبه، لعله يكون نواة لبحوث ورسائل علمية، حيث قال: "فموضوع هذا البحث كبير ومهم جداً، ولا أزعم أنني قد استقصيتُ جميع جوانبه لكن حسبي أني أبرزت أهم جوانبه، ولعل ما كتبت يكون نواة لبحوث ورسائل علمية خاصة أن بعض مباحثه تصلح لأن تكون وحدها عنواناً لرسالة علمية" (١). وقد كان؛ فهذا البحث هو النواة لهذه الرسالة فقد أخذت جميع مباحث هذا البحث وأضفت عليها العديد من المسائل التي لم يتطرق لها الباحث مع التوسع في ذكر الأقوال والأدلة والمناقشة، والله الموفق. منهج البحث: سرت في هذا البحث وفق منهج علمي دقيق، يتمثل في الآتي: ١ - قسّمت موضوعات البحث إلى فصول، تكوّن كل فصل من عدة مباحث، واشتمل كل مبحث على عدة مطالب، ويشتمل المطلب أحياناً على عدة مسائل. ٢ - رجعت في جمع المادة العلمية إلى أمهات المراجع في التفسير،

стр. 5

والحديث، والأصول، والقواعد الفقهية، والفقه، واللغة، وإلى الأبحاث والمقالات في المجلات المتخصصة، وقرارات المجامع الفقهية، وغيرها من المراجع مما هو موجود في قائمة مراجع الرسالة. ٣ - اقتصرت في البحث على المذاهب الفقهية الأربعة المعتبرة، مع المذهب الظاهري إلا إذا لم أجد لهم قولاً في المسألة. ٤ - إذا كانت المسألة من المسائل المجمع عليها أذكر حكمها بدليلها، ثم أردف بذكر بعض قرارات المجامع والهيئات الفقهية إن وجِد مع توثيق ذلك من مظانه المعتبرة. ٥ - إذا كانت المسألة من مسائل الخلاف أذكر الأقوال الواردة في المسألة مع قائليها، وبعد كل قول أذكر من قال به، ثم أوثّق الأقوال من كتب المذهب نفسه، مع ذكر قرارات المجامع والهيئات الفقهية في الحاشية عند كتب القول الذي أيده القرار. ٦ - بعد ذلك أنتقل إلى إيراد الأدلة النقلية والعقلية لكل قول، ووجه الدلالة من كل دليل، مبتدئاً بأدلة القول الأول، ثم الثاني، وهكذا، كما أذكر ما يرد عليها من مناقشات، وما يجاب على المناقشة، فإن كانت المناقشة، أو الإجابة مني قلت: يناقش، و يجاب، وإن كانت من غيري قلت: نوقش، وأجيب. ٧ - بعد عرض الأدلة والمناقشة والإجابات عليها، أبين القول الراجح حسب ما ظهر لي، مع ذكر سبب الترجيح. ٨ - أقوم بعزو الآيات في الهامش إلى مواضعها من القرآن الكريم بذكر اسم السورة، ورقم الآية. ٩ - أقوم بتخريج الأحاديث والآثار التي أوردها، فإن كانت في الصحيحين

стр. 6

أو أحدهما أكتفي بذكر المصدر الذي ورد فيه الحديث، مع ذكر اسم الكتاب، والباب، ثم رقم الحديث. ١٠ - إذا لم تكن الأحاديث أو الآثار التي أوردها في الصحيحين فإني أخرجها من مصادرها الأصلية، مع ذكر اسم الكتاب، والباب، ثم رقم الحديث إن وجد، ثم أكتب النتيجة التي توصلت لها في درجة هذا الحديث أو الأثر دون توسع مؤيدًا هذه النتيجة بكلام أئمة الحديث. ١١ - أحرص على توثيق المعاني من معاجم اللغة المعتمدة، وتكون الإحالة عليها بالجزء، والصفحة، والفصل، والباب، والمادة. ١٢ - أبيّن في الحاشية معاني الألفاظ الغريبة الواردة في متن الرسالة، ومراجع هذه المعاني التي اعتمدت عليها. ١٣ - حرصت قدر الإمكان على العناية بقواعد اللغة العربية، والإملاء، وعلامات الترقيم، ومنها علامات التنصيص للآيات الكريمة، وللأحاديث الشريفة، وللآثار، ولأقوال العلماء، وتمييز العلامات أو الأقواس، فيكون لكل منها علامته الخاصة. ١٤ - وزيادة في التوثيق قمت بالتنصيص بين قوسين مضاعفين " " لكل نص أنقله من مرجعه، وأجعل رقماً على آخر النص، وأهمش عليه بذكر اسم الكتاب، ورقم الجزء، والصفحة، وإذا تصرفت في النقل، أو ذكرته بالمعنى فإني لا أضع قوسين، وأجعل رقماً على آخر الكلام، وأهمش عليه بقولي: انظر، ثم اذكر اسم الكتاب، والجزء، والصفحة. ١٥ - ترجمت للأعلام بالقدر الذي يُعرِّف بهم ماعدا الصحابة، والأئمة الأربعة؛ لغناهم عن التعريف، وما عدا المعاصرين؛ جريًا على العادة.

стр. 7

١٦ - ختمت الرسالة بخاتمة لخصت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها. ١٧ - ذيّلت الرسالة بالفهارس الفنية المتعارف عليها. خطة البحث: تتكون خطة البحث من: مقدمة، وتمهيد، وتسعة فصول، وخاتمة، وفهارس، وهي كالتالي: المقدمة: وفيها بيان أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، والدراسات السابقة، ومنهج البحث، وخطة البحث. التمهيد: وفيه تعريف بمصطلحات البحث، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الأجل. المطلب الثاني: تعريف الدين. الفصل الأول: في تغير الأجل بسبب الفلس، وفيه مبحثان، هما: المبحث الأول: حلول الأجل بسبب الحجر للإفلاس. المبحث الثاني: تأخير الأجل على المدين المفلس مقابل زيادة الدين. الفصل الثاني: في تغير الأجل بسبب المماطلة، وفيه مبحثان، هما: المبحث الأول: حكم المماطلة. المبحث الثاني: في عقوبة المماطل المالية. الفصل الثالث: في تغير الأجل بسبب رغبة المدين في تمديد الأجل (جدولة الدين).

стр. 8

الفصل الرابع: في تغير الأجل بسبب الإخلال في تسليم المستصنع في محله، وفيه مبحثان، هما: المبحث الأول: حكم الاستصناع. المبحث الثاني: حكم الشرط الجزائي لتغير الأجل بسبب التأخير في تسليم المستصنع. الفصل الخامس: في تغير الأجل بسبب انقطاع المسلم فيه، وفيه ثلاثة مباحث، هي: المبحث الأول: حكم السلم. المبحث الثاني: حكم السلم المقسط. المبحث الثالث: حكم تمديد الأجل بسبب انقطاع المسلم فيه. الفصل السادس: في تغير الأجل بالمصالحة على الوضع مقابل التعجيل (ضع وتعجل) وفيه أربعة مباحث، هي: المبحث الأول: حكم إسقاط بعض الدين الحال دون شرط. المبحث الثاني: حكم إسقاط بعض الدين الحال بالشرط. المبحث الثالث: حكم إسقاط بعض الدين المؤجل وتعجيله، دون شرط. المبحث الرابع: حكم إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل. الفصل السابع: في تغير الأجل بإسقاط الأقساط الأخيرة، وفيه ثلاثة مباحث، هي: المبحث الأول: حكم بيع الأقساط.

стр. 9

المبحث الثاني: حكم إسقاط الأقساط الأخيرة مقابل انتظام المدين بالتسديد دون شرط. المبحث الثالث: حكم إسقاط الأقساط الأخيرة بشرط انتظام المدين بالتسديد. الفصل الثامن: في تغير الأجل باشتراط حلول بقية الأقساط عند التأخر في أداء بعضها، وفيه مبحثان، هما: المبحث الأول: حكم اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر معسراً عاجزاً. المبحث الثاني: حكم اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر موسراً ملياً. الفصل التاسع: في تغير الأجل بسبب الوفاة قبل حلول الدين، وفيه مبحثان، هما: المبحث الأول: تغير الأجل بسبب وفاة الدائن وأثرها في حلول الدين. المبحث الثاني: تغير الأجل بسبب وفاة المدين وأثرها في حلول الدين. الخاتمة: وفيها أهم النتائج. ثم الفهارس المتعارف عليها. وبعد، فإني أحمد الله على آلائه، ونعمائه، وفضائله، التي تترى، والتي لا يحصيها العد، ومنها أن يسر لي سبيل العلم الشرعي، أسأل الله أن يهديني فيه سواء السبيل، وأن يبارك لي فيه. ثم أشكر والديَّ على ما قدماه لي من دعم مادي ومعنوي خلال دراستي كلها، أسأل الله أن يرضى عنهما ويرضيهما.

стр. 10

كما أشكر زوجي أم أنس على وقوفها جانبي فترة كتابة هذه الرسالة وتشجيعها المستمر، أعانها الله على مرضاته. ثم أتقدم بالشكر الجزيل لفضيلة الدكتور/ عبد الله بن حمد السكاكر، فقد تعرفت عليه في سني الدراسة الجامعية، فكان ذا خلق عال، وتواضع جم، وكان نعم الموجه، والمربي، وقد كنت أتصل به كثيرًا أثناء إعداد هذه الرسالة وأستشيره فيما يواجهني من صعوبات، فأجد رحابة الصدر، وحسن الاستقبال، وبذل ما عنده من وقت وعلم (١)، فأفدت من توجيهاته القيمة، وملاحظاته السديدة، فالله أسأل أن ينفع به المسلمين، وأن يبارك في عمره، ووقته، وولده، وماله، إن ربي سميع الدعاء. كما أشكر كل من قدم لي معروفاً من توجيه، أو نصح، أو رأي، أو دعوة في ظهر الغيب، أو غير ذلك، فجزاهم الله خيراً. وفي الختام فقد بذلت جهدي، وهو جهد المقل، "ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه" (٢). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه: د. مرضي بن مشوح العنزي إيميل/ Murdi ١٠٠@hotmail.com جوال/ ٠٠٩٦٦٥٠٣٣٨٠٣٣٢

стр. 11

التمهيد وفيه مطلبان، هما: المطلب الأول: تعريف الأجل. المطلب الثاني: تعريف الدين.

стр. 12

المطلب الأول: تعريف الأجل تعريف الأجل في اللغة: الأجل في اللغة مدة الشيء، وغايته، ووقته الذي يحل فيه (١)، قال ابن منظور (٢): "الأجل غاية الوقت في الموت وحلول الدين ونحوه والأجل مدة الشيء" (٣). وتعريف الأجل في الاصطلاح لا يخرج عن التعريف اللغوي؛ لذا لم يصطلح الفقهاء المتقدمون على تعريف له اكتفاءً بمعناه اللغوي، وقد عرفه أحد الباحثين بأنه "مدة مستقبلية محققة الوقوع، يضاف تنفيذ أمر ما إلى انقضائها، أو يتوقف التنفيذ بمداها" (٤)، وعند التأمل في هذا التعريف نجد أنه لا يخرج عن التعريف اللغوي.

стр. 13

المطلب الثاني: تعريف الدَين الدَين في اللغة: يطلق على الذل والانقياد (١)، قال ابن فارس (٢): "الدال والياء والنون أصل واحد إليه يرجع فروعه كلها، وهو جنس من الانقياد والذل … ومن هذا الباب الدين يقال: داينت فلاناً إذا عاملته ديناً إما أخذاً أو إعطاء" (٣)، ويطلق الدين في اللغة: على كل ما ليس حاضراً (٤)، قال ابن منظور: "والدين: واحد الديون معروف. وكل شيء غير حاضر دين والجمع أدين مثل أعين و ديون" (٥).

стр. 14

والدَين في الاصطلاح: يطلق على معنى عام، ومعنى خاص؛ فالمعنى العام: هو كل حق واجب الأداء متعلق بالذمة، سواء كان لله، أو للآدميين، وسواء كانت حقوقاً مالية أو غير مالية (١). والمعنى الخاص: وهو المال الثابت في الذمة (٢).

стр. 15

الفصل الأول في تغير الأجل بسبب الفلس وفيه مبحثان، هما: المبحث الأول: حلول الأجل بسبب الحجر للإفلاس. المبحث الثاني: تأخير الأجل على المدين المفلس مقابل زيادة الدين.

стр. 16

المبحث الأول: حلول الأجل بسبب الحجر للإفلاس الفَلَس في اللغة يطلق على الخلو من الشيء والتجرد منه، والمفلس هو الرجل الذي لم يبقَ له مال (١)، قال ابن منظور: "أفلس الرجل إذا لم يبقَ له مال يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها ليس معه فِلْس" (٢). والمفلس في الاصطلاح لا يخرج عن التعريف الذي ذكره ابن منظور، وقد عرفه ابن قدامة (٣) بأنه: "الذي لا مال له ولا ما يدفع به حاجته" (٤). وقد اختلف الفقهاء في حكم حلول الأجل بسبب الحجر للإفلاس على قولين: القول الأول: أن الأجل لا يحل بسبب الحجر للإفلاس.

стр. 17

وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول عند المالكية (٤). القول الثاني: أن الأجل يحل بسبب الحجر للإفلاس. وهو مذهب المالكية (٥)، وقول عند الشافعية (٦)، ورواية عند الحنابلة (٧). أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن الحجر على المدين المفلس لا يوجب الذي له من دين على غيره، فكذلك لا يوجب حلول ما عليه (٨). الدليل الثاني: أن الحجر على المفلس إنما كان بالديون الحالة دون الديون المؤجلة؛ لأنه لو كانت ديونه مؤجلة لم يجز الحجر عليه بها، والمفلس إنما يجب صرف ماله فيمن كان الحجر عليه من أجله (٩).

стр. 18

الدليل الثالث: أن الأجل حق للمفلس، يمكنه من تحصيل الدين بالاكتساب أو غيره فلا يسقط بإفلاسه كسائر حقوقه (١). الدليل الرابع: أنه دين مؤجل على حي، فلا يحل قبل أجله، كغير المفلس (٢). الدليل الخامس: أن العلماء أجمعوا على أن ما كان من دين للمفلس إلى أجل، فإنه لأجله، قال ابن المنذر (٣): "وأجمعوا أن ما كان من دين للمفلس إلى أجل، أن ذلك إلى أجله، لا يحل بإفلاسه" (٤). يناقش: بعدم ثبوت هذا الإجماع؛ لوجود الخلاف فيه. دليل القول الثاني: القياس على الميت، بجامع خراب الذمة في كليهما، فكما أن ذمة الميت خربت بموته؛ كذلك ذمة المفلس خربت بإفلاسه؛ لأنه يمنع من التصرف في ماله، فإذا خربت ذمته وجب حلول ديونه المؤجلة (٥). نوقش: بأنه لا يسلَّم سقوط الأجل بالموت، ولو سلّمنا بحلول الأجل بالموت، فإن قياس المفلس على الميت قياس مع الفارق، فذمة المفلس باقية لم تخرب وهي صالحة للتكسب، والتملك، بخلاف الميت (٦).

стр. 19

الترجيح: يظهر لي والله أعلم أن الراجح هو القول الأول، القائل بأن الأجل لا يسقط بسبب الحجر للإفلاس؛ وذلك لقوة أدلته، مقابل ضعف دليل القول الثاني، ولأن الفلس سبب لتأجيل الديون الحالة، فكيف تحل به الديون المؤجلة؟!

стр. 20

المبحث الثاني: تأخير الأجل على المدين المفلس مقابل زيادة الدين (١). اجمع العلماء على أنه لا يجوز تأخير الأجل على المدين المفلس مقابل زيادة الدين، وأن هذا هو الربا الذي كان يتعامل به أهل الجاهلية (٢)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية: الدليل الأول: الآيات الكثيرة الدالة على تحريم الربا ومنها: قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٢٧٥ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٣) وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤)

стр. 21

وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). وجه الدلالة من الآيات: أن الآيات نصت على تحريم الربا، وأن الله توعد من فعله بعد علمه بالتحريم بعذاب النار، وأن آكل الربا مخالف لأمر الله، محارب لله ورسوله ﷺ ، وزيادة الدين على المدين المفلس مقابل التأخير في الأجل هو الربا كما كان يقول أهل الجاهلية للمدين إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده الآخر في القدر (٢). الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣) وجه الدلالة من الآية: أن الله بيّن أن الدائن لا يستحق على مدينه إلا رأس ماله، وأن أخذ الزيادة في الدين على المدين المفلس مقابل تأخير الأجل ظلمٌ للمدين، وكما أن المدين يجب عليه أن يؤدي ما أخذ كاملًا، وأن نقْصَه من رأس المال يُعد ظلمًا، فكذلك أخذ الزيادة عليه يُعد ظلمًا له (٤). الدليل الثالث: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥) وجه الدلالة من الآية: أن الله أمر إذا حل أجل الدين ولم يكن عند المدين المعسر ما يؤدي أنه يُنظر إلى الميسرة (٦)، وأمرُ الله يجب امتثاله، فالمدين المفلس يجب إنظاره، ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها (٧).

стр. 22

الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» (١). وجه الدلالة من الحديث: أن الحديث دلَّ على تحريم الربا ووجوب الابتعاد عنه؛ لأنه من الموبقات التي عدها رسول الله ﷺ ، وإلزام المدين المفلس بدفع زيادة مقابل التأخير في الأجل أخذ للربا المحرم. الدليل الخامس: عن جابر ﵁ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ» (٢). وجه الدلالة من الحديث: أن رسول الله ﷺ لعنَ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وهذا يدل على تحريم أكل الربا والمعاونة عليه؛ لأن اللعن لا يكون إلا على شيء محرم، ومن ألزم المدين المفلس بدفع زيادة مقابل التأخير في السداد يكون داخلاً في اللعن الوارد على لسان الرسول الله ﷺ . الدليل السادس: عن جابر ﵁ في قصة حجة الوداع أن النبي ﷺ قال: «وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ» (٣). وجه الدلالة من الحديث: أن في وضع النبي ﷺ لربا الجاهلية دلالة على تحريمه ومنعه، ولو لم يكن حرامًا لما وضعه ولما حرَم عمَّه منه، وأخذ زيادة

стр. 23

على المدين المفلس مقابل تأخير الأجل محرم؛ لأنه من ربا الجاهلية الذي وضعه النبي ﷺ . الدليل السابع: أن العلماء أجمعوا على تحريم الربا، ومن الربا أخذ الزيادة على المدين المفلس مقابل تأخير الأجل، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن المسلف إذا شرط عُشر السلف هدية، أو زيادة فأسلف على ذلك، أن أخذه الزيادة ربا" (١)، وقال ابن تيمية (٢): "أصل الربا في الجاهلية: أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل فإذا حل الأجل قال له: أتقضي؟ أم تربي؟ فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال فيتضاعف المال، والأصل واحد، وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين. " (٣). ومما تقدم يتبين أن أخذ الزيادة على المدين المفلس مقابل تأخير الأجل محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع. وقد صدر بذلك عدد من القرارات من المجامع، والهيئات العلمية، منها: ١ - أنه جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي رقم (٥٣/ ٢/ ٦)، بشأن بيع التقسيط: "إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق، أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربا محرم" (٤).

стр. 24

٢ - وجاء في قراره أيضاً رقم (٣/ ١٢) بشأن الشرط الجزائي: "رابعاً: يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها ديناً، فإن هذا من الربا الصريح" (١). ٣ - وجاء في معيار المدين المماطل المقر من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما يلي: "لا يجوز اشتراط التعويض المالي نقدًا، أو عينًا، وهو ما يسمى بالشرط الجزائي على المدين إذا تأخر عن سداد الدين، سواء نُصَ على مقدار التعويض أم لم يُنص، وسواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة) أم عن تغير قيمة العملة" (٢). ٤ - وجاء في قرار المجمع الفقهي، التابع لرابطة العالم الإسلامي: "إن الدائن إذا شرط على المدين، أو فرض عليه، أن يدفع له مبلغاً من المال غرامة مالية جزائية محددة، أو نسبة معينة إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط، أو فرض باطل، ولا يجب الوفاء به، بل ولا يحل، سواء كان الشارط هو المصرف، أو غيره؛ لأن هذا بعينه، هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه" (٣).

стр. 25

الفصل الثاني في تغير الأجل بسبب المماطلة وفيه مبحثان، هما: المبحث الأول: حكم المماطلة. المبحث الثاني: في عقوبة المماطل المالية.

стр. 26

المبحث الأول: حكم المماطلة تعريف المماطلة لغة: تطلق المماطلة في اللغة على مدّ الشيء وإطالته (١)، قال ابن فارس: "الميم والطاء واللام أصل صحيح يدل على مد للشيء وإطالته، ومطلت الحديدة أمطلها مطلًا مددتها" (٢)، وقال ابن منظور: "والمطلُ في الحق والدين مأخوذ منه وهو تطويل العدة التي يضربها الغريم للطالب" (٣). والمماطلة اصطلاحاً: هي تأخير ما استحق أداؤه بغيرِ عذرٍ من قادرٍ على الأداء (٤)، ومن هذه التعريف يتبين أن العاجز عن الأداء لا يُعد مماطلًا؛ لأنه معذور، قال ابن حجر (٥): "يحرُم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد

стр. 27

استحقاقه بخلاف العاجز" (١)، والمطلُ ليس خاصًا بالدَين، بل كل من تأخر عن أداء ما لزمه من حق بغير عذر، قال ابن الملقن (٢): "يدخل في مطل الغني كل من عليه حق وهو قادر على القيام به، كالزوجين فيما يتعلق بكل منهما من الحق الذي عليه، وكذا الأصول، والفروع، والسادة، والمماليك، والحاكم، والناظر، وغير ذلك" (٣). وقد أجمع العلماء على أن المماطلة حرام (٤)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٥) وجه الدلالة من الآية: أن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، والديون من الأمانات التي أمر الله بأدائها، والمماطلة في أدائها مخالفة لأمر الله تعالى. الدليل الثاني: عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٦).

стр. 28

وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نصَّ على أن المماطلة ظلم، والظلم محرم؛ قال ﷺ فِيمَا يرويه عَنِ اللهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (١)، وقد أتى الوعيد الشديد للظالمين (٢)؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (٣). الدليل الثالث: عن الشريد بن سويد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (٤). وجه الدلالة من الحديث: أن الحديث دلَّ على حِلّ عِرض المماطل الغني القادر على الوفاء، وعقوبته، وهما محرمان لا يحلان إلا بارتكاب محرم أكبر منهما، وهو هنا المطل (٥). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (٦).

стр. 29

وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ توعد من أخذ أموال الناس يريد المماطلة بها، وعدم أدائها، بأن يتلفه الله (١)، وهذا دليل على ارتكابه لفعل محرم. الدليل الخامس: أن العلماء أجمعوا على أن المماطلة من المحرمات، قال ابن حزم (٢): "وأجمعوا على أن كل من لزمه حق في ماله، أو في ذمته لأحد، ففرض عليه أداء الحق لمن هو له عليه إذا أمكنه ذلك" (٣)، وقال: "فإن كان الطالب محقاً، فحرام على المطلوب بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام أن يمنعه حقه، أو يمطله، وهو قادر على إنصافه " (٤). والمماطلة من كبائر الذنوب، والأدلة على ذلك: الدليل الأول: عن الشريد بن سويد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (٥). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أحلَّ غيبة المدين المماطل،

стр. 30

وعقوبته، وغيبة المسلم، وعقوبتة لا تستحلان إلا لفعل كبيرة، وهي هنا المطل في الدَين. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (١). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ توعد من لم يؤدِ أموال الناس بأن يتلفه الله، وهذا الوعيد لا يكون إلا لفعل كبيرة من الكبائر. الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبى ﷺ قال: «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، إِلَّا الدَّيْنَ» (٢). الدليل الرابع: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟»، قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، قَالَ: أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ" (٣). وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ لا يدع الصلاة على ميت مسلم إلا لارتكابه ذنبًا كبيرًا، وفي عدم مغفرة الدين للشهيد دلالة على عظم هذا الذنب، ولا يُحمل الحديثان على عموم الدين؛ لأن الدَين جائز، وقد يتأخر المدين في الأداء لكونه معسرًا، وهو معذور، فلا يدع النبي ﷺ الصلاة على من فعل أمرًا جائزًا، أو تأخر في الأداء لعذر، ومن فعل ذلك لم يرتكب ذنبًا كي لا يغفر له وإن مات شهيدًا؛ فدل على أن المراد بالحديثين المدين الغني المماطل؛ لأنه

стр. 31

ظالم ولولا أن المماطلة من الكبائر لما ترك النبي ﷺ الصلاةَ عليه، ولما غُفِر للشهيد كل شيء إلا المماطلة بالدين. الدليل الخامس: قياس المماطلة على الغصب؛ بجامع أن كلًا منهما أخذ للحق من صاحبه، ومنعه إياه، والغصب كبيرة من الكبائر (١). فهذه الأدلة وغيرها تدل على أن المماطل مرتكب لكبيرة المطل، ومرتكب الكبيرة فاسق، فينتج عنه أن المماطل فاسق (٢)، وقد اتفق الفقهاء على إسقاط عدالة الفاسق ورد شهادته (٣)، فيكون المماطل مسقط العدالة مردود الشهادة (٤)، حتى يوفي ما عليه من حق (٥). وقد اتفق الفقهاء على أن المدين المماطل مستحق للعقوبة التعزيرية؛ كي يؤدي ما عليه، وكي يرتدع غيره عن المطل؛ وذكروا بعض العقوبات التي يمكن

стр. 32

أن تكون رادعة للماطل ولغيره، منها عقوبات نفسية، وعقوبات بدنية، وعقوبات مالية، والذي يعنينا في هذا البحث بشكل مباشر هي العقوبات المالية، إلا أني سأذكر دون توسع بعض العقوبات النفسية والبدنية قبل التطرق للعقوبات المالية، ومن هذه العقوبات النفسية والبدنية التي يعاقب بها المدين المماطل: أولًا: التشهير به (١): وقد اتفق الفقهاء على جواز التشهير بالمدين المماطل وذِكْره أمام الناس بأنه ظالم، وأنه مماطل، وأنه سيء القضاء (٢)؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (٣)، فلصاحب الحق المظلوم أن يجهر بذكر المماطل الظالم بأنه سيء القضاء (٤). فالمطل يبيح للناس عِرض المماطل وغيبته، وأن يُقال فيه: فلان ظالم، مُعتدٍ، يمطل الناس ويحبس حقوقهم (٥)، وعلى الجهات المسؤولة أن تنشر في وسائل الإعلام أسماء المماطلين من مؤسسات وشركات وأفراد؛ كي يحذر الناسُ التعامل معهم. ثانيًا: ملازمته (٦): وقد اتفق الفقهاء على جواز ملازمة الدائن، أو وكيله

стр. 33

للمدين المماطل (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٢)، وقد فُسر معنى ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ أي: ملازمًا ومصاحبًا له (٣)، وقد جاء عن كعب بن مالك ﵁: "أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ دَيْنٌ، فَلَقِيَهُ، فَلَزِمَهُ فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «يَا كَعْبُ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: النِّصْفَ، فَأَخَذَ نِصْفَ مَا عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا" (٤)، فقد لزم كعب بن مالك ﵁ غريمه، وأقرّه النبي ﷺ على ذلك ولم ينكر عليه، فدل ذلك على جواز ملازمة الدائن لمدينه المماطل (٥)، ولا يعني ذلك أن تكون الملازمة بشكل دائم بل إنه يلازمه إذا رآه ذاهبًا للمسجد أو للسوق، ويطلب منه أن يوفيه حقه، وهذه الملازمة ستسبب للمماطل ضيقًا؛ إما لأنها ستعيقه عن بعض التعاملات المالية وإظهار ما معه من مال، أو لأن الناس عندما يرون تكرار هذه الملازمة سيسألون عن سببها؛ وإذا عرفوا السبب ستتغير نظرتهم له، وسيتجنبون بعض التعاملات المالية معه خاصة ما يترتب عليه دين، وهو لا يريد ذلك. ثالثًا: حبسه (٦): وقد اتفق الفقهاء على جواز عقوبة المدين المماطل

стр. 34

بالحبس (١)، قال ابن المنذر: "أكثر من نحفظ عنه قوله من علماء الأمصار، وقضاتهم يرون الحبس في الدين" (٢)؛ لأن عقوبة المماطل تعزيرية وهي مطلقة ترجع لنظر القاضي، فإن رأى المصلحة في حبسه فله ذلك. ولا يوجد دليل خاص في حبس المدين المماطل وقد استدل بعض الفقهاء على جواز حبس المدين المماطل بما جاء عن هرماس بن حبيب، عن أبيه، عن جده، قال: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِغَرِيمٍ لِي، فَقَالَ لِي: «الْزَمْهُ»، ثُمَّ مَرَّ بِي آخِرَ النَّهَارِ، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ؟» " (٣)؛ وذلك لأن النبي ﷺ سمى الغريم أسيراً، والأسير يجوز حبسه، وكذلك أمر ﷺ الدائنَ بملازمة الغريم، والملازمة فيها تعويق له ومنعه من التصرف بنفسه، والحبس كالملازمة، فهو منع الشخص من التصرف بنفسه (٤). وهذا الحديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به، وقياس الحبس على الملازمة قياس مع الفارق، فالملازمة لا تعيق الشخص عن جميع التصرفات بعكس الحبس الذي يعيقه عن التصرف بنفسه وجلب الرزق لأهله، وينبغي أن يكون الحبس آخر العقوبات؛ لتعدي ضرره إلى أهل المحبوس ولأنه يكلف الدولة الكثير، والمراد بالعقوبات إصلاح المجتمع، فإن كان الحبس سببًا في

стр. 35

ضياع الأسرة وتشتتها، فليكن آخر العقوبات، ويجب التثبت قبل الحبس هل يوجد مال عند المدين المماطل أو لا؟، فإن كان عنده مال ظاهر اُستوفي منه (١)، قال القرافي (٢): "ولا يجوز الحبس في الحق إذا تمكن الحاكم من استيفائه فإن امتنع من دفع الدين، ونحن نعرف ماله أخذنا منه مقدار الدين، ولا يجوز لنا حبسه، وكذلك إذا ظفرنا بماله أو داره أو شيء يباع له في الدين كان رهنًا أم لا فعلنا ذلك، ولا نحبسه لأن في حبسه استمرار ظلمه، ودوام المنكر في الظلم، وضرره هو مع إمكان أن لا يبقى شيء من ذلك كله، وكذلك إذا رأى الحاكم على الخصم في الحبس من الثياب والقماش ما يمكن استيفاؤه عنه أخذه من عليه قهرًا، وباعه فيما عليه، ولا يحبسه تعجيلًا لدفع الظلم، وإيصال الحق لمستحقه بحسب الإمكان. " (٣)، وإن لم يكن له مال ظاهر فإن كان صاحب مهنة أو عمل فليؤخذ من المال الذي يكتسبه منها، وإن لم يكن فليُجبره الحاكم على العمل والتكسب ويأخذ من كسبه ويوفي به الغرماء، وإلا فليحبسه مدة يرى أنها كفيلة بأن تجعله يُخرج ما عند من مال دون أن تطول هذه المدة. مع بيان أن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، قال ابن تيمية: "الحبس الشرعي"ليس هو السجن في مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه" (٤)، وقال: "ولا يجب حبسه بمكان معين فيجوز حبسه في دار نفسه، بحيث لا يمكن من الخروج" (٥).

стр. 36

رابعًا: منْعُه من السفر: وقد اتفق الفقهاء على جواز عقوبة المدين المماطل بمنعه من السفر، حتى يستوفي صاحب الدين حقه كاملاً (١)؛ لأن الدائن يتضرر بسفر المدين المماطل وذلك لتأخر استيفاء حقه، والضرر يزال فيمنع من السفر (٢). خامسًا: ضرْبُه: وقد رأى جمهور الفقهاء أنه يجوز ضرب المدين المماطل (٣)، وخالف الحنفية فقالوا بعدم الجواز (٤)، قال الجصاص (٥): "متى امتنع من أداء جميع رأس المال إليه كان ظالماً له مستحقًا للعقوبة واتفق الجميع على أنه لا يستحق العقوبة بالضرب فوجب أن يكون حبساً لاتفاق الجميع على أن ما عداه من العقوبات ساقط عنه في أحكام الدنيا" (٦)، وقال ابن تيمية: "يعاقب الغني المماطل بالحبس فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب وقد نصَّ على ذلك الفقهاء: من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ﵃ ولا أعلم فيه خلافاً" (٧)، وعقوبة المماطل من العقوبات التعزيرية التي يرجع تقديرها إلى الحاكم، فيجوز للحاكم أن يعاقبه بالعقوبة التي تردعه عن المماطلة، وقد يكون الضرب هو العقوبة الرادعة له، فيضربه؛ حفظًا لحقوق

стр. 37

الناس من الضياع (١)، وليكن العقاب بالضرب من آخر العقوبات فإذا لم يجد القاضي له مالًا ظاهرًا عاقبه بالتشهير، والملازمة، والمنع من السفر، فإن لم يؤد ضربه، فإن لم يؤد حبسه؛ حفظاً للحقوق، ولأن الإيلام الأدبي المعنوي الذي يحصل للدائن قد يكون أشد من الإيلام البدني الذي يحصل للمدين المماطل. هذه هي أبرز العقوبات النفسية والبدنية التي يعاقب بها المدين المماطل، والتي ذكرها الفقهاء في كتبهم وليس العقاب مقيدًا بهذه العقوبات بل "لو كان قادرًا على أداء الدين وامتنع ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره إذا لم يتعد حدود الله" (٢).

стр. 38

المبحث الثاني في عقوبة المماطل المالية وفيه أربعة مطالب، هي: المطلب الأول: حكم عقوبة المدين المماطل بالحجر على أمواله. المطلب الثاني: حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية لمصلحة الدائن. المطلب الثالث: حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية. المطلب الرابع: حكم إلزام المدين المماطل بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل. المطلب الأول: حكم عقوبة المدين المماطل بالحجر على أمواله الحجر لغة: المنع والتضييق والإحاطة على الشيء (١). والحجر اصطلاحًا: المنع من التصرف في المال (٢).

стр. 39

وقد اختلف الفقهاء في حكم عقوبة المدين المماطل بالحجر على أمواله على قولين: القول الأول: أنه يحجر على المدين المماطل. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وقول بعض الحنابلة (٣). القول الثاني: أنه لا يحجر على المدين المماطل. وهو مذهب المالكية (٤)، والحنابلة (٥)، وقول عند ال شافعية (٦)، وقول أبي حنيفة (٧). أدلة القول الأول: الدليل الأول: قول رسول الله ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (٨).

стр. 40

وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على أن المدين المماطل تحلُّ عقوبته، والحجر على أموال المدين المماطل نوع من أنواع العقوبة التي يجوز إيقاعها عليه (١). نوقش: بأنه ليس هناك حاجة إلى الحجر على ماله، بل على الحاكم أن يجبر المماطل بالوفاء، فإن أبى حبسه حتى يوفي صاحب الحق، ولا حاجة للحجر (٢). أجيب: بأن المماطل قد يتلف ماله بتصرفه تصرفًا يزيله عن ملكه، فيبقى بعد ذلك معسرًا، فيتضرر بذلك الدائن، وفي الحجر عليه دفع للضرر الواقع على الدائن (٣). الدليل الثاني: قياس جواز الحجر على المدين المماطل على جواز الحجر على المدين المفلس بجامع عدم الأداء في كل منهما (٤). يناقش: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن المفلس لا مال عنده يمكن الاستيفاء منه بعكس المدين المماطل الذي يوجد عنده المال ويمكن الاستيفاء منه. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن في الحجر على المدين المماطل إهدارًا لأهليته، وإلحاقًا له بالبهائم، وفي ذلك ضرر عظيم عليه، فلا يجوز الحجر عليه لدفع ضرر خاص (٥).
следующие страницы →