← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30099

تغير الأجل وأثره في الديون

مرضي العنزي

Полный текст (205 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

رابعًا: منْعُه من السفر: وقد اتفق الفقهاء على جواز عقوبة المدين المماطل بمنعه من السفر، حتى يستوفي صاحب الدين حقه كاملاً (١)؛ لأن الدائن يتضرر بسفر المدين المماطل وذلك لتأخر استيفاء حقه، والضرر يزال فيمنع من السفر (٢). خامسًا: ضرْبُه: وقد رأى جمهور الفقهاء أنه يجوز ضرب المدين المماطل (٣)، وخالف الحنفية فقالوا بعدم الجواز (٤)، قال الجصاص (٥): "متى امتنع من أداء جميع رأس المال إليه كان ظالماً له مستحقًا للعقوبة واتفق الجميع على أنه لا يستحق العقوبة بالضرب فوجب أن يكون حبساً لاتفاق الجميع على أن ما عداه من العقوبات ساقط عنه في أحكام الدنيا" (٦)، وقال ابن تيمية: "يعاقب الغني المماطل بالحبس فإن أصر عوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب وقد نصَّ على ذلك الفقهاء: من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ﵃ ولا أعلم فيه خلافاً" (٧)، وعقوبة المماطل من العقوبات التعزيرية التي يرجع تقديرها إلى الحاكم، فيجوز للحاكم أن يعاقبه بالعقوبة التي تردعه عن المماطلة، وقد يكون الضرب هو العقوبة الرادعة له، فيضربه؛ حفظًا لحقوق

стр. 37

الناس من الضياع (١)، وليكن العقاب بالضرب من آخر العقوبات فإذا لم يجد القاضي له مالًا ظاهرًا عاقبه بالتشهير، والملازمة، والمنع من السفر، فإن لم يؤد ضربه، فإن لم يؤد حبسه؛ حفظاً للحقوق، ولأن الإيلام الأدبي المعنوي الذي يحصل للدائن قد يكون أشد من الإيلام البدني الذي يحصل للمدين المماطل. هذه هي أبرز العقوبات النفسية والبدنية التي يعاقب بها المدين المماطل، والتي ذكرها الفقهاء في كتبهم وليس العقاب مقيدًا بهذه العقوبات بل "لو كان قادرًا على أداء الدين وامتنع ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره إذا لم يتعد حدود الله" (٢).

стр. 38

المبحث الثاني في عقوبة المماطل المالية وفيه أربعة مطالب، هي: المطلب الأول: حكم عقوبة المدين المماطل بالحجر على أمواله. المطلب الثاني: حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية لمصلحة الدائن. المطلب الثالث: حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية. المطلب الرابع: حكم إلزام المدين المماطل بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل. المطلب الأول: حكم عقوبة المدين المماطل بالحجر على أمواله الحجر لغة: المنع والتضييق والإحاطة على الشيء (١). والحجر اصطلاحًا: المنع من التصرف في المال (٢).

стр. 39

وقد اختلف الفقهاء في حكم عقوبة المدين المماطل بالحجر على أمواله على قولين: القول الأول: أنه يحجر على المدين المماطل. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وقول بعض الحنابلة (٣). القول الثاني: أنه لا يحجر على المدين المماطل. وهو مذهب المالكية (٤)، والحنابلة (٥)، وقول عند ال شافعية (٦)، وقول أبي حنيفة (٧). أدلة القول الأول: الدليل الأول: قول رسول الله ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (٨).

стр. 40

وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على أن المدين المماطل تحلُّ عقوبته، والحجر على أموال المدين المماطل نوع من أنواع العقوبة التي يجوز إيقاعها عليه (١). نوقش: بأنه ليس هناك حاجة إلى الحجر على ماله، بل على الحاكم أن يجبر المماطل بالوفاء، فإن أبى حبسه حتى يوفي صاحب الحق، ولا حاجة للحجر (٢). أجيب: بأن المماطل قد يتلف ماله بتصرفه تصرفًا يزيله عن ملكه، فيبقى بعد ذلك معسرًا، فيتضرر بذلك الدائن، وفي الحجر عليه دفع للضرر الواقع على الدائن (٣). الدليل الثاني: قياس جواز الحجر على المدين المماطل على جواز الحجر على المدين المفلس بجامع عدم الأداء في كل منهما (٤). يناقش: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن المفلس لا مال عنده يمكن الاستيفاء منه بعكس المدين المماطل الذي يوجد عنده المال ويمكن الاستيفاء منه. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن في الحجر على المدين المماطل إهدارًا لأهليته، وإلحاقًا له بالبهائم، وفي ذلك ضرر عظيم عليه، فلا يجوز الحجر عليه لدفع ضرر خاص (٥).

стр. 41

نوقش: بأن الحجر على المدين لا يهدر أهليته؛ لأن جميع تصرفاته غير المالية، وتصرفاته المالية في الذمة صحيحة، ومنعه من التصرف في ماله لتعلق حق الغرماء به (١). الدليل الثاني: أن في الحجر على المدين المماطل ضرراً عليه، فلا يجوز الحجر عليه (٢). نوقش: بأن الضرر واقع على الدائن بسبب مماطلة المدين، والمدين المماطل ظالم بمماطلته فلا اعتبار لضرره، وضرر الدائن من مماطلة المدين أعظم وأشد من ضرر المدين بسبب الحجر على أمواله، فيحجر عليه لدفع الضرر الأشد، كما أنه يمكن للمماطل من دفع الضرر عن نفسه بتسديد دينه (٣). الدليل الثالث: أنه لا يحتاج إلى الحجر، فللدائن المطالبة بحقه، وإن أبى المماطل، فيعاقب بالحبس والملازمة وغيرها، فلا حاجة للحجر (٤). نوقش: بعدم التسليم بأنه لا يحتاج للحجر على أموال المدين المماطل؛ فقد يتلف المماطل ماله أو يحتال بنقله إلى آخر، حتى لو كان معاقبًا بالحبس والملازمة، ففي الحجر على ماله رفع للضرر عن الدائن، وأحفظ لحقه (٥). الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي- والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل بجواز الحجر على المدين المماطل؛ لأن عقوبة المماطل من

стр. 42

العقوبات التعزيرية التي ترجع لاجتهاد القاضي فمتى رأى القاضي أن المصلحة في عقوبة معينة فله المعاقبة بها ما لم يرد دليل في النهي عنها، وقد تبيّن في المناقشة ضعف أدلة القول الثاني في النهي عن الحجر على أموال المدين المماطل، إلا أن الأولى إن كان مال المدين المماطل ظاهرًا يمكن الاستيفاء منه فإنه لا حاجة للحجر على أمواله وللقاضي أن يأخذ من مال المدين المماطل ما يوفي به الدائن؛ لما يترتب على الحجر على أموال المدين المماطل في هذا الحال من الضرر على الدائن بتأخير الوفاء وعلى المدين بمنعه من التصرف في ماله، وإن كان مال المدين المماطل غير ظاهر لا يتمكن القاضي من الاستيفاء منه فإن له الحجر علي إن رأى المصلحة في ذلك.

стр. 43

المطلب الثاني حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية لمصلحة الدائن وفيه ثلاث مسائل، هي: المسألة الأولى: حكم الاتفاق بين المتعاقدين على دفع غرامة مالية عند التأخر في أداء الدين. المسألة الثانية: حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية للدائن مقابل الضرر الأدبي الذي يلحقه. المسألة الثالثة: حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية للدائن مقابل الضرر الناتج عن فوات الربح، أو وقوع ضرر حقيقي. المسألة الأولى: حكم الاتفاق بين المتعاقدين على دفع غرامة مالية عند التأخر في أداء الدين. أجمع العلماء على أن اتفاق المتعاقدين على دفع غرامة مالية عند التأخر في أداء الدين محرم، وهو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمة (١)، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن المسلف إذا شرط عُشر السلف هدية، أو زيادة فأسلف على ذلك، أن أخذه الزيادة ربا" (٢). حتى أن الفقهاء القائلين بجواز فرض غرامة مالية على المدين المماطل إذا تضرر الدائن يحرمون الاتفاق عليها بين المتعاقدين عند العقد؛ قال الزرقا: "إن الاتفاق على مقدار ضرر الدائن عن تأخير الوفاء له محذور كبير؛ وهو أنه قد يصبح ذريعة لربا مستور

стр. 44

بتواطؤ من الدائن والمدين، بأن يتفقا في القرض على فوائد زمنية ربوية، ثم يعقد القرض في ميعاده، لكن يستحق عليه الدائن تعويض تأخير متفق عليه مسبقًا يعادل سعر الفائدة، فلذلك لا يجوز في نظري" (١)، وقال الصديق الضرير: "لا يجوز أن يتفق البنك مع العميل المدين على أن يدفع له مبلغاً محدداً، أو نسبة من الدين الذي عليه في حالة تأخره عن الوفاء في المدة المحددة، سواء أسمي المبلغ غرامة، أو تعويضاً، أو شرطاً جزائياً؛ لأن هذا هو ربا الجاهلية المجمع على تحريمه" (٢)، وقال المنيع: "إن التعويض عن ضرر التأخير في الأداء إن كان نتيجة شرط فهو ربا" (٣)، وقال أيضًا: "والذي يظهر لي أن الشرط الجزائي بالنسبة لسداد الديون هو أخذ بالمنهج الجاهلي: أتربي أم تقضي؟، بل قد يكون أشد من ذلك؛ لأن المنهج الجاهلي يبدأ عند حلول أجل السداد، وهذا يقر عند التعاقد، فهو إقرار بالربا الجاهلي عند التعاقد" (٤).

стр. 45

المسألة الثانية: حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية للدائن مقابل الضرر الأدبي الذي يلحقه (١). جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: "لم نجد أحدًا من الفقهاء عبر بهذا - الضرر الأدبي أو المعنوي- وإنما هو تعبير حادث، ولم نجد في الكتب الفقهية أن أحداً من الفقهاء تكلم عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية " (٢)، ومع التسليم بأن هذا التعبير حادث فإنه لا يسلم بأن الفقهاء لم يتكلموا عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية، بل تكلم الفقهاء عن التعويض المالي عن القذف وهو ضرر معنوي، واختلفوا فيه فمنهم من أجازه وأكثرهم على المنع (٣)، وقد جاء عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة (٤) في الشجة إذا عادت فالتحمت ولم يبق لها أثر بأن عليه أرش الألم، وهو حكومة عدل (٥)، والألم ضرر معنوي، فالفقهاء تكلموا عن الأضرار المعنوية وإن لم يصطلحوا عليها بهذا الاسم، والعبرة بحقائق الأمور لا بمسمياتها.

стр. 46

وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية مقابل الضرر الأدبي الذي يلحق الدائن على قولين: القول الأول: عدم جواز تغريم المدين المماطل بغرامة مالية مقابل الضرر الأدبي. وهو قول جمهور الفقهاء المعاصرين (١)، بل نُقل الاتفاق على هذا القول (٢). القول الثاني: جواز تغريم المدين المماطل بغرامة مالية مقابل الضرر الأدبي. وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (٣).

стр. 47

أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن التعويض بالمال يقوم على الجبر بالتعويض، وذلك لا يتحقق إلا بإحلال مال محل مال مكافئ له ليقوم مقامه ويسد مسده، لرد الحال إلى ما كانت عليه؛ إزالة للضرر، وجبرًا للنقص، وليس ذلك بمتحقق في الضرر الأدبي المعنوي؛ لأنه لا يمكن قياسه ومعرفة ما يكافئه من المال (١). يناقش: بأن عدم التمكن من المكافأة في التعويض الأدبي لا يمنع التعويض مطلقًا بل يرجع فيه إلى التقدير؛ لأن التعويض بالمال إن لم يتمكن فيه من المماثلة والمكافأة فإنه يُرجع فيه إلى التقدير والمقاربة. الدليل الثاني: أن التعويض المالي في الضرر الأدبي المعنوي يجحف في حق الفقير، ولا يردع الغني، أما العقوبة البدنية: فهي زاجرة للمعتدي فقيرًا كان أو غنيًا، ولذا شرع لهذا الضرر ما يناسبه من الحد، والتعزير الزاجر، والتأديب الرادع، وهو كاف في شفاء غيظ المتضرر، وإزالة ضرره (٢). يناقش: بعدم التسليم بأن التعويض المالي لا يردع الغني فقد يكون أشد على الغني من العقوبات الأخرى، وقد يكون التعزير بالمال أشد في زجر المعتدين وردعهم، وقد تكون هناك من العقوبات التعزيرية غير المالية ما لا تردع الفقير ولا الغني، فالتقدير في التعزير يرجع للقاضي فإن رأى أن التعويض أو التعزير بالمال هي التي تردع المماطل فله ذلك. الدليل الثالث: أن في القذف، والغصب، والسرقة، والنهب، أضرارًا أدبية، ولم يأت في الشريعة تعويض مالي عنها، ولا يجوز التعويض المالي عنها،

стр. 48

وإنما الحد أو التعزير (١)، والضرر الأدبي الذي يناله الدائن لن يصل إلى الضرر الأدبي في القذف والغصب، فمن باب أولى أنه لا يجوز التعويض المالي عنه. يناقش: بأن العقوبات تنقسم إلى: حدود وتعزيرات؛ أما الحدود فما وصل للسلطان عوقب بما قدرته الشريعة ولا يزاد عليه، ولا يقاس على ما قدرته الشريعة في الحدود، أما إن لم تصل للسلطان وكان الحد حقًا للآدمي كالقذف، فلا يسلم أنه لا يجوز التعويض المالي عنها؛ فلصاحب الحق التنازل عن حقه مقابل مال يأخذه، أما التعزيرات التي لم تقدر فيها الشريعة عقوبة فمردها للقاضي يعاقب بما هو أصلح للمجتمع، وقد يكون الأصلح هو التعويض المالي، أو التعزير بالمال، ولا دليل صحيح يمنع من ذلك. الدليل الرابع: أن التعويض عن الضرر الأدبي المعنوي يُعد من باب الأخذ على العرض مالا، وهذا لا يجوز، كما لو صالح المقذوف من قذفه على مال فإنه لا يجوز (٢)، جاء في الإنصاف: "وإن صالح سارقاً … أو مقذوفاً عن حده: لم يصح الصلح بلا نزاع" (٣)، فالأعراض لها مكانتها الخطيرة عند المسلمين، وجعلها محل تعويض مالي أمر تأباه الفطر السليمة (٤). يناقش: بأنه لا دليل صحيح يمنع من جواز أخذ المال على العرض؛ فالنفس مكانتها أشد خطرًا من العرض ومع ذلك يجوز الصلح عليها بالدية

стр. 49

وبما يزيد عليها؛ جاء في الإنصاف: "ويصح الصلح عن القصاص بديات، وبكل ما يثبت مهرا" (١)، وأما ما جاء في الإنصاف من أنه "لا نزاع" في عدم جواز الصلح على القذف؛ فإنه يعني أنه لا نزاع في المذهب الحنبلي؛ لأن الإنصاف كتاب في بيان الراجح من الخلاف في المذهب الحنبلي، أما غير المذهب الحنبلي فلا يسلم عدم وجود النزاع فيه مطلقًا، بل أجازه بعض الفقهاء المتقدمين (٢)؛ لأنه حق للآدمي، فله الحق بالعفو مطلقًا أو مقابل المال. قال ابن عثيمين: "على القول بأنه حق للمقذوف وأن للمقذوف إسقاطه، قالوا: إنه لا يصح بعوض؛ لأن هذا الحق ليس ماليّاً، ولا يقصد به المال فلا يصح بعوض، وهذا هو القول الأول، والقول الثاني: أنه يصح بالعوض؛ لأن الذي سوف تسود صحيفته به هو المقذوف، فبدلاً من هذا، يقول: أعطني مائة ألف ريال، وأنا إن شاء الله سأدافع عن نفسي فيما يتعلق بالقذف، وهذا القول له وجهة نظر؛ لأنه حق لآدمي في الواقع، ولهذا لا يقام حد القذف إلا بمطالبة من المقذوف" (٣). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قياس المضار المعنوية على المنافع المعنوية فكما أن المنافع المعنوية متقومة، فتقاس المضار المعنوية عليها بجامع أن كلاً منهما عرض لا بقاء له (٤). نوقش: بأن قياس المضار المعنوية على المنافع المعنوية قياس مع الفارق،

стр. 50

فالمنافع متقومة؛ لأنها أموال (١)، فلا يقاس عليها الضرر المعنوي المجرد عن الضرر الالي (٢). ويناقش أيضًا: بأن المنافع المعنوية متعلقة بأمور مادية ظاهرة ينتفع بها الإنسان كأجرة البيت أو السيارة ويمكن قياسها، أما المضار المعنوية فهي متعلقة بما يشعر به الإنسان داخليًا من ضرر وهذا لا يمكن قياسه. الدليل الثاني: أن الواجب في الضرر المعنوي الأدبي هو التعزير، ومن أنواعه: التعزير بالمال، وهو مقرر شرعًا (٣)، والتعويض بالمال عن الضرر الأدبي لا يخرج عن التعزير بالمال المقرر شرعاً (٤). نوقش من وجهين: الوجه الأول: بعدم التسليم بجواز التعزير بالمال وهو ما اتفقت عليه المذاهب الأربعة (٥)، بل نقل الإجماع عليه (٦)، لأن من أصول

стр. 51

الشريعة عصمة الأموال، ولا يترك هذا الأصل إلا بدليل يوازيه، والشريعة أباحت التعزير بالجلد والحبس، وغيرها مما سبق ذكره من العقوبات التعزيرية للماطل ولم تبح ماله، وإباحة ماله يفتح المجال للظلمة بأكل أموال الناس. يجاب: بأنه وردت العديد من الأدلة التي تبيح التعزير بأخذ المال (١)، وإذا أجازت الشريعة جَلدَه وبشرته وحبسه، فاستباحة ماله من باب أولى، وهي أهون من جَلْدِه وحبسه، والظلمة لا يجوز لهم الولاية من الأصل، وكما أن جواز التعزير بالمال يفتح الباب لهم بأكل أموال الناس، فكذلك جواز التعزير بالجلد والحبس يفتح الباب لهم بتعذيب الناس وحبس حرياتهم، ومع ذلك لم تمنعوه! فالكلام عن حكم هذه المسألة من حيث أصلها عند وجود الوالي العادل أما إن كان الوالي ظالمًا فللمسألة حكم آخر بناء على ما طرأ عليها. الوجه الثاني: على فرض التسليم بجواز التعزير بالمال فإن العقوبة في الشريعة من باب الزواجر، بينما التعويض عن التأخير- على القول بجوازه- إنما هو من باب الجوابر، جبراً لصاحب الحق عما فاته من انتفاع، أو لحقه من ضرر بسبب المماطلة، والتعزير بالمال مورده لبيت المال، ومصرفه مصالح المسلمين، بخلاف التعويض فهو للمتضرر مقابل ما لحقه من ضرر مادي يمكن أن يقابل بمثله أو قيمته (٢).

стр. 52

يجاب: بأنه وإن كانت العقوبة من باب الزواجر فلا دليل يمنع أن تكون الزواجر جابرة لما لحق المعتدى عليه من الضرر، بل الأولى في العقوبة أن تجمع بين الزجر والجبر لما أمكن جبره، وإن كان موردها بيت المال فإنه لا يوجد دليل يمنع القاضي من دفع هذا المال إلى الشخص المتضرر معنويًا، إن رأى أن هذا هو الأصلح. الدليل الثالث: أنه جاء عن أبي يوسف في الشجة إذا عادت فالتحمت ولم يبق لها أثر بأن "عليه أرش الألم، وهو حكومة عدل" (١). وجاء عن محمد بن الحسن (٢) في الجراحات التي تندمل دون أن يبقى لها أثر بأنه: "يجب فيها حكومة بقدر ما لحق المجروح من الألم" (٣)، فأبو يوسف، ومحمد بن الحسن قررا التعويض المالي مقابل الألم، والألم ضرر أدبي، وعليه فيقاس على الألم غيره من الأضرار الأدبية المحضة، فيجوز التعويض المالي عن الضرر الأدبي (٤). نوقش: بأن قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، لا يصلح دليلاً على مشروعة التعويض عن الضرر الأدبي بالمال؛ لأنه ليس حجة في نفسه، ولأنه اجتهاد مقابل بمثله، وأقوالهم هنا ليس في الضرر الأدبي المحض، بل هو ضرر نتج عنه ضرر مادي، فيسوغ التعويض عنه باعتباره يؤدي إلى خسارة مالية؛ لأنه

стр. 53

قد يعطله عن الكسب والعمل، ويتحمل فيه أجرة الطبيب والدواء ولا نزاع في جواز التعويض المالي عنها (١). يجاب: بالتسليم بأن قولهما ليس دليلًا وأنه يحتاج لدليل يستند عليه، ولكن لا يسلم بأن قولهما ليس في الضرر الأدبي بل هما تكلما عن الأرش مقابل الألم الذي لحق المجروح مطلقًا، ولم يقيداه بأنه إذا ترتب عليه خسارة مادية فإن له الأرش، فترتب الخسارة المادية على هذا الاعتداء كأجرة طبيب أو دواء مسألة أخرى غير مسألة الحكومة على الألم، والدليل على ذلك التفريقُ بين القولين عند عرْضِ المسألة في كتب المذهب الحنفي فقد جاء في المبسوط: "وقد روي عن محمد في الجراحات التي تندمل على وجه لا يبقى لها أثر تجب حكومة بقدر ما لحقه من الألم، وعن أبي يوسف ﵀ يرجع على الجاني بقدر ما احتاج إليه من ثمن الدواء وأجرة الأطباء حتى اندملت" (٢)، وجاء في الهداية: "وقال أبو يوسف: يجب عليه أرش الألم وهو حكومة عدل، لأن الشين إن زال فالألم الحاصل ما زال فيجب تقويمه. وقال محمد: عليه أجرة الطبيب، لأنه إنما لزمه الطبيب وثمن الدواء بفعله فصار كأنه أخذ ذلك من ماله" (٣) ولو كان المراد بالأرش وهو الحكومة على الألم هو ما يدفع مقابل أجرة الطبيب والدواء لما فرق علماء المذهب الحنفي بين القولين، ولكانا قولًا واحدًا في المذهب، وقد حاول بعض علماء المذهب الحنفي أن يجعلهما قولًا واحدًا إلا أنه لم يسلم أكثر فقهاء المذهب بذلك (٤)؛ لأن تعليل أبي يوسف

стр. 54

واضح في أن المراد عنده أن التعويض مقابل الألم فقط، وقد رد ابن عابدين (١) على من جعل رأي أبي يوسف موافقًا لرأي محمد بن الحسن بأن المراد بحكومة الألم هي أجرة الطبيب والدواء بأن هذا يتأتى على أحدى الروايتين عن أبي يوسف وأن الرأي المشهور عنه هو أن العقوبة هي لمجرد الألم فقط زجرًا للسفيه وجبرًا للضرر (٢). الدليل الرابع: أن القول بعدم التعويض عن الضرر الأدبي يفتح الباب على مصراعيه للمعتدين على أعراض الناس، وفي التعويض صيانة لأعراض الناس، والشريعة قد حرمت الإضرار والإيذاء بشتى صوره (٣). نوقش: بأن عدم التعويض عن الضرر لا يفتح الباب على مصراعيه أمام المعتدين على الأعراض؛ لأن الشريعة وضعت العقوبة الرادعة المناسبة للأضرار الأدبية، والمعنوية، والكفيلة بردع المعتدين على أعراض الناس، وهي الحد، أو التعزير (٤). الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي أن القولين متكافئآن، والذي يظهر لي-والله أعلم- أن التعويض عن الضرر الأدبي من حيث الأصل جائز متى

стр. 55

ما تحقق وجوده ولا دليل صحيح يمنع منه، ويُمكن أن يستدل على جوازه بحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (١)، فقد جعل النبي ﷺ الدينار والدرهم مقابل المظلمة من عرض أو غيره، وفيه إشارة إلى أنه يجوز التحلل من مظلمة العرض بدفع المال، والمظلمة في العرض ضرر أدبي معنوي، كما لو اعتدى إنسان على آخر بالقذف، أو تشويه سمعته، فإنه يجوز له أن يدفع مالًا للمعتدى عليه مقابل التنازل عن حقه قبل أن تصل للقاضي، ويجوز للمعتدى عليه أن يأخذ هذا المال مقابل الضرر الأدبي الذي حصل له؛ لأنه صاحب الحق فله أن يعفو دون مقابل وله أن يعفو بمقابل المال، وله أن يرفعه للقاضي، فإذا وصل للقاضي فهو مخير بين تعويض المتضرر عن هذا الضرر الأدبي، أوتعزيره بما يراه الأصلح حسب اختلاف القضايا والناس فله أن يعزر المعتدي بالمال وأن يضع هذا المال في مصالح المسلمين، وله أن يعطي هذا المال للمتضرر أدبيًا متى ما رأى أنه الأصلح، والفرق بين تعويضه أدبيًا وبين أن يعزر المعتدي بالمال ويعطيه للمتضرر أن التعويض أدبيًا لابد من تقديرٍ لهذا الضرر وأن يكون المال مقاربًا له، أما التعزير بالمال فلا يشترط له تقدير للضرر الأدبي، فقد يكون أكثر أو أقل، وأن المال المأخوذ على وجه التعويض من حق المتضرر ولا يجوز صرفه في وجه آخر، أما المال المأخوذ تعزيرًا فليس من حق المتضرر فالأصل فيه أنه في مصالح المسلمين ولا يجوز للقاضي أن يعطيه للمتضرر إلا إن رأى أن هذا هو الأصلح حسب القضية التي بين يديه. هذا بالنسبة لحكم التعويض عن الضرر

стр. 56

الأدبي من حيث الأصل، أما بالنسبة للتعويض عن الضرر الأدبي الذي يلحق الدائن فإنه يشترط أن يكون بحكم القاضي ولا يجوز أن يتولاه الدائن؛ لأنه يفتح الباب أمام المرابين أن يزيدوا في الدين ويحتجوا بأن هذه الزيادة مقابل الضرر الأدبي، والشريعة جاءت بسد أبواب الربا. المسألة الثالثة: حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية للدائن مقابل الضرر الناتج عن فوات الربح، أو وقوع ضرر حقيقي (١). أول من أثار هذه المسألة للنقاش فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء ﵀ فقد قال: "لم يعالج فقهاء المذاهب فيما أعلم قبلًا هذه المسألة - أعني تعويض الدائن عن تأخير الوفا. المستحق في المداينات - ولم يبحثوها، مرد ذلك في تقديري إلى ثلاثة أمور: الأول: لم يكن لهذا الأمر من الأهمية والتأثير في حركة التعامل والتجارة كما أصبح له في العصر الحاضر. الثاني: أن وصول الدائن إلى حقه عن طريق القضاء عند تأخير المدين ومماطلته كان ميسوراً وسريعاً على خلاف ما هو عليه اليوم في عصرنا الحاضر. الثالث: أن هذه المسألة فيها من الحساسية الشرعية ما يمكن أن يكون من جملة العوامل في عدم بحثها، وهي خوف الوقوع في الربا" (٢).

стр. 57

ولا يسلم أن الفقهاء لم يبحثوها، بل بحثوها ولم يفردوها؛ لأنها داخلة عندهم في عموم الربا؛ لذا لم يعسر على جمهور الفقهاء المعاصرين أن يجدوا العديد من الأدلة التي تدخل هذه المسألة في الربا المنهي عنه. وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية مقابل الضرر الناتج عن فوات الربح، أو وقوع ضرر حقيقي، على ثلاثة أقوال: القول الأول: عدم جواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، أو ما وقع عليه من خسائر. وهو قول جمهور الفقهاء المعاصرين (١).

стр. 58

القول الثاني: جواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، أو ما وقع عليه من خسائر. وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (١). القول الثالث: عدم جواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، وجواز تعويض الدائن عما وقع عليه من خسائر. وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (٢).

стр. 59

أدلة القول الأول: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (١) وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلَّت على تحريم الربا وإبطاله، وهو زيادة في الدين مقابل الأجل (٢)، وتغريم المدين مدة المماطلة إنما هو عوض عن تأخر أداء الدين، فهو زيادة في دين ثابت مقابل الأجل، وهو عين الربا الذي نزلت الآيات بإبطاله، واختلاف الألفاظ لا يغير الحقائق، والعبرة بالحقائق (٣). نوقش: بعدم التسليم بأن تغريم المدين المماطل من جنس الربا؛ وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن الزيادة الربوية نتيجة تراض بين الدائن والمدين على تأجيل السداد مقابل زيادة في الأجل، وهي في غير مقابلة عوض، أما تغريم المدين المماطل فهي مقابل تفويت أرباح أو حصول خسائر على الدائن بلا رضاً منه (٤). أجيب: بعدم التسليم بأن الزيادة الربوية في غير مقابلة العوض، بل هي مقابل تفويت انتفاع الدائن بماله فترة وجود المال عند المدين (٥)، بل إن المرابين لم يطالبوا بالزيادة على أموالهم إلا لفوات الانتفاع بها وقت التأخر في سدادها (٦).

стр. 60

الوجه الثاني: أن الزيادة الربوية مشروطة سلفاً برضا الطرفين، ومحددة لأجل تأخير مستقبلي، أما التعويض فهو لأجل رفع الظلم الواقع على الدائن، ولأجل تأخير ماضٍ وقع بغير رضا من الدائن (١). يجاب عليه من وجهين: الوجه الأول: بعدم التسليم بأن الزيادة الربوية لا بد أن تكون مشروطة سلفًا فإن الربا المعروف في الجاهلية والذي نزل القرآن بتحريمه لم يكن مشروطًا سلفًا، بل كان بعد تأخر المدين بالسداد فيطلب منه الدائن إما أن يربي فيزيد في الأجل أو أن يوفي، وكون الزيادة معروفة سلفًا أو غير معروفة فإن هذا لا يغير الحكم بأنها ربا. الوجه الثاني: على فرض التسليم بهذا التفريق فإن هذا التفريق نظري لا يصح أن يكون مناطاً للحكم، وعلى القول بجواز تغريم المدين المماطل يصبح الأمر معلوماً سلفاً بالعرف، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً (٢)، إضافة إلى أنه من الناحية العملية فإن معظم عمليات المصارف الإسلامية تدور حول المرابحة المؤجلة، وتحقق الربح ونسبته في هذه العمليات معروفة لدى المصرف والعميل، فأصبحت نسبة التعويض معروفة مسبقاً لدى الفريقين عملاً (٣)، واعتبار المماطل ظالماً أمرٌ لا خلاف فيه، وهذا الظلم الواقع على الدائن، ليس موجباً لتعويضه مالياً (٤).

стр. 61

الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (١) وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلَّت على أن للدائن رأس ماله فقط، ولم تفرق بين مدين معسر ومدين مماطل، فالزيادة على رأس المال رباً، وإن كان المماطل ظالماً بمطله، فإنه لا يجوز رد الظلم بظلم آخر (٢). نوقش: بأن الآية دليل للقائلين بجواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، أو ما وقع عليه من خسائر؛ وذلك أن الزيادة الربوية الجاهلية لا تفرق بين مدين موسر ومدين معسر، أما التغريم فلا يطالب به إلا المدين الموسر المماطل، أما المدين المعسر فلا يطالب بذلك (٣). أجيب: بأن نصوص تحريم أخذ الربا عامة لم تفرق بين المعسر والموسر، فكلاهما لا يجوز أخذ الربا منه (٤)، وأن التغريم إن كان لأجل جبر ضرر الدائن، فلا فرق بين أن يكون المدين موسراً أو معسراً؛ لأن المتضرر يستحق الجبر ولو كان المُضر معسراً، كما يستحق الأرش على الجاني ولو كان معسراً (٥). الدليل الثالث: قول رسول الله ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (٦). وجه الدلالة من الحديث: أن المطل كان موجوداً في عصر النبي ﷺ ، ونص النبي ﷺ أن المطل يحل عرض المماطل وعقوبته، ولم يقل: يحل ماله،

стр. 62

ولو كان جائزاً لبينه النبي ﷺ لمسيس الحاجة إليه، والسكوت في وقت الحاجة بيان (١). نوقش: بأن لفظ العقوبة يشمل العقوبة المالية، وهناك نصوص أخرى كثيرة، صريحة، وواضحة في اعتبار العقوبة المالية ضرباً من التعزير، وتعويض الدائن عن ضرر المماطلة من أنوع التعزير بالعقوبة المالية (٢). أجيب: بأنه لا يجوز التعزير بأخذ المال؛ لعصمة أموال المسلمين، وعلى فرض جوازه فإن ولاية التعزير للقاضي، والتعويض هنا يقع بالشرط أو بالعرف، ويباشره الدائن، فخرج عن كونه تعزيراً بالمال، ولو فوض تنفيذ العقوبات إلى آحاد الناس، لأفضى ذلك إلى فوضى لا يقرها الشرع (٣). يُرد: بالتسليم بأن مرجع العقوبة للقاضي، والتعزير عام ومنه التعزير بالمال، والأدلة على جوازه كثيرة (٤)، ولا دليل يمنع القاضي من أن يعطي هذا المال للدائن زجرًا للماطل، إن رأى أن هذا هو الأصلح. الدليل الرابع: أن مسألة المماطلة ليست مسألة نازلة تحتاج إلى اجتهاد جديد، بل هي من المسائل القديمة التي يكثر وقوعها، ولم ينقل عن أحد من

стр. 63

الفقهاء قبل هذا العصر أنه أفتى بجواز تغريم المماطل غرامة مالية لمصلحة الدائن؛ مما يدل على أنها عندهم من الربا المحرم (١). نوقش: بأن الفقهاء لم ينصوا على تغريم المماطل ضمن العقوبات؛ لأنهم لم يحتاجوا إليه في عصورهم لسهولة وصول الدائن لحقه، أما في عصرنا صعب الوصول للحق لطول الإجراءات وتأخرها، وعدم نص الفقهاء عليها لا يعني أنهم يمنعونها (٢). يجاب: بعدم التسليم بأن الدائن كان يصل لحقه في عصر الفقهاء بسهولة، فلو كان يصل له بسهولة لما احتاج الفقهاء للنص على عقوبة المماطل بالحبس والملازمة والضرب وغيرها، وعدم نص الفقهاء عليها بذاتها؛ لأنها زيادة في الدين مقابل التأخير وهي داخلة في عموم النهي عن الربا. الدليل الخامس: إن تغريم المماطل بغرامة مالية إن لم يكن ربا في ذاته، فهو ذريعة موصلة إليه، ومن القواعد الفقهية قاعدة: "سد الذرائع" (٣)، والقول به

стр. 64

يفتح باب الربا، كما حصل للنصارى (١) فقد استحلوا الربا المحرم في شريعتهم بسبب دعوى التعويض عن الضرر (٢). يناقش: بأنه إن كان مرجع التغريم للقاضي فإن الذريعة للربا بعيدة؛ لأن القاضي سيحكم وفق دراسات وتقدير للضرر الحاصل، ولن يحكم لمجرد التأخير فقط. الدليل السادس: أن جواز تغريم المدين المماطل بغرامة مالية عند من يقول به مقيد بشروط نظرية يصعب تحقيقها في الواقع العملي، فمنها: أولاً: شرط عدم كون المدين معسراً، ويصعب على الدائن خاصة المصارف التحقق من كل قضية بعينها ولذا نجد أنه يحتال على إسقاط هذا الشرط - وهو عدم كونه معسراً بأن يكتب في العقد شرطاً آخر: وهو أن المدين يُعد موسراً، ويعامل بناء على ذلك ما لم يحكم عليه بحالة الإفلاس قانوناً (٣). ثانياً: القول بتعويض الدائن مقابل فوات فرصة الربح، يفترض أن هذا المال لو دفع لصاحبه لأمكن أن يستثمره فيربح به، وهذا إن جاز من الناحية النظرية، فهو بعيد من الناحية العملية؛ لأن الدائن لا يقطع بتنمية ماله واستثماره،

стр. 65

ثم لو استثمره فإنه لا يقطع بحصول الأرباح، بل قد يقع في خسائر فادحة، وهذا ظاهر في المصارف والبنوك، إذ لا تستفيد من كل ما لديها من أموال، بل إن نسبة السيولة غالبًا ما تكون أكثر من النسبة المحددة التي يجب الاحتفاظ بها من قبل البنوك المركزية (١)، وقد قال الشيخ الزرقا في أحد فتاويه: "أما الحكم بالتعويض عن ضرر التأخر بما فات على صاحب الحق من ربح، وما لحقه من خسارة بالشكل المعروف في القانون تماماً، حتى إذا كان التأخر في تسليم مبلغ نقدي مستحق فإنه يحكم بالفوائد القانونية الخ .... فهذا لا يقبل في فقه الشريعة بحذافيره وتفاصيله القانونية، ولا سيما أن الربح الفائت هو أمر احتمالي لا يمكن التيقن به فهو غيب بيد الأقدار، إذ قد ينقلب الربح المأمول إلى خسارة، ولو لم يقع من الملتزم امتناع أو تأخر. " (٢). وعدم إمكان تطبيق الشروط التي نص عليها الفقهاء المجيزون حمل الدكتور الضرير أن يوقف العمل بفتواه، فقد قال: "البنك الذي أصدرت له الفتوى لم يستطع تنفيذها التنفيذ الصحيح الذي قصدته؛ لأنه أراد أن يعتمد على الربح التقريبي، وليس الفعلي في تقدير الضرر، فوجهت بوقف العمل بالفتوى، خوفاً من أن يؤدي تنفيذها إلى ما يشبه الفائدة الربا" (٣). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: الأدلة الدالة على الوفاء بالعقود، وأداء الأمانات، والعدل، منها: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤)،

стр. 66

وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١)، وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ (٢)، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٣). وجه الدلالة من الآيات: أن الله تعالى أمر بالوفاء بالعقود، وأداء الأمانة، والعدل، وأمر الله واجب الامتثال، ومن تجنب العدل كان ظالماً، والظالم إذا أدى ظلمه إلى إلحاق الضرر بغيره فهو مسؤول عن ذلك، ولا شك أن المدين المماطل ظالم، وقد حرم الدائن من الانتفاع بماله، مما يوجب مسؤوليته عن ذلك، فتغريمه غرامة مالية مقابل الضرر الذي لحق الدائن من العدل الذي أمر الله به (٤). نوقش: بالتسليم بأن المدين المماطل ظالم، ومستحق للعقوبة، ومنشأ ظلمه إلحاقه الضرر بالدائن نتيجة تأخير الوفاء عن وقته بلا عذر، ولكن الأدلة دلت على الوفاء بالعقود، وأداء الأمانات، وأمرت بالعدل، ولا يوجد فيها دلالة على تغريم المدين المماطل غرامة مالية، وليس كل ضرر يلحقه الإنسان بغيره ظلماً يُعد موجباً للتعويض المالي (٥) الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٦).

стр. 67

وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نصَّ في هذا الحديث على تحريم الضرر وأمر بإزالته، ولا يزول الضرر الواقع على الدائن إلا بتعويضه مالياً عن فوات منافع ماله مدة المماطلة، ومعاقبة المدين المماطل بغير الغرامة المالية لا يفيد الدائن شيئاً، فلا يزول ضرره إلا بالتعويض المالي (١). نوقش من وجهين: الوجه الأول: بأن هذا الحديث ضعيف، ولا يصح الاحتجاج به، وعلى فرض صحته (٢) فإنه لا توجد دلالة في الحديث على أن زوال الضرر لا يكون إلا بالغرامة المالية، ولو دل الحديث عليها لوجب الحكم بها، و لوجب على كل قاض ومفت أن يقضي ويفتي بها، ولكن لم يوجد في التاريخ من حكم أو أفتى بذلك مع كثرة قضايا المماطلة، وإزالة الضرر الواقع على المدين يكون برد حقه إليه، وليس بأخذ الزيادة، لأنها مقابلة للظلم بالظلم، ومقتضى القاعدة الشرعية: "أن الضرر لا يزال بمثله ولا بما هو أشد منه" (٣)، كما أن تضرر الدائن بتفويت الانتفاع بماله متوقع أو متوهم، فلا يزال بضرر متحقق يلحق بالمماطل (٤).

стр. 68

يجاب: بالتسليم بأن التعويض لا يكون عن تفويت انتفاع متوقع أو متوهم إذ لا عبرة بالتوهم، إنما يكون التعويض عن الخسائر التي كان سببها المباشر مماطلة المدين، وعدم وجود من حكم بذلك في التاريخ أو أفتى به-إن ثبت أنه لم يوجد من حكم بذلك أو أفتى به- ليس دليلًا على المنع. الوجه الثاني: القول بإن "معاقبة المدين المماطل بغير التعويض المالي لا يفيد الدائن المتضرر شيئاً"، لا يعني جواز الحكم على المماطل بالغرامة؛ لأن هذه عقوبة، والعقوبات الشرعية ليس من شأنها الجبر، ووظيفتها تنحصر في الزجر، فإن السارق إذا قطعت يده لا تزيل عقوبتة الضرر عن المتضرر، ولكنها تزجر الناس عن الظلم، وتمنعهم من اقتراف الذنوب الموجبة لها درءا للمفسدة المتوقعة (١). يجاب: بأن المماطل ارتكب معصية المطل التي يستحق عليها العقوبة، وكان متسببًا في وقوع خسائر على الدائن، فعليه أن يعوض الدائن عن هذه الخسائر ثم يعاقب على معصية المماطل، كما أن على السارق أن يعيد المال الذي سرقه لصاحبه ثم يعاقب بقطع يده، فالعقوبة على المطل والتعويض عن الخسائر، مع أنه لا يوجد ما يمنع في العقوبات التعزيرية التي ترتب عليه ضرر على أحد من المسلمين أن يجمع القاضي في العقوبة بين الجبر والزجر فهو أشد زجرًا وأوفى للحقوق. الدليل الثالث: قول رسول الله ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (٢). وجه الدلالة من الحديث: أن الحديث دلَّ على أن المماطل يستحق العقوبة، ومن أنواع العقوبة التعزير بالمال، وهي مشروعة كما قرر ذلك

стр. 69

المحققون من أهل العلم (١)، ومن أنواع التعزير بالمال: تعزير بتمليك الغير، وتغريم المماطل من هذا النوع (٢). نوقش: بعدم التسليم بجواز التعزير بالمال (٣)، وعلى القول بجواز التعزير بأخذ المال فإن ولاية التعزير للحاكم وليست للدائن، وللحاكم صرفها في مصالح المسلمين العامة، وقيام الدائن بعقوبة المدين المماطل يؤدي إلى الفوضى والنزاع، والعقوبات الشرعية في الأصل زاجرة رادعة، وليس من شأنها أن تجبر الضرر، والعقوبات الزاجرة شرعت لاستئصال المفسدة من حياة الناس، أما تغريم المماطل فقد يحمل على التواطؤ على أكل الربا والتحايل عليه، فيزيد المفسدة ولا يعالجها (٤). يجاب: بالتسليم بأن مرجعها إلى القاضي، والعقوبات التعزيرية عامة ومنها التعزير بأخذ المال، وقد دلت الأدلة الكثيرة على جوازه (٥)، ولا دليل يمنع القاضي من أن يجمع في العقوبة التعزيرية بين التعويض والزجر، متى ما رأى القاضي المصلحة في ذلك.

стр. 70

الدليل الرابع: أن الأصل في الشروط الصحة واللزوم، واشتراط تغريم المدين المماطل شرط صحيح؛ لأنه يتفق مع قواعد الشريعة، ولم يرد نهي عنه بخصوصه (١). نوقش: بأن هذا الشرط معارض لنصوص الشريعة التي حرمت الربا، والشرط المعارض لنصوص الشريعة يكون باطلاً (٢). الدليل الخامس: أن من المصلحة تغريم المدين المماطل؛ لأن هذا يحمله على الوفاء بالدين، وألا يتأخر في التسديد (٣). نوقش: بأن هذه المصلحة ملغاة؛ لأنها مخالفة لنصوص الشريعة المانعة من أخذ الزيادة في الدين لا في ابتداء الدين، ولا في انتهاءه، ومن شروط المصلحة ألا تخالف نصاً شرعياً (٤). الدليل السادس: أن من أسس الشريعة ومقاصدها العامة عدم المساواة بين العادل والظالم، ولا شك أن مماطلة المدين ظلم بشهادة النصوص الشرعية، وفيه ضرر لصاحب الحق بحرمانه من منافع ماله مدة التأخير التي قد تطول كثيراً، فإذا لم يغرم المدين المماطل، كانت النتيجة أن هذا الظالم العاصي يتساوى مع العادل المطيع، وهذا يشجع كل مدين على المماطلة وتأخير الحقوق، وهذا خلاف مقاصد الشريعة وسياستها الحكيمة قطعاً (٥).

стр. 71

نوقش: بعدم التسليم بأن عدم تغريم المدين المماطل يستلزم منه مساواته بغيره، بل اعتبره النبي ﷺ ظالماً، وأحل عقوبته بما يزجره من التشهير به، ومنعه من السفر، وضربه، وحبسه، وغيرها من العقوبات التعزيرية، وبهذا لا تكون مساواة بين المماطل والعادل المؤدي لحق غيره (١). الدليل السابع: أن المطل في أداء الحق يشبه الغصب؛ وذلك أن التعدي على الديون يكون بحجبها عن صاحبها؛ لأن مقرها الذمم وليست أعياناً قائمة يتأتى فيها الغصب المادي، والمماطلة حجب للمال عن صاحبه فهي كالغصب للأعيان، فيلزمه بضمان منافع الدين كما يضمن الغاصب منافع العين المغصوبة مدة الغصب (٢). نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن القائلين بضمان منافع العين المغصوبة على الغاصب يشترطون أن تكون المنفعة مما يصح أخذ العوض عنها، وذلك بأن يكون المغصوب من الأعيان التي يصح أن يرد عليها عقد الإجارة (٣). وهذا الشرط

стр. 72

غير متحقق في الأموال التي ماطل بها المدين إذا كانت من النقود وهو الغالب في هذا الزمن، لكون النقود أموالا لا تصح إجارتها بالإجماع (١). الوجه الثاني: أن قياس تضمين المماطل منافع الدين الذي ماطل به، على تضمين الغاصب لمنافع العين المغصوبة قياس مع الفارق؛ وذلك أن قابلية النقود للربح بالاستثمار غير متحققة بصورة قطعية، فقد يتاجر بها فتربح أو تخسر، وهو أيضاً غير متقوم فقد يربح كثيراً وقد يربح قليلاً، وهذا بخلاف الأعيان المادية إذ يصح أخذ العوض عن منافعها بورود عقد الإجارة عليها، كما أن منافعها متقومة محققة لها أجرة المثل (٢). الدليل الثامن: قياس جواز تغريم المدين المماطل بغرامة مالية على جواز بيع العربون (٣) بجامع تفويت الفرصة في كل منهما؛ وذلك أن التعويض عن منفعة العدول عن إتمام العقد مظنونة غير محققة، ومع هذا فقد اعتبر الضمان لتلك المنفعة المظنونة أمراً مشروعاً، فيقاس عليه جواز تغريم المدين المماطل مقابل ما فوته على الدائن من منافع ماله (٤).

стр. 73

نوقش: بعدم التسليم بجواز بيع العربون (١)؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل (٢)، وعلى فرض جوازه فإن قياس تغريم المدين المماطل على بيع العربون قياس مع الفارق؛ وذلك من أوجه: الوجه الأول: أن الدين ليس كالبيع في كثير من الأحكام الشرعية، فما جاز في البيع قد لا يجوز في الدين؛ لأن الشارع احتاط في الديون كيلا يترتب عليها رباً محرم، وتغريم المدين المماطل زيادة على أصل الدين حرام؛ لكونها نوعاً من الربا (٣). الوجه الثاني: أن تغريم المدين المماطل عن الضرر الناتج عن تأخره في سداد الدين مجهول، والجهالة فيه من جهة الوجود، ومن جهة التحصيل، ومن جهة المقدار، ومن جهة الزمن، أما مبلغ العربون فهو معلوم أثناء العقد (٤). الوجه الثالث: أن تغريم المدين المماطل يقدر عند وقوع الضرر، فلا يستحق التعويض إلا إذا وقع الضرر، أما العربون فهو مقابل لحق العدول عن العقد فالإلتزام بدفع العربون قائم حتى لو لم يترتب على العدول عن العقد أي ضرر (٥).

стр. 74

الدليل التاسع: قياس تغريم المدين المماطل بالغرامة المالية على جواز إلزام العاقد بالتعويض المالي بالشرط الجزائي في غير الديون (١)، بجامع أن كليهما ضمان لمنفعة مظنونة غير محققة الوقوع (٢). نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن التسليم بالشرط الجزائي جملة لا يلزم منه تصحيح كل شرط جزائي، بل القول بصحته في آحاد المسائل رهين التسليم باعتبار المنفعة التي يراد الاعتياض عنها، ومنفعة الدين مدة تأخيره غير معتبرة شرعاً في باب المعاوضات؛ لذا فإن العلماء الذين أجازوا الشرط الجزائي استثنوا من ذلك الشرط الجزائي في الديون (٣)؛ لأنه من قبيل ربا الجاهلية المحرم (٤). الوجه الثاني: أن قياس جواز تغريم المدين المماطل على جواز الشرط الجزائي في غير الديون قياس مع الفارق؛ وذلك أن التعويض في الشرط الجزائي يصح تحديده باتفاق المتعاقدين عند بداية العقد، بينما التعويض عن

стр. 75

ضرر التأخر في سداد الديون لا يصح تحديده ابتداءً بالاتفاق (١)، ولا يلزم أن يكون الشرط الجزائي بمقدار الضرر الحقيقي، بل لهم أن يتفقوا على أي مبلغ ما لم يكن كثيراً عرفاً يظهر أن القصد منه التهديد المالي (٢). أدلة القول الثالث: أدلة أصحاب القول الثالث لا تخرج عن أدلة القول الثاني، إلا أنهم اشترطوا أن يكون التعويض عن ضرر الخسائر الواقعة فعلًا بسبب مماطلة المدين، وليس عن ضرر محتمل أو ربح متوقع أو محقق الوقوع، ويرد عليه من المناقشة والتوجيه ما ورد على أدلة أصحاب القول الثاني. واستدلوا بالقياس على تغريم المماطل تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل، إذا غرمه على الوجه المعتاد (٣)؛ بجامع أن كلًا منهما ضرر واقع حقيقة، وليس متوقعاً، أو مفترضاً ولو بغلبة ظن (٤). نوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ وذلك لأن تغريم نفقات التحصيل، وتكاليف الشكاية ليس تعويضا عن الضرر المالي لحبس ما في الذمة، وإنما لأن المماطل
следующие страницы →