الدائن المتعجل بعض حقه، وأيضا فإن مقصود الدائن هنا استيفاء ماله (١).
الدليل الخامس: قياس إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله على الزيادة في الدين الحال مقابل تأجيله بجامع الاعتياض عن الأجل في كليهما، فزد وتأجل لما زاد له في الأجل وأخره، زاد له مقابله في الدين، وفي إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله لما وضع له من الأجل المستحق بالعقد، وضع له في مقابله من الدين، فتبين أن إسقاط بعض الدين مقابل تعجيله ربا، ولا يجوز (٢).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: بأن الاعتياض عن الأجل لا يصح إذا كان مؤديا إلى الربا، وأما إن لم يكن كذلك فليس هناك ما يدل على التحريم، والأصل في المعاملات الحل، وقد قام الدليل على جواز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، وما ذلك إلا لأجل تأجيله (٣)
الوجه الثاني: بأن قياس إسقاط بعض الدين مقابل تعجيله على الزيادة على الدين الحال مقابل زيادة الأجل، وأن هذا ربا قياس مع الفارق، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن الربا هو الزيادة، وهي منتفية في الوضع مع التعجيل؛ لأنه نقص لا زيادة، فانتفى معنى الربا لغة، وشرعاً (٤).
стр. 142
الوجه الثاني: أن إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله عكس الربا، فإن الربا يتضمن الزيادة في الدين، والزيادة في الأجل، وضع وتعجل تتضمن النقص من الدين، والنقص من الأجل، والربا إضرار محض بالمدين، ونفعه مختص برب الدين، وضع وتعجل تتضمن براءة ذمة المدين، وانتفاع الدائن بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر بالآخر (١).
الوجه الثالث: أن العوض عن الأجل في ضع وتعجل ساقط من ذمة المدين، والعوض عن الأجل في زد وتأجل واجب في ذمة المدين (٢).
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول: أن المكاتب لا يجري بينه، وبين سيده ربا فجاز إسقاط بعض دينه مقابل التعجيل في باقي دينه (٣).
نوقش: بعدم التسليم بأن المكاتب لا يجري بينه وبين سيده ربا، فالمكاتب مع سيده أجنبي في باب المعاملات، وإسقاط بعض دين المكاتب مقابل تعجيله جائز لانتفاء حقيقة الربا في هذه المعاملة، وسائر الديون كدين المكاتب (٤).
الدليل الثاني: أن معنى الإرفاق فيما بين المكاتب وسيده، أظهر من معنى المعاوضة، فلا يكون هذا مقابلة الأجل ببعض المال، ولكنه إرفاق من السيد بإسقاط بعض دين مكاتبه (٥).
стр. 143
نوقش: بأن معنى الإرفاق متحقق في دين الكتابة، وغيره من الديون، فهو إرفاق من الدائن بإسقاط بعض حقه، وإرفاق من المدين بتعجيل أجل الوفاء ليبرئ ذمته (١).
دليل القول الرابع: بأنه إن كان الساقط من الدين جزء من ربحه مقابل الأجل بقسطه فلا وجود لشبهة الربا؛ ووجه أن الربح في مقابلة الأجل، لأن الأجل وإن لم يكن مالا، ولا يقابله شيء من الثمن لكن اعتبروه مالًا في المرابحة إذا ذكر الأجل بمقابلة زيادة الثمن، فلو أخذ كل الثمن قبل الحلول كان أخذه بلا عوض (٢).
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل؛ وذلك لأن الأصل في العقود والشروط الحل والإباحة، فلا نخرج عن هذا اليقين إلا بيقين، ولم يوجد في أدلة المانعين ما يقوى على المنع، إلا إذا كان هناك اتفاق مسبق وزِيدَ في الثمن والأجل على الثمن والأجل المعتاد للسلعة فإنه محرم؛ لأنه تحايل على الربا، فقد يكون للسلعة ثمن مؤجل فيتفق المتعاقدان على الزيادة على هذا الأجل، مقابل الزيادة في الثمن، وأنه متى تم الوفاء في الأجل الأول المعتاد فإنه تسقط الزيادة كاملة، وإذا تأخر تبقى عليه من الزيادة بقدر ما بقى عليه من الأجل، وهذا تحايل على الربا، أما إن لم تكن هناك زيادة على الثمن المؤجل المعتاد واتفق المتعاقدان على إنه إن عجل المدين الوفاء وضع عنه الدائن ما يقابل الأجل من الربح فإن هذا جائز، وفيه مصلحة للطرفين.
стр. 144
الفصل السابع
في تغير الأجل بإسقاط الأقساط الأخيرة
وفيه ثلاثة مباحث، هي:
المبحث الأول: حكم بيع الأقساط.
المبحث الثاني: حكم إسقاط الأقساط الأخيرة مقابل انتظام المدين بالتسديد دون شرط.
المبحث الثالث: حكم إسقاط الأقساط الأخيرة بشرط انتظام المدين بالتسديد.
стр. 145
المبحث الأول
حكم بيع الأقساط
وفيه مطلبان، هما:
المطلب الأول: حكم مساواة الثمن المؤجل للثمن الحال في بيع الأقساط.
المطلب الثاني: حكم زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال في بيع الأقساط.
المطلب الأول:
حكم مساواة الثمن المؤجل للثمن الحال في بيع الأقساط.
الأقساط لغة: جمع قسط والقسط: الحصة والنصيب، يقال: أخذ كل واحد من الشركاء قسطه أي حصته ونصيبه (١).
والأقساط اصطلاحًا: "عقد على مبيع حال، بثمن مؤجل، يؤدى مفرقًا على أجزاء معلومة، في أوقات معلومة" (٢).
ومصطلح بيع الأقساط حادث؛ فالفقهاء المتقدمون تكلموا عن بيع الأقساط عند كلامهم عن البيع المؤجل الثمن، ولكنهم لم يسموه ببيع الأقساط (٣).
стр. 146
وقد أجمع العلماء على جواز مساواة الثمن المؤجل للثمن الحال في بيع الأقساط (١)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢).
وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلَّت على جواز التأجيل في الوفاء بالدين إلى أجل مسمى، والدين "كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقداً، والآخر في الذمة نسيئة" (٣)، والبيع إلى أجل إما أن يكون بنفس الثمن الحال فهذا هو المراد، وإما أن يكون بثمن أكثر، فجوازه بالثمن الحال من باب أولى (٤).
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ" (٥).
وجه الدلالة من الحديث: أن في شراء النبي ﷺ الطعام من اليهودي إلى أجل دلالة على جواز مساواة الثمن المؤجل للثمن الحال في البيع إلى أجل؛ وذلك أن هذا الشراء إما أن يكون بنفس الثمن الحال فهذا هو المراد، وإما أن يكون بثمن أكثر، فجوازه بالثمن الحال من باب أولى (٦).
الدليل الثالث: أن العلماء أجمعوا على جواز مساواة الثمن المؤجل للثمن الحال في البيع إلى أجل، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن من باع معلومًا من السلع بمعلوم من الثمن إلى أجل معلوم من شهور العرب أنه جائز" (٧)، وقال
стр. 147
ابن حزم: "واتفقوا أن الابتياع بدنانير أو دراهم حال أو في الذمة غير مقبوضة أو بهما إلى أجل محدود بالايام أو بالأهلة أو الساعات أو الأعوام القمرية جائز" (١)
وإذا جاز تأجيل الثمن إلى أجل واحد، فكذلك يجوز تأجيله إلى آجال متعددة (٢).
المطلب الثاني:
حكم زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال في بيع الأقساط.
اتفق الفقهاء من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، ونُقل الإجماع (٧) على جواز زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال في بيع الأقساط، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
стр. 148
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (١)
وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلَّت على جواز جميع أنواع البيوع، إلا ما قام الدليل على تحريمه، وبيع السلعة إلى أجل بثمن أكثر من ثمنها الحال نوع من أنواع البيوع، ولا يوجد أي دليل يحرمه (٢).
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)
وجه الدلالة من الآية: أن بيع السلعة إلى أجل بثمن أكثر من ثمنها الحال من التجارة التي حصلت عن تراضي بين الطرفين، ولا يوجد دليل يحرمها (٤).
الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "جَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَيْشًا عَلَى إِبِلٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، حَتَّى نَفِدَتْ، وَبَقِيَ نَاسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اشْتَرِ لَنَا إِبِلًا بقَلَائِصَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ إِذَا جَاءَتْ، حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إِلَيْهِمْ»، فَاشْتَرَيْتُ الْبَعِيرَ بِالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثِ قَلَائِصَ، حَتَّى فَرَغْتُ، فَأَدَّى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ" (٥)
стр. 149
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على جواز أن يكون الثمن المؤجل في بيع الأقساط أكثر من الثمن الحال من وجهين:
الوجه الأول: أن ثمن البعير بعير مثله، فلما أجل صار البعير بالبعيرين والثلاثة، وذلك من أجل التأجيل، فدل على جواز الزيادة في الثمن من أجل التأجيل (١).
الوجه الثاني: أنه إذا جاز بيع غير الربوي بجنسه إلى أجل بزيادة، كما في بيع البعير إلى أجل بالبعيرين والثلاثة، فمن باب أولى أن يجوز إذا كان بغير جنسه كما هو الغالب في بيع التقسيط (٢).
الدليل الرابع: أن البيع إلى أجل بزيادة الثمن من جنس بيع السلم، فالبائع يبيع بثمن حاضر أقل من الثمن الذي يباع به في وقت السلم فيكون المسلم فيه مؤجلاً والثمن معجلاً، عكس مسألة البيع إلى أجل بزيادة الثمن، والزيادة في السلم مثل الزيادة في البيع إلى أجل، فسببها في السلم تأخير تسليم المبيع، وفي البيع إلى أجل تأخير تسليم الثمن (٣).
الدليل الخامس: أن حاجة الناس داعية إلى هذا النوع من البيوع، كحاجتهم للسلم أو أشد، فإنه ليس كل من احتاج إلى شراء سلعة ملك ثمنها حالاً، فيحتاج إلى من يبيعه إلى أجل، والبائع لا يرضى أن يبيع إلى أجل بمثل الثمن
стр. 150
الحال، وفي القول بجواز زيادة الثمن المؤجل تتحقق مصلحة البائع والمشتري، فالمشتري تسد حاجته، والبائع يندفع عنه الضرر (١).
الدليل السادس: أن في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، يشترط التماثل والتقابض (٢)، ويحرم ربا الفضل والنساء، أما في بيع الذهب بالفضة، فيشترط التقابض فقط ويجوز التفاضل، وأما في بيع الذهب بالبر، أو الفضة بالملح، فلا يشترط تماثل ولا تقابض، فيجوز الفضل لاختلاف الصنفين، والفضل لاختلاف الزمنين، أي لأجل النساء، ولو لم يجز الفضل للنساء لحرم النساء (٣).
الدليل السابع: أن العلماء أجمعوا على جواز زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال في البيع، قال الخطابي (٤) بعد أن ذكر من قال أنه لا بأس أن يقول الرجل: هذا الثوب نقدا بعشرة، وإلى شهر بخمسة عشر، فيأخذ بأحدهما قبل المفارقة،: "إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد فهو صحيح لا خلف فيه، وذكر ما سواه لغو لا اعتبار به" (٥)، وسئل ابن تيمية ﵀ عن رجل محتاج،
стр. 151
أتى إلى تاجر عنده قماش، فقال: أعطني هذه القطعة، فقال التاجر: مشتراها بثلاثين، وما أبيعها إلا بخمسين إلى أجل، فهل يجوز ذلك، أم لا؟ فأجاب: المشتري على ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون مقصوده السلعة ينتفع بها للأكل، والشرب، واللبس، والركوب، وغير ذلك، والثاني: أن يكون مقصوده التجارة فيها، فهذان نوعان جائزان بالكتاب، والسنة، والإجماع" (١).
وقد صدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة، رقم (٥٣/ ٢/ ٦)، حيث جاء فيه:
"تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقداً، وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد، أو التأجيل" (٢).
стр. 152
المبحث الثاني:
حكم إسقاط الأقساط الأخيرة مقابل انتظام المدين بالتسديد دون شرط.
اتفق الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥)، على جواز إسقاط الأقساط الأخيرة دون شرط ولا مواطأة من الدائن والمدين؛ لأن الدائن محسن بذلك، ومتبرع ببذل حقه من غير عوض (٦).
стр. 153
المبحث الثالث:
حكم إسقاط الأقساط الأخيرة بشرط انتظام المدين بالتسديد (١).
هذه المسألة شبيهة بمسألة ضع وتعجل فهي تتفق معها في وضع جزء من الدين، وتفترق عنها في أن المدين لم يعجل شيئاً، وإنما قام بالالتزام الواجب عليه بحكم العقد، وهذه المسألة مبنية على مسألتين؛ الأولى: مسألة ضع وتعجل وقد سبق الكلام عليها، والثانية مسألة تعليق البراءة بالشرط؛ لأن الدائن يبرئ ويسقط عن المدين آخر الأقساط بشرط انتظامه بالسداد، وقد اختلف الفقهاء في حكم تعليق البراءة بالشرط على قولين:
القول الأول: جواز تعليق البراءة بالشرط.
وهو مذهب المالكية (٢)، وقول عند الشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤).
стр. 154
القول الثاني: عدم جواز تعليق البراءة بالشرط.
وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الأصل في الشروط والعقود الصحة واللزوم، مالم يقم دليل على منعها، ولا يوجد دليل يمنع من تعليق البراءة بالشرط (٥).
الدليل الثاني: أن الإبراء إسقاط محض، والإسقاط لا يفتقر إلى قبول المبرأ، ولا رضاه، فصح تعليقه بالشرط، كالعتق والطلاق (٦).
دليل القول الثاني: أن في الإبراء معنى التمليك، والأصل أن التمليك لا يقبل التعليق بالشرط، كالهبة (٧).
نوقش: بعدم التسليم بأن الإبراء فيه معنى التمليك، بل هو إسقاط محض، ولهذا لا يفتقر إلى قبول المبرأ، ولا رضاه، ولا يرتد بالرد فهو بالعتق والطلاق أشبه منه بالتمليك، وعلى فرض التسليم بأن الإبراء تمليك كالهبة، فإنه لا يسلم بأن الهبة لا تقبل التعليق على شرط، فلا نص، ولا إجماع يدل على بطلان تعليق الهبة بالشرط (٨).
стр. 155
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز تعليق البراءة بالشرط؛ وذلك لأن الأصل في الشروط الصحة واللزوم ما لم يقم دليل يمنع، ولا دليل يمنع من تعليق البراءة بالشرط.
وبناء على ذلك يترجح جواز اشترط إسقاط الأقساط الأخيرة إذا انتظم المدين بالسداد؛ لأنه تبرع من الدائن للمدين، وتحفيز له على القيام بالتزامه بما تعهد به من تسديد الأقساط في مواعيدها المحددة، ولاشك أن في هذا الشرط مصلحة للدائن بالحصول على حقه من غير تأخير، ولا لجوء إلى المحاكم لإلزام المدين بالسداد، ومصلحة للمدين حيث إن هذا الشرط يحفزه على الوفاء، وإبراء ذمته من الدين، مع ما يحصل عليه من الحط من ذلك الدين اللازم له، لو لم ينتظم بالسداد (١)، إلا إن كان هناك اتفاق مسبق وزِيدَ على الثمن والأجل المعتاد فإنه لا يجوز؛ لأن هذا الشرط يتخذ حيلة إلى الربا، فيقول البائع للمشتري: إن سددت الثمن في أجله الحقيقي، حططت عنك آخر قسط، أو قسطين مثلاً، وإلا لزمتك جميع الأقساط، فتؤول المسألة إلى أنه إن لم يؤد في الأجل الحقيقي أخر له في الأجل وزاده في الثمن، وهذه حقيقة الربا المجمع على تحريمه (٢)
стр. 156
الفصل الثامن
في تغير الأجل باشتراط حلول بقية الأقساط عند التأخر في أداء بعضها
وفيه مبحثان، هما:
المبحث الأول: حكم اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر معسراً عاجزاً.
المبحث الثاني: حكم اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر موسراً ملياً.
стр. 157
المبحث الأول:
حكم اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر معسراً عاجزاً.
أجمع العلماء على وجوب إنظار المدين المعسر إذا تأخر عن أداء دينه الحال، وعدم جواز مطالبته بالدين (١)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢).
وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلَّت على وجوب إنظار المدين المعسر، ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ خبر بمعنى الطلب، أي: فأخروه إلى ميسرته، والأصل في الأمر الوجوب، وإذا كان الإنظار واجبًا، فمطالبته حينئذ محرمة (٣).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٤).
وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلَّت على أن المعسر العاجز عن الأداء
стр. 158
لا يكلف بما لا يقدر عليه، وإذا لم يكن مكلفًا بالأداء حال عسرته، فيجب إنظاره حتى يقدر على الأداء (١).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٢).
وجه الدلالة من الحديث: أن الرسول الله ﷺ لم يجعل المطل ظلمًا إلا بالغنى، فإذا كان معسراً، فهو ليس ممن عليه سبيل إلا أن يوسر (٣).
الدليل الرابع: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: "أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ»، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» " (٤).
وجه الدلالة من الحديث: أن في قول النبي ﷺ : «وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» دلالة على تحريم مطالبة المعسر العاجز عن الوفاء بما بقى من دينه بعد أخذ ماله الموجود، ووجوب إنظاره حتى يقدر على الوفاء (٥).
الدليل الخامس: إجماع العلماء على وجوب إنظار المدين المعسر، العاجز عن الوفاء إلى وقت يتيسر له الأداء فيه. قال ابن رشد الحفيد (٦): "وأما المفلس
стр. 159
الذي لا مال له أصلاً، فإن فقهاء الأمصار مجمعون على أن العدم له تأثير في إسقاط الدين إلى وقت ميسرته" (١)، وقال القرافي: "أجمعت الأمة على أن صاحب الدين على المعسر مخير بين النظرة والإبراء وأن الإبراء أفضل في حقه وأحدهما واجب حتما وهو ترك المطالبة والإبراء ليس بواجب" (٢)، وقال ابن تيمية: "المعسر يجب إنظاره، ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها بإجماع المسلمين" (٣).
فضلًا عن الأدلة الكثيرة التي تحث صاحب الدين على التجاوز عن المعسر، منها: عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: تَذَكَّرْ، قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ الْمُوسِرِ، قَالَ: قَالَ اللهُ : تَجَوَّزُوا عَنْهُ» (٤)، وعن عبد الله بن أبي قتادة ﵁: " أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» " (٥).
فإذا وجب إنظار المدين بسبب إعساره في دينه الحال، فمن باب أولى أن يبقى دينه المؤجل إلى أجله، وألا يسقط هذا الأجل بسبب الإعسار؛ لأنه إذا كان سبب التأخير هو العجز عن أداء القسط الحال فكيف يمكن إلزامه بأداء بقية الأقساط (٦)؟!
стр. 160
المبحث الثاني:
حكم اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر موسراً ملياً.
اختلف الفقهاء في حكم اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر موسراً ملياً، على قولين:
القول الأول: جواز هذا الشرط.
وهو قول لبعض الحنفية (١)، وبعض الحنابلة (٢)، واختيار بعض الفقهاء المعاصرين (٣).
стр. 161
القول الثاني: عدم جواز هذا الشرط.
وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (١).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الأصل في العقود والشروط الإباحة والجواز ما لم يدل الدليل على المنع، فإذا تم التراضي بين المتعاقدين على اشتراط حلول بقية الأقساط بالتأخر عن سداد بعضها، فهو داخل فيما أمر الله بالوفاء به، ولا دليل على منعه، ولا يترتب عليه تحليل حرام، أو تحريم حلال (٢).
стр. 162
الدليل الثاني: أن التأجيل حق للمدين، وله أن يتنازل عنه متى شاء؛ لأنه موضوع لمصلحته، وله أن يعلق تنازله عن التأجيل بعجزه عن الوفاء أو تأخيره الأقساط (١).
الدليل الثالث: أن الدائن رضي بتأجيل الوفاء بالدين بشرط الالتزام بسداد أقساط الدين، وعدم المماطلة في دفعها، فإذا ماطل المدين بطل شرط التأجيل، وحل باقي الأقساط (٢).
الدليل الرابع: أن في هذا الشرط مصلحة للمتعاقدين، فالدائن يطمئن على ماله، والمدين لا يتأخر بوفاء ما عليه لئلا تحل بقية الأقساط، ولا مانع منه فيصح، ويلزم الوفاء به (٣).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن اشتراط حلول الأقساط عند التأخر في أداء بعضها، شرط ينافي مقتضى العقد، وهو بقاء الدين المؤجل إلى أجله، فيكون باطلاً (٤).
نوقش: بأن المحذور أن ينافي الشرط مقصود العقد لا مقتضى العقد، فلو كان للعقد مقصود يراد في جميع صوره، وشُرط في العقد ما ينافي ذلك المقصود، فقد جمع فيه بين المتناقضين بين إثبات المقصود وبين نفيه، فلا يحصل به شيء، وذلك مثل أن يشترط الطلاق في النكاح، أو الفسخ في
стр. 163
العقد (١)، واشتراط حلول الأقساط عند التأخر في أداء بعضها، لا ينافي المقصود من العقد، فيصح (٢).
الدليل الثاني: أن زيادة الثمن مقابل لزيادة الأجل في الغالب، فإذا اتفق المتعاقدان على حلول الأقساط عند عدم أداء بعضها كان الدائن آخذاً للزيادة دون مقابل، والزيادة دون مقابل ربا (٣).
نوقش: بأن هذه المنفعة لا تجوز المعاوضة عنها؛ لأن الثمن استقر في ذمة المدين منذ انعقاد العقد، وله أن يؤديه متى شاء (٤).
الدليل الثالث: أن زيادة الثمن مقابل لزيادة الأجل، واشتراط حلول الأقساط عند التأخر في أداء بعضها من غير مراعاة إسقاط ما يقابل الأجل من الزيادة في الثمن من أكل المال بالباطل (٥).
نوقش: بأن ذلك ليس من أكل المال بالباطل؛ لأن المشتري قد رضي بهذا الشرط على نفسه فجاز؛ كالعربون، ولأنه لو وضعت هذه الزيادة لكان ذلك سبباً لمماطلة كثير من القادرين حتى يحصلوا على ذلك الوضع من الزيادة، فيفقد العقد بعض مقصوده، ولا تحصل الفائدة من الشرط (٦).
стр. 164
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر موسراً ملياً بشرط ألا يكون له عذر في التأخير؛ لأن الأصل في الشروط الصحة، واللزوم ما لم يقم دليل يمنع من ذلك، ولما لم يقم دليل على منع هذا الشرط نبقى على الأصل.
ومع ترجيح جواز هذا الشرط فلا ينبغي العمل به حتى تتجاوز مدة التأخير ما اعتاد التساهل فيه كل من الدائن والمدين (١).
стр. 165
الفصل التاسع
في تغير الأجل بسبب الوفاة قبل حلول الدين
وفيه مبحثان، هما:
المبحث الأول: تغير الأجل بسبب وفاة الدائن وأثرها في حلول الدين.
المبحث الثاني: تغير الأجل بسبب وفاة المدين وأثرها في حلول الدين.
стр. 166
المبحث الأول:
تغير الأجل بسبب وفاة الدائن وأثرها في حلول الدين (١)
أجمع العلماء على أن الدين المؤجل لا يحل بموت الدائن، بل يبقى إلى أجله (٢)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الأجل حق المدين حيث شرع ترفيهًا عنه، وتوسعة له يتمكن فيه من تحصيل الدين، فلا اعتبار بحياة الدائن ولا بموته في حلول الأجل (٣).
الدليل الثاني: أن المدين التزم بالدين مؤجلاً، ولا يملك الدائن مطالبته
стр. 167
بالدين قبل حلول الأجل في حال حياته، ومن باب أولى لا يملك الورثة هذا الحق؛ إذ أنهم يرثون ما كان يملكه مورثهم (١).
الدليل الثالث: أن الدين محله ذمة المدين، وما دام المدين حياً فذمته صالحة لأن تشغل بالدين وحدها، وذمة المدين لا تتأثر بموت الدائن (٢).
الدليل الرابع: إجماع العلماء على أن الدين المؤجل لا يحل بموت الدائن، بل يبقى إلى أجله، قال ابن المنذر: " وأجمعوا على أن ديون الميت التي على الناس إلى أجل، لا تحل بموته، وهي إلى أجلها" (٣).
стр. 168
المبحث الثاني:
تغير الأجل بسبب وفاة المدين وأثرها في حلول الدين (١).
اختلف الفقهاء في حكم حلول أجل الدين بسبب وفاة المدين، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الدين المؤجل لا يحل بموت المدين بشرط توثيقه برهن أو كفيل مليء، فإن تعذر التوثيق حل الدين.
وهو مذهب الحنابلة (٢)، وقول عند المالكية (٣)،
القول الثاني: أن الدين المؤجل يحل بوفاة المدين.
وهو مذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والظاهرية (٧)، ورواية عند الحنابلة (٨).
стр. 169
القول الثالث: عدم حلول الدين المؤجل بموت المدين مطلقاً، بل ينتقل إلى ذمة الورثة بموت مورثهم من غير توثيق والتزام من الورثة.
وهو قول عند المالكية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» (٣).
وجه الدلالة من الحديث:
الوجه الأول: أن النبي ﷺ بيَّن أن حقوق الميت وأمواله تنتقل لورثته من بعده، والأجل حق الميت فيورث عنه كسائر حقوقه، وينتقل الدين إلى الورثة بالصفة التي كان عليها، وقد كان مؤجلاً فيبقى إلى أجله (٤).
стр. 170
نوقش: بأن زيادة لفظة (حقاً) ليست ثابتة (١)، والذي ثبت أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» (٢).
الوجه الثاني: بأنه يصح الاعتياض عن الأجل بالمال كما في زيادة الثمن مقابل تأجيل أدائه، فيورث الأجل عن الميت كما يورث المال (٣).
الدليل الثاني: أن الموت ما جعل مبطلاً للحقوق، وإنما هو ميقات للخلافة، وعلامة على الوراثة، فيبقى الدين المؤجل إلى أجله إذا وثق برهن أو كفيل مليء (٤).
الدليل الثالث: أن الأجل حق للميت، فقام ورثته مقامه كسائر حقوقه إذا وثقه برهن أو كفيل مليء، فإن لم يوثق بذلك حل؛ لأن الورثة قد لا يكونون أملياء ولم يرض بهم الغريم فيؤدي إلى فوات الحق (٥).
الدليل الرابع: أن الأجل يقابله في غالب الأحوال قسط من المال، فلا يجوز أن يقبض البائع الثمن ولا يقبض المشتري أو ورثته العوض عن هذا الثمن وهو الأجل (٦).
يناقش: بأنه يسقط من المال بقدر ما بقي من الأجل.
стр. 171
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١)
وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين، فلا يجوز للورثة قسمة التركة حتى تقضى جميع الديون التي على الميت، سواء الديون العاجلة والآجلة (٢)، وفي تأخير قسمة التركة إلى حلول أجل الدين ضرر على الورثة، فيجب حلول أجل الدين لرفع الضرر عنهم.
نوقش: بأنه لا يلزم من كون قسمة التركة لا تكون إلا بعد قضاء الدين حلول الدين المؤجل؛ إذ أن للورثة تأخير القسمة إلى ما بعد حلول أجل الدين لو أرادوا ذلك، أما إن أرادوا القسمة قبل حلول الدين المؤجل فلابد من توثيق الدين برهن أو كفيل مليء ولا يحل ذلك الدين مع وجود الرهن والكفيل المليء (٣).
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ إِلَى أَجْلٍ وَلَهُ دَيْنٌ إِلَى أَجْلٍ فَالَّذِي عَلَيْهِ حَالٌّ وَالَّذِي لَهُ إِلَى أَجَلِهِ» (٤)
стр. 172
وجه الدلالة من الحديث: أن في هذا الحديث نصًا على أنه إذا مات الرجل وعليه دين، أن الدين يحل بموته (١).
يناقش: بأن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، ولو صح هذا الحديث لكان نصاً في المسألة.
الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» (٢).
وجه الدلالة من الحديث: أن في إبقاء الدين إلى أجله إضرارًا بالميت؛ لأن نفس المؤمن معلقة بدينة (٣).
نوقش: بأن هذا الحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، وعلى فرض صحته (٤) فإن الإضرار يمكن إزالته دون حلول أجل الدين، وذلك بتوثيق الدين برهن أو كفيل مليء، ويدل لهذا حديث سلمة بن الأكوع ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟»، قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ
стр. 173
أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، قَالَ: أَبُو قَتَادَةَ عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ" (١)، فقد ارتفع الضرر عن الميت بعد توثيق دينه بكفالة أبي قتادة ﵁ ولم يتعين لإبراء ذمة الميت حلول الأجل (٢).
يجاب: بأن في حديث سلمة بن الأكوع ﵁ دلالة على حلول الدين المؤجل؛ وذلك أن النبي ﷺ لم يستفصل عن الدين الذي على الميت هل هو حال أو مؤجل؟ مما يدل على العموم، وكفالة أبي قتادة ﵁ ليس فيها دلالة أنه أبقى الدين إلى أجله بل يدل على أنه سيوفي صاحب الحق حقه بعد الصلاة على الميت تعجيلًا لإبراء ذمته.
الدليل الرابع: إن الدين المؤجل كان متعلقاً بذمة المدين في حياته، أما بعد وفاته فلا يخلو هذا الدين: إما أن يبقى في ذمة الميت أو ينتقل إلى ذمم الورثة، أو يتعلق بعين المال المتروك، أما بقاؤه في ذمة الميت فلا يجوز لأن ذمته قد خربت بالموت وتعذرت مطالبته به، وأما انتقاله إلى ذمم الورثة فلا يجوز؛ لأنهم لم يلتزموا بالدين، ولم يرض الدائن بذممهم، فلم يبق إلا أن يتعلق الدين بالمال المتروك فيلزم الوفاء به حالاً (٣).
نوقش: بأن الدين ينتقل إلى ذمم الورثة إذا رضوا، والتزموا بأداء الدين وقت حلوله، وأما عدم رضا الغريم بذممهم فيغنيه عن ذلك توثيق الدين برهن أو كفيل مليء (٤).
стр. 174
الدليل الخامس: أن التأجيل شرع رفقًا بالمدين، وتوسعة عليه، ليكتسب في مدة الأجل، ويؤدي الثمن من نماء المال، وبموته ينتفي هذا المعنى، ويتعين المال الذي تركه لقضاء دينه (١).
نوقش: بأن التأجيل حق للميت ثبت له في حياته فيثبت لورثته من بعده كبقية الحقوق، التي ورثها لهم، وكما أن الموت لا يوجب حلول ماله فكذلك لا يوجب حلول ما عليه (٢).
دليل القول الثالث:
استدلوا بنفس أدلة القول الأول إلا أنهم لم يشترطوا توثيق الدين؛ لأن الحقوق تنتقل للورثة على الصفة التي كانت لمورثهم، وكما أن الدين الذي للميت على الآخرين لا يحل بموته، وينتقل إلى الورثة على صفته فكذلك الدين الذي عليه للآخرين (٣).
نوقش: بأنه لا ينبغي إلزام الورثة بدين لم يلتزموه ولم يتعاطوا سببه، ولو لزمهم ذلك لموت مورثهم، للزمهم وإن لم يخلف وفاء، وبقاء الدين إلى أجله دون توثيق ضرر على صاحب الحق بفوات حقه (٤).
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح
стр. 175
هو أن يخيّر الدائن في ذلك؛ لأنه صاحب الحق، فإن اختار حلول الدين فإنه يجب عليه أن يسقط في ديون المعاوضات من الربح ما يقابل الأجل المتبقي؛ لأن هذا مقتضى العدل (١)، وله أن يبقي الدين إلى أجله إن رضي الورثة بذلك، أو بعد توثيقه برهن أو كفيل مليء.
стр. 176
الخاتمة
وبعد، فالحمد لله الذي طوى عني بُعد هذا البحث، ويسره لي، وفي ختامه أود تدوين أهم النتائج التي توصلت لها، وهي:
• أن الأجل لا يحل بسبب الحجر للإفلاس.
• أن العلماء أجمعوا على أن زيادة الدين على المدين المفلس مقابل التأخير في الأجل محرم.
• أن العلماء أجمعوا على تحريم المماطلة.
• أن العلماء أجمعوا على أن المماطل مستحق للعقوبة التعزيرية، ومن العقوبات التي ذكرها الفقهاء: التشهير به، وملازمته، ومنعه من السفر، وحبسه، وضربه، والحجر على أمواله.
• أن اتفاق المتعاقدين على دفع غرامة مالية عند التأخر في أداء الدين محرم.
• أنه لا يوجد دليل يمنع من التعويض عن الضرر الأدبي -المعنوي- من حيث الأصل.
стр. 177
• أن الدائن لا يجوز له أن يأخذ تعويضًا مقابل الضرر الأدبي الناشئ عن المماطلة إلا بحكم القاضي سدًا لباب الربا.
• أنه لا يجوز تعويض الدائن عما فاته من ربح، أو وقع عليه من خسائر؛ لأن القول بجوازه يفتح أبواب الربا، وفيه أكل لأموال الناس بالباطل، إلا إن كانت هناك خسارة على الدائن وكانت المماطلة هي السبب المباشر في هذه الخسارة، ويشترط أن يكون الحكم بها عند القاضي كي يتم التثبت من كون هذا المطل هو السبب المباشر لهذه الخسارة، وكي يقدر الخسارة الفعلية، ولا يجوز أن يتولاها الدائن كي لا يفتح الباب للمرابين.
• أنه يجوز عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية بشرط أن الذي يسلمها للجهة الخيرية هو المدين وليس الدائن.
• أنه يجوز إلزام المدين المماطل بتكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل.
• أن العلماء أجمعوا على تحريم جدولة الديون التي تشمل الزيادة على الدين.
• أنه يجوز عقد الاستصناع ووضع الشرط الجزائي مقابل تأخير تسليم المستصنع.
• أنه يجوز السلم المقسط وفي حالة انقطاع المسلم فيه يخير المسلم بين الفسخ، والرجوع بالثمن، وبين تمديد الأجل إلى وجوده.
• أنه يجوز إسقاط بعض الدين الحال مطلقًا، وكذا المؤجل إلا إذا كان هناك اتفاق مسبق وزِيدَ في الثمن والأجل على الثمن والأجل المعتاد للسلعة فإنه محرم؛ لأنه تحايل على الربا.
стр. 178
• أنه يجوز مساواة الثمن المؤجل للثمن الحال في بيع الأقساط، والزيادة عليه.
• أنه يجوز إسقاط الأقساط الأخيرة إلا إذا كان هناك اتفاق مسبق وزِيدَ في الثمن والأجل على الثمن والأجل المعتاد للسلعة فإنه محرم؛ لأنه تحايل على الربا.
• أنه لا يجوز اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر معسراً عاجزاً، ويجوز اشتراط حلول بقية الأقساط إذا كان المتأخر موسراً ملياً.
• أن الدين المؤجل لا يحل بموت الدائن، بل يبقى إلى أجله، أما إذا مات المدين فالدائن مخير بين حلوله وإسقاط الربح الذي يقابل الأجل المتبقي في ديون المعاوضات أو يبقيه لأجله إن رضي الورثة أوبتوثيقه برهن أو كفيل مليء.
هذه هي أهم النتائج، وأسأل الله أن يكتب لهذا الكتاب البركة والقبول.
وصلى الله وسلم على بينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 179
الفهارس
أولاً: فهرس المصادر والمراجع.
ثانياً: فهرس الموضوعات.
стр. 180
فهرس المصادر والمراجع
١ - أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، دار أولي النهى، الرياض، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ.
٢ - الاتفاق على إلزام المدين الموسر بتعويض ضرر المماطل، للصديق محمد الأمين الضرير، بحث منشور في مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، مركز النشر العلمي في جامعة الملك عبد العزيز المجلد الثالث، العدد الأول ١٤٠٥ هـ
٣ - الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام (شرح ميارة)، لمحمد بن أحمد ميارة الفاسي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
٤ - الإجماع، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر، تحقيق: صغير أحمد حنيف، مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الثانية ١٤٢٤ هـ.
٥ - الاحتراف في المعاملات المالية، لياسر بن عجيل النشمي، دار الاستثمار، الكويت، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ.
٦ - إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لمحمد بن علي بن دقيق العيد، مكتبة الثقافة الإسلامية، الطبعة الأولى ١٣٧١ هـ.
٧ - أحكام التركات والمواريث، لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر.
٨ - الأحكام السلطانية والولايات الدينية، لعلي بن محمد حبيب الماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، طبعة عام ١٩٨٢ م.
٩ - أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي، تحقيق: علي بن محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة ١٣٩٢ هـ.