الضرر يكون بالإجبار على التنفيذ، وتعزير المعتدي، ولو سلمنا بالتعويض عن الضرر فإنه لا يكون إلا بعد وقوعه ومعرفة قدره؛ لأن تقدير التعويض عن الضرر قبل وقوعه قد يؤدي إلى زيادة التعويض عن الضرر، وفي ذلك أكل لأموال الناس بالباطل (١).
أجيب: بأن الأدلة قائمة على التعويض عن ضرر عدم التنفيذ أو التأخر فيه، وتقدير التعويض عن الضرر الحاصل بالإخلال بالالتزام قبل وقوعه تجب مراعاة العدل فيه، وتراضي الطرفين عليه، وتحديده بمبلغ معلوم، فإذا وقع الضرر بسبب الإخلال بالعقد من الملتزم وجب الوفاء بالشرط تعويضاً عن الضرر، وليس في ذلك أكل للمال بالباطل، وإذا تبين مخالفة الشرط للعدل، وجب الرجوع فيه للعدل، والإنصاف على حسب الضرر الحاصل (٢).
الدليل الثالث: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع من الشروط التي تُعد من مصلحة العقد؛ إذ هو حافز على الوفاء ومنع التلاعب بالعقود (٣).
نوقش: بأن وجود بعض المصالح في هذا الشرط الجزائي لا يدل على إباحته، كما قال الله تعالى عن الخمر والميسر ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٤)، وهذا الشرط الجزائي وإن كان فيه مصلحة، فهي مصلحة ملغاة؛ لقيام الأدلة على إلغائها (٥).
стр. 107
يجاب: بأن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع يترتب عليه من المصالح ما لا يتحقق بدونه، ودعوى أن المصالح في هذا الشرط الجزائي ملغاة غير مسلم، والأدلة التي استدل بها المانعون من الشرط الجزائي لا يُسلم بها.
الدليل الرابع: أنه قد جرى عرف الناس بالشرط الجزائي في عقودهم لاسيما عقود المقاولات، والتوريد، والاستصناع، والعرف إذا لم يصادم نصاً شرعياً يقره الشرع، وعرف التعامل بالشرط الجزائي عرف صحيح شرعاً؛ لأنه لا يعارض دليلاً شرعياً، ولا يبطل واجباً، ولا يحل حراماً، فهو جائز وصحيح (١).
نوقش: بأنه لا اعتبار بعرف الناس بالشرط الجزائي؛ لأنه عرف مخالف للأدلة، والعرف المخالف للأدلة لا يعتد به (٢).
يجاب: بأنه لا يسلَّم أن عرف الناس على هذا الشرط مخالف للأدلة، بل الأدلة تدل على جواز هذا الشرط، وما أورده المانعون من أدلة ظنوا أنها تمنع هذا الشرط لا يسلم بها.
الدليل الخامس: أن الحاجة إلى الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع حاجة ماسة على مستوى الأفراد والمؤسسات، ومن القواعد الفقهية المعتبرة: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٣)، فهذه القاعدة تدل على مراعاة الحاجة، وأنها تنزل منزلة الضرورة، فيباح ما كان فيه حاجة
стр. 108
عامة، ولو اشتمل على بعض المحاذير (١). قال ابن تيمية: "والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر؛ بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك كما أباح بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وإن كان بعض المبيع لم يخلق وكما أباح أن يشترط المشتري ثمرة النخل المؤبر وذلك اشتراء قبل بدو صلاحها؛ لكنه تابع للشجرة وأباح بيع العرايا بخرصها. فأقام التقدير بالخرص مقام التقدير بالكيل عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر" (٢)
نوقش: بأنه لا وجود لحاجة إلى هذا الشرط الجزائي، ففي التعويض القضائي عن الضرر بعد وقوعه غنية عن تقديره بالشرط الجزائي مسبقاً قبل وقوع الضرر (٣).
أجيب: بأن الحاجة إلى هذا الشرط الجزائي ماسة لسد أبواب الفوضى والتلاعب في حقوق عباد الله، وهو سبب من أسباب الوفاء بالعقد وليس في التعويض القضائي بعد وقوع الضرر غنية عنه؛ لأن التعويض القضائي خاصة في هذا العصر يكلف الكثير من الجهد، والوقت، والمال، بل إن بعض القضاة لا يرون التعويض أصلاً عن الضرر الحاصل بالإخلال في العقود والالتزامات، فيقع صاحب الحق في ضرر أشد ومن ثم فالحاجة إلى الشرط الجزائي ماسة (٤).
الدليل السادس: أن العمل بمبدأ السياسة الشرعية يؤدي إلى القول بشرعية الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع؛ لأنه وإن لم يرد في مشروعيته نصوص صريحة خاصة، فإنه لا يصادم دليلاً معيناً، ويحقق مصلحة
стр. 109
ملائمة، ولا يصادم قواعد الشريعة، ولذلك فإن القاضي يستطيع الحكم بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالملتزم له من جراء عدم تنفيذ العقد، أو التأخير في تنفيذه، أو الحكم بالتعويض المقدر في الشرط الجزائي الذي اتفق عليه المتعاقدان ما دام في حدود المعقول، وذلك بمقتضى السلطة التقديرية الممنوحة له فيما لا نص فيه عملًا بمبدأ السياسة الشرعية من إقامة العدل، وإحقاق الحق، ودفع الضرر (١).
نوقش: بأن العمل بالسياسة الشرعية هو فيما لم يرد بحكمه دليل، أو الأمور التي من شأنها التغير والتبدل (٢)، وهذا الشرط الجزائي قد دلت الأدلة على تحريمه فلا مدخل فيه للسياسة الشرعية (٣).
يجاب: بأنه لا يسلم بأن الأدلة تدل على تحريمه، بل إن الأدلة دلت على جوازه كما تقدم.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في حكم المستصنع يؤدي إلى محاذير شرعية كثيرة منها: الجهالة، والغرر، والقمار، وأكل أموال الناس بالباطل؛ لأن هذا الشرط الجزائي قد يكون أكثر من الضرر الواقع، والتنازع والاختلاف مادام أنه يجوز تعديله في حال المغالاة فيه (٤).
نوقش: بأن هذا الشرط الجزائي لا يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه تعويض عن ضرر، لا يستحق إلا بعد وقوعه، وما قد يوجد فيه من غرر
стр. 110
أو جهالة مغتفر للحاجة (١)، بل إنها مفسدة عارضتها مصلحة راجحة وهي سد أبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله، وعند المعارضة تقدم المصلحة الراجحة. قال ابن تيمية: "والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم" (٢)، وهذا الشرط الجزائي لا يؤدي إلى التنازع والاختلاف، بل يؤدي إلى تقليل النزاع والاختلاف حول الضرر ومقدار التعويض عنه إذعاناً للشرط الذي اتفق عليه المتعاقدان، وتراضيا عليه، والرجوع إلى القضاء بعد تقدير التعويض بالشرط الجزائي ليس في كل الأحوال، بل فيما إذا تبيّن أن الشرط الجزائي مبالغ في تقديره مبالغة فاحشة، فيرجع فيه إلى القاضي ليعدله ليتوافق مع العدل (٣).
الدليل الثاني: أن عرف الناس جرى على أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع يستحق بمجرد الإخلال دون ضرر، وأكده الحكم بجواز الشرط الجزائي، وأنه لا يعدل إلا في حالة المغالاة فيه، وفي هذا أكل للمال بالباطل (٤).
يناقش: بأن التأخير في تسليم المستصنع لا يخلو من ضرر إما بفوات منفعة أو حصول مضرة، وعلى فرض عدم وجود ضرر فإنه لا دليل يمنع ما تعارف عليه الناس، وليس فيه أكل للمال بالباطل إذا تم الشرط برضا الملتزم ولم يكن له عذر في التأخير.
стр. 111
الدليل الثالث: أن تقدير التعويض عن الضرر موكول إلى القضاء في جميع الأحوال، فتقديره مسبقا بالشرط الجزائي لا يجوز (١).
نوقش: بأن التعويض عن الضرر موكول إلى القضاء عند التنازع، أما عند الاتفاق فلا يلزم تركه للقضاء (٢) ..
الدليل الرابع: أن الشرط الجزائي في صورته القانونية يعوض عن الأضرار الأدبية والمعنوية، وتفويت الفرصة، والكسب المظنون، ومجرد الإخلال بالالتزام، وهي لا يجوز التعويض المالي عنها، وبالتالي لا يجوز الشرط الجزائي؛ لأن ما يستحق لأجله باطل فهو باطل (٣).
نوقش: بأنه من قال بجواز الشرط الجزائي فإنه لا يجيزه بجميع صوره في القانون، فالشرط الجزائي لا يجوز في الديون، ولا عن الأضرار الأدبية والمعنوية، وإنما يجوز في غير الديون عن الأضرار المادية، وما فات من كسب مؤكد، أو ما لحق من خسارة، وبالتالي فما يستحق التعويض عنه ليس باطلاً (٤).
الدليل الخامس: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع من المعاملات المستحدثة المنقولة عن القانون الوضعي البشري القاصر الذي نظرت إلى مصلحة المشترط فقط، دون الطرف الثاني، والشريعة كفلت تعويض المتضرر بعد وقوع الضرر تحريا للعدل، والحق، والإنصاف، والمساواة بين التعويض والضرر، ومراعاة كلا الطرفين (٥).
стр. 112
نوقش: بأن كون هذه المسألة مستحدثة أو منقولة عن القانون الوضعي لا يمنع من القول بجوازها؛ لأن الأصل في المعاملات الحل والجواز ما لم يقم الدليل البيّن على تحريمها، وفي هذا من التيسير، ورفع الضيق والحرج عن العباد كما تقتضيه نصوص الشريعة وقواعدها، وكون الأصل في التعويض عن الضرر تقديره بعد وقوع الضرر، لا يمنع من تقديره قبل وقوع الضرر باتفاق الطرفين لا سيما إذا دعت الحاجة لذلك، وتوخيا العدل في التقدير، وليس في ذلك إضرار بالملتزم وإن كان فيه مصلحة للمشترط (١).
الدليل السادس: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع ذريعة مفضية إلى أكل أموال الناس بالباطل، وإلى الغرر، والقمار، ومن الأصول المعتبرة شرعاً أصل: "سد الذرائع " (٢) فسداً لهذه الذريعة يمنع الشرط الجزائي (٣).
نوقش: بعدم التسليم بأن هذا الشرط الجزائي ذريعة مفضية لأكل أموال الناس بالباطل، بل هو تعويض عن ضرر، وما قد يكون فيه من غرر مغتفر لدعاء الحاجة إليه، وعلى التسليم بأنه قد يكون ذريعة إلى ذلك فإن ما حرم سداً للذريعة فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة (٤)، كما حرم ربا الفضل سداً لذريعة ربا النسيئة وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا، وغيرها كثير، فمتى ما فاتت بأصل سد الذرائع مصلحة راجحة لم يلتفت إليه (٥).
стр. 113
دليل القول الثالث:
أنه يجوز الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع في حال عدم التنفيذ قياساً على مسألة العربون، ووجه ذلك: أن كلاً منهما شرط يوجب على من أخل بالعقد دفع مبلغ مالي يجري تقديره سلفًا قبل حصول الضرر، ولا يجوز في حال التأخير في التنفيذ؛ لأن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرباً من الالتزام (الدين) فالشرط الجزائي عن التأخير في التنفيذ في حكم ربا النسيئة: تقضي أم تربي؟ (١).
نوقش: بأن هناك فرقاً بين العربون وبين الشرط الجزائي، فالعربون يدفع المبلغ مقدماً، ولا يشترط حصول الضرر، بعكس الشرط الجزائي فلا يصح القياس عليه، وعلى التسليم بأن الشرط الجزائي يشبه العربون في حال عدم التنفيذ، فإنه يلزم على ذلك جوازه عن التأخير في التنفيذ أيضاً؛ لأن كلاً منهما إما أن يكونا عقوبة، أو تعويضاً عن الضرر المتوقع يقدر سلفاً قبل وقوعه، ويستوي في ذلك كون الشرط الجزائي عن عدم التنفيذ أو عن التأخير في التنفيذ، ما دام في غير الديون (٢)، وكون المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضربًا من الالتزام لا خلاف فيه، وأما كون هذا الالتزام مساوياً للدين فغير مسلم؛ لأن الالتزام أعم من الدين، فكل دين التزام وليس كل التزام ديناً، والالتزام هنا ليس ديناً بل هو التزام بأداء عمل لا يستحقون مقابله إلا بعد أدائه، وهو يختلف اختلافاً كثيراً عن التزام المقترض والمشتري بثمن مؤجل والمسلم إليه فالتزام هؤلاء الثلاثة دين حقيقي ثبت في ذمتهم وأخذوا مقابلة (٣).
стр. 114
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز الشرط الجزائي مقابل تأخير تسليم المستصنع؛ وذلك لأن الأصل في الشروط الحل ما لم يقم دليل على منعها، ولم يقم دليل يمنع من ذلك ويشترط للقول بالجواز ألا يكون هناك عذر في التأخير، وألا يكون المال كثيرًا عرفًا، فإن كان هناك عذر فلا يجوز؛ لأنه أكل للمال بالباطل، وإن كان المال كثيرًا عرفًا فيجب الرجوع للعدل فيه، وإن اختلفا رجعا لأهل الخبرة، أو للقاضي كي يفصل بينهما (١).
стр. 115
الفصل الخامس
في تغير الأجل بسبب انقطاع المسلم فيه
وفيه ثلاثة مباحث، هي:
المبحث الأول: حكم السلم.
المبحث الثاني: حكم السلم المقسط.
المبحث الثالث: حكم تمديد الأجل بسبب انقطاع المسلم فيه.
стр. 116
المبحث الأول:
حكم السَّلم
السَّلم في اللغة التسليم والتقديم، سمي بذلك؛ لأن فيه تقديمًا لرأس مال السلم وتسليما له في مجلس العقد (١)، والسلم والسلف بمعنى واحد، ولكن السلم لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق (٢).
والسَّلم في الاصطلاح: "عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد" (٣)، وسمي هذا العقد بالسلم والسلف"لكونه معجلاً على وقته فإن أوان البيع ما بعد وجود المعقود عليه في ملك العاقد وإنما يقبل السلم في العادة فيما ليس بموجود في ملكه فلكون العقد معجلاً على وقته سمي سلمًا وسلفًا" (٤).
وقد أجمع العلماء على جواز السَّلم (٥)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
стр. 117
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١).
وجه الدلالة من الآية: أن هذه الآية أباحت الدين، والسلم نوع من أنواع الديون، قال ابن عباس-﵄ قال: "أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، إِنَّ اللَّهَ أَحَلَّهُ وَأَذِنَ فِيهِ" ثم قرأ هذه الآية (٢).
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄: "قدم النبي ﷺ المدينة والناس يسلفون في التمر السنتين والثلاث، فقال ﷺ : «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (٣).
وجه الدلالة من الحديث: أن في أمر النبي ﷺ أن يكون السلم إلى أجل معلوم، ووزن معلوم، وكيل معلوم، دليلًا على مشروعيته.
الدليل الثالث: عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، ﵄، قالا: «كُنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى» (٤).
стр. 118
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على مشروعية السلم؛ حيث تعامل به الصحابة ﵃ في عصر النبي ﷺ ، ولم ينهَ النبي ﷺ عن ذلك، بل أمر أن يكون معلوم الوزن، والكيل، والأجل.
الدليل الرابع: إجماع العلماء على جواز السلم. قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن السلم الجائز أن يسلم الرجل صاحبه في طعام معلوم، موصوف … " (١)، وقال ابن قدامة "وأما الإجماع، فقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز" (٢)، وقال النووي: " أجمع المسلمون على جواز السلم " (٣).
стр. 119
المبحث الثاني:
حكم السَّلم المقسَّط.
المقصود بالسلم المقسط: هو أن يسلم في شيء واحد، على أن يقبضه في أوقات متفرقة أجزاء معلومة (١).
وقد اختلف الفقهاء في حكم السلم المقسط على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز السلم المقسط مطلقاً دون بيان أجل كل قسط وثمنه.
وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥).
القول الثاني: عدم جواز السلم المقسط مطلقاً. وهو قول عند الشافعية (٦).
القول الثالث: جواز السلم المقسط إذا بُيّن أجل كل قسط وثمنه، وإذا لم يبين لم يجز.
стр. 120
وهو مذهب الحنابلة (١)، وقول للشافعي (٢).
دليل القول الأول: القياس على الثمن المقسَّط في البيع المطلق، فكل بيع جاز في جنس واحد وأجل واحد جاز في جنسين وفي أجلين (٣).
دليل القول الثاني: أن ثمن المسلم فيه المؤخر أقل من ثمن المسلم فيه المقدم، فتقع الصفقة لا يعرف ثمن كل واحد من القسطين، فيكون ثمن كل قسط مجهولاً، فلا يجوز (٤).
نوقش: بأن بيع الأعيان يجوز إلى أجلين وفي جنسين مع الجهل بما يقابل كل واحد منهما، والسلم كبيع الأعيان (٥).
ويناقش أيضًا: بأن هذه الجهالة تزول إذا بُيّن أجل كل قسط وثمنه.
دليل القول الثالث: استدلوا على جوازه بما استدل به اصحاب القول الأول، وهو أن كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى أجلين وآجال، واشترطوا إن يبين قسط كل أجل وثمنه؛ لأنه لو تعذر قبض الباقي فإن الأجل الأبعد يستحق أقل من الأجل الأقرب، فاعتبر معرفة قسطه وثمنه، وإذ لم يبين لم يصح (٦).
نوقش: بأنه إذا قبض البعض وتعذر قبض الباقي، ففسخ العقد، رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل للباقي فضلاً عن المقبوض؛ لأنه مبيع واحد
стр. 121
متماثل الأجزاء، فيقسط الثمن على أجزائه بالسوية، كما لو اتفق أجله (١).
يجاب: بأنه ليس من العدل أن يقسط الثمن على أجزائه بالسوية؛ فإن الأجل الأبعد لا يساوي الأجل الأقرب في السَّلم، وفي عدم بيان قسط كل أجل وثمنه فتح لباب الاختلاف بين الناس، وإشغال للمحاكم بهذه الخلافات، والشريعة جاءت بغلق الأبواب التي تسبب العداوة والبغضاء بين الناس.
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الثالث، القائل بجواز السلم المقسط إذا بُيّن أجل كل قسط وثمنه؛ وذلك لأن السلم بيع، وكل بيع جاز إلى أجل جاز إلى أجلين وإلى آجال، وفي بيان قسط كل أجل وثمنه غلق لباب الاختلاف بين الناس، والشريعة قيَّدت السلم الجائز ببيان أجله ووزنه أو كيله؛ لغلق باب الاختلاف بين الناس، ولما يترتب عليه من عداوة وبغضاء بينهم.
стр. 122
المبحث الثالث:
حكم تمديد الأجل بسبب انقطاع المسلم فيه.
اختلف الفقهاء في حكم تمديد الأجل بسب انقطاع المُسْلَم فيه، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يخير المُسْلِم بين الفسخ، وبين تمديد الأجل إلى وجوده.
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥).
القول الثاني: أن العقد ينفسخ، ويسترد المُسْلِمُ رأسَ المال.
وهو قول عند الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).
стр. 123
القول الثالث: أن العقد لا ينفسخ، ويمدد المُسْلِمُ الأجلَ إلى وجوده.
وهو قول عند المالكية (١).
دليل القول الأول: أن هذا العقد صحيح، وقد وقع على موصوف في الذمة، فهو باق على أصله، وليس من شرط جوازه أن يكون في نفس الأجل الذي حدد، وإنما هو شيء شرطه المسلم فهو بالخيار (٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن المعقود عليه قد هلك بتعذر تسليمه، فاقتضى انفساخ العقد، كما لو شرى بفلوس ثم كسدت قبل القبض، يبطل العقد، فكذا هنا (٣).
نوقش: بأن المسلم فيه متعلق بالذمة، لا في شيء معين كما في الفلوس الكاسدة قبل القبض، وما في الذمة باق على أصله (٤).
الدليل الثاني: أن في تأجيل المسلم فيه بيعًا للدين بالدين، وبيع الدين بالدين محرم (٥).
يناقش: بعدم التسليم بأن فيه بيع دين بدين، بل إن فيه تأجل الدين إلى وقت وجوده.
стр. 124
دليل القول الثالث: أنه عقد ثبت بينهما فلا يجوز فسخه، ولم يوجد ما يوجب فسخ العقد، فعلى المسلم تمديد الأجل إلى حين وجوده (١).
يناقش: بأن هذا العقد تم بشرط التسليم في أجل مسمى، فإذا لم يتم هذا الشرط وهو التسليم في الأجل فإن لصاحب الحق الفسخ، وإلزامه بتمديد الأجل إلى حين وجود المسلم فيه ضرر عليه، فيخير بين الفسخ، وتمديد الأجل، رفعًا للضرر عنه.
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بتخيير المسلم بين الفسخ، والرجوع بالثمن، وبين تمديد الأجل إلى وجوده؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولضعف الأقوال الأخرى بما ورد على أدلتها من مناقشة، ولأن هذا العقد تم بشرط التسليم في أجل مسمى فإن جاء الأجل ولم يستلم ما تم العقد عليه فإنه بالخيار، بين تمديد الأجل، وفسخ العقد، والأولى للمُسلم مراعاة حال المسلم إليه فإن كان في التأجيل توسيع له دون ضرر على المسلم فليمدد الأجل إلى حين وجود المسلم فيه.
стр. 125
الفصل السادس
في تغير الأجل بالمصالحة على الوضع مقابل التعجيل
(ضع وتعجل)
وفيه أربعة مباحث، هي:
المبحث الأول: حكم إسقاط بعض الدين الحال دون شرط.
المبحث الثاني: حكم إسقاط بعض الدين الحال بالشرط.
المبحث الثالث: حكم إسقاط بعض الدين المؤجل وتعجيله، دون شرط.
المبحث الرابع: حكم إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل.
стр. 126
المبحث الأول:
حكم إسقاط بعض الدين الحال دون شرط (١).
اتفق الفقهاء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦) على جواز إسقاط بعض الدين الحال إذا لم يكن عن شرط، وكان على سبيل التبرع والإحسان، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
الدليل الأول: عن كعب بن مالك ﵁: "أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: «يَا كَعْبُ»، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ،
стр. 127
«فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ»، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قُمْ فَاقْضِهِ» " (١).
وجه الدلالة من الحديث: أن كعب بن مالك أسقط بعض دينه الحال مقابل أخذ الباقي منه دون شرط، استجابة لأمر النبي ﷺ ، وفي ذلك دلالة على جواز إسقاط بعض الدين الحال مقابل أخذ باقيه دون شرط، بل إنه من فعل الخير الذي حث عليه الشرع (٢)، قال ابن حزم: "أن يعطيه بعض ما له عليه ويبرئه الذي له الحق من باقيه باختياره، ولو شاء أن يأخذ ما أبرأه منه لفعل: فهذا حسن جائز بلا خلاف، وهو فعل خير" (٣).
الدليل الثاني: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي، فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ حَائِطِي، وَقَالَ: «سَنَغْدُو عَلَيْكَ»، فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالْبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا، فَقَضَيْتُهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا" (٤).
وجه الدلالة من الحديث: أنه في طلب النبي ﷺ من الغرماء أن يقبلوا تمر حائط جابر بن عبد الله ﵄ ويحللوا والده من الباقي دلالة على جواز إسقاط بعض الدين الحال مقابل أخذ باقيه دون شرط، وأنه من الأمور المشروعة بدلالة شفاعة النبي ﷺ فيها.
стр. 128
المبحث الثاني:
حكم إسقاط بعض الدين الحال بالشرط (١).
اختلف الفقهاء في حكم إسقاط بعض الدين الحال بالشرط على قولين:
القول الأول: أن ذلك جائز
وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥).
القول الثاني: أن ذلك لا يجوز.
وهو مذهب الحنابلة (٦)، والظاهرية (٧)، وقول عند الشافعية (٨).
стр. 129
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على منعه، وإسقاط بعض الدين الحال بالشرط صحيح، ولم يبين الله ولا رسوله ﷺ لنا تحريمه، فدل على جوازه وأنه يجب الوفاء به (١).
الدليل الثاني: أن إسقاط بعض الدين الحال لا يفتقر إلى قبول المبرأ، ولا رضاه، فصح تعليقه بالشرط، كالعتق والطلاق (٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن كل شرط، أو عقد، أو عهد، لم يرد في الشرع ما يدل على جوازه وإباحته، فهو مردود؛ لأنه ليس في كتاب الله، وليس عليه أمر النبي ﷺ (٣).
نوقش: بأن الشرط المردود هو المخالف لحكم الله تعالى، بأن يكون المشروط مما حرمه الله تعالى، أو رسوله ﷺ ، وأما إذا كان المشروط مما لم يحرمه الله، ولم يحرمه رسوله ﷺ فإنه لا يكون مخالفاً لكتاب الله وشرطه، ولا لأمر النبي ﷺ (٤).
الدليل الثاني: أن المدين إذا كان مقراً بما عليه من دين فإنه يجب عليه دفعه كاملاً، فإذا دفع أقل مما عليه كان في ذلك هضم لصاحب الحق، وفي ذلك أكل للمال بالباطل (٥).
стр. 130
نوقش: بأن هضم صاحب الحق يكون لو امتنع المدين من أداء دينه الحال حتى يضع عنه، أما إذا كان المدين مقراً بما عليه، ووضع عنه صاحب الحق بعض الدين الحال مقابل شرط فليس في ذلك هضم لصاحب الحق (١).
الدليل الثالث: أن إسقاط بعض الدين الحال إبراء، والإبراء فيه معنى التمليك، والأصل في التمليك أنه لا يقبل التعليق بالشرط، كالهبة (٢).
نوقش: بعدم التسليم بأن الإبراء فيه معنى التمليك، بل هو إسقاط محض، ولهذا لا يفتقر إلى قبول المبرأ، ولا رضاه، ولا يرتد بالرد فهو بالعتق والطلاق أشبه منه بالتمليك، وعلى فرض التسليم بأن الإبراء تمليك كالهبة، فإنه لا يسلم بأن الهبة لا تقبل التعليق على شرط، فلا نص، ولا إجماع يدل على بطلان تعليق الهبة بالشرط (٣).
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز إسقاط بعض الدين الحال بالشرط؛ وذلك لأن الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ماقام دليل على منعه، ولم يقم دليل على منع إسقاط بعض الدين الحال مقابل الشرط، إلا إن امتنع المدين من أداء دينه الحال حتى يضع عنه الدائن بعضه فإنه لا يجوز؛ لأن فيه هضمًا لصاحب الحق، وأكلًا للمال بالباطل.
стр. 131
المبحث الثالث:
حكم إسقاط بعض الدين المؤجل وتعجيله، دون شرط (١).
اختلف الفقهاء في حكم إسقاط بعض الدين المؤجل وتعجيله إذا كان الإسقاط والتعجيل بغير شرط ولا مواطأة من الدائن والمدين على قولين:
القول الأول: أنه جائز.
وهو مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥).
القول الثاني: أنه لا يجوز.
وهو مذهب المالكية (٦)
стр. 132
دليل القول الأول: أن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما دل الدليل على منعه ولا دليل يمنع من ذلك، بل إن كل واحد منهما محسن، ومتبرع ببذل حقه من غير عوض (١).
دليل القول الثاني: بأن ذلك بمنزلة الذي يؤخر دينه بعد محله عن غريمه ويزيده الغريم في حقه، فهذا الربا بعينه (٢)، وإن لم يكن ربا فهو ذريعة للربا، وفي المنع منه سدًا لذريعة الربا. قال السبكي (٣): "قال مالك ﵀ هو باطل مطلقاً-يعني ضع وتعجل- سواء جرى بشرط أم بغير شرط للتهمة وذلك قاعدة مذهبه" (٤)، وقال ابن القيم (٥): "وأما مالك فإنه لا يجوزه مع الشرط ولا بدونه سداً للذريعة" (٦).
يناقش: بالفرق بين مسألة ضع وتعجل وبين الربا، فالربا زيادة في الأجل الحال مع زيادة في الثمن، وهذه عكس الربا فهي إسقاط من الثمن مقابل التعجيل بالأجل، ومن شروط سد الذريعة أن تفضي الذريعة إلى المقصود
стр. 133
غالبًا، وإذا لم يكن هناك شرط ولا مواطأة بين الدائن والمدين فإن ذريعة الربا بعيدة، وغير محققة في الغالب.
الترجيح: بعد عرض القولين، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل بجواز إسقاط بعض الدين المؤجل وتعجيله إذا كان الإسقاط والتعجيل بغير شرط ولا مواطأة من الدائن والمدين؛ وذلك لأن الأصل في العقود الصحة إلا ما قام الدليل بمنعه، ولم يقم دليل يمنع من إسقاط بعض الدين المؤجل وتعجيله إذا كان الإسقاط والتعجيل بغير شرط ولا مواطأة من الدائن والمدين.
стр. 134
المبحث الرابع: حكم إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل (ضع وتعجل)
المقصود بمسألة ضع وتعجل هي: أن يصطلح الدائن والمدين على إسقاط بعض الدين بشرط التعجيل بسداد الباقي، "قال سفيان بن عيينة (١): تفسير عجل لي وأضع عنك، إذا كان لي عليك ألف درهم إلى أجل فقلت أعطني من حقي الذي عندك تسع مائة ولك مائة" (٢).
وقد اختلف الفقهاء في حكم إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل (ضع وتعجل)، على أربعة أقوال:
القول الأول: جواز إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل.
وهو رواية عند الحنابلة (٣)، واختيار ابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥).
стр. 135
القول الثاني: عدم جواز اسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل.
وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والظاهرية (٣).
القول الثالث: جواز إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل في دين الكتابة فقط. وهو مذهب الحنفية (٤)، والحنابلة (٥).
القول الرابع: جواز إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل في البيع بثمن مؤجل زائد عن الثمن الحال إذا كان الساقط جزءًا من ربحه مقابل الأجل بقسطه.
وهو قول لبعض الحنفية (٦)، وبعض الحنابلة (٧).
стр. 136
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: "لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ لَنَا دُيُونًا عَلَى النَّاسِ، قَالَ: «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» " (١).
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على جواز إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل أخذ باقيه، حيث أرشد النبي ﷺ يهود بني النضير إلى ذلك.
نوقش: بأن هذا الحديث ضعيف، لا ينهض للاحتجاج به، وعلى فرض صحته (٢) فإن ذلك كان قبل نزول تحريم الربا، فإجلاء بني النضير كان على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وتحريم الربا كان في غزوة خيبر (٣).
الدليل الثاني: أن الأصل في العقود والشروط الصحة والإباحة، حتى يقوم الدليل على التحريم، ولا دليل يدل على عدم جواز إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله لا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس صحيح (٤).
стр. 137
يناقش: بالتسليم إن كان الإسقاط دون اتفاق مسبق، إما إن كان إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله تم باتفاق مسبق بين المتعاقدين فإن في ذلك فتحًا لأبواب الربا، والشريعة جاءت بإغلاق أبواب الربا، والبعد عنه.
الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ "سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى أَجَلٍ، فَيَقُولُ: عَجِّلْ لِي وَأَضَعُ عَنْكَ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ" (١)
وجه الدلالة من الأثر: أن ابن عباس ﵄ أفتى بجواز إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل التعجيل، وأن ذلك ليس من الربا.
يناقش: بأنه في حجية قول الصحابي خلاف والراجح أنه لا حجة فيه (٢)، وعلى فرض حجيته فقد خالفه من الصحابة ابن عمر (٣)،
стр. 138
وزيد بن ثابت (١) ﵃ فروي عنهما المنع من ذلك، ورأي الصحابي لا يكون حجة إذا خالفه غيره من الصحابة (٢).
الدليل الرابع: أن الشارع يتشوف إلى براءة الذمم من الديون، وفي إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله تحقيق لذلك من غير ضرر ولا مخالفة (٣).
الدليل الخامس: أن إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله عكس الربا، فإن الربا يتضمن الزيادة في الدين في مقابلة تأجيله (زدني وأنظرك) وهذا يتضمن براءة ذمة المدين من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل (٤).
الدليل السادس: أن الدائن، والمدين يملكان فسخ العقد الذي تم بثمن مؤجل، وجعل العوض حالاً أنقص مما كان، وهذا هو حقيقة الوضع والتعجيل، فإذا منعا منه تحيلا عليه بذلك، والعبرة في العقود بمقاصدها لا بصورها، فإذا كان في الوضع والتعجيل مفسدة، فالاحتيال عليه لا يزيل مفسدته، وإن لم يكن فيه مفسدة لم يحتج إلى الاحتيال (٥).
стр. 139
يناقش: بأن تحايل الناس ليس مبررًا لتغيير الأحكام، بل تبقى المسألة على حكمها ويمنع التحايل عليها.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن المقداد بن الأسود ﵁ أنه قال: "أَسْلَفْتُ رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ، ثُمَّ خَرَجَ سَهْمِي فِي بَعَثٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: عَجِّلْ لِي تِسْعِينَ دِينَارًا وَأَحُطُّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَكَلْتَ رِبًا يَا مِقْدَادُ، وَأَطْعَمْتَهُ» " (١).
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على تحريم إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله؛ لأن النبي ﷺ سماه ربا، والربا محرم.
يناقش: بأن هذا الحديث ضعيف، لا ينهض للاحتجاج به.
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ الشِّغَارِ … وعَن بيع عاجل بآجل .... وَالْعَاجِلُ بِالآجِلِ: أَنْ يَكُونَ لَكَ عَلَى الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَيَقُولُ رَجُلٌ: أُعَجِّلُ لك خمسمِئَة وَدَعِ الْبَقِيَّةَ" (٢).
стр. 140
وجه الدلالة من الحديث: أن الحديث دلَّ على النهي عن بيع آجل بعاجل وهو إسقاط بعض الدين مقابل تعجيل باقيه.
يناقش: بأن هذا الحديث ضعيف، لا ينهض للاحتجاج به.
الدليل الثالث: أنه جاء عن ابن عمر (١)، وزيد بن ثابت (٢) النهي عن إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله، فدل ذلك على تحريمه (٣).
يناقش: بأنه لا حجة في قول الصحابي، وعلى التسليم بحجيته فإنه معارض بما ورد عن ابن عباس ﵄ (٤) من القول بجواز إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله، وأنه ليس من الربا، ورأي الصحابي لا يكون حجة إذا خالف غيره من الصحابة (٥).
الدليل الرابع: أن إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله، يؤدي إلى قرض جر نفعاً، وبيانه: أن من عجل شيئاً قبل وجوبه، وهو المدين هنا، يعد مقرضاً لما عجله، فقد أقرض الآن ثمانية، ليقتضي من نفسه عشرة عند حلول الأجل، فلا يجوز (٦).
نوقش: بعدم التسليم بأن إسقاط بعض الدين مقابل تعجيله يعد قرضاً، فالقرض عقد إرفاق بالمقترض، وهنا المرتفق هو المقرض فقد تعجل ما عليه مقابل سقوط بعض الدين عن ذمته، فالإرفاق في جانبه أظهر منه في جانب
стр. 141
الدائن المتعجل بعض حقه، وأيضا فإن مقصود الدائن هنا استيفاء ماله (١).
الدليل الخامس: قياس إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله على الزيادة في الدين الحال مقابل تأجيله بجامع الاعتياض عن الأجل في كليهما، فزد وتأجل لما زاد له في الأجل وأخره، زاد له مقابله في الدين، وفي إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله لما وضع له من الأجل المستحق بالعقد، وضع له في مقابله من الدين، فتبين أن إسقاط بعض الدين مقابل تعجيله ربا، ولا يجوز (٢).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: بأن الاعتياض عن الأجل لا يصح إذا كان مؤديا إلى الربا، وأما إن لم يكن كذلك فليس هناك ما يدل على التحريم، والأصل في المعاملات الحل، وقد قام الدليل على جواز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، وما ذلك إلا لأجل تأجيله (٣)
الوجه الثاني: بأن قياس إسقاط بعض الدين مقابل تعجيله على الزيادة على الدين الحال مقابل زيادة الأجل، وأن هذا ربا قياس مع الفارق، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن الربا هو الزيادة، وهي منتفية في الوضع مع التعجيل؛ لأنه نقص لا زيادة، فانتفى معنى الربا لغة، وشرعاً (٤).
стр. 142
الوجه الثاني: أن إسقاط بعض الدين المؤجل مقابل تعجيله عكس الربا، فإن الربا يتضمن الزيادة في الدين، والزيادة في الأجل، وضع وتعجل تتضمن النقص من الدين، والنقص من الأجل، والربا إضرار محض بالمدين، ونفعه مختص برب الدين، وضع وتعجل تتضمن براءة ذمة المدين، وانتفاع الدائن بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر بالآخر (١).
الوجه الثالث: أن العوض عن الأجل في ضع وتعجل ساقط من ذمة المدين، والعوض عن الأجل في زد وتأجل واجب في ذمة المدين (٢).
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول: أن المكاتب لا يجري بينه، وبين سيده ربا فجاز إسقاط بعض دينه مقابل التعجيل في باقي دينه (٣).
نوقش: بعدم التسليم بأن المكاتب لا يجري بينه وبين سيده ربا، فالمكاتب مع سيده أجنبي في باب المعاملات، وإسقاط بعض دين المكاتب مقابل تعجيله جائز لانتفاء حقيقة الربا في هذه المعاملة، وسائر الديون كدين المكاتب (٤).
الدليل الثاني: أن معنى الإرفاق فيما بين المكاتب وسيده، أظهر من معنى المعاوضة، فلا يكون هذا مقابلة الأجل ببعض المال، ولكنه إرفاق من السيد بإسقاط بعض دين مكاتبه (٥).
стр. 143
نوقش: بأن معنى الإرفاق متحقق في دين الكتابة، وغيره من الديون، فهو إرفاق من الدائن بإسقاط بعض حقه، وإرفاق من المدين بتعجيل أجل الوفاء ليبرئ ذمته (١).
دليل القول الرابع: بأنه إن كان الساقط من الدين جزء من ربحه مقابل الأجل بقسطه فلا وجود لشبهة الربا؛ ووجه أن الربح في مقابلة الأجل، لأن الأجل وإن لم يكن مالا، ولا يقابله شيء من الثمن لكن اعتبروه مالًا في المرابحة إذا ذكر الأجل بمقابلة زيادة الثمن، فلو أخذ كل الثمن قبل الحلول كان أخذه بلا عوض (٢).
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز إسقاط بعض الدين المؤجل بشرط تعجيل الأجل؛ وذلك لأن الأصل في العقود والشروط الحل والإباحة، فلا نخرج عن هذا اليقين إلا بيقين، ولم يوجد في أدلة المانعين ما يقوى على المنع، إلا إذا كان هناك اتفاق مسبق وزِيدَ في الثمن والأجل على الثمن والأجل المعتاد للسلعة فإنه محرم؛ لأنه تحايل على الربا، فقد يكون للسلعة ثمن مؤجل فيتفق المتعاقدان على الزيادة على هذا الأجل، مقابل الزيادة في الثمن، وأنه متى تم الوفاء في الأجل الأول المعتاد فإنه تسقط الزيادة كاملة، وإذا تأخر تبقى عليه من الزيادة بقدر ما بقى عليه من الأجل، وهذا تحايل على الربا، أما إن لم تكن هناك زيادة على الثمن المؤجل المعتاد واتفق المتعاقدان على إنه إن عجل المدين الوفاء وضع عنه الدائن ما يقابل الأجل من الربح فإن هذا جائز، وفيه مصلحة للطرفين.
стр. 144
الفصل السابع
في تغير الأجل بإسقاط الأقساط الأخيرة
وفيه ثلاثة مباحث، هي:
المبحث الأول: حكم بيع الأقساط.
المبحث الثاني: حكم إسقاط الأقساط الأخيرة مقابل انتظام المدين بالتسديد دون شرط.
المبحث الثالث: حكم إسقاط الأقساط الأخيرة بشرط انتظام المدين بالتسديد.
стр. 145
المبحث الأول
حكم بيع الأقساط
وفيه مطلبان، هما:
المطلب الأول: حكم مساواة الثمن المؤجل للثمن الحال في بيع الأقساط.
المطلب الثاني: حكم زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال في بيع الأقساط.
المطلب الأول:
حكم مساواة الثمن المؤجل للثمن الحال في بيع الأقساط.
الأقساط لغة: جمع قسط والقسط: الحصة والنصيب، يقال: أخذ كل واحد من الشركاء قسطه أي حصته ونصيبه (١).
والأقساط اصطلاحًا: "عقد على مبيع حال، بثمن مؤجل، يؤدى مفرقًا على أجزاء معلومة، في أوقات معلومة" (٢).
ومصطلح بيع الأقساط حادث؛ فالفقهاء المتقدمون تكلموا عن بيع الأقساط عند كلامهم عن البيع المؤجل الثمن، ولكنهم لم يسموه ببيع الأقساط (٣).