نوقش: بعدم التسليم بأن عدم تغريم المدين المماطل يستلزم منه مساواته بغيره، بل اعتبره النبي ﷺ ظالماً، وأحل عقوبته بما يزجره من التشهير به، ومنعه من السفر، وضربه، وحبسه، وغيرها من العقوبات التعزيرية، وبهذا لا تكون مساواة بين المماطل والعادل المؤدي لحق غيره (١).
الدليل السابع: أن المطل في أداء الحق يشبه الغصب؛ وذلك أن التعدي على الديون يكون بحجبها عن صاحبها؛ لأن مقرها الذمم وليست أعياناً قائمة يتأتى فيها الغصب المادي، والمماطلة حجب للمال عن صاحبه فهي كالغصب للأعيان، فيلزمه بضمان منافع الدين كما يضمن الغاصب منافع العين المغصوبة مدة الغصب (٢).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن القائلين بضمان منافع العين المغصوبة على الغاصب يشترطون أن تكون المنفعة مما يصح أخذ العوض عنها، وذلك بأن يكون المغصوب من الأعيان التي يصح أن يرد عليها عقد الإجارة (٣). وهذا الشرط
стр. 72
غير متحقق في الأموال التي ماطل بها المدين إذا كانت من النقود وهو الغالب في هذا الزمن، لكون النقود أموالا لا تصح إجارتها بالإجماع (١).
الوجه الثاني: أن قياس تضمين المماطل منافع الدين الذي ماطل به، على تضمين الغاصب لمنافع العين المغصوبة قياس مع الفارق؛ وذلك أن قابلية النقود للربح بالاستثمار غير متحققة بصورة قطعية، فقد يتاجر بها فتربح أو تخسر، وهو أيضاً غير متقوم فقد يربح كثيراً وقد يربح قليلاً، وهذا بخلاف الأعيان المادية إذ يصح أخذ العوض عن منافعها بورود عقد الإجارة عليها، كما أن منافعها متقومة محققة لها أجرة المثل (٢).
الدليل الثامن: قياس جواز تغريم المدين المماطل بغرامة مالية على جواز بيع العربون (٣) بجامع تفويت الفرصة في كل منهما؛ وذلك أن التعويض عن منفعة العدول عن إتمام العقد مظنونة غير محققة، ومع هذا فقد اعتبر الضمان لتلك المنفعة المظنونة أمراً مشروعاً، فيقاس عليه جواز تغريم المدين المماطل مقابل ما فوته على الدائن من منافع ماله (٤).
стр. 73
نوقش: بعدم التسليم بجواز بيع العربون (١)؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل (٢)، وعلى فرض جوازه فإن قياس تغريم المدين المماطل على بيع العربون قياس مع الفارق؛ وذلك من أوجه:
الوجه الأول: أن الدين ليس كالبيع في كثير من الأحكام الشرعية، فما جاز في البيع قد لا يجوز في الدين؛ لأن الشارع احتاط في الديون كيلا يترتب عليها رباً محرم، وتغريم المدين المماطل زيادة على أصل الدين حرام؛ لكونها نوعاً من الربا (٣).
الوجه الثاني: أن تغريم المدين المماطل عن الضرر الناتج عن تأخره في سداد الدين مجهول، والجهالة فيه من جهة الوجود، ومن جهة التحصيل، ومن جهة المقدار، ومن جهة الزمن، أما مبلغ العربون فهو معلوم أثناء العقد (٤).
الوجه الثالث: أن تغريم المدين المماطل يقدر عند وقوع الضرر، فلا يستحق التعويض إلا إذا وقع الضرر، أما العربون فهو مقابل لحق العدول عن العقد فالإلتزام بدفع العربون قائم حتى لو لم يترتب على العدول عن العقد أي ضرر (٥).
стр. 74
الدليل التاسع: قياس تغريم المدين المماطل بالغرامة المالية على جواز إلزام العاقد بالتعويض المالي بالشرط الجزائي في غير الديون (١)، بجامع أن كليهما ضمان لمنفعة مظنونة غير محققة الوقوع (٢).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن التسليم بالشرط الجزائي جملة لا يلزم منه تصحيح كل شرط جزائي، بل القول بصحته في آحاد المسائل رهين التسليم باعتبار المنفعة التي يراد الاعتياض عنها، ومنفعة الدين مدة تأخيره غير معتبرة شرعاً في باب المعاوضات؛ لذا فإن العلماء الذين أجازوا الشرط الجزائي استثنوا من ذلك الشرط الجزائي في الديون (٣)؛ لأنه من قبيل ربا الجاهلية المحرم (٤).
الوجه الثاني: أن قياس جواز تغريم المدين المماطل على جواز الشرط الجزائي في غير الديون قياس مع الفارق؛ وذلك أن التعويض في الشرط الجزائي يصح تحديده باتفاق المتعاقدين عند بداية العقد، بينما التعويض عن
стр. 75
ضرر التأخر في سداد الديون لا يصح تحديده ابتداءً بالاتفاق (١)، ولا يلزم أن يكون الشرط الجزائي بمقدار الضرر الحقيقي، بل لهم أن يتفقوا على أي مبلغ ما لم يكن كثيراً عرفاً يظهر أن القصد منه التهديد المالي (٢).
أدلة القول الثالث:
أدلة أصحاب القول الثالث لا تخرج عن أدلة القول الثاني، إلا أنهم اشترطوا أن يكون التعويض عن ضرر الخسائر الواقعة فعلًا بسبب مماطلة المدين، وليس عن ضرر محتمل أو ربح متوقع أو محقق الوقوع، ويرد عليه من المناقشة والتوجيه ما ورد على أدلة أصحاب القول الثاني. واستدلوا بالقياس على تغريم المماطل تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل، إذا غرمه على الوجه المعتاد (٣)؛ بجامع أن كلًا منهما ضرر واقع حقيقة، وليس متوقعاً، أو مفترضاً ولو بغلبة ظن (٤).
نوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ وذلك لأن تغريم نفقات التحصيل، وتكاليف الشكاية ليس تعويضا عن الضرر المالي لحبس ما في الذمة، وإنما لأن المماطل
стр. 76
تسبب للدائن في نفقات مالية إضافية بسبب مطله، فوجب عليه تحملها لكونه المتسبب له في ذلك، وهذا التعويض ليس عن منافع المال المحبوس الذي هو محل النزاع، ولذلك لو تأخر المماطل في دفع نفقات التحصيل، وتكاليف الشكاية لا يقال له: ادفع تعويضًا ماليًا لتأخرك (١).
يجاب: بأن هذا الفارق غير مؤثر؛ لأن حبس ما في الذمة إذا كان هو المتسبب المباشر في الخسائر التي حصلت فإن على المتسبب أن يغرمها، كما أن المماطل إذا تسبب في تكاليف الشكاية فإن عليه دفعها للدائن، فالغرامة بسبب إلحاقه الخسارة بغيره سواء كانت عن حبس ما في الذمة أو كانت تكاليف الشكاية، ولا يسلم أنه إن تأخر المماطل في دفع نفقات التحصيل، وتكاليف الشكاية أنه لا يدفع تعويضًا لتأخره، بل لو تأخر فيها وترتب على تأخره نفقات أخرى فإنه يطالب بالنفقات الأولى والأخرى.
الترجيح: بعد عرض الأقوال الواردة في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بعدم جواز تعويض الدائن عما فاته من ربح، أو وقع عليه من خسائر؛ لأن القول بجوازه يفتح أبواب الربا، وفيه أكل لأموال الناس بالباطل، إلا إن كانت هناك خسارة على الدائن وكانت المماطلة هي السبب المباشر في هذه الخسارة، كمن تعهد على نفسه بشرط جزائي بعلم المماطل وليس عنده إلا هذا المال الذي أعطاه للمماطل وتسبب المطل في وقوع الشرط الجزائي عليه؛ وذلك لأن المماطل هو المتسبب بهذه الخسارة، ويشترط أن يكون الحُكم بها عند القاضي كي يتم التثبت من كون هذا المطل هو السبب المباشر لهذه الخسارة، وكي يقدر الخسارة الفعلية، ولا يجوز أن يتولاها الدائن كي لا يفتح الباب للمرابين.
стр. 77
المطلب الثالث: حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية (١).
اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية، على قولين:
القول الأول: عدم جواز عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية.
وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (٢).
القول الثاني: جواز عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية.
وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (٣).
стр. 78
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: الآيات التي تدل على تحريم الربا منها: قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٢٧٥ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (١)، وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢).
وجه الدلالة من الآيات: أن الآيات دلَّت على تحريم تغريم المدين المماطل بدفع غرامة مالية للجهات الخيرية من وجهين:
الوجه الأول: أن الله أمر المؤمنين بترك الربا، وآذن من لم يفعل بالحرب، وبيّن أن التوبة منه بأخذ رأس المال فقط؛ مما يدل على أن من أخذ زيادة على رأس المال لا يعد تائباً من أكل الربا، وسواء كانت هذه الزيادة للدائن أو للجهات الخيرية.
стр. 79
الوجه الثاني: أن في الآية إشارة إلى أن الحكمة من تحريم الربا، هو ظلم المدين بأخذ الزيادة على رأس المال، والظلم موجود سواء أخذت الزيادة للدائن أو للجهات الخيرية، فيمنع (١).
الدليل الثاني: عن جابر ﵁ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ» (٢)
وجه الدلالة من الحديث: أن الربا محرم على الجميع الدائن وهو الآكل، الطالب الزيادة، والمدين وهو الموكل، المعطي للزيادة، وقد سوى بينهما في الحكم، فكما لا يجوز للدائن أن يطلب الزيادة، لا يجوز للمدين أن يعطي الزيادة على الدين إذا كان ذلك مشروطاً في العقد، سواء كانت الزيادة للدائن أو للجهات الخيرية (٣).
الدليل الثالث: أن عقوبة المدين المماطل: تشمل ما يزجره عن فعله، كالحبس، والمنع من السفر، والضرب، والحجر على أمواله، ونحو ذلك حتى يؤدي الحق الذي عليه، ولم يُنقل عن أحد من العلماء قبل هذا العصر أنه قضى أو أفتى بجواز اشتراط غرامة مالية على المدين المماطل تدفع لغير الدائن، كجهات البر ونحوها، مع قربها من الذهن لو كانت جائزة (٤).
نوقش: بأن عدم النقل عنهم ليس دليلًا على المنع، مع أنه لا يُسلم بأنه لم يرد عن أحد من العلماء القول به، بل قال به بعض المالكية (٥)،
стр. 80
قال الحطاب (١): " إذا التزم أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا، فعليه كذا وكذا لفلان، أو صدقة للمساكين، فهذا محل الخلاف المعقود له هذا الباب، فالمشهور أنه لا يقضى به كما تقدم، وقال ابن دينار (٢): يقضى به" (٣).
أجيب: بأن ما نقل عن بعض المالكية من خلاف في القضاء بالوعد، فهو خاص بالوعد المعروف، بالالتزام قال الحطاب: "وأما الالتزام في عرف الفقهاء، فهو إلزام الشخص نفسه شيئاً من المعروف مطلقاً، أو معلقاً على شيء، … وقد يطلق في العرف على ما هو أخص من ذلك: وهو التزام المعروف بلفظ الالتزام، وهو الغالب في عرف الناس اليوم" (٤)، واشتراط تغريم المدين المماطل هنا إلزام من الدائن، وليس تبرعاً من المدين نفسه بالالتزام، فلا يصح تخريجه على التزام التبرع، ويدل لذلك: أن المدين لا يتولى صرفها بنفسه، بل يدفعها للدائن، والدائن يتولى صرفها للجهات الخيرية، فتبين كونها معاوضة عن المطل، وليست تبرعاً محضاً (٥).
стр. 81
يُرد: بأنه إذا جاز إلزام المدين نفسه بذلك فإنه يجوز أن يكون مشروطًا في العقد، ولو كان هذا الالتزام يعد عندهم من الربا لما جاز للمدين أن يلزم نفسه بذلك؛ لأن أي زيادة مشروطة على الدين هي ربا سواء كانت برضا المدين أو بغير رضاه، وليس بالضرورة أن يستلمه منه الدائن بل يسلَّمه المدين للجهات الخيرية ويأخذ منهم كتابًا بأنه أدى ما التزم به.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: قول رسول الله ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (١).
وجه الدلالة من الحديث: أن العقوبة في الحديث مطلقة، فيعاقب المدين المماطل بما يردعه عن مطله، إذا لم يكن هناك محذور شرعي من هذه العقوبة، ومعاقبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية تدفع للجهات الخيرية، ليس فيها محذور شرعي بل فيها إحسان للفقراء والمساكين.
الدليل الثاني: أن الأصل في الشروط والعقود الإباحة إلا ما دل الدليل على منعه، واشتراط تغريم المماطل للجهات الخيرية، شرط صحيح يجب على المدين الوفاء به؛ لأن تلك الزيادة لا يأخذها الدائن، وتحفز المدين على الوفاء في الوقت المحدد، وتكون سبباً لاطمئنان الدائن على حقه، وفيها نفع للفقراء (٢).
نوقش الدليلان: بعدم التسليم بأن الشرط بأخذ غرامة مالية من المدين المماطل للجهات الخيرية ليس فيه محذور شرعي، وأنه لا دليل على منعه، بل إن هذه الزيادة ربا؛ لإن الدائن يأخذ زيادة على رأس ماله، وأخذ الزيادة على
стр. 82
رأس المال حرام، وظلم سواء أخذها الدائن لنفسه أو صرفها للجهات الخيرية (١).
يجاب: بأن هذه المال الذي يدفعه المماطل ليس زيادة للدائن على رأس ماله، ولا يستلمها الدائن منه، بل هي للجهات الخيرية وهي التي تستلمها منه، ولا ظلم فيه على المماطل بل هو الذي ظلم نفسه وغيره بالتأخر في الوفاء، ولا دليل يمنع من جواز هذا الشرط خصوصًا أن المماطل رضي بذلك، وهو قادر على ألا يدفع هذا المال متى ما التزم بالوفاء في الوقت المحدد.
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الثاني، القائل بجواز عقوبة المدين المماطل بدفع غرامة مالية، للجهات الخيرية بشرط أن المدين هو الذي يتولى تسليم هذه الغرامة للجهة الخيرية ولا يكون التسليم من طريق الدائن؛ وذلك لأن الأصل في الشروط الصحة إلا ما دل الدليل على منعه، ولا دليل يدل على منع هذا الشرط، ولأن المدين رضي بهذا الشرط وهو قادر على أن يحفظ ماله بأن يوفي الدائن حقه في وقته.
стр. 83
المطلب الرابع: حكم إلزام المدين المماطل بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل (١).
اختلف الفقهاء في حكم إلزام المدين المماطل بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل على قولين:
القول الأول: أن المدين المماطل يُلزم بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل.
وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤) والحنابلة (٥).
стр. 84
القول الثاني: أن المدين المماطل لا يلزم بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل.
وهو قول لبعض المالكية (١) وبعض الشافعية (٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٣).
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث نصًا على أن مطل الغني ظلم، فإذا ترتب على رفع هذا الظلم بذل مال من صاحب الحق، فهو على المماطل الظالم؛ لأنه المتسبب في ذلك (٤).
الدليل الثاني: أن هذ الحكم يحمل المماطل على المبادرة بالسداد؛ لأن كثيراً من المماطلين أو وكلائهم يقصدون التأخر والتطويل بقدر الإمكان،
стр. 85
لتيئيس صاحب الحق من حقه، وتزهيده فيه، أو المضارة له، لما يتكبد من المتاعب والمشاق، وبذل الأموال؛ لأجل الوصول إلى حقه، من المرافعات والمطالبات، والأجور والنفقات، فيحجم عن المطالبة، ويدع الحق بيد المماطل، ومن ثم كان من الواجب معاملة هذا الظالم المماطل بنقيض قصده، فيلزم بإيفاء ما عليه من حق، وما أنفق صاحب الحق من مال لأجل مطالبته (١).
الدليل الثالث: أن دفع الدائن المال لأجل تحصيل حقه ظلم وضرر تجب إزالته، ولا يمكن إزالة هذا الضرر إلا بتغريم المدين المماطل ما خسره الدائن من نفقات لاستخلاص حقه منه (٢).
الدليل الرابع: أن نفقات الشكاية تكلف صاحب الحق أكثر من ماله الذي يطالب به، وعدم إلزام المدين المماطل بدفع التكاليف قد يسبب ترك المطالبة بالحق؛ لكثرة التكاليف، وفي ذلك تضييع للحقوق (٣).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن الأصل أنه يجب على الدائن أن يخلص حقه ويتوصل له وعليه التكاليف التي يدفعها للوصول لحقه (٤).
يناقش: بأنه في جعل تكاليف الشكاية ونفقات التحصيل على الدائن سبب في تركه هذا الواجب، وأن الذي يُطالب بحقه يجب أن يعان وأن تُيسر له السبل للوصول لحقه، وفي جعل تكاليف الشكاية عليه سبب في تعسير
стр. 86
الوصول للحق وتطويل إجراءاته؛ لأن الذي ارتكب جرم المطل لن يتورع عن تأخير الوفاء عندما يعلم أنه لن يغرم غير الدين الذي عليه، وقد يزيد في المماطلة لتزيد التكاليف على الدائن.
الدليل الثاني: أن الأصل حرمة مال المسلم، والمطل ذنب لا يبيح ماله، فالتكاليف على طالب الحق ولا يحق له أن يأخذ شيئًا من المدين غير ماله (١).
نوقش: بأن هذا ليس من باب استباحة المال، بل المماطل معتد وهو الذي تسبب في إدخال غريمه في غرم، وعرض بإتلاف ماله بعدم انقياده إلى الحكم فتوجه عليه غرم ذلك (٢).
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يظهر لي والله أعلم أن الراجح هو القول الأول، القائل بجواز إلزام المدين المماطل بدفع تكاليف الشكاية، ونفقات التحصيل؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولضعف أدلة القول الثاني بما ورد عليه من مناقشة، وأن هذا القول مقتضى العدل؛ لأن المماطل هو الذي تسبب بتغريم الدائن هذه النفقات، ويشترط لهذا القول ألا يغرم المدين المماطل إلا ما يغرمه صاحب الدعوى من نفقات الشكاية على الوجه المعتاد والمعروف (٣)، ويكون الحكم فيها للقاضي؛ سدًا للتحايل على الربا.
стр. 87
الفصل الثالث: في تغير الأجل بسبب رغبة المدين في تمديد الأجل (جدولة الدين)
стр. 88
المراد بجدولة الديون: هي أن يكون على شخص دين مؤجل، مقسط بمبالغ محددة، وعلى أوقات زمنية معينة، وقد يرغب الشخص المدين في تمديد وقت السداد، مع تخفيض مقدار الدفعات المسددة، وفقًا لإمكانياته المالية، فيوافق الدائن على ذلك، ويعد جدولًا جديدًا لسداد المديونية مقابل الزيادة على مقدار الدين، وهذه الطريقة هي المطبقة غالبًا في البنوك الربوية، وقد تجدول الديون دون زيادة في مقدارها كما يقع بين الأفراد بعضهم مع بعض، أو بينهم وبين المؤسسات المالية التي تتعامل بأحكام الشريعة فهذه مباحة بلا خلاف، وليس الكلام عنها هنا.
وقد أجمع العلماء على أن جدولة الديون محرمة (١)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية:
الدليل الأول: الآيات الكثيرة الدالة على تحريم الربا ومنها:
قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ
стр. 89
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٢٧٥ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (١)
وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢)
وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣).
وجه الدلالة من الآيات: أن في الآيات نصًا على تحريم الربا، وأن الله توعد من فعله بعد علمه بالتحريم بعذاب النار، وأن آكل الربا مخالف لأمر الله، محارب لله ورسوله ﷺ ، وجدولة الديون هي الربا الذي كان يتعامل به أهل الجاهلية إذا حل أجل الدين يقول الدائن للمدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده الآخر في القدر (٤)، والعبرة بالحقائق وإن اختلفت المسميات (٥).
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٦)
وجه الدلالة من الآية: أن الله بيَّن أن الدائن لا يستحق على مدينه إلا رأس ماله، وأن جدولة الديون فيها أخذ أكثر من رأس المال، وفي ذلك ظلم للمدين، وكما أن المدين يجب عليه أن يؤدي ما أخذ كاملاً، وأن نقصه من رأس المال يُعد ظلماً، فكذلك أخذ الزيادة عليه يُعد ظلما له (٧).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ
стр. 90
النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» (١).
وجه الدلالة من الحديث: أن في الحديث دلالة على تحريم الربا ووجوب الابتعاد عنه؛ لأنه من الموبقات التي عدها رسول الله ﷺ ، وجدولة الديون من الربا الذي نهى الحديث عنه؛ لإنها زيادة في الدين مقابل التأخير في الأجل.
الدليل الخامس: عن جابر ﵁ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ» (٢)
وجه الدلالة من الحديث: أن رسول الله ﷺ لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وهذا يدل على تحريم أكل الربا والمعاونة عليه؛ لأن اللعن لا يكون إلا على شيء محرم، وجدولة الديون دفع زيادة مقابل التأخير في السداد وهذه حقيقة الربا فتكون داخلة في اللعن الوارد على لسان الرسول الله ﷺ .
الدليل السادس: عن جابر ﵁ في قصة حجة الوداع أن النبي ﷺ قال: «وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ» (٣)
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ وضع ربا الجاهلية، وهذا يدل على تحريمه ومنعه؛ لأنه لو كان مباحًا لما حَرَمَ الرسول ﷺ عمه من حقه المباح، وجدولة الديون محرمة وموضوعة؛ لأنها كربا الجاهلية الذي وضعه النبي ﷺ .
стр. 91
الدليل السابع: أن العلماء أجمعوا على تحريم الربا، قال ابن قدامة: "وأجمعت الأمة على أن الربا محرم" (١)، وقال النووي (٢): "أجمع المسلمون على تحريم الربا، وأنه من الكبائر" (٣)، والربا زيادة في الأجل مقابل الزيادة في مقدار الدين، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن المسلف إذا شرط عُشر السلف هدية، أو زيادة فأسلف على ذلك، أن أخذه الزيادة ربا" (٤)، وهذا ما يحصل في جدولة الديون، أنهم يزيدون في الأجل مقابل الزيادة في مقدار الدين، فتكون جدولة الديون محرمة بالإجماع، ولا فرق في ذلك بين أن يزاد في الدين مباشرة، أو يغطى بعقود صورية ظاهرها الصحة وباطنها التحايل على الربا، مثل فسخ البيع السابق صوريًا وعقده مرة أخرى؛ ليتضمن اتفاقًا جديدًا في مقدار الدفعات أو آجالها مع تضمنها زيادة مقابل الأجل، أو الأخذ من الدائن - مع عقد المداينة- وكالة من المدين بشراء سلعة عنه بالتقسيط، ثم يتولى بيعها عنه، ويقبض ثمنها حالا، فيستوفى دينه من ثمنها، والمدين يقسطه مؤجلا بزيادة ونحوه من الحيل المحرمة على الربا (٥).
ومما تقدم يتبين أن جدولة الديون محرمة بالكتاب، والسنة، والإجماع.
стр. 92
وقد صدر بذلك عدد من القرارات من المجامع، والهيئات العلمية (١)، منها:
١ - أنه جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشر والخاصة ببيع الدين ما يلي:
"ثانيا: من صور بيع الدين غير الجائزة: بيع الدين للمدين بثمن مؤجل أكثر من مقدار الدين؛ لأنه صورة من صور الربا، وهو ممنوع شرعاً، وهو ما يطلق عليه (جدولة الديون) " (٢).
٢ - وجاء في معيار المرابحة للآمر بالشراء المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ما نصه: "لا يجوز تأجيل موعد أداء الدين مقابل زيادة في مقداره (جدولة الدين) سواء كان المدين موسراً أم معسراً" (٣).
٣ - وجاء في فتاوى ندوة البركة الثامنة ما نصه: "لا يجوز جدولة ديون المرابحة أو غيرها بزيادة مقدار الدين وزيادة الأجل" (٤).
стр. 93
الفصل الرابع
في تغير الأجل بسبب الإخلال في تسليم المستصنع في محله
وفيه مبحثان، هما:
المبحث الأول: حكم الاستصناع.
المبحث الثاني: حكم الشرط الجزائي لتغير الأجل بسبب التأخير في تسليم المستصنع.
стр. 94
المبحث الأول: حكم الاستصناع.
الاستصناع لغة: الألف والسين للطلب، والصنع: الفعل، فالاستصناع لغة: طلب الفعل (١)، قال ابن منظور في لسان العرب: "يقال: اصطنع فلان خاتماً إذا سأل رجلاً أن يصنع له خاتماً" (٢).
والاستصناع اصطلاحاً: "عقد على مبيع في الذمة شُرِطَ فيه العمل" (٣).
والاستصناع عقد مستقل يعقد فيه على العين والعمل جميعًا، فالعمل ومادة الشيء المصنوع كلها من عند الصانع، ولا يشترط فيه تعجيل الثمن، فيكون حسب اتفاق المتعاقدين. فهو يشبه السلم؛ من حيث أنه موصوف في الذمة، ويختلف عنه من حيث أنه يشترط فيه العمل، ولا يشترط في المصنوع أن يوجد في الأسواق. ويشبه الإجارة؛ من حيث عمل الصانع في المعقود عليه، ويختلف عنها من حيث كون المواد من الصانع (٤).
стр. 95
وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستصناع، على قولين:
القول الأول: جواز عقد الاستصناع.
وهو مذهب الحنفية (١).
القول الثاني: عدم جواز عقد الاستصناع.
وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥)، وقول عند الحنفية (٦).
стр. 96
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: الأحاديث التي وردت في صنع النبي ﷺ للخاتم، وصنع الصحابة للخواتم، منها: عن عبد الله بن عمر ﵄: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَاصْطَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَقِيَ المِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ، وَإِنِّي لَا أَلْبَسُهُ» فَنَبَذَهُ، فَنَبَذَ النَّاسُ" (١).
وعن أنس بن مالك ﵁: «أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ وَلَبِسُوهَا، فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمَهُ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ» (٢).
وعن أنس بن مالك ﵁: "صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا، قَالَ: «إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا، وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا، فَلَا يَنْقُشَنَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ» " (٣).
وجه الدلالة من الأحاديث: أن النبي ﷺ استصنع الخاتم، والصحابة استصنعوا الخواتم مما يدل على جواز الاستصناع، وأما إلقاؤه للخاتم فلأنه كان من الذهب وقد حرم على الرجال التزين بالذهب (٤).
стр. 97
نوقش: بأنه من المحتمل أن النبي ﷺ وصحابته قد دفعوا الثمن في مجلس العقد، فيكون سلماً، أو دفعوا المادة الخام للخاتم، فيكون العقد إجارة لا استصناعاً وهو جائز عند الجميع (١).
أجيب: بأنه يبعد أن يدفع النبي ﷺ الثمن أو يأتي بالمواد الخام من عنده ولا يُنقل ذلك حيث نقل ما هو أقل أهمية من هذا (٢).
الدليل الثاني: عن سهل ﵁، قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ - امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا" (٣).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ طلب من المرأة أن تأمر غلامها بصنع المنبر، مما يدل على مشروعية الاستصناع ..
نوقش: بأن المرأة ابتدأت بالسؤال متبرعة بدليل ما جاء عن جابر ﵁: " أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتِ» فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ" (٤). فلما قبل النبي ﷺ ذلك أمكن أن يبطئ
стр. 98
الغلام بعمله فأرسل يستنجزها إتمامه لعلمه بطيب نفسها بما بذلته، ويمكن إرساله إليها ليعرفها بصفة ما يصنعه الغلام من الأعواد وأن يكون ذلك منبراً، وعلى ذلك فليس الحديث في الاستصناع (١).
الدليل الثالث: الإجماع العملي، فلا يكاد يخلو عصر إلى يومنا هذا، إلا وأهل العلم وغيرهم يتعاقدون بالاستصناع على عمل شيء مما يحتاجونه من أثاث وغيره دون نكير من أحد، وهو من أقوى الأدلة على جوازه (٢).
الدليل الرابع: أن عقد الاستصناع فيه معنى عقدين جائزين، فيه معنى عقد السلم؛ لأنه عقد على مبيع في الذمة، وفيه معنى عقد الإجارة؛ لأنه يشترط من الصانع العمل في المستصنع، وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزاً (٣).
الدليل الخامس: أن الحاجة تدعو إلى وجود الاستصناع، فليس كل ما يباع جاهزاً مناسباً، بل ليس كل ما يحتاجه المرء يجده جاهزاً، خاصة وأن الباعة لا يصنعون ما يقل شراؤه؛ لما في ذلك من الخسارة بكساد البضاعة وعدم وجود مشتر لها، فيحتاج الناس إلى من يصنع ما يحتاجونه حال طلبهم وبالصفة التي يريدونها وهذا هو عقد الاستصناع، ولو لم يجز الاستصناع لوقع الناس في الحرج (٤).
نوقش: بأن الحاجة تزول بما أباحه الله من العقود، كالسلم (٥).
стр. 99
أجيب: بأن السلم لا يكفي للوفاء بحاجة المجتمع لكونه يشترط لصحته تعجيل الثمن وفيه من المخاطر الشيء الكثير الذي قد يجعل المستصنع في جهد ومشقة بحيث يخشى على ماله المدفوع من الإنكار، ويخشى الغش في المصنوع، وقد تعددت سبل الاحتيال والتزوير والغش في المصنوع مما يجعل المال في خطر، والحاجة إلى الاستصناع قائمة؛ لأنه يحمي المستصنع من كل هذه الأخطار (١).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:: عن حكيم بن حزام ﵁، قال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ فَقَالَ ﷺ : «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» " (٢)
стр. 100
وجه الاستدلال من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند البائع، وعقد الاستصناع ليس عند البائع وقت العقد، فلا يصح بيعه لهذا الحديث (١).
نوقش: بأن النهي عن بيع ما ليس عند البائع، إذا كان المبيع عينًا معينة يبيعها وهي ليست ملكه بل ملك غيره ثم يسعى في تحصيلها، أو بيع ما لا يقدر على تسليمه فيكون من بيع الغرر، أما الاستصناع فليس كذلك إذ هو بيع آجل موصوف في الذمة ويغلب على الظن إمكان إيجاده وقت طلبه (٢).
الدليل الثاني: أجمع أهل العلم على تحريم بيع الدين بالدين (٣)، وعقد الاستصناع فيه تأجيل البدلين فهو دين بدين، فلا يجوز (٤).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول: عدم التسليم بهذا الإجماع؛ لأنه مبني على حديث ضعيف (٥)، ولوجود الخلاف فيه قال الدكتور الصديق الضرير: "وأرى جواز بيع الدين
стр. 101
مطلقًا، أعني سواء بيع للمدين أو لغيره بنقد أو بدين ما دام خاليًا من الربا؛ لأنه لم يرد نص يُعتمد عليه في منع أي صوره من هذه الصور … وأما دعوى الإجماع على منع بيع الدين بالدين فغير مسلمة، فقد جوزه المالكية في بعض صوره" (١)، وهناك مسائل متعددة استثناها بعض العلماء من تحريم الدين بالدين (٢)؛ مما يدل على عدم ثبوت هذا الإجماع.
الوجه الثاني: على فرض التسليم بهذا الإجماع فلعل الصورة المجمع على منعها هي ما كان فيه الدين من الأموال الربوية (٣)، أو هي ما لم يكن للناس به حاجة، كما لو أسلم شيئاً في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز لأن الذمتين تنشغلان بغير فائدة، فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة، وهذا بخلاف الاستصناع فإن الحاجة ماسة لتأخير العوضين، لا سيما في هذا العصر (٤)، ومتى ما كان هناك فائدة ومصلحة فإن الصحيح هو جواز تأجيل البدلين (٥).
الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، يتبين لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الأول، القائل بجواز عقد الاستصناع؛ وذلك لقوة أدلته، والإجابة على المناقشة الواردة عليها، وضعف أدلة القول الثاني، بما ورد عليه من
стр. 102
مناقشة، ولأن منع الاستصناع يوقع الناس في حرج شديد، خاصة أن الناس في هذا العصر ليسوا كالسابق يستصنعون سيفاً أو آنيةً أو خفاً، بل توسعت دائرة الاستصناع بحيث شملت كل الصناعات الثقيلة، والخفيفة، والمتوسطة، البرية، والبحرية، والجوية، كالسيارات والمعدات، والسفن والطائرات ونحوها، فالناس محتاجون للاستصناع، "والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر" (١)، "وقد أباح الشارع أنواعًا من الغرر للحاجة" (٢)، "كما أباح بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وإن كان بعض المبيع لم يخلق وكما أباح أن يشترط المشتري ثمرة النخل المؤبر وذلك اشتراء قبل بدو صلاحها؛ لكنه تابع للشجرة وأباح بيع العرايا بخرصها. فأقام التقدير بالخرص مقام التقدير بالكيل عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر" (٣)، ومفسدة الغرر التي في عقد الاستصناع أقل من مفسدة منعه، "والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم" (٤)، قال ابن تيمية: "وسر الشريعة أن الفعل إذا اشتمل على مفسدة منع إلا إذا عارضها مصلحة راجحة كما في إباحة الميتة للمضطر وبيع الغرر ونهى الله عنه لأنه نوع ميسر من كونه أكل مال بالباطل فإذا عارضه ضرر أعظم من أباحة دفعا لأعظم الفسادين باحتمال أدناهما" (٥)، وقال: "ومفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررًا من ضرر كونه غررًا" (٦).
стр. 103
المبحث الثاني: حكم الشرط الجزائي لتغير الأجل بسبب التأخير في تسليم المستصنع (١).
اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم الشرط الجزائي مقابل تأخير تسليم المستصنع، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز الشرط الجزائي مقابل تأخير تسليم المستصنع.
وهو قول جمهور الفقهاء المعاصرين (٢).
стр. 104
القول الثاني: عدم جواز الشرط الجزائي مقابل تأخير تسليم المستصنع مطلقاً.
وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (١).
القول الثالث: جواز الشرط الجزائي مقابل تأخير تسليم المستصنع إذا كان لعدم التنفيذ، وعدم جوازه إذا كان لأجل التأخير في التنفيذ. وهو قول لبعض الفقهاء المعاصرين (٢).
стр. 105
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع شرط جائز بناء على أن الأصل في الشروط المقترنة بالعقد الصحة إلا ما دل الدليل على تحريمه، ولم يأت دليل يدل على تحريمه فيبقى على الأصل (١).
نوقش: بأنه لا يصح الاحتجاج بهذا الأصل في الشرط الجزائي؛ لأن الأدلة متوافرة ومتظافرة على تحريمه كما سيأتي في أدلة القول الثاني.
يجاب: بأن أدلة تحريم الشرط الجزائي ضعيفة لا تصمد أمام المناقشة.
الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٢)
وجه الدلالة من الحديث: أن الحديث دلَّ على رفع الضرر، وعدم تنفيذ المستصنع أو التأخر فيه يؤدي إلى ضرر، وهذا الضرر لا يزول إلا بالتعويض عنه (٣).
نوقش: بأن هذا الحديث ضعيف، وعلى فرض صحته (٤) فإنه لا خلاف أن عدم التنفيذ أو التأخر فيه قد يترتب عليه ضرر بالعاقد الآخر، وأن ذلك من الضرر الذي يجب إزالته، وأن الملتزم ظالم بذلك إذا كان من غير عذر شرعي، لكن لا دليل على أن رفع الضرر لا يكون إلا بالتعويض المالي عنه، إذ إن رفع
стр. 106
الضرر يكون بالإجبار على التنفيذ، وتعزير المعتدي، ولو سلمنا بالتعويض عن الضرر فإنه لا يكون إلا بعد وقوعه ومعرفة قدره؛ لأن تقدير التعويض عن الضرر قبل وقوعه قد يؤدي إلى زيادة التعويض عن الضرر، وفي ذلك أكل لأموال الناس بالباطل (١).
أجيب: بأن الأدلة قائمة على التعويض عن ضرر عدم التنفيذ أو التأخر فيه، وتقدير التعويض عن الضرر الحاصل بالإخلال بالالتزام قبل وقوعه تجب مراعاة العدل فيه، وتراضي الطرفين عليه، وتحديده بمبلغ معلوم، فإذا وقع الضرر بسبب الإخلال بالعقد من الملتزم وجب الوفاء بالشرط تعويضاً عن الضرر، وليس في ذلك أكل للمال بالباطل، وإذا تبين مخالفة الشرط للعدل، وجب الرجوع فيه للعدل، والإنصاف على حسب الضرر الحاصل (٢).
الدليل الثالث: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع من الشروط التي تُعد من مصلحة العقد؛ إذ هو حافز على الوفاء ومنع التلاعب بالعقود (٣).
نوقش: بأن وجود بعض المصالح في هذا الشرط الجزائي لا يدل على إباحته، كما قال الله تعالى عن الخمر والميسر ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٤)، وهذا الشرط الجزائي وإن كان فيه مصلحة، فهي مصلحة ملغاة؛ لقيام الأدلة على إلغائها (٥).
стр. 107
يجاب: بأن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع يترتب عليه من المصالح ما لا يتحقق بدونه، ودعوى أن المصالح في هذا الشرط الجزائي ملغاة غير مسلم، والأدلة التي استدل بها المانعون من الشرط الجزائي لا يُسلم بها.
الدليل الرابع: أنه قد جرى عرف الناس بالشرط الجزائي في عقودهم لاسيما عقود المقاولات، والتوريد، والاستصناع، والعرف إذا لم يصادم نصاً شرعياً يقره الشرع، وعرف التعامل بالشرط الجزائي عرف صحيح شرعاً؛ لأنه لا يعارض دليلاً شرعياً، ولا يبطل واجباً، ولا يحل حراماً، فهو جائز وصحيح (١).
نوقش: بأنه لا اعتبار بعرف الناس بالشرط الجزائي؛ لأنه عرف مخالف للأدلة، والعرف المخالف للأدلة لا يعتد به (٢).
يجاب: بأنه لا يسلَّم أن عرف الناس على هذا الشرط مخالف للأدلة، بل الأدلة تدل على جواز هذا الشرط، وما أورده المانعون من أدلة ظنوا أنها تمنع هذا الشرط لا يسلم بها.
الدليل الخامس: أن الحاجة إلى الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع حاجة ماسة على مستوى الأفراد والمؤسسات، ومن القواعد الفقهية المعتبرة: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٣)، فهذه القاعدة تدل على مراعاة الحاجة، وأنها تنزل منزلة الضرورة، فيباح ما كان فيه حاجة
стр. 108
عامة، ولو اشتمل على بعض المحاذير (١). قال ابن تيمية: "والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر؛ بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك كما أباح بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وإن كان بعض المبيع لم يخلق وكما أباح أن يشترط المشتري ثمرة النخل المؤبر وذلك اشتراء قبل بدو صلاحها؛ لكنه تابع للشجرة وأباح بيع العرايا بخرصها. فأقام التقدير بالخرص مقام التقدير بالكيل عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر" (٢)
نوقش: بأنه لا وجود لحاجة إلى هذا الشرط الجزائي، ففي التعويض القضائي عن الضرر بعد وقوعه غنية عن تقديره بالشرط الجزائي مسبقاً قبل وقوع الضرر (٣).
أجيب: بأن الحاجة إلى هذا الشرط الجزائي ماسة لسد أبواب الفوضى والتلاعب في حقوق عباد الله، وهو سبب من أسباب الوفاء بالعقد وليس في التعويض القضائي بعد وقوع الضرر غنية عنه؛ لأن التعويض القضائي خاصة في هذا العصر يكلف الكثير من الجهد، والوقت، والمال، بل إن بعض القضاة لا يرون التعويض أصلاً عن الضرر الحاصل بالإخلال في العقود والالتزامات، فيقع صاحب الحق في ضرر أشد ومن ثم فالحاجة إلى الشرط الجزائي ماسة (٤).
الدليل السادس: أن العمل بمبدأ السياسة الشرعية يؤدي إلى القول بشرعية الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع؛ لأنه وإن لم يرد في مشروعيته نصوص صريحة خاصة، فإنه لا يصادم دليلاً معيناً، ويحقق مصلحة
стр. 109
ملائمة، ولا يصادم قواعد الشريعة، ولذلك فإن القاضي يستطيع الحكم بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالملتزم له من جراء عدم تنفيذ العقد، أو التأخير في تنفيذه، أو الحكم بالتعويض المقدر في الشرط الجزائي الذي اتفق عليه المتعاقدان ما دام في حدود المعقول، وذلك بمقتضى السلطة التقديرية الممنوحة له فيما لا نص فيه عملًا بمبدأ السياسة الشرعية من إقامة العدل، وإحقاق الحق، ودفع الضرر (١).
نوقش: بأن العمل بالسياسة الشرعية هو فيما لم يرد بحكمه دليل، أو الأمور التي من شأنها التغير والتبدل (٢)، وهذا الشرط الجزائي قد دلت الأدلة على تحريمه فلا مدخل فيه للسياسة الشرعية (٣).
يجاب: بأنه لا يسلم بأن الأدلة تدل على تحريمه، بل إن الأدلة دلت على جوازه كما تقدم.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في حكم المستصنع يؤدي إلى محاذير شرعية كثيرة منها: الجهالة، والغرر، والقمار، وأكل أموال الناس بالباطل؛ لأن هذا الشرط الجزائي قد يكون أكثر من الضرر الواقع، والتنازع والاختلاف مادام أنه يجوز تعديله في حال المغالاة فيه (٤).
نوقش: بأن هذا الشرط الجزائي لا يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل؛ لأنه تعويض عن ضرر، لا يستحق إلا بعد وقوعه، وما قد يوجد فيه من غرر
стр. 110
أو جهالة مغتفر للحاجة (١)، بل إنها مفسدة عارضتها مصلحة راجحة وهي سد أبواب الفوضى والتلاعب بحقوق عباد الله، وعند المعارضة تقدم المصلحة الراجحة. قال ابن تيمية: "والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم" (٢)، وهذا الشرط الجزائي لا يؤدي إلى التنازع والاختلاف، بل يؤدي إلى تقليل النزاع والاختلاف حول الضرر ومقدار التعويض عنه إذعاناً للشرط الذي اتفق عليه المتعاقدان، وتراضيا عليه، والرجوع إلى القضاء بعد تقدير التعويض بالشرط الجزائي ليس في كل الأحوال، بل فيما إذا تبيّن أن الشرط الجزائي مبالغ في تقديره مبالغة فاحشة، فيرجع فيه إلى القاضي ليعدله ليتوافق مع العدل (٣).
الدليل الثاني: أن عرف الناس جرى على أن الشرط الجزائي مقابل التأخير في تسليم المستصنع يستحق بمجرد الإخلال دون ضرر، وأكده الحكم بجواز الشرط الجزائي، وأنه لا يعدل إلا في حالة المغالاة فيه، وفي هذا أكل للمال بالباطل (٤).
يناقش: بأن التأخير في تسليم المستصنع لا يخلو من ضرر إما بفوات منفعة أو حصول مضرة، وعلى فرض عدم وجود ضرر فإنه لا دليل يمنع ما تعارف عليه الناس، وليس فيه أكل للمال بالباطل إذا تم الشرط برضا الملتزم ولم يكن له عذر في التأخير.