Полный текст (2 128 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
رفعًا على البدَل على الموضع، والموضع رفعٌ بإجماع النَّحْويِّين، ويجوز أن يكونَ موضعها خفضًا على اللفظ، ويجوز أن يكون موضعُها نصبًا بمعنى: لأنه على كلِّ شيءٍ شهيد".
فقوله: "والموضع رفعٌ بإجماع النَّحْويِّينَ" يعني: موضعَ قوله: ﴿بِرَبِّكَ﴾، فقد أجمع العلماء على أنّ الباء صِلةٌ، و"ربك": فاعل "يكفي".
٢ - في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "ولا يجوز الإدغامُ في الياءَيْنِ عند النَّحْويِّين كما لا يجوز إذا لم يُنصَب الفعل؛ لأنك لو أدغمتَ لالْتَقَى ساكنانِ، إذ الثاني ساكنٌ، والأول لا يُدْغَمُ حتُّى يُسَكُّنَ، وكذلك كلُّ حَرْفٍ أَدْغَمْتَهُ في حرفٍ بعدَه لا بُدَّ من إسكان الأول، وقد أجمَعوا على مَنْع الإدغام في حال الرَّفع، فأمّا في حال النصب فقد أجازه الفَرّاءُ (٣) لأجل تَحَرُّكِ الياء الثانية، وهو لا يجوز عند البصْريِّين؛ لأن الحركةَ عارضةٌ ليست بأصلٍ".
٣ - في قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "وقد أجاز النَّحْويُّون: رأيْتُ ثلاثةَ نَفَرٍ وثلاثةَ رَهْطٍ، حَمْلًا على المعنى، ولم يُجيزوا: رَأَيْتُ ثلاثةَ قَوْمٍ ولا: ثلاثةَ بَشَرٍ، والفَرْقُ بينَهما: أن نَفَرًا ورَهْطًا لِما دُونَ العَشَرةِ من العدد، فأُضيف ما دون العشَرة من العدد إليه، إِذْ هو نظيرُه، و"قَوْمٌ" قد يقع لِما فَوْقَ العشَرة، فلم يَحْسُنْ إضافةُ ما دون العشَرة إلى ما فوقَها، فأمّا "بَشَرٌ" فيقع للواحد، فلم يمكنْ إضافةُ عددٍ إلى واحد".
_________
(١) القيامة ٤٠.
(٢) البستان ٤/ ١٩٠.
(٣) ينظر: معاني القرآن ١/ ٤١٢.
(٤) التغابن ٦.
(٥) البستان ٣/ ٤٣٥.
стр. 72
فقوله: "وقد أجاز النَّحْويُّون. . . إلخ"، ثم قوله: "ولم يجيزوا. . . إلخ" إجماعٌ منهم أيضًا.
٤ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "يعني: مرجِعُهم ومصيرُهم ومَعادُهم إلينا بعد الموت، يقال: آبَ يَئُوبُ أَوْبًا وإيابًا، والأصل: إيْوابٌ، فأُدغِمت الياءُ في الواو، وانقلبت الواو إلى الياء، وقرأ أبو جعفرٍ بتشديد الياء، قال أبو حاتم (٣): وهذا لا يجوز، ولو جاز لَجاز في الصيام والقيام، وهو شاذٌّ لم يُجِزْهُ أحدٌ غيرُ الزَّجّاجِ، فإنه قال (٤): يقال: أَيَّبَ إِيّابًا، على فَيْعَلَ فيعالًا".
فقوله: "وهو شاذٌّ لم يُجِزْه أحدٌ غيرُ الزَّجّاج" إجماعٌ من نُحاة البصرة والكوفة لم يخالفْهم فيه غيرُ الزَّجّاج كما ذَكَر الجِبْلي.
* * *
_________
(١) الغاشية ٢٥.
(٢) البستان ص ١٤٧٧، ١٤٧٨.
(٣) ينظر قوله في المحتسب لابن جني ٢/ ٣٥٧، الكشف والبيان للثعلبي ١٠/ ١٩٠.
(٤) معاني القرآن وإعرابه ٥/ ٣١٩.
стр. 73
المبحثُ الثامن مذهبُه النَّحْويُّ واختياراتُه
يمكن القولُ بأنّ الجِبْليَّ كان - كغيره من العلماء المتأخِّرين، الذين كانوا ينتخِبون لأنفُسِهم من آراءِ البصْريِّين والكوفيِّين ما يرَوْنَه راجحًا، دون التقيُّد بمذهبٍ واحدٍ دائمًا، وربّما مَزَجوا بينَ المذهبَيْنِ.
وإن كان الجِبْلي يمزُج بين آراء البصريِّين والكوفيِّين، فإنه كان أكثرَ ميلًا إلى مذهب الكوفيِّين في اختياراته النَّحوية، كما كان أكثرَ ميلًا إلى استخدام مصطلحاتهم النَّحوية، وربما اختار رأيًا من آراء المتأخِّرين، وخاصةً طاهرَ بن أحمد بن بابَشاذ؛ نظرًا لتأثُّر اليمنيِّين بكتُب ابن بابَشاذ بصفةٍ خاصة (١).
واختياراتُ الجِبْلي في "البستان" كثيرةٌ جدًّا، ولكنَّني سأضرب. أمثلةً لاختياراته البَصْريّة والكوفية، سواءٌ أكانت هذه الاختيارات للمدرستَيْن: البصريّة والكوفيّة بصفة عامة، أو كانت لأفرادٍ من هاتَيْن المدرستَيْن:
فمن أمثلة ما اختار فيه مذهبَ البصريِّين:
١ - اختار مذهبَ البصريِّين في أنه لا يُعْطَفُ على الضمير المخفوض إلا بإعادة الخافض، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (٢)، قال
_________
(١) ينظر تأثر اليمنيين بكتب المصريين، وبخاصة كتب طاهر بن أحمد بن بابشاذ ١/ ٢٧ من هذه الدراسة.
(٢) الأحزاب ٧.
стр. 74
الجِبْلي (١): "ولم يقلْ: ونُوحٍ؛ لأنّ المُظهَر إذا عُطِف على المضمَر المخفوض أُعِيدَ الحرفُ، تقول: مررتُ به وبزَيْد".
٢ - اختار مذهبَ البصريِّين في أنّ الواو العاطفةَ لا تكون زائدةً، ففي قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "واختلف النُّحاةُ في جوابه، فقال بعضُهم: جوابه: "فُتِحَتْ أَبْوابُها"، والواو مُقْحَمةٌ زائدةٌ عند الكوفيِّين، تقديرها: حتى إذا جاءوها فُتِحت أبوابُها، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ (٤)، يعني: ضِياءً، وهذا خطأٌ عند البَصْريِّين؛ لأنها تفيد معنًى، وهي للعطف هاهنا".
٣ - اختار قول أَبِي عُبَيدةَ والأخفَش في أنّ "أو" قد تأتي بمعنى الواو، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "والألفُ في "أَوْ": صلةٌ، ومعناه واو العطف، كأنه قال: وإنّا وإياكم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٧) الألف هاهنا: صلةٌ".
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٨)، قال الجِبْلي (٩): ﴿أَوْ﴾ بمعنى: الواو، كقوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ (١٠).
_________
(١) البستان ٢/ ١٠٠.
(٢) الزمر ٧٣.
(٣) البستان ٢/ ٣٧٠.
(٤) الأنبياء ٤٨.
(٥) سبأ ٢٤.
(٦) البستان ٢/ ١٧٤.
(٧) الإنسان ٢٤.
(٨) الصافات ١٤٧.
(٩) البستان ٢/ ٢٨٣.
(١٠) المرسلات ٦.
стр. 75
وفي قوله تعالى: ﴿ولَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "و ﴿أَوْ﴾ بمعنى: الواو، والألف صلة، يعني: ﴿وَكَفُورًا﴾ ".
٤ - اختار عذهَب البَصْريِّين في أنّ اللام الواقعةَ في خبر "إِنِ" المخفَّفة هي الفارقةُ، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "أي: وقد كانوا لَيَقُولُونَ، واللام: لامُ توكيد، لَمّا خُفِّفت "إِنَّ" دخلت على الفعل، ولزمتها اللام فرقًا بين النفي والإيجاب، والكوفيون يقولون: "إِنْ" بمعنى: "ما"، واللام بمعنى: "إِلّا"، أي: وما كانوا إلا يقولون".
فقد وَجَّهَ الآيةَ على وَفْق مذهب البصريِّين، ثم حكى مذهبَ الكوفيِّين بما يوحي أنه اختار مذهبَ البصريِّين، ولكنه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ (٥)، قال (٦): "إِنْ" عند الكوفيِّين بمعنى: "ما"، واللام بمعنى "إِلّا"، تقديره: وما يكاد الذين كفروا إِلّا لَيُزْلِقُونَكَ، و"إِنْ" عند البَصْريِّين مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمها مضمَرٌ معَها، واللام لام التأكيد لَزِمَتْ هذا النوعَ لِئَلّا تُشْبِهَ "إِن" الَّتِي بمعنى "ما".
٥ - اختار مذهبَ المبرّد والزَّجّاج في جوازِ وصف "اللَّهُمَّ": ففي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "نصبٌ
_________
(١) الإنسان ٢٤.
(٢) البستان ٤/ ٢٢٠.
(٣) الصافات ١٦٧.
(٤) البستان ٢/ ٢٨٨.
(٥) القلم ٥١.
(٦) البستان ٤/ ٢٨.
(٧) الزمر ٤٦.
(٨) البستان ٢/ ٣٥٦.
стр. 76
على النِّداء المضاف، وقال صاحبُ إنسان العَيْن: هو منصوبٌ بإضمار فعل؛ لأن ﴿اللَّهُمَّ﴾ في معرض الأصوات، ولا يوصَفُ، ولأنه في غاية المعرفة، فلا يُعَرُّفُ بالصِّفةِ، والحَقُّ أنه بِمنزِلةِ: يا أللَّهُ فاطِرَ السماواتِ".
٦ - اختار مذهبَ البصْريِّين في أنّ ﴿أَن﴾ وما دَخَلت عليه في موضع نصبٍ على المصدر، في نحو قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (١)، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ (٢)، فقد قال (٣): ﴿أَن﴾: في موضع نصب، تقول العرب: أَسْنِد الحائطَ أَنْ يَمِيلَ".
٧ - اختار رأيَ البَصْريِّين في أنّ تذكيرَ وصفِ السماء في قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (٤) إنّما هو على النَّسَب، فقال (٥): "و ﴿مُنْفَطِرٌ﴾: نعتٌ للسماء، وإنما أتى ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ بغيرِ هاءٍ -والسماءُ مؤنثةٌ- لأنه بمعنى النَّسَبِ؛ أي: السماءُ ذاتُ انفطار".
٨ - اختار مذهبَ البَصريِّين في أن ﴿الظَّالِمِينَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٦) منصوبٌ على الاشتغال، فقال (٧): "ونصب ﴿الظَّالِمِينَ﴾ على إضمار فعل؛ أي: ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ".
ومما اختار فيه مذهبَ الكوفيِّين:
١ - اختار قولَ الكوفيِّين في أنّ " ﴿إِنْ﴾ قد تأتِي بمعنى "إِذْ"، ففي قوله تعالَى:
_________
(١) النساء ١٧٦.
(٢) الحجرات ٣.
(٣) البستان ٣/ ١١٣.
(٤) المزمل ١٨.
(٥) البستان ٤/ ١٣٦.
(٦) الإنسان ٣١.
(٧) البستان ٤/ ١٥٨.
стр. 77
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "يعني إِذْ أَرَدْنَ، وليس معناه الشرطَ؛ لأنه لا يجوز إكراهُهنَّ على الزِّنا إن لم يُرِدْن تحصُّنًا، نظيرُها قولُه تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، يعني: إِذْ كُنْتُمْ، وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)؛ أي: إِذْ كُنْتُم، وقولُه تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (٥)؛ أي: إِذْ شاءَ اللَّهُ".
٢ - اختار قولَ الكوفيِّين في أنّ الاسم بعدَ "لولا" مرفوعٌ بفعل مضمَر، ذَكَرَ ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ (٦)، فقال (٧): "رُفِعَ بإضمار فعل تقديرُه: ولولا ثَبَتَ أَجَلٌ مسمَّى لِعَذابِهِم"، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ (٨)، قال (٩): "و" ﴿كَلِمَةٌ﴾: رُفع بفعلٍ مضمَر تقديره: ولولا ثَبَتَتْ كلمةٌ سَبَقت من ربِّك".
ولكنه في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ (١٠) أجاز قولَ البَصْريِّين والكوفيِّين معًا، فقال (١١): "رُفع إمّا بالابتداء وإمّا بفعلٍ مضمَر تقديره: ولولا ثَبَتَ رجالٌ مؤمنون".
_________
(١) النور ٣٣.
(٢) البستان ١/ ٣٢٩.
(٣) البقرة ٢٧٨.
(٤) آل عمران ١٣٩.
(٥) الفتح ٢٧.
(٦) العنكبوت ٥٣.
(٧) البستان ٢/ ٢٠.
(٨) فصلت ٤٥.
(٩) البستان ٢/ ٤١٨.
(١٠) الفتح ٢٥.
(١١) البستان ٣/ ١٠٢.
стр. 78
فهو وإنْ لم يصرِّحْ باختياره في الآية الثانية، إلّا أنّ قوله: "تقديره: ولولا ثَبَتَ. . . إلخ"، بالإضافة إلى اختياره قولَ الكوفيِّين في الآية الأولى، يُرَجِّحُ أنه اختار مذهبَ الكوفيِّين في الآية الثانية أيضًا.
٣ - اختياره مذهبَ الكوفيِّين في أن "إِنِ" المخفَّفةَ من الثقيلة بمعنى "ما" النافية، وأنّ اللام في خبرها بمعنى "إِلّا"، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (١)، فقد أَوَّلَ الآيةَ على أنّ التقدير: وما كانوا. . . إلّا مُبْلِسِينَ" (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "أي: وما كانوا قبلَ بَعْثِهِ فيهم إلّا في ضلالٍ مُبِين، وهو الشِّرك باللَّه تعالى".
ولكنه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ﴾ (٥)، قال (٦): "هذه "إِنِ" الثقيلةُ في الأصل، خُفِّفَتْ فزال عمَلُها في أكثر اللغات، ولزمتْها اللامُ فَرْقًا بينَها وبينَ التي بمعنى "ما"، وقوله: ﴿لَمَّا جَمِيعٌ﴾، قرأ ابنُ عامرٍ وعاصمٌ وحمزةُ والأعمش: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد، وقرأ الباقونَ بالتخفيف، فمَن شَدَّدَ جعل "إِنْ" بمعنى: الجَحْد، على أنّ "لَمّا" بمعنى "إِلّا"، تقديره: وما كلٌّ إلّا جميعٌ، كقولهم: سألتُك لَمّا فعلتَ؛ أي: إِلّا فعلتَ، ومن خَفَّفَ جعل "إِنْ" للتحقيق مخفَّفةً و"ما": صلةٌ، مجازُه: وإِنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ".
_________
(١) الروم ٤٩.
(٢) ينظر: البستان ٢/ ٤٥.
(٣) الجمعة ٢.
(٤) البستان ٣/ ٤٠٧.
(٥) يس ٣٢.
(٦) البستان ٢/ ٢٣٠.
стр. 79
فنراه هنا قد اختار مذهبَ الكوفيِّين على قراءة التشديد في ﴿لَّمَّا﴾، واختار مذهبَ البَصْريِّين على قراءة التخفيف.
٤ - اختار مذهبَ الكوفيِّين في جواز العطف على موضع اسم "إنَّ" بالرَّفع قبل مجيءِ الخبر، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "قرأه العامّةُ بنصب التاء، وقَرأَ ابنُ عباس بالرفع عطفًا على محلِّ قوله: ﴿اللَّهَ﴾ قبل دخول ﴿إِنَّ﴾، كما قال الشاعر:
فَإِنِّي وقيّارٌ بها لَغَرِيبُ
نظيرُه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ (٣).
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "وارتفع ﴿جِبْرِيلُ﴾ وما بعده عطفًا على محلِّ قوله: ﴿اللَّهَ﴾ قبل دخول ﴿إِنَّ﴾، نظيرُه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ (٦).
٥ - اختار مذهبَ الكوفيِّين وبعضِ البَصْريِّين في أنّ حروفَ الخفض ينوبُ بعضُها عن بعض، وصُوَرُ هذه النِّيابة كثيرةٌ في البستان، ومنها:
أ- "عَلَى" بمعنى: اللام، ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ (٧)،
_________
(١) الأحزاب ٥٦.
(٢) البستان ٢/ ١٣٤.
(٣) المائدة ٦٩.
(٤) التحريم ٤.
(٥) البستان ٣/ ٤٥٧.
(٦) المائدة ٦٩.
(٧) الصافات ١٤٦.
стр. 80
قال الجِبْلي (١): "وقوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: له".
ب - "عَلَى" بمعنى: "مِنْ"، ففي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "عَلَى" هاهنا بمعنى "مِنْ"، ذَكَرَ أبو عُبيدةَ (٤) وغيرُه من أهل اللّغة: و"عَلَى" و"مِنْ" في هذا الموضع يَعْتَقِبانِ".
جـ - اللام بمعنى "إِلى"، ذكر ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ (٥)، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ (٦)، وفي قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (٧).
د - الباء بمعنى "عَنْ"، ففي قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٨)، قال الجِبْلي (٩): "والباء بمعنى "عَنْ"؛ أي: فاسألْ عنه، كقول الشاعر -علقمةَ بن عَبَدة-:
فإِن تَسأَلوني بِالنِّساءِ فإِنَّني... بَصِيرٌ بِأَدواءِ النِّساءِ طَبيبُ".
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (١٠)، قال الجِبْلي (١١): "أي: عن
_________
(١) البستان ٢/ ٢٨٢.
(٢) المطففين ٢.
(٣) البستان ٤/ ٣٣٤.
(٤) مجاز القرآن ١/ ١٤.
(٥) الشورى ١٥، ينظر: البستان ٢/ ٤٣١.
(٦) المجادلة ٣، ينظر: البستان ٣/ ٣٥٤.
(٧) الزلزلة ٥، ينظر: البستان ٢/ ٤٣١.
(٨) الفرقان ٥٩.
(٩) البستان ١/ ٣٨٦.
(١٠) الفرقان ٢٥.
(١١) البستان ١/ ٣٧٤.
стр. 81
الغَمام، والباء و"عَنْ" يتعاقَبان، كما يقال: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ، وعنِ القَوْسِ، بمعنًى واحد".
هـ - "عن" بمعنى الباء، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "ومعنى ﴿عَنِ الْهَوَى﴾؛ أي: بالهوى، فأقيم "عَنْ" مُقامَ الباء، كما أُقِيمَ الباءُ مُقامَ عَنْ".
وفي قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "بمعنى: "عَنْ"، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٥) أي: عَنْهُ".
و - الباء بمعنى "إلى"، ففي قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): "والباءُ في قوله: ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ بمعنى "إِلى"، يعني: إِلّا إلى سلطانٍ، في قول بعض المفسِّرين، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ (٨)؛ أي: إِلَيَّ، ومنه قول الشاعر:
أَسِيئِي بنا، أو أَحْسِنِي، لا مَلُومةٌ... لدَيْنا، ولا مَقْلِيّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ".
ز - الباء بمعنى "مِنْ"، ففي قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٩)، قال الجِبْلي (١٠): "وقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾: نعتٌ للعَيْن و ﴿بِهَا﴾:
_________
(١) النجم ٣.
(٢) البستان ٣/ ٢٠١.
(٣) المعارج ١.
(٤) البستان ٤/ ٦٠.
(٥) الفرقان ٥٩.
(٦) الرحمن ٣٣.
(٧) البستان ٣/ ٢٦٥.
(٨) يوسف ١٠٠.
(٩) المطففين ٢٧، ٢٨.
(١٠) البستان ٤/ ٣٤٩.
стр. 82
بمعنى: "مِنْها"، وقد تقدَّم نظيرُها في سورة ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، وهو قولُه تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (١).
حـ - "مِنْ" بمعنى: الباء، ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "يعني: الرِّياحُ ذواتُ الأعاصير، و"مِنْ" معناه: الباء، كأنه قال: بالمُعصِرات، كقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ﴾ (٤)، وكذلك كان عِكرمةُ يقرؤها: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾.
٦ - اختار مذهبُ الكوفيِّين في نصبِ الفعل على الصَّرف في نحوِ قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا. . .﴾ الآية (٥)، فقد قال (٦): "قرأ أهلُ المدينة والشام: ﴿وَيَعْلَمُ﴾ بالرَّفع على الاستئناف، كقوله تعالى في سورة براءةٌ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٧)، وقرأَه الآخَرون نصبًا على الصَّرف، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٨) صُرِفَ من حالِ الجزم إلى النَّصب استخفافًا، وكراهيةً لتوالي الجزم".
٧ - اختياره قولَ الفَرّاء والزَّجّاج في أنّ "إلّا" في الاستثناء المنقطع بمعنى "سوى"، ففي قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ (٩)،
_________
(١) الإنسان ٦.
(٢) النبأ ١٤.
(٣) البستان ٤/ ٢٤٨.
(٤) القدر ٤، ٥.
(٥) الشورى ٣٥.
(٦) البستان ٢/ ٤٤٠.
(٧) التوبة ١٥.
(٨) آل عمران ١٤٢.
(٩) الدخان ٥٦.
стр. 83
قال الجِبْلي (١): "نُصِب لأنه استثناءٌ ليس من الأول، يعني: سوى الموتةِ الأُولى التي ذاقوها في الدنيا، قال الفَرّاء (٢) والزَّجّاج (٣): "إِلّا" بمعنى "سِوَى"، كقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤)؛ أي: سِوَى ما سَلَفَ".
٨ - اختار مذهبَ الكوفيِّين في جواز إضافةِ الشيءِ إلى نفسِه؛ لاختلاف اللَّفظَيْنِ في قوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (٥)، فقال الجِبْلي (٦): "والمكرُ هو: العمَلُ القبيح، وأُضيفَ المكرُ إلى صفتِه".
وفي قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "والحَبْلُ هو: الوَرِيدُ، فأُضِيفَ إلى نفسِه لاختلاف اللَّفظَيْن".
وفي قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٩)، قال الجِبْلي (١٠): "أي: دِينُ المِلّةِ المستقيمة، وهو جَمْع القَيِّمِ. . .، وإنما أضاف الدِّينَ إلى القَيِّمةِ -وهي نعتُه- لاختلاف اللَّفظَيْن، كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ (١١)، والدار هي: الآخِرة، فأضافها إِلى نَعْتِها".
_________
(١) البستان ٣/ ٢٤.
(٢) معاني القرآن ٣/ ٤٤.
(٣) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٤٢٨.
(٤) النساء ٢٢.
(٥) فاطر ٤٣.
(٦) البستان ٢/ ٢١١.
(٧) سورة ق ١٦.
(٨) البستان ٣/ ١٤٥.
(٩) البينة ٥.
(١٠) البستان ٥/ ١٧.
(١١) يوسف ١٠٩.
стр. 84
٩ - ذهب إلى أنّ العاملَ في "إِذا" هو فعلُ الشَّرط، بينَما ذهبَ الجمهورُ إلى أنّ العاملَ فيها هو جوابُ الشَّرط، ففي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "ولا يَجوز أن يكونَ العاملُ في "إِذا": ﴿بَصِيرًا﴾، كما لا يَجُوزُ: اليومَ إِنَّ زيْدًا خارِجٌ، ولكنّ العاملَ فيها ﴿جَاءَ﴾ لشِبْهِها بِحُرُوفِ المُجازاة، وقد يُجازَى بها، كما قال قيسُ بن الخَطيم:
إِذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان طُولُها... خُطانا إلى أعْدائِنا فنُضارِبِ".
وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): " ﴿إِذَا﴾ في موضع نَصْبٍ بـ ﴿جَاءَكَ﴾، إلّا أنّها غيرُ معرَبة لِتَنَقُّلِها، وفي آخِرها أَلِفٌ، والأَلِفُ لا تُحَرَّكُ".
١٠ - اختار قولَ الكوفيِّين والأخفَش في جواز زيادة "مِنْ" في الكلام الموجَب، ففي قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "و ﴿مِنْ﴾ هاهنا: صلةٌ، معناه: يَغْفِرْ لكم ذُنُوبَكُم، ولم تدخُلْ لتبعيضِ الذّنوب، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٧)؛ أي: اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الذي هو الأَوْثانُ".
١١ - اختار رأيَ الكِسائي في أنّ "إِنْ" في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (٨)
_________
(١) فاطر ٤٥.
(٢) البستان ٢/ ١٥١.
(٣) المنافقون ١.
(٤) البستان ٣/ ٤٢٢.
(٥) نوح ٤.
(٦) البستان ٤/ ٨٣.
(٧) الحج ٣٠.
(٨) الأعلى ٩.
стр. 85
بمعنى: "قَدْ"، فقال (١): "و ﴿إِنْ﴾ في معنى "قَدْ"، أي: فذكِّرْ قد نَفَعت الذِّكرى، قال الكِسائي (٢): سمعتُ العربَ تقول: إنْ قام زيدٌ، وظننتُه شرطًا، قال: فسألتهم، فقالوا: نريد: قد قام زيدٌ، وليس نريد: ما قام زيدٌ".
١٢ - اختار رأيَ الكوفيِّين في أن المبتدأَ والخبرَ يترافعانِ، فقال (٣): "قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ (٤)، قرأه العامّةُ بالرَّفع على الابتداء، وخبره في ﴿أَنَّ﴾، وكذلك حُكمُ الآية التي قبلَها حُكمُها، فتُرفع ﴿الْخَامِسَةَ﴾ بـ ﴿أَنَّ﴾، و ﴿أَنَّ﴾ بالخامسة".
* * *
_________
(١) البستان ٤/ ٣٩٤.
(٢) ينظر قوله في شفاء الصدور للنقاش ورقة ٢٣٢/ أ، ياقوتة الصراط لأبي عمر الزاهد ص ٥٧١، الأضداد لابن الأنباري ص ١٨٩، ١٩٠.
(٣) البستان ١/ ٣١٢.
(٤) النور ٩.
стр. 86
الفصلُ الثاني كتابُ البُستان في إعرابِ مشكلاتِ القرآن
ويشتملُ على المباحثِ الآتية:
المبحث الأول: عُنوانُ الكتاب، وتوثيق نِسبتُه للجِبْلي، وموضوعه.
المبحث الثاني: مصادرُه.
المبحث الثالث: منهَجُ الجِبليِّ فيه.
المبحث الرابع: المصطَلحات النَّحْويّة في البستان.
المبحث الخامس: العلّةُ النَّحويّة في البستان.
المبحث السادس: ملحوظاتٌ على الكتاب.
стр. 87
المبحث الأول عنوانُ الكتاب، وتوثيق نِسبتِهِ للجِبْلي، وموضوعُه
المطلبُ الأول: عُنوانُ الكتاب:
جاء عنوانُ الكتاب في أوّل المخطوط وآخِره: "البستان في إعرابِ مشكِلات القرآن"، وأنه لأَحْمَدَ بنِ أبِي بكرِ بن عُمَرَ بنِ أبِي الخَيرِ بنِ أبِي الهَيْثم الجِبْليِّ المعروف بالأحنَف، وقد جاء في صفحةِ العنوان ما نصُّه: "كتابُ البستان في إعرابِ مشكِلات القرآن، مُؤَلَّفُ الشّيخ الإمام العالِم أَحْمَدَ بنِ أبِي بكرِ بن عُمَرَ بنِ أبِي الخَيرِ بنِ أبِي الهَيْثم الجِبْلِيِّ المعروفِ بالأحنَف نَفَع اللَّه تعالى بعلومه".
كما جاء في آخِر ورقةٍ من المخطوط ما نصُّه: "كُتِبَ البُسْتانُ في إِعْرابِ مُشْكِلَاتِ القُرْآنِ مِنْ نُسْخةِ المُؤَلِّفِ بِخَطِّهِ، وهُوَ: الإمامُ العالِمُ أَحْمَدُ بنُ أَبِي بَكْرِ بنِ عُمَرَ بنِ أَبِي الخَيْرِ بنِ أَبِي الهَيْثَمِ الجِبْلِيُّ، المَعْرُوفُ بِالأَحْنَفِ، نَفَعَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ" (١).
وهذا ما جاء في مجلّة معهد المخطوطات العربيّة (٢)، وما ذكره صاحبُ معجَم المؤلِّفين (٣)، ولم يَذكُر أحدٌ أنّ للكتابِ عنوانًا آخرَ غيرَ هذا العنوان.
_________
(١) الورقة ٣٤٧/ أ.
(٢) المجلد الأول، الجزء الثاني ص ٢٠٠.
(٣) المستدرك على معجم المؤلفين لكحّالة ص ٤٢.
стр. 88
المطلبُ الثاني: توثيق نِسبتِهِ للجِبْلي:
كتابُ البستان في إعرابِ مشكِلات القرآن لأحمدَ بن أَبِي بكرِ بن عُمرَ الجِبْلي، وهذا ما جاء في صفحة العُنوان، وما جاء في الورقةِ الأخيرة من المخطوط، ولم يُشَكِّكْ أحدٌ في اسم الكتاب، ولا في أنه للجِبْلي، كما أشارت الكتُبُ التي تَرجَمت للجِبْليِّ إِلى أنّ هذا الكتابَ للجِبْلي، جاء ذلك في مجلّة معهد المخطوطات العربيّة (١)، وفي المستدرك على معجم المؤلِّفين (٢).
المطلبُ الثالث: موضوعه:
موضوعُ الكتاب -كما هو واضحٌ من عُنوانه- هو: إعرابُ مشكِلات القرآن، وهذا هو الغالبُ على الكتاب، فقد اهتمَّ فيه الجِبْلِيُّ بالمشكِلات الإعرابيّة للآيات القرآنيّة، كما اهتمَّ بغيرِ هذه المشكِلات الإعرابيّة، وهذا واضحٌ في الكتاب بصفةٍ عامّة، ولكنّ المؤلِّف لم يقتصرْ على إعراب القرآن، بل قد توسَّع كثيرًا في إيراد آراءِ المفسِّرين، وتَبِع ذلك إيرادُه كثيرًا من الأحاديث والأخبار والقَصَص، وربّما استطرد فيها استطرادًا، وهذه الأحاديثُ والأخبار والقَصَص في أغلبها لا علاقةَ لها بإعرابِ القرآن.
* * *
_________
(١) المُجلد الأول، الجزء الثاني ص ٢٠٠.
(٢) المستدرك على معجم المؤلفين لعمر رضا كحّالة ص ٤٢.
стр. 89
المبحثُ الثاني مصادرُه
المصادرُ التي اعتمد عليها الجِبْليُّ في البستان كثيرةٌ جدًّا، ويمكن تقسيمُها إلى ما يأتِي:
أولًا: مصادرُ بصَرْيّةٌ، ومنها:
١ - العَيْن، للخليل بن أحمد:
ومن أمثلة نُقوله عن كتاب العَيْن ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وفَرَّقوا بين المِصباح والسِّراج، فقال الخليل (٣): المصباح: السِّراج بالمِسْرَجة، وقيل: هو موضعُ الفتيلة، والسِّراج: نفسُ السِّراج".
٢ - في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "وقال الخليل (٦): يقال: سَلَقْتُهُ باللِّسان؛ أي: أسمعتُه ما يَكرَه وأكثَرتُ، ويقال: لِسانٌ مُسْلِقٌ؛ أي: حديدٌ ذَلِقٌ".
_________
(١) النور ٣٥.
(٢) البستان ١/ ٣٣٢.
(٣) العين ٣/ ١٢٦.
(٤) الأحزاب ١٩.
(٥) البستان ٢/ ١٠٨.
(٦) العين ٥/ ٧٦.
стр. 90
٣ - في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "قال الخليل (٣): النُّكُرُ: نعتٌ للأمر الشديد، والنُّكُرُ: الداهية".
٢ - كتابُ سيبوَيْه: وكان نَقلُه عن الكتابِ بطريقةٍ من أربع:
الأُولَى: النَّقل الصريح: حيث يشير إلى أنّ هذا قولُ سيبوَيْه، وقد جاء ذلك في ثلاثينَ موضعًا من البستان، ومن أمثلتِه عنده ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (٤)، قال الجِبلي (٥): "قال سيبوَيْه (٦): هذا من الاستثناء المنقطع، المعنى لكنْ بأنْ يقولوا: ربُّنا اللَّه".
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "قرأ نافعٌ: ﴿أَنْ﴾ مخفَّفةً ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ بالرَّفع، قال سيبوَيْه (٩): لا تُخفِّف ﴿أَنَّ﴾ في الكلام وبعدَها الأسماءُ إلّا وأنت تريدُ الثَّقيلةَ".
والثانية: النقل بالمعنى: ومن أمثلته عنده ما يلي:
_________
(١) القمر ٦.
(٢) البستان ٣/ ٢٣٠.
(٣) العين ٥/ ٣٥٥.
(٤) الحج ٣٩.
(٥) البستان ١/ ٢٥٤.
(٦) الكتاب ٢/ ٣٢٥.
(٧) النور ٧.
(٨) البستان ١/ ٣١١.
(٩) الكتاب ٣/ ١٦٣، ١٦٤.
стр. 91
١ - في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "أي: لعبًا وباطلًا، لا لحكمةٍ. . .، وهو منصوبٌ على الحال عند سيبوَيْه وقُطرُب، مجازُه: عابِثين".
ولم يذكر سيبوَيْه هذه الآيةَ في كتابه، وإنّما تحدَّث عن وقوع المصدر حالًا في نحو: قَتَلْتُهُ صَبْرًا، ولَقِيتُهُ فُجاءةً ومُفاجأةً وكِفاحًا ومُكافَحةً (٣).
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "وهذا عطفُ البيان الذي يقوم مقامَ النَّعت لـ ﴿هَذَا﴾، وهذا قول سيبوَيْه (٦) ".
والثالثة: النقل عن الكتاب دون الإشارة إليه: ومن أمثلته ما يلي:
- قال الجِبْلي (٧): "وقوله: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ (٨) و ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ (٩) منصوبانِ على المصدر، وقيل: على إضمارِ الفعل المتروكِ إِظهارُهُ". اهـ، وهذا الرأيُ الثاني الذي ذكره هو رأيُ سيبوَيْه (١٠).
والرابعة: أقوالٌ لم أقفْ عليها في الكتاب: ومن أمثلتها عندَه ما يلي:
_________
(١) المؤمنون ١١٥.
(٢) البستان ١/ ٣٠٢.
(٣) ينظر: الكتاب ١/ ٣٧٠.
(٤) الزخرف ٣١.
(٥) البستان ٢/ ٤٦٢.
(٦) ينظر: الكتاب ٢/ ١٨٩: ١٩٣.
(٧) البستان ٣/ ٣٠٠.
(٨) سورة ص ٥٩.
(٩) سورة ص ٦٠.
(١٠) ينظر: الكتاب ١/ ٢٩٥، ٣٢٨.
стр. 92
١ - في قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "قرأ أهلُ المدينة والكوفة إلّا عاصمًا بضمِّ السِّين هاهنا وفي سورة ص، وقَرَأ الباقون بكسرها، قال الخليلُ وسيبوَيْه (٣): هما لغتان، مثلَ قول العرب: بحرٌ لُجِّيٌّ ولِجِّيٌّ، ودُرِّيٌّ ودِرِّيٌّ، وكُرْسِيٌّ وكِرْسِيٌّ".
٢ - في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "ونصب: ﴿طِبَاقًا﴾ نعتًا لـ: ﴿سَبْعَ﴾، وقال سيبوَيْه (٦): نصبه لأنه مفعولٌ ثانٍ".
٣ - مَجازُ القرآن لأبي عُبيدةَ: ونُقولُه عنه كثيرةٌ، وكان نقلُه عنه بطريقتَيْن:
الأولى: النَّقل الصَّريح، ومن أمثلتِه ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "قال أبو عُبيدةَ (٩): الظِّلُّ: ما تنسَخُه الشمس، وهو بالغَداة، والفَيءُ: ما نَسَخَ الشَّمْسَ، وهو بعدَ الزَّوال، وسُمِّيَ فَيْئًا لأنه فاءَ من جانبِ المغرب: أي رَجَع".
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١٠)، قال
_________
(١) المؤمنون ١١٠.
(٢) البستان ١/ ٢٩٩.
(٣) ينظر قولهما في معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٤، معاني القراءات للأزهري ٢/ ١٩٧.
(٤) الملك ٣.
(٥) البستان ٣/ ٤٧٣.
(٦) ينظر قوله في الكشف والبيان للثعلبي ٩/ ٣٥٦، عين المعاني للسجاوندي ورقة ١٣٥/ ب، القرطبي ١٨/ ٢٠٨.
(٧) الفرقان ٤٥.
(٨) البستان ١/ ٣٨٣.
(٩) مجاز القرآن ٢/ ٧٥، ٧٦.
(١٠) سبأ ٢٤.
стр. 93
الجِبْلي (١): "قال أبو عُبيدةَ (٢): معناه: إنّا لَعلى هُدًى وإنّكم إِيّاكُم لَفي ضلالٍ مبُيِن".
والثانية: نقلُه عن أَبِي عُبيدةَ بغير إشارةٍ إليه:
١ - في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "يعني: مستكبِرًا نَفْسَهُ، تقول العرب: جاء فلانٌ ثانِيَ عِطْفِهِ؛ أي: متبختِرًا لتَكَبُّرِهِ وعِزِّهِ".
وهذا كلام أَبِي عُبيدةَ في مجازِ القرآن (٥).
٢ - في قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): "والسُّورة مشتقةٌ من السُّورِ الذي يُحِيطُ بالبَلَدِ؛ لأنها تحيطُ بآياتٍ من القرآن، وقيل: هي مشتقةٌ من السُّؤْرِ وهو البَقِيّةُ". اهـ، والقولانِ قالهما أبو عُبيدة (٨).
٤ - معاني القرآن للأخفَش: وقد نَقَل الجِبْليُّ عن الأخفَش في نحو خمسينَ موضعًا، منها ما نَقَله عن "معانِي القرآن"، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٩)، قال الجِبْلي (١٠): "قرأ نافعٌ:
_________
(١) البستان ٢/ ١٧٤.
(٢) مجاز القرآن ٢/ ١٤٨.
(٣) الحج ٩.
(٤) البستان ١/ ٢٢٩.
(٥) ٢/ ٤٥.
(٦) النور ١.
(٧) البستان ١/ ٣٠٩.
(٨) في مجاز القرآن ١/ ٣، ٥، ٢٠.
(٩) النور ٧.
(١٠) البستان ١/ ٣١١.
стр. 94
﴿أنْ﴾ مخفَّفةً ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ بالرَّفع. . .، وقال الأخفش (١): لا أعلم الثقيلةَ إلّا أجودَ في العربية؛ لأنك إذا خَفَّفْتَ والأصلُ التثقيلُ فتُخَفِّفُ وتضمرُ الشأنَ بأنْ تجيءَ بالأصل ولا تحذفَ شيئًا ولا تُضْمِرَ أجودُ".
٢ - في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اَلَّيْلِ وَاَلنَّهَارِ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "قال الأخفش (٤): اللَّيل والنهار لا يَمكُران بأحدٍ ولكنْ يُمْكَرُ فيهما، كقوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ (٥)، يعني: أخرجك أهلُها، وهذا من سَعةِ العربيّة".
ومن آراء الأخفَش التي نَقَلها الجِبليُّ عن كتبٍ لعلماءَ آخَرين:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): "وسَيْناءُ، كان حقُّه ان ينصرفَ كما ينصرفُ عِلْباءٌ وحِرْباءٌ، لكنه اسمٌ لبقعةٍ أو لأرضٍ، وهو معرفةٌ فلم ينصرفْ للمعرفة والتأنيث، وقال الأخفَش (٨): هو اسمٌ أعجميٌّ معرفةٌ، فهو كامرأةٍ سمَّيتَها بجَعْفَرٍ، ومِثلُه "طُورُ سِينِينَ".
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ (٩)،
_________
(١) معاني القرآن ص ١١٤.
(٢) سبأ ٣٣.
(٣) البستان ٢/ ١٧٧.
(٤) معاني القرآن ص ٤٤٥.
(٥) محمد ١٣.
(٦) المؤمنون ٢٠.
(٧) البستان ١/ ٢٧٥.
(٨) ينظر قوله في إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١١٣، الحجة للفارسي ٣/ ١٧٩.
(٩) العنكبوت ٥٨.
стр. 95
قال الجِبْلي (١): " وقرأ حمزةُ والكِسائيُّ وخَلَفٌ: ﴿لَنُثْوِيَنَّهُمْ﴾، من: أَثْوَيْتُ. . .، قال الأخفش (٢): لا تعجبُني هذه القراءة؛ لأنك لا تقول: أَثْوَيْتُهُ الدّارَ، بل تقول: في الدّارِ، وليس في الآية حرفُ جرٍّ في المفعول الثاني".
٥ - مصادرُ بَصْريّةٌ أخرى، منها: كُتُب ابن قُتَيبةَ، كتفسير غريبِ القرآن، وتأويلِ مُشكِل القرآن وتأويل مختلفِ الحديث، وقد أشار الجِبْليُّ إلى النقل عن ابن قُتَيبةَ في ستةَ عشَرَ موضعًا، ولكنّ أكثرَ ما نَقَله الجِبْلي عن ابن قُتَيبة كان بدون إشارةٍ إليه.
- ومن هذه المصادر أيضًا: كُتب المبرّد، كالكامل والمقتضَب والفاضل والمذكَّر والمؤنَّث وغيرِها، فمن أمثلة ما نَقَله الجِبْليُّ عن المبرّد:
١ - في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٣)، قال الجِبْلي (٤): "وقال المبرّد (٥): لم يرَها إلّا بعدَ الجَهد، كما يقول القائل: ما كدتُ أراك من الظُّلمة، وقد رآه ولكنْ بعدَ بأسٍ وشدّة".
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): "قال المبرّد (٨): قولُه: ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾
_________
(١) البستان ٢/ ٢١.
(٢) ينظر قوله في الحجة للفارسي ٣/ ٢٦٤، الوسيط للواحدي ٣/ ٤٢٤.
(٣) النور ٤٠.
(٤) البستان ١/ ٣٤٣.
(٥) الكامل في اللغة والأدب ١/ ١٩٥.
(٦) النور ٤٥.
(٧) البستان ١/ ٣٤٨.
(٨) الكامل ٢/ ٢٧٦، المقتضب ٢/ ٤٩.
стр. 96
يريدُ: الناسَ وغيرَهم، وإذا اختلط النوعانِ حُمِلَ الكلامُ على الأغلب، ولذلك قال: ﴿مَنْ﴾ لغير ما يَعقِل".
ومن هذه المصادر أيضًا: معانِي القرآن وإعرابُه للزَّجّاج: وهو من أكثر الكتُب التي نَقَل عنها الجِبْلي في البستان، فقد نَقَل الجِبْليُّ عنه في نحوِ مائةٍ وخمسةٍ وأربعين موضعًا.
ثانيًا: مصادرُ كوفيّة، ومنها ما يلي:
١ - معاني القرآن للفَرّاء: وهو أهمُّ هذه المصادر على الإطلاق، فقد نَقَل الجِبْليُّ عن الفَرّاء صراحةً في مائتَيْن وخمسةٍ وثلاثين موضعًا، وكان نَقْلُه عن الفَرّاء بطريقةٍ من ثلاثٍ:
الأولى: النَّقل الصَّريح بالإشارة إلى أنّ هذا قولُ الفَرّاء، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وقال الفَرّاء (٣): إنّما جمع اثنَيْنِ فقال: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾، وهو يريد داودَ وسُليمانَ؛ لأنّ الاثنين جَمْعٌ، وهو مثلُ قوله: ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوةٌ﴾ (٤)، وهو يريدُ أخوَيْنِ".
٢ - في قوله تعالى ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦):
_________
(١) الأنبياء ٧٨.
(٢) البستان ١/ ١٩٨.
(٣) معاني القرآن ٢/ ٢٠٨.
(٤) النساء ١١.
(٥) الحج ٢.
(٦) البستان ١/ ٢٢٣.
стр. 97
"وقَرأَ حمزةُ والكِسائيُّ: ﴿سَكْرَى وَما هُمْ بِسَكْرَى﴾ بفتح السِّين من غير ألفٍ وبالإمالة، قال الفَرّاء (١): وهو وجهٌ جيِّدٌ في العربية؛ لأنه بمنزلة: الهَلْكَى والجَرْحَى والمَرْضَى والزَّمْنَى، والعربُ تجعل "فَعْلَى" علامةً لِجَمْعِ كُلِّ ذي زَمانةٍ وضَرَرٍ وهلاكٍ، ولا يبالونَ أكان واحدُهُ "فاعلاً" أو "فعيلًا" أو "فَعْلانَ".
الثانية: النَّقل عن الفَرّاء بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "كان حقُّه: وأسرَّ؛ لأنه فعلٌ تقدَّم الاسمَ، واختلف النُّحاة فيه، فمنهم من قال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في محلِّ الخَفْض على أنه تابعٌ للناس في قوله : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ (٤). اهـ، وهذا قولُ الفَرّاء في معاني القرآن (٥).
٢ - في قوله تعالَى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): "والعربُ تضَعُ "بَلْ" موضعَ "أَمْ"، و"أَمْ" موضعَ "بَلْ" إذا كان في أول الكلام استفهام، كقول الشاعر:
فواللَّهِ ما أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ... أمِ القَوْمُ أو كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبُ
أي: بل كلٌّ". اهـ، وهذا نصُّ كلام الفَرّاء في معانِي القرآن (٨).
_________
(١) معاني القرآن ٢/ ٢١٤، ٢١٥.
(٢) الأنبياء ٣.
(٣) البستان ١/ ١٨٠.
(٤) الأنبياء ١.
(٥) ٢/ ١٩٨.
(٦) النمل ٦٦.
(٧) البستان ١/ ٤٦٧.
(٨) ٢/ ٢٩٩.
стр. 98
الثالثة: أقوالٌ ليست في معاني القرآن، ومن أمثلتها ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "قال الفَرّاءُ (٣) والزُّجّاج (٤): لم يقُلْ: كواحدة؛ لأنّ أَحَدًا: نَفْيٌ عامٌّ يصلُح للواحد والاثنَيْن والجميع والمذكَّر والمؤنَّث، قال اللَّه : ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٦).
٢ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "قال الحَسن والفَرّاءُ والكِسائيّ (٩): المَيِّتُ -بالتشديد-: من لم يَمُتْ وسيمُوتُ، والمَيْتُ بالتخفيف: الذي فارقَه الرُّوحُ، فلذلك لم يخففه هاهنا".
٢ - كتُبُ أحمدَ بن يحيى ثَعْلبٍ: وهو من أكثرِ العلماء الذين وَرَد ذكرهم في البستان، ولكنّ أكثرَ ما نقله الجِبْلي عنه كان من خلال كتُبِ تلاميذه، كأبِي بكرٍ بن الأنباريِّ وأبي بكرٍ النّقاش وغيرِهما، كأبي منصورٍ الأزهريِّ في التهذيب ومعاني القراءات.
أمّا ما نقله الجِبْلي عن كتُبِ ثعلبٍ فكان بطريقتَيْن:
_________
(١) الأحزاب ٣٢.
(٢) البستان ٢/ ١١٥.
(٣) ينظر قوله في التهذيب للأزهري ٥/ ١٩٦، والكشف والبيان للثعلبي ٨/ ٣٤.
(٤) معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٢٤.
(٥) البقرة ٢٨٥.
(٦) الحاقة ٤٧.
(٧) الزمر ٣٠.
(٨) البستان ٢/ ٣٥١.
(٩) ينظر قول ثلاثتهم في الكشف والبيان للثعلبي ٨/ ٢٣٤، تفسير القرطبي ١٥/ ٢٥٤.
стр. 99
الأولى: النقل الصَّريح عن ثعلب، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١) قال الجبلي (٢): "وقال أحمدُ بن يحيى ثَعْلبٌ (٣): المِثْلُ صِلةٌ، المعنى: ليسَ كهُوَ شيءٌ، فأدخل المِثْلَ توكيدًا للكلام، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ (٤)، وفي حرف ابن مسعود: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾.
٢ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "وقال ثَعْلَبٌ (٧): السَّبْحُ: التَّرَدُّدُ والاضْطِرابُ، والسَّبْخُ: السُّكُونُ والسُّكُوتُ".
والثانية: النقلِ عن كتُب ثعلبٍ بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته:
١ - في قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (٨)، قال الجِبْلي (٩): "ويقال: قَوْمٌ سامِرٌ ورَجُلٌ سامِرٌ، مثل: قَوْمٌ زَوْرٌ". اهـ، وهذا قول ثعلبٍ في مجالسه (١٠).
٢ - في قوله تعالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ (١١)، قال الجِبْلي (١٢): "يقال:
_________
(١) الشورى ١١.
(٢) البستان ٢/ ٤٢٩.
(٣) مجالس ثعلب ص ٢٣١.
(٤) البقرة ١٣٧.
(٥) المزمل ٧.
(٦) البستان ٤/ ١٢٦.
(٧) مجالس ثعلب ص ٤٠٣.
(٨) المؤمنون ٦٧.
(٩) البستان ١/ ٢٩٢.
(١٠) ص ٧٧.
(١١) محمد ١٥.
(١٢) البستان ٣/ ٧٥.
стр. 100
أَسِنَ الماءُ يَأْسَنُ أَسَنًا، وأَجِنَ يَأْجَنُ أَجَنًا، وأَسَنَ يَأْسُنُ وأَجَنَ يَأْجُنُ أُسُونًا وأُجُونًا: إذا تَغَيَّرَ". اهـ، وهذا ما قاله ثعلبٌ في الفصيح (١).
٣ - كتُب أَبِي بكرٍ ابن الأنباريِّ: مثلَ إيضاح الوَقْف والابتداء، والأضداد، والزاهرُ في معاني كلماتِ الناس، وغيرِها، ومن أمثلة ما نقله الجِبْلي عن ابن الأنباري.
١ - في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ (٢)، قال الجِبْلي (٣): "وجوابُ "إذا " محذوفٌ، قال ابنُ الأنباري (٤): ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ هو الجواب، كأنه قال: حتى إذا فُتِحت يأجوجُ ومأجوجُ اقتَربَ الوعدُ الحقُّ، والواو مُقْحَمةٌ بمعنى التعجُّب، كما تقول في الكلام: وأَيُّ رَجُلٍ زيْدٌ".
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ (٥)، قال الجِبْلي (٦): "قال ابنُ الأنباري (٧): الطَّوْرُ: الحال، والطَّوْرُ أيضًا: التّارةُ والمَرّةُ، وجمعه: أَطْوارٌ".
ثالثًا: مصادرُ بغداديّةٌ: ومن البغداديِّين الذين نَقَل عنهم الجِبْلي: ابنُ كَيْسان وأبو القاسم الزَّجّاجي وأبو عَلِيٍّ الفارسيُّ وابنُ جِنِّي، ولكنّ الفارسيَّ هو أهمُّ مَن نَقَل عنه الجِبْلي من البغداديِّين، فقد نَقَل عنه في سبعةَ عشَرَ موضعًا، وأمّا ابنُ كَيْسان فقد نَقَل عنه في موضع واحدٍ فقط، وأمّا الزَّجّاجِيُّ فقد نَقَل عنه الجِبْلي بدون أن يشيرَ إليه، وأمّا ابنُ جِنِّي فقد نَقل عنه الجِبْلي في موضع واحدٍ فقط.
_________
(١) ص ٢٧٢.
(٢) الأنبياء ٩٦.
(٣) البستان ١/ ٢٠٩.
(٤) إيضاح الوقف والابتداء ص ٧٧٩.
(٥) نوح ١٤.
(٦) البستان ٤/ ٨٧.
(٧) شرح القصائد السبع الطوال ص ٣٤٣.
стр. 101
أمّا ابنُ كَيْسان فقد نَقَل عنه الجِبْلي في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)، فقال (٢): "و ﴿ومَا﴾: في موضع رَفْع بـ ﴿سَاءَ﴾ عند سيبوَيْه (٣)، و ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: صلةُ ﴿مَا﴾، والهاء محذوفةٌ أي: يَعْمَلُونَهُ، وقال الأخفش (٤): ﴿مَا﴾: نكرةٌ في موضع نصب، و ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ نَعْتُهُ، والهاء محذوفةٌ أيضًا من الصِّفة، وحذْفُها من الصِّلةِ أحسنُ، وهو جائزٌ من الصِّفة، وقال ابنُ كَيْسان (٥): ﴿مَا﴾ والفعلُ: مصدرٌ في موضع رَفْع بـ ﴿سَاءَ﴾. فلا يُحتاجُ إلى هاءٍ محذوفةٍ على قوله".
وأمّا الزَّجّاجيُّ فمن المواضع التي نَقَلَ فيها الجِبْليُّ عنه:
١ - في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (٦)، قال الجِبْلي (٧): "وإنّما رَفَع المصدرَ وهو النَّفخةُ لأنه لَمّا نَعَتَها أقامها مُقامَ المرفوع؛ لأنّ الرَّفع بالمصدر -إذا نُعِتَ- أحسَنُ؛ لأنه يَقْرُبُ من الاسم، والنَّصب جائزٌ، ومثله في الكلام: ضُرِبَ بِزَيْدٍ ضَرْبٌ شَدِيدٌ، فإذا لم يُنْعَت المصدرُ كان الوجهُ النَّصبَ وقَبُحَ الرَّفعُ، وذلك قولك: ضُرِبَ بِزَيْدٍ ضَرْبًا، وسِيرَ بِزَيْدٍ سَيْرًا". اهـ، وهذا الكلام بنصِّه تقريبًا قاله الزَّجّاجي في الجُمَل (٨).
_________
(١) المنافقون ٢.
(٢) البستان ٣/ ٤٢٤.
(٣) أشار سيبويه إلى ذلك في كتابه ٣/ ١٥٦.
(٤) معانِي القرآن ص ٣٧، ٣٨، ١٣٩.
(٥) ينظر قوله في إعراب القرآن للنحاس ٣/ ٢٤٨، ومشكل إعراب القرآن ٢/ ٣٨٠، وغيرهما.
(٦) الحاقة ١٣.
(٧) البستان ٤/ ٤١.
(٨) ص ٨١.
стр. 102
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وقولُه: "وَدُودٌ" له معنَيانِ، قيل: هو "فَعُولٌ" بمعنى "مَفْعُولٍ"، كحَلُوبٍ ورَكُوبٍ أي: مَوْدُودٌ، وقيل: هو "فَعُولٌ" بمعنى: فاعِلٍ، أي: يَوَدُّ عِبادَهُ الصالحين، ومنه: شَكُورٌ لِعَبْدِهِ على عَمَلِهِ، والعَبْدُ شَكُورٌ لِنِعَمِ رَبِّهِ، ومنه: اللَّهُ تَوّابٌ على عبده، وعَبْدُ اللَّهِ تَوّابٌ إلى رَبِّهِ مِن ذَنْبهِ". اهـ، وهذانِ المَعْنَيانِ ذكرهما الزَّجّاجِيُّ في كتابه: اشتقاقُ أسماءِ اللَّه (٣).
وأمّا الفارسيُّ فمن أمثلة ما نَقَله الجِبْليُّ عنه:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "وقرأ ابنُ عامرٍ وأبو بكرٍ عن عاصم: ﴿نُجِّي﴾ بنونٍ واحدة وتشديد الجيم، وجميع النَّحويِّين حَكَموا على هذه القراءة بالغلط وأنّها لحنٌ. . .، قال أبو عليٍّ الفارسي (٦): هذا إنّما يجوزُ في ضرورة الشِّعر، وراوِي هذه القراءةِ عن عاصم غالطٌ في الرواية، فإنه قَرأ: ﴿نُنجِى﴾ بنونَيْنِ كما رَوَى حَفْصٌ عنه، ولكن النونَ الثانية من ﴿نُنْجِي﴾ تخفَى مع الجيم، ولا يجوز تبيينُها، فالتبس على السامع الإخفاءُ بالإدغام فظَنَّ أنه إدغام، ويدلُّ على هذا إسكانُه الياءَ من ﴿نُجِّي﴾ ونَصْبُ قوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولو كان على ما لم يُسَمُّ فاعلُه ما سكن الياء، ولَوَجَبَ أن تُرفَع ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ ".
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٧)، قال
_________
(١) البروج ١٤.
(٢) البستان ٤/ ٣٧٠.
(٣) ص ١٥٢.
(٤) الأنبياء ٨٨.
(٥) البستان ١/ ٢٠٤.
(٦) الحجة ٣/ ١٦٠، ١٦١، وينظر: المسائل البغداديات ص ٣٦٩.
(٧) النور ٣١.
стр. 103
الجِبْلي (١): "وقوله: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابنُ عامر بضمِّ الهاء، ومثله: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ في الزُّخرف (٢)، و ﴿أَيُّهَ اَلثَّقَلَانِ﴾ في الرحمن (٣)، قال أبو عليٍّ الفارسي (٤): وهذا لا يتَّجه؛ لأنّ آخِرَ الاسم هو الياءُ الثانية من "أَيُّ"، فينبغي أن يكونَ المضمومُ آخِرَ الاسم، ولو جاز أن يُضَمُّ الهاءُ -من حيث كان مقترنًا بالكلمة- لَجازَ أن يُضَمَّ الميمُ في "اللَّهُمَّ" لأنه آخِرُ الكلمة، وينبغي ألّا يُقرأَ بِهذا، ولا يُؤخَذَ به".
وأمّا ابنُ جِنِّي فقد نَقَل عنه الجِبْلي في موضعٍ واحدٍ فقط، فقال (٥): "قَرأَ العامّة: ﴿يَامَالِكُ﴾ (٦) بإثباتِ الكاف، وقَرأَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طالب ﵁ والأعمشُ: ﴿يا مالِ﴾ بحذف الكاف على الترخيم، ورَوَى أبو الدَّرداء ذلك عن النبيِّ ﷺ ، قال أبو الفتح عثمانُ بن جِنِّي (٧): هذا من أحقِّ الأشياءِ بالترخيم؛ لأنه موضعٌ قد ذَهَبَتْ فيه قُواهُم، ولم تنفَعْ فيه شكواهم، فضَعُفُوا عن تتميم نداءِ مالكٍ خازِنِ النار".
رابعًا: مصادرُ مِصريّة: ويمثِّلُها عند الجِبْلي: إعرابُ القرآن لأبي جعفرٍ النَّحّاس، وشرحُ المقدِّمة المُحْسِبةِ، وشرحُ جُمَل الزَّجّاجي لابن بابَشاذ.
١ - إعرابُ القرآن للنَّحاس: الجِبْلي وإن كان قد نَقَل عن النَّحّاس نقلًا صريحًا في واحدٍ وعشرينَ موضعًا فقط، إلّا أنه تأثَّر به تأثُّرًا كبيرًا؛ لأنّ أكثرَ الآراء التي نقلها الجِبْلي عن النحّاس كانت بغير عَزْو، وربّما نَقَل الجِبْلي كلامَ النحّاس واختيارَه في
_________
(١) البستان ١/ ٣٢٢.
(٢) الآية ٤٩.
(٣) الآية ٣١.
(٤) الحجة للقراء السبعة ٣/ ١٩٨، ١٩٩.
(٥) البستان ٢/ ٤٨٩.
(٦) الزخرف ٧٧.
(٧) المحتسب ٢/ ٢٥٧ باختلاف كبير في ألفاظه.
стр. 104
إعرابٍ ما دون أن يعلِّق عليه، بما يوحي بأنه يؤيِّد النحّاسَ فيما ذهب إليه، وكان الجِبْلي يحكي كلامَ النحّاس أحيانًا بقوله: "قال الصَّفّارُ"، أو: "قاله الصَّفّارُ"، وهذا في عشَرة مواضعَ، وكان أحيانًا يقول: "قال أبو جعفرٍ"، وهذا في موضعَيْن، وأحيانًا يقول: "قال النَّحّاسُ"، أو: "قاله النَّحّاسُ"، وهذا في تسعة مواضع، وكان نَقْله عن النحّاس -كما ذكرتُ- بطريقةٍ من اثنتَيْن:
الأُولى: النُّقل الصَّريح: حيث يصرِّح بالإشارة إلى النحّاس، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (١) قال الجِبْلي (٢): "قال أبو جعفرٍ النحّاس (٣): كان الأعمشُ يقف على: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئْ﴾، فيترُك الحركة، وهو وَقْفٌ حَسَنٌ تامّ، ثم غَلِطَ عليه الراوي، فرَوَى أنه كان يحذف الإعرابَ، فتابَعَ حمزةُ الغالطَ، فقَرأَ في الإدراج بتَرْك الحركة".
٢ - في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ قيل: هما معرفتان، فيكون خفضُهما على النَّعت، وقيل: هما نَكِرةٌ، فيكون خفضُهما على البدَل، وأما ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ و ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فهما نكِرتانِ، فيكون خفضُهما على البدَل لا على النُّعت، هكذا ذكره الصَّفّارُ (٦) ".
_________
(١) فاطر ٤٣.
(٢) البستان ٢/ ٢١٢.
(٣) إعراب القرآن ٣/ ٣٧٧.
(٤) غافر ١: ٣.
(٥) البستان ٢/ ٣٧٧.
(٦) يعني النحاس، ينظر: إعراب القرآن ٤/ ٢٦.
стр. 105
والثانية: النَّقل غيرُ الصَّريح: حيث ينقُل عنه بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "ولا يجوز في الكلام: اقتربَ حسابُهم للناس؛ لئلّا يُقَدَّمَ مُضْمَرٌ على مُظْهَرٍ لا يجوز أن يُنْوَى فيه التأخيرُ". اهـ، وهذا الكلام قاله النحّاس بنصِّه (٣).
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "معطوفٌ على الجبال، ويجوزُ أن يكونَ بمعنى: معَ الطّير، كما تقول: التقَى الماءُ والخشبةَ" اهـ، وهذا ما قاله النحّاس في إعرابِ القرآن (٦).
٢ - شرحُ المقدِّمة المُحْسِبةِ، وشرحُ جُمَلِ الزَّجّاجِىِّ لطاهر بن أحمدَ بن بابَشاذ، وهذانِ الكتابان كان لهما أثرٌ كبيرٌ لا في الجِبْلي وحدَه، بل في علماءِ اليمن بصفةٍ عامّة، وقد ذكرتُ السببَ في ذلك في الفصل الأول من هذه الدراسة (٧)، وكان نقلُه عن كتُب ابن بابَشاذ بطريقةٍ من اثنتَيْن:
الأولى: النَّقل الصَّريح، وهذا هو الغالبُ فيما نَقَله الجِبْلي عن كتابَيْ طاهر ابن أحمد إليه، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
_________
(١) الأنبياء ١.
(٢) البستان ١/ ١٧٨.
(٣) في إعراب القرآن ٣/ ٦٣.
(٤) الأنبياء ٧٩.
(٥) البستان ١/ ١٩٨.
(٦) ٣/ ٧٥، ٧٦.
(٧) ١/ ٢٧.
стр. 106
١ - في قوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "قيل: اللامُ صِلةٌ، مجازُها: يدعو مَن ضُرُّه أقربُ من نَفْعِه، وهكذا قرأها ابنُ مسعود، وقال طاهر بن أحمد (٣): مَنْ قال: اللام هاهنا زائدةٌ ففاسدٌ؛ لأنّها لا تقَعُ أولًا في أقوى مراتبِها وتكونُ زائدةً، وإنّما زِيدت وسَطًا في قول بعضهم:
أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضَى منَ الَّلحْمِ بِعَظْمِ الرَّقَبه".
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "وقال طاهر بن أحمد (٦): ليس المرادُ بالسلام في الآيةِ الكرامةَ والتحيّة، وإنّما المرادُ به التَّبَرُّؤُ والتَّخْلِيةُ؛ لأنه خطابُ المؤمنين للجاهلين، كأنّهم قالوا: تَبَرَّأْنا منكم تَبَرُّؤًا، وسُلِّمْنا منكم تَسْلِيمًا، فأَوْقَعَ السلامَ موقعَ التسليم، فانتصب بانتصابه، فلذلك وَجَب نصبُه".
- في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "وقال طاهر ابن أحمد (٩): ﴿حَدَائِقَ﴾: بدَلٌ من ﴿وَأَعْنَابًا﴾، وهو بَدَلُ بمِرةٍ من نَكِرةٍ. قال: ومثله من الشعر:
وكُنْتُ كذِي رِجْلَيْنِ: رِجْلٍ صَحِيحةٍ... ورِجْلٍ رَمَى فيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ".
_________
(١) الحج ١٣.
(٢) البستان ١/ ٤٦٨.
(٣) شرح جمل الزجاجي ١/ ١٣٦.
(٤) الفرقان ٦٣.
(٥) البستان ١/ ٣٩١.
(٦) شرح جمل الزجاجي ٢/ ١٥٢.
(٧) النبأ ٣٢، ٣١.
(٨) البستان ٤/ ٢٥٨.
(٩) شرح المقدمة المحسبة ص ٤٢٥، وينظر: شرح جمل الزجاجي ١/ ٥٧.
стр. 107
والثانية: النَّقل عنه بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "فـ ﴿مِن﴾ الأولى: للغاية؛ لأنّ ابتداءَ الإنزال من السماء، والثانية: للتبعيض؛ لأنّ البرَدَ بعضُ الجبال التي في السماء، والثالثة لتبيين الجِنس؛ لأنّ جنسَ تلك الجبال جنسُ البَرَد، فالأُولَيانِ متعلِّقتان بـ ﴿يُنَزِّلُ﴾، والثالثة: متعلِّقةٌ باستقرارٍ محذوف". اهـ، فهذا النصُّ قاله طاهر بن أحمد في شرح جُمَل الزَّجّاجي (٣).
٢ - في قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "و ﴿ما﴾ هاهنا بمعنى: "مَنْ"، قال بعض النَّحْويِّين: قد تدخُل "ما" لصفاتِ من يَعقِل، كقوله تعالى هاهنا: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأنّ الربَّ هو المالك، والمِلْكُ صفة". اهـ، وبعض النَّحْويِّين هذا هو طاهر بن أحمد (٦).
خامسًا: مصادرُ أخرى:
وأهمُّها ثلاثةُ كتُب، هي: الكشفُ والبيان للثَّعلبي، والوسيطُ للواحدي، وإنسانُ عَيْن المعاني لِمُحمد بن طَيْفور الغَزْنَويِّ السّجاوَنْدي.
١ - الكشفُ والبيان للثَّعلبي: وهو من أكثرِ الكتُبِ التي نَقَل عنها الجِبْلي، وقد تعدَّدت هذه النُّقولُ بين نقولٍ نَحْويّة ولُغوية، بالإضافة إلى التفسير والحديث
_________
(١) النور ٤٣.
(٢) البستان ١/ ٣٤٧.
(٣) ١/ ١٣٩.
(٤) الشعراء ٢٣.
(٥) البستان ١/ ٤١٤.
(٦) وقد قاله في شرح جمل الزجاجي ١/ ٣٦.
стр. 108
وأسباب النزول ونحوِها، وكانت نُقولُه عن الثَّعلبيِّ بطريقةٍ من اثنتَيْن:
الأُولَى: النَّقل الصَّريح، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ (١)، قال الجبْلي (٢): "قال الثعلبي ﵀ (٣): رأيتُ في بعض الكتب أنّ لقمان قال لابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ. . .﴾ إلى آخِر الآية، فانْفَطَرَ هَيْبةً من هذه الكلمة فمات، فكان آخِرَ حِكْمتِهِ".
٢ - في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "قَرأَه العامّةُ بالياء لأَجْل الحائل، وقَرأ أبو جعفرٍ بالتاء لتأنيث النَّجْوَى، والأَوَّلُ أصَحُّ وأفْصَحُ، قاله الثَّعلبي (٦) ".
والثانية: النقل عن الثَّعلبيِّ بدون الإشارة إليه، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "والزَّلْزَلةُ والزَّلْزالُ: شدّةُ الحركة على الحال الهائلة، من قولهم: زَلَّتْ قَدَمُهُ: إذا زالت عن الجهة بسرعة". اهـ، وهذا ما قاله الثَّعلبي في الكشف والبيان (٩).
_________
(١) لقمان ١٦.
(٢) البستان ٢/ ٦٠.
(٣) الكشف والبيان ٧/ ٣١٤.
(٤) المجادلة ٧.
(٥) البستان ٢/ ١١٤.
(٦) في الكشف والبيان ٩/ ٢٥٦.
(٧) الحج ١.
(٨) البستان ١/ ٢٢٢.
(٩) ٧/ ٦.
стр. 109
٢ - في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "ونظيرها في الكلام: شِبْرٌ وأَشْبارٌ، وجِلْدٌ وأَجْلادٌ، فكما أنّ الحِمارَ يحمِلُها وهو لا يَدْرِي ما فيها، ولا يَنْتَفِعُ بها، كذلك اليهودُ يقرؤون التوراةَ ولا ينتفعون بها؛ لأنهم خالَفْوا ما فيها". اهـ، وهذا أيضًا ما قاله الثَّعلبي (٣).
٢ - الوَسِيط للواحِدي: وهو من أهمِّ المصادر عندَ الجِبْلي، وهو مثلُ الكشف والبيان، تعدَّدت نُقول الجِبْلي عنه بين نَحْويّةٍ ولُغويّة وتفسيريّة، وكانت نُقولُه عن الواحِدي بطريقةٍ من اثنتَيْن أيضًا:
الأولى: النَّقل الصريح، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "قال الواحِدي (٦): ﴿أَنَّ﴾ في قراءة مَن فَتَح الألفَ محمولةٌ على الجارِّ في قول الخليل وسيبوَيْه (٧)، التقدير: ولأنَ هذه أُمّتُكم أمةً واحدةً ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، ومن قرأ بالتخفيف، فـ ﴿أَنْ﴾ هي المخفَّفة من المشدَّدة، كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٨)، ومَن كَسَرَ مع التشديد فهو على الاستئناف".
_________
(١) الجمعة ٥.
(٢) البستان ٣/ ٤٠٩.
(٣) في الكشف والبيان ٩/ ٣٠٧.
(٤) المؤمنون ٥٢.
(٥) البستان ١/ ٢٨٩.
(٦) الوسيط ٣/ ٢٩٢.
(٧) الكتاب ٣/ ١٢٦، ١٢٧.
(٨) يونس ١٠.
стр. 110
٢ - في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (١)، قال الجِبْلي (٢): "وقال الواحدي (٣): إنّما شَرَطَ إرادةَ التحصُّن لأنّ الإكراهَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا عند إرادة التحصُّن، فإن لم تُرِدِ المرأةُ التحصنَ باغَتْ بالطبع".
والثانية: النقل عن الواحدي بغير إشارةٍ إليه، ومن أمثلته ما يلي:
١ - في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (٤)، قال الجِبْلي (٥): "يعني: على شَكٍّ، وأصلُه من حَرْف الشّيء وهو: طَرَفُه، نحوَ: حَرْفِ الجبل والحائط الذي القائمُ عليه غيرُ مستقرٍ، فالذي يعبُد اللَّه على حرفٍ كالذي هو على حرفِ جبل أو نحوِه يضطرِبُ اضطرابًا، ويضعُف قيامه خوفًا من السقوط" اهـ، وهذا نصُّ كلام الواحدي (٦).
٢ - في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ (٧)، قال الجِبْلي (٨): "وإنما خَصَّ الطيرَ بالذِّكر من جملة الحيَوان لأنها تكون بينَ السّماءِ والأرض، فهي خارجةٌ عن جُملة مَن في السماوات والأرض". اهـ، وهذا ما قاله الواحدي (٩).
_________
(١) النور ٣٣.
(٢) البستان ١/ ٣٢٩.
(٣) الوسيط ٣/ ٣١٩.
(٤) الحج ١١.
(٥) البستان ١/ ٢٣٠.
(٦) في الوسيط ٣/ ٢٦١.
(٧) النور ٤١.
(٨) البستان ١/ ٣٤٥.
(٩) في الوسيط ٣/ ٣٢٣.
следующие страницы →