بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،
فهذا مجموع يضم ثلاثة كتب نفيسة في علم الرواية والإسناد والنقد الحديثي للإمام الحافظ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، أتحف به عامة القراء، وأهل الحديث على وجه الخصوص، لما فيها جميعها من فوائد علمية وفرائد حديثية ونفائس في التحقيق ودرر في التدقيق والتعليق، على عادة هذا الإمام الجهبذ الحافظ الكبير أحمد بن الصديق، الذي لم ير مثل نفسه خصوصا في علم الحديث وعلله …
стр. 2
الكتاب الأول مسند الجن
من خصائص العلوم الإسلامية أنها مسندة، حتى صار الإسناد في أغلبها شرطا من شروط القبول وإلا ردت وهجرت، اقتداء منها بعلوم الحديث النبوي حيث حرص العلماء منذ فجر الإسلام على ضبط الروايات والحكم عليها بناء على أحوال الرواة وتواريخهم، وإلا فهي مرسلات مردودات وتعليقات منكرات.
قال ابن سيرين ﵀: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. وقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا إسناد مثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري. وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح فبأي سلاح يقاتل. وقال يزيد بن زريع: لكل دين فرسان وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد. وعن محمد بن حاتم بن المظفر قال: إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها بالإسناد وليس لأحد من الأمم قديمها وحديثها إسناد موصول، إنما هي صحف في أيديهم وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم فليس عندهم تمييز ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتخذوها عن غير الثقات. وقال الحافظ ابن حزم: نقل الثقة عن الثقة حتى يبلغ به النبي ﷺ شيء خص به المسلمون دون جميع الملل والنحل، أما مع الإرسال والإعضال فيوجد في اليهود لكن لا يقربون به من موسى قربنا من نبينا، بل يقفون حيث يكون بينهم وبينه أكثر من ثلاثين نفسا، وإنما يبلغون إلى نوح وشمعون، وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق، وهذه الأمة الشريفة زادها الله شرفا بنبيها إنما تنقل الحديث عن الثقة المعروف في زمانه بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى
стр. 3
أخبارهم ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ والأطول فالأطول مجالسة لمن فوقه، فمن كان أقصر مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجها وأكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل ويضبطوا حروفه ويعدوه عدا. وفي «سراج المريدين» للقاضي أبي بكر بن العربي المعافري ما نصه: «والله أكرم هذه الأمة بالإسناد، لم يعطه أحد غيرها، فاحذروا أن تسلكوا مسلك اليهود والنصارى فتحدثوا بغير إسناد فتكونوا سالبين نعمة الله عن أنفسكم، مطرقين للتهمة إليكم، وخافضين لمنزلتكم، ومشتركين مع قوم لعنهم الله وغضب عليهم، وراكبين لسنتهم». (١)
• ولذلك اعتنى الأوائل والأواخر بالإسناد حفظا وتأليفا، فكثرت المؤلفات فيه، حتى انسلخ من علوم الحديث علم مستقل عرف بعلم الأثبات أو المشيخات أو الفهارس أو البرامج أو المعاجم، وهي التي يدون فيها المؤلف أسماء شيوخه ومن أخذوا عنهم إلى رسول الله ﷺ أو إلى كتاب من كتب الحديث أو غيره، أو غير ذلك من فنون التصنيف في علوم الإسناد وأغراضها العجيبة اللطيفة.
• وكان اهتمام المتأخرين بكتب الفهارس أو المشيخات أوسع وأوعب من المتقدمين، وذلك للحاجة الماسة بعد تفرع الطرق وكثرة المشايخ والآخذين عنهم ومنهم، فانصرف العلماء لجمع وترتيب مرويات كل شيخ وتهذيبها، في الأزمنة المتأخرة، حفاظا على الطرق من التداخل والروايات من الزيادة والنقصان، وزيادة في ضبط تراجم الأئمة الأعلام ونقد بعض ما يلصق بهم من مكذوب المرويات، ومقارنة مروياتهم بمرويات غيرهم سبرا وتقسيما، لتحري الصواب في الروايات والمشايخ والتواريخ وغير ذلك من الأغراض الجليلة.
وأما المغاربة فاهتموا بالأثبات والفهارس اهتماما فريدا واهتبلوا به على قدر اهتبالهم بعلوم الشريعة عموما وبالحديث النبوي على وجه الخصوص، ولذلك كثرت مؤلفاتهم فيه، خاصة أن كثيرا منهم رحلوا في طلب الروايات وعالي الأسانيد لدرجة
_________
(١) انظر «فهرس الفهارس والأثبات» للعلامة عبد الحي الكتاني ١/ ٨٠.
стр. 4
المبالغة أحيانا، بل لدرجة أن بعضهم اختلق رواة لا وجود لهم وادعى لهم التعمير ليحفل بالرواية عنهم ويغرب عن أهل عصره بالتفرد فيهم وعلو سندهم دونهم … وتفننوا في صناعة الفهارس والأثبات واختلفت موضوعاتهم مع وحدة أغراضهم بالكتابة فيه:
• فقد ألف شيخ الجماعة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن غازي المكناسي المغربي (٩٥١ هـ): «التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل المنزل و الناد».
• وألف العلامة محمد بن قاسم القصار المغربي المالكي (١٠١٢ هـ): (فهرسة شيوخه).
• وألف العلامة محمد بن أحمد ميارة الفاسي (١٠٧٢ هـ): «الفهرست».
• وألف أبو سالم العياشي (١٠٩١ هـ): فهرست عبد القادر الفاسي وتسمى: «الإجازة الكبرى»، ومعها: إجازة عبد القادر الفاسي وتسمى: «الإجازة الصغرى».
• وله أيضا «إتحاف الأخلاء بإجازات المشايخ الأجلاء».
• وله أيضا «اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر».
• وألف العلامة أبو الوليد عبد الملك بن محمد التجموعتي المغربي المالكي (١١١٨ هـ): «الفهرست».
• وألف العلامة أحمد بن العربي بن الحاج الفاسي بناني المغربي المالكي (١١٦٣ هـ): «الفهرست».
• وألف الحافظ أبو العلاء إدريس بن محمد بن إدريس العراقي الحسيني (١١٨٤ هـ): «فهرسته».
• وألف أبو القاسم أحمد بن علي بن إبراهيم الزياني المغربي (١٢٤٩ هـ): «جمهرة التيجان وفهرسة الياقوت واللؤلؤ والمرجان في ذكر الملوك وأشياخ السلطان المولى سليمان».
стр. 5
• وألف العلامة أبو الحسن علي بن سليمان الدمنتي البجمعوي (١٣٠٦ هـ): «أجلى مسانيد على الرحمن في أعلى أسانيد علي بن سليمان».
• وألف العلامة جعفر بن إدريس الكتاني (١٣٢٣ هـ): «إعلام الأئمة الأعلام وأساتيذها بما لنا من المرويات وأسانيدها».
• وألف العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد الحجوجي المغربي (١٣٧٠ هـ): «كنز اليواقيت الغالية في الأسانيد العالية».
• وألف محمد بن الحسن الحجوي (١٣٧٦ هـ) فهرسة المسماة: «مختصر العروة الوثقى في مشيخة أهل العلم والتقى».
• وألف الحافظ أحمد بن الصديق (١٣٨٠ هـ): «البحر العميق بمرويات ابن الصديق».
• وألف العلامة عبد الحي الكتاني (١٣٨٢ هـ): «فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات»، وهو أوسع مما ذكر ويذكر وأوعبها.
• وألف العلامة عبد الحفيظ الفاسي الفهري (١٣٨٣ هـ): «الإسعاد بالإسناد».
• وألف العلامة محمد الباقر بن محمد بن عبد الكبير الكتاني الحسني (١٣٨٤ هـ): «غنية المستفيد في مهم الأسانيد».
• وألف العلامة المؤرخ محمد بن الفاطمي ابن الحاج السلمي (١٤٢١ هـ): «إتحاف ذوي العلم والرسوخ بتراجم من أخذت عنه من الشيوخ».
ولو حاولنا تتبع واستقصاء عناوين كل ما كتب من الأثبات والفهارس المغربية ما أسعفنا مجلد بل ولا مجلدان، لكثرتها مطبوعا، وكثرتها من المخطوط، ومثله من المطموس المركون، مما لا يصلح له إلا دراسة متأنية وتتبع استقصائي دقيق.
• ومما تنافس فيه الإسناديون وتسابقوا في ميدانه طلب علو الإسناد في الروايات، واقتحموا فيه كل صعب وذلول، فكثروا الشيوخ، وأطالوا الرحلات، وبحثوا عن
стр. 6
المسندين المعمرين، ونقلوا مروياتهم وأسندوا عنهم، وفرحوا بها أيما فرح، وقد أشار الحافظ السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ» (١) إلى أن لكل من الحافظين الذهبي وابن حجر كراسة في المعمرين في الإسلام، ولكن يظهر أنهما جردا أسماء الذين عمروا التعمير العادي. لكن دس على أهل الإسناد وطالبي أعلاه فأعلاه دسائس مثل أكاذيب بعض من ادعى أو ادعي له التعمير لحد خارج عن الاعتدال وبعيد عن المألوف المعتاد.
قال شيخنا العلامة إبراهيم بن الصديق الغماري ﵀: «فقد كان أحدهم - وهو إبراهيم بن هدبة أبو هدبة الفاسي - سائلا يسأل الناس على قارعة الطريق ويدعى إلى الأعراس ببغداد للرقص وتسلية الناس، فلما كبر وشاخ حدثهم عن أنس بن مالك ﵁، وهو في مائة الثالثة - فتهافتوا عليه. وهكذا وجد من ادعى الصحبة وهو في المائة الخامسة، ومن ادعى أنه تابعي رأى عددا من الصحابة، وقال إنه عمر مائتي سنة وثلاثمائة سنة … الخ، وقد قال الحافظ الذهبي في «الميزان» (٢): وما يعنى برواية هذا الضرب ويفرح بعلوها إلى الجهلة. وقال في موضع آخر (٣): متى رأيت المحدث يفرح بعوالي أبي هدبة إبراهيم بن هدبة وخراش ودينار .. ». الخ فاعلم أنه عامي. اهـ
ويمكن القول بكل صراحة ووضوح إنه وقع في القرون المتأخرة شبه انفصال بين دراسة علوم الحديث رواية ودراية الدراسة الحقة المعروفة لدى الجميع، وبين التعاطي المجرد للبحث عن الأسانيد العالية، فالمحدثون الذين يعتبر البحث في الإسناد من أولى مهماتهم، قصدهم من ذلك أن يتعرفوا على رجال السند ويقوموهم تعديلا وجرحا لتوثيق السنة النبوية وإزالة الشوائب عن روايتها، ولذلك تطلبوا الإسناد العالي، فالسند عندهم وسيلة لا غاية.
_________
(١) «الإعلان بالتوبيخ» للسخاوي ص ٢٣٣.
(٢) «ميزان الاعتدال» ٤/ ٥٢٢.
(٣) نقله عنه السيوطي في «تدريب الراوي» ٢/ ٦٠٧.
стр. 7
أما هؤلاء فالسند عندهم غاية في حد ذاته، ولذلك ففنهم لا علاقة له بالحديث وعلومه إلا من جهة استعارة بعض الألفاظ الاصطلاحية لفنهم كالعلو والنزول والمصافحة والمساواة … الخ، ولذلك كان فنهم ينحصر في إسناد الكتب والدفاتر والقصائد والأوراد والأدعية والأذكار إلى أصحابها بأقصر طريق، وهو عمل جيد في مجال توثيق تلك الكتب والدفاتر والحفاظ على السند الذي خص الله به هذه الأمة، ولكن للاستفادة من ذلك المروي وهو عمل العلماء الجادين، أما الباحث في مجرد الإسناد، فقد أصبح ذلك عنده هواية أكثر منه علما، ولذلك تعاطى - في الغالب - هذه الهواية وجهاء المنتسبين إلى العلم وأغنيائهم، لأنها تتطلب رحلات وأسفارا وكتابات وبحثا مضنيا عن أصحاب الإسناد العالي مما لا يتهيأ - غالبا - لمطلق العلماء، وكل هذا أدى - كما تقدم - إلى تشجيع من يريد الحظوة عند هؤلاء أن يدعى علو الإسناد وبلوغ السن المعينة لذلك، ولأدى الأمر إلى تجاوز السن المعتادة، ومن لم تساعده هيأته على ادعاء كبر السن ادعى انفراده عن مسنين». انتهى (١)
• ومن صور طلب علو الإسناد والاهتبال به عند المتأخرين، رواية كثير منهم عن الجن، خصوصا وأن الجن يعمر أكثر من الإنس، وفيهم من سمع القرآن من النبي ﷺ وسمع منه أحاديث كثيرة، فأداها لغيره من الإنس، حسبما وردت به بعض الروايات التي تناقلها أصحاب الأسانيد والأثبات وفرحوا بها وتسلسلوا بالرواية عنهم بشروط معلومة وفي كتبهم مذكورة، فرووا عن مثل شمهروش القاضي ومهنية وعبد الله وعبد الوهاب وميمون وعبد المؤمن وغنام، وروى عنهم بعض الأفاضل - وهو من سقطاتهم - مثل النور علي الأجهوري، والنور الحلبي - صاحب «السيرة» -، وسلطان المزاحي، والعارف عبد الوهاب العفيفي المصري، وأبي العباس بن ناصر، ومحمد بن عبد الرسول المكي، وعبد الغني النابلسي، وأحمد
_________
(١) مجلة «دعوة الحق» العدد ٣٤٨ رمضان ١٤٢٠ هـ/ دجنبر ١٩٩٩ م، مقالة: «المعمر المغربي أبو الدنيا الأشج وحقيقة ادعاء بعض الرواة للتعمير الكثير» للدكتور إبراهيم بن الصديق.
стр. 8
الحبيب السجلماسي، وعلي الزعتري، وعارف فتني، وجماعة سيأتي ذكرهم في مؤلف الحافظ أحمد بن الصديق الذي نحققه.
فملئت كتب الأثبات من المتأخرين بالرواية عنهم، وأكثر أهل العلم لا يقبلونها ولا يرتضونها، ولا يعتدون بها.
• وقد جمع العلامة أبو الفيض محمد مرتضى الزبيدي كتابا في الباب سماه «مسند الجن»، ذكره المؤلف في الفائدة الثامنة من هذا الكتاب وقال: «و لم نقف عليه». وذكر المؤلف أيضا في كتابه «المثنوني والبتار» «مسند الجن» لأبي العباس المنصوري، وأنا أظن أن أبا العباس المنصوري هو أحمد بن الصديق نفسه وإنما أبهمه هنا تدليسا على عادة المحدثين في الإغراب أو لغرض آخر، والله أعلم.
وللعلامة المحدث عبد الحي الكتاني كتابان في رواية الإنس عن الجن وخاصة روايتهم عن شمهروش، الأول: «مواهب الرحمن في صحبة القاضي أبي محمد عبد الرحمن» يعني شمهروش، والثاني: «المحاسن الفاشية عن الآثار الشمهروشية». وكلاهما مخطوط، اطلعت على الأول فإذا هو مليء بالفوائد الحسان. مع أنه ﵀ في (فهرس الفهارس) كان يستغرب رواية الإنس عن الجن كما في ترجمة بصري المكناسي (١) وفي غيرها، فهو إذن معدود من الذين لا يحفلون بالرواية عن الجن وإن أطال في ذكر مروياته من طرقهم للتبرك وربما الإغراب كما يأتي بيانه والله أعلم.
• وممن أنكر هذا النوع من الإسناد المؤلف نفسه جامع مسند الجن، فقال في كتابه هذا: «فلا شك أن في من ادعى التعمير من الجن من هو كذاب مثلهم، بل الجن أولى بذلك لعدم التحقق من عدالتهم والتمييز بينهم وبين الشياطين الكذابين المضلين. فلهذا لا يعتمد على روايته من روى عنهم في العصور المتأخرة من بعد القرن التاسع إلى أواخر القرن الثالث عشر». اهـ.
_________
(١) (فهرس الفهارس) للكتاني ١/ ٢٣٢.
стр. 9
وقال في «المعجم الوجيز للمستجيز» (١) خلال ترجمة شيخه ابن الخياط الزكاري: «صافحني ﵀ أواخر عمره، وأملى علي مسند المصافحة من طريق شمهروش، وذلك عندنا باطل لا أصل له.» اهـ
وقال في «مجمع فضلاء البشر» (٢) خلال ترجمته لصالح الفلاني: «شمهروش شيطان يكذب على الناس».
وقال في «المعجم الأصغر» المطبوع في هذا المجموع خلال ترجمة شعيب الجليلي قاضي تلمسان وروايته عن مصطفى بن أحمد الحرار الجزائري، عن محمد صالح الرضوي، عن عمر بن عبد الرسول، عن القاضي شمهروش، عن أصحاب الكتب الستة، قال: وهذا من طرائف الخرافات. اهـ
وكذلك أبطل الرواية عن الجن في كتابه «العتب الإعلاني» وتبرأ من كل مروياته السابقة عنهم فيه.
فإن قيل: فما الغرض من جمع مسند الجن، إن كان الجامع له ينكر الرواية عنهم، قلت: أجاب عن ذلك الحافظ أحمد بن الصديق في مؤلفه هذا بقوله في الفائدة الرابعة من مقدمة كتابه «مسند الجن»: «الفائدة الرابعة»: قال ابن حجر الهيثمي في «فهرسته»، عقب الحديث المسلسل بالمشابكة: واعلم أن شيخنا العارف بالله تعالى الشمس بن أبي الحمائل كان يذكر أنه اجتمع بجني تابعي من أصحاب بعض الجن الصحابة الذين اجتمعوا بالنبي ﷺ وأقرأهم بعض القرآن. وكان شيخنا يقول لمن يعني به من أصحابه: أجزتك بما أجازني به شيخي فلان الجني التابعي، مما أجازه به شيخه فلان الجني الصحابي، وكذا تلقيناه عنه. وهذا وإن لم يثبت به حكم عند المحدثين، لكنه يتبرك به من مثل هذا العارف الذي لا يتطرق إليه عند من سابر أحواله وعلم طريقته ونزاهته وكراماته الباهرة التي شاهدناها نحن وغيرنا منه،
_________
(١) «المعجم الوجيز للمستجيز» ص ٨
(٢) مخطوط.
стр. 10
كالشمس، فالظن بل العلم منا قاض بصدق الشيخ في ذلك، فاستفد ذلك فإنه مما ينبغي أن يحرص على استفادته. اهـ
قلت: ثم ذكر عن غيره مثل مقالة ابن حجر فلترجع إليها في محلها من هذا المؤلف العجيب، وحاصله أنه يروي عنهم تبركا، أو تقييدا لمروياته من غير اعتبار لصحتها أو ضعفها أو بطلانها، كحال أصحاب الكتب المسندة الذين جمعوا فيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع وما لا أصل له، كالطبراني في معاجمه الثلاثة، والبغدادي في تاريخه وابن عساكر في تاريخه والديلمي في فردوسه والحكيم الترمذي في نوادره وغيرهم.
• قدم الحافظ أحمد بن الصديق في كتابه «مسند الجن» بمقدمة تضمنت فوائد جليلة ونقولات عزيزة نفيسة، مرتبطة بعلاقة الإنس بالجن وإمكانية الاجتماع بهم والسماع منهم ورؤيتهم متطورين في أشخاص أخرى غير صورهم وذكر من روى عنهم أو ادعى ذلك أو ادعي له، وغير ذلك مما لا تجده في غير هذا التأليف العجيب.
وعلى عادة الحافظ أحمد بن الصديق في كل كتبه، فإنه لم يخل كتابه من نقد لبعض المرويات والنقولات وتصحيح لبعض الأوهام واستئثار ببعض الآراء ولو خالفت ما عليه السابق واللاحق، وهذا مستفاد قراءة كتب أهل الاجتهاد، حيث إنه لا تخلو تأليفهم من جديد وابتكار، ومثال ذلك استدراكه على الإمام السهيلي في «روض الأنف» الذي حاول أن يرجح رواية على أخرى فقال يتعقبه: «قلت: إنما تعضده لو اختلف المخرج وروى كل واحد لفظة في قصة غير قصة الآخر، أما مع اتحاد المخرج والقصة فأحد اللفظين وهم ولا بد.» اهـ
ومنها أيضا تغليطه لبعض الرواة في بعض ألفاظ الحديث كما في قوله: «قلت: قوله: «حتى بلغنا أعلى مكة» غلط من بعض رواته، وقد يكون ذلك من يحيى بن يعلى الأسلمي، فقد ضعف ووصف حديثه بالاضطراب». اه الخ ما في الكتاب من
стр. 11
حس نقدي يدل على سعة اطلاع وعدم الركون إلى التقليد.
• ثم ذكر الحافظ الغماري أسانيده لسور وآيات قرآنية وأحاديث نبوية ومسلسلات بشروطها وأعمالها من رواية الجن، فيها من نفائس الروايات وذكر لشيوخ ومسندين مما حفل بهم هذا المؤلف العجيب الذي أقدمه بين يدي القارئ الكريم للفائدة والانتفاع.
• وأما النسخة التي اعتمدتها لإخراج هذا الكتاب فهي بخط المؤلف الواضح البين المعروف الممزوج بين المغربي والمشرقي، من دفائن «دار الكتب والوثائق القومية» في صنف الهدايا، رقم ٣٣٠ باسم أحمد الصديق، فيلم ١٠٣٣. وعددها أربع وخمسون لوحة في كل لوحة صفحتان وفي كل صفحة قرابة عشرين سطرا بخطه المتوسط؛ وتتضمن تشطيبات كثيرة ولحوقا عديدة.
стр. 12
الحافظ أحمد بن محمد بن الصديق في سطور (١)
تنازع الناس في الشيخ أحمد بن الصديق الغماري ﵀ نزاعا شديدا، واختلفت مقالات أهل العلم والتاريخ فيه اختلافا كبيرا، وتضاربت الآراء في نقد مشروعه العلمي والإصلاحي تضاربا لافتا، بين معتقد غارق ومنتقد حانق، وتوسطت طائفة فاعتدلت (٢)، فعرفت للرجل قدره وشكرت جهده وعذرت خطأه وتجاوزت زلله.
ومهما يكن من خلاف فيه، فإنهم لم يختلفوا في كونه أحد أفراد الزمان في علوم الدين وعلوم الحديث على وجه الخصوص (٣)، وإنما اختلفوا في اختياراته العقدية ومنهجه في نقد الرجال متقدميهم ومتأخريهم، وعباراته في الجرح والتعديل، ومواقفه جهة المقلدة من جهة ولزعماء الأحزاب السياسية في زمانه من جهة أخرى.
ولا يخفى أن هذه الأمور أسباب كافية لتحريض الناس عليه واجتماعهم على النيل
_________
(١) ترجم له عدد من العلماء منهم: أحمد بن الصديق نفسه في «البحر العميق في مرويات ابن الصديق». وفي «سبحة العقيق في ترجمة سيدي محمد بن الصديق». وشقيقه عبد الله بن الصديق في «سبيل التوفيق في ترجمة عبد الله بن الصديق» ص ٥٥. وعبد السلام بن سودة في «سل النصال للنضال بذكر الشيوخ وأرباب الكمال» ص ١٨١. وفي «إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع» ص ٥٧٤. وابن الحاج السلمي في «إسعاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين» ص ٣٤. وعبد الله التليدي في «حياة الشيخ أحمد بن الصديق». وفي «تحفة القاري في بعض مبشرات وكرامات أحمد بن الصديق الغماري». ومحمود سعيد ممدوح في «تشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع» ص ٧١. وفي «تزيين الألفاظ بتميم ذيول تذكرة الحفاظ» ص ١٠١. وفي «مسامرة الصديق ببعض أحوال أحمد بن الصديق». وفي «تشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع» ١/ ٢٧٠. وعدنان بن عبد الله زهار - كاتبه - في «نهج السداد والتوفيق في الذب عن الحافظ أحمد بن الصديق»، وغيرهم.
(٢) وأنا منهم.
(٣) وما ينتحيه اليوم بعض المغمورين من توهين مقامه العلمي فيما يسمونه تحقيقا أو دراسة لا يلتفت إليه ولا يعبأ به، لأن طعن المجاهيل في الأعلام طعن في أنفسهم، وتجريح الضعفاء للموثقين زيادة في ضعفهم، كما تقرر في علوم الجرح والتعديل.
стр. 13
منه وطعنهم فيه، لأنه بما هو مودع في قلبه من الإخلاص في الدفاع عن الحق الذي يراه حقا - بادأهم بالخصومة وعاجلهم بالانتقاد، فلم يظفر برضاهم ولا حفل بتعديلهم وثناء كثير منهم، ولا زال مقلدوا خصومه وأتباع بعض منتقديه يحتفلون يوما بعد يوم بالطعن فيه ويفرحون بالوقوف على زلة له ولو كانت متوهمة أو متخيلة أو مكذوبة، والمكذوب عليه المتوهم له أكثر بكثير مما ينتقد عليه حقيقة وواقعا … بل إن من خصومه من أتى بأغرب غرائب الدنيا في علم الرواية والإسناد حيث حكم بكفره الصراح مرات ودونه في كتب ومخاطبات، ومع ذلك يجيز المستجيزين من طريق هذا الكافر؛ وكذلك يفعل أهل الأهواء الذين حكموا على الأشاعرة بالضلال ثم يجيزون كتب السنة والرواية من طريق جماعة منهم وضللوا الصوفية وخلصوا إلى الحكم بزندقتهم ثم يروون الأحاديث بأسانيدهم التي تفردوا بها. ولهذه الظواهر الغريبة والاضطرابات الفكرية العجيبة تفسيرات وتأويلات عديدة أجبنا عنها في كتب ومقالات أخرى فارجع إليها.
وليس لشدة الخصوم على الحافظ أحمد بن الصديق تفسير إلا أنه رجل مؤثر بعلمه ونصاع حجته وعميق فهمه ودقيق تحقيقه وبراعة أسلوبه وتحقق صدقه في مكتوباته، ولأنه صاحب حجة ودليل، وناقض للتقليد ناقد للمقلدين، جاهر بالحق الذي يرتضيه غير مداهن في دينه ولا دنياه، ومثل هذا لا بد أن ينال به حظه من الطعن والعداء …
ولراقم هذه السطور كتاب حافل في بيان مذهبه والجواب عن آرائه، طبع قديما تحت عنوان «دفاعا عن سليل الأشراف الإمام الحافظ أحمد بن الصديق الغماري»، ذكرت فيه أقواله المنتقدة عليه وأجبت عنها بما أظنه دليلا له فيها، من غير أن أعتقد كثيرا منها ولا أتبنى مقولاته فيها، كطعنه في بعض الأصحاب ﵁، وفي السادة الأشاعرة، وفي المذهبية، وفي مثل شيخنا أبي العباس أحمد التجاني رض الله عنه وعنا به آمين، فليس من شيم أهل العلم ولا من خلق الصادقين غمط الحق وإنكار الجميل ولو من أهل الهفوات وأصحاب الزلات … فمعرفة قيمة الرجال والاعتراف بها لا يعني
стр. 14
تبني مذاهبهم مطلقا، كما أن مخالفتهم في آرائهم ومناهجهم لا يجوز الطعن فيهم مطلقا، وهذه طريقة المحرومين، وأما أمثل الطرق وأولاها بالاعتبار فهي الاعتدال في الرجال والأخذ من علومهم وعذر زلاتهم …
وهذا مختصر لترجمته ﵀:
هو أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق ينتهي نسبه إلى سيدنا عبد الله الكامل ابن سيدنا الحسن المثنى بن سيدنا الحسن السبط بن سيدنا علي ومولاتنا فاطمة الزهراء بنت سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ .
ولد بطنجة عام ١٣٢٠ هـ ونشأ بها، وبها حفظ القران الكريم والمتون المتداولة وأخذ مبادئ العلوم، وفي سنة/ ١٣٣٩ سافر إلى القاهرة حيث قرأ كتب النحو المتداولة في الأزهر وشرح الباجوري على السلم، وشرح التحرير في الفقه الشافعي ومسند الشافعي، والأدب المفرد للبخاري، على الشيخ محمد إمام بن إبراهيم السقا.
وقرأ على الشيخ محمد بن سالم الشرقاوي - الشهير بالنجدي شيخ الشافعية - «مشكاة المصابيح» و «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع»، وقرأ على الشيخ أحمد نصر العدوى المالكي «شرح النووي على مسلم»، وبعض من «سنن أبي داود».
وحضر على الشيخ محمد السملوطي «تفسير البيضاوي» و «موطأ الإمام مالك» وقرأ مختصر الشيخ خليل على الشيخ عبد المقصود عبد الخالق، وقرأ «صحيح البخاري» بكامله، و «الأذكار» للنووي، و «عقود الجمان» في البلاغة، وبعض من «المستدرك» للحاكم، و «المعجم الصغير» للطبراني، وأكثر مسلسلات ابن عقيلة، و «أوائل العجلوني» وغيرها على الشيخ عمر بن حمدان المحرسي وقت وجوده بالقاهرة.
وحضر على شيخ علماء مصر، الشيخ محمد بخيت المطيعي الإسنوي على «المنهاج الأصولي»، وبعضا من «صحيح البخاري» و «شرح الهداية» للمرغناني، كما لازم دروسه في التفسير بالرواق العباسي بالأزهر.
стр. 15
وله مشايخ آخرون جاوزوا المائة، ذكرهم مع مقروءاته عليهم في «المعجم الوجيز للمستجيز» و «البحر العميق في مرويات ابن الصديق».
وبعد أن تضلع في العلوم انقطع في منزله واشتغل بالحديث، وشرع في تخريج أحاديث «مسند الشهاب» الذي أسماه «فتح الوهاب بتخريج أحاديث مسند الشهاب».
جهد هذا الحافظ الغماري في هذا الشأن واجتهد، وحرر الرجال و انتقى وانتقد، وكتب بخط يده الشيء الكثير فكان في عادته إذا وقف على جزء ينسخه، و إن لم يستطع وكان جزءا أو كتابا كبيرا، علق لنفسه أحاديثه المسندة كما فعل في كتابه «المؤانسة بالمرفوع من حديث المجالسة» للدينوري، و لم يكن له هم سوى التصنيف والإفادة، وتوغل في ذلك حتى صار حافظا ناقدا.
ومما عرف به الشيخ ﵀ نبذه للتقليد المذموم والتعصب الممقوت، ولذلك وقع في المقلدة وقعة شديدة، ورأى أن الواجب عليه هو الاجتهاد، فقال في أحد مصنفاته: «فلما نظرنا في كتب الخلاف العالية وكشف لنا عن حقائق تلك المذاهب، وأفل تحقيقها في نظرنا صرنا لا نقلد أحدا من خلق الله تعالى لا الشافعي ولا غيره، وإنما ننظر في كتبهم على سبيل النظر في أقوالهم ومعرفة دلائلهم و التفقه منها والتبصر بها، والاهتداء بعلمهم و السير على طريقهم لا على سبيل تقليدهم».
قال شيخنا محمد سعيد ممدوح في «تزيين الألفاظ» (١): «وهو مستحق للوصف بالحفظ، وقد وصفه بذلك جمع من أعيان شهوده من ذوي الخبرة بالحديث وعلومه، فقد اشتهر بالطلب والأخذ من أفواه الرجال، و كان على معرفة بالجرح و التعديل، وبطبقات الرواة، مع تمييزه لصحيح الحديث من ضعيفه، وكان حفظه للحديث قويا و زاد على ما سبق أمرين:
_________
(١) ص ١٠٤
стр. 16
أولهما: أماليه الحديثية، قال الحافظ الذهبي في «الموقظة» (١): «وكان الحفاظ يعقدون مجالس الإملاء، وهذا عدم اليوم.» اهـ
وثانيهما: كتابته المستخرجات، فاستخرج على «مسند الشهاب» للقضاعي، وجاء المستخرج في مجلدين ضخمين، ولم يكتف بالاستخراج على المسند فقط، بل يأتي بما في الباب بشرط إيراده مسندا ليكون الكتاب كله على منوال واحد. ووضع مستخرجا على «شمائل الترمذي» فصارت في مجلد ضخم بعد أن كانت في جزء، كما استخرج على ما أسنده السهروردي في «عوارف المعارف». انتهى المنقول من «التزيين».
وكان الحافظ أحمد بن الصديق ﵀ يدرس «صحيح مسلم» و «جامع الترمذي» بالجامع الكبير بطنجة، فكان يملي ثمانين حديثا بأسانيدها من حفظه بلا تلعثم ولا توقف، ثم إذا فرغ منها يرجع فيبتدئ بالحديث الأول فيتكلم على تخريجه، وذلك بأن يذكر من وافق المصنف على تخريج ذلك الحديث من أصحاب الأمهات و الأصول المسندة، ثم يذكرها بألفاظها وطرقها ورواتها معزوة إلى مخرجيها. وهو في ذلك كله يصحح ويحسن ويضعف، ثم ينتقل لرجال الحديث فيتكلم عن تراجمهم واحدا إثر الآخر، فيذكر مواليدهم ونشأتهم ورحلاتهم وشيوخهم وتلامذتهم وأحوالهم وسيرهم ووفياتهم، وكانت تراجم هؤلاء جميعا نصب عينيه كأنه عاصر الجميع.
ومصنفات الحافظ أحمد بن الصديق ﵀ كثيرة حتى وصف بكونه سيوطي عصره، لسيلان قلمه وكثرة مؤلفاته نذكر في هذه العجالة بعضا منها:
فقد كتب ﵀ «إتحاف الحفاظ المهرة بأسانيد الأصول العشرة»، «الأجوبة الصارفة لإشكال حديث الطائفة»، «إرشاد المربعين إلى طرق حديث الأربعين»،
_________
(١) ص ٦٧.
стр. 17
«الاستعاضة بحديث وضوء المستحاضة»، «الأمالي المستظرفة على الرسالة المستطرفة»، «بيان الحكم المشروع في أن الركعة لا تدرك بالركوع»، «بيان غربة الدين بواسطة العصريين المفسدين»، «البيان والتفصيل لوصل ما في الموطأ من البلاغات والمراسيل»، «تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال»، «التعريف بما أتى به حامد الفقي في تصحيح الطبقتين خاصة من التصحيف»، «توجيه الأنظار إلى توحيد العالم الإسلامي في الصوم والإفطار»، «جؤنة العطار في طرف الفوائد ونوادر الأخبار»، «الحسبة على من جوز صلاة الجمعة بلا خطبة»، «حصول التفريج بأصول العزو والتخريج»، «درء الضعف عن حديث من عشق فعف»، «الزواجر المقلقة لمنكري التداوي بالصدقة»، «شوارق الأنوار المنيفة بظهور النواجذ الشريفة»، «صلة الوعاة بالمرويات والرواة»، «طباق الحال الحاضرة بما أخبر به سيد الدنيا والآخرة»، «الطرق المفصلة لحديث أنس في قراءة البسملة»، «عواطف اللطائف بتخريج أحاديث عوارف المعارف»، «العتب الإعلاني لمن وثق صالح الفلاني»، «فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي»، «فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب»، «كتاب ليس كذلك في الاستدراك على الحفاظ»، «مجمع فضلاء البشر من أهل القرن الثالث عشر»، «مسالك الدلالة على مسائل الرسالة»، «مفتاح الترتيب لأحاديث الخطيب»، «المداوى لعلل المناوي»، «المسهم بطرق حديث طلب العلم فريضة على كل مسلم»، «مغنى النبيه عن المحدث والفقيه»، «المثنوني والبتار»، «هداية الرشد بتخريج أحاديث بداية ابن رشد»، «وشي الإهاب في المستخرج على مسند الشهاب» … وغيرها من المصنفات والمؤلفات النافعة والتي سارت بها الركبان وأفاد منها الخاص والعام.
ومن شهادات العلماء في الشيخ أحمد بن الصديق:
- ما قاله الشيخ تقي الدين الهلالي رحمه اللاه تعالى: «ما رأيت مثله حفظا واستظهارا واستدلالا، فقد دخلت مصر والشام والعراق والحجاز والهند والمغرب، فما رأيت مما يشابهه، إلا عالما بالهند يشابهه في الجملة».
стр. 18
وكان الهلالي أيضا يرجع في المسائل الحديثية إلى الشيخ ﵀ رغم ما كان بين الرجلين من خصومة بسبب اختلاف المذاهب والآراء، فقد جاء في جريدة الأخبار عدد ١٧٣ بتاريخ ٢٦ شوال ١٣٦٢ هـ هذا السؤال: «سيدي الشريف العلامة إمام المحدثين» الشيخ أحمد بن الصديق، السلام عليكم ورحمته تعالى وبركاته، أما بعد، فبما أنه نشر في جريدة «الأخبار» الغراء جواب الدكتور تقي الدين الهلالي عن حديث المستكرهة على الزنا، بعد إثباته للحديث اعتمادا على تحسين الإمام الترمذي وموافقة ابن قيم له. وتصدى لمناقشته الحساب صاحبا الفضيلة العلامة السيد محمد الزمزمي والعلامة السيد الناصر الكتاني، وأدليا بأن الحديث آنف الذكر ساقط لا يثبت به إشكال، مما يحتاج إلى الجواب، فكتب الدكتور الهلالي بعد ذلك مصرا على تحسين الحديث وثبوته فرارا من تخطئة الترمذي ومن وافقه من أهل الحديث. ومن كلا الجانبين رأينا أن الكل يعترف لكم بالقدم الراسخ، ويحبذ إلقاء حبل الإشكال على جدار مكانتكم السامية في ذلك المضمار، ويرضى بأن تكون حكما فاصلا، رأينا من الأليق أن نرفع لعلو مقامكم الحديثي هذا السؤال، طالبين منكم فصل المقال في المسألة بالأدلة والبراهين، والقواعد الحديثية على طريقتكم المعروفة. ثم إذا كان الحديث ضعيفا فما علته ووجه ضعفه؟ وما الجواب عن تحسين الترمذي له؟ وإن كان ثابتا كما يقوله الترمذي، فما الجواب عن الإشكالات الواقعة في الحديث؟ أفيدونا مأجورين، دام لنا وجودكم لحل المشكلات وفك المعضلات، والسلام عليكم ورحمة الله. اه فأنت ترى هنا بالتصريح اعتماد هؤلاء الأعلام المذكورين، و رجوعهم إلى الحافظ الغماري في حل الإشكالات وفك المعضلات ومنهم الشيخ تقي الدين الهلالي.
وقال في ترجمته الأستاذ ابن الحاج السلمى كما في «إسعاف الطلاب الراغبين» (١): «فقيه علامة، صاحب مشاركة في كثير من فنون المعارف الإسلامية، وضروب الثقافة العربية الرصينة الأصيلة، إلا أن له تخصصا وتبريزا وتفوقا في حلبة
_________
(١) ص ٣٨
стр. 19
علوم الحديث على طريق الحفاظ الأقدمين، متنا وسندا، ومعرفة تراجم الرواة وطرق الجرح والتعديل، وقد كون فيه نفسه بنفسه دون أن يتتلمذ فيه لأحد، وفي مضمار التفسير والأصول والتاريخ العام والخاص». اهـ
وكان الشيخ السقا يتعجب من ذكائه وسرعة فهمه وشدة حرصه على العلم، ويقول له: لابد أن يكون والدك رجلا صالحا للغاية، وهذه بركته، فإن الطلبة لا يصلون إلى حضور الأشموني بحاشية الصبان إلا بعد طلب النحو ست سنين، وقراءة «الآجرومية» و «قطر الندى» وغيرهما، وأنت ارتقيت إليه في مدة ثلاثة أشهر، وكان يذيع هذا بين العلماء.
وقال العلامة السيد محمود سعيد ممدوح في «الشذا الفواح في أخبار سيدي الشيخ عبد الفتاح» (١)، وهو يتكلم عن جزء «هدية الصغراء» للمترجم له: «وهذا الجزء فيه تحرير جيد، وتبيان مفيد لبعض قواعد الحديث، وشيخنا المترجم رحمه الله تعالى - أبو غدة - مع اعترافه بمكانة السيد أحمد بن الصديق العلمية، وكان لا يحلي أحدا من شيوخه بالحفظ إلا السيد أحمد وشقيقه عبد الله فقط، ومع ذلك فالنقول عن السيد أحمد بن الصديق والاستفادة من معرفته وفوائده قليلة - نسبيا - رغم أنه ينقل عن غيره كل خالجة نطق بها أو سطرها في طروسه». اهـ
وقال شقيق الحافظ الغماري العلامة السيد عبد الله في «سبيل التوفيق» (٢): «أخي أبو الفيض السيد أحمد بن الصديق العلامة الحافظ كان يعرف الحديث معرفة جيدة، وصنف فيه التصانيف العديدة، وانقطع له، فأخرج لنا مصنفات ذكرتنا بالحفاظ المتقدمين، ك «المداوى لعلل الجامع وشرحي المناوي» في ستة مجلدات ضخام، و «هداية الرشد في تخريج أحاديث ابن رشد» في مجلدين، واستخرج على «مسند الشهاب» وعلى «الشمائل المحمدية»، وكتب أكثر من خمسين جزء حديثيا لا
_________
(١) ص ٩٠
(٢) ص ٦٢
стр. 20
يعرف أن يكتبها أحد في عصرنا، خاصة «فتح الملك العلي بتصحيح باب مدينة العلم علي» و «درء الضعف عن حديث من عشق فعف» وله غير ذلك من المصنفات. اهـ
هذا، وإن سرد أقوال الخصوم والأصدقاء في شهاداتهم وثنائهم على الشيخ ﵀ تحتاج إلى جزء مستقل، لكثرتها وغزارتها، نختمها بهذه الكلمة الصادقة من العلامة الشيخ عبد الرحمان بن محمد الباقر الكتاني، وهو يصف السيد أحمد بن الصديق، قال ﵀ في كتاب «من أعلام المغرب العربي في القرن الرابع عشر» (١): «لقد أصيب المسلمون عموما والمغاربة خصوصا من ليلة يوم الاثنين ثاني جمادى الثانية عام ١٣٨٠ هـ، بمصيبة عظمى، وكارثة كبرى، انهد لها صرح عظيم من صروح الإسلام، هي فقد شيخنا وشيخ الإسلام والمسلمين، وإمام الحفاظ المجتهدين، والمدافع عن شريعة سيد المرسلين وبقية السلف الصالح المهديين، بطل الوطنية الإسلامية والمدافع عن حقوق الأمة المغربية، أبي الفضل مولانا أحمد بن الصديق الغماري الحسني عليه رضوان الله.
أتعلمون أيها المسلمون من هو الشيخ أحمد بن الصديق؟ إنه شخصية بارزة، اجتمع فيها ما افترق في غيرها من الشخصيات فهو في علم الفقه كالإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل والإمام أبي حنيفة النعمان وغيرهم -رضي الله عليهم-.
وفي علم الحديث كالأئمة البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحافظ الزيلعي والذهبي وابن حجر والسخاوي والسيوطي وغيرهم.
وفي علم التاريخ كالإمام علي بن المدني والإمام يحيى بن معين الغطفاني والإمام أبي بكر الخطيب البغدادي والإمام أبي القاسم ابن عساكر الدمشقي والإمام ابن جرير وغيرهم.
_________
(١) ص ٦٩.
стр. 21
وفي علم التصوف كالشيخ الجنيد والشيخ البكري والشيخ الدرقاوي.
وفي علم اللغة والأدب كابن الأثير وابن قتيبة وابن ثابت العوفي وابن عبد ربه.
وفي الوطنية الإسلامية كصلاح الدين الأيوبي والأمير عبد القادر الجزائري وغيرهما. ومن قدر له أن يقف على مؤلفاته المطبوعة التي دافع فيها عن السنة النبوية والشريعة الإسلامية، يعلم حقيقة ما قلناه، ك «مسالك الدلالة على مسائل الرسالة لابن أبي زيد القيرواني»، و «المثنوني والبتار في نحر العنيد المعثار الطاعن فيما صح من السنن والآثار»، و «مطالع البدور في بر الوالدين»، و «توجيه الأنظار لتوحيد المسلمين في الصوم والإفطار»، و «إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون»، رد فيه على ابن خلدون الذي ينكر أحاديث الإمام المهدي المنتظر، و «إزالة الخطر عمن جمع بين الصلاتين في الحظر»، و «تحقيق الآمال في تخريج زكاة الفطر بالمال»، و «مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية» … » و غيرها.
و أما مؤلفاته المخطوطة فهي تدهش كل من وقف عليها، وسأقتصر هنا على ذكر بعضها: «الإسهاب في الاستخراج على مسند الشهاب»، و «الأربعون المتتالية في الأسانيد العالية»، و «الإلمام بطرق المتواتر من حديثه ﵇»، و «البحر العميق في مرويات ابن الصديق». اهـ
стр. 22
منهج التحقيق
سرت في خدمة هذه الكتب الثلاثة على الطريقة التي ارتضيتها لنفسي ورجحت أنها أسلم الطرق لخدمة التراث وأكثرها نجاعة، و لم أتقيد بالمناهج الأكاديمية التي هي محل اجتهاد عند الباحثين وفي كثير منها خلاف شديد كطريقة تخريج الأحاديث، وترجمة كل من ذكر له اسم في الوثيقة المحققة، والتشديد في تخريج الآيات، والتطويل في الحواشي بلا طائل، ولذلك نحوت في إخراج هذا الكتاب على:
- نسخ متنها لتسهيل قراءتها، وفرقت بين كلماتها وعباراتها وفقراتها بعلامات التنقيط المعتبرة، حسب ما ترجح لدي أصحيته.
- وثقت الأحاديث النبوية التي خرجها المؤلف فيها.
- خرجت الأحاديث التي علقها المؤلف و لم يذكر مصادرها.
- عرفت ببعض من رأيت ترجمته لازمة تعريفا مختصرا، وأحلت على ما بين يدي من مصادر ترجمته.
- شرحت بعض الكلمات التي أرى لزوم تبيين مدلولاتها.
- عزوت النقولات التي يوردها المؤلف إلى مظانها مع توثيقها وتصحيح بعضها.
- من لم أقف على ترجمته وما لم أقف على مصدره بينته بقولي «لم أقف عليه» أو «لم أجده» أو «لم أجد له ترجمة»، وشبه ذلك، وهو مؤذن بأن هذا النفي حسب ما توفر لدي ومنتهى ما بلغه جهدي، من غير جزم به، إذ لعل غيري يقف عليه فيما بعد.
- بينت أحيانا مراد المؤلف في بعض كلامه لا شرحا له ولكن لأجل دفع وهم قد يلحقه.
стр. 23
- شكلت من الكلمات ما يمكن أن يشكل على القراء حسبما رأيته الأرجح.
- صنعت فهرسا مفصلا للآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمصادر والمراجع والموضوعات التفصيلية، مما يساعد الباحث على التقاط درره.
- هذا، وأحب أن أشكر الأخ الكريم الباحث الأستاذ محمد سفيان تغليسية الباتني الجزائري الذي تكرم علي بنسخ هذه الكتب الثلاثة المحققة في هذا المجموع، وقد كنت يئست منها ردحا من الزمن بسبب ضن بعضهم بها وإقبارهم إياها في بيوتهم ومنع الطلاب والعلماء من فرائدها ونفائسها بلا مسوغ، بل كنت أظن أن «مسند الجن» من قبيل المفقود حتى اكتحلت عيني برؤيته بعد سخاء به من هذا الأخ الكريم صاحب القلب السليم، فجزاه الله خيرا على ما تفضل به علي وعلى القراء بهذه الكتب، وقد أكرمني بغيرها من كتب مولانا الحافظ أحمد بن الصديق، مما شمرنا عن ساعد الجد لإخراجه للناس ليستفيدوا منه وليجزى به مؤلفه و محققه خير جزاء، فيكتب له ولنا به الصدقة الجارية، فإن إقبار الكتب منع الجريان الصدقة على أصحابها، ويلحق المانع من الإثم بسببها ما لا يخفى.
وأرجو الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ورافعا به الدرجات وأن يرحم به المؤلف والمعتني، وأن يستر عوراتنا ويغفر زلاتنا، والحمد لله أولا وأخيرا.
الدكتور: عدنان بن عبد الله زهار
стр. 24
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله،
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى،
أما بعد، فقد دل الكتاب والسنة والإجماع على أن النبي ﷺ مرسل إلى الجن وأنهم مخاطبون بشريعته مكلفون بأحكامها مثابون ومعاقبون، كما نطق به القرآن ونطق بانصرافهم إلى النبي ﷺ وسماعهم القرآن منه، وجاءت السنة باجتماعهم به ﷺ وتلقيهم الأحاديث عنه.
وقد رويت من طريقهم أحاديث في القديم والحديث، منها ما رواه المتقدمون ومنها ما رواه المتأخرون من أهل القرن العاشر فما بعده إلى أواخر القرن الثالث عشر، وقد روينا كثيرا من تلك الأحاديث بأسانيدها المتصلة إليهم عن النبي ﷺ ، رأينا أن نفرد لها هذا المسند لا على سبيل الاحتجاج والاعتماد، ولكن على سبيل الرواية والإخبار على طريقة أهل الحديث في نقل كل ما رووه بإسناده صحيحا كان أو باطلا، لأن من نقل الحديث بإسناده فقد بريء من عهدته، مع أن تلك الأحاديث جلها في كتب السنة إلا حديثين أو ثلاثة فإني لا أعرفها إلا من طريقهم، وقد قدمت قبل المقصود مقدمة في فوائد تتعلق بالموضوع كالتمهيد والمدخل إليه، فقلت:
مقدمة، فيها فوائد:
الأولى: صحبة الجن للنبي ﷺ واجتماعهم به وتلقيهم عنه ثابتة بالسنة الصحيحة
بل وظاهر قوله تعالى ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين﴾ الآية [سورة الأحقاف، الآية: ٢٩].
стр. 25
وإن روي (١) عن ابن عباس أنهم استمعوا إلى القرآن منه ﷺ و لم يرهم، لكن الأحاديث الكثيرة في اجتماعهم به وأخذهم عنه مشافهة ورؤيته إياهم ترد ما قاله ابن عباس ﵁، فقد ورد ذلك من حديث جماعة من الصحابة، منهم: بلال بن الحارث وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وابن مسعود والزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة وعمر، ومن التابعين مرسلا عن سعيد بن جبير وأبي عبيدة بن مسعود وأبي جعفر الباقر، وغيرهم.
أما حديث بلال بن الحارث، فقال أبو الشيخ بن حيان في كتاب «العظمة» (٢): حدثنا محمد بن أحمد بن معدان، حدثنا إبراهيم الجوهري، حدثنا عبد الله بن كثير، ثنا كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، عن بلال بن الحارث قال: نزلنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فخرج لحاجته، وكان إذا خرج لحاجته يبعد، فأتيته بإدارة من ماء فانطلق فسمعت عنده خصومة رجال ولغطا لم أسمع مثليهما، فجاء فقلت: يا رسول الله، قد سمعت عندك خصومة رجال ولغطا ما سمعت أحد من ألسنتهم ولا أرى أشخاصهم؟ فقال: «اختصم عندي الجن المسلمون والجن المشركون، فسألوني أن أسكنهم، فأسكنت المسلمين الجلس، وأسكنت الجن المشركين الغور».؛ قال عبد الله بن كثير: قلت لكثير: ما الجلس وما الغور؟ قال: الجلس القرى والجبال، والغور ما بين الجبال والبحار، وهي يقال لها الجنوب. قال كثير: وما رأيت أحدا أصيب بالجلس إلا سلم، ولا أصيب بالغور إلا لم يكد يسلم. ورواه أبو نعيم في «دلائل النبوة»، (٣) قال: حدثنا سليمان بن أحمد هو الطبراني،
стр. 26
حدثنا خالد بن النضر، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا عبد الله بن كثير بن جعفر بن كثير الأنصاري الزرقي، ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، عن بلال بن الحارث، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فخرج لحاجته، وكان إذا خرج لحاجته يبعد فأتيته بإدارة من ماء، فانطلق فسمعت عنده خصومة رجال ولغطا لم أسمع مثلها، فجاء فقال: «بلال؟» فقلت: بلال، قال: «أمعك ماء؟» قلت: نعم، قال: «أصبت»، وأخذه مني فتوضأ، فقلت: يا رسول الله، سمعت عندك خصومة رجال ولغطا ما سمعت أحد من ألسنتهم، فذكر مثله.
ورواه ابن ماجه (١) - مختصرا - فاقتصر منه على حديث: «كان إذا ذهب لحاجته أبعد».
وكثير بن عبد الله بن عمرو المزني ضعفوه (٢)، وقال ابن حبان (٣): له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة.
لكن روى له الترمذي (٤) حديث: «الصلح جائز بين المسلمين» ثم صححه، قال الذهبي (٥): ولهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي. قلت: اعتمد على كلام البخاري فيما يظهر، فقد قال في كتاب «العلل» (٦): قلت لمحمد: حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده في «الساعة التي ترجى في يوم الجمعة» كيف هو؟ قال: حديث حسن، إلا أن أحمد كان يحمل على كثير يضعفه، وقد روى يحي بن سعيد الأنصاري عنه. اه
стр. 27
فلما حسن البخاري حديثه وحكى أن يحيى بن سعيد الأنصاري روى عنه وقد كان ينتقى الرجال - صحح له الترمذي. لكن أهل الحديث مجمعون على ضعفه، وصرح جماعة منهم بكذبه، بل قال الإمام الشافعي (١): إنه أحد أركان الكذب؛ وكذا قال أبو داود (٢)، مع أنه روى له في «سننه» (٣)، وكذلك روى له البخاري في كتاب «القراءة خلف الإمام» (٤)، ولو كان بهذه المثابة لما خرجوا له في كتب الأحكام التي اتفقوا على أنه لا يجوز إخراج الكذابين فيها، فلا يخلو أن يكون في هذا نوع مبالغة، والله أعلم.
وأما حديث أبي هريرة، ففي «صحيح» (٥) البخاري عنه، أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إدارة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها قال: «من هذا؟» قال: أنا أبو هريرة. قال: «أبغني أحجارا أستنفض بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة»، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعتها إلى جنبه ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت فقلت: ما بال الروث والعظم؟ قال: «هما طعام الجن، وإنه حين أتاني جن نصيبين (٦) - ونعم الجن - فسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاما».
وأما حديث جابر بن عبد الله، فرواه ابن العربي المعافري بإسناده عنه، قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ نمشي، إذ جاءت حية فأدنت فاها من أذنه وكأنها تناجيه أو نحو هذا، فقال النبي ﷺ : «نعم»، فانصرفت؛ قال جابر: فسألته، فأخبرني «أنه رجل من الجن وأنه قال: مر أمتك لا يستنجوا بالروث ولا بالرمة فإن الله جعل لنا في ذلك رزقا».
стр. 28
ولجابر حديث آخر في الباب يدل على المقصود أيضا، فروى الترمذي (١) والحاكم وصححه (٢) والبيهقي (٣) من حديثه، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن، قرأها من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال: «مالي أراكم سكوتا، لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم، كنت كلما أتيت على قوله ﴿فبأي آلآء ربكما تكذبان﴾ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد».
وفي الباب عن ابن عمر نحوه، أخرجه البزار (٤) في «مسنده» وابن جرير (٥) وابن مردويه (٦) في «تفسيريهما».
فصل: وأما ابن مسعود، فله في الباب أحاديث لأنه حضر ذلك مع النبي ﷺ عدة مرات في أماكن متعددة، كما أنه روى ذلك عن النبي ﷺ في مرة لم
يكن حاضرا معه:
الحديث الأول: من رواية علقمة عنه، رواه أحمد (٧) ومسلم (٨) والترمذي (٩) من حديث علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب النبي ﷺ ليلة الجن أحد منكم؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل (١٠)، فبتنا بشر ليلة بات بها
стр. 29
قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. قال: «أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن». قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، فسألوه الزاد فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه»، ولفظ الترمذي: «لم يذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم»، قال النبي ﷺ : «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن»، زاد أحمد (١): وكانوا جن الجزيرة.
ورواه أبو داود (٢) عنه مختصرا قال: قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا: يا محمد، إنه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة … الحديث.
قلت: والاختلاف الواقع بين رواية مسلم ورواية الترمذي جمعوا بينه بأن رواية مسلم في حق الجن المؤمنين ورواية الترمذي في حق غيرهم.
قال السهيلي (٣): وهذا قول صحيح تعضده الأحاديث.
قلت: إنما تعضده لو اختلف المخرج وروى كل واحد لفظة في قصة غير قصة الآخر، أما مع اتحاد المخرج والقصة فأحد اللفظين وهم ولابد.
الحديث الثاني: من رواية أبي عثمان بن سلمة الخزاعي عنه، قال البيهقي في «دلائل النبوة» (٤): حدثنا أبو عبد الله الحافظ - يعني الحاكم -، ثنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد البلخي ببغداد من أصل كتابه، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي، ثنا أبو صالح عبد الله ابن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أخبرني أبو عثمان بن سلمة (٥) الخزاعي وكان رجلا من أهل الشام، أنه سمع
стр. 30
عبد الله بن مسعود يقول: إن رسول الله ﷺ قال لأصحابه وهو بمكة: «من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل، فلم يحضر أحد منهم غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط برجله خطا ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا فطفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، وفرغ رسول الله ﷺ مع الفجر، وانطلق فبرز»، ثم أتاني فقال: ما فعل الرهط؟ فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عظما وروثا فأعطاهم زادا ثم «نهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث»، وأخرجه أيضا الحاكم في (المستدرك) (١) وصححه وأبو نعيم في «دلائل النبوة» (٢).
الحديث الثالث: من رواية أبي المعلى، عن ابن مسعود، قال: خرج رسول الله ﷺ قبل الهجرة إلى نواحي مكة فخط خطا فقال: «لا تحدثني شيئا حتى آتيك»، ثم قال: لا يروعنك ولا يهولنك شيء تراه، فتقدم شيئا ثم جلس، فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط (٣)، وكانوا كما قال لهم الله تعالى: ﴿كادوا يكونون عليه لبدا﴾ [سورة الجن، الآية: ١٠]، ثم إنهم تفرقوا عنه فسمعتهم يقولون: يا رسول الله إن شقتنا بعيدة ونحن منطلقون فزودنا، قال: «لكم الرجيع (٤)، وما أتيتم عليه من عظم فلكم عليه لحم، وما أتيتم عليه من الروث فهو لكم تمر»، فلما ولوا قلت: من هؤلاء؟ قال: «هؤلاء جن نصيبين»، أخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوة» (٥).
стр. 31
الحديث الرابع: من رواية أبي عبد الله الجدلي، قال أبو نعيم في «دلائل النبوة»: (١) حدثنا سليمان بن أحمد هو الطبراني، ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا علي بن الحسين ابن أبي بردة البجلي، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن حرب بن صبيح، حدثنا سعيد بن مسلم، عن أبي مرة الصنعاني، عن أبي عبد الله الجدلي، عن عبد الله بن مسعود قال: «استتبعني رسول الله ﷺ ليلة الجن فانطلقت معه حتى بلغنا أعلى مكة، فخط علي خطة وقال: «لا تبرح»، ثم انصاع في الجبال فرأيت الرجال يتحدرون عليه من رؤوس الجبال حتى حالوا بيني وبينه، فاخترطت السيف وقلت لأضربن حتى أستنقذ رسول الله ﷺ ، ثم ذكرت قوله: «لا تبرح حتى آتيك»، قال: فلم أزل كذلك حتى أضاء الفجر، فجاء النبي ﷺ وأنا قائم فقال: «ما زلت على حالك؟» فقلت: لو مكثت شهرا ما برحت حتى تأتيني، ثم أخبرته بما أردت أن أصنع فقال: «لو خرجت ما التقيت أنا وأنت إلى يوم القيامة»، ثم شبك أصابعه في أصابعي وقال: «إني وعدت أن تؤمن بي الجن والإنس، فأما الإنس فقد آمنت، وأما الجن فقد رأيت، وما أظن أجلي إلا قد اقترب»، قلت: يا رسول الله، ألا تستخلف أبا بكر؟ فأعرض عني، فرأيت أنه لم يوافقه، فقلت: يا رسول الله، ألا تستخلف عمر فأعرض عني، فرأيت أنه لم يوافقه، قلت: يا رسول الله، ألا تستخلف عليا؟ قال: ذاك والذي لا إله غيره لو بايعتموه وأطعتموه أدخلكم الجنة أكتعين».
قلت: قوله: «حتى بلغنا أعلى مكة» غلط من بعض رواته، وقد يكون ذلك من يحيى ابن يعلى الأسلمي (٢)، فقد ضعف ووصف حديثه بالاضطراب. فإن قوله
стр. 32
ﷺ : «وما أظن أجلي إلا قد اقترب»، وقوله: «فأما الإنس فقد آمنت بي» يدل على أن ذلك كان في آخر عمره ﷺ وذلك بالمدينة المنورة، لأنه بمكة لم يكن أسلم من الناس إلا القليل. وأيضا فإن قول ابن مسعود: «ألا تستخلف عليا؟» يدل على ذلك، فإن عليا كان أيام وجوده ﷺ بمكة لا يزال صغيرا.
ويدل على وجود غلط من الراوي في هذه الرواية ورود الحديث نفسه من طريق أخرى ليس فيه ذكر مكة؛ قال أحمد في «مسنده» (١): حدثنا عبد الرزاق، ثنا أبي، عن ميناء، عن عبد الله بن مسعود قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة وفد الجن فتنفس فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: «نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود»، قلت: استخلف، قال: من؟ قلت: أبو بكر … الحديث، فلم يذكر فيه مكة. والراوي عن ابن مسعود ميناء (٢) ضعفوه وبالغوا فيه على عادتهم في المتشيعة، لكن ذكره ابن حبان في «الثقات» (٣)، بل قال الحاكم (٤): إن له صحبة ورؤية.
الحديث الخامس: من رواية علي بن رباح عنه، قال البيهقي: في «دلائل النبوة» (٥): حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن قتادة، قالا: أنا محمد بن (٦) يحيى بن منصور القاضي، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، ثنا روح بن صلاح، ثنا موسى بن علي ابن رباح، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: استتبعني رسول الله
стр. 33
ﷺ فقال: «إن نفرا من الجن خمسة عشر بني أخوة وبني عم يأتونني الليلة فأقرأ عليهم القرآن»، فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطا وأجلسني فقال: «لا تخرج من هذا»، فبت فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر في يده عظم حائل وروثة وحممة (١)، فقال: «إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء»، قال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن علمي حيث كان رسول الله ﷺ ؛ قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرا؛ وأخرجه أيضا أبو نعيم في «دلائل النبوة» (٢).
الحديث السادس: من رواية أبي الجوزاء عنه، قال عباس الدوري: حدثنا عثمان بن عمر، عن مستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن مسعود قال: انطلقت مع النبي ﷺ ليلة الجن حتى أتى الحجون (٣) فخط علي خطا، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه فقال سيد لهم - يقال له وردان -: إني أنا أرتلهم عنك، فقال: «إني لن يجيرني من الله أحد» وأخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٤).
الحديث السابع: من رواية عمرو بن غيلان الثقفيعنه، قال أبو نعيم في «الدلائل» (٥): حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا محمد بن عبدة المصيصي، ثنا أبو توبة الربيع بن نافع، ثنا معاوية ابن سلام، عن زيد بن سلام، عن زيد بن أسلم (٦)، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني
стр. 34
من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود فقلت له: حدثت أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن؟ فقال: أجل، فقلت: حدثني كيف كان شأنه، فقال: إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجلا يعشيه وتركت فلم يأخذني أحد، فمر بي رسول الله ﷺ فقال: «من هذا؟» فقلت: أنا ابن مسعود، فقال: «ما أخذك أحد يعشيك؟»، فقلت: لا، قال: «فانطلق لعلي أجد لك شيئا»، قال: فانطلقنا حتى أتى حجرة أم سلمة، فتركني رسول الله ﷺ قائما ودخل إلى أهله، ثم خرجت الجارية، فقالت: يا ابن مسعود، إن رسول الله ﷺ لم يجد لك عشاء فارجع إلى مضجعك، فرجعت إلى المسجد فجمعت حصا المسجد فتوسدته والتفت بثوبي، فلم ألبث قليلا حتى جاءت الجارية فقالت: عبد الله بن مسعود، أجب رسول الله ﷺ ، فاتبعتها وأنا أرجو العشاء حتى إذا بلغت مقامي خرج رسول الله ﷺ وفي يده عسيب من نخل فرض (١) به على صدري فقال: «أتنطلق معي حيث انطلقت؟» قلت: ما شاء الله، فأعادها علي ثلاث مرات كل ذلك أقول: ما شاء الله، فانطلق وانطلقت معه حتى أتينا بقيع الغرقد فخط بعصاه خطة ثم قال: «اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك»، فانطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث أراه ثارت مثلي العجاجة السوداء ففرقت فقلت: ألحق برسول الله ﷺ فإني أظن هؤلاء هوازن مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت فأستغيث الناس، فذكرت أن رسول الله ﷺ أمرني أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله ﷺ يقرعهم بعصاه ويقول: «اجلسوا» فجلسوا، حتى كاد ينشق عمود الصبح ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني رسول الله ﷺ فقال: «أنمت بعدي؟» قلت: لا والله، ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى رأيت أن آتي البيوت فأستغيث حيث سمعت تقرعهم بعصاك، وكنت أظن هوازن مكروا برسول الله
стр. 35
ﷺ ليقتلوه، قال: «لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما أمنت عليك أن يخطفك بعضهم، فهل رأيت من شيء؟» قلت: رأيت رجالا سودا مستدفرين عليهم ثياب بيض، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك وفد جن نصيبين … » الحديث، وأخرجه أيضا ابن جرير (١).
الحديث الثامن: من رواية أبي زيد مولى عمرو بن حريث، قال أحمد: حدثنا يعقوب ابن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني أبو عميس عتبة بن عبد الله بن عتبة، عن أبي فزارة، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث المخزومي، عن عبد الله بن مسعود قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ بمكة وهو في نفر من أصحابه إذ قال: ليقم منكم معي رجلان، ولا يقومن معي رجل في قلبه من الغش مثقال ذرة، قال: فقمت معه وأخذت إداوة ولا أحسبها إلا ماء، فخرجت مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بأعلى مكة رأيت أسودة مجتمعة، قال: فخط لي رسول الله ﷺ خطا ثم قال: «قم هنا حتى آتيك»، قال: فقمت ومضى رسول الله ﷺ فرأيتهم يثورون إليه، قال: فسمر معهم رسول الله ﷺ ليلا طويلا حتى جاءني مع الفجر فقال: «ما زلت قائما يا ابن مسعود؟»، قال: قلت: يا رسول الله، أو لم تقل قم حتى آتيك؟ قال: ثم قال لي: «هل معك من وضوء؟»، قال: فقلت: نعم، ففتحت الإداوة فإذا هو نبيذ، فقال رسول الله ﷺ : «تمرة طيبة وماء طهور» قال: ثم توضأ منها، فلما قام يصلي أدركه شخصان منهم، قالا له: يا رسول الله إنا نحب أن تؤمنا في صلاتنا، قال: فصفهما رسول الله ﷺ خلفه، ثم صلى بنا، فلما انصرف، قلت له: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: «هؤلاء جن نصيبين، جاءوا يختصمون إلي في أمور كانت بينهم» … الحديث
стр. 36
قلت: ذكر النبيذ فيه منكر عند الحفاظ لضعف أبي زيد (١) وجهالته، قال ابن عبد البر (٢): اتفقوا على أن أبا زيد مجهول وحديثه منكر، وقال البخاري (٣): لا يصح حديثه، وقال أبو داود (٤): كان أبو زيد نباذا بالكوفة.
قال ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٥): ورويناه من حديث الثوري وإسرائيل وشريك والجراح بن مليح وأبي عميس، كلهم عن أبي فزارة، وغير طريق أبي فزارة عن أبي زيد لهذا الحديث أقوى منها للجهالة الواقعة في أبي زيد، ولكن أصل الحديث مشهور عن ابن مسعود من طرق حسان متظافرة، ثم يشهد بعضها لبعض ويشد بعضها بعضا، و لم يتفرد طريق أبي زيد إلا بما فيها من التوضؤ بنبيذ الثمر. اهـ.
قلت: وقد روي هذا الحديث عن ابن مسعود من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود وغيرهما.
فصل: وأما حديث الزبير، فقال الطبراني (٦): حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا أبي، ثنا بقية بن الوليد، حدثنا نمير بن يزيد القيني، حدثنا أبي، ثنا قحافة بن ربيعة، قال: حدثنا الزبير بن العوام قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد النبي ﷺ فلما انصرف قال: «أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة»، فأسكت القوم فلم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثا، فمر بي يمشي فأخذ بيدي، فجعلت أمشي معه حتى غيبت عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز، فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستدفرين ثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم
стр. 37
غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكنى رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله ﷺ بإبهام رجله في الأرض خطا، وقال لي: «أقعد في وسطه»، فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة، ومضى النبي ﷺ بيني وبينهم، فتلا قرآنا وبقوا حتى طلع الفجر، ثم أقبل حتى قرب فقال لي: «الحق»، فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال لي: «التفت وانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد»، فقلت: يا رسول الله أرى سوادا كثيرا، فخفض رسول الله ﷺ رأسه إلى الأرض فنظم عظما بروثة ثم رمى بها إليهم … الحديث.
قلت: كذا قال عبد الوهاب بن نجدة: عن بقية، ورواه محمد بن وهب بن عطية الدمشقي، عن بقية فقال: عن نمير، عن قحافة، عن أبيه، عن الزبير؛ وقحافة ذكره الذهبي في (الميزان) وقال (١): لا يعرف، تفرد عنه نمير القيني. اهلكن ذكره الحافظ في «التهذيب» (٢) وقال: ذكره ابن حبان في «الثقات» (٣) والراوي عنه نمير ذكره الذهبي فيه أيضا (٤)، ونقل عن الأزدي أنه ليس بشيء، قال الذهبي (٥): تفرد عنه بقية. قلت: كذا قال، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (٦) وقال: روى عنه بقية وأهل الشام.
وأما حديث حاطب بن أبي بلتعة، فقال ابن أبي الدنيا في كتاب «الهواتف» (٧): حدثنا محمد بن عباد، حدثني محمد بن زياد، حدثني أبو مصلح (٨) الأسدي، حدثني يحيى بن صالح، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، عن حذيفة بن غانم العدوي، قال خرج حاطب بن أبي بلتعة من حائط يقال له قران، يريد النبي ﷺ حتى
стр. 38
إذا كان بالسحاء التفت عليه عجاجتان ثم انجلتا عن حيته لين الجوارن - يعني الجلد - فنزل ففحص له بسية قوسه ثم واراه، فلما كان الليل إذا هاتف يهتف به:
يا أيها الراكب المرقي مطيته … أربع عليك سلام الواحد الصمد
واريت عمرا وقد ألقى كلاكله … دون العشيرة كالضر غامة الأسد
وأشجع خادر في الخيس منزله … وفي الحياء من العذراء في الخرد
فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: «ذاك عمرو بن الحومانة وافد نصيبين الشامية، لقيه محصن بن جوشن النصراني فقتله … الحديث».
وأما حديث عمر، فهو في قصة قدوم هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس على رسول الله ﷺ في بعض جبال تهامة وإيمانه به، أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (١) وأبو نعيم (٢) والبيهقي (٣) في «الدلائل» وغيرهم. وقال الحفاظ: إنه منكر موضوع (٤)؛ لكن قال الحافظ السيوطي في «لقط المرجان» (٥): إن قصته وردت أيضا من حديث أنس عند عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والعقيلي (٦) والشيرازي في «الألقاب» وأبي نعيم وابن مردويه؛ ومن حديث ابن عباس عند الفاكهي في كتاب «مكة» (٧)، وله عدة طرق يبلغ بها درجة الحسن. قال: وأخرج أبو علي بن الأشعث في كتاب «السنن»، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن هامة بن هيم بن لاقيس في الجنة».
قلت: بعيد أن يكون حديث هامة حسنا، ولعلنا نعود إلى الكلام عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
стр. 39
مسند الجن وأما مرسل سعيد بن جبير، فرواه سفيان الثوري في «تفسيره»، عن إسماعيل البجلي، عنه، في قوله تعالى ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾، قال: قالت الجن للنبي ﷺ : كيف لنا بمسجدك أن نشهد الصلاة معك ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت.
وأما مرسل أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، فروى البيهقي (١) عن أبي المليح الهذلي، أنه كتب إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود يسأله: أين قرأ رسول الله ﷺ على الجن؟ فكتب إليه: أنه قرأ عليهم بشعب يقال له الحجون.
وروى ابن عبد البر (٢) من طريق أبي داود، حدثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أبي عبيدة بن عبد الله، قال: لما كانت ليلة الجن أتيت النبي ﷺ سمرة (٣) فآذنته بهم فخرج إليهم.
وقال أبو داود أيضا (٤): حدثنا هارون بن معروف، ثنا سفيان، عن مسعر، عن عمرو ابن مرة، عن أبي عبيدة، أن مسروقا قال له: أبوك أخبرنا أن شجرة أنذرت النبي ﷺ بالجن. قلت: وأصل هذا في «صحيح» (٥) البخاري.
وأما مرسل أبي جعفر، فأخرجه الواقدي (٦) وأبو نعيم في «الدلائل» (٧) عنه، قال قدم على النبي ﷺ الجن في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من النبوة.
وفي الباب آثار أخرى أعرضنا عن ذكرها اختصارا.
فهذه أحاديث مصرحة باجتماعهم بالنبي ﷺ ورؤيته إياهم، وأن منهم صحابة، ولهم سماع من النبي ﷺ خلاف ما نقل عن ابن عباس، وقد ورد
стр. 40
في آثار كثيرة إخبارهم عن بعضهم بأنه من الصحابة كما سيأتي بعض ذلك مما فيه روايته.
وقال ابن أبي الدنيا في «الهواتف»: (١) حدثنا محمد بن عباد بن موسى العكلي، ثنا مطلب ابن زياد الثقفي، ثنا أبو إسحاق أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ كانوا في سفر لهم وأن حيتين اقتتلتا، فقتلت إحداهما الأخرى، فعجبوا من طيب ريحها وحسنها، فقام بعضهم فلفها في خرقة ثم دفنها، فإذا قوم يقولون: السلام عليكم [السلام عليكم] (٢) - لا يرونهم - إنكم دفنتم عمرا، إن مسلمينا وكفارنا اقتتلوا فقتل المسلم الذي دفنتم وهو من الرهط الذين أسلموا مع النبي ﷺ .
ورواه ابن سلام (٣) من طريق أبي إسحاق السبيعي أيضا، فقال: عن أشياخه، عن ابن مسعود، أنه كان في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يمشون فرفع لهم إعصار - أي ريح ترتفع بتراب -، ثم جاء إعصار أعظم منه ثم انقشع فإذا حية قتيلة، فعمد رجل منا إلى ردائه فشقه وكفن الحية ببعضه ودفنها؛ فلما جن الليل إذا امرأتان تسألان أيكم دفن عمرو بن جابر؟ فقلنا: ما ندري من عمرو بن جابر، فقالتا: إن كنتم ابتغيتم الأجر فقد وجدتموه، إن فسقة الجن اقتتلوا مع المؤمنين فقتل عمرو وهو الحية التي رأيتم، وهو من الذين استمعوا القرآن من رسول الله ﷺ ، ثم ولوا إلى قومهم منذرين.
وقال ابن أبي الدنيا: (٤) حدثنا الحسن بن جهور، (٥) حدثني ابن أبي إلياس، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عمه، عن معاذ بن عبد الله بن معمر، قال: كنت