التَّام المُفِيد، كَمَا فِي «الصحيح» عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: «أفضل الكَلَام بعد القُرْآن أَربع، وهن من القُرْآن: سُبْحَانَ الله، والحَمْد لله، ولَا إِلَه إِلَّا الله، والله أكبر» (١). وفِي «الصحيح» عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: «كلمتان خفيفتان على اللِّسَان، ثَقيلتان فِي المِيزَان، حَبِيبتان إِلَى الرَّحْمَن: سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العَظِيم» (٢).
وفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي يَوْمه مائَة مرَّة: لَا إِلَه إِلَّا الله، وحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الملك وله الحَمد، وهُو على كل شَيْء قدير، كَتب الله لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَان يَوْمه ذَلِك حَتَّى يُمْسِي، ولم يَأْتِ أحدٌ بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا رجل قَالَ مثل مَا قَالَ، أَوْ زَاد عَلَيْهِ» (٣). و «مَنْ قَالَ فِي يَوْمه مائَة مرَّة: سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العَظِيم، حُطَّت عَنهُ خطاياه، ولَو كَانَتْ مِثل زبد البَحْر» (٤). وفِي «المُوطَّأ» وغَيره عَنْ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «أفضلُ مَا قلتُه أَنا والنَّبيون مِنْ قبلي: لَا إِلَه إِلَّا الله، وحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الملك وله الحَمد، وهُو على كل شَيْء قدير» (٥)، وفِي «سُنَن ابْن مَاجَه» وغَيره عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: «أفضل الذِّكر: لَا إِلَه إِلَّا الله، وأفضل الدُّعَاء: الحَمد لله» (٦).
ومثل هَذِه الأَحَادِيث كَثِيرَة فِي أَنْواع مَا يُقَال من الذِّكر والدُّعَاء.
стр. 353
وكَذَلِكَ مَا فِي القُرْآن من قَوْله تَعَالَى: ﴿ولَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يُذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ [الأَنْعَام: ١٢١]، وقَوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم واذْكُرُوا اسْم الله عَلَيْهِ﴾ [المَائِدَة: ٤]: إِنَّمَا هُو قَول: بِسم الله. وهَذِه جملَة تَامَّة؛ إِمَّا اسمية، على أظهر قولي النُّحَاة، أَوْ فِعلية، والتَّقْدِير: ذبحي بِسم الله، أَوْ أذبح بِسم الله. وكَذَلِكَ قَول القَارئ: ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾، فتقديره: قراءتي بِسم الله، أَوْ أقْرَأُ باسم الله. ومن النَّاس مَنْ يُضمر فِي مثل هَذَا: ابتدائي بِسم الله، أَوْ ابتدأت بِسم الله، والأول أحسن؛ لِأَن الفِعْل كُله مفعول باسم الله، لَيْسَ مُجَرَّد ابْتِدَائه، كَمَا أظهر المُضمر فِي قَوْله: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ [العلق]، وفِي قَوْله: ﴿بِسم الله مجريها ومرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، وفِي قَولِ النَّبِي ﷺ : «مَنْ كَانَ ذبح قبل الصَّلَاة فليذبح مَكَانهَا أُخْرَى، ومن لم يكن ذبح فليذبح باسم الله» (١). ومن هَذَا البَاب: قَول النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح لربيبه؛ عمر بن أَبى سَلمَة: «يَا غُلَام، سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مِمَّا يليك» (٢)، فَالمُرَاد أَنْ يَقُول: باسم الله، لَيْسَ المُرَاد أَنْ يَذكر الِاسْم مُجَردًا. وكَذَلِكَ قَوْله فِي الحَدِيث الصَّحِيح لعدي بن حَاتِم: «إِذا أرْسلت كلبك المعلم وذكرت اسْم الله فَكُلْ» (٣)، وكَذَلِكَ قَوْله ﷺ : «إِذا دخل الرجل منزله فَذكر اسْمَ الله عِنْد دُخُوله وعند خُرُوجه وعند طَعَامه، قَالَ الشَّيْطَان: لَا مَبيت لكم ولَا عشَاء» (٤)، وأمثال ذَلِك كثير.
وكَذَلِكَ مَا شُرِع للمُسلمين فِي صلَاتِهم وأذانهم وحَجِّهم وأعيادهم من ذكر الله تَعَالَى، إِنَّمَا هُو بِالجُمْلَةِ التَّامَّة، كَقَوْل المُؤَذّن:
стр. 354
(الله أكبر، الله أكبر، أشهد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله)، وقَول المُصَلِّي: (الله أكبر، سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيم، سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى، سمع الله لمن حَمده، رَبَّنَا ولَك الحَمد، التَّحِيَّات لله)، وقَول المُلَبِّي: (لبَّيْك اللَّهُمَّ لبَّيْك)، وأمثال ذَلِك».
العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية: علاقة تلازم؛ فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، والألوهية تتضمن توحيد الربوبية، فكل مَنْ وَحَّد الله في إلهيته فإن هذا يتضمن توحيده لله في كونه رب كل شيء، وأنه خالق كل شيء، ومدبر كل شيء؛ لأنه لا يمكن أن يعبد الله دون أن يعتقد مثل هذا الاعتقاد، ومن اعتقد بالربوبية فإنه يلزمه أن يعتقد بالألوهية ويعمل بمقتضاها.
وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) كلمة لها تأثير عجيب إذا استحضر الإنسان معناها وصدق في طلب فضلها فإنه لا يَعدلها شيء؛ لأنها تتضمن إثبات منتهى الكمال وغايته لله جل وعلا، ففيها من الخير والفضل ما لا يَعدله شيء، ولذلك كانت أفضل الذِّكر كما قال النبي ﷺ : «أفضل الذكر لا إله إلا الله».
يقول المباركفوري ﵀: «لأنها كلمة التوحيد، والتوحيد لا يُماثله شيء، وهي الفارقة بين الكفر والإيمان، ولأنها أجمع للقلب مع الله، وأنفى للغير، وأشد تزكية للنفس، وتصفية للباطن، وتنقية للخاطر من خبث النفس، وأطرد للشيطان» (١).
ولذلك فالفائز مَنْ يكثر من هذه الكلمة في كل زمان ومكان،
стр. 355
ولا يفتر لسانه عن اللهج بها، واستحضار معانيها، وتذكر مقاصدها.
ومن زعم أن هذا ذِكر العامة، وأن ذِكر الخاصة هو الاسم المفرد، وذِكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر فهم ضالون غالطون قد أُتوا مِنْ جهلهم؛ حيث يستدلون بقوله: ﴿قُلِ اللهُ﴾ على أنَّ الأفضل في الذِّكر الاسم المجرد، وأنه أفضل من (لا إله إلا الله)؟ والخطاب بالاسم فقط- بدون ثناء أو طلب- عبث، ولذلك كان مِنْ البدع ذكر الله بالاسم المفرد، وأشد منه الذكر بالضمير: (هو).
والاسم المفرد المظهر أو المضمر ليس بكلام تام، ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به إيمان ولا كفر، ولا يثبت به إيمان ولا يثبت به كفر، ولا أمر ولا نهي، بخلاف (لا إله إلا الله)، فإنَّ الله عَلَّق عليها أحكامًا شرعية.
ثم ذكر المصنف قاعدة مهمة في الأذكار الشرعية وهي: أن الشريعة إنما تَشرع من الأذكار ما يُفيد بنفسه معنى يحصل به زكاء القلب، ويحصل به زيادة الإيمان، ويحصل به معنى مفيد، بذات اللفظ لا بأمر خارج.
وأما هؤلاء الذين يزعمون أنهم يجدون سعادة وانشراحًا حينما يقولون: (الله، الله، الله … ). أو (هو هو هو … )، فهذا ليس من اللفظ نفسه، وإنَّما مما يقارن هذا اللفظ من التصورات التي في أذهانهم، لكن نفس اللفظ لا يحصل به فائدة سوى التصور العام.
وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد وأنواع من الاتحاد، وهذه نتيجة حتمية للبدع واتباع الأهواء وسلوك سبيل غير ما أنزل الله.
* * *
стр. 356
قال المصنف ﵀: «فَجَمِيع مَا شَرعه الله من الذِّكر إِنَّمَا هُو كَلَامٌ تَامٌّ لَا اسْم مُفْرد؛ لَا مظهر ولَا مُضْمر.
وهَذَا هُو الَّذِي يُسمى فِي اللُّغَة: (كلمة) كَقَوْلِه: «كلمتان خفيفتان على اللِّسَان، ثقيلتان فِي المِيزَان، حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن: سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العَظِيم» (١)، وقَوله: «أفضل كلمة قَالَهَا الشَّاعِر كلمة لَبِيد: أَلَا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل» (٢)، ومِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿كَبرت كلمة تخرج من أَفْواههم﴾ الآيَة [الكَهْف: ٥]، وقَوله: ﴿وتمت كلمة رَبك صدقًا وعدلًا﴾ [الأَنْعَام: ١١٥].
وأمثال ذَلِك مِمَّا اسْتُعْمل فِيهِ لفظ: (الكَلِمَة) من الكتاب والسُّنَّة- بل وسَائِر كَلَام العَرَب- فَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ الجُمْلَة التَّامَّة، كَمَا كَانُوا يستعملون الحَرْف فِي الِاسْم؛ فَيَقُولُونَ: هَذَا حرف غَرِيب، أَي: لفظ الِاسْم غَرِيب.
وقسَّم سِيبَويْه الكَلَام إِلَى: (اسم، وفعل، وحرف جَاءَ لِمَعْنى لَيْسَ باسم ولَا فعل) (٣)، وكل مِنْ هَذِه الأَقْسَام يُسمى حرفًا، لَكِن خَاصَّة الثَّالِث: أَنَّه حرف جَاءَ لِمَعْنى لَيْسَ باسم ولَا فِعل.
وسمى حُرُوف الهجاء باسم الحَرْف، وهِي أَسمَاء.
ولَفظ الحَرْف يتَنَاول هَذِه الأَسْمَاء وغَيرهَا، كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ :
стр. 357
«مَنْ قَرَأَ القُرْآن فأعربه (١)؛ فَلهُ بِكُل حرف عشر حَسَنَات، أما إِنِّي لَا أَقُول: ﴿ألم﴾ حرف، ولَكِن ألف حرف، ولَام حرف، ومِيم حرف» (٢)، وقد سَأَلَ الخَلِيلُ بن أَحْمد أَصْحَابَه عَنْ النُّطْق بِحرف الزَّاي مِنْ زيد؟ فَقَالُوا: (زَاي). فَقَالَ: جئْتُمْ بِالِاسْمِ، وإِنَّمَا الحَرْف: (زَ).
ثمَّ إِنْ النُّحَاة اصْطَلحُوا على أَنْ هَذَا المُسَمَّى فِي اللُّغَة بالحرف، يُسمى: كلمة، وأَن لفظ الحَرْف يخص لما جَاءَ لِمَعْنى لَيْسَ باسم ولَا فعل، كحروف الجَرِّ ونَحْوهَا.
وأمَّا أَلفَاظ حُرُوف الهجاء فيعبر تَارَة بالحرف عَنْ نفس الحَرْف من اللَّفْظ، وتارَة باسم ذَلِك الحَرْف، ولما غلب هَذَا الِاصْطِلَاح صَار يتَوهَّم مَنْ اعتاده أَنه هَكَذَا فِي لُغَة العَرَب، ومنهم من يَجْعَل لفظ الكَلِمَة فِي اللُّغَة لفظًا مُشْتَركًا بَين الِاسْم- مثلًا- وبَين الجُمْلَة، ولَا يُعرف فِي صَرِيح اللُّغَة من لفظ (الكَلِمَة) إِلَّا الجُمْلَة التَّامَّة.
والمَقْصُود هُنَا: أَنْ المَشْرُوع فِي ذكر الله سُبْحَانَهُ هُو ذكره بجملة تَامَّة، وهُو المُسَمَّى بالكلَام، والواحد مِنْهُ بِالكَلِمَةِ، وهُو الَّذِي ينفع القُلُوب، ويحصل بِهِ الثَّواب والأَجْر، ويَجذب القُلُوب إِلَى الله ومعرفته ومحبته وخشيته، وغير ذَلِك من المطالب العَالِيَة والمقاصد السامية.
وأمَّا الِاقْتِصَار على الِاسْم المُفْرد مظْهرًا أَوْ مضمرًا فَلَا أصل لَهُ، فضلًا عَنْ أَنْ يكون من ذكر الخَاصَّة والعارفين.
بل هُو وسِيلَة إِلَى أَنْواع من البدع والضَّلالات، وذريعة إِلَى
стр. 358
تصورات وأحوال فَاسِدَة من أَحْوال أهل الإِلحَاد وأهل الِاتِّحَاد.
كَمَا قد بُسط الكَلَام عَلَيْهِ فِي غير هَذَا الموضع».
الهدف من الذكر: هو تزكية النفس وزيادة الإيمان، وهذا لا يحصل بذكر كلمة مفردة، ولهذا الرقى الشرعية لا بد أن تكون بالكلام الشرعي الذي لا يوجد فيه أي شرك. وأن تكون بكلاتم مفهوم واضح المعنى. وألا يوجد فيها شيء من الشركيات. وألا تكون مرتبطة باستغاثات بالجن وبغيرها من أنواه السحر والشعوذة.
والكلمة في لغة العرب: تطلق على الجملة المفيدة، وتطلق على الكلام، ولهذا يقال: ألقى فلان كلمة. وقد تستغرق وقتا طويلًا، وتشتمل على كلام كثير وعبارات طويلة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]، وقوله جلا وعلا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وقوله : ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وهي قوله: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، وهي جملة كاملة.
وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ (الكلمة) في الكتاب والسنة، بل وسائر كلام العرب، فإنما يُراد به الجملة التامة، كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم، فيقولون: هذا حرف غريب، أي لفظ الاسم غريب.
ولهذا يختلط عند كثير من الناس كلمة حرف في لغة العرب، وبين حرف في اصطلاح النحويين.
فالنحاة يقسمون الحروف إلى قسمين: حروف المباني،
стр. 359
وحروف المعاني.
وشيخ الإسلام ﵀ يقرر أن الحرف مثل الكلمة، كما أن الكلمة في اصطلاح النحويين صارت بمعنى الجزء من الجملة، وهذا ليس مرادًا في كتاب الله ولا في سنة النبي ﷺ ، وإنما هو اصطلاح خاص الهدف منه التعليم، وكذلك الحرف معناه العام في اللغة: الاسم، ولهذا الحديث المشهور: «لا أقول: ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف».
والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه، وهو ذكره بجملة تامة، وهو المسمى ب (الكلام)، والواحد منه ب (الكلمة)؛ وهو الذي ينفع القلوب، ويحصل به الثواب والأجر، والقرب إلى الله ومعرفته، ومحبته وخشيته، وغير ذلك من المطالب العالية، والمقاصد السامية.
وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهراً أو مضمراً فلا أصل له، فضلاً عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين. بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات.
وكل الأحاديث التي أودها المصنف الكلام فيها مفيد؛ أي: إن الذكر فيها ليس ذكرًا باسم مفرد مجرد، بل ذكر بما لَه فائدة؛ فقول القائل مثلًا: (سبحان الله) معناه: أُنَزِّه الله عن كل نقص وعن مماثلة المخلوقين. (والحمد لله)، أي: وأثبت له كل كمال يليق بذاته من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الجليلة. (ولا إله إلا الله): فيها إثبات الإلهية لله وحده ونفيها عمن عداه. و (الله أكبر): فيها إثبات الكبرياء والعظمة لله وحده، وأنه- ﷻ أكبر وأعظم من كل شيء. وهكذا جميع الأذكار الشرعية.
* * *
стр. 360
قال المصنف ﵀:
«فصلٌ:
وجماع الدَّين أصلان:
أَلَّا نَعْبد إِلَّا اللهَ، ولَا نَعبدُه إِلَّا بِمَا شرع، لَا نَعبده بالبدع، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا ولَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠].
وذَلِكَ تَحْقِيق الشَّهَادَتَيْنِ: شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله، وشَهَادَة أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله.
فَفِي الأولى: أَلَّا نَعْبد إِلَّا إِيَّاه.
وفِي الثَّانِيَة: أَنَّ مُحَمَّدًا هُو رَسُوله المبلِّغ عَنهُ، فعلينا أَنْ نصدق خَبره ونُطيع أمره.
وقد بَيَّن لنا مَا نَعْبد الله بِهِ، ونهانا عَنْ محدثات الأُمُور، وأخْبر أَنَّهَا ضَلَالَة؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿بلَى من أسلم وجهه لله وهُو محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه ولَا خوف عَلَيْهِم ولَا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١٢].
وكما أنَّنا مأمورون أَلَّا نَخَاف إِلَّا الله، ولَا نتوكل إِلَّا على الله، ولَا نَرغب إِلَّا إِلَى الله، ولَا نستعين إِلَّا بالله، وألَّا تكون عبادتنا إِلَّا لله، فَكَذَلِك نَحن مأمورون أَنْ نَتَّبع الرَّسُول ونُطيعه ونتأسى بِهِ؛ فالحلال مَا حَلَّله، والَحرَام مَا حَرَّمه، والدِّين مَا شَرعه؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ولَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله ورَسُوله وقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله ورَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ [التَّوْبَة: ٥٩]،
стр. 361
فَجعل الإيتاء لله ولِلرَّسُولِ، كَمَا قَالَ: ﴿ومَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ ومَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ [الحَشْر: ٧]، وجعل التَّوكُّل على الله وحده بقوله: ﴿وقَالُوا حَسبنَا الله﴾ [التوبة: ٥٩]، ولم يقل: ورَسُوله- كَمَا قَالَ فِي وصف الصَّحَابَة ﵃ فِي الآيَة الأُخْرَى: ﴿الَّذين قَالَ لَهُمْ النَّاس إِنْ النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وقَالُوا حَسبنَا الله ونعم الوكِيل﴾ [آل عمرَان: ١٧٣]، ومثله قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله ومن اتبعك من المُؤمنِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٦٤]، أَي: حَسبك وحسب المُؤمنِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ [الزمر: ٣٦]- ثمَّ قَالَ: ﴿سيؤتينا الله من فَضله ورَسُوله﴾ [التوبة: ٥٩]، فَجعل الإيتاء لله ولِلرَّسُولِ، وقدم ذكر الفضل لله؛ لِأَن ﴿الفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء والله ذُو الفضل العَظِيم﴾ [الحديد: ٢٩]، وله الفضل على رَسُوله وعَلى المُؤمنِينَ، وقَالَ: ﴿إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ [التوبة: ٥٩]؛ فَجعل الرَّغْبَة إِلَى الله وحده، كَمَا فِي قَوْله: ﴿فَإِذا فرغت فانصب * وإِلَى رَبك فارغب﴾ [الشَّرْح: ٧، ٨].
وقَالَ النَّبِي ﷺ لِابْنِ عَبَّاس: «إِذا سَأَلت فاسأل الله، وإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ باللهِ» (١)، والقُرْآنُ يدلُّ على مِثل هَذَا فِي غير مَوضِع.
فَجعل العِبَادَة والخشية والتَّقوى لله، وجعل الطَّاعَة والمحبة لله ورَسُوله، كَمَا فِي قَول نوح ﵇: ﴿أَنْ اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ [نوح: ٣]، وقَوله: ﴿ومن يطع الله ورَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ [النُّور: ٥٢]، وأمثال ذَلِك.
فالرسل أمروا بِعِبَادَتِهِ وحده، والرَّغْبَة إِلَيْهِ، والتوكل عَلَيْهِ وطاعته، والطَّاعَة لَهُم، فأضَلَّ الشَّيْطَانُ النَّصَارَى وأشباهَهم؛ فأشركوا باللهِ وعصوا الرَّسُول، ف ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم ورُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من
стр. 362
دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم﴾ [التوبة: ٣١]، فَجعلُوا يرغبون إِلَيْهِم ويتوكلون عَلَيْهِم، ويَسْأَلُونَهُمْ مَعَ معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسُنَّتهم.
وهدى الله المُؤمنِينَ المخلصين لله؛ أهلَ الصِّرَاط المُسْتَقيم الَّذين عَرفُوا الحقَّ واتَّبعوه، فَلم يَكُونُوا من المَغضوب عَلَيْهِم ولَا الضَّالِّين؛ فأخلصوا دينهم لله، وأَسْلمُوا وُجُوههم لله، وأنابوا إِلَى رَبِّهم، وأحبوه ورَجوه، وخافوه وسألوه، ورَغبُوا إِلَيْهِ، وفَوَّضوا أُمُورهم إِلَيْهِ، وتوكلوا عَلَيْهِ، وأطاعوا رسله وعَزَّروهم ووقَّروهم، وأحبُّوهم ووالوهم، واتَّبَعوهم واقتفوا آثَارهم واهتدَوا بمنارهم.
وذَلِكَ هُو دينُ الإِسْلَام الَّذِي بعث الله بِهِ الأَوَّلين والآخرين من الرُّسُل، وهُو الدِّين الَّذِي لَا يَقبل اللهُ من أحد دينًا إِلَّا إِيَّاه، وهُو حَقِيقَة العِبَادَة لربِّ العَالمين.
فنسأل اللهَ العَظِيمَ أَنْ يُثبتنا عَلَيْهِ، ويُكمله لنا ويُميتنا عَلَيْهِ وسَائِر إِخْواننَا المُسلمين.
والحَمْد لله وحده، وصَلَّى الله على سَيِّدنَا مُحَمَّد وآله وصَحبه وسَلَّم».
بَيَّن المصنف ﵀ أنَّ جماع الدين أصلان: وهما: الأول: ألا نعبد إلا الله، وهو معنى: (لا إله إلا الله). والثاني: ولا نعبده إلا بما شرع، أي: بما أرسل به رسله، وهو معنى (محمد رسول الله)، وأن نبتعد عن جميع البدع؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 363
وبهذا يتم الدين، وإذا لزم الإنسان هذين الأصلين فقد جمع الله له السعادة كلها، وتحققت له العبودية التي مَنْ لزمها فاز في الدارين.
وقد بَيَّن لنا رسولنا ﷺ لنا ما نَعبد الله به، ونهانا عن محدثات الأمور، وأخبر أنها ضلالة، وكما أننا مأمورون ألا نخاف إلا الله، ولا نتوكل إلا على الله، ولا نرغب إلا إلى الله، ولا نستعين إلا بالله، وألا تكون عبادتنا إلا لله، فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول ﷺ ونُطيعه، ونتأسى به؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
والقرآن قد جعل العبادة والخشية والتقوى لله، وجعل الطاعة والمحبة لله ورسوله، كما في قول نوح ﵇: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: ٣]، وقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، وأمثال ذلك.
فجميع الرسل قد أمروا بعبادة الله وحده، والرغبة إليه، والتوكل عليه وطاعتهم في ذلك، وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، وهو الدِّين الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، وهو حقيقة العبادة لربِّ العالمين.
فنسأل الله العظيم أن يُثبتنا عليه، وأن لا يقبضنا إلا عليه، وأن يجعل مَثَوانا جنات التعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا.
وبهذا نكون قد انتهينا من الشرح والتعليق على هذه الرسالة المباركة النافعة لشيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه وحعل الجنة مثواه، ورفع قدره عنده جزاء ما قدم للإسلام والمسلمين، وقد حوت هذه الرسالة- كما رأينا- على قواعد جليلة وأصول نافعة يجدر
стр. 364
بطالب العلم أن يجعلها نُصب عينيه، وأن يحسن فهمهما وتدبرها، ومِن ثَمَّ العمل بمقتضاها اعتقادًا وسلوكًا.
والحمد لله وحده، وصَلَّى الله على عبده ونبيه محمد وآله وصحبه وسَلَّم.