← Акыда

Акыда · id 30104

التحفة البهية في شرح رسالة العبودية

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (364 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

زنديق (١)، ومَن عَبده بالرجاء وحده فَهُو مُرجئ (٢)، ومَن عَبده بالخوف وحده فَهُو حروريٌّ (٣)، ومَن عَبده بالحب والخَوْف والرجاء فَهُو مُؤمن موحد». ولِهَذَا وجد فِي المُتَأَخِّرين مَنْ انبسط فِي دَعْوى المحبَّة، حَتَّى أخرجه ذَلِك إِلَى نوع من الرعونة والدَّعْوى الَّتِي تنَافِي العُبُودِيَّة، وتُدْخل العَبْد فِي نوع من الربوبية الَّتِي لَا تَصلح إِلَّا لله؛ فيدعي أحدهم دعاوى تتجاوز حُدُود الأَنْبِيَاء والمُرْسلِينَ، أَوْ يَطْلب من الله مَا لَا يَصلح بِكُل وجه إِلَّا لله، لَا يصلح للأنبياء ولَا للمرسلين. وهَذَا بَاب وقع فِيهِ كثير من الشُّيُوخ. وسَببه: ضعف تَحْقِيق العُبُودِيَّة الَّتِي بيَّنها الرُّسُل، وحَرَّرها الأَمر والنَّهْي الَّذِي جَاءُوا بِهِ، بل ضعف العقل الَّذِي بِهِ يعرف العَبْد حَقِيقَته. وإِذا ضعف العقل، وقلص العلم بِالدِّينِ، وفِي النَّفس محبَّة طائشة جاهلة- انبسطت النَّفس بحمقها فِي ذَلِك، كَمَا ينبسط الإِنْسَان فِي محبَّة الإِنْسَان مَعَ حمقه وجهله، ويَقُول: أَنا محب، فَلَا أؤاخذ بِمَا أَفعلهُ من أَنْواع يكون فِيهَا عدوان وجَهل، فَهَذَا عين الضلال، وهُو شَبيه بقول اليَهُود والنَّصَارَى: ﴿نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾ [المَائِدَة: ١٨]، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل فَلم يعذبكم بذنوبكم بل أَنْتُم بشر مِمَّنْ خلق يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ [المَائِدَة: ١٨]، فَإِنْ تعذيبه لَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يَقْتَضِي أَنهم غير محبوبين، ولَا منسوبين إِلَيْهِ بِنسَبة البُنُوة، بل يَقْتَضِي أَنهم مربوبون مخلوقون.

стр. 317

فَمن كَانَ الله يُحِبُّهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ، ومَحبوبه لَا يفعل مَا يُبغضه الحق ويُسخطه؛ من الكفْر والفسوق والعصيان. ومَن فعل الكَبَائِر وأصرَّ عَلَيْهَا ولم يَتب مِنْهَا، فَإِنَّ الله يُبغض مِنْهُ ذَلِك، كَمَا يحب مِنْهُ مَا يَفْعَله من الخَيْر، إِذْ حبه للعَبد بِحَسب إيمَانه وتقواه. ومَن ظن أَنْ الذُّنُوب لَا تضرُّه لكَون الله يُحِبهُ مَعَ إصراره عَلَيْهَا- كَانَ بِمَنْزِلَة من زعم أَنْ تنَاول السم لَا يضرّهُ مَعَ مداومته عَلَيْهِ، وعدم تداويه مِنْهُ لصِحَّة مزاجه، ولَو تدبر الأحمق مَا قصَّ الله فِي كِتَابه من قصَص أنبيائه، ومَا جرى لَهُمْ من التَّوْبَة والِاسْتِغْفَار، ومَا أصيبوا بِهِ من أَنْواع البلَاء الَّذِي فِيهِ تمحيص لَهُمْ وتطهير بِحَسب أَحْوالهم- علم بعض ضَرَر الذُّنُوب بأصحابها، ولَو كَانَ أرفع النَّاس مقَامًا، فَإِنْ المُحب للمخلوق إِذا لم يكن عَارِفًا بمحابِّه ولَا مرِيدًا لَهَا، بل يَعْمل بِمُقْتَضى الحبّ وإِن كَانَ جهلًا وظلمًا- كَانَ ذَلِك سَببًا لِبُغْض المحبوب لَهُ، ونُفوره عَنهُ، بل سَببًا لعقوبته». خلق الله الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته، مع الخضوع له والانقياد لأمره. فأصل العبادة: محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه، كما يحب أنبياءه ورسله وملائكته وأولياءه، فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحبه. وإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها، فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه، فعند اتباع الأمر واجتناب النهي

стр. 318

تتبين حقيقة العبودية والمحبة، ولهذا جعل تعالى اتباع رسوله علمًا عليها، وشاهدًا لمن ادعاها؛ فقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]، فجعل اتباع رسوله مشروطًا بمحبتهم لله، وشرطًا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة، فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل إذا ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله. ودل على أن متابعة الرسول ﷺ هي حب الله ورسوله وطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما، فلا يكون عنده شيء أحب إليه من الله ورسوله، ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما، فهذا هو الشرك الذي لا يَغفره الله لصاحبه البتة، ولا يَهديه الله؛ قال الله تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [التوبة: ٢٤]. فكل مَنْ قَدَّم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله، أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم ورجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة أحدهم على معاملة الله فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قاله بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بخلاف ما هو عليه، وكذلك من قدم حكم أحد على حكم الله ورسوله، فذلك المقدم عنده أحب إليه من الله ورسوله (١).

стр. 319

إنَّ كثيرًا من أمراض قلوبنا ترجع إلى ضعف حبِّ الله ورسولِه ﷺ في قلوبنا، وهو مِنْ أوثق عرى الإيمان. والذي يروم المحبة الصادقة لا بد له من حادٍ يسوقه ويعينه على مشقة الطريق، وعليه أن يجاهد نفسه في سبيل تحصيلها والتلذذ بها؛ وذلك بالبعد عن الذنوبِ ومصاحبةِ أهل الغفلة، وعليه بالاجتهاد في الطاعة، والعمل على تهذيب أخلاقه والسمو بروحه، والصبر على أنواع الابتلاءات المختلفة الممحصة، وبذل الغالي في سبيل ذلك؛ فالعاقبة محمودة. إنَّ محبة الله تعالى تملأ النفس سكينة ورضا، وتملأ الحياة نورًا وسعادة، وتملأ المجتمعات البشرية تفاهمًا وتراحمًا وتكافلًا، ومَن حرم تلك النعمة كان قرينه الضنك في الدنيا، والعمى في الآخرة. * * *

стр. 320

قال المصنف ﵀: «وكثير من السالكين سلكوا فِي دَعْوى حبِّ الله أنواعًا من أُمُور الجَهْل بِالدِّينِ: إِمَّا مِنْ تعدِي حُدُود الله، وإِمَّا مِنْ تَضْييع حُقُوق الله، وإِمَّا مِنْ ادِّعَاء الدَّعَاوى البَاطِلَة الَّتِي لَا حَقِيقَة لَهَا، كَقَوْل بَعضهم: أَي مُرِيد لي ترك فِي النَّار أحدًا، فَأَنا برِئ مِنْهُ، فَقَالَ الآخر: أَي مُرِيد لي ترك أحدًا من المُؤمنِينَ يدْخل النَّار فَأَنا مِنْهُ بَرِيء. فَالأول: جعل مريده يُخرج كل مَنْ فِي النَّار. والثَّانِي: جعل مريده يمْنَع أهل الكَبَائِر من دُخُول النَّار. ويَقُول بَعضهم: إِذا كَانَ يَوْم القِيَامَة نَصبت خَيْمَتي على جَهَنَّم حَتَّى لَا يدخلهَا أحدٌ. وأمثال ذَلِك من الأَقْوال الَّتِي تُؤْثَر عَنْ بعض المَشَايِخ المَشْهُورين، وهِي إِمَّا كذب عَلَيْهِم، وإِمَّا غلطٌ مِنْهُم. ومثل هَذَا قد يصدر فِي حَال سكر وغَلَبَة وفناء يَسْقط فِيهَا تَمْيِيز الإِنْسَان، أَوْ يَضعف حَتَّى لَا يَدْرِي مَا قَالَ. والسكر هُو لَذَّة مَعَ عدم تَمْيِيز. ولِهَذَا كَانَ من هَؤُلَاءِ مَنْ إِذا صَحا اسْتغْفر من ذَلِك الكَلَام، والَّذين توسعوا من الشُّيُوخ فِي سَماع القصائد المتضمنة للحبِّ والشوق واللوم والعذل والغرام- كَانَ هَذَا أصل مقصدهم، فَإِنْ هَذَا الجِنْس يُحَرك مَا فِي القلب من الحبِّ كَائِنا مَا كَانَ، ولِهَذَا أنزل الله محنة يمْتَحن بهَا المُحب؛ فَقَالَ: ﴿قل إِنْ كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ [آل عمرَان: ٣١]، فَلَا يكون محبًّا لله إِلَّا مَنْ يتبع رَسُوله،

стр. 321

وطَاعَة الرَّسُول ومتابعته لَا تكون إِلَّا بتحقيق العُبُودِيَّة، وكثير مِمَّنْ يَدَّعِي المحبَّة يخرج عَنْ شَرِيعَته وسُنَّته ﷺ ، ويَدَّعِي من الحَالَات مَا لَا يَتَّسِع هَذَا الموضع لذكره، حَتَّى قد يظنُّ أحدهم سُقُوط الأَمر وتَحْلِيل الحَرَام لَهُ، وغير ذَلِك مِمَّا فِيهِ مُخَالفَة شَرِيعَة الرَّسُول وسُنَّته وطاعته. بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رَسُوله: الجِهَاد فِي سَبيله. والجهَاد يتَضَمَّن كَمَال محبَّة مَا أَمر الله بِهِ، وكَمَال بُغض مَا نهى الله عَنهُ، ولِهَذَا قَالَ فِي صفة مَنْ يُحِبهُمْ ويُحِبُّونَهُ: ﴿أَذِلَّة على المُؤمنِينَ أعزة على الكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله ولَا يخَافُونَ لومة لائم﴾ [المَائِدَة: ٥٤]. ولِهَذَا كَانَتْ محبَّة هَذِه الأمة لله أكمل من محبَّة من قبلهَا، وعبوديتهم لله أكمل من عبودية من قبلهم، وأكمل هَذِه الأمة فِي ذَلِك هم أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ، ومَن كَانَ بهم أشبه كَانَ ذَلِك فِيهِ أكمل؛ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قوم يدَّعونَ المحبَّة؟ وفِي كَلَام بعض الشُّيُوخ: المحبَّة نَار تَحرق فِي القلب مَا سوى مُرَاد المحبوب. وأَرَادُوا أَنَّ الكَوْن كُله قد أَرَادَ الله وجوده؛ فظنوا أَنْ كَمَال المحبَّة أَنْ يحب العَبْد كل شَيْء، حَتَّى الكفْر والفسوق والعصيان، ولَا يُمكن أحد أَنْ يُحب كلَّ مَوْجُود، بل يحب مَا يلائمه وينفعه، ويُبغض مَا يُنَافِيهِ ويضره، ولَكِن استفادوا بِهَذَا الضلال اتِّبَاع أهوائهم، ثمَّ زادهم انغماسًا فِي أهوائهم وشهواتهم، فهم يحبونَ مَا يَهوونه؛ كالصور والرئاسة وفضول المَال والبدع المضلة، زاعمين أَنْ هَذَا من محبَّة الله. ومن محبَّة الله بغض مَا يُبغضه الله ورَسُوله وجِهَاد أَهله بِالنَّفسِ والمَال. وأصل ضلالهم: أَنْ هَذَا القَائِل الَّذِي قَالَ: إِنْ المحبَّة نَار تحرق مَا سوى مُرَاد المحبوب، قصد بِمُرَاد الله تَعَالَى: الإِرَادَة

стр. 322

الكونية فِي كلِّ الموجودات. أما لَو قَالَ مُؤمن بِاللَّه وكتبه ورُسُله هَذِه المقَالة، فَإِنَّهُ يقْصد الإِرَادَة الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى: محبته ورضَاهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تحرق من القلب مَا سوى المحبوب لله. وهَذَا معنى صَحِيح، فَإِنْ من تَمام الحبّ لله: أَلا يحب إِلَّا مَا يُحِبهُ الله، فَإِذا أَحْبَبْت مَا لَا يحب كَانَتْ المحبَّة نَاقِصَة. وأما قَضَاؤُهُ وقدره فَهُو يُبغضه ويكرهه ويسخطه وينْهى عَنهُ، فَإِنْ لم أوافقه فِي بغضه وكراهته وسخطه لم أكن محبًّا لَهُ، بل محبًّا لما يبغضه». إنَّ كثيرًا ممن يَدَّعي المحبة يخرج عن شريعة النبي ﷺ وسنته وهديه، ويَدَّعي من الخيالات والأوهام ما يثير الدهشة والشفقة عليهم، حتى يظن أحدهم سقوط التكليف عنه وتحليل الحرام له، وكثير من الضالين الذين اتبعوا أشياء مبتدعة من الزهد والعبادة على غير علم ولا نور من الكتاب والسنة وقعوا فيما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله، مع مخالفة شريعته وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك. فالاقتصار على جانب المحبة لا يُسَمَّى عبادة، بل قد يَؤول بصاحبه إلى الضلال بالخروج عن الدين، والصوفية وأشباههم- في الغالب- لا يرجعون في دينهم وعبادتهم إلى الكتاب والسنة، وإنما يَرجعون إلى أذواقهم وما يدلهم عليهم شيوخهم من الطرق المبتدعة والأوراد البدعية، بل وأحيانًا الشركية، ويكثرون من الاستدلال بالحكايات والمنامات والأحاديث الموضوعة لإثبات صحة ما هم عليه.

стр. 323

ويتمسك الصوفية فيما يتقربون به إلى ربهم بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المُتشابه والحكايات التي لا يُعرف صدق قائلها، ولو صدق لم يكن معصومًا؛ فأحدثت شيوخهم لهم دينًا، كما أحدثت الأحبار والرهبان لمتبوعيهم دينًا (١). وبهذه الحُجَّة والمنطق والبيان طَارَدَ شيخُ الإسلام مظاهرَ السُّخْفِ والانحراف التي لحِقَتْ بعقول بعض المسلمين وعقائدهم وأعمالهم، خاصة في أمر العبودية. * * *

стр. 324

قال المصنف ﵀: «فاتباع هَذِه الشَّرِيعَة والقِيَام بِالجِهَادِ بهَا مِنْ أعظم الفروق بَين أهل محبَّة الله وأوليائه الَّذين يُحِبهُمْ ويُحِبُّونَهُ وبَين مَنْ يَدَّعِي محبَّة الله نَاظرًا إِلَى عُمُوم ربوبيته، أَوْ مُتبعًا لبَعض البدع المُخَالفَة لشريعته، فَإِنَّ دَعْوى هَذِه المحبَّة لله من جنس دَعْوى اليَهُود والنَّصَارَى المحبَّة لله، بل قد تكون دَعْوى هَؤُلَاءِ شرًّا من دَعْوى اليَهُود والنَّصَارَى؛ لما فيهم من النِّفَاق الَّذين هم بِهِ فِي الدَّرك الأَسْفَل من النَّار، كَمَا قد تكون دَعْوى اليَهُود والنَّصَارَى شرًّا من دَعواهُم إِذا لم يصلوا إِلَى مثل كفرهم. وفِي التَّوْرَاة والإِنْجِيل من التَّرْغِيب فِي محبَّة الله مَا هم متفقون عَلَيْهِ، حَتَّى إِنْ ذَلِك عِنْدهم أعظم وصَايَا الناموس. فَفِي الإِنْجِيل: أعظم وصَايَا المَسِيح: (أَنْ تُحب الله بِكُل قَلبك وعقلك ونفسك)، والنَّصَارَى يدَّعونَ قيامهم بِهَذِهِ المحبَّة، وأَن مَا هم فِيهِ من الزُّهْد والعِبَادَة هُو من ذَلِك، وهم بُرَآء من محبَّة الله، إِذْ لم يتبعوا مَا أحبه، بل اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه؛ فأحبط أَعْمَالهم. والله يبغض الكَافرين ويَمقتهم ويلعنهم، وهُو سُبْحَانَهُ يحب مَنْ يُحِبهُ، لَا يُمكن أَنْ يكون العَبْد محبًّا لله، والله تَعَالَى غير محب لَهُ، بل بِقدر محبَّة العَبْد لرَبه يكون حب الله لَهُ، وإِن كَانَ جَزَاء الله لعَبْدِهِ أعظم. كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الإلهي عَنْ الله تَعَالَى أَنه قَالَ: «مَنْ تَقَرَّب إِلَيَّ شبْرًا تقرَّبت إِلَيْهِ

стр. 325

ذِرَاعًا، ومَن تقرب إِلَيَّ ذِرَاعًا تقرَّبت إِلَيْهِ باعًا، ومَن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة» (١). وقد أخبر الله سُبْحَانَهُ: أَنه يحب المُتَّقِينَ والمُحسنين والصَّابِرِينَ، ويُحب التوابين ويُحب المتطهرين، بل هُو يحب مَنْ فعل مَا أَمر بِهِ من واجِب ومستحب، كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح: «لَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيَّ بالنوافل حَتَّى أُحِبَّه، فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يَسمع بِهِ، وبَصره الَّذِي يُبصر بِهِ … »، الحَدِيث (٢)، وكثير من المخطئين الَّذين ابتدعوا أَشْيَاء فِي الزّهْد والعِبَادَة وقَعُوا فِي بعض مَا وقع فِيهِ النَّصَارَى من دَعْوى المحبَّة لله مَعَ مُخَالفَة شَرِيعَته، وترك المجاهدة فِي سَبيله، ونَحْو ذَلِك، ويتمسكون فِي الدَّين الَّذِي يَتَقَرَّبُون بِهِ إِلَى الله بِنَحْوِ مَا تمسك بِهِ النَّصَارَى من الكَلَام المُتَشَابه، والحكايات الَّتِي لَا يُعرف صدق قَائِلهَا، ولَو صدق لم يكن قَائِلهَا مَعْصُومًا، فيَجعلون مَتبوعيهم شارعين لَهُمْ دينًا، كَمَا جعل النَّصَارَى قِسيسيهم ورُهْبَانهمْ شارعين لَهُمْ دينًا، ثمَّ إِنَّهُمْ يَنتقصون العُبُودِيَّة، ويَدَّعونَ أَنْ الخَاصَّة يتعدَّونها، كَمَا يَدَّعِي النَّصَارَى فِي المَسِيح والقساوسة، ويُثبتون لخاصتهم من المُشَاركَة فِي الله من جنس مَا تُثبته النَّصَارَى فِي المَسِيح وأمه والقِسيسين والرهبان إِلَى أَنْواع أُخر يَطول شرحها فِي هَذَا الموضع. وإِنَّمَا الدَّينُ الحقُّ هُو تَحْقِيق العُبُودِيَّة لله بِكُل وجه، وهُو تَحْقِيق محبَّة الله بِكُل دَرَجَة، وبقدر تَكْمِيل العُبُودِيَّة تكمل محبَّة العَبْد لرَبه، وتكمل محبَّة الرب لعَبْدِهِ. وبقدر نقص هَذَا يكون نقص هَذَا، وكلما كَانَ فِي القلب حب لغير الله- كَانَتْ فِيهِ عبودية لغير الله بِحَسب

стр. 326

ذَلِك. وكلما كَانَ فِيهِ عبودية لغير الله كَانَ فِيهِ حب لغير الله بِحَسب ذَلِك. وكل محبَّة لَا تكون لله فَهِيَ بَاطِلَة، وكل عمل لَا يُرَاد بِهِ وجه الله فَهُو بَاطِل، فالدُّنْيَا ملعونة، مَلعُون مَا فِيهَا إِلَّا مَا كَانَ لله (١)، ولَا يكون لله إِلَّا مَا أحبه الله ورَسُوله، وهُو المَشْرُوع. فَكل عمل أُرِيد بِهِ غير الله لم يكن لله، وكل عمل لَا يُوافق شرع الله لم يكن لله، بل لَا يكون لله إِلَّا مَا جمع الوصفين: أَنْ يكون لله، وأَن يكون مُوافقًا لمحبة الله ورَسُوله، وهُو الواجِب والمُسْتَحب، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملًا صَالحًا ولَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾ [الكَهْف: ١١٠]. فَلَا بُد من العَمَل الصَّالح، وهُو الواجِب والمُسْتَحب، ولَا بُد أَنْ يكون خَالِصًا لوجه الله تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بلَى من أسلم وجهه لله وهُو محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه ولَا خوف عَلَيْهِم ولَا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَة: ١١٢]، وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ عمل عملًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُو ردٌّ» (٢)، وقَالَ ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى؛ فَمَنْ كَانَتْ هجرته إِلَى الله ورَسُوله فَهجرَته إِلَى الله ورَسُوله، ومَن كَانَتْ هجرته لدُنْيَا يُصِيبهَا أَوْ امْرَأَة يَتَزَوجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ» (٣). وهَذَا الأَصْل هُو أصل الدَّين، وبحسب تَحْقِيقه يكون تَحْقِيق الدَّين، وبِه أرسل الله الرُّسُل، وأنزل الكتب، وإِلَيْهِ دَعَا الرَّسُول،

стр. 327

وعَلِيهِ جَاهد، وبِه أَمر، وفِيه رَغَّب، وهُو قطب الدِّين الَّذِي تَدور عَلَيْهِ رحاه. والشركُ غَالبٌ على النُّفُوس، وهُو كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث: «هُو فِي هَذِه الأمة أخْفى من دَبِيب النَّمْل» (١)، وفِي حَدِيث آخر: «قَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله، كَيفَ نَنجو مِنْهُ وهُو أخْفى من دَبِيب النَّمْل؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُعلمك كلمة إِذا قلتهَا نَجوت من دِقِّه وجلِّه! قل: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَنْ أُشرك بك وأَنا أعلم، وأستغفرك لما لَا أعلم» (٢)، وكَانَ عمر يَقُول فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَل عَمَلي كُله صَالحًا، واجعله لوجهك خَالِصًا، ولَا تجْعَل لأحدٍ فِيهِ شَيْئًا». ادعى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، مع أنهم في الحقيقة لم يمتثلوا هذه المحبة، ولم ينقادوا للمحبوب قولًا وعملًا، وكذلك الذين ادعوا أنهم يحبون الله وهم يحدثون البدع في دينه، والتي يتصورون أنها تقربهم إليه ، فهؤلاء بهم شَبَه من اليهود في دعواهم أنهم أحباب الله ، مع أنهم في الحقيقة هم مَنْ غضب الله عليهم ولعنهم، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. فدعوى المحبة لا تكفي، بل لا بد أن يكون معه اتباع لسنة النبي ﷺ ، وانقياد في القول والعمل لما أمر به المحبوب فعلًا، ولما نهى عنه المحبوب تركًا.

стр. 328

وقد يكون العبد أحياناً محبًّا لله تعالى محبة قلبية مجردة، لكنه في سلوكه وعمله بعيد عن حقيقتها؛ من حيث اتباع النبي ﷺ ، ولهذا ابتلى الله الذي يَدَّعون محبته بالامر باتباعه ﷺ ، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقد أنكرت بعض الفرق الضالة محبة الله تعالى؛ فقالوا: إنَّ الله لا يُحِب، وإنَّما محبته للعبد هي إرادة الثواب له فقط؛ لأنه لا تتعلق به المحبة. وحتى الصوفية الذين يزعمون محبة الله يفسِّرون المحبة بتفسير جَبْري؛ فيقولون: هي موافقة قَدَر الله والاستكانة له؛ ويقصدون الرضا بما كتب الله وقوعه في الدنيا، حتى وإن كان كفرًا أو معصية، ولذلك لا يعلملون على دفع قدر الله بقدر الله، ويظنون ذلك من تمام العبودية، أي: موافقة الحقيقة الكونية. وإنَّما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله، وعلى قدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا، وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يُراد به وجه الله فهو باطل. وكثير من المسلمين في هذه الأيام يظنون أن التعبد لله هو الإتيان بالشعائر التعبدية فقط، بينما الحقيقة أن التعبد لله هو الخضوع لأمر الله في كل مناحي الحياة؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. فهذا المفهوم الشامل للعبودية الذي جهله كثير من الناس لهذا

стр. 329

المفهوم جعلهم يبتدعون ويخترعون أنظمة في الحياة وقوانين تخالف شرع الله، ويدعون أن لا شأن للدِّين في السياسة ولا في الاقتصاد! ثم بين المصنف أن لقبول العبادة شرطين؛ هما: الإخلاص. واتباع النبي ﷺ فيها؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. ثم بَيَّن المصنف ﵀ خطر الرياء، وأنَّه أخفى في الأمة من دبيب النمل؛ لذلك يجب عليها الحذر منه والاستعانة بالله على دفعه. * * *

стр. 330

قال المصنف ﵀: «وكَثِيرًا مَا يُخالط النُّفُوس من الشَّهَواتِ الخفية مَا يُفْسد عَلَيْهَا تَحْقِيق محبتها لله وعبوديتها لَهُ، وإخلاص دينهَا لَهُ، كَمَا قَالَ شَدَّاد بن أَوْس: «يَا نعايا العَرَب، يَا نعايا العَرَب (١)! إِنَّ أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الرِّيَاء والشهوة الخفية» (٢). وقيل لأبي دَاوُد السجسْتانِي: «ومَا الشَّهْوة الخفية؟ قَالَ: حبُّ الرِّئَاسَة» (٣). وعَن كَعْب بن مَالك عَنْ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «مَا ذئبان جائعان أُرسلا فِي زَريبة غَنم بأفسد لَهَا من حرص المَرْء على المَال والشَّرَف لدينِهِ»، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: «حَدِيث حسن صَحِيح» (٤). فَبَيَّن ﷺ أَنَّ الحِرْص على المَال والشَّرف فِي إِفْسَاد الدَّين لَا ينقص عَنْ إِفْسَاد الذِّئْبَين الجائعين لزريبة الغنم، وذَلِكَ بيِّنٌ؛ فَإِنْ الدِّين السَّلِيم لَا يكون فِيهِ هَذَا الحِرْص، وذَلِكَ أَنْ القلب إِذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته لَهُ لم يكن شَيْء أحب إِلَيْهِ من ذَلِك حَتَّى يُقدمهُ عَلَيْهِ، وبِذَلِك يصرف- عَنْ أهل الإِخْلَاص لله- السوء والفحشاء، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِك لنصرف عَنهُ السوء والفحشاء

стр. 331

إِنَّه من عبادنَا المخلصين﴾ [يُوسُف: ٢٤]. فَإِنْ المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله مَا يمنعهُ عَنْ عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله مَا يمنعهُ عَنْ محبَّة غَيره؛ إِذْ لَيْسَ عِنْد القلب السَّلِيم أحلى ولَا ألذ ولَا أطيب ولَا أسر ولَا أنعم من حلاوة الإِيمَان المتضمن عبوديته لله ومحبته لَهُ، وإخلاص الدَّين لَهُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي انجذاب القلب إِلَى الله؛ فَيصير القلب منيبًا إِلَى الله خَائفًا مِنْهُ رَاغِبًا رَاهِبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿من خشِي الرَّحْمَن بِالغَيْبِ وجَاء بقلب منيب﴾ [ق: ٣٣]، إِذْ المُحب يخَاف من زَوال مَطْلُوبه، أَوْ حُصُول مرغوبه؛ فَلَا يكونُ عبدَ الله ومُحِبَّه، إِلَّا بَين خوف ورجاء، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الوسِيلَة أَيهمْ أقرب ويرجون رَحمته ويَخَافُونَ عَذَابه إِنْ عَذَاب رَبك كَانَ محذورًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧]. وإِذا كَانَ العَبْد مخلصًا لله اجتباه ربه، فأحيا قلبه واجتذبه إِلَيْهِ، فَيَنْصَرِف عَنهُ مَا يضاد ذَلِك من السوء والفحشاء، ويخَاف من حُصُول ضد ذَلِك، بِخِلَاف القلب الَّذِي لم يخلص لله، فَإِنْ فِيهِ طلبًا وإِرَادَة وحبًّا مُطلقًا، فيهوى كل مَا يسنح لَهُ، ويتشبث بِمَا يهواه كالغصن، أَي نسيم مرَّ بِهِ عطفَه وأمالَه، فَتَارَة تجتذبه الصُّور المُحرمَة وغير المُحرمَة؛ فَيبقى أَسِيرًا عبدًا لمن لَو اتَّخذهُ هُو عبدًا لَهُ لَكَانَ ذَلِك عَيْبًا ونقصًا وذمًّا. وتارَة يجتذبه الشّرف والرئاسة، فترضيه الكَلِمَة، وتغضبه الكَلِمَة ويَستعبده مَنْ يثني عَلَيْهِ ولَو بِالبَاطِلِ، ويعادي مَنْ يذمُّه ولَو بِالحَقِّ. وتارَة يَستعبده الدِّرْهَم والدِّينَار، وأمثال ذَلِك من الأُمُور الَّتِي تستعبد القُلُوب، والقلوب تهواها؛ فيتخذ إِلَهًا هَواهُ، ويتبع هَواهُ بِغَيْر هدى من الله.

стр. 332

ومن لم يكن خَالِصًا لله عبدًا لَهُ قد صَار قلبه معبدًا لرَبه وحده لَا شريك لَهُ؛ بِحَيْثُ يكون الله أحب إِلَيْهِ مِنْ كل مَا سواهُ، ويكون ذليلًا لَهُ خاضعًا، وإِلَّا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشَّيَاطِين؛ فَكَانَ من الغاوين، إخْوان الشَّيَاطِين، وصَارَ فِيهِ من السُّوء والفحشاء مَا لَا يعلمهُ إِلَّا الله. وهَذَا أَمر ضَرُورِيٌّ لَا حِيلَة فِيهِ. فالقلب إِنْ لم يكن حَنِيفًا مُقبلًا على الله مُعرضًا عَمَّا سواهُ، وإِلَّا كَانَ مُشْركًا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿فأقم وجهك للدّين حَنِيفا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدَّين القيم ولَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ * منيبين إِلَيْهِ واتقوه وأقِيمُوا الصَّلَاة ولَا تَكُونُوا من المُشْركين * من الَّذين فرقوا دينهم وكَانُوا شيعًا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ [الرُّوم: ٣٠ - ٣٢]. وقد جعل الله- سُبْحَانَهُ- إِبْرَاهِيم وآل إِبْرَاهِيم أَئِمَّة لهَؤُلَاء الحُنفاء المخلصين أهل محبَّة الله وعبادته وإخلاص الدَّين لَهُ، كَمَا جعل فِرْعَوْن وآل فِرْعَوْن أَئِمَّة المُشْركين المتبعين أهواءهم؛ قَالَ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيم: ﴿ووهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق ويَعْقُوب نَافِلَة وكلًّا جعلنَا صالحين * وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا وأوحينا إِلَيْهِم فعل الخيرَات وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وكَانُوا لنا عابدين﴾ [الأَنْبِيَاء: ٧٢، ٧٣]، وقَالَ فِي فِرْعَوْن وقَومه: ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار ويَوْم القِيَامَة لَا ينْصرُونَ * وأتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة ويَوْم القِيَامَة هم من المقبوحين﴾ [القَصَص: ٤١، ٤٢]، ولِهَذَا يَصير أَتبَاع فِرْعَوْن أَولًا إِلَى أَلَّا يُميزوا بَين مَا يُحِبهُ الله ويرضاه وبَين مَا قَدَّر الله وقضاه، بل ينظرُونَ إِلَى المَشِيئَة المُطلقَة الشاملة، ثمَّ فِي آخر الأَمر لَا يُمَيِّزون بَين الخَالِق

стр. 333

والمخلوق، بل يجْعَلُونَ وجود هَذَا وجود هَذَا. ويَقُول محققوهم: الشَّرِيعَة فِيهَا طَاعَة ومعصية، والحقيقة فِيهَا مَعْصِية بِلَا طَاعَة، والتَّحْقِيق لَيْسَ فِيهِ طَاعَة ولَا مَعْصِية. وهَذَا تَحْقِيق مَذْهَب فِرْعَوْن وقَومه الَّذين أَنْكَرُوا الخَالِق، وأنكروا تكليمه لعَبْدِهِ مُوسَى ومَا أرْسلهُ بِهِ من الأَمر والنَّهْي. وأمَّا إِبْرَاهِيم وآل إِبْرَاهِيم الحنفاء من الأَنْبِيَاء والمُؤمنِينَ بهم، فهم يعلمُونَ أَنه لَا بُد من الفرق بَين الخَالِق والمخلوق، ولَا بُد من الفرق بَين الطَّاعَة والمَعْصِيَة، وأَن العَبْد كلما ازْدَادَ تَحْقِيقًا لهَذَا الفرق- ازدادت محبته لله وعبوديته لَهُ وطاعته لَهُ وإعراضه عَنْ عبَادَة غَيره ومحبة غَيره وطَاعَة غَيره». كثيرًا ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية؛ كحب الظهور والمراءاة بالعمل- ما يُفسد عليها تحقيق محبتها لله، وعبوديتها له، وإخلاص دينها له. وكذلك الحرص على المال والحرص على الشرف يفسدان دين المرء، كالذِّئبين الجائعين المُرْسَليْن في زريبة غنم، ولذلك ينبغي للمؤمن أن يحرص على السلامة من هاتين الآفتين كحرص صاحب الغنم على حفظهم من الذئاب، والذِّئب لا يَسلم منه الراعي ولا يأمن منه على غنمه إلا بغاية الاحتراز والتحفظ والمراقبة، والبعد عنه، وجعل الحواجز بين غَنَمِه وبينه. فمدار الأمر على القلب: إذا أقامه الإنسان على الجادة صلح، وإذا أهمل إصلاحه وغفل عنه فسد أمره في الدنيا والآخرة، وهذا يُوجب تمام العناية بالقلب تطهيرًا وتزكيةً وإصلاحًا وتهذيبًا، فإنه

стр. 334

من أصلح قلبه صلحت حاله في الدنيا والآخرة، كما قال ﷺ : «أَلَا وإنَّ في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١). فالمخلص لله يذاق من حلاوة عبوديته له ما يمنعه عن عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره؛ إذ ليس عند القلب السليم أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيبًا إلى الله، خائفًا منه، راغبًا راهبًا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣]. ومَن لم يكن محبًّا لله مخلصًا عبادته لله صار ذليلًا خاضعًا لغيره، واستولت على قلبه الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لم يعلمه إلا الله؛ قال المصنف ﵀: «فالقلب إن لم يكن حنيفًا مقبلًا على الله معرضًا عما سواه كان مشركًا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢]. لذلك لما حقق إبراهيمُ وآلُه العبودية لله جعلهم سبحانه أئمة للحنفاء المخلصين، قَالَ تَعَالَى فِي حقِّ إِبْرَاهِيم: ﴿ووهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق ويَعْقُوب نَافِلَة وكلًّا جعلنَا صالحين * وجعلناهم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا وأوحينا إِلَيْهِم فعل الخيرَات وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وكَانُوا لنا

стр. 335

عابدين﴾ [الأَنْبِيَاء: ٧٢، ٧٣]، ولما استكبر فرعون وقومه عن عبادته جل وعلا جعلهم أئمة للمشركين المتبعين أهواءهم؛ قَالَ تعالى عن فِرْعَوْن وقَومه: ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار ويَوْم القِيَامَة لَا ينْصرُونَ * وأتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة ويَوْم القِيَامَة هم من المقبوحين﴾ [القَصَص: ٤١، ٤٢]. وكما سبق فالله له إرادتان: الإرادة الشرعية. والإرادة القدرية، ووقع كثير من الناس في الطوام من عدم التفريق بين الإرادتين، وهذا هو معنى قول المصنف: «ولِهَذَا يَصير أَتبَاع فِرْعَوْن- من الضالين الجبرية، سواء جبرية الصوفية، أو جبرية الجهمية- أَولًا إِلَى أَلَّا يُميزوا بَين مَا يُحِبهُ الله ويرضاه وبَين مَا قَدَّر الله وقضاه». وهؤلاء يقسمون الناس إلى قسمين: أهل الشريعة، وأهل الحقيقة، فيقولون: أهل الشريعة هم القائمون بها. وأما أهل الحقيقة: فهم الذين يرون أن كل ما وقع في الكون من كفر وإيمان وطاعة وعصيان هو مراد لله ، وبالتالي فهو محبوب له . ولم يُفَرِّقوا ما أراده الله قدرًا وما أمر به شرعًا؛ فلا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولا بد من الفرق الكفر والإيمان، وبين الطاعة والعصيان، وأن العبد كلما ازداد تحقيقًا لهذا الفرق ازدادت عبوديته لله وإنابته إليه، وبالتالي تزداد محبته له، وينفر من عبادة غيره، ويُعرض عن محبة سواه. * * *

стр. 336

قال المصنف ﵀: «وهَؤُلَاء المُشْركُونَ الضالون يسوُّون بَين الله وبَين خلقه، والخليل يَقُول: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ * أَنْتُم وآباؤكم الأقدمون * فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب العَالمين﴾ [الشُّعَرَاء: ٧٥ - ٧٧]، ويتمسكون بالمتشابه من كَلَام المَشَايِخ، كَمَا فعلت النَّصَارَى. مِثَال ذَلِك: اسْم (الفناء)؛ فَإِنْ الفناء ثَلَاثَة أَنْواع: نوع للكاملين من الأَنْبِيَاء والأولياء. ونَوع للقاصدين من الأَوْلِيَاء والصَّالِحِينَ. ونَوع لِلمُنَافِقين المُلحِدِينَ المشبهين. فَأَما الأول: فَهُو الفناء عَنْ إِرَادَة مَا سوى الله؛ بِحَيْثُ لَا يُحب إِلَّا الله، ولَا يعبد إِلَّا إِيَّاه، ولَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ، ولَا يطْلب من غَيره. وهُو المَعْنى الَّذِي يجب أَنْ يقْصد بقول الشَّيْخ أبي يزِيد؛ حَيْثُ قَالَ: (أُرِيد ألَّا أُرِيد إِلَّا مَا يُرِيد)، أَي: المُرَاد المحبوب المرضي، وهُو المُرَاد بالإرادة الدِّينِيَّة. وكَمَال العَبْد: أَلا يُرِيد ولَا يُحب ولَا يرضى إِلَّا مَا أَرَادَهُ الله ورَضِيَه وأحبه، وهُو مَا أَمر بِهِ أَمر إِيجَاب أَوْ اسْتِحْبَاب، ولَا يُحب إِلَّا مَا يُحِبهُ الله؛ كالملائكة والأنبياء والصَّالِحِينَ، وهَذَا معنى قَوْلهم فِي قَوْله: ﴿إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم﴾ [الشُّعَرَاء: ٨٩]، قَالُوا: هُو السَّلِيم مِمَّا سوى الله، أَوْ مِمَّا سوى عبَادَة الله، أَوْ مِمَّا سوى إِرَادَة الله، أَوْ مِمَّا سوى محبَّة الله، فَالمَعْنى واحِد، وهَذَا المَعْنى إِنْ سُمِّي فنَاء أَوْ لم يسم، هُو أول الإِسْلَام

стр. 337

وآخره، وباطن الدَّين وظَاهره. وأمَّا النَّوْع الثَّانِي: فَهُو الفناء عَنْ شُهُود السِّوى، وهَذَا يحصل لكثير من السَّالكين؛ فَإِنَّهُم لفرط انجذاب قُلُوبهم إِلَى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف قُلُوبهم عَنْ أَنْ تَشهد غير مَا تعبد، وترى غير مَا تقصد- لَا يخْطر بقلوبهم غير الله، بل ولَا يَشْعُرُونَ إِلَّا بِهِ، كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا إِنْ كَادَت لتبدي بِهِ لَوْلَا أَنْ ربطنا على قَلبهَا﴾ [القَصَص: ١٠]، قَالُوا: فَارغًا من كل شَيْء إِلَّا من ذكر مُوسَى. وهَذَا كثيرًا مَا يعرض لمن دهمه أَمر من الأُمُور؛ إِمَّا حب، وإِمَّا خوف، وإِمَّا رَجَاء؛ يبْقى قلبه منصرفًا عَنْ كل شَيْء، إِلَّا عَمَّا قد أحبَّه أَوْ خافه أَوْ طلبه؛ بِحَيْثُ يكون عِنْد استغراقه فِي ذَلِك لَا يشْعر بِغَيْرِهِ. فَإِذا قوي على صَاحب الفناء هَذَا، فَإِنَّهُ يَغيب بموجوده عَنْ وجوده، وبمشهوده عَنْ شُهُوده، وبمذكوره عَنْ ذِكره، وبمعروفه عَنْ مَعْرفَته، حَتَّى يَفنى مَنْ لم يكن، وهِي المَخْلُوقَات؛ العَبْد فَمن سواهُ، ويبقى مَنْ لم يزل، وهُو الرب تَعالَى. والمرَاد: فناؤها فِي شُهُود العَبْد وذِكره، وفناؤه عَنْ أَنْ يُدْرِكهَا أَوْ يشهدها، وإِذا قوي هَذَا ضعف المُحب حَتَّى يضطرب فِي تَمْيِيزه، فقد يظنُّ أَنه هُو محبوبه، كَمَا يُذكر «أَنْ رجلًا ألقى نَفسه فِي اليم، فَألقى مُحِبُّه نَفسه خَلفه، فَقَالَ: أَنا وقعتُ، فَمَا أوقعك خَلفي؟ قَالَ: غِبْتُ بك عني؛ فَظَنَنْت أَنَّك أَنِّي». وهَذَا الموضع زَلَّت فِيهِ أَقوامٌ، وظنوا أَنَّه اتِّحَاد، وأَنَّ المُحب يتحد بالمحبوب، حَتَّى لَا يكون بَينهمَا فرقٌ فِي نفس وجودهما. وهَذَا غلط؛ فَإِنْ الخَالِق لَا يتحد بِهِ شَيْء أصلًا، بل لَا يُمكن يَتَّحد شَيْء بِشَيءٍ، إِلَّا إِذا استحَالَا وفسدت حَقِيقَة كلٍّ مِنْهُمَا، وحصل

стр. 338

مِنْ اتحادهما أَمر ثَالِث لَا هُو هَذَا ولَا هَذَا، كَمَا إِذا اتَّحد المَاء واللَّبن، والمَاء والخمر، ونَحْو ذَلِك، ولَكِن يتحد المُرَاد والمحبوب، والمرَاد والمَكْرُوه، ويتفقان فِي نوع الإِرَادَة والكَرَاهَة؛ فيحب هَذَا مَا يحب هَذَا ويُبغض هَذَا مَا يُبغض هَذَا، ويَرضى مَا يرضى، ويسخط مَا يسْخط، ويَكرهُ مَا يكره، ويُوالي مَنْ يوالي، ويُعادي من يعادي. وهَذَا الفناء كُله فِيهِ نقص. وأكابر الأَوْلِيَاء- كَأبي بكر وعُمَر والسَّابقين الأَولين من المُهَاجِرين والأَنْصَار- لم يقعوا فِي هَذَا الفناء؛ فضلًا عَمَّن هُو فَوْقهم من الأَنْبِيَاء، وإِنَّمَا وقع شَيْء من هَذَا بعد الصَّحَابَة. وكَذَلِكَ كل مَا كَانَ من هَذَا النمط مِمَّا فِيهِ غيبَة العقل وعدم التَّمْيِيز لما يَرِدُ على القلب مِنْ أَحْوال الإِيمَان. فَإِنَّ الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا أكمل وأقوى وأثبت فِي الأَحْوال الإيمانية من أَنْ تغيب عُقُولهمْ، أَوْ يحصل لَهُمْ غَشي أَوْ صَعْق أَوْ سُكر أَوْ فنَاء أَوْ وَلَه أَوْ جُنُون. وإِنَّمَا كَانَ مبادئ هَذِه الأُمُور فِي التَّابِعين من عُبَّاد البَصْرَة؛ فَإِنَّهُ كَانَ فيهم مَنْ يُغشى عَلَيْهِ إِذا سَمِع القُرْآن، ومِنْهُم مَنْ يَمُوت؛ كَأبي جهير الضَّرِير، وزُرارة بن أوفى قَاضِي البَصْرَة. وكَذَلِكَ صَار فِي شُيُوخ الصُّوفِيَّة مَنْ يَعرض لَهُ من الفناء والسُّكر مَا يضعف مَعَه تَمْيِيزه، حَتَّى يَقُول فِي تِلكَ الحَال من الأَقْوال مَا إِذا صَحا عرف أَنه غالطٌ فِيهِ، كَمَا يحْكى نَحْو ذَلِك عَنْ مثل أبي يزِيد وأبي الحُسَيْن النوري وأبي بكر الشبلي وأمثالهم، بِخِلَاف أبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي، ومعروف الكَرْخِي، والفضيل بن عِيَاض، بل وبِخِلَاف الجُنَيْد وأَمْثَاله، مِمَّنْ كَانَتْ عُقُولهمْ وتمييزهم يَصحبهم

стр. 339

فِي أَحْوالهم، فَلَا يَقعون فِي مثل هَذَا الفناء والسُّكر ونَحْوه، بل الكُمَّل تكون قُلُوبهم لَيْسَ فِيهَا سوى محبَّة الله وإرادته وعبادته، وعِنْدهم من سَعَة العلم والتمييز مَا يشْهدُونَ [بِهِ] الأُمُور على مَا هِيَ عَلَيْهِ، بل يَشْهدُونَ المَخْلُوقَات قَائِمَة بِأَمْر الله مُدبَّرَة بمشيئته، بل مُستجيبة لَهُ قانتة لَهُ؛ فَيكون لَهُمْ فِيهَا تَبصرة وذكرى، ويكون مَا يَشهدونه مِنْ ذَلِك مؤيدًا ومُمِدًّا لما فِي قُلُوبهم من إخلاص الدِّين، وتَجْرِيد التَّوْحِيد لَهُ والعِبَادَة لَهُ وحده لَا شريك لَهُ. وهَذِه هِيَ الحَقِيقَة الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا القُرْآن، وقَامَ بهَا أهلُ تَحْقِيق الإِيمَان والكُمَّل من أهل العرْفَان، ونَبِينَا ﷺ إِمَام هَؤُلَاءِ وأكملهم، ولِهَذَا لما عُرج بِهِ إِلَى السَّمَاوات وعاين مَا هُنَالكَ من الآيَات، وأُوحي إِلَيْهِ مَا أُوحِي من أَنْواع المُنَاجَاة- أصبح فيهم وهُو لم يَتَغَيَّر حَاله، ولَا ظهر عَلَيْهِ ذَلِك، بِخِلَاف مَا كَانَ يظْهر على مُوسَى من التَّغَشِّي صلَّى الله عَلَيْهِم وسَلَّم أَجْمَعِينَ. وأمَّا النَّوْع الثَّالِث: مِمَّا قد يُسَمَّى فنَاء، فَهُو أَنْ يَشْهد أَنْ لَا مَوْجُود إِلَّا الله، وأَن وجود الخَالِق هُو وجود المَخْلُوق، فَلَا فرق بَين الربِّ والعَبْد، فَهَذَا فنَاء أهل الضلال والإلحاد الواقعين فِي الحُلُول والاتحاد، وهَذَا يبرأ مِنْهُ المَشَايِخ، إِذْ قَالَ أحدهم: مَا أرى غيرَ الله، أَوْ لَا أنظر إِلَى غير الله، ونَحْو ذَلِك؛ فمرادهم بذلك مَا أرى رَبًّا غَيره، ولَا خَالِقًا ولَا مُدبرًا غَيره، ولَا إِلَهًا لي غَيره، ولَا أنظر إِلَى غَيره محبَّة لَهُ، أَوْ خوفًا مِنْهُ، أَوْ رَجَاء لَهُ؛ فَإِنْ العين تَنظر إِلَى مَا يتَعَلَّق بِهِ القلب؛ فَمن أحبَّ شَيْئًا أَوْ رجاه أَوْ خافه التفت إِلَيْهِ، وإِذا لم يكن فِي القلب مَحبَّة لَهُ ولَا رَجَاء لَهُ ولَا خوف مِنْهُ ولَا بغض لَهُ ولَا غير ذَلِك مِنْ تعلق القلب لَهُ- لم يقْصد القلب أَنْ يلتَفت إِلَيْهِ،

стр. 340

ولَا أَنْ ينظر إِلَيْهِ، ولَا أَنْ يرَاهُ، وإِن رَآهُ اتِّفَاقًا رُؤْيَة مُجَرَّدَة- كَانَ كمن لَو رأى حَائِطًا ونَحْوه مِمَّا لَيْسَ فِي قلبه تعلُّق بِهِ. والمشايخ الصَّالحون ﵃ يذكرُونَ شَيْئا من تَجْرِيد التَّوْحِيد وتَحْقِيق إخلاص الدَّين كُله؛ بِحَيْثُ لَا يكون العَبْدُ مُلتفتًا إِلَى غير الله، ولَا نَاظرًا إِلَى مَا سواهُ؛ لَا حبًّا لَهُ، ولَا خوفًا مِنْهُ، ولَا رَجَاء لَهُ، بل يكون القلب فَارغًا من المَخْلُوقَات، خَالِيا مِنْهَا لَا ينظر إِلَيْهَا إِلَّا بِنور الله، فَبِالحقِّ يَسمع، وبالحق يبصرُ، وبالحق يبطش، وبالحق يَمشي؛ فيحب مِنْهَا مَا يُحِبهُ الله، ويُبغض مِنْهَا مَا يبغضه الله، ويوالي مِنْهَا مَا والَاهُ الله، ويُعادي مِنْهَا مَا عَادَاهُ الله، ويخَاف الله فِيهَا، ولَا يخافها فِي الله، ويرجو الله فِيهَا، ولَا يرجوها فِي الله، فَهَذَا هُو القلب السَّلِيم الحنيف المُوَحِّد المُسلم المُؤمن المُحَقق العَارِف بِمَعْرِفَة الأَنْبِيَاء والمُرْسلِينَ وبحقيقهم وتوحيدهم. فَهَذَا النَّوْع الثَّالِث- الَّذِي هُو الفناء فِي الوُجُود- هُو تَحْقِيق آل فِرْعَوْن ومَعرفتهم وتوحيدهم؛ كالقَرَامطة (١) وأمثالهم. وأما النَّوْع الَّذِي عَلَيْهِ أَتْبَاع الأَنْبِيَاء فَهُو الفناء المَحْمُود؛ الَّذِي يكون صَاحبه بِهِ مِمَّنْ أثنى الله عَلَيْهِم من أوليائه المُتَّقِينَ، وحِزبه المُفلحين وجنده الغالبين. ولَيْسَ مُرَاد المَشَايِخ والصَّالِحِينَ بِهَذَا القَوْل: أَنْ الَّذِي أرَاهُ بعيني من المَخْلُوقَات هُو رب الأَرْض والسَّمَاوات، فَإِنْ هَذَا لَا يَقُوله

стр. 341

إِلَّا مَنْ هُو فِي غَايَة الضلال والفساد؛ إِمَّا فَسَاد العقل، وإِمَّا فَسَاد الِاعْتِقَاد؛ فَهُو مُتَرَدِّدٌ بَين الجُنُون والإلحاد». هؤلاء المُشركون الضَّالُّون يُسَوُّون بين الله وبين خَلْقِه، والخليل إبراهيم ﵇ يقول: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]. فمن ضلال هؤلاء: أنَّهم يأخذون بعض كلام مَنْ يُسمونهم بالعارفين، ويستخرجون منه أمورًا تخالف كلام المرسلين، بل تخالف فِطر الناس أجمعين؛ ولهذا فعلوا كما فعلت النصارى عندما استخرجوا من كلام الحواريين ما يظنون أنَّه يدعم مذهبهم في أن الأب والابن وروح القدس إله واحد، وهو مذهب التثليث. فيوجد في الصوفية مَنْ يكون عنده شيء من الشرك الأصغر، ويوجد منهم من يكون عنده من الشرك الأكبر مع إقراره بالنبوة وبالإلهية لله في الجملة، ويوجد منهم من هو أشد من ذلك، وأمَّا أعلاهم زندقة فهم القائلون بالحلول وأصحاب وحدة الوجود. ولقد كثرت المصطلحات عند المتأخرين كثرة كبيرة، وأغلبها أراد بها أصحابها التلبس بالحق للوصول إلى الباطل؛ تحقيقًا لأهوائهم المريضة، وعقولهم السقيمة، وأكثر من جاء بهذه المصطلحات هم أهل البدع المحدثة، الذين أرادوا التلبيس على أهل المنهج الحق، ومن هذه المصطلحات مصطلح (الفناء)، وقد بَيَّن شيخُ الإسلام هنا هذا المصطلح، وحقيقته وأقسامه، وما يجوز منه وما لا يجوز. والفناء: اصطلاح صوفي، وهو متعلق بالتعبد ونتيجته عند

стр. 342

الصوفية، ونتيجة التعبد عندما يَشتغل به الإنسان- حسب فهمهم وطريقتهم- أن يصل إلى مرحلة الفناء. والمقصود بالفناء: الغَيْبَة، أي: أن يَغيب عقل الإنسان الخارجي وحِسُّه الظاهري الذي يستشعر به من حوله، فلا تكون عنده قدرة على استشعار ما حوله من الأشخاص والأماكن والأحوال التي حوله. فما أتى به الصوفية من كون الإنسان يمكن له أن يترك الشريعة لوجود الحقيقة، أو يترك الأحكام، أو تلغى ظواهر النصوص الشرعية من أجل الحقيقة- فاسد وباطل، وهذا يُشبه قول الباطنية: بأن النصوص لها ظاهر وباطن، ثم يفسرون الباطن بالطريقة التي يَرونها. وليس الفناء كله مذموم، وإن كان الاصطلاح أصلًا اصطلاحًا صوفيًّا، ولكن كون الإنسان يغيب عمن حوله هذا في حد ذاته ليس مذمومًا؛ لأنه قد يَستغرق الإنسان في التعبد إلى درجة أنَّه لا يشعر بمن حوله، وهذا الاستغراق في التعبد وفق ما أمر الله به وعلى طريقة النبي ﷺ في العبادة ليس فيه إشكال، كما يروى عن بعض الصالحين: أنه كان يصلي في المسجد وسقط الجدار فيه، وفَزع أهل السوق لصوت سقوط الجدار، وهو قائم يصلي في المسجد لم يَنتبه لذلك من خشوعه في صلاته. ولكن الطامة أن يُعَرَّف الفناء بأنه: اختفاء عن الأمور الظاهرية؛ لاندماجه بها، وأن هذه هي حقيقة الألوهية، كما يقول دعاة وحدة الوجود. * * *

стр. 343

قال المصنف ﵀: «وكل المَشَايِخ الَّذين يُقْتَدى بهم فِي الدَّين مُتَّفقون على مَا اتَّفق عَلَيْهِ سلفُ الأمة وأئمتها: مِنْ أَنْ الخَالِق سُبْحَانَهُ مُباين للمخلوقات، ولَيْسَ فِي مخلوقاته شَيْء مِنْ ذَاته، ولَا فِي ذَاته شَيْء من مخلوقاته، وأَنَّه يجب إِفْرَاد القَدِيم عَنْ الحَادِث، وتمييز الخَالِق عَنْ المَخْلُوق، وهَذَا فِي كَلَامهم أَكثر مِنْ أَنْ يُمكن ذِكره هُنَا. وهم قد تكلمُوا على مَا يَعرض للقلوب من الأَمْرَاض والشُّبهات، فَإِنَّ بعض النَّاس قد يَشْهد وجود المَخْلُوقَات؛ فيَظنه خَالق الأَرْض والسَّمَاوات- لعدم التَّمْيِيز والفُرْقَان فِي قلبه- بِمَنْزِلَة مَنْ رأى شُعَاع الشَّمْس فَظن أَنْ ذَلِك هُو الشَّمْس الَّتِي فِي السَّمَاء. وهم قد يَتَكَلَّمُونَ فِي الفرق والجمع، ويدخل فِي ذَلِك من العبارَات المُخْتَلفَة نَظِير مَا دخل فِي الفناء. فَإِنْ العَبْد إِذا شهد التَّفْرِقَة والكَثْرَة فِي المَخْلُوقَات- يبْقى قلبُه مُتَعَلقًا بهَا مشتتًا نَاظرًا إِلَيْهَا، وتعلقه بهَا؛ إِمَّا محبَّة، وإِمَّا خوفًا، وإِمَّا رَجَاء، فَإِذا انْتقل إِلَى الجمع اجْتَمع قلبه على تَوْحِيد الله وعبادته وحده لَا شريكَ لَهُ، فَالتَفت قلبه إِلَى الله بعد التفاته إِلَى المخلوقين؛ فَصَارَت محبته إِلَى ربِّه، وخوفه من ربِّه، ورجاؤه لرَبِّه، واستعانته بربه، وهُو فِي هَذَا الحَال قد لَا يَسع قلبه النَّظر إِلَى المَخْلُوق؛ ليفرق بَين الخَالِق والمخلوق، فقد يكون مجتمعًا على الحقِّ مُعرضًا

стр. 344

عَنْ الخلق نظرًا وقَصدًا، وهُو نَظِير النَّوْع الثَّانِي من الفناء. ولَكِن بعد ذَلِك الفرق الثَّانِي، وهُو أَنْ يشْهد أَنْ المَخْلُوقَات قَائِمَة بِاللهِ، مدبرة بأَمْره، ويشْهد كثرتها مَعْدُومَة بوحدانية الله ، وأَنه سُبْحَانَهُ رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها؛ فَيكون- مَعَ اجْتِمَاع قلبه على الله إخلاصًا ومحبة وخوفًا ورجاء واستعانة وتوكلًا على الله وموالاة فِيهِ ومعاداة فِيهِ وأمثال ذَلِك- نَاظرًا إِلَى الفرق بَين الخَالِق والمخلوق مُمَيِّزًا بَين هَذَا وهَذَا، يشْهد تفَرُّق المَخْلُوقَات وكَثْرَتهَا، مَعَ شَهَادَته أَنَّ الله رب كل شَيْء ومليكه وخالقه، وأَنه هُو الله لَا إِلَه إِلَّا هُو. وهَذَا هُو الشُّهُود الصَّحِيح المُسْتَقيم، وذَلِكَ واجِب فِي عِلم القلب وشهادته وذِكره ومعرفته، وفِي حَال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته. وذَلِكَ تَحْقِيق شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله؛ فَإِنَّهَا تَنْفِي عَنْ قلبه ألوهية مَا سوى الحق، وتُثبت فِي قلبه ألوهية الحق. فَيكون نافيًا لألوهية كلِّ شَيْء من المَخْلُوقَات مثبتًا لألوهية ربِّ العَالمين ورب الأَرْض والسَّمَاوات، وذَلِكَ يتَضَمَّن اجْتِمَاع القلب على الله، وعَلى مُفَارقَة مَا سواهُ؛ فَيكون مفرقًا فِي علمه وقصده، فِي شَهَادَته وإرادته، فِي مَعْرفَته ومحبته: بَين الخَالِق والمخلوق؛ بِحَيْثُ يكون عَالمًا باللهِ تَعَالَى، ذَاكِرًا لَهُ، عَارِفًا بِهِ. وهُو مَعَ ذَلِك عَالم بمباينته لخلقه وانفراده عَنْهُم وتوحده دونهم، ويكون محبًّا لله مُعظمًا لَهُ عابدًا لَهُ راجيًا لَهُ خَائفًا مِنْهُ محبًّا فِيهِ مواليًا فِيهِ معاديًا فِيهِ مستعينًا بِهِ متوكلًا عَلَيْهِ، مُمْتَنعًا عَنْ عبَادَة غَيره والتوكل عَلَيْهِ والاستعانة بِهِ

стр. 345

والخَوْف مِنْهُ والرجاء لَهُ والموالاة فِيهِ والمعاداة فِيهِ والطَّاعَة لأَمره، وأمثال ذَلِك مِمَّا هُو من خَصَائِص إلهيَّة الله ». أجمع أهل السنة والجماعة واتفق سلف الأمة وأئمتها، ولا خلاف بين الأمم: أن الله- جل وعلا- بائن من خلقه ، ليس فيه شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء منه، إلا مَنْ انحرف عن سبيل الأنبياء والمرسلين من النصارى ومَن شابههم من أهل الحلول والاتحاد الذين جعلوا الله -جل وعلا- يحلُّ في المخلوقات، أو تحل فيه بعض المخلوقات. وهؤلاء المشايخ قد تكلموا على ما يَعرض للقلوب من الأمراض والشبهات، فإن بعض الناس قد يشهد وجود المخلوقات، فيظنه خالق الأرض والسماوات؛ لعدم التمييز والفرقان في قلبه، بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس التي في السماء، فيشتبه على هؤلاء هذا الكلام، وهم في أصل قولهم أهل فساد، وإلا لما اشتبه عليهم هذا الاشتباه الذي لا يقوله أحد، ولا يُقره عقل، ولا يعتقده قلب سليم، ولا يؤمن به من شَمَّ رائحة العلم الصحيح القائم على الكتاب والسنة، لكن ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. وقول المصنف: «فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين»، المراد بالجمع هنا: أن يجمع قلبه على أن الخير كله في يد الله ، وأنه ما مِنْ فَضل ولا بِر ولا إحسان ولا نعمة ولا رحمة تصل إليه إلا من قِبَل الله ، ويَغيب بهذا عن الأسباب

стр. 346

التي قدَّرها الله- جل وعلا- توصل إلى المقصود ويحصل بها هذه المقدرات، فيلغي النظر إلى الأسباب، ويجمع نظره فيما عند الله ﷻ ، وهذا كما قال المصنف: «نظير النوع الثاني من الفناء»؛ الذي هو نوع نقص. والكمال: أن يعتقد العبد أنه لا مانع لما أعطى ولا مُعطي لما منع، وأن الخير كله في يديه، وأنه جل وعلا قد قدَّر الأشياء بأسبابها، فلا بد من أخذ الأسباب في تحصيل المطالب والمقدَّرات. ولكن بعد ذلك الفرق الثاني: يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها، مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه هو الله لا إله إلا هو، وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم، وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته، وفي حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته. وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفي عن قلبه ألوهية ما سوى الحق وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافيًا لألوهية كل شيء من المخلوقات، ومثبتًا لألوهية رب العالمين رب الأرض والسماوات. وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله وعلى مفارقة ما سواه؛ فيكون مفرِّقًا- في علمه وقصده، في شهادته وإرادته، في معرفته ومحبته- بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالمًا بالله تعالى ذاكرًا له عارفًا به، وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه وانفراده عنهم، وتوحده دونهم، ويكون محبًّا لله معظمًا له، عابدًا له … وفي هذا ردٌّ على المبتدعة من الصوفية الذين جعلوا الغاية والمنتهى: تحقيق توحيد الربوبية، وذلك بأن يشهد العبد أن الله هو

стр. 347

الخالق وأنه هو الصانع،، وهذا النوع من التوحيد لم ينكره مشركو العرب؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣]. والحقيقة: أنه لا يَستحق العبودية إلَّا مَنْ كان ربًّا مالكًا خالقًا مدبِّرًا، فالإيمان بأنه لا إله إلا الله- يتضمن الإيمان بأنه- خالق كل شيء، والإيمان بربوبيته يقتضي توحيد العبادة؛ فمنتهى الأمر هو تحقيق العبادة لله ، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. * * *

стр. 348

قال المصنف ﵀: «وإِقْرَاره بألوهيَّة الله تَعَالَى دون مَا سواهُ- يتَضَمَّن إِقْرَاره بربوبيته، وهُو أَنَّه رب كل شَيْء ومليكه وخالقه ومدبره، فَحِينَئِذٍ يكون موحدًا لله. ويُبين ذَلِك أَنَّ أفضل الذِّكر: (لَا إِلَه إِلَّا الله)، كَمَا رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وابْن أبي الدُّنْيَا وغَيرهمَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «أفضلُ الذِّكر: لَا إِلَه إِلَّا الله، وأفضل الدُّعَاء: الحَمد الله» (١). وفِي «المُوطَّأ» وغَيره عَنْ طَلحَة بن عبيد الله بن كريز أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: «أفضلُ مَا قلت أَنا والنَّبيون مِنْ قبلي: لَا إِلَه إِلَّا الله وحده لَا شريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وله الحَمد، وهُو على كل شَيْء قدير» (٢). ومن زعم أَنْ هَذَا ذِكر العَامَّة، وأَن ذكر الخَاصَّة: هُو الاسم المُفْرد، وذكر خَاصَّة الخَاصَّة: هُو الاسم المُضمر، فهم ضالُّون غالطون، واحتجاج بَعضهم على ذَلِك بقوله: ﴿قل الله ثمَّ ذرهم فِي خوضهم يَلعَبُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٩١] مِنْ أبين غلط هَؤُلَاءِ؛ فَإِنْ الِاسْم [الله] مَذْكُور فِي الأَمر بِجَواب الِاسْتِفْهَام فِي الآيَة قبله، وهُو قَوْله: ﴿قل من أنزل الكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورًا وهدى للنَّاس تجعلونه قَرَاطِيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلّمتم مَا لم تعلمُوا أَنْتُم ولَا آباؤكم قل الله﴾ [الأَنْعَام: ٩١]، أَي: الله

стр. 349

هُو الَّذِي أنزل الكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى، فالاسم [الله] مُبْتَدأ، وخَبره قد دلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَام، كَمَا فِي نَظَائِر ذَلِك؛ تَقول: مَنْ جَاره؟ فَيَقُول: زيدٌ. وأمَّا الِاسْم المُفْرد مُظْهرًا أَوْ مُضمرًا، فَلَيْسَ بِكَلَام تَامٍّ ولَا جملَة مفيدة، ولَا يتَعَلَّق بِهِ إِيمَان ولَا كفر ولَا أَمر ولَا نهي. ولم يذكر ذَلِك أحدٌ مِنْ سلف الأمة، ولَا شرع ذَلِك رَسُولُ الله ﷺ ، ولَا يُعْطي القلبَ بِنَفسِهِ معرفَة مفيدة، ولَا حَالًا نَافِعًا، وإِنَّمَا يُعْطِيهِ تصورًا مُطلقًا، ولَا يُحكم عَلَيْهِ بِنَفْي ولَا إِثْبَات، فَإِنْ لم يقْتَرن بِهِ من معرفَة القلب وحاله مَا يُفِيد بِنَفسِهِ، وإِلَّا لم يكن فِيهِ فَائِدَة، والشريعة إِنَّمَا تشرع من الأَذْكَار مَا يُفِيد بِنَفسِهِ، لَا مَا تكون الفَائِدَة حَاصِلَة بِغَيْرِهِ. وقد وقع بعض مَنْ واظب على هَذَا الذِّكر فِي فنون من الإِلحَاد، وأنواع من الِاتِّحَاد، كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا المَوْضُوع. ومَا يذكر عَنْ بعض الشُّيُوخ من أَنه قَالَ: «أَخَاف أَنْ أَمُوت بَين النَّفْي والإِثْبَات»، حَال لَا يُقْتَدى فِيهَا بصاحبها؛ فَإِنْ فِي ذَلِك من الغَلَط مَا لَا خَفَاء بِهِ؛ إِذْ لَو مَاتَ العَبْد فِي هَذِه الحَال لم يَمت إِلَّا على مَا قَصده ونواه؛ إِذْ الأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وقد ثَبت أَنْ النَّبِي ﷺ أَمر بتلقين المَيِّت: «لَا إِلَه إِلَّا الله» (١)، وقَالَ: «مَنْ كَانَ آخر كَلَامه: لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الجنَّة» (٢)، ولَو كَانَ مَا ذكره محذورًا لم يُلقن المَيِّت كلمة يخَاف أَنْ يَمُوت فِي أَثْنَائِهَا موتًا غير مَحْمُود، بل كَانَ

стр. 350

يُلقن مَا اخْتَارَهُ مِنْ ذِكر الِاسْم المُفْرد. والذِّكر بِالِاسْمِ المُضمر المُفْرد أبعد عَنْ السُّنَّة، وأَدْخل فِي البِدْعَة، وأقرب إِلَى ضلال الشَّيْطَان؛ فَإِنْ مَنْ قَالَ: يَا هُو، يَا هُو، أَوْ: هُو هُو، ونَحْو ذَلِك لم يكن الضَّمِير عَائِدًا إِلَّا إِلَى مَا يُصوره قلبه، والقلب قد يَهْتَدِي وقد يَضل. وقد صَنَّف صَاحب «الفصوص» كتابا سَمَّاهُ كتاب «الهو»، وزعم بَعضُهم أَنَّ قَوْله: ﴿ومَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ [آل عمرَان: ٧] مَعْنَاهُ: ومَا يعلم تَأْوِيل هَذَا الِاسْم الَّذِي هُو الهُو، وإِن كَانَ هَذَا مِمَّا اتّفق المُسلمُونَ- بل العُقَلَاء- على أنه مِنْ أبين البَاطِل، فقد يظنُّ ذَلِك مَنْ يَظُنُّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ، حَتَّى قلت مرَّة لبَعض مَنْ قَالَ شَيْئًا من ذَلِك: لَو كَانَ هَذَا مَا قلتَه لكُتبت الآيَة: ومَا يعلم تَأْوِيل (هُو) مُنْفَصِلَة. ثمَّ كثيرًا مَا يذكر بعض الشُّيُوخ أَنه يَحْتَج على قَول القَائِل: (الله) بقوله: ﴿قل الله ثمَّ ذرهم﴾ [الأَنْعَام: ٩١]، ويظن أَنْ الله أَمر نبيَّه بِأَنْ يَقُول الِاسْم المُفْرد، وهَذَا غلطٌ بِاتِّفَاق أهل العلم؛ فَإِنْ قَوْله: ﴿قل الله﴾ مَعْنَاهُ: اللهُ الَّذِي أنزل الكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى، وهُو جَواب لقَوْله: ﴿قل من أنزل الكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورًا وهدى للنَّاس تجعلونه قَرَاطِيس تبدونها وتخفون كثيرًا وعلمتم مَا لم تعلمُوا أَنْتُم ولَا آباؤكم قل الله﴾ [الأنعام: ٩١]، أَي: الله الَّذِي أنزل الكتابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى، رد بذلك قَول مَنْ قَالَ: ﴿مَا أنزل الله على بشر من شَيْء﴾، فَقَالَ: ﴿مَنْ أنزل الكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿قل الله﴾ أنزلهُ ثمَّ ذَر هَؤُلَاءِ المكذبين ﴿فِي خوضهم يَلعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]. ومِمَّا يُبين مَا تقدم: مَا ذكره سِيبَويْه وغَيره من أَئِمَّة النَّحْو: أَنْ العَرَب يَحكون بالقَوْل مَا كَانَ كلَاما، لَا يحكون بِهِ مَا كَانَ قولًا.

стр. 351

فَالقَوْل لَا يُحْكى بِهِ إِلَّا كَلَام تَام، أَوْ جملَة اسمية، أَوْ جملَة فعلية، ولِهَذَا يكسرون (إِنْ) إِذا جَاءَت بعد القَوْل، فَالقَوْل لَا يُحْكى بِهِ اسْمٌ؛ والله تَعَالَى لَا يَأْمر أحدًا بِذكر اسْم مُفْرد، ولَا شرع للمُسلمين. والِاسْم المُجَرَّد لَا يُفِيد شَيْئًا مِنْ الإِيمَان بِاتِّفَاق أهل الإِسْلَام، ولَا يُؤمر بِهِ فِي شَيْء من العِبَادَات، ولَا فِي شَيْء من المُخاطبات. ونَظِير من اقْتصر على الِاسْم المُفْرد مَا يُذكر: أَنْ بعضَ الأَعْرَاب مَرَّ بمؤذن يَقُول: (أشهدُ أَنْ مُحَمَّدًا رسولَ الله) بِالنَّصب! فَقَالَ: مَاذَا يَقُول هَذَا؟ هَذَا الِاسْم، فَأَيْنَ الخَبَرُ عَنهُ الَّذِي يتمُّ بِهِ الكَلَام؟ ومَا فِي القُرْآن من قَوْله: ﴿واذْكُر اسْم رَبك وتبتل إِلَيْهِ تبتيلًا﴾ [المزمل: ٨]، وقَوله: ﴿سبح اسْم رَبك الأَعْلَى﴾ [الأَعْلَى: ١]، وقَوله: ﴿قد أَفْلح من تزكَّى * وذكر اسْم ربه فصلى﴾ [الأَعْلَى: ١٤، ١٥]، وقَوله: ﴿فسبح باسم رَبك العَظِيم﴾ [الواقِعَة: ٧٤]، ونَحْو ذَلِك لَا يقتضى ذكره مُفردًا. بل فِي " السُّنَن» أَنه لما نزل قَوْلُه: ﴿فسبح باسم رَبك العَظِيم﴾ قَالَ: «اجْعَلُوهَا فِي ركوعكم»، ولما نزل قَوْلُه: ﴿سبح اسْم رَبك الأَعْلَى﴾ قَالَ: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودكُمْ» (١). فشرع لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا فِي الرُّكُوع: (سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيم)، وفِي السُّجُود: (سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى). وفِي «الصَّحيح» أَنه كَانَ يَقُول فِي رُكُوعه: «سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيم»، وفِي سُجُوده: «سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى» (٢)، وهَذَا هُو معنى قَوْله: «اجْعَلُوهَا فِي ركوعكم وسجودكم» بِاتِّفَاق المُسلمين. فتسبيح اسْمِ ربِّه الأَعْلَى وذكر اسْمِ ربه ونَحْو ذَلِك هُو بالكلَام

стр. 352

التَّام المُفِيد، كَمَا فِي «الصحيح» عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: «أفضل الكَلَام بعد القُرْآن أَربع، وهن من القُرْآن: سُبْحَانَ الله، والحَمْد لله، ولَا إِلَه إِلَّا الله، والله أكبر» (١). وفِي «الصحيح» عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: «كلمتان خفيفتان على اللِّسَان، ثَقيلتان فِي المِيزَان، حَبِيبتان إِلَى الرَّحْمَن: سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العَظِيم» (٢). وفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي يَوْمه مائَة مرَّة: لَا إِلَه إِلَّا الله، وحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الملك وله الحَمد، وهُو على كل شَيْء قدير، كَتب الله لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَان يَوْمه ذَلِك حَتَّى يُمْسِي، ولم يَأْتِ أحدٌ بِأَفْضَل مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا رجل قَالَ مثل مَا قَالَ، أَوْ زَاد عَلَيْهِ» (٣). و «مَنْ قَالَ فِي يَوْمه مائَة مرَّة: سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العَظِيم، حُطَّت عَنهُ خطاياه، ولَو كَانَتْ مِثل زبد البَحْر» (٤). وفِي «المُوطَّأ» وغَيره عَنْ النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «أفضلُ مَا قلتُه أَنا والنَّبيون مِنْ قبلي: لَا إِلَه إِلَّا الله، وحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الملك وله الحَمد، وهُو على كل شَيْء قدير» (٥)، وفِي «سُنَن ابْن مَاجَه» وغَيره عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ: «أفضل الذِّكر: لَا إِلَه إِلَّا الله، وأفضل الدُّعَاء: الحَمد لله» (٦). ومثل هَذِه الأَحَادِيث كَثِيرَة فِي أَنْواع مَا يُقَال من الذِّكر والدُّعَاء.

стр. 353

وكَذَلِكَ مَا فِي القُرْآن من قَوْله تَعَالَى: ﴿ولَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يُذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ [الأَنْعَام: ١٢١]، وقَوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم واذْكُرُوا اسْم الله عَلَيْهِ﴾ [المَائِدَة: ٤]: إِنَّمَا هُو قَول: بِسم الله. وهَذِه جملَة تَامَّة؛ إِمَّا اسمية، على أظهر قولي النُّحَاة، أَوْ فِعلية، والتَّقْدِير: ذبحي بِسم الله، أَوْ أذبح بِسم الله. وكَذَلِكَ قَول القَارئ: ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾، فتقديره: قراءتي بِسم الله، أَوْ أقْرَأُ باسم الله. ومن النَّاس مَنْ يُضمر فِي مثل هَذَا: ابتدائي بِسم الله، أَوْ ابتدأت بِسم الله، والأول أحسن؛ لِأَن الفِعْل كُله مفعول باسم الله، لَيْسَ مُجَرَّد ابْتِدَائه، كَمَا أظهر المُضمر فِي قَوْله: ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ [العلق]، وفِي قَوْله: ﴿بِسم الله مجريها ومرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، وفِي قَولِ النَّبِي ﷺ : «مَنْ كَانَ ذبح قبل الصَّلَاة فليذبح مَكَانهَا أُخْرَى، ومن لم يكن ذبح فليذبح باسم الله» (١). ومن هَذَا البَاب: قَول النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح لربيبه؛ عمر بن أَبى سَلمَة: «يَا غُلَام، سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مِمَّا يليك» (٢)، فَالمُرَاد أَنْ يَقُول: باسم الله، لَيْسَ المُرَاد أَنْ يَذكر الِاسْم مُجَردًا. وكَذَلِكَ قَوْله فِي الحَدِيث الصَّحِيح لعدي بن حَاتِم: «إِذا أرْسلت كلبك المعلم وذكرت اسْم الله فَكُلْ» (٣)، وكَذَلِكَ قَوْله ﷺ : «إِذا دخل الرجل منزله فَذكر اسْمَ الله عِنْد دُخُوله وعند خُرُوجه وعند طَعَامه، قَالَ الشَّيْطَان: لَا مَبيت لكم ولَا عشَاء» (٤)، وأمثال ذَلِك كثير. وكَذَلِكَ مَا شُرِع للمُسلمين فِي صلَاتِهم وأذانهم وحَجِّهم وأعيادهم من ذكر الله تَعَالَى، إِنَّمَا هُو بِالجُمْلَةِ التَّامَّة، كَقَوْل المُؤَذّن:

стр. 354

(الله أكبر، الله أكبر، أشهد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله، أشهد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول الله)، وقَول المُصَلِّي: (الله أكبر، سُبْحَانَ رَبِّي العَظِيم، سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى، سمع الله لمن حَمده، رَبَّنَا ولَك الحَمد، التَّحِيَّات لله)، وقَول المُلَبِّي: (لبَّيْك اللَّهُمَّ لبَّيْك)، وأمثال ذَلِك». العلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية: علاقة تلازم؛ فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، والألوهية تتضمن توحيد الربوبية، فكل مَنْ وَحَّد الله في إلهيته فإن هذا يتضمن توحيده لله في كونه رب كل شيء، وأنه خالق كل شيء، ومدبر كل شيء؛ لأنه لا يمكن أن يعبد الله دون أن يعتقد مثل هذا الاعتقاد، ومن اعتقد بالربوبية فإنه يلزمه أن يعتقد بالألوهية ويعمل بمقتضاها. وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) كلمة لها تأثير عجيب إذا استحضر الإنسان معناها وصدق في طلب فضلها فإنه لا يَعدلها شيء؛ لأنها تتضمن إثبات منتهى الكمال وغايته لله جل وعلا، ففيها من الخير والفضل ما لا يَعدله شيء، ولذلك كانت أفضل الذِّكر كما قال النبي ﷺ : «أفضل الذكر لا إله إلا الله». يقول المباركفوري ﵀: «لأنها كلمة التوحيد، والتوحيد لا يُماثله شيء، وهي الفارقة بين الكفر والإيمان، ولأنها أجمع للقلب مع الله، وأنفى للغير، وأشد تزكية للنفس، وتصفية للباطن، وتنقية للخاطر من خبث النفس، وأطرد للشيطان» (١). ولذلك فالفائز مَنْ يكثر من هذه الكلمة في كل زمان ومكان،

стр. 355

ولا يفتر لسانه عن اللهج بها، واستحضار معانيها، وتذكر مقاصدها. ومن زعم أن هذا ذِكر العامة، وأن ذِكر الخاصة هو الاسم المفرد، وذِكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر فهم ضالون غالطون قد أُتوا مِنْ جهلهم؛ حيث يستدلون بقوله: ﴿قُلِ اللهُ﴾ على أنَّ الأفضل في الذِّكر الاسم المجرد، وأنه أفضل من (لا إله إلا الله)؟ والخطاب بالاسم فقط- بدون ثناء أو طلب- عبث، ولذلك كان مِنْ البدع ذكر الله بالاسم المفرد، وأشد منه الذكر بالضمير: (هو). والاسم المفرد المظهر أو المضمر ليس بكلام تام، ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به إيمان ولا كفر، ولا يثبت به إيمان ولا يثبت به كفر، ولا أمر ولا نهي، بخلاف (لا إله إلا الله)، فإنَّ الله عَلَّق عليها أحكامًا شرعية. ثم ذكر المصنف قاعدة مهمة في الأذكار الشرعية وهي: أن الشريعة إنما تَشرع من الأذكار ما يُفيد بنفسه معنى يحصل به زكاء القلب، ويحصل به زيادة الإيمان، ويحصل به معنى مفيد، بذات اللفظ لا بأمر خارج. وأما هؤلاء الذين يزعمون أنهم يجدون سعادة وانشراحًا حينما يقولون: (الله، الله، الله … ). أو (هو هو هو … )، فهذا ليس من اللفظ نفسه، وإنَّما مما يقارن هذا اللفظ من التصورات التي في أذهانهم، لكن نفس اللفظ لا يحصل به فائدة سوى التصور العام. وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد وأنواع من الاتحاد، وهذه نتيجة حتمية للبدع واتباع الأهواء وسلوك سبيل غير ما أنزل الله. * * *
следующие страницы →