← Акыда

Акыда · id 30104

التحفة البهية في شرح رسالة العبودية

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (364 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة المصنف] بسم الله الرحمن الرحيم، وبِه نستعين إِنَّ الحَمد لله نحمدُه ونستعينه ونَسْتَغْفِرهُ، ونعوذ بِاللَّه من شُرُور أَنْفُسِنَا ومن سيئات أَعمالنَا؛ مَنْ يَهده اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ومَن يُضلل فَلَا هادي لَهُ. وأشْهد أَنَّ لَا إِلَه إِلَّا الله وحده لَا شريك لَهُ، وأشْهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبده ورَسُوله. أمَّا بعد: فقد سُئِلَ شيخُ الإسْلَام وعَلَم الأَعْلَام، نَاصِر السُّنَّة وقامع البِدْعَة؛ أَحْمد بن عبد الحَلِيم ابْن تَيْمِية ﵀ عَنْ قَوْله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]. فَمَا العِبَادَة؟ ومَا فروعها؟ وهل مَجْمُوع الدَّين دَاخل فِيهَا أم لَا؟ ومَا حَقِيقَة العُبُودِيَّة؟ وهل هِيَ أَعلَى المقامات فِي الدُّنْيَا والآخِرَة، أم فَوْقهَا شَيْء من المقامات؟ وليبسط لنا القَوْلَ فِي ذَلِك. فَأجَاب ﵀: العِبَادَة: هِيَ اسْمٌ جَامعٌ لكلِّ مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الأَقْوال والأعمال البَاطِنَة والظَّاهِرَة. فَالصَّلَاة والزَّكَاة والصِّيَام والحج وصِدق الحَدِيث وأَدَاء الأمَانَة وبرُّ الوالِدين وصِلَة الأَرْحَام والوفَاء بالعُهود والأَمر بِالمَعْرُوفِ والنَّهْي عَنْ المُنكر والجهَاد للكفَّار والمُنَافِقِينَ والإِحْسَان للجَار واليتيم والمسكين وابْن السَّبِيل والمملوك من الآدَمِيّين والبهائم، والدُّعَاء،

стр. 2

والذِّكر، والقِرَاءَة، وأمثال ذَلِك من العِبَادَة لله. الحمدُ لله وحده، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَنْ لا نَبِيَّ بعده، صَلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصَحْبه وسَلَّم تسليمًا كثيرًا. ثم أمَّا بعد: فرسالةُ «العبودية» لشيخ الإسلام ابن تيمية هي إجابة عن سؤال وُجِّه إليه عن العبادة؟ وما فروعها؟ وهل يدخل فيها مضمون الدِّين أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات في الدُّنيا والآخرة؟ أو فوقها شيء من المَقامات؟ وقد بدأ شيخ الإسلام ﵀ جواب عن هذا السؤال بتعريف جامع للعبادة فقال: «العِبادة: هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحِبُّه اللهُ ويَرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة»، وتندرج تحت هذه العبارة جملة مسائل؛ نذكر منها: المسألة الأولى: تعريف العبادة لغة: العبادة في اللغة: مَصدر عَبَدَ. وفي «القاموس»: «العَبْدِيَّةُ والعُبودِيَّةُ والعُبودَةُ والعِبادَةُ: الطَّاعَةُ» (١). وفي «الصِّحاح»: «أصلُ العُبودية: الخُضوع والذُّل، والتَّعبيد: التَّذليل. يقال: طريق مُعَبَّد، والبَعير المُعبد: المَهنوء بالقَطْرَان المُذَلَّل. والعبادة: الطاعة، والتعبد: التَّنَسُّك».

стр. 3

فتفترق المعاني بحسب الاشتقاق. «وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩]، أي: في حِزبي» (١)، فأضاف إليها معنى جديدًا، وهو الولاء. وفي «المخصص»: «أصل العبادة: التَّذليل، من قولهم: طريق مُعَبَّد، أي: مُذَلَّل بكثرة الوطءِ عليه … ومنه أُخِذ (العبد) لِذِلَّتِه لمَولاه. والعبادة والخضوع والتَّذَلُّل والاستكانة قَرائب في المعاني؛ يقال: تعَبَّد فلان لفلان: إذا تذلل له، وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة؛ طاعة كان للمعبود أو غيرَ طاعة، وكل طاعة لله على جهة الخُضوع والتَّذَلُّل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع، لا يَستحقه إلا الُمنعم بأعلى أجناس النِّعَم؛ كالحياة والفَهم والسَّمع والبَصر» (٢). وفي «اللِّسان»: «أصل العبودية: الخضوع والتذلل … ، وفي حديث أبي هريرة: «لا يَقل أحدكم لمملوكه: عَبدي وأَمَتي، وليقل: فتاي وفتاتي» (٣)؛ هذا على نفي الاستكبار عليهم، وأن يَنسب عبوديتهم إليه، فإنَّ المستحق لذلك الله تعالى، هو رب العباد كلهم والعبيد» (٤). وجعل بعضهم العبادة لله، بخلاف العبودية وغيرها فهي تجعل لله وللمخلوقين. قال الأزهري: «ولا يقال: عبد يَعبد عبادة، إلَّا لمن يعبد الله، ومَن عَبَدَ من دونه إلهًا فهو من الخاسرين، قال: وأمَّا عَبْدٌ خَدَمَ

стр. 4

مَولاه، فلا يُقال: عَبَدَه … قال الليث: ويُقال للمشركين: هم عَبَدَة الطاغوت. ويقال للمسلمين: عباد الله، يَعبدون الله … ، والعابد: المُوحِّد» (١). وعلى هذا، فتعريف العبادة في لغة العرب: هو أن العبادة هي الذلُّ والخضوع المُستلزِم طاعة المَعبود أمرًا ونهيًا، ولذا سُمِّي الرقيق «عبدًا»؛ لأنَّه يَذِلُّ ويخضع لسيده أمرًا ونهيًا فيما يَختص بشئون الحياة. فمدار كلمة (العبادة) - في اللغة- على التذلل والخضوع والاستكانة، وهي معان متقاربة، لكن هذه اللفظة لما استعملت في الشَّرع أُضيف إليها مع الخضوع كمال المحبة، فانتقلت إلى المعنى الشرعي بإضافة المحبة مع الخضوع. ولذلك لما عرَّفها ابنُ كثير ﵀ قال: «العبادة في اللغة: مِنْ الذِّلَّة، يُقال: طريق مُعَبَّد، وبَعير مُعَبَّد، أي: مُذَلَّل. وفي الشرع: عِبارة عمَّا يَجمع كمال المحبة والخُضوع والخَوف» (٢)، فعند تعريفها في الشرع زاد فيها معنى آخر، وهو المحبة. المسألة الثانية: استعمالات كلمة (عبد) في الشرع. استُعملت كلمة (عبد) في الشرع على عِدَّة أقسام: القسم الأول: عبودية الرِّقِّ، كما جاء في قوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، فالمراد بالعبد هنا: العَبد الرَّقيق المملوك؛ فتُطلق العبودية ويُراد بها عبودية الرِّقِّ. القسم الثاني: العبودية العامَّة؛ حيث تُطلق العبودية ويُراد بها العبودية العامَّة؛ أي: عبودية الربوبية، كما في قوله: ﴿إن كل من

стр. 5

في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]، فالعبد هنا: عَبد القَهر والمُلك لله ، وكلُّنا عبيدٌ لله . وعند جمع كلمة (عبد) يَظهر الفرق بين عبودية الربوبية لله ، وكذلك عبودية الرق، فتقول في جمعها: عَبيد، وأمَّا في عبودية الألوهية فتقول: عِباد، ولذلك قال تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. القسم الثالث: العبودية الخاصة، أي: عبودية التَّأَلُّه، كما في قوله تعالى: ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيدي﴾ [ص: ١٧]، ﴿واذكر عبدنا أيوب﴾ [ص: ٤١]، ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١]، فهذه العبودية الخاصة. القسم الرابع: عبودية الأشياء؛ كعبد الدنيا وشهواتها، وهو المذكور في قوله ﷺ : «تَعِس عبدُ الدِّينار والدِّرهم، والقَطيفة، والخَمِيصة؛ إن أُعطي رَضِي، وإن لم يُعط لم يَرْضَ» (١)، فهذا فِيمَن استعبدته الدنيا وملذَّاتها فأصبح لها عبدًا. لذا يلزم التفريق في استعمالات هذه الكلمة، حتى يتضح المراد بها. وهذه المعاني مما يجدر مَعرفتها والعناية بها؛ لأنها سترد خلال سياق هذه الرِّسالة المباركة. المسألة الثالثة: تعريف العبادة شرعًا: مع اختلاف عبارات العلماء- ﵏ في تعريف العِبادة شرعًا إلا أنَّ الجميع يدور حول معنى واحد، والفرق بين تعريفاتهم

стр. 6

إنما يقع في الشمول، وسنعرض بعضًا منها: ١ - قال الإمام القرطبيُّ ﵀: «العبادة: عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه، وأصل العبادة: الخضوع والتَّذَلُّل» (١). ٢ - وقال الإمام ابن كثير ﵀: «العبادة في الشرع: عِبارة عمَّا يَجمع كمال المحبة والخُضوع والخَوف» (٢)؛ وعليه فَمن اتصف بذلك فإنه يُطلق عليه أنَّه عابد لله . ٣ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هنا: «العبادة: هي اسم جامعٌ لكلِّ ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة». وعلى هذا يتضح أنَّ للعبادة تعريفين. أحدهما: باعتبار العابد، وهو كمال الذُّلِّ مع كمال الحب لله . والآخر: باعتبار المُتَعَبَّد به، وهو ما يُحِبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ لكونه شَرَعَه وعُمِل وَفْقَ مُراده. وقول المصنف: «ومن ذلك: الصلاة، والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر والقراءة، وأمثال ذلك

стр. 7

من العبادة، وكذلك حبُّ الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكُّل عليه والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله». المسألة الرابعة: شرح تعريف المصنف للعبادة شرعًا: عَرَّف المصنفُ العبادةَ فقال: «هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبه الله ويرضاه». فالعبادة اسم جنس؛ لذلك قال: (اسمٌ جامع). وقوله: (لما يحبه الله ويرضاه): قيد للعبادة، وهو أن تكون ما يحبه الله ويرضاه، وهو كل ما أمر به؛ إمَّا أمر وجوب أو أمر استحباب، إذ الأوامر إمَّا فعلية وإمَّا تركية. وهنا يجدر التنبيه إلى أمورٍ؛ وهي: الأمر الأول: أنَّ جمهور الأُصوليين قَسَّموا الأحكام الشرعية التكليفية إلى خمسة، وهي: ١ الواجب وهو: ما يُثاب فاعله، ويُعاقب تاركه. ٢ المستحب وهو: ما يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه. ٣ المحرم وهو: ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله. ٤ المكروه وهو: ما يثاب تاركه ولا يعقب فاعله. ٥ - المباح وهو: كل أمر لا يتعلق به شيء، إلا إذا تحولت هذه المباحات إلى طاعات بالنية الصَّالحة. وقد زاد عليها إمامُ الحرمين الجويني (الصَّحيح والباطل). وقد عرَّف الصَّحيح بقوله: ما يتعلق به النفوذ ويُعتد به.

стр. 8

وأمَّا الباطل عنده فهو ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به (١). غير أنه في «البرهان» تَابَعَ جمهور الأُصوليين في أنَّ الأحكام الشرعية التكليفية خمسة (٢)، وكثير من الأصوليين يجعلون الصِّحَّة والبُطلان من أقسام الحُكم الوضعي (٣). ورأي الجمهور هو الغالب في هذا التقسيم؛ يقول مجد الدين ابن تيمية في «المسودة»: «اتَّفق الفقهاء والمتكلمون على أنَّ أحكام الشرع تنقسم إلى: واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح» (٤). فهذه الأحكام التكليفية الخمسة تنطبق على الأمور الفِعلية والأمور التَّركية. الأمر الثاني: أن الأعمال تنقسم إلى: ١ أعمال القلب. ٢ أعمال اللسان. ٣ أعمال الجوارح. وأعمال القلب منها ما هو واجب؛ مثل: الإخلاص. ومنها ما هو محرم؛ مثل: الكِبر والحَسد. ومنها ما هو مُستحب. ومنها ما هو مَكروه. ومنها ما هو مباح. وهكذا بالنسبة للسان. وكذلك بالنسبة للجوارح.

стр. 9

فالعبودية شاملة لجميع البدن؛ ظاهره وباطنه، وكل جارحة من البدن مطالبة بعبودية الله . الأمر الثالث: حقيقة العبادة: هي كمال الذُّلِّ مع كمال المحبة لله ، ونهاية الخضوع والانقياد والاستسلام والتواضع والخوف والخشية والإنابة والرجاء والإذعان لله وحده لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك البتة، إذ هو المستحقُّ للعبادة وحده دون ما سواه. قال شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذُّلِّ؛ فالعابد محبٌّ خاضع، بخلاف مَنْ يحب مَنْ لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف مَنْ يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم؛ فإنَّ كلًّا مِنْ هذين ليس عبادة محضة» (١). وقال ابن القيم ﵀: «والعبودية مَدَارها على قاعدتين هما أصلها: حُبٌّ كاملٌ وذُلٌّ تامٌّ، ومنشأ هذين الأصلين … هما مُشاهدة المِنَّة التي تُورث المحبة ومطالعة عيب النَّفس والعمل التي تورث الذل التَّام، وإذا كان العبد قد بَنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يَظفر عدوه به إلا على غِرَّة وغِيلة، وما أسرع ما يُنعشه الله ويجبره ويتداركه برحمته» (٢). الأمر الرابع: مفهوم العبادة في الإسلام: من خلال تعريف شيخ الإسلام للعبادة يظهر أن مفهوم العبادة أعم وأشمل من أن تَنحصر في عبادات ظاهرية فقط، وإن كانت جليلة عظيمة، بل مفهوم العبادة شامل لجميع الأقوال والأفعال التي يقوم بها العبد انطلاقًا من محبته ورجائه وخوفه من الله، وبشرط ان

стр. 10

تكون وفق مراد الله، كما قال- جل وعلا- آمرًا نبيَّه ﷺ أن يُقَرِّر هذا للناس، فقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي ونُسُكِي ومَحْيَاي: ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَولُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. بل إنَّ الإسلام قد أسبغ على جميع أعمال الإنسان صفة العبادة إذا قصد بهذه الأعمال وجه الله ومرضاته، وقام بها على الوجه المشروع الموافق للسنة، وكانت في سبيل تحقيق أهدافها المقصودة المشروعة؛ فالمزارع والصانع والتاجر وغيرهم من أصحاب الأعمال تُعتَبر أعمالهم عبادة إذا قَصَدَ بها كلٌّ منهم نفعَ عباد الله والاستغناء عن الحاجة إلى الناس وإعالة العيال؛ تحقيقًا لأمر الله (١). وعلى هذا فكلُّ ما أُمر به شرعًا؛ سواءً كان من الشعائر أو من سائر أحوال الناس وعاداتهم إذا ابتغى به فاعلُه الأجر من الله فهو عبادة؛ سواء رتَّب الشارع عليه جزاءً مُحدَّدًا أو أتى الأمر به مُطلقًا دون تحديد جزاء، وهذا مِنْ فضل الله ورحمته بعباده؛ فمثال ما رُتِّب على فِعله جزاء ويحصل للمسلم هذا الجزاء إذا كان إنَّما فعله لله: ما روى أبو هريرة ? قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ سُلَامَى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تَمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة» (٢). فاشتمل الحديثُ على بعض الآداب، وجعل الشَّارع القيام بها عبادة يُثاب عليها المسلم إذا نَوى أنه إنما قام بها من أجل الله .

стр. 11

كما أن التحلِّي بالأخلاق يُعتبر عبادةً أيضًا؛ فعن أبي ذر ? قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق» (١). ومثل ما أُمر به شرعًا ولم يُحدَّد على فعله جزاءً معينًا، ويعتبر القيام به عبادة إذا نُوي بها القربة لله ويؤجر عليها، إجابة دعوة المسلم، قال ﵊: «إذا دُعي أحدكم فَلْيُجِب، فإن كان صائمًا فَلْيُصَلِّ، وإن كان مُفطرًا فَلْيَطْعَم» (٢). فمن كانت نيته في إجابة الدعوة امتثال أمر الرسول ﷺ وإدخال السُّرور على أخيه المسلم كان فِعله عبادة، أمَّا مَنْ لم تكن له نية في إجابتها فلا يكون قد قام بعبادة. وهذا ينطبق على كلِّ أمرٍ من شئون الحياة؛ من مأكلٍ ومشربٍ ومَنكحٍ، ونومٍ ويقظةٍ، وسَفرٍ وإقامة، وهكذا؛ فمَن نوى بكلِّ هذه وأمثالها وجه الله فهي عبادةٌ مأجورٌ عليها؛ فتتحول هذه العادات والملذات المباحات إلى طاعات وقربات؛ لذا قال ﷺ : «وفي بُضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» (٣). فباستغناء العبد واستعفافه بالحلال عن الحرام كان له في فعل الحلال المباح أجر؛ ترغيبًا في الحلال، وتنفيرًا من الحرام؛ فلا رهبانية في الإسلام وكذلك لا تفريط بفعل المحرم، وهذه هي

стр. 12

وسطية الإسلام؛ فلم يمنع النفس البشرية من غريزتها ولم يترك لها الحبل على الغارب، وإنما أعطاها ما تشتهي في سياج من الطهر والنقاء والعفاف والميثاق الغليظ. فالعمل المباح يَنقلب إلى طاعة وقُربة إذا صاحبه نِيَّة طيبة؛ لذا قال معاذ بن جبل ? لأبي موسى الأشعري: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقًا (١). قال أبو موسى: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل؛ فأقومُ وقد قضيت جزئي من النَّوم، فأقرأ ما كَتَب الله لي؛ فأَحتسب نَومتي كما أحتسبُ قَوْمَتِي» (٢)؛ «فكأنَّ معاذَ بن جبل فَضَلَ عليه» (٣). فكان ? يَحتسب الأجر في النوم كما يحتسبه في قيام الليل؛ لأنَّه أراد بالنَّوم التَّقَوِّي على العبادة والإعانة على الطَّاعة. قال الحافظُ ابنُ حَجَر: «ومعناه: أنَّه يَطلب الثواب في الرَّاحة كما يَطلبه في التعب؛ لأنَّ الراحة إذا قُصد بها الإعانة على العبادة حَصلت الثواب» (٤). وكلَّما كانت النية أشمل كان الأجر أعظم؛ لقول الرسول ﷺ : «إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوَى … » الحديث (٥). قال عبد الله بن المبارك: «رُبَّ عمل صغير تعظمه النية، وربَّ

стр. 13

عمل كبير تُصغِّره النية» (١). أمَّا مَنْ لم ينوِ شيئًا فأعماله عادية لا أجر فيها؛ لذا تَبَايَنَ الناسُ في ذلك تباينًا عظيمًا، فمِن الناس مَنْ كلُّ عاداته وأفعاله عبادة لله؛ لأنه- دائمًا- مُستحضرٌ لِنِيَّتِه، قاصد بعمله وجه الله، بينما بعض الناس قد تكون كلُّ عباداته حتى (الشَّعائر الظَّاهرة) أو بعضها عادات، وذلك لخلوِّ قلبه مِنْ نِيَّة التقرُّب إلى الله . الأمر الخامس: أن الأعمال تتفاوت في المرتبة والأفضلية: فأعمال الطاعة تختلف محبة إلى الله وأجرًا، وكذلك المعاصي تتفاوت بغضًا إلى الله ووزرًا. فالعبادات أنواع لها مميزات وخصائص تختلف بها عن غيرها؛ لمقاصد عظيمة؛ وحِكَم جليلة، تتجلى فيها عظمة هذه الشريعة، وكرم المُشَرِّع ؛ وكما أنه سبحانه خلق المخلوقات وفَاضَلَ بينها بما يُحقق المصلحة العظيمة؛ قال تعالى: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١]- كذلك فَاضَلَ بين العبادات، وجعل مراتبها ودرجاتها مختلفة. وقد وردت أدلة بَيِّنَّة في السنة النبوية تدل على تفاضل العبادات وتمايزها، ومن ذلك: ما رواه معاذ بن جبل ? أن النبي ﷺ قال له: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصَّدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل». قال: ثم تلا ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة: ١٦]، حتى بلغ ﴿يعملون﴾ [السجدة: ١٧]. ثم

стр. 14

قال: «ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذروة سنامه»؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» (١). وكما جاء في حديث أبي هريرة ? أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الإيمان بِضع وسبعون- أو- بِضع وسِتُّون- شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان» (٢). وعن أبي هريرة ? أن رسول الله ﷺ سئل: أيُّ العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حَجٌّ مَبرور» (٣). وعن ابن مسعود ?: أنَّ رجلًا سأل النبي ﷺ : أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله» (٤). فهذه الأحاديث ونحوها تُدَلِّل على أن هناك تفاضلًا بين العبادات، وأن بعضها أفضل من بعض، ويظهر من خلال التأمل فيها- أنها أجوبة مختلفة لسؤال واحد، وقد أجاب العلماء على هذا الاستشكال بأجوبة، نختار منها قول الحافظ ابن حَجَر في «شرحه للجامع الصَّحيح» حيث قال: «ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال.

стр. 15

١ - أنَّ الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين؛ بأنَّه أَعْلَم كلَّ قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم. ٢ - أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات؛ بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنَّه الوسيلة إلى القيام بها، والتَّمَكُّن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أنَّ الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مُواساة المضطر تكون الصدقة أفضل. ٣ - أو أنَّ (أفضل) ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المُطلق. ٤ - أو المراد (مِنْ أفضل الأعمال)؛ فحُذفت «مِنْ»، وهي مرادة» (١). وقد ظهر هنا من أجوبة الحافظ ابن حجر بعض أوجه التفاضل بين العبادات؛ ومن ذلك: ١ - التفاضل بين العبادات وحصرها من حيث العبادة ومن حيث العابد: فمن خلال ما تقدم تبين أن وجوه التفاضل بين العبادات يمكن حصرها في مسألتين أساسيتين، وهما: المسألة الأولى: العبادة ذاتها. والمسألة الثانية: العابد. وتفصيل ذلك: أنَّ تفاضل العبادات ذاتها يكون من خلال وجوه

стр. 16

عدة: أولًا: تفاضل العبادة من حيث الوجوب والاستحباب، كما في الحديث القدسي: «ما تَقَرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ مما افترضته عليه» (١). والحديث فيه دلالة واضحة على أن الفرائض أفضل الأعمال؛ لكونها أحب إلى الله، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في «شرحه للصَّحيح» نقولًا للعلماء تبيّن فيها وجوه فضل الفرائض على النَّوافل، وخلاصته: أن الفرائض أمرها محتوم، أما النوافل فهي على سبيل الترغيب والاستحباب (٢). ثانيًا: التفاضل من حيث التحديد الزماني، كما في الحديث: «إنَّ عُمرة في رمضان تَعدل حَجَّة معي» (٣)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «فالحاصل أنَّه أعلمها أن العمرة في رمضان تَعدل الحَجَّة في الثواب، لا أنَّها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يُجزئ عن حج الفرض» (٤)، والحديث دليل على التفضيل في زمن خاص. ومن ذلك تفاضل الصدقات، كما في الحديث: «أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: «أن تَصَدَّق وأنت صحيح شحيحٌ تَخشى الفقر وتأمُل الغِنى، ولا تُمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد

стр. 17

كان لفلان» (١). ثالثًا: تفاضلها من حيث التحديد المكاني، كما في الحديث: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢). ففي الحديث تصريح من النبي ﷺ أنَّ الصلاة في هذين المكانين أفضل من الصلاة في غيرهما من المساجد، إلى غيرها من وجوه التفاضل في العبادات الأخرى. ومن ذلك تفاضل الصَّلاة بحسب الاجتماع والانفراد، كما في الحديث: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة» (٣). ومن ذلك التفاضل بحسب التفاوت في مقدار الخُطى إلى المساجد، كما في الحديث: «إنَّ أعظم الناس أجرًا أبعدهم إليها ممْشَى فأبعدهم» (٤). والمسألة الثانية: التفاضل بين العبادات من حيث العابد: من عظيم حكمة الله أن جعل أبواب الرزق متنوعة ومتعددة؛ لتكتمل للناس أمور معاشهم، إذ حاجات الناس متنوعة ومتعددة تتكامل بها دورة حياتهم، والنَّاس بين مَنْ يجيد مهنة أو عددًا من المهن تُدر عليه دخلًا يعيش من ورائه ويدخر منه بحسب ما يدر عليه من مال، وهذه الأمور يعرفها كل الناس، وهي من البديهيات لديهم. ولكن الذي قد لا يعرفه بعض الناس: أن هناك صورة مشابهة لهذه

стр. 18

الصورة ولكن في أبواب الطاعات، ولعل قصة الإمام مالك مع العُمَري العابد تَصلح كمدخل يُقَرِّب تلك الصورة، فقد كتب عبد الله بن عبد العزيز العُمَري العابد إلى الإمام مالك يحضُّه على الانفراد والعمل، ويَرغب به عن الاجتماع إليه في العِلم؛ فكتب إليه مالك: «إنَّ الله قَسم الأعمال كما قسم الأرزاق؛ فَرُبَّ رجل فُتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقة ولم يُفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة. ونَشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر وقد رضيتُ بما فَتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كِلانا على خير، ويجب على كلِّ واحدٍ مِنَّا أن يَرضى بما قُسِم له، والسَّلام» (١). فهذا الرد على اختصاره إلا أنه أشار إلى مسألة مهمة يجب على المسلم استيعابها، وهي أن العِباد في نوافل الطاعات يتفاوتون فيما يَفتح الله عليهم من تلك النوافل؛ فمِن الناس مَنْ تراه يُكثر من صيام التطوع في مقابل أن غيره لا يزيد على صوم الفريضة ولو صام يومًا تطوعًا لوجد مشقة كبيرة في ذلك، ومن الناس مَنْ يُكثر من نوافل الصلوات والأذكار، لكنه في باب الصدقة لا يزيد على أداء فريضة الزكاة، وهناك مَنْ تجده في الأخلاق لا يُجاريه أحد، لكنه في غير ذلك من النوافل لا يُرى له مزيد عمل، ومصداق ذلك في قول النبي ﷺ : «اعملوا فكل مُيَسَّر لما خُلِق له» (٢)، وقد يفتح لبعض الناس أكثر من باب، وهناك مَنْ تتعدد عنده الأبواب المتنوعة

стр. 19

من الطاعات، ولو استعرضنا ما ورد في السُّنَّة النبوية في هذا الجانب لوجدنا أمثلة كثيرة تشير لذلك ومنها ما وقع لأبي بكر ? لما جاء من حديث أبي هريرة ? أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خيرٌ؛ فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الرَّيَّان، ومَن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة». فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة؛ فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟! قال: «نعم! وأرجو أن تكون منهم» (١). وكما أنَّ الناس في أبواب الرزق على ثلاثة أقسام؛ فمنهم مَنْ هو مرتفع الدَّخل، ومنهم مَنْ هو متوسط الدخل، ومنهم مَنْ هو منخفض الدخل- فكذلك الشأن في الطاعات، فالله يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]. ويجب على كلِّ إنسان أن ينظر في نفسه؛ ليعرف ما فُتح له من أبواب الطَّاعة؛ فيلزمه ويحافظ عليه ويزداد منه، وعليه ألَّا يشق على نفسه في ميادين ليست متوائمة مع ما خَصَّه الله به من خصال الخير، كما يجب عليه أن ينظر للغير بنظرةٍ من جنس نظرة الإمام مالك للعمري العابد؛ حيث قال له: «وأرجو أن يكون كِلانا على خير»، فالنظرة الإيجابية للناس مطلوبة باعتبار أن ما وُفِّقُوا له من الخير هو بابٌ فُتِح لهم من الله، يُرجى أن يكون سببًا لدخولهم الجَنَّة.

стр. 20

ووجود بعض جوانب التقصير في بعض النَّاس لا يَعني انعدام الخير لديهم بالكلية؛ فقد يكون لديهم جوانب خفية من الخير؛ ومن الشواهد على ذلك: ما جاء عن عمر بن الخطاب ? «أن رجلًا كان على عهد النبي ﷺ ، وكان اسمه عبد الله، وكان يُلَقَّب حمارًا، وكان يُضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشَّرَاب، فأتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم الْعَنْهُ، ما أكثرَ ما يُؤتى به! فقال النبي ﷺ : «لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إنَّه يحب الله ورسوله» (١). فهذه القصة يُستفاد منها أن المتعين علينا أن لا نُقَيِّم الناس من منظور واحد، فكم نقع في مجالسنا في أعراض أناس وننتقص من تدينهم ونذمهم، وقد يكون لهم من الأعمال التي تُقَرِّبهم إلى الله ونحن لا نعلم، فواجب على الناس أن يكون لديهم فقه في هذه الجوانب؛ لأنَّها توجد لديهم بعض التوازن في نظرتهم ومعاملتهم لمن حولهم، فالنصوص الشرعية تؤكد على أن لكل شخص ما يناسبه من الطاعات، كما أنَّ لكل وقت ما يُناسبه من الطاعات، وهم في ذلك بين ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات، وما علينا إلا أن نذكر لكل شخص ما يُحمد له من خصال الخير، وأن ندعو لمن نرى عليه تقصيرًا بالصَّلاح والفلاح والتوفيق لما يحبه الله ويرضاه. وفي مقابل تفاضل الطاعات جاءت أحاديث عديدة في السُّنَّة بَيَّنت أنَّ الذنوب- كذلك- أنواع ومراتب، فعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟». قلنا: بلى يا رسول الله. قال- ثلاثًا-: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئًا

стр. 21

فجلس، فقال: «أَلَا وقَول الزُّور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور» (١)، وعن عبد الله بن مسعود ? قال: قلت يا رسول الله: أيُّ الذَّنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خَلَقَكَ!». قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك». قال: ثم أي؟ قال: «أن تُزاني حليلةَ جارك»، وأنزل الله تصديق قول النبي ﷺ : ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية» (٢). تفاوت أفهام الناس في أفضل العبادات وأنفعها، وأحقها بالإيثار والتخصص: انقسم الناس في ذلك إلى أربعة أصناف: الصنف الأول: يرون أنَّ أنفع العبادات وأفضلها هي أشقها على النفوس وأصعبها. وهؤلاء: هم أهل المجاهَدات والجَوْر على النفوس. قالوا: لأنه أبعد الأشياء عن هواها، وهذا هو حقيقة التعبد. قالوا: والأجر على قدر المشقة، ورووا حديثًا لا أصل له: «أفضل الأعمال أحمزها» (٣)، أي: أصعبها وأشقها، وقالوا: وإنما تستقيم النفوس بذلك، إذ طبعها الكسل والمهانة، والإخلاد إلى الأرض، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق. الصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا، والتقلُّل منها غاية الإمكان، واطراح الاهتمام بها، وعدم الاكتراث بكلِّ ما هو منها.

стр. 22

ثم هؤلاء قسمان: فعوامُّهم ظنُّوا أن هذا غاية، فشَمَّروا إليه وعملوا عليه، ودعوا الناس إليه، وقالوا: هو أفضل من درجة العِلم والعبادة، فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها. وخواصُّهم رأوا هذا مقصودًا لغيره، وأن المقصود به عُكُوف القلب على الله، وجمع الهِمَّة عليه، وتفريغ القلب لِمَحَبَّته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والاشتغال بمرضاته، فرأوا أنَّ أفضل العبادات في الجمعيَّة على الله، ودَوَام ذِكره بالقلب واللسان، والاشتغال بمراقبته، دون كل ما فيه تفريق للقلب وتشتيت له. ثم هؤلاء قسمان: فالعارفون المُتَّبعون منهم إذا جاء الأمرُ والنهيُ بادروا إليه ولو فَرَّقهم وأذهب جَمعيتهم. والمُنحرفون منهم يقولون: المقصود من العبادة جمعية القلب على الله، فإذا جاء ما يُفَرِّقه عن الله لم يُلتفت إليه، وربما يقول قائلهم: يُطالَبُ بالأورادِ مَنْ كان غافلًا … فكيف بقلبٍ كلُّ أوقاته وِرد ثم هؤلاء- أيضًا- قسمان: منهم مَنْ يترك الواجبات والفرائض لجمعيته. ومنهم مَنْ يقوم بها، ويَترك السُّننَ والنوافلَ وتَعَلُّمَ العلم النافع لجمعيته. الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه نَفع مُتَعَدٍّ، فرأوه أفضل مِنْ ذي النفع القاصر، فرأوا خِدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والنَّفع أفضل؛ فتَصدوا له وعملوا عليه.

стр. 23

واحتجوا بقول النبي ﷺ «الخلقُ كلهم عِيالُ الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» (١). واحتجوا بأنَّ عملَ العابد قاصرٌ على نفسه، وعمل النَّفَّاع مُتَعَدٍّ إلى الغير، وأين أحدهما من الآخر؟ قالوا: ولهذا كان فَضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. قالوا: وقد قال رسولُ الله ﷺ لعليِّ بن أبي طالب ?: «لِأَنْ يَهدي اللهُ بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمر النَّعَم» (٢). وهذا التفضيلُ إنَّما هو للنفع المُتعدِّي، واحتجوا بقوله ﷺ «مَنْ دعا إلى هدى كان له مِنْ الأجر مثل أُجور من تَبِعه، لا يَنقص ذلك من أجورهم شيئًا» (٣)، واحتجوا بقوله ﷺ : «إنَّ الله وملائكته وأهلَ السَّمَوات والأرضين- حتَّى النَّملة في جُحرها وحتى الحوت- لِيُصلون على مُعَلِّم الناسِ الخيرَ» (٤). وبقوله ﷺ : «إنَّ العالم ليستغفر له من في السماوات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في البحر، والنَّملة في جحرها» (٥). واحتجوا بأنَّ صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب

стр. 24

النفع لا ينقطع عمله، ما دام نفعُه الذي نُسب إليه. واحتجوا بأنَّ الأنبياء إنَّما بُعثوا بالإحسان إلى الخَلْق وهدايتهم، ونفعهم في معاشهم ومعادهم- لم يُبعثوا بالخَلَوات والانقطاع عن الناس والترَهُّب، ولهذا أنكر النبي ﷺ على أولئك النَّفر الذين هَمُّوا بالانقطاع للتعبد، وتَرك مخالطة الناس (١)، ورأى هؤلاء التفرق في أمر الله، ونفع عباده، والإحسان إليهم، أفضل من الجمعية عليه بدون ذلك. الصنف الرابع، قالوا: إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مُقتضى ذلك الوقت ووظيفته؛ فأفضلُ العبادات في وقت الجهادِ: الجهادُ، وإن آلَ إلى ترك الأوراد؛ مِنْ صلاة الليل وصيام النَّهار، بل ومِن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضيف- مثلًا-: القيام بحقِّه، والاشتغال به عن الوِرد المُستحب، وكذلك في أداء حقِّ الزوجة والأهل. والأفضل في أوقات السَّحر: الاشتغال بالصَّلاة والقرآن والدُّعاء والذِّكر والاستغفار. والأفضل في وقت استرشاد الطالب وتعليم الجاهل: الإقبال على تعليمه والاشتغال به.

стр. 25

والأفضل في أوقات الأذان: تَرك ما هو فيه مِنْ وِرده، والاشتغال بإجابة المُؤَذِّن. والأفضل في أوقات الصلوات الخَمس: الجِد والنُّصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى الجامع، وإن بَعُد كان أفضل. والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه، أو البدن، أو المال: الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لَهْفَته، وإيثار ذلك على أورادك وخلوتك. والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعيَّة القلب والهِمَّة على تدبره وتفهمه، حتى كأنَّ الله تعالى يخاطبك به، فتجمع قلبك على فهمه وتدبره، والعزم على تنفيذ أوامره أعظم من جمعية قلب مَنْ جاءه كتابٌ من السُّلطان على ذلك. والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التَّضَرُّع والدُّعاء والذِّكر دون الصَّوم المُضعف عن ذلك. والأفضل في أيام عَشر ذي الحِجَّة: الإكثار مِنْ التَّعبد، لا سِيَّما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المُتعين. والأفضل في العشر الأخير من رمضان: لُزوم المسجد فيه والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى إنَّه أفضل من الإقبال على تعليمهم العِلم، وإقرائهم القرآن، عند كثيرٍ من العلماء. والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم- أو موته-: عِيادته، وحضور جنازته وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك وجمعيتك. والأفضل في وقت نُزول النَّوازل وأذى الناس لك: أداء واجب

стр. 26

الصَّبر مع خُلطتك بهم، دون الهرب منهم، فإنَّ المؤمن الذي يُخالط الناس؛ ليصبر على أذاهم أفضل مِنْ الذي لا يخالطهم ولا يُؤذونه. والأفضل خُلطتهم في الخير؛ فهي خير مِنْ اعتزالهم فيه، واعتزالهم في الشر، فهو أفضل مِنْ خلطتهم فيه، فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله أو قَلَّلَه فخُلطتهم- حينئذٍ- أفضل من اعتزالهم. فالأفضلُ في كل وقتٍ وحالٍ: إيثارُ مَرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومُقتضاه. وهؤلاء هم أهل التعبُّد المُطلق، والأصناف قَبلهم أهل التعبد المُقَيَّد، فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلَّقَ به من العبادة وفارقه يَرى نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته، فهو يَعبد الله على وجهٍ واحدٍ، وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبدٍ بعينِه يُؤثره على غيره، بل غرضه تَتَبُّع مرضاة الله تعالى أين كانت؛ فمَدار تعبُّده عليها، فهو لا يزال متنقلًا في منازل العبودية، كلما رُفعت له مَنزلةٌ عَمِل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تَلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبُه في السير حتى ينتهي سيره، فإن رأيتَ العلماءَ رأيتَه معهم، وإن رأيتَ العُبَّاد رأيتَه معهم، وإن رأيتَ المجاهدين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ الذَّاكرين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ المُتَصَدِّقين المُحسنين رأيتَه معهم، وإن رأيتَ أربابَ الجمعيَّة وعُكُوف القلب على الله رأيتَه معهم، فهذا هو العبد المُطلق، الذي لم تَمْلكه الحدود، ولم تُقَيِّده القيود، ولم يَكن عملُه على مراد نفسِه وما فيه لِذَّتُها ورَاحتها من العبادات، بل هو على مرادِ ربِّه، ولو كانت راحة نفسه ولَذَّتها في سواه (١).

стр. 27

وأمَّا قول المصنف ﵀: «مِنْ الأقوال والأعمال» - فكما تقدم من أنَّ العبادات متنوعة؛ منها عبادات بالقول وعبادات بالعمل، والقول إمَّا: ١ قول القلب. ٢ وإمَّا قول اللِّسان. فقول القلب مِنْ معانيه: العِلم، فإذا قال السلف مثلًا: «الإيمانُ قولٌ وعملٌ»، فهذا القول يشمل قولَ القلب الذي هو العِلم الذي هو التصديق. فإذًا هذا العِلم بالنسبة للقلب قولٌ تعبُّديٌّ، فالله قد تعبَّدَنا به، فكلُّ ما نعلمه مِنْ أمور العلم النافع نحن نتعبد الله به، فهذه عبودية وطاعة لله نقوم بها. وقول اللِّسان: يُراد به النُّطق بالشَّهادتين عند العلماء، ويَخصونه بذلك. والعمل إمَّا: ١ عمل القلب. ٢ أو عمل اللسان. ٣ أو عمل الجوارح. أمَّا عمل اللِّسان فسائر الأذكار؛ مِنْ قراءة القرآن وغير ذلك مِنْ الأذكار الواردة في العبادات والأحوال والأزمنة المختلفة، ثم الأعمال. وقول المصنف: «الأعمال الظَّاهرة والباطنة» - يشمل القول ويشمل العمل، فَمِنْ القول ما هو في الباطن، ومِن العمل ما هو

стр. 28

في الباطن، وهكذا من القول ما هو في الظاهر، ومن العمل ما هو في الظاهر. فالأعمال منها قلبيٌّ، ومن أعمال القلوب: الحُبُّ والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والإخلاص، وهذه كلها أعمال قلبية باطنة، أي: في باطن الإنسان، والنبيُّ ﷺ قد أشار بيده إلى صدره ثلاثًا، وقال: «التقوى هاهنا» (١)، فهي إذًا عمل قلبي. ثم أعمال الجوارح تنطبق على الحواس الخمس، وتنطبق- كذلك- على سائر أعضاء الإنسان. فعلى الإنسان أن يَنتبه لهذه الأمور؛ فالصلاة- مثلًا- عبادة، وتتعلق بها أمور قلبية- أي: أمور باطنة- وأمور ظاهرة، ولأن الصلاة عمل فلا بد لها من نية، لأن النبي ﷺ قال: «إنَّما الأعمال بالنيات» (٢)، والزكاة تفتقر إلى النية؛ فقد يُزكي الإنسان بنية خالصة، وقد يفعل ذلك رياء أو سُمعة أو غير ذلك، وكذلك الصيام والحج وصِدق الحديث، وأداء الأمانة وبِر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم، وكذلك الدُّعاء والذِّكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. ثم أشار المصنف إلى ما هو قَلبي مِنْ حُبِّ الله ورسوله ﷺ ، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدِّين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرِّضا بِقَدَرِه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته،

стр. 29

والخوف من عذابه، وأمثال ذلك من العبادات. ونحن نعلم أن من العبادات ما هي فرائض، ومنها ما هي نوافل، فقد تصلي فريضة وقد تصلي نافلة، وكذلك قد تُزَكِّي وقد تتصدق، وكذلك الصيام منه ما هو فريضة ومنه ما هو نافلة، والنوافل أمرها عظيم، إذ هي من جهة مُكَمِّلة للفرائض، ومِن جهة هي سبب في رفع درجات العبد. * * *

стр. 30

قال المصنف ﵀: «وذَلِكَ أَنْ العِبَادَة لله هِيَ الغَايَة المحبوبة لَهُ والمرضية لَهُ؛ الَّتِي خَلق الخلقَ لَهَا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦]. وبهَا أرسل جَمِيع الرُّسُل، كَمَا قَالَ نوح لِقَوْمِهِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وكَذَلِكَ قَالَ هود وصَالح وشُعَيْب وغَيرهم لقومهم، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]. كَمَا قَالَ فِي الآيَة الأُخْرَى: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات واعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم * وإِن هَذِه أمتكُم أمة واحِدَة وأَنا ربكُم فاتقون﴾ [المؤمنون: ٥١، ٥٢]. وجعل ذَلِك لَازِما لرَسُوله إِلَى المَوْت؛ كَمَا قال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحِجر: ٩٩]. وبِذَلِك وصف مَلَائكَته وأنبياءه؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وله من فِي السَّمَاوات والأَرْض ومن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته ولَا يستحسرون *

стр. 31

يسبحون اللَّيْل والنَّهَار لَا يفترون﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]، وقَالَ تعالى: ﴿إِنْ الَّذين عِنْد رَبك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته ويسبحونه وله يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وذَمَّ المُستكبرين عنها بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. بعد أن عَرَّفَ شيخُ الإسلام ابنُ تَيمية- رحمه الله تعالى- العبادةَ ذَكَرَ هنا بعض الأمثلة عليها، مُشِيرًا إلى بيان أهميتها، وما لها مِنْ مَنزلة ومكانة، ولهذه الإشارة مغزى عظيم؛ لأن أهل الكلام والمتصوفة- وهما من أكبر خُصُوم أهل السُّنَّة- لم يُقيموا لأمر العبادة وزنًا، ولم يجعلوا لها شأنًا، حيث وقفوا عند توحيد الرُّبوبية. فأهلُ الكلام لما عرَّفوا التوحيد وقَسَّموه قالوا: إنَّ الله واحد في ذاته لا قَسِيم له، وواحدٌ في صِفاته لا نَظِير له، وواحدٌ في أفعاله لا شريكَ له (١). وهم بهذا التعريف أسقطوا ذِكر وعَدَّ توحيد العبادة، ولم يجعلوه قِسْمًا من أقسام التوحيد؛ بل إنهم زيادة على ذلك فسَّرُوا معنى: لا إله إلا الله بقولهم: لا لا ربَّ ولا مالك ولا خالق، ولا قادر على الاختراع إلا الله ، ولمَّا عرفوا الإله حصروا معنى الألوهية

стр. 32

في الربوبية، وقالوا: إن الإله هو: القادر على الاختراع والخَلْقِ (١). فهذا شأنُ توحيد العبودية والألوهية عند أهل الكلام. وأمَّا أهل التصوف؛ فمنهم مَنْ يقول كالهروي: إنَّ «التوحيد: تنزيه الله تعالى عن الحدث، وإنما نطق العلماء بما نطقوا به، وأشار المحققون بما أشاروا إليه في هذا الطريق؛ لقصد تصحيح التوحيد، وما سواه مِنْ حال أو مقام فكله مصحوب العلل. والتوحيد على ثلاثة وجوه: الوجه الأول: توحيد العامة الذي يصح بالشواهد. والوجه الثاني: توحيد الخاصَّة، وهو الذي يثبت بالحقائق. والوجه الثالث: توحيد قائم بالقِدم، وهو توحيد خاصَّة الخاصَّة. فأما التوحيد الأول فهو شهادة أن ﴿لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩] وحده لا شريكَ له، الأحد الصَّمَد، الذي لم يَلد ولم يُولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد» (٢). فمن المتصوفة مَنْ اعتبروا توحيد العِبادة الذي هو توحيد الرُّسُل هو توحيدُ العَوَام، وجعلوه في المنزلة الدُّنيا، وجعلوا توحيد الربوبية فوق توحيد العبادة، ولذلك جعلوا توحيد الخاصَّة هو شهود الربوبية، والفناء بشهوده عن مشهوده، وبوجوده عن موجوده، بمعنى: أنهم حصروا هذا المقام من التوحيد في شهود مقام الربوبية.

стр. 33

وتوحيد خاصَّة الخاصة عندهم هو توحيد أهل وحدة الوجود، الذين يقولون: إنَّه ما ثَمَّت خالق ولا مخلوق، ولا عابد ولا معبود، وإنَّ الوجود كله واحد. فإذًا كلٌّ من الفريقين (أهل الكلام والمتصوفة) لم يُقم وزنًا لتوحيد العبادة، ولم يُلق له بالًا، ولم يُعطه اهتمامًا، ولذلك نَبَّه شيخ الإسلام ﵀ هنا على توحيد العبادة، ودَلَّل على قيمته وبَيَّن منزلته؛ فقال: «وذلك أنَّ العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له»؛ واللهُ تعالى بَيَّن قدرَ أهل الإيمان بقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وأثنى عليهم بأنهم أشد الخلق محبة له فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، قال العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀ معلقًا على هذه الآية: «أصلُ التوحيد ورُوحه: إخلاص المحبة لله وحده، وهي أصلُ التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربِّه، وتسبق محبته جميع المَحَابِّ وتَغلبها، ويكون لها الحكم عليها بحيث تكون سائر محابِّ العبد تَبَعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه» (١). فمحبةُ الله تعالى أمر عظيم ومقام جليل يَسعى إليه العبد، ولذلك قال الله : ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم * قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢]. قال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية: «هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كلِّ مَنْ ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنَّه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يَتَّبع الشرع

стр. 34

المحمدي والدِّين النبوي في جميع أقواله وأحواله … وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنهم يحبون الله؛ فابتلاهم الله بهذه الآية» (١). فبرهان محبة الله بتحقيق هذا الأمر؛ ألا وهو عبادة الله وفق ما شُرع في الكتاب والسُّنَّة. ولذلك نلاحظ أن الكثير من تعريفات توحيد العبادة جاء النصُّ فيها على أنَّ العبادة أمر يُحبه الله ، فقد عرفها شيخ الإسلام هنا بقوله: «العبادة: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه الله ويَرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة». وقال- ﵀ في موطن آخر: «العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذُّلِّ ومعنى الحب، فهي تَتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له» (٢). وقال في موضع آخر: «ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يَدخل في التوحيد، في قول: لا إله إلا الله» (٣). وقال كذلك: «العبادات التي يُتقرب بها إلى الله تعالى؛ منها ما كان محبوبًا لله ورسوله، مُرضيًا لله ورسوله؛ إمَّا واجب وإمَّا مُستحبٌّ» (٤). وقال الإمام ابن كثير ﵀ في تعريفها: «العبادة في اللغة من الذِّلَّة، يقال: طَريق مُعَبَّد، وبَعير مُعَبَّد، أي: مُذلل. وفي الشرع: عبارة عمَّا يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف» (٥).

стр. 35

ومحبة الله تعالى لا تُنال إلا باتباع رسوله ﷺ ، واتِّباع الرسول ﷺ إنما يكون بتحقيق العبودية لله ونَبذ الشرك، ولذلك استلزمت المحبة كمال طاعة الله ، بتحقيق ما أمر؛ إمَّا أمر وجوب، وإما أمر استحباب، وكما قال الإمام الشافعي عليه الرَّحمة والرِّضوان: تَعصي الإلهَ وأنت تزعم حُبَّه … هذا محالٌ في القياس بديع لو كان حُبُّكَ صادقًا لأطعتَه … إنَّ المحب لمن يحبُّ مُطيع في كلِّ يومٍ يَبتديكَ بنعمةٍ … منهُ وأنتَ لِشُكرِ ذاكَ مُضيعُ (١) فبرهان محبة الله ودليل صِدقها في قلب العبد: إنَّما يُنال بطريق العبادة، ولذلك جاء في الحديث القدسي: «وما تَقَرَّب إليَّ عبدي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه؛ فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويده التي يَبطش بها، ورِجْلَه التي يَمشي عليها، وإن سألني لأعطينه، ولأن استعاذني لأعيذنَّه» (٢). ولما كانت محبة الله لا تُنال إلا بطريق العبادة، كان لزامًا على العبد أن يسلك هذا الطريق، وأن يجاهد نفسه في سبيل تحقيقها؛ قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]، ولذلك قال شيخ الإسلام هنا: «إن العبادة هي الغاية المحبوبة له»، أي: أنها ما يحبه الله تعالى من عباده، وما رَضِيَها لهم.

стр. 36

ويمكن إبراز هذا الباب من خلال ما يأتي: أولًا: باب عبادة الله هي أحد أقسام التوحيد (١). فإذا ما قَسَّمنا التوحيد إلى ثلاثة أقسام (٢): القسم الأول: توحيد الربوبية: وهو إفراد الله بأفعاله؛ كالخلق والرزق. القسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى الواردة في القرآن والسنة، والإيمان بمعانيها وأحكامها. القسم الثالث: توحيد الألوهية: وهو إفراد الله بأفعال العباد التعبدية؛ كالصلاة والصوم والدعاء. فالقسم الثالث من أقسام التوحيد هو توحيد الألوهية، أو توحيد العبادة. وإذا ما قَسَّمنا التوحيد إلى قسمين (٣): القسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات: ويُراد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، ويُسَمَّى بتوحيد المعرفة؛ لأن معرفة

стр. 37

الله إنما تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله. والإثبات: هو إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ؛ من الأسماء والصفات والأفعال. القسم الثاني: توحيد القَصد والطلب: وسُمِّي بذلك؛ لأن العبد يَتوجه بقلبه ولسانه وجوارحه بالعبادة لله وحده رغبة ورهبة، ويقصد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته (١). فهذا القسم الثاني من قِسمي التوحيد هو توحيد الألوهية، أو توحيد العبادة. وإمَّا أن نقول: القسم الأول: التوحيد العِلمي الخَبَري، والمقصود به: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. وسُمِّي بالتوحيد العِلْمي؛ لأنه يَعتني بجانب معرفة الله، فالعِلمي، أي: «العلم بالله». والخبري: أي: يَتوقف على الخبر من الكتاب والسُّنَّة. القسم الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي: والمقصود به: توحيد الألوهية، وسمي بالتوحيد الإرادي؛ لأن العبد له في العبادات إرادة؛ فهو إمَّا أن يقوم بتلك العبادة أو لا يقوم بها. وسُمِّي بالطلبي؛ لأن العبد يَطلب بتلك العبادات وجهَ الله، ويقصده بذلك (٢).

стр. 38

ومِن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قِسمين، فيقول: القِسم الأول: توحيد السِّيادة: ويعني بذلك توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بذلك؛ لأن تَفَرُّد الله بأفعاله وأسمائه وصفاته يُوجب له القيادة المطلقة والتصرُّف التَّام في هذا الكون؛ خلقًا ورزقًا وإحياء وإماتة وتصرفًا وتدبيرًا، فمن واجب المُوَحِّد أن يُفرد الله بذلك. والقِسم الثاني: توحيد العبادة: والمراد به: توحيد الألوهية، وتسميته بذلك واضحة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل. ومِن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قسمين (١)، فيقول: القسم الأول: التوحيد القولي: والمراد به: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بالقولي؛ لأنه في مقابل توحيد الألوهية الذي يُشَكِّل الجانب العَمَلِي من التوحيد، وأمَّا هذا الجانب فهو مختص بالجانب القولي العِلمي. القسم الثاني: التوحيد العَمَلي: والمراد به: توحيد الألوهية، وسُمِّي بالعملي؛ لأنه يشمل كلًّا من عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح التي تُشَكِّل بمجموعها جانب العمل من التوحيد، فالتوحيد له جانبان: جانب تَصديقي عِلمي، وجانب انقيادي عملي. ثانيًا: العبادة هي الحكمة من خلق الجِن والإنس. فمعلوم أنَّ الحكمة والغاية مِنْ خلق الله للجِنَّ والإنس هي

стр. 39

عبادته وحده ﷻ ؛ قال الله : ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ لذلك بَيَّن لهم عن طريق الرسل والكتب ما يُحبه ويرضاه منهم ليَفعلوه، وما يُبغضه ليَجتنبوه. ثالثًا: العِبادة هي ما بُعث به الرسل. ولذلك كان بَعثُ الرسل من أَجْل هذا، قال سبحانه: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦]، فدعوة الرسل قائمة على تحقيق العبادة لله وحده. رابعًا: العبادة كذلك هي حقُّ الله على العبيد. كما قال النبي ﷺ لمعاذ: «أتدري ما حقُّ الله على العباد؟ وما حقُّ العباد على الله؟». قال معاذ: اللهُ ورسوله أعلمُ. قال: «حَقُّ الله على العباد: أن يَعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (١)، فمَن أراد أن يُحَقِّق العبادة عليه أن يقوم بحقِّ الله عليه من فِعل الأوامر واجتناب النواهي؛ مخلصًا في ذلك عمله لوجه الله؛ قال جل وعلا: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥]. خامسًا: العبادة هي الصلة بين العبد وبين الله . فعلاقة العبد بربِّه لا تكون إلا من طريق عبادته ، كما جاء في الحديث القدسي: «وما تَقَرَّب إليَّ عبدي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه» (٢). فمحبة الله لعبده لا تحصل إلا بأن يحقق العبد العبادة لله ، وذلك بفعل الفرائضه واجتناب النواهي، والإكثار من النَّوافل.

стр. 40

سادسًا: العبادة: هي معنى لا إله إلا الله. فالإله: هو المعبود، وقيام العبد بحقِّ لا إله إلا الله لا يتأتى إلَّا بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. سابعًا: العبادة: شَطر الإسلام وأوله وآخره. فالإنسان لا يدخل الإسلام إلا بعد أن ينطق بالشهادتين؛ (شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله)؛ فلا إله إلا الله، معناها: لا معبود بحقٍّ إلا الله، ومحمد رسول الله معناها لا متبوع في أداء العبادة ولا قُدوة للنَّاس إلا رسول الله ﷺ ؛ قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. فمن أراد السعادة في الدنيا والآخرة فعليه باقتفاء أثره ﷺ ، والعَض على ما جاء به، وأن لا يَعبد اللهَ إلا بما شرع رسولُه ﷺ ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وكذلك من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله وَجَبت له الجنَّةُ، كما جاء في الحديث (١). ثامنًا: العبادة ظاهر الدِّين وباطنه. لأنَّ الدِّين يشمل العبادات الظاهرة والعبادات القلبية الباطنة، وستأتي الإشارة إلى ذلك عند بيان تعريف العبادة؛ وأنها أول الدِّين وآخره وظاهره وباطنه. تاسعًا: دعوة الرُّسل- كما هو معلوم- تقوم على دعوة الناس للعبادة. فنوح وغيره من الأنبياء ممن ذكر الله تعالى في القرآن إنما أَمَروا
следующие страницы →