← Акыда

Акыда · id 30104

التحفة البهية في شرح رسالة العبودية

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (364 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ويمكن إبراز هذا الباب من خلال ما يأتي: أولًا: باب عبادة الله هي أحد أقسام التوحيد (١). فإذا ما قَسَّمنا التوحيد إلى ثلاثة أقسام (٢): القسم الأول: توحيد الربوبية: وهو إفراد الله بأفعاله؛ كالخلق والرزق. القسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى الواردة في القرآن والسنة، والإيمان بمعانيها وأحكامها. القسم الثالث: توحيد الألوهية: وهو إفراد الله بأفعال العباد التعبدية؛ كالصلاة والصوم والدعاء. فالقسم الثالث من أقسام التوحيد هو توحيد الألوهية، أو توحيد العبادة. وإذا ما قَسَّمنا التوحيد إلى قسمين (٣): القسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات: ويُراد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، ويُسَمَّى بتوحيد المعرفة؛ لأن معرفة

стр. 37

الله إنما تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله. والإثبات: هو إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ ؛ من الأسماء والصفات والأفعال. القسم الثاني: توحيد القَصد والطلب: وسُمِّي بذلك؛ لأن العبد يَتوجه بقلبه ولسانه وجوارحه بالعبادة لله وحده رغبة ورهبة، ويقصد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته (١). فهذا القسم الثاني من قِسمي التوحيد هو توحيد الألوهية، أو توحيد العبادة. وإمَّا أن نقول: القسم الأول: التوحيد العِلمي الخَبَري، والمقصود به: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. وسُمِّي بالتوحيد العِلْمي؛ لأنه يَعتني بجانب معرفة الله، فالعِلمي، أي: «العلم بالله». والخبري: أي: يَتوقف على الخبر من الكتاب والسُّنَّة. القسم الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي: والمقصود به: توحيد الألوهية، وسمي بالتوحيد الإرادي؛ لأن العبد له في العبادات إرادة؛ فهو إمَّا أن يقوم بتلك العبادة أو لا يقوم بها. وسُمِّي بالطلبي؛ لأن العبد يَطلب بتلك العبادات وجهَ الله، ويقصده بذلك (٢).

стр. 38

ومِن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قِسمين، فيقول: القِسم الأول: توحيد السِّيادة: ويعني بذلك توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بذلك؛ لأن تَفَرُّد الله بأفعاله وأسمائه وصفاته يُوجب له القيادة المطلقة والتصرُّف التَّام في هذا الكون؛ خلقًا ورزقًا وإحياء وإماتة وتصرفًا وتدبيرًا، فمن واجب المُوَحِّد أن يُفرد الله بذلك. والقِسم الثاني: توحيد العبادة: والمراد به: توحيد الألوهية، وتسميته بذلك واضحة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل. ومِن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قسمين (١)، فيقول: القسم الأول: التوحيد القولي: والمراد به: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بالقولي؛ لأنه في مقابل توحيد الألوهية الذي يُشَكِّل الجانب العَمَلِي من التوحيد، وأمَّا هذا الجانب فهو مختص بالجانب القولي العِلمي. القسم الثاني: التوحيد العَمَلي: والمراد به: توحيد الألوهية، وسُمِّي بالعملي؛ لأنه يشمل كلًّا من عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح التي تُشَكِّل بمجموعها جانب العمل من التوحيد، فالتوحيد له جانبان: جانب تَصديقي عِلمي، وجانب انقيادي عملي. ثانيًا: العبادة هي الحكمة من خلق الجِن والإنس. فمعلوم أنَّ الحكمة والغاية مِنْ خلق الله للجِنَّ والإنس هي

стр. 39

عبادته وحده ﷻ ؛ قال الله : ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ لذلك بَيَّن لهم عن طريق الرسل والكتب ما يُحبه ويرضاه منهم ليَفعلوه، وما يُبغضه ليَجتنبوه. ثالثًا: العِبادة هي ما بُعث به الرسل. ولذلك كان بَعثُ الرسل من أَجْل هذا، قال سبحانه: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦]، فدعوة الرسل قائمة على تحقيق العبادة لله وحده. رابعًا: العبادة كذلك هي حقُّ الله على العبيد. كما قال النبي ﷺ لمعاذ: «أتدري ما حقُّ الله على العباد؟ وما حقُّ العباد على الله؟». قال معاذ: اللهُ ورسوله أعلمُ. قال: «حَقُّ الله على العباد: أن يَعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (١)، فمَن أراد أن يُحَقِّق العبادة عليه أن يقوم بحقِّ الله عليه من فِعل الأوامر واجتناب النواهي؛ مخلصًا في ذلك عمله لوجه الله؛ قال جل وعلا: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥]. خامسًا: العبادة هي الصلة بين العبد وبين الله . فعلاقة العبد بربِّه لا تكون إلا من طريق عبادته ، كما جاء في الحديث القدسي: «وما تَقَرَّب إليَّ عبدي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه» (٢). فمحبة الله لعبده لا تحصل إلا بأن يحقق العبد العبادة لله ، وذلك بفعل الفرائضه واجتناب النواهي، والإكثار من النَّوافل.

стр. 40

سادسًا: العبادة: هي معنى لا إله إلا الله. فالإله: هو المعبود، وقيام العبد بحقِّ لا إله إلا الله لا يتأتى إلَّا بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. سابعًا: العبادة: شَطر الإسلام وأوله وآخره. فالإنسان لا يدخل الإسلام إلا بعد أن ينطق بالشهادتين؛ (شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله)؛ فلا إله إلا الله، معناها: لا معبود بحقٍّ إلا الله، ومحمد رسول الله معناها لا متبوع في أداء العبادة ولا قُدوة للنَّاس إلا رسول الله ﷺ ؛ قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. فمن أراد السعادة في الدنيا والآخرة فعليه باقتفاء أثره ﷺ ، والعَض على ما جاء به، وأن لا يَعبد اللهَ إلا بما شرع رسولُه ﷺ ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وكذلك من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله وَجَبت له الجنَّةُ، كما جاء في الحديث (١). ثامنًا: العبادة ظاهر الدِّين وباطنه. لأنَّ الدِّين يشمل العبادات الظاهرة والعبادات القلبية الباطنة، وستأتي الإشارة إلى ذلك عند بيان تعريف العبادة؛ وأنها أول الدِّين وآخره وظاهره وباطنه. تاسعًا: دعوة الرُّسل- كما هو معلوم- تقوم على دعوة الناس للعبادة. فنوح وغيره من الأنبياء ممن ذكر الله تعالى في القرآن إنما أَمَروا

стр. 41

أقوامهم بهذا الأمر: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. فلذلك حق على كل مسلم أن يَعتني بهذا الأمر حق الاعتناء، وان يهتم به غاية الاهتمام؛ علمًا وعملًا، وكذلك دعوة وتطبيقًا. ومن هذا الاهتمام: دراستنا لهذه الرسالة العظيمة المباركة التي بَيَّن فيها شيخُ الإسلام ابن تيمية بعض ما يتعلق بأمر العبادة، إذ فِعلها إنما هو تنفيذ لأمر الله وتحقيق لمراده من خلقه؛ لذا كانت من أهم ما يُصرف فيه الأوقات، ومن أعظم ما يجاهد من أجله العبد؛ فهمًا وتحقُّقًا وعملًا. فعلى العبد أن يَعرف قيمة هذا العِلم (علم العقيدة)، وأن لا يَغتر بحال أهل الباطل الذين يُقَلِّلون من أهميته؛ ليوقعوا الناس في الضلالات والبدع. ومما يجب أن يُعلم: أن الانحراف في هذا الباب- باب العبادة- أعظم من الانحراف في سائر الأبواب؛ فانحراف الناس في باب العبادة أكثر من انحرافهم في باب الأسماء والصفات. وسبب ذلك- كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: «لأنَّ الانحراف في أمر العبادة انحراف في أمر الإرادة، أمَّا الانحراف في باب الأسماء والصفات فهو انحراف في باب العِلم، وباب العلم كما هو معلوم قد لا يَناله كثيرٌ من الناس، بينما أمر الإرادة أمر مُشترك؛ حتى البهائم لها إرادة، وبالتالي يقع الانحراف كثيرًا في باب العبادة أكثر من وقوع الانحراف في باب الأسماء والصفات، وعلى هذا فالبدع في باب العبادة أكثر من البِدع في باب الأسماء والصفات، وهذا أمرٌ ملموس مشاهد؛ فمن يتأمل أحوال الناس يجد أن عندهم من الانحرافات في باب توحيد العِبادة ما هو أعظم

стр. 42

من الانحرافات في باب الأسماء والصفات، وأنواع البدع تشهد بذلك. فعلى العبد أن يحقق العبادة؛ التي هي غاية الأمور المحبوبة لله ، والتي مِنْ أجلها خَلَقَ الخَلْقَ، وبها أرسل الرسل، وأَنزل الكتب، حتى إن أول أمر نزل في القرآن هو قوله في سورة البقرة: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١]. فإذا كانت العبادة بهذه المنزلة- فعلينا أن نحذر ممن يعمل على إسقاطها، أو مَنْ يُقلل من شأنها، وأن نعمل جاهدين لتحقيق العبادة على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، وأن نسعى كذلك في تعليمها للناس، وفي غرسها في نفوسنا ونفوس أبنائنا ونفوس طُلَّابنا؛ فهي مسئولية عظمى. وعلى المسلم أن يُرَتِّب طريقةَ تعليمه للمسلمين على أولويات الدين، إذ هناك مَنْ يسعى لترتيب مسائل وأبواب الاعتقاد بترتيب منكوس؛ فيأتي بمسائل هي من لواحق أمور العقيدة ويجعلها أساسًا، ويأتي بمسائل- مثلًا- في الأسماء والأحكام ويُقَدِّمها على مسائل التوحيد، فليس هذا من الحق في شيء، فأوليَّات وأولويات هذا الدِّين مرتبة، كما نبَّه النبيُّ ﷺ معاذًا على ذلك؛ فعن ابن عبَّاس ﵄: «أنَّ رسول الله ﷺ لمَّا بعث معاذًا ? على اليَمن، قال: «إنَّك تَقْدُمُ على قومٍ أهل كتاب؛ فَلْيَكُن أولَّ ما تَدعوهم إليه: عبادة الله، فإذا عَرفوا الله، فأخبرهم أنَّ الله قد فَرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فَعلوا، فأخبرهم أنَّ اللهَ فرض عليهم زكاة من أموالهم وتُرد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فَخُذ منهم وتَوَقَّ

стр. 43

كرائمَ أموال الناس» (١). وأيضًا هذا المقام- مقام العِبادة- مَقام عظيم، وهو شَرف لمن حَقَّقه وانتسب إليه؛ فهو شرفٌ لملائكة الله تعالى المُقربين الذين لهم من المنزلة ما ذكر الله من أوصافهم؛ فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠، ١٩]. فمع ما وضع اللهُ فيهم مِنْ عِظم الخلق، وما جعل لهم من المنزلة، إلا أنَّهم لا يستكبرون عن عبادته ! * * *

стр. 44

قال المصنف ﵀: «ونَعَتَ صفوةَ خلقه بالعبودية لَهُ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿عينًا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا﴾ [الإنسان: ٦]، وقَالَ: ﴿وعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا وإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما … ﴾ الآيَات [الفرقان: ٦٣ - ٧٧]. ولما قَالَ الشَّيْطَانُ: ﴿رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُمْ فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤٢]. وقَالَ فِي وصف المَلَائِكَة بذلك: ﴿وقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون * لَا يسبقونه بالقَوْل وهم بأَمْره يعْملُونَ * يعلم مَا بَين أَيْديهم ومَا خَلفهم ولَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٦ - ٢٨]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا * لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا * تكَاد السَّمَاوات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الجبَال هدا * أَنْ دعوا للرحمن ولدا * ومَا يَنْبَغِي للرحمن أَنْ يتَّخذ ولدا * إِنْ كل من فِي السَّمَاوات والأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهمْ آتيه يَوْم القِيَامَة فَردًا﴾ [مَرْيَم: ٨٨ - ٩٥]. وقَالَ تَعَالَى عَنْ المَسِيح الَّذِي ادُّعيت فِيهِ الإلهية والبنوة: ﴿إِنْ هُو إِلَّا عبد أنعمنا عَلَيْهِ وجعلناه مثلًا لبني إِسْرَائِيل﴾ [الزخرف: ٥٩]، ولِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح: «لَا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَم؛ فَإِنَّمَا أَنا عبد، فَقولُوا: عبدُ الله ورَسُولُه».

стр. 45

وقد نَعته اللهُ بالعبودية فِي أكمل أَحْواله، فَقَالَ فِي الإِسْرَاء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، وقَالَ فِي الإيحاء: ﴿فَأوحى إِلَى عَبده مَا أوحى﴾ [النَّجْم: ١٠]، وقَالَ فِي الدَّعْوة: ﴿وأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدًا﴾ [الجِنّ: ١٩]، وقَالَ فِي التحدي: ﴿وإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فاتوا بِسُورَة من مثله﴾ [٢٣ البَقَرَة]. أثنى اللهُ على الملائكة بأنَّهم لا يَستكبرون عن عبادته، وذَمَّ جل وعلا المُستكبرين حيث قال: ﴿إنَّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر: ٦٠]. وقد بَيَّن شيخُ الإسلام ﵀ ثناءَ الله على عباده الذين أَخْلَصُوا له في عبادتهم له ، وهنا عِدَّةُ وقفات: الوقفة الأولى: أنواع العبودية لله تعالى: العبودية على نوعين: عبودية عامَّة. وعبودية خاصَّة. فالعبودية العامَّة: عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله؛ بَرِّهم وفاجرهم، مُؤمنهم وكافرهم. فهذه عبودية القَهر والمُلك؛ قال تعالى: ﴿وقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا ومَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ ولَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]، فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم. وقال تعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل﴾ [الفرقان: ١٧]؛ فسَمَّاهم عِبَادَه مع ضلالهم، ولكنها تسمية مُقَيَّدة بالإشارة، وقال تعالى: ﴿قُلِ

стр. 46

اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاواتِ والأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ [الزمر: ٤٦]، وقال: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلمًا لِّلعِبَاد﴾ [غافر: ٣١]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَاد﴾ [غافر: ٤٨]؛ فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة. وأما النوع الثاني: العبودية الخاصة، وهي عبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر، وقد جاءت تسميتهم مُطلقة. قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولَا أَنتُمْ تَحْزَنُون﴾ [الزخرف: ٦٨]، وقال: ﴿وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الزخرف: ٦٨]. وأخرج الطبريُّ عن الربيع في قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْركُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] يُقال: إنَّ عدوَّ الله إبليس قال: ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣، ٨٢] فهؤلاء الذين لم يُجعل للشيطان عليهم سبيلٌ، وإنَّما سُلطانه على قومٍ اتَّخذوه وليًّا، وأشركوه في أعمالهم» (١). فعباد الله حقًّا هم الذين قال لإبليس عنهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِين﴾ [الحجر: ٤٢]. قال الإمام ابن كثير ﵀: «وقوله: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] أي: الذين قَدَّرْتُ لهم الهدايةَ؛ فلا سبيلَ لك عليهم، ولا وصولَ لك إليهم، ﴿إلَّا مَنْ اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤٢] استثناء مُنقطع» (٢).

стр. 47

والاستثناء المُنقطع معناه: أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه ولا بعضه. والمعنى هنا: أنَّ هؤلاء الغاوين المتبعين لإبليس ليسوا عبادًا لله حقًّا؛ أي: العبودية الخاصة. قال الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «وإنَّما انقسمت العبوديَّةُ إلى خاصَّة وعامة؛ لأنَّ أصلَ معنى اللفظة [أي: العبودية]: الذُّلُّ والخضوع؛ يُقال: طريق مُعَبَّد إذا كان مُذَلَّلًا بوطء الأقدام، وفلان عَبَّده الحبُّ إذا ذلَّلَه. لكِنْ أولياؤه خَضعوا له وذَلُّوا طوعًا واختيارًا وانقيادًا لأمره ونهيه، وأعداؤه خَضعوا له قهرًا ورغمًا» (١). الوقفة الثانية: وصفُ عبيد ربوبيته بالعبودية لا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه: فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأمَّا أهل طاعته وولايته: فهم عبيد إلهيته. ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقًا إلا لهؤلاء المُخْلَصِين. وأمَّا وصف عبيد ربوبيته بالعبودية؛ فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه: الأول: إمَّا مُنَكَّرًا؛ كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. والثاني: مُعَرَّفًا بالألف واللام؛ كقوله: ﴿ومَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلمًا

стр. 48

لِّلعِبَاد﴾ [غافر: ٣١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَاد﴾ [غافر: ٤٨]. الثالث: مُقَيَّدًا بالإشارة أو نحوها؛ كقوله: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيل﴾ [الفرقان: ١٧]. الرابع: أن يُذكروا في عموم عباده؛ فيَندرجوا مع أهل طاعته في الذِّكر؛ كقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾ [الزمر: ٤٦]. الخامس: أن يُذكروا موصوفين بفعلهم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]. وقد يقال: إنَّما سَمَّاهم (عباده) إذا لم يَقنطوا من رحمته، وأنابوا إليه، واتَّبعوا أحسن ما أُنزل إليهم من ربهم؛ فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة (١). الوقفة الثالثة: مدار النِّزاع في هذا الباب: ومدار النزاع مع المخالف في هذا الباب جاء من عدم فَهمهم للفرق بين العبودية الخاصَّة والعبوديَّة العامَّة؛ فمن اتضح له الفرقُ بين العبودية الخاصة والعبودية العامة- عَرف أين مقام الثناء، وأين مقام الذَّمِّ؟ فمقام الثناء هو لأهل العبودية الخاصة؛ فلذلك نَعَتَهم اللهُ تعالى بجَمْعهم وأفرادهم؛ لأن مقامَ هذه العبوديةَ أشرفُ المقامات، ومرتبتها أعلى المرتبات؛ فبها تشَرَّفت الملائكة؛ قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقال ﷻ : ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ

стр. 49

بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]. والعبودية هي مقام التشريف لأنبياء الله ورسله، وهم أعلى مُكَلَّفين في مراتب العبودية؛ قال : ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١، ١٧٢]، وقال جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص: ٤٥]، ووصف سبحانه أيوبَ الذي ابتلي طويلًا بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، وأثنى على سليمان الذي وهبه الملك العظيم بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]، أمَّا عيسى ﵇ فقد ردَّ سبحانه على مَنْ أَلَّهوه بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩]، ولذلك استشهد هنا شيخ الإسلام بقول النبي ﷺ : «لَا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَم؛ فَإِنَّمَا أَنا عبدُه، فَقولُوا: عبدُ اللهِ ورَسُولُه» (١). فهذه العبودية تُطلق في مقام المدح والثناء، إذ هي شرفٌ للعبد؛ لذلك وصف الله بها نبيَّه ﷺ في أعلى المقامات: ففي مقام الإسراء قال ﷻ : ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]، وفي مقام الوحي قال سبحانه: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]، وفي مقام الدعوة قال جل وعلا: ﴿وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا﴾ [الجن: ١٩]، وفي مقام التحدي قال : ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]، فذكره بوصف العبودية. فعلى العبد أن يسعى جاهدًا في تحقيق العبودية؛ فهي شرفُه

стр. 50

ودليل إيمانه؛ كما في الحديثِ: «واعلم أنَّ شرفَ المؤمن قيامُه بالليل» (١). الوقفة الرابعة: تحقيق العبودية لله: أول الأولويات: تحقيق العبودية لله أول الأولويات؛ كما في حديث شُعب الإيمان: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعون- أو بضع وسِتُّون- شُعبة؛ فأفضلُها: قول: لا إله إلا الله. وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعبة من الإيمان» (٢)، فالإيمان كله عبودية؛ فكل طاعة من الطاعات هي شُعبة من شُعَب الإيمان؛ فالصلاة شعبة من شعب الإيمان، وكذلك الزكاة والصوم وبِر الوالدين وصلة الأرحام والصدقة .. إلى غير ذلك، فكل طاعة من هذه الطاعات فهي شعبة من شُعب الإيمان. وعليه، مَنْ أراد أن يكون من أهل الإيمان فليُحَقِّق العبودية لله ، وهذا مقام عظيم يَناله مَنْ أسلم لله ظاهرًا وباطنًا، وذلك بمعرفة الله المعرفة الحقَّة؛ قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]، فالعلماء هم أهل الخشية وأهل التقوى لله ؛ لأنهم بالله أعرف، وكما قال العلماء: «مَنْ كان بالله أعرف كان له أعبد». ولما كان الأنبياء أشد الناس معرفة بالله كانوا أعظم تحقيقًا للعبودية له جل وعلا، وقد ردَّ ﷺ على أولئك النفر الذين سألوا عن عبادته ﷺ ؛ فلمَّا أُخبروا كأنهم تقالُّوها؛ فقال: «أَمَا-

стр. 51

واللهِ- إنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم له … »، الحديث (١)، فالنبي ﷺ أخشانا وأتقانا وأكثرنا عبودية لله جَلَّ وعلا. فطريق تحقيق هذه العبادة هو عن طريق معرفة الله تعالى؛ لأن هذه المعرفة متى ما تَمَكَّنت في نفس- كان الله أحبَّ إليه من كل شيء، وأكبرَ من كل شيء، وأعظمَ من كل شيء، وأجلَّ مِنْ كل شيء. فإذا امتلأتِ النفوس بمحبة الله جل وعلا، عمرتها بالهيبة والإجلال والخشية والانكسار والذل والخضوع له ﷻ ، وأكسبتها سرعة الاستجابة لما يحبه الله ويرضاه؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الانتفال: ٢٤]، ونتج عن ذلك تحقيق طاعته ، والبعد عمَّا حرم ؛ فتستحق هذه النفوس أن تكون من أهل هذا الوصف؛ وصف العبودية، وأن يدخلوا فيمن قال الله فيهم: ﴿وعباد الرحمن﴾ [الفرقان: ٦٣]، فهذه العبودية الخاصَّة تُنال عن طريق تحقيق عبادة الله . ولا شك أنَّ الناس فيها مقامات؛ فهناك مَنْ هو سابق بالخيرات. وهناك مَنْ هو مقتصد. وهناك مَنْ هو ظالم لنفسه، لكن يَخلص من هذا كله: أنَّ الدين كله داخل في العبادة. ولذلك لما سُئل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان والسَّاعة- كما سيأتي في حديث جبريل ﵇ قال ﷺ في آخر ذلك الحديث: «هذا جبريلُ أَتَاكم يُعَلِّمكم دينَكم» (٢). * * *

стр. 52

قال المصنف ﵀: «فالدين كُلُّه دَاخل فِي العِبَادَة، وقد ثَبت فِي «الصَّحِيح» أَنَّ جِبْرِيل لما جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي صُورَة أَعْرَابِي وسَأَلَهُ عَنْ الإِسْلَام قَالَ: «الإِسْلَامُ: أَنْ تشهد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله وأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وتقيمَ الصَّلَاةَ، وتؤتي الزَّكَاة، وتصوم رَمَضَانَ، وتحجَّ البَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا». قَالَ: فَمَا الإِيمَان؟ قَالَ: «أَنْ تؤمن بِاللَّه ومَلَائِكَته وكُتُبه ورُسُله والبَعث بعد المَوْتِ، وتؤمن بِالقدرِ؛ خَيره وشره». قَالَ: فَمَا الإِحْسَان؟ قَالَ: «أَنْ تعبدَ الله كَأَنَّك ترَاهُ، فَإِنْ لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك»، ثمَّ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُم يُعَلِّمُكم دينَكُمْ»، فَجعل هَذَا كُلَّه مِنْ الدَّين». حديث جبريل هذا تَضَمَّن مراتبَ الدِّين، وهي: (الإسلام، والإيمان، والإحسان)، وفيه خص النبي ﷺ الإسلام بالأمور الظاهرة، وخَصَّ الإيمان بالأمور الباطنة، وجعل الإحسانَ مجموعَ الأمرين؛ لأن الإحسان في اللغة: الإتقان، والمراد هنا: إتقان الظاهر والباطن. والإسلام يطلق أحيانًا ويُراد به جميع الدِّين، كما في قوله تعالى: ﴿إنَّ الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]، ويُطلق تارة ويُراد به الأمور الظاهرة، كما في هذا الحديث حيث قال: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله … »، إلخ.

стр. 53

والإيمان كذلك يُطلق ويراد به جميع الدِّين، كما في حديث: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعون شُعبة … »، ويُطلق الإيمان ويراد به: الأمور الباطنة، كما هنا في حديث جبريل حيث قال ﷺ : «الإيمان: أن تُؤمن بالله وملائكته وكُتُبه ورسله … ». فلفظ الإسلام والإيمان إذا ذُكِرا معًا افترقا؛ فصار للإسلام معنى خاص، وللإيمان معنى خاص، كما هنا في حديث جبريل ﵇؛ فالإسلام خاص بالأعمال الظاهرة، والإيمان خاص بما يتعلق بأعمال القلوب. أما إذا ذُكِر الإسلام وحده أو الإيمان وحده؛ فإنَّ أحدهما يدخل في الآخر؛ لهذا يقول أهل العلم: «إنَّهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا»؛ فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: هو عملٌ بالأركان، وقول باللسان، وتصديق بالجَنان، ويدخل فيه الإسلام؛ يكون قولًا باللسان وعملًا بالأركان وتصديقًا بالجنان؛ إذا ذكر وحده (١). والشاهد هنا قوله: «فجعل هذا كلَّه مِنْ الدِّين»، أي: جعل من الدين: الأعمالَ الظاهرة والأعمال الباطنة وإتقان الظاهر والباطن، وهذا أعلى المقامات وهو مقام الإحسان، ومعناه: أن تتقن الظاهر والباطن؛ فإذا أحسن العبدُ أعماله الظاهرة، وأحسن أعماله الباطنة؛ فقد ارتقى إلى درجة الإحسان. وقولُ النبي ﷺ في آخر الحديث: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُم يُعَلِّمُكم دينَكُمْ»؛ فجعل الدِّينَ كُلَّه في العِبادة.

стр. 54

إذًا العبادةُ هي الدِّينُ، والدِّينُ هو العبادة؛ فعلى العبدِ أن يَعتني بأمر العبادة؛ لأنَّها الدِّينُ، وعليه أن يَعلم أن طريقه لتحقيق هذا دِين الإسلام والثبات عليه: إنَّما يكون بتحقيق العِبادة. * * *

стр. 55

قال المصنفُ ﵀: «والدِّين يتَضَمَّن معنى الخضوع والذُّلِّ؛ يُقَال: دِنْتُهُ فَدَان؛ أي: أذللتُه فَذَلَّ. ويُقَال: يَدِين اللهَ، ويَدِين للهِ، أي: يَعبد الله ويُطيعه ويَخضع لَهُ. فدين الله: عِبَادَته وطاعته والخضوع لَهُ. والعِبَادَة أصل مَعْنَاهَا: الذلُّ أَيْضًا، يُقَال: طَرِيق مُعَبَّد، إِذا كَانَ مُذَلَّلًا قد وَطِئَتْهُ الأَقْدَامُ. لَكِن العِبَادَة المَأْمُور بهَا تَتَضَمَّن معنى الذل ومعنى الحبِّ؛ فهي تَتَضَمَّن غَايَة الذل لله تعالى، بغاية المحبَّة لَهُ». لفظ الدِّين ولفظ العبادة في أصل اللغة بمعنى واحد. فالدين في اللغة معناه: الخضوع. قال ابنُ فارس: «(دين): الدال والياء والنون أصلٌ واحد إليه يرجع فروعُه كلُّها. وهو جنسٌ من الانقياد والذُّل. فالدِّين: الطاعة، يقال: دان له يَدِين دِينًا، إذا أصْحَبَ وانقاد وطَاعَ. وقومٌ دِينٌ، أي: مُطِيعون منقادون» (١). وقال الزبيدي: «والدين: (الطاعة)، وهو أصل المعنى؛ وقد دِنتُه ودِنتُ له، أي: أطعتُه» (٢).

стр. 56

والعبادة في اللغة معناها: الخضوع. قال الرازي: «أصل العُبُودية: الخضوع والذُّلِّ. والتَّعْبِيدُ: التذليل؛ يُقال: طريق مُعَبَّدٌ. والتَّعبِيدُ أيضًا: الاسْتِعْبادُ، وهو اتخاذ الشخص عبدًا … والعِبَادَةُ: الطاعة. والتَّعَبُّدُ: التنسُّك» (١). وقال الطبري في تفسير سورة الفاتحة عند قوله: ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥]: «وإنَّما اخترنا البيان عن تأويله بأنَّه بمعنى: نخشع ونذل ونستكين، دون البيان عنه بأنه بمعنى: نرجو ونَخاف- وإن كان الرَّجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذِلَّة- لأنَّ العبودية عند جميع العرب أصلها الذِّلَّة» (٢). ولذلك قال شيخ الإسلام هنا: «والدِّينُ يتضمن معنى الخضوع والذل، هذا في أصل اللغة، يقال: دِنْتُه فَدَان، أي: أذللتُه فَذَلَّ»، ثم قال: «أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له». فدين الله: عبادة الله وطاعته والخضوع له، فإذا أضيف الدِّين لله ؛ فإنه بمعنى: عبادة الله تعالى والخضوع والطاعة له . وهكذا معنى العبادة، فالعبادة أصل معناها في اللغة هو: الذل والخضوع، وبالتالي يقال: طريق مُعَبَّد إذا كان مذللًا قد وطئته الأقدام. لكن العبادة في الشرع أُضيف لها مع كمال الذُّلِّ كمال المحبة؛ كما قال شيخ الإسلام: «العبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذل؛

стр. 57

فالعابد محبٌّ خاضع بخلاف مَنْ يحب مَنْ لا يخضع له، بل يحبه؛ ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف مَنْ يخضع لمن لا يحبه، كما يخضع للظالم؛ فإنَّ كلًّا مِنْ هذين ليس عبادة محضة، وإنَّ كل محبوب لغير الله ومُعَظم لغير الله ففيه شَوْبٌ من العبادة» (١). فبعض الألفاظ إذا انتقلت من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي انضاف إليها معنى زائد، أو أنها اختصت بأمر معين؛ فلفظ العبادة في أصل اللغة معناه: الذل والخضوع، ولكن لما أصبح لفظًا شرعيًّا فإنَّه جمع مع الذل كمال المحبة، كمال قال المصنف هنا: «لكن العبادة المأمور بها تَتضمن معنى الذُّلِّ ومعنى الحبِّ». * * *

стр. 58

قال المصنف ﵀: «فَإِنَّ آخرَ مَرَاتِب الحبّ: هُو التتيم، وأوله: العلاقة؛ لتَعلق القلب بالمحبوب، ثمَّ الصَّبابة؛ لانصباب القلب إِلَيْهِ، ثمَّ الغَرام: وهُو الحبُّ الملازم للقلب، ثمَّ العِشْق، وآخِرهَا: التتيم؛ يُقَال: تَيْمُ اللهِ، أي: عَبْدُ اللهِ؛ فالمتيَّم: المعبَّد لمحبوبه». يجدر الحديث هنا عن عدة مسائل: المسألة الأولى: شرح الألفاظ الخمسة: أمَّا العلاقة؛ فقد قال العلَّامة ابن القيم ﵀: «العلاقة وتسمى العَلَق بوزن الفَلَق؛ فهي من أسمائها، قال الجوهري: والعلق- أيضًا-: الهوى؛ يقال: نظرة من ذي عَلَق؛ قال الشاعر: ولقد أردت الصَّبر عنك فعَلَقني … عَلَقٌ بقلبي من هواك قديم وقد عَلِقها بالكسر وعَلق حُبُّها بقلبه، أي: هَوِيها وعَلق بها علوقًا، وسُمِّيت علاقة؛ لتعلق القلب بالمحبوب؛ قال الشاعر: أعلاقة أم الوليد بعدما … أفنان رأسك كالثغام المخلس (١)» (٢) وأمَّا الصَّبْوة؛ فقال ابن القيم: «الصَّبْوة والصَّبَا فمن أسمائها أيضًا؛ قال في «الصِّحاح»: «والصَّبَا من الشَّوق؛ يقال منه تَصَابَا

стр. 59

وصَبَا يَصبو صَبْوة وصَبْوًا، أي: مال إلى الجهل. وأَصْبَتْهُ الجاريةُ وصَبِي صَباء مِثل سَمِع سَماعًا، أي: لعب مع الصبيان. قلت: أصل الكلمة من الميل؛ يقال: صبا إلى كذا، أي: مال إليه. وسُمِّيت الصبوة بذلك؛ لميل صاحبها إلى المرأة الصبية. والجمع: صبايا؛ مثل: مَطية ومطايا. والتَّصابي: هو تعاطي الصبوة مثل التمايل وبابه. والفرق بين الصبا والصبوة والتصابي: أن التصابي هي تعاطي الصبا، وأن تفعل فعل ذي الصبوة. وأمَّا الصبا فهو نفس الميل. وأما الصبوة فالمرة من ذلك مثل الغَشوة والكبوة، وقد يقال على الصفة اللازمة مثل القسوة، وقد قال يوسف الصديق ﵇: ﴿وإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وأَكُنْ مِنَ الجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. وأمَّا الصبابة فقال في «الصِّحاح»: هي رقة الشوق وحرارته؛ يقال: رجل صَبٌّ عاشق مشتاق، وقد صَبِبت يا رجل، بالكسر؛ قال الشاعر: ولستَ تَصَبُّ إلى الظاعنين … إذا ما صديقك لم يَصْبَب قلت: والصبابة من المضاعف من صَبَّ يصب والصبا والصبوة من المعتل وهم كثيرًا ما يعاقبون بينهما، فبينهما تناسب لفظي ومعنوي؛ قال الشاعر: تَشَكَّى المُحِبُّون الصَّبابةَ ليتني … تحمَّلت ما يَلقون مِنْ بينهم وَحْدي ويقال: رجل صَبٌّ، وامرأة صَبٌّ، كما يقال: رجل عدل وامرأة عدل» (١).

стр. 60

وأما الغرام فيقول ابنُ القيم: «وأمَّا الغرام فهو الحب اللازم، يقال: رجل مُغرم بالحب، أي: قد لَزِمه الحبُّ، وأصل المادة من اللزوم، ومنه قولهم: رجل مُغرم من الغُرم أو الدَّيْن؛ قال في «الصِّحاح»: والغَرام: الولوع، وقد أغرم بالشيء، أي: أولع به. والغريم: الذي عليه الدَّيْنُ، يقال: خذ من غَريم السوء ما سَنح، ويكون الغريم أيضًا: الذي له الدين؛ قال كُثَيِّر عَزَّة: قضى كُلُّ ذي دَيْن فوفَّى غَرِيمَه … وعَزَّة مَمطولٌ مُعَنّى غَريمها ومن المادة: قوله تعالى في جهنم: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]، والغرام: الشَّر الدائم اللازم والعذاب؛ قال بشر: ويوم النِّسار ويوم الجِفا … رِ كانا عذابًا وكانا غَراما وقال الأعشى: إن يعاقب يكن غرامًا وإن يع … طِ جزيلًا فإنه لا يبالي وقال أبو عبيدة: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]: كان هلاكًا ولِزامًا لهم. وللطف المحبة عندهم واستعذابهم لها لم يكادوا يُطلقون عليها لفظ الغرام، وإن لهج به المتأخرون» (١). وأمَّا العشق فيقول ابن القيم: «العشق فهو أَمَرُّ هذه الأسماء وأخبَثُها، وقَلَّ ما وَلعت به العربُ، وكأنهم ستروا اسمه، وكَنُّوا عنه بهذه الأسماء؛ فلم يكادوا يفصحوا به، ولا تكاد تجده في شعرهم القديم، وإنَّما أولع به المتأخرون، ولم يقع هذا اللفظ في القرآن ولا في السنة إلَّا في حديث سويد بن سعيد وسنتكلم عليه إن شاء الله

стр. 61

تعالى، وبعدُ فقد استعملوه في كلامهم؛ قال الشاعر: وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا … سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق نعم، صدق الواشون أنت حبيبة … إليَّ وإن لم تصف منك الخلائق قال في «الصِّحاح»: العشق: فرط الحب، وقد عشقها عشقًا؛ مثل علم علمًا … ورجل عشيق مثل فَسيق، أي: كثير العشق. والتعشق: تكلف العشق؛ قال الفراء: يقولون: امرأة محب لزوجها وعاشق. وقال ابن سِيدة: العشق: عجب المحب بالمحبوب؛ يكون في عفاف الحب ودَعارته؛ يعني: في العفة والفجور … وقد اختلف الناسُ: هل يُطلق هذا الاسم في حقِّ الله تعالى؟ فقالت طائفة من الصوفية: لا بأس بإطلاقه، وذكروا فيه أثرًا لا يَثبت، وفيه: «فإذا فعل ذلك عَشقني وعشقتُه». وقال جمهور الناس: لا يُطلق ذلك في حقِّه ؛ فلا يُقال: إنه يَعشق، ولا يقال: عشقه عبدُه. ثم اختلفوا في سبب المنع على ثلاثة أقوال: أحدها: عدم التوقيف بخلاف المحبة. الثاني: أن العشق إفراط المحبة، ولا يمكن ذلك في حقِّ الرب تعالى؛ فإنَّ الله تعالى لا يُوصف بالإفراط في الشيء، ولا يبلغ عبده ما يستحقه من حبِّه؛ فضلًا أن يقال: أفرط في حبه. الثالث: أنَّه مأخوذ من التغير؛ لأنه قيل: هو مأخوذ من شجرة يقال لها: عاشقة تخضَّر ثم تدق وتصفَّر، ولا يُطلق ذلك على الله » (١).

стр. 62

أما التتيُّم؛ فيقول ابن القيم في تعريفه: «وأمَّا التتيم فهو التعبُّد؛ قال في «الصِّحاح»: تيم الله أي: عبد الله. وأصله: مِنْ قولهم: تَيمه الحبُّ: إذا عَبَّدَه وذلَّلَه؛ فهو مُتَيَّم، ويقال: تامته المرأة؛ قال لقيط بن زرارة: تامت فؤادك، لو يَحزُنْك ما صنعت … إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا» (١) المسألة الثانية: أسماء المحبة: وقد ذكر ابنُ القيم في كتابه «روضة المحبين ونزهة المشتاقين»: «أنَّ للحبِّ قريبًا من سِتِّين اسمًا، وهي (المحبة، والعلاقة، والهوى، والصبوة، والصبابة، والشغف، والمِقة، والوجد، والكلف، والتتيم، والعشق، والجوى، والدنف، والشجو، والشوق، والخلابة، والبلابل، والتباريح السدم، والغمرات، والوهل، والشجن، واللاعج، والاكتئاب، والوصب، والحزن، والكمد، واللذع، والحرق، والسهد، والأرق، واللهف، والحنين، والاستكانة، والتبالة، واللوعة، والفتون، والجنون، واللمم، والخبل، والرسيس، والداء المخامر، والود، والخلة، والخِلم، والغرام، والهيام، والتدلية، والوله، والتعبد)، وقد ذكر له أسماء غير هذه، وليست من أسمائه وإنما هي من موجباته وأحكامه؛ فتركنا ذِكرها، وقد شرح ابن القيم معاني هذه الكلمات في كتابه المذكور؛ فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه (٢). المسألة الثالثة: تعريف المحبة: نتطرق هنا للمعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة المحبة، وذلك

стр. 63

بهدف التعريف بها وبيان مدلولها: أ- أصل اشتقاق المحبة: قال ابن منظور: «المحبة: اسم للحب» (١). ويرى ابنُ القيم أنَّ مادة كلمة (حب) تدور في اللغة على خمسة أشياء: أحدها: الصفاء والبياض، ومنه قولهم لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: «حَبَبُ الأسنان». الثاني: العلو والظهور، ومنه «حَبَبُ الماء وحُبَابه»، وهو ما يَعلوه عند المطر الشديد، وحَبَبُ الكأس منه. الثالث: اللزوم والثبات، ومنه، حَبَّ البعيرُ وأَحَبَّ، إذا بَرك ولم يَقُم. قال الشاعر: حُلْتَ عليه بالفَلاةِ ضَرْبا … ضَرْبَ بِعِيرِ السُّوءِ إِذْ أَحَبَّا الرابع: اللُّبُّ، ومنه: حَبَّة القلب، لِلُبِّه وداخِلِه. ومنه: الحَبَّةُ لواحدةِ الحُبوب؛ إذ هي أصلُ الشيء ومادَّته وقِوَامه. الخامس: الحِفظ والإمساك، ومنه: حِبُّ الماء؛ للوِعاء الذي يُحفظ فيه ويُمسكه، وفيه معنى الثبوت أيضًا. ثم قال ﵀: «ولا ريبَ أنَّ هذه الخمسة من لوازم المحبَّة: ١ - فإنَّها صفاء المودة، وهَيَجان إرادات القلب للمحبوب. ٢ - وعُلوها وظهورها منه؛ لتعلقها بالمحبوب المراد.

стр. 64

٣ - وثبوت إرادة القلب للمحبوب، ولُزومها لزومًا لا تفارقه. ٤ - ولإعطاء المحب محبوبه لُبَّه وأشرف ما عنده، وهو قلبه. ٥ - ولاجتماع عَزَماته وإراداته وهُمومه على محبوبه. فاجتمعت فيها المعاني الخمسة» (١). وزاد ابن القيم على هذه المعاني الخمسة ما يلي: «وقيل: بل هي مأخوذة من القلق والاضطراب، ومنه سُمِّي القِرط حِبًّا؛ لقلقه في الأذن واضطرابه. وقيل: بل هي مأخوذة من الحِب الذي هو إناء واسع؛ فيمتلئ به بحيث لا يَسع لغيره، وكذلك قَلب المحب ليس فيه سَعة لغير محبوبه. وقيل: مأخوذة من الحُبِّ، وهو الخشبات الأربع التي يَستقر عليها ما يُوضع من جَرَّة أو غيرها؛ فسُمِّي الحب بذلك؛ لأنَّ المحب يتحمل لأجل محبوبه الأثقال، كما تتحمل الخشباتُ ثِقل ما يُوضع عليها» (٢). ووضعوا لمعناها حرفين مُناسبين للمسمى غاية المناسبة: (الحاء) التي هي من أقصى الحلق. و (الباء) الشفوية التي هي نهايته. فللحاء الابتداء، وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحبة وتعلُّقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه. وقالوا في فعلها: حَبَّهُ وأحَبَّهُ. ثم اقتصروا على اسم الفاعل من (أحب) فقالوا: (مُحِبٌّ)، ولم

стр. 65

يقولوا: (حاب)، واقتصروا على اسم المفعول من (حَبَّ) فقالوا: (محبوب)، ولم يقولوا: (مُحَب) إلَّا قليلًا، كما قال الشاعر: ولقد نزلتِ فلا تَظُنِّي غيرَه … مِنِّي بمنزلة المُحبِّ المُكرم (١) يقول: وقد نزلتِ من قلبي منزلة مَنْ يحب ويُكرم؛ فتَيقَّني هذا واعلميه قطعًا ولا تَظُنِّي غيره (٢). وأعطوا (الحب) حركة الضَّم التي هي أشدُّ الحركات وأقواها، مطابقة لِشِدَّة حركة مُسَمَّاه وقُوَّتها. وأعطوا (الحِب) - وهو المحبوب- حركة الكسر؛ لخفتها عن الضمة وخفة المحبوب، وخِفَّة ذِكره على قلوبهم وألسنتهم … فتأمل هذا اللطف والمُطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني تُطلعك على قَدر هذه اللغة، وأنَّ لها شأنًا ليس لسائر اللغات (٣). ب- الحدُّ الاصطلاحي للمحبة: قال الحافظ ابنُ حَجَر ﵀: «وحقيقةُ المحبة- عند أهل المعرفة- مِنْ المعلومات التي لا تُحَدُّ، وإنما يعرفها مَنْ قامت به وجدانًا، ولا يمكن التعبير عنها» (٤). وقال ابن القيم: «لا تُحَدُّ المحبةُ بحدٍّ أوضح منها؛ فالحدود لا تَزيدها إلا خفاء وجفاء، فحدُّها وجودها. ولا تُوصف المحبة بوصف

стр. 66

أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها، وموجباتها، وعلاماتها، وشواهدها، وثمراتها، وأحكامها؛ فحدودهم ورسومهم دارت على هذه السِّتَّة، وتنوعت بهم العبارات وكثرت الإشارات بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة» (١). وهذا الذي ذكره ابن القيم وابن حجر هو الذي تطمئن له النفسُ؛ فالمحبة: أمرٌ شعوريٌّ وجدانيٌّ يُتعرف عليه بواسطة الأمور الستة التي أشار إليها ابن القَيِّم، وذلك لكون هذه الأمور هي العناصر التي يمكن أن يعبر عن المحبة من طريقها. ولذلك فلا داعي لِذكر تعريفات العلماء لها؛ فحَدُّها وجودها، والحدود لا تَزيدها إلا خفاء وجفاء، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى. * * *

стр. 67

قال المصنف ﵀: «ومَن خضع لإِنْسَانٍ مَعَ بغضه لَهُ لَا يكون عابدًا لَهُ، ولَو أحب شَيْئًا ولم يَخضع لَهُ لم يكن عابدًا لَهُ، كَمَا قد يُحب الرجل ولَده وصديقه، ولِهَذَا لَا يَكْفِي أَحدُهمَا فِي عبَادَة الله تَعَالَى، بل يجب أَنْ يكون اللهُ أحبَّ إِلَى العَبْد من كل شَيْء، وأَن يكون اللهُ عِنْدَه أعظمَ من كل شَيْء، بل لَا يسْتَحق المحبَّة والخضوع التَّامَّ إِلَّا اللهُ. وكل مَا أُحِبَّ لغير الله فمحبته فَاسِدَة، ومَا عُظِّم بِغَيْر أَمر الله فتعظيمه بَاطِل؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل إِنْ كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وإِخْوانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله ورَسُوله وجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ [التوبة: ٢٤]». يجدر التنبيهُ هنا لعدة مسائل؛ منها: المسألة الأولى: أقسام المحبة مِنْ حيث العموم: تنقسم المحبة من حيث العموم إلى قسمين: (المحبة المشتركة والمحبة الخاصة). القسم الأول: المحبة المشتركة. وهي ثلاثة أنواع: أحدها: محبَّة طبيعية؛ كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، ونحو ذلك، وهذه لا تَستلزم التعظيم. الثاني: محبَّة رحمة وإشفاق؛ كمحبَّة الوالد لولده الطفل، وهذه- أيضًا- لا تستلزم التعظيم.

стр. 68

الثالث: محبة أُنس وإِلْف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو عِلم أو مُرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضًا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا. فهذه الأنواع الثلاثة التي تَصلح للخَلْق؛ بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شِرْكًا في محبة الله، ولهذا كان رسول الله ﷺ يحبُّ الحلواء والعَسل (١)، وكان يحبُّ نِساءه (٢)، وعائشة أحبُّهن إليه، وكان يُحِبُّ أصحابَه، وأحبهم إليه الصِّدِّيق ? (٣). القسم الثاني: المحبة الخاصَّة التي لا تَصلح إلا لله. ومتى أحبَّ العبدُ بها غيرَه، كان شركًا لا يَغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره. فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا (٤)، بل يجب إفرادُ

стр. 69

الله بهذه المحبة الخاصة التي هي توحيد الإلهية، بل الخلق والأمر والثواب والعقاب إنما نشأ عن المحبة ولأجلها، فهي الحقُّ الذي خُلقت به السموات والأرض، وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي، وهي سِرُّ التأله، وتوحيدها: هو شهادة أن لا إله إلا الله. وليس كما يزعم المنكرون: أن الإله هو الربُّ الخالق؛ فإن المشركين كانوا مُقِرِّين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه، ولم يكونوا مُقرين بتوحيد الإلهية الذي هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله الذي تألهه القلوب حُبًّا وذُلًّا وخوفًا ورجاء وتعظيمًا وطاعة. وإله بمعنى مألوه، أي: محبوب معبود، وأصله من التأله، وهو التعبُّد الذي هو آخر مَراتب المحبة، فالمحبة حقيقة العبودية (١)، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا القسم. المسألة الثانية: أقسام المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها: تنقسم المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها إلى قسمين: (نافعة محمودة. مذمومة ضارة). القسم الأول: المحبة النافعة وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة وهي ثلاثة أنواع: أ- محبة الله. ب- محبة في الله. ج- محبةُ ما يُعين على طاعة الله واجتناب معصيته.

стр. 70

فيحبُّ الله تعالى حبًّا لا يُشاركه فيه أحد، ويكون الله هو المحبوب المراد الذي لا يُحب لذاته ولا يُراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى الذي لا صَلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو محبوبه ومراده وغاية مطلوبه. وتكون هذه المحبة مُستلزمة لما يتبعها من عبادته تعالى وخضوعه له، وتعظيمه . والمحبة في الله: بأن يحب المؤمنين لا يحبهم إلا لله، ويكون هواه تبعًا لحبِّ الله تعالى ورضاه؛ فلا يُحب إلا ما يحبه اللهُ تعالى. ومحبةُ ما يُعين على طاعة الله أنواعٌ كثيرة تَندرج فيها جميع العبادات. القسم الثاني: المحبة الضارَّة: وهي المحبة المَذمومة التي تَجلب لصاحبها ما يضرُّه، وهو الشقاء. وهي ثلاثة أنواع أيضًا: النوع الأول: المحبة مع الله. ومنها: محبة المشركين آلهتهم كحبِّ الله. النوع الثاني: محبة ما يُبغضه الله. ومنها: محبة الفواحش والمنكرات التي يُبغضها الله. النوع الثالث: محبة ما تَقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها. ومنها: عِشق النساء الذي يزيد عن حَدِّه حتى يُضيع الأوامر ويُدخل في النواهي، وفي مقدمة ذلك عِشق الفاسقات والعاهرات والوِلْدَان. فهذه سِتَّةُ أنواع عليها مدارُ محابِّ الخلق.

стр. 71

فأصل المَحابِّ المحمودة: محبة الله تعالى، بل وأصل الإيمان والتوحيد والنوعان الآخران تَبَعٌ لها. كما أنَّ المحبةَ مع الله أصلُ الشرك، والمحاب المذمومة والنوعان الآخران تَبَعٌ لها (١). فأصل الشرك الذي لا يَغفره الله هو الشرك في هذه المحبة؛ فإنَّ المشركين لم يزعموا أنَّ آلهتهم وأوثانهم شاركت الربَّ سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنَّما كان شِركهم بها من جهة محبتها مع الله؛ فَوَالَوْا عليها وعادوا عليها وتألَّهوها، وقالوا: هذه آلهة صِغار تُقَرِّبنا إلى الإله الأعظم؛ قال تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾ [البقرة: ١٦٥]، وهذا منهم كحال عبادتهم لهم؛ قال ﷻ : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. ففرق بين محبة الله أصلًا، والمحبة له تبعًا، والمحبة معه شركًا، وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مَفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك (٢). المسألة الثالثة: حقيقة المحبة الشرعية: المقصود بالمحبة الشرعية: محبة الله ومحبة رسوله ﷺ وكل ما يدخل في فَلَكها ويدور مع محورها. فهذه المحبة مِنْ أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله، بل ومن أوجب العِبادات المُناطة بقلب المؤمن، ذلك لأنَّه لابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله، وأن يكون الله ورسوله ﷺ إليه مما

стр. 72

سواهما. فهي أصلُ كلِّ عمل من أعمال الإيمان والدِّين، كما أن التصديق به أصل كلِّ قول من أقوال الإيمان والدِّين؛ فإنَّ كل حركة في الوجود إنما تَصدر عن محبة؛ إمَّا عن محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة. فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تَصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة: هي محبة الله ؛ إذ العملُ الصادر عن محبة مذمومة لا يكون عملًا صالحًا عند الله، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله؛ فإنَّ الله تعالى لا يَقبل مِنْ العمل إلا ما أُريد به وجهه؛ كما ثبت في «الصَّحيح» عن النبي ﷺ فيما يَرويه عن ربِّه أنه قال: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشرك؛ مَنْ عَمِل عملًا أَشرك فيه معي غيري تَرَكْتُه وشِرْكَه» (١). فإخلاصُ الدِّين لله هو الدِّين الذي لا يَقبل الله سواه، وهو الذي بَعث به الأَوَّلين والآخرين من الرُّسل، وأنزل به جميع الكتب، واتَّفق عليه أهلُ الإيمان. وهذا هو خلاصةُ الدَّعوة النبوية، وهو قُطب القرآن الذي تدور عليه رَحاه (٢)، فأصلُ الدِّين وقاعدته يتضمن أن يكون اللهُ هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله: ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك.

стр. 73

والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو؛ فتَخلو القلوب عن محبة ما سواه بِمَحَبَّته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به (١). فإذا كان أصلُ العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة؛ كقوله تعالى: ﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وأمثال هذا. والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يُعَظَّم ولا يُذَلُّ له لا يكون معبودًا، والمُعَظَّم الذي لا يُحَبُّ لا يكون معبودًا، ولهذا قال تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. فبَيَّن- سبحانه- أنَّ المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادًا وإن كانوا يُحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشدُّ حُبًّا لله منهم لله ولأوثانهم؛ لأنَّ المؤمنين أعلم بالله، والحب يَتبع العِلم، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حُبِّهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعضَ حُبِّهم لغيره، وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل؛ قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].

стр. 74

واسم المحبة فيه إطلاق وعموم؛ فإنَّ المؤمن يحب الله ويحب رُسلَه وأنبياءه وعبادَه المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقُّها غيرُه. ولهذا جاءت محبة الله مَقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه والتبتُّل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله . وكما أنَّ محبته هي أصلُ الدِّين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها (١). وكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب ؛ فالحق الذي خُلِق به ولأجله الخلقُ: هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسلَ، وأنزل الكتبَ، وخَلَقَ الجَنَّةَ والنارَ (٢). وقد بين الله أنه قد خلقَ الناس للابتلاء؛ فقال جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، وقال سبحانه: ﴿وهُو الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]. فأخبر جل وعلا في هذه الآيات أنَّ خلق العالم والموت والحياة وتَزَيُّنَ الأرض بما عليها: أنه للابتلاء والامتحان؛ ليختبر خلقه أيهم أحسن عملًا، فيكون عمله موافقًا لمحابِّ الرب تعالى، فيوافق الغاية التي خُلِق هو لها وخلق لأجلها العالَم، وهي عبوديته

стр. 75

المتضمنة لمحبَّته وطاعته، وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه، وقَدَّر سبحانه مقادير تُخالفها بحكمته في تقديرها، وامتحن خلقَه بين أَمْرِه وقَدَرِه؛ ليَبلوهم أيُّهم أحسن عملًا. فانقسم الخلق في هذا الابتلاء إلى فريقين: الفريق الأول: داروا مع أوامره ومحابِّه، ووقفوا حيث وَقف بهم الأمر، وتحَرَّكوا حيث حَرَّكهم الأمر، واستعملوا الأمرَ في القَدَر، وركبوا سفينةَ الأمر في بحر القَدَر، وحَكَّموا الأمرَ على القَدَر، ونازعوا القَدَرَ بالقَدَرِ؛ امتثالًا لأمره واتِّباعًا لمرضاته؛ فهؤلاء هم النَّاجون. والفريق الثاني: عارضوا بين الأمر والقَدَر، وبين ما يُحِبُّه ويَرضاه وبين ما قَدَّره وقَضَاه، فهؤلاء هم المُفَرِّطون (١). وحقيقة المحبة: حركة نفس المُحِبِّ إلى محبوبه، فالمحبة حَركة بلا سكون؛ فالحبُّ يُوجب حركة النفس وشِدَّة طلبها، والنَّفس خُلِقت مُتحركة بالطبع كحركة النار، فالحب حركتها الطبيعية، فكلُّ مَنْ أَجَلَّ شيئًا من الأشياء وَجَدَ في حُبِّه لذَّة ورَوْحًا، فإذا خلا عن الحب مطلقًا تعطَّلَت النفس عن حركتها وثَقلت وكَسلت وفارقها خِفَّةُ النَّشاط، ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس همًّا وغَمًّا وحُزنًا، ليس لهم فَرح ولا سرور، بخلاف أرباب النَّشاط والجِدِّ في العمل أيِّ عملٍ كان، فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته كان التذاذهم بحبِّه ونشاطهم فيه أقوى. وإنَّه ليس للقلب والروح ألذُّ ولا أطيبُ ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقُرَّة العَين به، والأنس بِقُربه،
следующие страницы →